أ.د. أحمد محمد وهبان

منظمة اليونسكو

كاتب الموضوع الأصلي: مهند الحارثي.3621

اليونسكو منظمة متخصصة من منظمات هيئة الأمم المتحدة اسمها بالكامل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة. وقد اتفقت الدول التي تنتمي إليها على الإسهام في إقرار السلام والأمن عن طريق التعاون في مجالات التربية والعلوم والثقافة.

تضم المنظمة 191 دولة (حتى مارس 2005م)، بما في ذلك معظم الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى ستة أعضاء مشاركين في مجالات التربية والعلوم والثقافة والاتصالات. وتتولى الدول الأعضاء دفع معظم إيراداتها. تأسست منظمة اليونسكو في 16 نوفمبر 1945م. ومقرها الرئيسي باريس.

وهي تسعى لتحقيق المزيد من العدل والتعاون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية لكل الأفراد. وتقوم اليونسكو بتنفيذ برامج لتطوير هذه الأهداف بناءً على طلب أي عضو فيها. ولايتسنى تنفيذ معظم قراراتها إلا إذا قامت حكومات الدول الأعضاء باتخاذ بعض الإجراءات داخل دولها.

وتسعى المنظمة لنشر أفكارها بين شعوب العالم. وهي تؤكد على ضرورة تطوير التعليم ونوعيته وتبادل الثقافات، وزيادة الاستخدام السلمي للمعرفة العلمية. وتشجع المنظمة الفنانين والعلماء والطلاب والمعلمين على السفر والدراسة والعمل في الأقطار الأخرى. وتركز اهتمامها على استخدام العلوم الاجتماعية للمساعدة في حل مشاكل مثل التمييز العنصري والعنف. وتُشجع أيضًا على البحث العلمي في مجال استخدام الطاقة وحماية البيئة. وتتعاون مع منظمات هيئة الأمم المتحدة الأخرى لمساعدة الأقطار النامية.

وتتشاور حوالى 500 جمعية دولية خاصة تسمى المنظمات غير الحكومية مع اليونسكو، كما تساعدها على وضع الخطط وتنفيذ البرامج التى تهمها.

الدور الذي تقوم به اليونسكو

التعليم. ترى منظمة اليونسكو التعليم عنصراً مهماً من عناصر التنمية الاقتصادية والسلام، وتساعد الدول في جهودها لنشر التعليم في كل المراحل. وتتكفل المنظمة بإعداد برامج لتدريب المعلمين ودورات دراسية وتقديم بحوث عن التربية. وبدأت اليونسكو في وضع برامج لمحو الأمية. كما ترعى مكتبات مستديمة ومتنقلة.

العلوم. ترى المنظمة أن العلوم والتقنية أيضاً وسائل مهمة لتحقيق السلام والتنمية. وتعمل على تطوير التعاون العلمي الدولي، وتشجيع البحوث العلمية. وتقوم بتوزيع المعلومات العلمية، وترعى حلقات التدريب، وتُنظم المؤتمرات والندوات العلمية، وتشرف على إدارة المراكز العلمية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وقد ساعدت في إنشاء المنظمة الأوروبية للبحوث الذرية، التي تقوم ببحوث الاستخدام السلمي للطاقة الذرية.

وتساهم المنظمة في تنمية المعرفة في العلوم الاجتماعية عن طريق برامج البحوث والتدريب. وتدعو إلى تطبيق العلوم الاجتماعية لحل المشاكل العملية. لذلك كان من بين اهتماماتها العلمية الاجتماعية مشاكل التمييز العنصري، والتنمية الاقتصادية، ووضع المرأة.

الثقافة. تقوم منظمة اليونسكو بتشجيع التعاون الدولي لحماية مختلف الثقافات، وتطور هذه الثقافات، وتشارك في الاهتمام بها. وتقوم بإسداء النصح والمشورة للحكومات عن كيفية المحافظة على الآثار القومية وترميمها. وتقوم برعاية المعارض والجهود الأخرى لكي تتعرف الشعوب على الأعمال الفنية والأدبية والموسيقية وتألفها. وتعمل على توسيع نطاق الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية حقوق الملكية الفكرية.

ويؤكد أعضاء المنظمة على ضرورة تبادل المعلومات فيما بينهم. وللمنظمة برامج في كل المجالات الكبرى المتعلقة بالإعلام الشعبى، بما في ذلك الكتب والأفلام والصحف والإذاعة والتلفاز.

الهيكل التنظيمى للمنظمة

المؤتمر العام يتكو ن من مندوبين معينين من الدول الأعضاء في المنظمة. يجتمع المؤتمر العام كل سنتين، ويضع سياسات وبرامج المنظمة، ويُصادق على الميزانية العامة، ويُصدر اللوائح الخاصة بالعاملين، ويختار المجلس التنفيذي للمنظمة، ويُعين المدير العام، ويختص بقبول الأعضاء الجدد، ويقوم بإعداد الاتفاقيات والتوصيات لتوافق عليها الدول الأعضاء. وقد اجتمع أعضاء المؤتمر العام في كثير من عواصم العالم الكبرى، ولكن معظم اجتماعاتهم تنعقد في باريس.

المجلس التنفيذي. يتكون المجلس التنفيذي من 58 عضواً يُنتخبون لمدة أربع سنوات، ويجوز إعادة انتخابهم. ويعقد المجلس دورات منتظمة مرتين كل عام على الأقل. ويشرف على الأعمال المتعلقة ببرامج اليونسكو، ويُعِدُّ جدول أعمال المؤتمر العام، ويوصي بقبول الأعضاء الجدد، ويقترح اسم من يُرشح للانتخاب مديراً عاماً.

الأمانة. تتولى الأمانة إدارة برامج اليونسكو. ويعمل بها عدد من الموظفين ينتمون إلى معظم الدول الأعضاء بالأمم المتحدة. وتضم المديرين وموظفي الخدمات العامة وطوائف متباينة من الخبراء المتخصصين. ويعمل بعض هؤلاء في المقر الرئيسي للمنظمة بينما يعمل آخرون في ميادين نشاط المنظمة.

المدير العام هو الرئيس الإداري الأعلى لكل العاملين بالمنظمة، ويُعين ويشرف على أعمال الأمانة، ويقدم تقارير منتظمة عن أنشطة اليونسكو إلى الدول الأعضاء في المنظمة والمجلس التنفيذي، كما يُقدم خطط العمل وتقديرات الميزانية للمجلس. ويُنتخب المدير العام لمدة ست سنوات، ويجوز إعادة انتخابه.

اللجان الوطنية للدول الأعضاء. تقوم اللجان الوطنية للدول الأعضاء بتقديم المشورة لحكومات بلادها. وكذلك تساعد مندوبي الدول الأعضاء الموفدين إلى المؤتمر العام. ويأتى معظم أعضاء اللجان الوطنية من الهيئات الوطنية المعنية بالتربية والعلوم والثقافة.

نبذة تاريخية
اتفقت معظم دول الحلفاء عقب الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) على إنشاء منظمة أُطلق عليها عصبة الأمم. انظر: عصبة الأمم. وقد اعترفت العصبة بأهمية تطوير التعاون الثقافي بين سائر دول العالم، ودعمت المعهد الدولي للتعاون الثقافي، وهو جمعية من الأفراد مقرها باريس. وأصبحت هذه الجمعية ومعها مكتب التعليم الدولي في جنيف بسويسرا نموذجاً حذت منظمة اليونسكو حذوه فيمابعد. وأثناء الحرب العالمية الثانية (1939- 1945م) انعقد مؤتمر وزراء التعليم في دول الحلفاء بانتظام في لندن. ووقع اهتمامهم أساساً على تجديد نُظم التعليم التي ضعفت أو دُمرت أثناء الحرب.

ووقع ميثاق هيئة الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو خلال يونيو 1945م. وفي نوفمبر من ذلك العام، انعقد مؤتمر الأمم المتحدة لتأسيس منظمة التربية والثقافة في لندن. وأقنع العلماء من نيط بهم وضع خطط المؤتمر، إضافة العلوم إلى العنوان المقترح للمنظمة. ووضع ممثلو 44 دولة من أعضاء المؤتمر مواد النظام الأساسي لمنظمة اليونسكو، وأعلن رسمياً في 4 نوفمبر 1946م. وفي ذلك الوقت، صادقت على هذا النظام عشرون دولة.

بالنظر إلى تعاظم مهام منظمة اليونسكو، أضحى اتفاق أعضاء المنظمة على أولويات العمل أكثر صعوبة. وكان للأعضاء الجدد، وخاصة الدول حديثة الاستقلال، وجهات نظر جديدة عن كيفية استخدام اليونسكو لمواردها. وأصبحت إجراءات صنع القرار وإصداره أكثر تعقيداً. وترتب على ذلك أن المنظمة لم تحظ دائماً بالتأييد المطلوب لتحقيق أهدافها.

وقد انسحبت أربع دول من اليونسكو منذ تأسيسها. فقد هجرت جنوب إفريقيا المنظمة عام 1956م، عندما اتهمت حكومتها المنظمة بتدخلها في مشاكل التفرقة العنصرية في البلاد، إلا أنها عادت والتحقت بالمنظمة عام 1994م. وانسحبت الولايات المتحدة الأمريكية عام 1984م، وبريطانيا عام 1985م، لما رأت حكومتا البلدين من وجهة نظرهما ـ تحامل منظمة اليونسكو على الدول الغربية وجهودها في تقييد حرية الصحافة، وكذلك ما اعتبرته كل منهما إدارة مبذرة في المنظمة. إلا أن بريطانيا عادت والتحقت بالمنظمة عام 1997م، وتبعتها الولايات المتحدة والتحقت بالمنظمة في عام 2003م. وانسحبت سنغافورة من اليونسكو عام 1985 لأن حكومتها شعرت بأنه يتوقع منها المساهمة بقدر أكبر في دعم ميزانية اليونسكو.

اصطفافات يمينية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد السويكت 20

الدلالات السياسية لنتائج الانتخابات المحلية الإسرائيلية
د. نادية سعد الدين
صحفية وباحثة من الأردن
أكملت نتائج الانتخابات المحلية الإسرائيلية، التي جرت في 22/10/2013، ثلاثية معاقل العنصرية والتشدد إزاء اصطفاف أقطاب مخرجاتها من “الإسرائيليين” إلى جانب الحكومة اليمينية المتطرفة، وثلثي مقاعد غلاة المستوطنين البرلمانية، والانضواء، بذلك، تحت مظلة خطاب التمييز ضد الفلسطينيين العرب في فلسطين المحتلة عام 1948، ومناهضة العملية السلمية.

وإذا كان الصوت العنصري الغالب في مسار العملية الانتخابية، أسوّة بحملات المرشحين الإسرائيليين، وبدفة توجهات قواعدهم الميدانية، قد حافظ على مكانته بأريحية، إما في سدة الرئاسة، أو في عضوية المجلس، كما في بلدية القدس المحتلة، ضمن سياق التعهد باستمرار الاستيطان والتهويد، فإن رءوسا قديمة وأخرى متهمة بالفساد ظلت في مواقعها، مما شكل أحد أسباب ما سمي “بلا مبالاة” أصحاب حق الاقتراع تجاه انتخابات “باهتة”.

