- الثلاثاء يونيو 07, 2011 2:18 pm
#38888
موقعة حطين على أرض فلسطين (583هـ - 1187م)
في أواخر القرن الخامس الهجري، المواقف الحادي عشر الميلادي، استطاعت الحملات الصليبية التي قادها ملوك وأمراء أوروبا ضد الشرق الإسلامي تحت >اسم الصليب< لتبرير أطماعهم في هذه البلاد وثرواتها، أن يستولوا على عدد من بلدان المشرق العربي· وكانت غايتهم فلسطين لمكانتها الدينية ولاسيما حاضرتها القدس التي دخلوها في 23 شعبان سنة 492هـ الموافق 15 تموز/ يوليو 1099م وقد هزت هذه الهزيمة المسلمين في شتى بقاع الأرض· ومنذ ذلك الحين بدأ الاستعداد لبناء القوة القادرة على مواجهة هذا الحظر وتحرير الأرض واسترجاع بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين الى حظيرة الإسلام· وطبق المسلمون قول الله تعالى:
{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}(الأنفال 60)·
واستمر ذلك حوالي قرن من الزمان· وكان صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب· مؤسس الدولة الأيوبية التي ضمت تحت جناحها مصر والشام، هو القائد المحنك والسياسي المجرب الذي تحقق على يديه، النصر في موقعة حطين التي جرت على أرض فلسطين في 17 ربيع الثاني 583هـ الموافق 4 تموز / يوليو 1187م·
فبعد سنوات من الإعداد المنظم والحشد الاستراتيجي السياسي والعسكري الذي تولى القيام به صلاح الدين بنفسه، ونجاحه في توحيد مصر وسوريا، ووضع قواتهما تحت قيادته الحكيمة· قرر أن يضع حداً للجرائم التي ارتكبها أمير الكرك المعروف بأرناط ضد المسلمين وتعرضه المستمر لقوافل الحج الذاهبة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، مخالفاً بذلك ما كان بين المسلمين وبينه من اتفاقات للهدنة·
فوضع صلاح الدين خطة حربية محكمة، وأحسن اختيار الزمان والمكان المناسبين للمعركة المنتظرة فتقدمت الجيوش تحت قيادته من الشرق نحو فلسطين· وبدأ بمحاصرة مدينة طبرية وهي مهمة بالنسبة للصليبيين ثم أسرع واستولى عليها، وأحاط بها من كل جانب، وأحكم قبضته على مصادر المياه في المنطقة كلها· عندئذ تجمعت جيوش الصليبيين وحاولت مهاجمته والتقدم لاسترجاع طبرية· وهذا ما أراده منها صلاح الدين فقام على الفور بمحاصرتها في وادي ضيق بين الجبال ومنعهم من الوصول إلى خزانات المياه وهي مادة حيوية في الحروب مثل النفط في عصرنا، لاسيما أن المعركة دارت في فصل الصيف شديد الحرارة في هذه البقعة من فلسطين· وبعد أن حاصرهم حصاراً محكماً، وبلغ منهم الجهد مبلغه فتح لهم ثغرة ضيقة للاندفاع منها واستطاعت قواته أن تهجم عليهم من كل جانب، ودارت معركة حامية بين الطرفين ورجحت كفة صلاح الدين الذي حقق النصر المبين على جيوش الصليبيين· وكانت هزيمتهم في حطين بداية النهاية لاحتلالهم للشرق الإسلامي· وتقدم صلاح الدين لتحرير بيت المقدس وظفر بذلك ودخلها في 26 رجب سنة 583هـ الموافق/ تشرين أول/ أكتوبر سنة 1187م أي بعد نصر حطين بثلاثة أشهر فقط (4) ولما كان هذا النصر يبدو بعيداً في ظل ما كان يعاني منه المسلمون في ذلك الزمان من ضعف فقد وصفه نائب صلاح الدين عماد الدين الأصفهاني، بقوله: >أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون<(5)·
وعلى عكس ما فعل الصليبيون عند احتلالهم للقدس وقيامهم بارتكاب مذابح ضد السكان دون تمييز بين المسلمين أو النصارى الذين كانوا يعيشون جنباً الى جنب قروناً عديدة تحت راية الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي الحنيف، فقد عفا صلاح الدين عن الأسرى من النساء والأطفال والشيوخ والعجزة وقدم لهم العون والمساعدة التي تبلغهم بلادهم لمن أراد العودة منهم، وأمن من رغب في البقاء· يصف ذلك الشاعر أبو الفوارس سعد بن محمد فيقول(6):
ملكنا فكان العفوا منا سجيةüüü فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأساري وطالما üüü غدونا على الأسرى نمن ونصفح
وحسبكم هذا التفاوت بيننا üüü وكل إناء بالذي فيه ينضح
وقال المؤرخ الانجليزي لين بول عن فتح بيت المقدس:
>لو لم يكن لصلاح الدين من الأعمال الثابتة إلا أخذه بيت المقدس لكان ذلك كافيا لجعله أعظم الفاتحين في عصره وأكبرهم قلباً بل لعله كان كذلك في أي عصر من العصور<(7)·
-------------------------------------------------------
إن الوقت الذي احتل فيه الصهاينة أرض الله المباركة في القدس هو الأقصر في تاريخ تعرض هذه الأرض للاحتلال في الزمن الطويل الذي سبق!
