منتديات الحوار الجامعية السياسية

على مقهى الحياة

المشرفون: عبدالله العجلان،عبد العزيز ناصر الصويغ

#52300
حلل كارل ماركس المجتمع الرأسمالي وتطور المجتمع البشري انطلاقا من المفهوم المادي للتاريخ، ووضع الأسس لما يعرف ب " المادية التاريخية "، التي صارت تشكل الإطار الرئيسي لعلم الاجتماع الماركسي، وتوفر له الأسس النظرية والمنهجية في دراسة الأبنية والعلاقات والتفاعلات الاجتماعية.
يعتبر مفهوم التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية أهم مفهوم في المادية التاريخية في تشخيص وتحليل تطور المجتمع البشري. حيث أن كل تشكيلة اقتصادية اجتماعية هي جهاز اجتماعي خاص يتطور حسب قوانينه الخاصة به. وما يحدد طبيعة وخصائص كل تشكيلة منها، أو كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري، هو " أسلوب الإنتاج " الخاص بها، الذي هو شكل معين ومحدد لنشاط الناس المعيشي ونمط حياتهم، ويتألف من وحدة قوى الإنتاج ( أدوات ووسائل الإنتاج والبشر المنتجين) وعلاقات الإنتاج ( التي تنشأ بين الناس في نشاطهم الإنتاجي). وتدرس المادية التاريخية تطور تاريخ المجتمع البشري على أنه عملية تاريخية طبيعية واحدة مقوننة لتطور الإنسانية، ينتقل من مرحلة إلى مرحلة أكثر تطورا، لها ميزاتها وخصائصها وقوانينها. وقد مر المجتمع البشري في تطوره بخمس مراحل أو تشكيلات اقتصادية اجتماعية، تنقسم إلى مجموعتين كبيرتين، الأولى هي التشكيلات الطبقية المتناقضة، وهي تشكيلة الرق أو العبودية، والإقطاعية، والرأسمالية. وهذه التشكيلات تقوم على أساس علاقات السيطرة واستغلال الإنسان للإنسان، لأنها قائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. كما أن المشاكل الاجتماعية فيها خلال عملية التطور تحل بالنضال الطبقي المرير، وعن طريق الثورات. والمجموعة الثانية هي التشكيلات اللاطبقية القائمة على علاقات التضامن والمساواة الاجتماعية، وتضم مرحلة المشاعية البدائية والمرحلة الشيوعية التي تعتبر أعلى مراحل تطور المجتمع البشري ([43] ).
اعتبر ماركس أن انتشار الرأسمالية وتوسعها أدى إلى القضاء على الحياة التقليدية للمجتمعات الأوروبية وشجع على التصنيع، وحررت الفلاحين من نظام الإقطاع، وأقامت علاقات إنتاج اجتماعية رأسمالية. حيث أن الرأسمالية حطمت التشكيلات التقليدية الجامدة، وأنشأت نمطا إنتاجيا عصريا وحديثا وأكثر عقلانية. غير أن الرأسمالية أيضا في تطورها تنطوي على جوانب سلبية وسيطرة واستغلال من نمط جديد بسبب الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ([44] ).
وترى الماركسية أن كل تشكيلة اجتماعية اقتصادية طبقية، تسود فيها أيديولوجية الطبقة المسيطرة، ومع تفاقم التناقضات الاجتماعية، تظهر أيديولوجية جديدة تعكس مصالح الطبقات المضطهدة. ومع انقسام المجتمع إلى طبقات تصبح العلاقات السياسية والحقوقية والأخلاقية وغيرها، شكلا للعلاقات الأيديولوجية، ويدخل الناس في هذه العلاقات مع ظهور الوعي الطبقي، حيث أن نضال وتطور نضال الطبقة العاملة السياسي ضد الرأسمالية لا يمكن بدون نظرية ثورية وحزب ثوري للحركة العمالية، أي بدون وعي سياسي للجماهير ([45] ). إن الأيديولوجية كجزء من البناء الفوقي يظهر معها مؤسسات ومنظمات مختلفة كالدولة والمؤسسات القانونية والأحزاب السياسية، والاتحادات المهنية والمنظمات الدينية والمؤسسات الثقافية والعلمية وغيرها. وتعتبر الدولة المؤسسة الرئيسية للبنيان الفوقي في المجتمع الطبقي والتي تحرسه وتحميه. فبمساعدتها تصبح الطبقة المسيطرة على الاقتصاد، مسيطرة في مجال البنيان الفوقي أيضا. والدولة تملك وسائل مادية للسلطة، مثل الجيش والشرطة والسجون، لتتمكن بواسطتها من القيام بوظيفتها وإخضاع المجتمع لمصالح وإرادة الطبقة المسيطرة ([46] ).