بينما غابت بوصلة التنسيق والوحدة عن المعترك الانتخابي الفلسطيني لصالح تنافسية “الشخصَنة” الضدّية، وغلبة الطابع العائلي العشائري، وبالتالي الانخراط في لعبة انتخابية أقرب ما تكون “مصيّدة” التوّهم بحياة سياسية ديمقراطية تعددية، وتداول حكم محلي داخل الكيان الإسرائيلي بالنسبة للفلسطينيين العرب الذين لا يملكون حق القرار، أو “ترف” التأثير فيه، ويجابهون بمصفوفة قوانين وإجراءات عنصرية تنال من شرعية وجودهم في وطنهم الأصلي.

“لا مبالاة” إسرائيلية وإقبال فلسطيني

أسفرت العملية الانتخابية، التي جرت رسمياً في 22/10/2013، وجولتها الثانية في 5/11/2013 لرئاسة 38 سلطة محلية، من بينها 24 سلطة محلية عربية، عن فوز 149 رئيس بلدية قديما بولاية جديدة، من أصل 191 مدينة ومجلسا محليا، جرت الانتخابات المحلية في ساحاتها، من بينهم امرأتان فقط، وذلك من إجمالي 719 مرشحاً لرئاسة البلديات وسلطات محلية صغيرة، و1500 قائمة متنافسة على عضوية المجالس البلدية، ما يشير إلى بقاء الرءوس القديمة على كرسي الرئاسة.

واللافت هنا نسبة التصويت المتدنية، حيث شهدت الانتخابات الأخيرة تراجعاً في أعداد المقترعين، مقارنة بالأعوام السابقة، لاسيما في المدن الكبرى الـ 21، مما دعا كثيرا من المراقبين إلى تسميتها بانتخابات “اللا مبالاة”، حيث بلغت نسبة التصويت في القدس 35,9%، وفي تل الربيع “تل أبيب” 31,3% ، وفي حيفا 45% وبئر السبع 39%، بينما بلغت نسبة الاقتراع العامة في شتى مراكز الانتخاب 42,3% فقط، و10,4% في جولة الإعادة الثانية، من بين أصحاب حق الاقتراع، المقدرين بنحو خمسة ملايين ونصف مليون شخص، وهي نسبة غير مسبوقة في الانتخابات الإسرائيلية، الأمر الذي استدعى مطالبة عضو “كنيست” عن حزب “الحركة” بتغريم كل من يتخلف عن التصويت مستقبلاً، وذلك لتشجيع الناخبين على الاقتراع عقب التراجع الأخير، الذي يعود، بحسب مراقبين، إلى تنافس مرشحين من رؤساء بلديات سابقين، وآخرين متهمين قضائياً بالفساد، وخيانة الأمانة، وتلقي الرشوة.

ومن أبرز مفاجآت هذه الانتخابات إعادة انتخاب ثلاثة رؤساء مدن متهمين بالفساد، كانت المحكمة العليا قد أصدرت سابقاً قراراً بإقصائهم من مناصبهم، لكنها وافقت على دخولهم الانتخابات الأخيرة، حيث فاز كل من رئيس بلدية بات يام “شلومو لحياني”، ورئيس بلدية “رامات هشارون”، ورئيس بلدية الناصرة العليا، مما شكل صفعة للجهاز القضائي الإسرائيلي، وبثقة الجمهور به، حيث لم يمنع تقديم لوائح الاتهام بالفساد والرشوة من إعادة الانتخاب في مواقع رئاسية محلية.

وعلاوة على ذلك، فإن 60 رئيس سلطة محلية منتخباً خضعوا سابقاً لتحقيقات فساد، مما يشي بحجم تفشي الفساد داخل الكيان الإسرائيلي، وضعف أجهزة الرقابة من قبل وزارة الداخلية، وتراخي سلطات القانون عن إجراء تحقيقات معمقة لكشف الفاسدين. غير أن الانتخابات، التي تمخضت عن سيطرة الأحزاب الإسرائيلية الكبرى في المدن، خاصة حزبى “الليكود” و”العمل” اللذين يشغلان القوة الأساسية في السلطات المحلية، مقابل إخفاق حزب “إسرائيل بيتنا”، وتقدم أحزاب “يوجد مستقبل”، و”البيت اليهودي”، و”شاس” الديني، شهدت، أيضاً، انقساماً داخل “الليكود” نفسه حول دعم المرشحين، خاصة في مدينة القدس، غداة فوز رئيس البلدية القديم، نير بركات، المدعوم من اليسار والوسط الإسرائيلي في مواجهة مرشح اليمين، موشيه ليئون، الذي حظي بدعم حزب “شاس”، وزعيم حزب “إسرائيل بيتنا” المتطرف، أفيجدور ليبرمان، بينما فاز في مدينة تل الربيع “تل أبيب” رئيس البلدية منذ 15 عاماً العنصري “رون خولدائي”، محتفظاً بذلك بولاية أخرى لخمس سنوات قادمة.

بينما عززت نواتج الانتخابات مكانة اليمينيين المتطرفين، وأقطاب التمييز ضد الفلسطينيين العرب، بعدما دخلت العنصرية القبيحة عنصراً حيوياً في “المزاد” الانتخابي للمرشحين الإسرائيليين، ومحركاً “تعبوياً” فاعلاً لحشد الأصوات.

فقد اعتمدت الأحزاب الإسرائيلية في حملاتها الانتخابية، بما في ذلك الفروع المحلية لحزب “الليكود” الحاكم، على اللغة العنصرية العلنية ضد الفلسطينيين العرب، و”فزاعة” سيطرة المسلمين على الداخل الإسرائيلي، فرفعت في بعض المدن الفلسطينية شعارات مناوئة “لصوت الآذان”، وتشييد “المساجد”، أسوّة بمدينة يافا، التي تضمّ في أكثر من ثلث سكانها مواطنين فلسطينيين، بينما حملت عناوين انتخابية أخرى مطالب الفصل بين التجمعات في “المدن المختلطة”، التي يعيش فيها اليهود مع المواطنين الفلسطينيين معا، بما يعكس جنوح الداخل الإسرائيلي نحو دفة الغلو والتطرف.

في المقابل، ووسط مقاطعة الفلسطينيين للانتخابات البلدية في القدس المحتلة، تعبيراً عن تمسكهم بأرضهم ومدينتهم، ورفضهم لمشاريع التهويد، واستجابة لدعوة القوى الوطنية الفلسطينية، فقد انتصرت السلطات المحلية العربية لمفاعيل العائلية والطائفية على حساب الحزبية السياسية، ضمن احتلال إسرائيلي عنصري لا يعترف إلا “بالديمقراطية اليهودية”.

وتحت مزاعم منظومة الحكم المحلي، جرت الانتخابات في زهاء 70 مجلساً محلياً في المدن والقرى الفلسطينية، والمدن المختلطة في الأراضي المحتلة عام 1948، بنسبة 30% تقريباً من عدد المجالس المحلية والبلدية في الكيان الإسرائيلي، رغم أن عدد المواطنين الفلسطينيين لا يتجاوز نسبة 20%، بنحو مليون ونصف مليون تقريباً من إجمالي سبعة ملايين نسمة.

لكن هذه النسبة العالية في عدد المجالس المحلية والبلدية الفلسطينية لا تملك سوى 2,4% من الأراضي في الكيان المحتل، مماثلة بحال الميزانيات والموارد المختلفة، مما يفرغ المجلس من قيمته السياسية والسلطوية كحكم محلي، ويحوله إلى إدارة مشلولة معنية أساساً بالانشغال في القضايا الجزئية، مثل تعيين الموظفين، وحل المشاكل البسيطة، على حساب القضية الفلسطينية الجوهرية، وتحديات مصادرة الأراضي، والتعليم، والعنصرية، والبطالة، وتحسين المرافق الاقتصادية، وتحصين مناعة الجبهة الداخلية، بينما يئول منصب رئاسة المجلس مكاناً معبراً عن مكانة اجتماعية للعائلة، أو المجموعة الداعمة.

وخلافاً للسابق، تراجع الحزب السياسي أمام قوائم محلية عائلية طائفية، وتمثيل اجتماعي وتنافس على النفوذ السياسي، فيما انشقت العائلات على نفسها، حيث رشحت العائلة نفسها أكثر من مرشح، بينما دعمت بعض الأحزاب الوطنية السياسية مرشحين عائليين، وقوائم طائفية، وسط انقسامات اجتماعية، كرست الانتماءات التقليدية.

وبينما حافظ التيار القومي على قوته، فإن الحزب الشيوعي خسر معاقل مهمة لصالح العائلية، في حين انحسر وجود الحركة الإسلامية/ الجناح الشمالي عن غالبية الساحات الانتخابية، خلا أم الفحم التي حققت فيها نجاحاً ساحقاً، أسوّة بمصير نظيرتها في الجناح الجنوبي، التي تراجعت حظوتها الانتخابية في تلك الانتخابات، مقارنة بالسابقة، عبر حصدها ثمانية مقاعد بلدية، وموقعين رئاسيين، بما يعكس، وفق مراقبين، تداعيات الأحداث الجارية في المنطقة، وانحسار قوة الإسلام السياسي، وانكفاء سلطته، لاسيما في مصر.

ضعف التأثير العربي في الانتخابات

أما في مدينة الناصرة، كبرى المدن العربية في فلسطين المحتلة عام 1948 بعدد سكان يبلغ نحو 82 ألف نسمة، فقد شهدت تنافساً حاداً بين مرشحيها الخمسة، من بينهم اثنان إسلاميان مُنيا بالفشل، وحضوراً قوياً للعامل الحزبي، خلافاً لبقية المدن والبلدات العربية الأخرى، وارتفاعاً في منسوب التوتر والأجواء المشحونة، نظير عدم الارتضاء بالنتيجة الانتخابية، والتشكيك في حسابها، بعدما ألغت لجنة الانتخابات المركزية أصوات صندوق ذوي الاحتياجات الخاصة، المؤيدة للرئيس القديم، رامز جرايسي، المرشح عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة التي أدارت بلديتها منذ 1977، مما رجح كفة خصمه المرشح المستقل، علي سلام، رئيس قائمة “ناصرتي”، وأدى إلى تأخير إعلان النتائج النهائية حتى الثلاثين من الشهر الماضي، حينما أعلنت وزارة الداخلية الإسرائيلية عن فوز المرشح سلام، بعدما فشلت المرشحة عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، العضو العربي في “الكنيست” حنين الزعني، في تحصيل أكثر من 10% فقط من الأصوات.

ولكن قائمة سلام الفائز برئاسة البلدية لم تتمكن من الحصول على أغلبية الأصوات في المجلس البلدي، الذي يتكون من 19 عضواً، لذا فإنها مضطرة لإجراء ائتلاف مع القوائم الأخرى.وفيما انخفضت نسبة تصويت الإسرائيليين، فقد تجاوزت نسبة إقبال الفلسطينيين العرب على التصويت في البلدات العربية نحو 78%، ارتفع في بعضها إلى 90%، خلافاً للتوجه في انتخابات الكنيست الأخيرة، حيث انخفضت نسبة المصوتين العرب إلى 61% فقط.