وهذه الحقيقة التي نسوقها في مفتتح قراءتنا لواحدة من كبريات حادثات الإسلام في تحرير مقدساته والعمل من أجل صد العدوان عليها لا نهدف من ورائها إلى تحرير الشعور المعاصر أو إصابة عزمه والنَّيل منه، والاقتراب به من دائرة الكسل أو الخور والعجز، وإنما المراد من وراء سوقها أن نطرد هواجس اليأس من نفوس الناس، وأن نطمئن قلوب العاملين من أجل تحرير المسجد الأقصى، بأن الله سبحانه وتعالى ولا شك مكلِّلٌ جهادَهم ومانحُهم فضلَه ومؤتيهم ثمرةَ سعيهم نحو تحريره وإنقاذه من براثن يهود!
كان ذلك صحيح إذا عرفنا أن تحرير بيت المقدس الذي تحقَّق كأثر من آثار حطين كان بعد ما يقرب من قرن كامل!
يقول ابن كثير في (البداية والنهاية) في أحداث سنة 583هـ: "فيها كانت وقعة حطين التي كانت أمَارةً ومقدمةً وبشارةً لفتح بيت المقدس على المؤمنين واستنقاذه من أيدي الكافرين".
وقد تكرر في أحداث هذه الوقعة ما نصرُّ على التحذير منه والاحتياط لمعالجته، وهو غدرُ نصارى الشرق عندما يهاجم بعدد من الغرب متسلِّحين بالصليب، وهو ما سيتطلب المناقشة والمعالجة، ولا سيما بعد التنادي والانتصار لمفهوم المواطنة.
وقد أسفرت أحداث هذه المعركة عن الاستفادة من الإستراتيجية العسكرية الإسلامية، من خلال دراسة السيرة النبوية، فلقد كانت مقدمات النصر في حطين أن نزلت الجيوش- بما فيها جيش مصر- بالقرب من الماء كما حدث قديمًا مع بدر.
إننا بالإمكان أن نقرِّر أن كثيرًا من هزائم المسلمين أو تأخير انتصاراتهم كانت سبب كثير من خيانات الداخل من أصحاب الملل الأخرى، وإن كثيرًا من انتصارات المسلمين قديمًا كانت أثرًا من آثار الوحدة والاجتماع، فلقد آمن قادةُ هذا النصر بأن القضاء على التمزُّق وتوحيد أطراف الأمة هو السبيل الأساسية في طريق تحقيق طرد العدو والتغلب عليه، وهو ما سعى إليه صلاح الدين أولاً.
لقد تلخصت خطة صلاح الدين في الأمور التالية:
1- السعي نحو توحيد الإمارات، فضم مصر والشام والجزيرة الشامية كلها في مدة أربع سنوات.
2- نشر ثقافة الجهاد استنفارًا وحثًّا، وهو ما ينبغي أن تستعد له المؤسسات التعليمية المعاصرة ويدرج ضمن المقررات التعليمية.
3- التجهيز والاستعداد، ولا سيما أن الحروب الصليبية متوالية قريبة منه وهل ليس ثمة أعداءٌ بالقرب منا؟!
ولقد تجلَّت مجموعة كبرى من علامات لا يصحُّ تفويتها بعد النصر الذي حققه صلاح الدين، وهي كافية في التدليل على المنظومة الأخلاقية الحاكمة في بنية الإسلام التشريعية.. يقول محمد عبد الله عثمان في التعقيب على هذا النصر الكبير: "وأبدى صلاح الدين في تحصيل الفداء منتهى التسامح، ولم يدخل خزائنه سوى القليل، لقد كان دخول المسلمين بيت المقدس على هذا النحو السلمي المنزَّه عن ارتكاب الإثم وإراقة الدماء صفحةً مشرقةً ناصعةً".