إن مهمة الثورة الاشتراكية هي الاستيلاء على السلطة السياسية من جانب العمال، أي الاستيلاء على الدولة، وبناء اقتصاد اشتراكي والقضاء على العلاقات الرأسمالية، بالتحالف مع الجماهير الكادحة في الريف والمدينة، بقيادة الحزب الشيوعي ([47] ). إلا أن المسالة المهمة في دول العالم الثالث هو عدم تبلور الطبقات بالصورة التي عليها في المجتمعات الرأسمالية. وقد استخدم ماركس مفهوم " نمط الإنتاج الآسيوي " كوسيلة نظرية لدراسة المجتمعات غير الأوروبية، والتي تتميز بخصائص معينة مثل: غياب الطبقات وغياب الملكية الخاصة وهيمنة الدولة، وتتميز بأنها مجتمعات زراعية منغلقة على ذاتها، وسيادة الروابط العائلية والعشائرية في المجتمع. واستخدم جزء من الباحثين هذا المفهوم في تحليل قضايا التنمية والتخلف ([48] ).
وتناولت نظرية الامبريالية التي جاء بها لينين لاحقا موضوع التخلف والتنمية بصورة غير مباشرة، كنتاج للصراع الامبريالي. واعتبرت أن القوى الامبريالية هي المستفيد الأول من النظام الرأسمالي الدولي، حيث أن سياساتها الاستعمارية عطلت تنمية دول العالم الثالث وتسببت في تخلفها ونهبت مواردها. أما الماركسية المحدثة فتنطلق من التناقض بين الامبريالية وشعوب البلدان النامية، وتفهم العالم كوحدة واحدة، مع الاهتمام بموضوعة الخصوصية التاريخية والثقافية للبناء الاجتماعي. لذا درست التنمية والتخلف انطلاقا من بحث الأبعاد التاريخية للتخلف، وبحث صور تراكم التخلف أثناء عملية التنمية ذاتها ([49] ). ورأى عدد من الباحثين أن الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلدان النامية تتميز بخصائص معينة، تجعلها مختلفة في بنيتها عن المجتمعات المتقدمة، إضافة إلى الاختلافات بين هذه البلدان نفسها. ونتج عن ذلك دراسة هذه البنى الاقتصادية الاجتماعية من زاويتين مختلفتين، إحداهما ترى بعدم وجود النمط الرأسمالي في هذه البنى، والثانية ترى أن الرأسمالية في تلك البنى لم يكتمل تطورها، وأنها رأسمالية تابعة أو محيطية ([50] ).