ويجد ذلك تفسيره، عند مراقبين، في ضعف، إن لم يكن انعدام، تأثير العرب في آلية صنع القرار السياسي الإسرائيلي، على صعيد الانتخابات التشريعية، سواء في الحكومة، أو وزاراتها، أو في مقاعد أعضاء “الكنيست” العرب، بما يغاير حال الانتخابات المحلية التي تعدّ مصدراً أساسياً للقوة السياسية العائلية، والاقتصادية، والاجتماعية، فيما تمثل المجالس مورداً مالياً، ومكانة اجتماعية، وموئلاً توظيفياً بالنسبة للفلسطينيين الذين يجابهون تمييزاً صارخاً في مسألة التعيين، بما يدفع العائلات إلى ممارسة الضغوط الحثيثة على الجماهير العربية لتحفيزها على المشاركة الانتخابية.

فيما ارتفع عدد السيدات العربيات اللواتي تم انتخابهن في المجالس إلى 12 سيدة، إلى جانب سيدة أخرى ستدخل المجلس بعد سنتين بالتناوب، مقابل ست نساء من قبل، وذلك من إجمالي 172 سيدة عربية مرشحة لعضوية المجالس المحلية .

تمييز عنصري

بعد انتهاء موسم الاحتفاء “بالعرس” الديمقراطي الانتخابي داخل الكيان المحتل، استيقظ الفلسطينيون على الحال السابقة ذاتها، ما عدا ضخ موجة إضافية من أشكال التمييز العنصري في قنوات الهياكل المؤسسية الإسرائيلية ضدهم، والإبقاء، بذلك، على زخم الأفكار المنادية “بالترانسفير”، والفصل، و”يهودية الدولة”، التي تستهدف إسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجّروا منها عام 1948، وحرمان فلسطينيي 1948 من وطنهم وأرضهم.

وهذا يعني المزيد من معاناة المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون وسط قوانين عنصرية، مثل قانوني العودة (1950) والجنسية (1952)، تستهدف حق الوجود الفلسطيني، ومصادرة الأراضي، والسطو عليها، وحظر الوجود العربي في أماكن وقرى معينة، أو السكنى، والعمل فيها، وسياسة التمييز في العمل، والتضييق في لقمة العيش، بما أوصل نسبة البطالة بين صفوفهم إلى 25%، بينما تصل في بعض المدن والقرى الفلسطينية إلى 70%، ونسبة الفقر إلى زهاء 40%، وبعض التقديرات نحو 50% ، عدا عن وجود قرى عربية غير معترف بها، تفتقر إلى البنية التحتية، مقابل فرض الضرائب الباهظة، وضعف المخصصات من الموارد، والتدخل في مناهج التعليم في المدارس العربية لصالح التمييز العنصري، والإقصاء عن مواقع صنع القرار.
وفوق ذلك كله، اعتماد نهج إضعاف التمكين العربي من إدارة الشئون المحلية، والتأثير في السياسة الرسمية، وسط جنوح المشهد الداخلي الإسرائيلي نحو الغلو والتطرف، ورفض العملية السلمية.

مجلس الاتحاد الاوربي

كاتب الموضوع الأصلي: مهند الحارثي.3621

يشكل مجلس الإتحاد الأوروبي (Council of the European Union) مع البرلمان الأوروبي الذراع القضائية للإتحاد الأوروبي. يتكون المجلس من وزراء حكومات الدول الأعضاء في الإتحاد. يشار إلى مجلس الإتحاد الأوروبي في بعض الوثائق الرسمية للإتحاد الأوروبي أحيانا باختصار “المجلس (council)”، كما يطلق عليه عادة بشكل غير رسمي اسم “مجلس الوزراء (Council of Ministers)” حيث تم اعتماد هذا الاسم بشكل رسمي في المعاهدة المؤسسة لدستور الإتحاد الأوروبي.

للمجلس رئيس وأمين عام، حيث يعتبر رئيسا للمجلس وزير الدولة التي ترأس المجلس. أما بالنسبة للأمين العام فيتم اختياره بالإجماع من قبل الدول الأعضاء. ويعتر الأمين العام الممثل الأعلى لسياسة الدفاع والخارجية المشتركة. ينوب عن المجلس لجنة الممثلين الدائمين والتي تتالف من السفراء أو من ينوب عنهم في البعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء. تقوم اللجنة عادة بتحضير أجندة المجلس والتفاوض على القضايا الصغيرة تاركة النقاش والأتفاق على القضايا الحساسة للمجلس. تتبع للجنة ورشات عمل مكون من موظفين حكومين من الدول الأعضاء يقومون بالنقاش فيما بينهم ومن ثم يتم إحالة ما اتفقوا عليه للجنة ومن ثم للمجلس ليتم اعتماده بشكل رسمي. يدعم عمل المجلس حوالي 3000 موظف حكومي (تموز 2005) بتقديم إستشارت عامة وقانونية بالإضافة لخدمات الترجمة والمساعدة كمفاوض حيادي.

يجب التميز بين مجلس الإتحاد الأوروبي والمجلس الأوروبي (European Council) الذي يجتمع 4 مرات في العام في ما يعرف بشكل غير رسمي ب قمة الإتحاد الأوروبي أو القمة الأوروربية، حيث يجتمع رؤساء الدول والحكومات في الدول الأعضاء لتوجيه المجلس الأوروبي ووضع سيساته العليا. كما يجب تميزه أيضا عن مجلس أوروبا (Council of Europe) وهو منظمة دولية(46 دولة حاليا) منفصلة لا علاقة لها بالإتحاد الأوربي.

اتفاقية كامب ديفيد

كاتب الموضوع الأصلي: مهند الحارثي.3621

اتفاقية كامب ديفيد عبارة عن اتفاقية تم التوقيع عليها في 17 سبتمبر 1978 بين الرئيس المصري محمد أنور السادات ورئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن بعد 12 يوما من المفاوضات في المنتجع الرئاسي كامب ديفيد في ولاية ميريلاند القريب من عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. حيث كانت المفاوضات والتوقيع على الاتفاقية تحت إشراف الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر. ونتج عن هذه الاتفاقية حدوث تغييرات على سياسة العديد من الدول العربية تجاه مصر، وتم تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية من عام 1979 إلى عام 1989 نتيجة التوقيع على هذه الاتفاقية ومن جهة أخرى حصل الزعيمان مناصفة على جائزة نوبل للسلام عام 1978 بعد الاتفاقية حسب ماجاء في مبرر المنح للجهود الحثيثة في تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط.

قبل الاتفاقيةأدت حرب أكتوبر وعدم التطبيق الكامل لبنود القرار رقم 338 والنتائج الغير مثمرة لسياسة المحادثات المكوكية التي انتهجتها الخارجية الأمريكية والتي كانت عبارة عن استعمال جهة ثالثة وهي الولايات المتحدة كوسيط بين جهتين غير راغبتين بالحديث المباشر والتي كانت مثمثلة بالعرب وإسرائيل، أدت هذه العوامل إلى تعثر وتوقف شبه كامل في محادثات السلام ومهدت الطريق إلى نشوء قناعة لدى الإدارة الأمريكية المتمثلة في الرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر بإن الحوار الثنائي عن طريق وسيط سوف لن يغير من الواقع السياسي لمنطقة الشرق الأوسط.

في إسرائيل طرأت تغييرات سياسية داخلية متمثلة بفوز حزب الليكود في الانتخابات الإسرائيلية عام 1977 وحزب الليكود كان يمثل تيارا أقرب إلى الوسط من منافسه الرئيسي حزب العمل الإسرائيلي الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية منذ المراحل الأولى لنشوء “دولة إسرائيل”، وكان الليكود لايعارض فكرة انسحاب إسرائيل من سيناء ولكنه كان رافضا لفكرة الانسحاب من الضفة الغربية [2].

تزامنت هذه الأحداث مع صدور تقرير معهد بروكنغس التي تعتبر من أقدم مراكز الأبحاث السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة ونص التقرير على ضرورة اتباع “منهج حوار متعدد الأطراف” للخروج من مستنقع التوقف الكامل في حوار السلام في الشرق الأوسط [1]

الرئيس السادات في الكنيست قبل توقيع المعاهدةمن الجانب الآخر بدأ الرئيس المصري محمد أنور السادات تدريجيا يقتنع بعدم جدوى القرار رقم 338 بسبب عدم وجود اتفاق كامل لوجهات النظر بينه وبين الموقف الذي تبناه حافظ الأسد والذي كان أكثر تشددا من ناحية القبول بالجلوس على طاولة المفاوضات مع إسرائيل بصورة مباشرة. هذه العوامل بالإضافة إلى تدهور الاقتصاد المصري وعدم ثقة السادات بنوايا الولايات المتحدة بممارسة اي ضغط ملموس على إسرائيل، وكان السادات يأمل إلى أن أي اتفاق بين مصر وإسرائيل سوف يؤدي إلى اتفاقات مشابهة للدول العربية الأخرى مع إسرائيل وبالتالي سوف يؤدي إلى حل للقضية الفلسطينية.

استنادا إلى الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك في حواره مع الإعلامي عماد أديب في عام 2005 إن الراحل محمد أنور السادات إتخذ قرار زيارة إسرائيل بعد تفكير طويل حيث قام السادات بزيارة رومانيا وإيران والسعودية قبل الزيارة وصرح في خطاب له أمام مجلس الشعب المصري انه “مستعد أن يذهب اليهم في إسرائيل” وقام أيضا بزيارة سوريا قبيل زيارة إسرائيل وعاد في نهاية اليوم بعد أن حدثت مشادة كبيرة بينه والسوريين لأنهم كانوا معترضين علي الزيارة‏ [2] واستنادا إلى إبراهيم نافع فإن الرئيس الروماني نيكولاي شاوشيسكو قد قال “بأن مناحيم بيغن بلا شك صهيوني وصهيوني جدا‏،‏ ولكنه رجل سلام‏،‏ لأنه يعرف ماهي الحرب‏.‏ ولكنه أيضا‏ يريد أن يترك اسمه علامة في تاريخ الشعب اليهودي‏ [3].

سبقت زيارة السادات للقدس مجموعة من الاتصالات السرية، حيث تم إعداد لقاء سري بين مصر وإسرائيل في المغرب تحت رعاية الملك الحسن الثاني، التقى فيه موشى ديان وزير الخارجية الإسرائيلي، وحسن التهامي نائب رئيس الوزراء برئاسة الجمهورية. وفي أعقاب تلك الخطوة التمهيدية قام السادات بزيارة لعدد من الدول ومن بينها رومانيا، وتحدث مع رئيسها تشاوشيسكو بشأن مدى جدية بيجن ورغبته في السلام، فأكد له تشاوشيسكو أن بيجن رجل قوي وراغب في تحقيق السلام.

في افتتاح دورة مجلس الشعب في 1977، وفي هذه الجلسة الشهيرة أعلن السادات استعداده للذهاب للقدس بل والكنيست الإسرائيلي، وقال: “ستُدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم”. وانهالت عاصفة من التصفيق من أعضاء المجلس، ولم يكن هذا الهتاف والتصفيف يعني أنهم يعتقدون أنه يريد الذهاب فعلا إلى القدس.

القى السادات خطابا أمام الكنيست الإسرائيلي في 20 نوفمبر 1977. وشدد في هذا الخطاب على أن فكرة السلام بينه وبين إسرائيل ليست جديدة، وأنه يستهدف السلام الشامل، دعا السادات بيجن لزيارة مصر، وعقد مؤتمر قمة في الإسماعيلية وبدأ بيجين يتكلم عن حق إسرائيل في الاحتفاظ بالأراضي المحتلة، وعدوان مصر على إسرائيل.