إن النصر الذي تم على إثره تطهير البيت المقدس في القدس كان ثمرةً منطقيةً لعوامل كثيرة يمكن إجمالها فيما يلي:
1- وحدة الأمة.
2- توافر بطل عظيم الاقتناع بالفكرة الإسلامية.
3- التخطيط والاستعداد والتجهيز.
ومن ثم فنحن نؤمن إيمانًا عميقًا كما تبدَّى من قراءة أحداث هذه المعركة أن أيَّ تحرك أو أي مشروع نهضوي يتوخَّى أي صفة غير الصفة الإسلامية والتحول بهذا التحرك نحو أيِّ باعث قومي أو عنصري أو إقليمي سيقود إلى التجرد من الشرف وسيقود إلى الإخفاق المروِّع!!
إنا في أمسِّ الحاجة إلى أن نُعلي من أمر ما فعله صلاح الدين، وتمثَّل في حقن الدماء وعفوه عن أسرى الصليبيين.
ومن العجيب أن نرى أن قيام دولة لـ"إسرائيل" في فلسطين صورة مجددة مطابقة لأجواء احتلال القدس قديمًا، وإقامة مملكة فرنجية صليبية.. عنف يهودي حديث ربيب عنف صليبي قديم، وتذرّع بأساطير توراتية حديثة من رحم أساطير صليبية قديمة، وتعاون عالمي لإمداد "إسرائيل" بالعون وضمان تفوقها العسكري سائر على خطى الإمداد القديم من شعوب أوروبا لحملات الصليبيين ثم- وهذا هو المحزن حقًّا- عالم عربي ممزَّق كما كان العالم العربي القديم ممزَّقًا قبل توحيد أركانه على يد صلاح الدين.
إن حطين درسٌ لليائسين أو المقرَّبين من حافة اليأس، تدعو الأمة كلها أن تحلَّ مسألة تحرير فلسطين على قمة واجباتها، والطريق واضحة مرسومة في عنوانات محددة، هي: الوحدة، والتعاون، والوعي بخطر العدو، والإيمان العميق بالفكرة الإسلامية.
في أواخر القرن الخامس الهجري، المواقف الحادي عشر الميلادي، استطاعت الحملات الصليبية التي قادها ملوك وأمراء أوروبا ضد الشرق الإسلامي تحت >اسم الصليب< لتبرير أطماعهم في هذه البلاد وثرواتها، أن يستولوا على عدد من بلدان المشرق العربي· وكانت غايتهم فلسطين لمكانتها الدينية ولاسيما حاضرتها القدس التي دخلوها في 23 شعبان سنة 492هـ الموافق 15 تموز/ يوليو 1099م وقد هزت هذه الهزيمة المسلمين في شتى بقاع الأرض· ومنذ ذلك الحين بدأ الاستعداد لبناء القوة القادرة على مواجهة هذا الحظر وتحرير الأرض واسترجاع بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين الى حظيرة الإسلام· وطبق المسلمون قول الله تعالى:
{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}(الأنفال 60)·
واستمر ذلك حوالي قرن من الزمان· وكان صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب· مؤسس الدولة الأيوبية التي ضمت تحت جناحها مصر والشام، هو القائد المحنك والسياسي المجرب الذي تحقق على يديه، النصر في موقعة حطين التي جرت على أرض فلسطين في 17 ربيع الثاني 583هـ الموافق 4 تموز / يوليو 1187م·
فبعد سنوات من الإعداد المنظم والحشد الاستراتيجي السياسي والعسكري الذي تولى القيام به صلاح الدين بنفسه، ونجاحه في توحيد مصر وسوريا، ووضع قواتهما تحت قيادته الحكيمة· قرر أن يضع حداً للجرائم التي ارتكبها أمير الكرك المعروف بأرناط ضد المسلمين وتعرضه المستمر لقوافل الحج الذاهبة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، مخالفاً بذلك ما كان بين المسلمين وبينه من اتفاقات للهدنة·