ومن الذين قالوا بوجود رأسمالية تابعة، أو نمط خاص من الرأسمالية في بلدان العالم الثالث، المفكر اللبناني مهدي عامل. حيث يرى في دراسته لأثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، أن التغلغل الاستعماري احدث تفككا نسبيا في البنية الاجتماعية للبلدان المستعمرة، كان نتيجته تكون علاقات إنتاج جديدة متميزة، تختلف عن علاقات الإنتاج الرأسمالية كما تتجلى في البلدان الأوروبية. كما انه إضافة إلى ما أحدثه من تغير في حركة تطور هذه البلدان التاريخي ومنطقه الداخلي، جعلها تخضع لمنطق التبعية الكولونيالية. ويرى بان العلاقة الكولونيالية هذه، هي علاقة تبعية بنيوية بين بنيتين اجتماعيتين مختلفتين، بنية اجتماعية رأسمالية اكتمل تكونها منذ زمن بعيد، ودخلت في مرحلة تطورها الامبريالي من جهة، وبين بنية اجتماعية لم يكتمل بعد تكونها، بل هي في مرحلة من التكون الجديد، من نظام إنتاج سابق للرأسمالية إلى نظام إنتاج آخر هو في الظاهر النظام الرأسمالي. إنها علاقة لا يوجد بها تكافؤ، بل هي علاقة سيطرة بنيوية، تسيطر فيها البنية الأولى على البنية الثانية وتحدد تطورها ([51] ).
ويرى بعض الكتاب الذين يأخذون بالخصوصية التاريخية لبلدان العالم الثالث أن مجتمعات هذه البلدان تتميز ببعض الخصائص؛ حيث التطور الداخلي فيها لم يجري بشكل طبيعي نتيجة السيطرة الاستعمارية؛ كما أن هناك عناصر متداخلة ومتناقضة ومتجاورة مع عناصر أخرى؛ ووجود أشكال وأنماط متنوعة للإنتاج والطبقات والشرائح الاجتماعية؛ مع تعدد القيم وتناقضها وتداخلها؛ وتعدد الايديولوجيا وعدم وضوحها وتحددها؛ وعدم استقرار البناء الاجتماعي والسياسي؛ والنزعة العسكرية والسلطوية القمعية؛ ووجود مظاهر الانشقاق وتعدد التناقضات والخلافات في البناء الاجتماعي ([52] ).
حاولت الأحزاب الشيوعية قيادة الثورة في بلدان العالم الثالث، لكنها اتبعت خطا معاديا للبرجوازية القومية في هذه البلدان، وكان تأثيرها على الحركات القومية بين الحربين العالميتين تأثيرا ضعيفا، باستثناء الصين، التي قدمت تجربة مهمة للرؤية الماركسية للتنمية السياسية في العالم الثالث. وتحققت الثورة الصينية من تحالف المثقفين ممثلين بالحزب الشيوعي والفلاحين، حيث كان دور الطبقة العاملة الصناعية ضئيلا فيها، كما أنها لم تعادي الطبقة البرجوازية. وبعد الحرب العالمية الثانية أيضا دعم الاتحاد السوفيتي الديمقراطيات القومية الناشئة، واعتبر أنها سوف تتطور وتنمو صناعيا مما يمكن من تحقيق الثورة في إطار تحالف العمال والفلاحين. ولقد كان هدف التنمية السياسية لدى الماركسيين واضحا، وهو بناء الدولة الاشتراكية، وهذا يتحقق من خلال قيادة العمال والتحالف مع شعوب الدول المستعمرة المعادية للرأسمالية حليفة الثورة الاشتراكية ([53] ). ويعتبر مهدي عامل أن البرجوازية الوطنية في العالم الثالث والتي سارت بدرب التحرر الوطني والبناء الاقتصادي، قطعت شوطا توقفت عنده بعد فشلها في السير في هذا الطريق إلى نهاياته، فصار هناك تداخل بالضرورة بين القضية الوطنية والقضية الاجتماعية بعد هذا الفشل. وهذا الفشل ناتج عن طبيعة بنية الإنتاج الكولونيالي في دول العالم الثالث، التي هي بنية عاجزة وتتحكم بها العلاقة الكولونيالية. لذا أصبح هناك تداخل في مهام التحرر الوطني لانجاز التحرر من الاستعمار أو من الهيمنة الاستعمارية بأشكالها غير المباشرة، وبين الثورة الاشتراكية، لان الثورتين ثورة واحدة. حيث أن العلاقة الكولونيالية من حيث هي علاقة تبعية بنيوية، هي التي تحدد بالضرورة الثورة التحررية الوطنية ، في آليتها الداخلية كثورة اشتراكية، تقوم بها الطبقة العاملة ([54] ).