بعد اجتماع الإسماعيلية بشهر واحد اجتمعت اللجنة السياسية من وزراء خارجية مصر وإسرائيل والولايات المتحدة في القدس. وفي أثناء انعقاد تلك اللجنة شرعت إسرائيل في بناء مستوطنات جديدة في سيناء، لاستخدامها كورقة مساومة على مصر. لم يكن بيجن مستعدًا لقبول تنازلات، وقال وزير الخارجية الإسرائيلي “موشى ديان”: “إنه من الأفضل لإسرائيل أن تفشل مبادرة السلام على أن تفقد إسرائيل مقومات أمنها”.

وعرض الإسرائيليون على مصر ترك قطاع غزة للإدارة المصرية مقابل تعهد بعدم اتخاذها منطلقًا للأعمال الفدائية، وكان هدفهم من ذلك عدم إثارة موضوع الضفة الغربية، شعر السادات أن الإسرائيليين يماطلونه؛ فألقى خطابًا في يوليو 1978 قال فيه: إن بيجن يرفض إعادة الأراضي التي سرقها إلا إذا استولى على جزء منها كما يفعل لصوص الماشية في مصر.

أنشأ السادات الحزب الوطني الديمقراطي وتولى رئاسته، وزادت قبضته العنيفة على القوى المعارضة لتوجهاته، ثم لجأ إلى الاستفتاء الشعبي على شخصه, ترددت مصر بين المضي في المبادرة أو رفضها، ولكن تدخل كارتر بثقله، ودعا السادات وبيجن إلى اجتماعات في كامب ديفيد.

[عدل] محادثات ما قبل الاتفاقيةوصل الوفدان المصري والإسرائيلي إلى كامب ديفيد يوم 5 سبتمبر 1978. ذهب السادات إلى كامب ديفيد وهو لا يريد أن يساوم، وإنما ردد مشروع قرار مجلس الأمن رقم 242 كأساس للحل. أما كارتر والإسرائيليون فكانوا مقتنعين أن السادات لن يوافق قط على أي وجود إسرائيلي في سيناء.

في اليوم الأول من المحادثات قدم السادات أفكاره عن حل القضية الفلسطينية بجميع مشاكلها متضمنة الانسحاب الإسرائيلي من الضفة وغزة‏ وحلول لقضية المستوطنات الإسرائيلية واستنادا إلى مبارك فإن السادات لم يركز في محادثاته كما يعتقد البعض على حل الجانب المصري فقط من القضية حاولت الإدارة الأمريكية إقناع الجانبين أن يتجنبوا التركيز على القضايا الشائكة مثل الانسحاب الكامل من الضفة الغربية وغزة ويبدؤا المناقشات على قضايا أقل حساسية مثل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء كان الهيكل العام للمحادثات التي استمرت 12 يوما تتمحور على ثلاثة مواضيع رئيسية

الضفة الغربية وقطاع غزة: استند هذا المحور على أهمية مشاركة مصر وإسرائيل والأردن وممثلين عن الشعب الفلسطيني في المفاوضات حول حل هذه القضية التي إقترحت الولايات المتحدة إجراءات انتقالية لمدة 5 سنوات لغرض منح الحكم الذاتي الكامل لهاتين المنطقتين وانسحاب إسرائيل الكامل بعد إجراء انتخابات شعبية في المنطقتين ونص الاقتراح أيضا على تحديد آلية الانتخابات من قبل مصر وإسرائيل والأردن على أن يتواجد فلسطينيون في وفدي مصر والأردن.
حسب الاقتراحات في هذا المحور كان على إسرائيل بعد الانتخابات المقترحة ان تحدد في فترة 5 سنوات مصير قطاع غزة والضفة الغربية من ناحية علاقة هذين الكيانين مع إسرائيل والدول المجاورة الأخرى

علاقات مصر وإسرائيل: استند هذا المحور على أهمية الوصول إلى قنوات اتصال دائمية من ناحية الحوار بين مصر وإسرائيل وعدم اللجوء إلى العنف لحسم النزاعات واقترحت الولايات المتحدة فترة 3 أشهر لوصول الجانبين إلى اتفاقية سلام.
علاقة إسرائيل مع الدول العربية: حسب المقترح الأمريكي كان على إسرائيل العمل على إبرام اتفاقيات سلام مشابهة مع لبنان وسوريا والأردن بحيث تؤدي في النهاية إلى اعترافات متبادلة وتعاون اقتصادي في المستقبل
كان الموقف الإسرائيلي متصلبًا متشددًا يرفض التنازل، وهو ما جعل السادات يعلن لمرافقيه أنه قرر الانسحاب من كامب ديفيد، فنصحه وزير الخارجية الأمريكي “سايروس فانس” أن يلتقي بكارتر على انفراد، واجتمع الرئيسان نصف ساعة.

[عدل] المعاهدةفي 26 مارس 1979 وعقب محادثات كامب ديفيد وقع الجانبان على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وكانت المحاور الرئيسية للمعاهدة هي إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات ودية بين مصر وإسرائيل، وانسحاب إسرائيل من سيناء التي احتلتها عام 1967 بعد حرب الأيام الستة وتضمنت الاتفاقية أيضا ضمان عبور السفن الإسرائيلية قناة السويس واعتبار مضيق تيران وخليج العقبة ممرات مائية دولية [موقع أخبار يافا http://www.yafa-news.com/tareek1/t66.htm]. تضمنت الاتفاقية أيضا البدأ بمفاوضات لإنشاء منطقة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة والتطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242.

[عدل] الخطوط الرئيسة والعامةالاتفاقية الأولى تبدأ بمقدمة عن السلام وضروراته وشروطه، ثم تعرض الاتفاقية التصور الذي تمّ التوصل إليه “للسلام الدائم في الشرق الأوسط” وتنصّ على ضرورة حصول مفاوضات بين إسرائيل من جهة ومصر والأردن والفلسطينيين من جهة أخرى.
الاتفاقية الثانية نصت على التفاوض المباشر بين مصر وإسرائيل من أجل تحقيق الانسحاب من سيناء التي احتلتها إسرائيل في عدوان العام 1967م.
وتنص الاتفاقية على إقامة علاقات طبيعية بين مصر وإسرائيل بعد المرحلة الأولى من الانسحاب من سيناء.

يرى بعض المحللين السياسيين إن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لم تؤدي على الإطلاق إلى تطبيع كامل في العلاقات بين مصر وإسرائيل حتى على المدى البعيد فكانت الاتفاقية تعبيرا غير مباشر عن استحالة فرض الإرادة علي الطرف الآخر وكانت علاقات البلدين ولحد الآن تتسم بالبرودة والفتور [4]. كانت الاتفاقية عبارة عن 9 مواد رئيسية منها اتفاقات حول جيوش الدولتين والوضع العسكري وعلاقات البلدين وجدولة الانسحاب الإسرائيلي وتبادل السفراء. يمكن قراءة المواد التسعة للاتفاقية على هذا الرابط [5].

يرى البعض إنه وحتى هذا اليوم لم ينجح السفراء الإسرائيليين في القاهرة ومنذ عام 1979 في اختراق الحاجز النفسي والاجتماعي والسياسي والثقافي الهائل بين مصر وإسرائيل ولا تزال العديد من القضايا عالقة بين الدولتين ومنها:

مسألة محاكمة مجرمي الحرب من الجيش الإسرائيلي المتهمين بقضية قتل أسرى من الجيش المصري في حرب أكتوبر والتي جددت مصر مطالبتها بالنظر في القضية عام 2003.
امتناع إسرائيل التوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي.
مسألة مدينة أم الرشراش والواقعة تحت سيطرة إسرائيل ويطلق على المدينة اسم “إيلات” من قبل الإسرائيليين[بحاجة لمصدر]. حيث إن البعض مقتنع إن قريـة أم الرشراش أو إيلات قد تم احتلالها من قبل إسرائيل في 10 مارس 1949 وتشير بعض الدراسات المصرية أن قرية أم الرشراش أو إيلات كانت تدعى في الماضي (قرية الحجاج) حيث كان الحجاج المصريون المتجهون إلى الجزيرة العربية يستريحون فيها.
قضية الأموال التي تعتبرها مصر “أموال منهوبة” نتيجة استخراج إسرائيل للنفط في سيناء لمدة 6 سنوات.
استغل بيجن الأيام التي تلت كامب ديفيد مباشرة للإعلان عن عزمه على إقامة مستوطنات في الأراضي المحتلة، ثم بلغت ذروة تصريحاته عام 1981م عندما أقسم أنه لن يترك أي جزء من الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والقدس.

[عدل] تأثير الاتفاقية استراتيجيا وسياسياأنهت حالة الحرب بين مصر وإسرائيل.
تمتعت كلا البلدين بتحسين العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
فتح الاتفاق وإنهاء حالة الحرب الباب أمام مشاريع لتطوير السياحة، خاصة في سيناء.
وتم تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية من عام 1979 إلى عام 1989 نتيجة التوقيع على هذه الاتفاقية.

"عودة الدولة "

كاتب الموضوع الأصلي: محمد السويكت 20

التوجهات الاقتصادية في مرحلة ما بعد الثورات
مجدي صبحي
نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
يميل الذهن البشري عادة إلي تعزيز نزعة مانوية تصبح معها الأمور أكثر صرامة ووضوحا ما بين نقيضين محددين، كالأسود والأبيض، أو الشر والخير، أو الجمال والقبح … إلخ، مع أن الحالة الغالبة في الحياة الدنيا هي بالقطع أكثر تعقيدا وأقل وضوحا مما يرسمه الذهن البشري من سيناريوهات. تبدو هذه المقدمة ضرورية للبحث عن إجابة لسؤال فحواه: هل سيتم التوجه نحو دور أكبر للدولة علي المستوي الاقتصادي في العالم العربي بعد الأحداث التي شهدتها وتشهدها دول المنطقة؟ أم سيستمر الاقتصاد العربي في العمل طبقا لآليات السوق الحر وحدها؟.

والواقع أن البعض يميل إلي تعزيز فكرة تصاعد دور الدولة الاقتصادي في العالم العربي، خلال الفترة القادمة، لعدة أسباب، أغلبها محلي (وطني/ قطري)، ولكن أيضا يأتي بعضها بشكل طبيعي من التغيرات علي المستوي العالمي عقب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وهي تلك التغيرات التي تعزز من الفكرة القائلة إن الاقتصاد العالمي قد أضحي منذ ثلاثينيات القرن العشرين علي الأقل يسير علي متصل بدلا من التنقل بين نقيضين، أحدهما دور كبير للدولة في المجال الاقتصادي من ناحية، والثاني هو الاقتصاد الذي يعمل وفقا لآليات السوق وحدها علي النمط الشائع لما يعرف باليد الخفية أو اقتصاد “دعه يعمل دعه يمر” من ناحية أخري.ومن الصحيح كذلك القول إنه قد يتم التحرك في بعض الأحيان علي هذا المتصل بحيث نكون أقرب لواحد من القطبين، إلا أنه لم يحدث بشكل قاطع أن تطابق الموقف أبدا مع النظرات الصافية التي ترد إلي الذهن، حينما نتحدث عن أي من هذين النقيضين في مواجهة أحدهما للآخر.