فوضع صلاح الدين خطة حربية محكمة، وأحسن اختيار الزمان والمكان المناسبين للمعركة المنتظرة فتقدمت الجيوش تحت قيادته من الشرق نحو فلسطين· وبدأ بمحاصرة مدينة طبرية وهي مهمة بالنسبة للصليبيين ثم أسرع واستولى عليها، وأحاط بها من كل جانب، وأحكم قبضته على مصادر المياه في المنطقة كلها· عندئذ تجمعت جيوش الصليبيين وحاولت مهاجمته والتقدم لاسترجاع طبرية· وهذا ما أراده منها صلاح الدين فقام على الفور بمحاصرتها في وادي ضيق بين الجبال ومنعهم من الوصول إلى خزانات المياه وهي مادة حيوية في الحروب مثل النفط في عصرنا، لاسيما أن المعركة دارت في فصل الصيف شديد الحرارة في هذه البقعة من فلسطين· وبعد أن حاصرهم حصاراً محكماً، وبلغ منهم الجهد مبلغه فتح لهم ثغرة ضيقة للاندفاع منها واستطاعت قواته أن تهجم عليهم من كل جانب، ودارت معركة حامية بين الطرفين ورجحت كفة صلاح الدين الذي حقق النصر المبين على جيوش الصليبيين· وكانت هزيمتهم في حطين بداية النهاية لاحتلالهم للشرق الإسلامي· وتقدم صلاح الدين لتحرير بيت المقدس وظفر بذلك ودخلها في 26 رجب سنة 583هـ الموافق/ تشرين أول/ أكتوبر سنة 1187م أي بعد نصر حطين بثلاثة أشهر فقط (4) ولما كان هذا النصر يبدو بعيداً في ظل ما كان يعاني منه المسلمون في ذلك الزمان من ضعف فقد وصفه نائب صلاح الدين عماد الدين الأصفهاني، بقوله: >أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون<(5)·
وعلى عكس ما فعل الصليبيون عند احتلالهم للقدس وقيامهم بارتكاب مذابح ضد السكان دون تمييز بين المسلمين أو النصارى الذين كانوا يعيشون جنباً الى جنب قروناً عديدة تحت راية الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي الحنيف، فقد عفا صلاح الدين عن الأسرى من النساء والأطفال والشيوخ والعجزة وقدم لهم العون والمساعدة التي تبلغهم بلادهم لمن أراد العودة منهم، وأمن من رغب في البقاء· يصف ذلك الشاعر أبو الفوارس سعد بن محمد فيقول(6):
ملكنا فكان العفوا منا سجيةüüü فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأساري وطالما üüü غدونا على الأسرى نمن ونصفح
وحسبكم هذا التفاوت بيننا üüü وكل إناء بالذي فيه ينضح
وقال المؤرخ الانجليزي لين بول عن فتح بيت المقدس:
>لو لم يكن لصلاح الدين من الأعمال الثابتة إلا أخذه بيت المقدس لكان ذلك كافيا لجعله أعظم الفاتحين في عصره وأكبرهم قلباً بل لعله كان كذلك في أي عصر من العصور<(7)·
-------------------------------------------------------
إن الوقت الذي احتل فيه الصهاينة أرض الله المباركة في القدس هو الأقصر في تاريخ تعرض هذه الأرض للاحتلال في الزمن الطويل الذي سبق!
وهذه الحقيقة التي نسوقها في مفتتح قراءتنا لواحدة من كبريات حادثات الإسلام في تحرير مقدساته والعمل من أجل صد العدوان عليها لا نهدف من ورائها إلى تحرير الشعور المعاصر أو إصابة عزمه والنَّيل منه، والاقتراب به من دائرة الكسل أو الخور والعجز، وإنما المراد من وراء سوقها أن نطرد هواجس اليأس من نفوس الناس، وأن نطمئن قلوب العاملين من أجل تحرير المسجد الأقصى، بأن الله سبحانه وتعالى ولا شك مكلِّلٌ جهادَهم ومانحُهم فضلَه ومؤتيهم ثمرةَ سعيهم نحو تحريره وإنقاذه من براثن يهود!
كان ذلك صحيح إذا عرفنا أن تحرير بيت المقدس الذي تحقَّق كأثر من آثار حطين كان بعد ما يقرب من قرن كامل!
يقول ابن كثير في (البداية والنهاية) في أحداث سنة 583هـ: "فيها كانت وقعة حطين التي كانت أمَارةً ومقدمةً وبشارةً لفتح بيت المقدس على المؤمنين واستنقاذه من أيدي الكافرين".