الدور القوي للدولة:

عقب الأزمة المالية العالمية التي تفجرت بواكيرها في صيف عام 2007، أثيرت العديد من الأسئلة، ليس فقط علي المستوي العملي مثل كيف يمكن التصرف إزاء هذه الأزمة وتجاوزها?، أو كيف يمكن الحيلولة دون تكرار مثل هذه الأزمات المدمرة?، أو كيف يمكن منع هذه الأزمة من التحول إلي أزمة ركود اقتصادي عالمي عميق وممتد؟، ولكن جاءت الأزمة أيضا لتدفع نحو إثارة أسئلة تتعلق بمدي سلامة الأفكار النيو ليبرالية التي روجت خلال العقود الثلاثة الأخيرة لعدم وجود بديل لاقتصاد السوق والرأسمالية الحرين تماما من تدخل الدولة، باعتبارهما أنجح وسيلة لتحقيق التنمية الاقتصادية وقهر الفقر وغيره من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. وهي الأفكار التي عبر عنها بشكل واضح ومباشر المفكر الأمريكي الياباني الأصل “فرانسيس فوكوياما”، بتأكيده فشل كافة المنظومات الفكرية التي عارضت الليبرالية والرأسمالية في السابق مع انهيار الاتحاد السوفيتي بسقوط الأيديولوجية الماركسية، بعد أن سبقتها في السقوط كل من الفاشية والنازية.

جدلية الفكر الرأسمالي والاشتراكي:

وجهت للأفكار النيو ليبرالية الاقتصادية ضربة قوية مع اندلاع الأزمة العالمية، خاصة مع الاتجاه المتزايد للدول الغربية عامة، وبشكل خاص في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، لوضع خطط لإنقاذ المؤسسات المالية تستند إلي الموارد العامة، وهو ما أدي إلي ارتفاع أصوات من قبل كتل جماهيرية واسعة للاحتجاج علي التدخل لإنقاذ هذه المؤسسات الرأسمالية التي كانت تحقق أرباحا هائلة عن طريق جيوب دافعي الضرائب من الطبقات المتوسطة والفقيرة، إلي درجة أن ثار شعار بين الجمهور أنهم “يخصخصون الأرباح ويعممون الخسائر”.

كما ثار السؤال: هل يمثل ذلك اتجاها نحو عودة قوية للأفكار الاشتراكية، مع زيادة الميل نحو الاستحواذ علي العديد من الشركات أو التأميم العملي لبعضها، مع مدها بالأموال العامة مقابل حصص في رأس مال هذه المؤسسات? والواقع أن الجدل الذي ينبغي أن يثار الآن، حتي لا تختلط الأمور، هو جدل السياسي من ناحية والاقتصادي/ الاجتماعي من الناحية الأخري.

فرغم وجود علاقة جدلية واضحة يعترف بها الجميع، سواء كانوا رأسماليين أو اشتراكيين، من وجود تأثير وتأثر واضحين بين الحقلين السياسي من ناحية والاقتصادي/ الاجتماعي من ناحية أخري، فإن هذه العلاقة يميل الجميع إلي تمييعها دون قول فاصل حول اتجاه هذه العلاقة: هل هي متجهة من السياسي إلي الاقتصادي/ الاجتماعي أم العكس؟ والواقع أن هذا السؤال مشروع ليس فقط مع الأزمة الراهنة، وإنما هو سؤال مشروع بحكم التاريخ الخاص للرأسمالية ذاتها. فكما يمكن القول إنه كانت وستظل هناك اشتراكيات متعددة، فإن هناك أيضا رأسماليات متعددة، مع اختلاف طرق إنزال الأفكار النظرية المجردة علي أرض الواقع.

فأزمة الركود العالمي خلال الفترة من 1929إلي 1933 كانت فترة عصيبة أعقبت فترة من الازدهار الاقتصادي بعد نهاية الحرب العالمية الأولي عام 8191. وقد شهدت هذه الأزمة اضطرار الدول الرأسمالية إلي تبني العديد من قواعد وأسس العمل التي كانت مستبعدة في التطبيق الرأسمالي، منذ انتصرت الرأسمالية كنظام علي النظام الاقطاعي، وكان أفضل تعبير لذلك ما سمي “الصفقة الجديدة” New Dealالتي طبقها الرئيس الأمريكي روزفلت خلال فترات ولايته (1933-1945).

وقد استندت هذه القواعد الجديدة منذ منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي في تجلياتها النظرية إلي كتاب الاقتصادي البريطاني الشهير “جون مانيارد كينز”، “النظرية العامة في التشغيل وسعر الفائدة والنقود”، الذي نشر عام 6391. إلا أن التوجه العام ظل مختلفا في حدود أن ما دعا إليه “كينز” في كتاباته كان من قبيل الدفاع عن الرأسمالية بكل الأساليب الممكنة، في ظل بقاء السلطة السياسية، وأغلب النشاطات يسيطر عليها الرأسماليون. وعلينا أن نتذكر أنه علي الرغم من وجود معارضة دائمة لأفكار كينز والمطالبة بالعودة لترك الحرية الكاملة لآليات السوق -وهي أفكار عبر عنها التيار النيوكلاسيكي الذي مثله اقتصاديون كبار مثل الاقتصادي النمساوي/ الإنجليزي “هايك”، والاقتصادي الأمريكي “مليتون فريدمان” والمدرسة التي تتبعه في جامعة شيكاغو الأمريكية- فإن هذه الأفكار لم تجد الفرصة لتطبيقها أيضا إلا في ظل أزمة اقتصادية كبيرة في الدول الغربية، وهي ما سميت أزمة “الركود التضخمي” في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. وباختصار، فإن سقوط بعض الأفكار وصعود بعضها الآخر يأتي في الغالب في ظرف أزمة سياسية/اقتصادية عميقة.

هكذا، كان الحال مع الفكر الكينزي عقب الركود الاقتصادي الكبير (1929-1933)، ثم مع الفكر النيوكلاسيكي عقب أزمة الركود التضخمي في منتصف السبعينيات. وهكذا، يبدو هو الحال أيضا الآن مع الأزمة المالية العالمية الحالية، وتحولها إلي ركود واضح في الدول الصناعية المتقدمة.وإضافة إلي ما سبق، فإنه يمكن القول إنه دائما ما كنا نشهد تباينا واضحا في طريقة تطبيق وتبني منظومة معينة من الأفكار.

علي الجانب الآخر، فإن الفكرة الاشتراكية، وإن كانت قد أصيبت بأضرار واضحة مع سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1990، فإن هذه الفكرة ظلت حيه، بل إنها وجدت تطبيقات جديدة تحاول أن تتجنب ما شهدته الدول الاشتراكية السابقة من أخطاء، بل وخطايا، خاصة علي المستوي السياسي.

أمريكا اللاتينية .. فرادة التحول السياسي – الاقتصادي وتعدده:

ربما يكون أفضل مثال علي ذلك هو بعض دول أمريكا اللاتينية التي توجهت بلدانها، عكس التيار السائد عالميا، لتختار شعوبها أحزابا اشتراكية لتتولي الحكم فيها، علي الرغم من أن هذه التطبيقات هي الأخري لم تتجنب تماما التيار السائد، حيث كان مكونا ضمن مكونات صنع السياسات فيها، برغم أن من يتولي الحكم هم اشتراكيون. فعندما بدأت شيلي -علي سبيل المثال- طريق التحول الديمقراطي في تسعينيات القرن الماضي، فإن البلد سلك طريقا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا شديد التميز والخصوصية، يكاد يستعصي علي أي تعريف تقليدي أو بسيط.

وفي غضون هذه السنوات، شهدت شيلي حالة من النمو الاقتصادي المتواصل، واستقرارا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا نادرا، وصلت بها اليوم إلي التطلع إلي الخروج من دائرة البلدان النامية لتدخل نادي البلدان المتقدمة في زمن ليس ببعيد. وليس أدل علي خصوصية النموذج الشيلي وتميزه من واقع أن هذا التحول جري في ظل حكومة يسارية ترأسها، منذ فوزه في انتخابات الرئاسة في عام 2000، الرئيس ريكاردو لاجوس، زعيم الحزب الاشتراكي الشيلي (أي الحزب نفسه الذي قاد حكومة الوحدة الشعبية لسلفادور الليندي، والذي قتل في انقلاب عسكري في سبتمبر 1973)، وزعيم التحالف الديمقراطي الذي قام بالدور الأبرز في إزاحة الديكتاتورية العسكرية واستعادة الديمقراطية في شيلي، ثم انتخبت بعده الرئيسة ميشيل باشيليه لتتولي الحكم في عام 2006، ليستمر حكم الاشتراكيين للبلاد حتي انتخاب رئيس يميني في عام 2010.

وبالرغم من الحكم الاشتراكي منذ عام 2000 وحتي عام 2010، فإن شيلي ظلت تتبني اقتصادا للسوق يعد من اكثر اقتصادات السوق في العالم حرية، ولا يتردد المسئولون في حكومتها اليسارية في التعبير عن اعتزازهم بأنه لا يكاد يوجد في شيلي قطاع اقتصادي عام من أي نوع، ويقصرونتدخل الدولة في الاقتصاد علي قطاع الخدمات العامة وفي أضيق حدود.

وقد جمعت شيلي بين سياسات تقوم علي اقتصادات السوق وبرامج اجتماعية حازمة حققت نجاحات كبيرة في الحد من الفقر والبطالة، وذلك بالتركيز علي التعليم والصحة، وبتوجيه دقيق للدعم الحكومي إلي الفئات الأشد حاجة إليه، وهو ما يبدو في شكل نتائج اجتماعية جدية، مثل انخفاضكبير في عدد وفيات الأطفال دون سن الخامسة، وزيادة نسب الالتحاق بالتعليم خاصة لأولاد الفقراء، ومساعدة ذوي الدخول المحدودة علي بناء مساكن لهم، هذا كله في ظل ارتفاع متواصل في متوسط الدخل، حيث ارتفع مستوي نصيب الفرد من الناتج الإجمالي ليصل إلي ما يزيد علي سبعةآلاف دولار، وذلك بالرغم من وجود فجوة واسعة في الدخل بين الشريحة صاحبة أعلي دخل وأفقر شرائح المجتمع.

ولكن هذا يعود جزئيا إلي أن شيلي كغيرها أيضا من بلاد أمريكا اللاتينية كانت تتسم تقليديا وعلي مدي زمني طويل بالتفاوت الاجتماعي الواسع، بحيث كانت نسبة السكان تحت خط الفقر تبلغ ما يزيد علي 42% من عدد السكان حتي تسعينيات القرن العشرين، لتلي بذلك البرازيل مباشرة في سوء توزيع الدخل. كما أن هناك بعض المشكلات لا تزال تمثل تحديا كبيرا، يأتي علي رأسها مشكلة البطالة، وضيق قاعدة الصادرات. إذ علي الرغم من التنويع الكبير مع تحول شيلي لتصبح مصدرا كبيرا نسبيا للنبيذ والأسماك والفواكه والورق وعجينة الورق والأخشاب، وهو نجاح ينسب إلي حد كبير إلي الحكم الاشتراكي، فإن النحاس لا يزال يشكل نسبة تزيد علي 40% من إجمالي قيمة الصادرات، وهو ما يعمل علي تأثر النشاط الاقتصادي في البلاد، مع التقلب في أسعاره في السوق الدولية.

وبالمثل، فحينما صعد الرئيس سيلفا دي لولا لحكم البرازيل في فترته الأولي في يناير 2003، كان من مفارقات القدر أن يبدأ بتنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي الذي يستند إلي التقشف المالي، في الوقت الذي استند فيه نجاحه وشعبيته إلي انحيازه القوي للفقراء، وترويجه إبانحملته الانتخابية للعديد من البرامج الاجتماعية التي وعد بتنفيذها في حال انتخابه. وبعد عام من التقشف الشديد وانخفاض في نسبة الاستثمار، كان من المنطقي انخفاض معدل النمو الاقتصادي في العام الأول لحكم الرئيس لولا إلي 0.5%. ولكن مع تنفيذ البرنامج والمهارة السياسية التي تمتع بها الرئيس، في محاولة الإبقاء علي الزخم الجماهيري المؤيد له، زادت الثقة في الاقتصاد البرازيلي تدريجيا، كما تجلي في انخفاض درجة المخاطر. ومع بدء تنفيذ سياسة اقتصادية توسعية بعض الشيء بتنفيذ جانب من البرامج الاجتماعية للرئيس، فقد بدأ هذا كله في الإتيان بثماره، فتمت استعادة الانتعاش الاقتصادي القوي، فقفز معدل نمو الناتج إلي أكثر من 5%، وارتفع معدل التوظيف.

وإلي جانب هذا، فقد تم تسجيل أداء تصديري قوي أدي إلي فائض كبير في الميزان التجاري، إلي جانب نمو الطلب المحلي بقوة مع انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية، وتسهيل إجراءات الحصول علي الائتمان، وذلك في ظل معدلات إنتاج تقترب من الطاقة الإنتاجية القصوي المتاحة، وزيادة درجة الثقة في دوائر الأعمال، حيث ارتفعت الاستثمارات، وهذا كله مع التزام حكومة الرئيس لولا بمعدل للتضخم يقع ضمن النطاق المحدد له، ويقل عن 10%.

وكان نجاح فريق الرئيس لولا في فترته الرئاسية الأولي قد دفع خبراء صندوق النقد الدولي إلي الإشادة بالنجاح الكبير الذي حققته الحكومة، بل إن بعض هؤلاء الخبراء قالوا بالحرف الواحد” إن أهداف السياسة المالية البرازيلية في عام 2005 تعد متحفظة للغاية، علي الرغم من أنها تركت مجالا واسعا للإنفاق علي البنية الأساسية والبرامج الاجتماعية”. وأعرب هؤلاء الخبراء عن رأيهم بأن “الظروف والبيئة الاقتصادية في البرازيل تقدم فرصة عظيمة للتعامل مع الضعف الهيكلي في الاقتصاد، وتمكن في الوقت نفسه من خفض الفقر وعدم المساواة”.

واتفقت البرازيل مع الصندوق في 28 مارس 2005 علي أنه بنهاية برنامج التثبيت في نهاية الشهر ذاته، فإن البلاد ليست بحاجة للدخول في برامج جديدة معه، كما كان هذا النجاح ذاته هو السبب وراء انتخاب الرئيس لولا لفترة رئاسة ثانية، كما لم يكن غريبا أن تحقق مرشحة حزب العمال البرازيلي ومرشحة الرئيس لولا نفسه فوزا واضحا في الانتخابات لتصبح الرئيسة الاشتراكية الثانية للبلاد، مع تسلم مهامها الرئاسية في يناير 1102. وتعد البرازيل الآن من بين أهم بلدان العالم الثالث ليس فقط من حيث نجاحها الاقتصادي، وإنما في تزايد دورها ونفوذها الدولي، والخطط التي طرحت أخيرا لتطوير المؤسسات المالية الدولية تعطي للبرازيل إلي جانب الهند والصين دورا كبيرا نسبيا في إدارة الاقتصاد العالمي.

إلي جانب هاتين التجربتين، هناك أيضا التجربة الاشتراكية الفنزويلية في عهد الرئيس شافيز (1999 وحتي الآن)، وهي تعد تجربة أكثر راديكالية علي المستويين السياسي والاقتصادي. حيث يمكن القول بشكل عام إنها تجربة تتبع إلي حد أكبر خطوط التطور الاقتصادي الاشتراكي التقليدي بدور قوي للدولة، والتدخل بتأميم عدد من المشروعات الرئيسية، إلي جانب برامج إنفاق اجتماعي ضخمة لمصلحة الفقراء، وهم بشكل واضح مؤيدو الرئيس في مواجهة احتجاجات واسعة من جانب كبار رجال الأعمال والشريحة العليا من الطبقة الوسطي الفنزويلية.

ونوجز كل ما سبق بالقول إن التغير الذي تشهده السياسات الاقتصادية علي المستوي العالمي الآن هو استجابة براجماتية من جانب الدول الرأسمالية المتقدمة أو غيرها للأزمة المالية الحالية، وهو أمر حدث سابقا وسيحدث لاحقا عقب كل أزمة، لكن يمكن القول في الوقت نفسه إن هذا أعطي شرعية ومجالا أكبر لتنفس الأفكار التي تطالب بدور قوي للدولة علي الأقل في مجال الإشراف والرقابة والتوجيه لعمل آليات السوق، وربما تدفع الأزمة إلي تغير سياسي، خاصة في البلدان النامية، بعد نجاح بعض البلدان ذات الحكم “الاشتراكي” في تحقيق نجاحات ملموسة، حتي في ظل سيادة الأفكار النيوكلاسيكية علي المستوي العالمي.

وربما يكون التطور الأهم هو صعود بعض البلدان الناهضة اقتصاديا، مثل الصين والبرازيل والهند، لتصبح لاعبا مهما في الساحة الاقتصادية الدولية، وإسهامها بدور أكبر في إعادة صياغة النظام الاقتصادي الدولي، ولعبها لدور أكبر في مؤسسات التمويل الدولية، وهو ما يمكن أن يقدم عالما مختلفا يستند إلي تعدد الأقطاب، بدلا من النظام الحالي القائم علي الهيمنة الغربية، خاصة الأمريكية، علي مقدرات العالم الاقتصادية، وعلي ما يدير اقتصادات العالم من سياسات.

العالم العربي .. احتجاجات وتغيير منتظر في السياسات:

هذه التغيرات المتمثلة في قبول دور أوسع للدولة في النشاط الاقتصادي، خاصة في فرض القواعد والمعايير التي تدار وفقا لها النشاطات وبعض القطاعات الاقتصادية، خاصة القطاع المالي علي المستوي العالمي، نجمت إذن عن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وهو الأمر الذي يسير في خط التطور الإنساني الطبيعي، بمعني أن كل أزمة يترتب عليها بالضرورة، في محاولة تجاوزها، إقرار سياسات جديدة، تختلف بشكل واضح عما كان مطبقا من سياسات قبل تفجر هذه الأزمة. وتواجه المنطقة العربية ومصر الآن وضعا مشابها، بمعني أن الثورات التي شهدتها بعض دول المنطقة، كتونس ومصر، والاحتجاجات التي تشهدها دول أخري، مثل ليبيا واليمن والبحرين وعمان والجزائر والمغرب والأردن، والتي تكشف معها في مصر وتونس عن حجم ضخم من الفساد والنهب المنظمين للموارد العامة من قبل جحافل نظم الحكم السابقة، خاصة في ظل تزاوج المال بالسلطة، وفي ظل سياسات كانت تروج للاستناد إلي آليات السوق وحدها، وفي ظل تفاوت واسع في الدخل والثروة بين أقلية تتحكم في مقادير الأمور اقتصاديا وسياسيا، بين أغلبية كاسحة تعيش في مستويات معيشية متردية -كل هذه التطورات ستفرض بالضرورة اتباع سياسات جديدة في كل هذه البلدان.

فهذه الثورات والاحتجاجات أسهمت بدور بارز في تفجيرها طبيعة الأوضاع الاقتصادية – الاجتماعية التي شهدتها هذه البلدان، خاصة من بطالة للمتعلمين، وتدهور مستويات معيشة أقسام واسعة من السكان. وهو أمر ليس واضحا وصحيحا في حالة بلدان كمصر وتونس فقط، بل ينطبق أيضا علي عدد آخر من البلدان النفطية الغنية. فتقديرات نسب البطالة، علي سبيل المثال، خلال عام 2010 تقترب من 12% في المملكة العربية السعودية، وترتفع إلي 12.8% في الجزائر، و 15% في البحرين، وتصل إلي أكثر من 25% في ليبيا. ومع الوضع في الاعتبار ارتفاع مستوي التعليم، فإن نوعية العاطلين عن العمل الآن تختلف قطعا عن نوعية هؤلاء مع بدء التدفق الكبير لعائدات النفط، خاصة مع زيادة الأسعار في منتصف السبعينيات، وهو ما يشكل ضغطا كبيرا علي الدولة.

كما لا يمكن أيضا تجاهل أن تذبذب أسعار تصدير الموارد الطبيعية، خاصة النفط، يؤدي إلي دورات متعاقبة من الازدهار والكساد في البلدان التي تعتمد علي هذه العائدات. وبالطبع، فإنه حينما تكون هناك دورة ازدهار، فإنه لا تكون هناك مشكلة لدي الدولة الريع النفطي، بينما في حالة مرور الأسعار بدورة انخفاض، فإن ذلك يؤدي إلي مصاعب مالية للحكومة، وإلي ركود اقتصادي. وهو أمر منطقي، حيث تلعب السياسة المالية في دول الريع النفطي دورا يتجاوز بكثير الدور المعروف الذي تلعبه هذه السياسة في بلدان أخري، نظرا لدورها في إدارة عجلة النشاط الاقتصادي ككل، سواء في القطاع العام عن طريق المشروعات الكبري التي نفذتها وتديرها الحكومة، أو من خلال الإنفاق علي مشروعات البنية الأساسية التي يقوم بها القطاع الخاص، أو من خلال الدعم المباشر وغير المباشر للمنتجين من القطاع الخاص، وكذلك من حيث توسيع الاستهلاك العائلي من خلال سياسات الدعم المفرط للمواطنين والتي تبنتها هذه البلاد منذ منتصف السبعينيات.

ولذلك، لم يكن غريبا أن كافة البلدان التي شهدت ثورات أو احتجاجات أو حاولت توقيها قد سارعت إلي بعض الإجراءات العملية السريعة، سواء بتوفير فرص العمل المستقر للعاملين المؤقتين، أو زيادة مستويات الرواتب، أو التدخل بزيادة مستوي الدعم لبعض السلع الأساسية وغيرها، كما حدث في مصر وتونس. ويأتي في السياق نفسه ما أقدم عليه الملك عبدالله، العاهل السعودي، عند عودته لبلاده بعد رحلة علاج استغرقت عدة أشهر، بإعلان خطة حكومية لإنفاق نحو 36 مليار دولار علي عدد من القطاعات التي تهم المواطنين السعوديين كالإسكان وتوفير الوظائف وغيرها، توقيا لحالة احتجاج متصاعد في المملكة. بل رأينا اتجاها من دول مجلس التعاون الخليجي الغنية الأربع (السعودية والكويت والإمارات وقطر) إلي توفير خطة يبلغ مقدارها 20 مليار دولار لدعم كل من البحرين وعمان، عضوي المجلس، الأقل ثراء علي مدي عشر سنوات.