وقد تكرر في أحداث هذه الوقعة ما نصرُّ على التحذير منه والاحتياط لمعالجته، وهو غدرُ نصارى الشرق عندما يهاجم بعدد من الغرب متسلِّحين بالصليب، وهو ما سيتطلب المناقشة والمعالجة، ولا سيما بعد التنادي والانتصار لمفهوم المواطنة.
وقد أسفرت أحداث هذه المعركة عن الاستفادة من الإستراتيجية العسكرية الإسلامية، من خلال دراسة السيرة النبوية، فلقد كانت مقدمات النصر في حطين أن نزلت الجيوش- بما فيها جيش مصر- بالقرب من الماء كما حدث قديمًا مع بدر.
إننا بالإمكان أن نقرِّر أن كثيرًا من هزائم المسلمين أو تأخير انتصاراتهم كانت سبب كثير من خيانات الداخل من أصحاب الملل الأخرى، وإن كثيرًا من انتصارات المسلمين قديمًا كانت أثرًا من آثار الوحدة والاجتماع، فلقد آمن قادةُ هذا النصر بأن القضاء على التمزُّق وتوحيد أطراف الأمة هو السبيل الأساسية في طريق تحقيق طرد العدو والتغلب عليه، وهو ما سعى إليه صلاح الدين أولاً.
لقد تلخصت خطة صلاح الدين في الأمور التالية:
1- السعي نحو توحيد الإمارات، فضم مصر والشام والجزيرة الشامية كلها في مدة أربع سنوات.
2- نشر ثقافة الجهاد استنفارًا وحثًّا، وهو ما ينبغي أن تستعد له المؤسسات التعليمية المعاصرة ويدرج ضمن المقررات التعليمية.
3- التجهيز والاستعداد، ولا سيما أن الحروب الصليبية متوالية قريبة منه وهل ليس ثمة أعداءٌ بالقرب منا؟!
ولقد تجلَّت مجموعة كبرى من علامات لا يصحُّ تفويتها بعد النصر الذي حققه صلاح الدين، وهي كافية في التدليل على المنظومة الأخلاقية الحاكمة في بنية الإسلام التشريعية.. يقول محمد عبد الله عثمان في التعقيب على هذا النصر الكبير: "وأبدى صلاح الدين في تحصيل الفداء منتهى التسامح، ولم يدخل خزائنه سوى القليل، لقد كان دخول المسلمين بيت المقدس على هذا النحو السلمي المنزَّه عن ارتكاب الإثم وإراقة الدماء صفحةً مشرقةً ناصعةً".
إن النصر الذي تم على إثره تطهير البيت المقدس في القدس كان ثمرةً منطقيةً لعوامل كثيرة يمكن إجمالها فيما يلي:
1- وحدة الأمة.
2- توافر بطل عظيم الاقتناع بالفكرة الإسلامية.
3- التخطيط والاستعداد والتجهيز.
ومن ثم فنحن نؤمن إيمانًا عميقًا كما تبدَّى من قراءة أحداث هذه المعركة أن أيَّ تحرك أو أي مشروع نهضوي يتوخَّى أي صفة غير الصفة الإسلامية والتحول بهذا التحرك نحو أيِّ باعث قومي أو عنصري أو إقليمي سيقود إلى التجرد من الشرف وسيقود إلى الإخفاق المروِّع!!
إنا في أمسِّ الحاجة إلى أن نُعلي من أمر ما فعله صلاح الدين، وتمثَّل في حقن الدماء وعفوه عن أسرى الصليبيين.
ومن العجيب أن نرى أن قيام دولة لـ"إسرائيل" في فلسطين صورة مجددة مطابقة لأجواء احتلال القدس قديمًا، وإقامة مملكة فرنجية صليبية.. عنف يهودي حديث ربيب عنف صليبي قديم، وتذرّع بأساطير توراتية حديثة من رحم أساطير صليبية قديمة، وتعاون عالمي لإمداد "إسرائيل" بالعون وضمان تفوقها العسكري سائر على خطى الإمداد القديم من شعوب أوروبا لحملات الصليبيين ثم- وهذا هو المحزن حقًّا- عالم عربي ممزَّق كما كان العالم العربي القديم ممزَّقًا قبل توحيد أركانه على يد صلاح الدين.
إن حطين درسٌ لليائسين أو المقرَّبين من حافة اليأس، تدعو الأمة كلها أن تحلَّ مسألة تحرير فلسطين على قمة واجباتها، والطريق واضحة مرسومة في عنوانات محددة، هي: الوحدة، والتعاون، والوعي بخطر العدو، والإيمان العميق بالفكرة الإسلامية.