وفي البلدان غير النفطية، كمصر وتونس مثلا، ربما لا يمضي الأمر إلي حد هجران آليات السوق، ولكن في ظل ضبط جديد للأوضاع علي يد الدولة بالتحجيم من الفساد، وتوفير آليات شفافة وعادلة تحفز علي المنافسة وتجرم وتحارب الاحتكار، وفي ظل تطبيق معايير تحقق المزيد من العدالة الاجتماعية.

وربما يعبر عن ذلك خير تعبير الدعوة إلي تطبيق حد أدني جديد للأجور يتناسب مع مستويات الأسعار السائدة، وربما سياسة ضريببة تصاعدية جديدة تفرض حدودا أعلي للضرائب علي دخول الشرائح الأغني من السكان، وبما يتيح إنفاقا أكثر، وبالتالي تقديم خدمات عامة أفضل في قطاعات مثل الصحة والتعليم. وفي كل هذا، لن نكون بالضرورة قد انتقلنا إلي دائرة الاقتصاد الموجه، ولكننا علي الأقل سنكون في دائرة اقتصاد يستند إلي آليات السوق، ولكن مع دور أكبر للدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية، سواء عبر توزيع الدخل بصورة أكثر عدالة، أو عبر إعادة توزيع الدخل بزيادة الإنفاق العام، وتأكيد توافر معيار الجودة في الخدمات العامة، خاصة تلك التي تقدم للفئات الفقيرة من المواطنين.

لمزيد من التفاصيل حول الموضوع، انظر:

1- John Maynard Keynez, The General Theory of Employment, Interest and Money،Prometheus Books،1997.

2- ف.أ. هايك، “الطريق إلي العبودية”، ترجمة: محمد مصطفي غنيم، دار الشروق، 4991.

– 3ف.أ. هايك، “الغرور القاتل” .. أخطاء الاشتراكية القاتلة، ترجمة: محمد مصطفي غنيم، دار الشروق، 3991

الاتحاد السوفيتي وتفككه

كاتب الموضوع الأصلي: مهند الحارثي.3621

نهار الاتحاد السوفييتي في العام 1991 باستلام بوريس يلتسن مقاليد الحكم، وكان قدوم الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف وخططه الواعدة بإعادة البناء وخفض التوتر السوفييتي-الأمريكي قد مهّد الطريق إلى الانهيار السلميّ نوعاً ما، والذي أحاط به ضباب من الانقسام الداخلي في الجيش السوفييتي والذي أوصل بوريس يلتسن على ظهر دبابة إلى سدة الحكم في روسيا.

قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي بقليل قام عدد من كبار المسؤولين بانقلاب على سلطة جورباتشوف بهدف إعادة الاتحاد السوفييتي نحو النظام الشمولي المركزي, والتخلص من البريسترويكا التي أقامها جورباتشوف، والتي تبتعد عن روح النظام الشيوعي. تم إخضاع جورباتشوف للإقامة الجبرية وتشكيل لجنة حكم تقوم بأعماله. رغم ثقل الشخصيات المشاركة في الانقلاب فقد فشل بسبب الجماهير التي كانت قد فقدت الإيمان بالإتحاد السوفييتي بسبب الانهيار الاقتصادي الشامل. لم تقم الوحدات العسكرية المشاركة بضرب الجماهير المناهضة بالانقلاب, ولم تكن قيادة الانقلابيين قوية كفاية لاتخاذ القرارت الحاسمة الجريئة في تلك اللحظات. انتهى الانقلاب ببزوغ نجم يلتسن, وتوقيع رؤساء الجمهوريات السوفييتية على وثيقة حل الاتحاد السوفييتي.

بانهيار الاتحاد السوفييتي أسدل الستار على أول تجربة لنظام اشتراكي يقوم على أفكار ماركس وإنجلز ولينين. ويبقى الجدل لغاية اليوم: هل كان السبب في انهيار الإتحاد السوفييتي خلل في النظرية الاشتراكية ذاتها أم هو خلل في التطبيق؟

تفكك الاتحاد السوفيتي إلى 15 دولة مستقلة في 19 أغسطس 1991 وهى:
*جمهوريات السلاف
روسيا
أوكرانيا
بيلاروسيا
* جمهوريات البلطيق
إستونيا
لتوانيا
لاتفيا
* جمهوريات الاتراك
تركمانستان
كازاخستان
أوزبكستان
قرغيزستان
*جمهوريات القوقاز
أرمينيا
جورجيا
أذربيجان
*جمهوريات أخرى
مولدافيا (رومانية)
طاجيكستان (أيرانية)

الماوردي

كاتب الموضوع الأصلي: تركي الحربي 2080

هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي (364 – 450 هـ / 974 – 1058 م) أكبر قضاة آخر الدولة العباسية، صاحب التصانيف الكثيرة النافعة، الفقيه الحافظ، من أكبر فقهاء الشافعية والذي ألّف في فقه الشافعية موسوعته الضخمة في أكثر من عشرين جزءًا.

تعلم على يد علماء منهم الحسن بن علي بن محمد الجبلي المحدث، ومحمد بن عدي بن زُحَر المقريء، ومحمد بن المعلى الأزدي، وجعفر بن محمد بن الفضل البغدادي وأبو القاسم عبد الواحد بن محمد الصيمري القاضي بالبصرة أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرايني ببغداد.

ولد الماوردي في البصرة عام 364 هجرية، لأب يعمل ببيع ماء الورد فنسب إليه فقيل “الماوردي”. ارتحل به أبوه إلى بغداد، وبها سمع الحديث، ثم لازم واستمع إلى أبي حامد الإسفراييني. عمل بالتدريس في بغداد ثم بالبصرة وعاد إلى بغداد مرة أخرى. كان يعلم الحديث وتفسير القرآن. لقب عام 429 هـ تلقب بأقضى القضاة، وكانت مرتبته أدنى من قاضي القضاة، ثم بعد ذلك تولى منصب قاضي القضاة.

نشأ الماوردي، معاصرا خليفتين من أطول الخلفاء بقاء في الحكم: الخليفة العباسي القادر بالله، ومن بعده ابنه القائم بأمر الله الذي وصل الضعف به مبلغه حتى إنه قد خطب في عهده للخليفة الفاطمي على منابر بغداد.

كان الماوردي ذا علاقات مع رجال الدولة العباسية كما كان سفير العباسيين ووسيطهم لدى بني بويه والسلاجقة. بسبب علاقاته هذه يرجح البعض كثرة كتابته عما يسمى بالفقه السياسي. ومن كتبه في هذا المجال:

أدب الدنيا والدين
الأحكام السلطانية
قانون الوزارة. أما كتبه الأخرى فمنها:
سياسة أعلام النبوة
تفسير القرآن “النكت والعيون”

وقد نال الأخير عناية المفسرين المتأخرىن ونقلوا عنه، كابن الجوزي في زاد المسير، والقرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن. اتهم الماوردي بالاعتزال لكن انتصر له تلميذه الخطيب البغدادي فدافع عنه ودفع عنه الادعاء. توفي في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول من سنة 450 هـ، ودفن من الغد في مقبرة باب حرب، وكان قد بلغ 86 سنة، وصلى عليه الإمام الخطيب البغدادي.

من أهم مؤلفاته غير ماذكر ما يلي:

كتاب الحاوي الكبير، في فقه الشافعية في أكثر من عشرين جزءًا.
كتاب نصيحة الملوك.
كتاب قوانين الوزارة وسياسة الملك.
كتاب التفسير.
كتاب الإقناع، وهو مختصر كتاب الحاوي.
كتاب أدب القاضي.
كتاب أعلام النبوة.
كتاب تسهيل النظر.
كتاب في النحو.
كتاب الأمثال والحكم..

عاصفة الديون السيادية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد السويكت 20

اليونان.. أولى ضحايا “اللانظام” العالمي في القارة الأوروبية
كارن أبو الخير
مدير تحرير مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام.
خلال أقل من عامين، تحولت مشكل الديون السيادية اليونانية إلى أزمة حادة، تكاد تعصف بالنظام الاقتصادي والسياسي لهذه الدولة، وتثير مخاوف متصاعدة حول مستقبل العملة الأوروبية الموحدة، واستمرار مشروع الوحدة الأوروبية ذاته، كما تمتد تداعياتها لتهدد باندلاع أزمة مالية عالمية جديدة، قد تفوق في قسوتها أزمة عام 2008.

تعكس هذه التطورات ملامح أساسية في النظام السياسي والاقتصادي العالمي في المرحلة الحالية، والذي وصفه محللون مثل إيان بريمر بنظام (G-Zero)، أي اللا قطبية، كما وصفه آخرون مثل تيموثى آش “باللا نظام” العالمى الجديد (New World Disorder). فبعد تراجع قدرة الولايات المتحدة على بسط هيمنتها سياسيا واقتصاديا، ظهرت قوى متعددة ومختلفة الرؤى على الساحة، تسعى كل منها لتحقيق مصالحها القومية وحل مشاكلها الداخلية، بينما تعجز عن، أو ترفض، لعب موقف قيادي على المستوى الدولي.

انعكس هذا الانقسام على عمل كل الهيئات الدولية متعددة الأطراف، وأصبح هناك غياب واضح لإرادة التعاون الجماعي على المستوى الدولي. تجلى ذلك في فشل المفاوضات المتعلقة بأزمة تغير المناخ، ومفاوضات جولة الدوحة وغيرها، وفي التراجع السريع للتعاون من خلال مجموعة العشرين بعد الأزمة المالية لعام 2008.

نظام اقتصادي منقسم

وعلى المستوى الاقتصادي، فقد انقسم الاقتصاد العالمي واقعيا إلى اقتصادين: اقتصاد يضم الدول المتقدمة (الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان)، والذي يعاني مستويات عالية من الدين الحكومى، ارتفعت نسبتها إلى إجمالي الناتج القومي في هذه الدول مجتمعة من 46% عام 2007، إلى 70% عام 2011، ومن المنتظر أن تصل إلى 80% عام 2016، كما يعاني أيضا من تراجع في النمو والإسهام في إجمالى الناتج العالمى، حيث كان نصيب الولايات المتحدة أكبر اقتصادات العالم، على سبيل المثال، 8% فقط من الزيادة التي حدثت في الناتج العالمي بين عامى 2007 و2011.

أما الاقتصاد الثانى، فيضم دول الاقتصادات الصاعدة، وعلى رأسها الصين، والتي أسهمت مجتمعة بنسبة 66% من زيادة إجمالى الناتج العالمى بين عامى 2007 و2011، ولم تتجاوز نسبة دينها الحكومي إلى الناتج القومي 28% عام 2007، انخفضت إلى 26% في 2011، ومن المنتظر أن تنخفض إلى 21% بحلول عام 2016.

يفسر المحللون هذا الانقسام بأن النموذج الرأسمالي الغربي، الذي صنع موجة الرخاء الاقتصادي بين عامي 1980 و2008، قد تحطم، حيث إن قدرته على إنتاج وبيع السلع والخدمات قد تجاوزت بمراحل قدرة المستهلكين على الاقتراض والإنفاق، وهو بذلك عاجز عن تحقيق النمو، وتوفير فرص العمل وتحقيق مستويات معقولة من الدخل لمواطنيه.

تتجسد هذه الانقسامات السياسية والاقتصادية بشكل واضح في الواقع الأوروبي. فالاقتصادات الأوروبية أيضا انقسمت إلى فريقين، فريق يتمتع بقوة مالية واقتصادية، وعلى رأسه ألمانيا، أما الفريق الأخر فيعاني مشكلات الديون وتباطؤ النمو، وارتفاع معدلات البطالة وغيرها من المشاكل.وبالرغم من قوة ألمانيا اقتصاديا، فإنها تعزف عن لعب دور الدولة “القائدة” للمشروع الأوروبي، وتعكس مواقفها من الأزمة اليونانية رفضها لتحمل التبعات الاقتصادية للحفاظ على وحدة اليورو والاتحاد الأوروبي.

غياب الإرادة السياسية

وهناك ما يشبه الإجماع بين المحللين على أن تفاقم الأزمة اليونانية جاء لأسباب سياسية في الأساس. فقد أوضح عالم الاقتصاد جوزيف ستيجلتز، على سبيل المثال، فإن الاقتصاد الأوروبي، الذي يبلغ حجمه 16 ألف مليار دولار، يستطيع استيعاب عبء الدين اليونانى بأكمله، إذا توافرت الإرادة السياسية، ويمكن أن يتحقق ذلك عن طريق سندات يطرحها البنك المركزى الأوروبى، مدعومة من كل الحكومات الأوروبية، توفر دعما ماليا لليونان بفوائد منخفضة، تمكنها من التعامل مع مشكلة الديون بشكل أكثر عملية وأقل تكلفة على المستوى الاجتماعي والسياسي.

لكن حكومات الدول الأوروبية الأكثر ثراء ليست مستعدة لتقديم مثل هذا الدعم الواضح، والذي يلاقى معارضة شعبية على المستوى الداخلي، في ظل تزايد الإحساس “بعدم الثقة” في المؤسسات الأوروبية لدى العديد من الشعوب، خاصة ألمانيا، ورفض هذه الشعوب تحمل التبعات المالية لدعمها. لذلك أصرت حكومات هذه الدول على أن تتخذ الحكومة اليونانية إجراءات تقشفية حادة، أدت إلى تراجع في النمو الاقتصادي، وبالتالي تناقص دخل الدولة، وتراجع قدرتها على الوفاء بمتطلبات الدين.كما كان لهذه الإجراءات تداعيات اجتماعية شديدة، أدت إلى تصاعد الغضب الشعبى، واندلاع الإضرابات والمظاهرات التي تهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي.والمفارقة أن تصاعد الأزمة اليونانية سوف تكون تكلفته الاقتصادية على أوروبا والعالم أكبر بكثير مما لو كانت الدول الأوروبية قد قدمت الدعم المالي المناسب في الوقت المناسب.

لقد أصبح واضحا أن اليونان لن تستطيع الوفاء بالتزامات الدين في الوضع الحالي، وأنها سوف تضطر لإعلان ذلك، أى إعلان إفلاسها، وبالتالى قد تنسحب من اليورو، وتعيد إصدار عملتها المحلية، لكى تستعيد القدرة على إصدار النقود وإنقاذ اقتصادها من الانهيار الكامل. وسوف تتكبد اليونان خسائر في ذلك، قدرها تقرير لبنك UBSبنحو50% من إجمالي ناتجها القومي في العام الأول، ناهيك عن التداعيات على المصارف اليونانية والأوروبية، التي سوف تتكبد خسائر، نتيجة انهيار قيمة ما تملكه من سندات حكومية يونانية. وسوف يمتد آثار ذلك الانهيار إلى شبكة المصارف العالمية، التي لها معاملات مع هذه البنوك، بما يصاحبه من خطر اندلاع أزمة سيولة على مستوى الجهاز المصرفي عالميا.

من ناحية أخرى، سوف يثير تراجع اليونان عن سداد ديونها المخاوف بشأن قدرة اقتصادات أكبر، مثل إيطاليا وإسبانيا، على الوفاء بالتزامات ديونها السيادية أيضا. وقد أدت هذه المخاوف بالفعل إلى إعادة تصنيف الموقف الائتمانى لإيطاليا، مما يرفع من سعر الفائدة الذي تستطيع الاقتراض به من القطاع الخاص.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولى إلى أن إيطاليا ستحتاج خلال عام 2012 إلى اقتراض مبالغ توازى ربع إجمالى ناتجها القومى لمواجهة أعباء ديونها، وأن إسبانيا وفرنسا ستضطر كل منهما إلى اقتراض مبالغ توازى خمس إجمالي ناتجهما القوميين في العام نفسه. وسيؤدى ذلك كله إلى المزيد من الانقسام بين دول الاتحاد الأوروبى، وإلى احتمال خروج عدة دول من الوحدة النقدية الأوروبية. ولأن اليورو كان بالأساس مشروعا سياسيا يهدف إلى دعم الوحدة الأوروبية، فسوف يكون لكل ذلك تداعيات سلبية على المشروع الأوروبي كله.

الصين و”مصيدة الدولار”

يتكرر نموذج غياب القيادة على مستوى النظام الدولى ككل، حيث تبدو الصين أيضا عازفة عن التدخل لتفادى تفاقم الأزمة، رغم أن لها مصلحة اقتصادية في دعم اليورو. فاستمرار اليورو كعملة قوية في الاقتصاد العالمي يشكل مخرجا لها من “مصيدة الدولار”، الذي يقدر المحللون أنه يشكل نحو ثلث فوائض الصين من النقد الأجنبى.من ناحية أخرى، فالاتحاد الأوروبى هو ثانى أكبر شريك تجارى للصين، وسوف تؤثر تداعيات الأزمة الأوروبية بلا شك سلبيا في المصالح التجارية الصينية.

يأتى الموقف الصينى، بحسب ياو يانج مدير مركز الصين للبحوث الاقتصادية بجامعة بكين، بناء على رؤية مفادها أن الأزمة اليونانية لم تنتج عن مشكلة سيولة، ولكن عن غياب الإرادة السياسية الأوروبية في تحمل الأعباء اللازمة لتجاوزها.

وترى الصين أن على الدول الأوروبية، خاصة ألمانيا، تنحية مصالحها الضيقة جانبا، وتغليب المصلحة الأوروبية العامة، قبل أن تطلب الدعم من خارج أوروبا. من ناحية أخرى، تدرك الصين أن الاستثمار في السندات الحكومية اليونانية أو الإيطالية قد أصبح محفوفا بالمخاطر، ولن تقبل عليه إلا إذا حصلت على ضمانات قوية من ألمانيا وفرنسا، وهو ما لا يبدو أن الدولتين على استعداد لتقديمه.

وما بين فشل النموذج الاقتصادي في تحقيق النمو، وتراخى الدول الأوروبية الغنية عن اتخاذ إجراءات حاسمة لتقديم الدعم المالى للدول الأقل حظا، أصبحت أوروبا بين شقى الرحى: الكساد والبطالة والديون من ناحية، وتهديد المؤسسات المالية برفع أسعار الفائدة على القروض وانهيار البورصات من ناحية أخرى.

يعكس التأثير المتصاعد لأسواق المال على القرار السياسى للحكومات الغربية أحد ملامح النظام الرأسمالي العالمي الذي تتحرك فيه التريليونات من الدولارات عبر الحدود دون رقيب أو حسيب، مخلفة آثارا تدميرية. لقد أصبح ضغط المؤسسات المالية هو الحافز الأكبر لتحرك الحكومات، فقد سارع البنك المركزى الأوروبى بالتعهد بمساندة البنوك المتضررة من أزمات الديون السيادية في أوروبا، رغم تقاعسه عن تقديم الدعم للآلاف من المواطنين الأوروبيين الذين تضرروا بشدة من الإجراءات التقشفية المفروضة عليهم.
لقد ارتفعت أصوات المحللين والسياسيين في أوروبا والولايات المتحدة، داعين قادة أوروبا لأخذ مواقف إيجابية تعيد “الثقة” إلى أسواق المال، حيث إن أزمة الثقة هذه قد تدفع البنوك إلى التوقف عن تقديم القروض، وتدعم الاتجاه إلى نقل المدخرات باليورو من الدول “الضعيفة” إلى الدول “القوية”، مما سوف يكون له تداعيات شديدة السلبية.
شبح ” الكساد الكبير”
يشكل الاقتصاد الأوروبي ككل كتلة اقتصادية أكبر من الاقتصاد الأمريكي أو الصيني، وسوف يكون لاندلاع أزمة مصرفية، بما لها من تداعيات اقتصادية، أثر كبير على الاقتصاد العالمى برمته، مما سيدفع الكثير من الدول إلى اتخاذ إجراءات لحماية عملاتها واقتصادها، مما يهدد بانهيار النظام التجارى العالمى.

وقد اتخذت اليابان وسويسرا إجراءات لحماية أسعار عملتيهما بالفعل. كما بدأت البرازيل في اتخاذ إجراءات لحماية صناعتها الوطنية عن طريق فرص رسوم إغراق على الواردات من دول أخرى مثل الصين. وتبدو الولايات المتحدة أيضا عازمة على الاتجاه في الطريق نفسه.

تثير هذه الإجراءات مخاوف المحللين من تكرار أخطاء الثلاثينيات من القرن الماضى، حيث تسببت الإجراءات الحمائية بعد الأزمة المالية لعام 1929 في تراجع معدلات التجارة العالمية، وفي سقوط العالم في براثن “الكساد الكبير”.لهذا السبب، تتعالى تحذيرات الساسة والاقتصاديين من مختلف أنحاء العالم بأن غياب القيادة السياسية الفعالة يدفع العالم إلى حافة الهاوية، كما ينادون بضرورة تغليب المصلحة العامة وعودة التنسيق السياسى الفعال على المستوى الدولى.

وعلى سبيل المثال، نبه جوردون براون، رئيس وزراء بريطانيا السابق، إلى أن الطريق نحو تحقيق النمو والقضاء على البطالة لن يكون من خلال مبادرات فردية من كل دولة على حدة، بل من خلال تنسيق السياسات على المستوى الدولى، حيث إن للجميع مصلحة مشتركة في ذلك.

ويقول براون “منذ عشر سنوات، كانت قاطرة الاقتصاد الأمريكى قادرة على قيادة الاقتصاد الدولى. وبعد عشر سنوات من الآن، سوف تلعب الاقتصادات الصاعدة هذا الدور. ولكن في الوقت الحالي، فإن الولايات المتحدة وأوروبا عاجزتان عن زيادة الإنفاق الاستهلاكى، بدون زيادة الصادرات، بينما الصين والاقتصادات الصاعدة الأخرى لن تستطيع بسهولة زيادة معدلات الإنتاج أو الاستهلاك بدون ضمان أسواق غربية قوية”.

عقب اندلاع الأزمة المالية العالمية، تصدر غلاف مجلة فورين بوليسى الأمريكية (عدد مارس/أبريل 2009)، عنوان يتنبأ بحلول عصر جديد من “الاضطرابات العظيمة” نتيجة لتراجع الهيمنة الأمريكية من ناحية وعدم استقرار الاقتصاد العالمى من ناحية أخرى. استعرض الملف عدة دول مرشحة للوقوع في مثل هذه الاضطرابات، لكنها لم تتضمن أى دولة من العالم “المتقدم”. واليوم، تبدو اليونان، نتيجة للانقسامات العميقة التي يعانيها النظام الدولي، وغياب التعاون الدولي الرشيد في مواجهة الأزمات المالية والاقتصادية، مرشحة لأن تكون أول دولة تنضم إلى قائمة الدول “الفاشلة” بسبب إنعدام سيطرتها على مقدراتها المالية والاقتصادية. وسوف تكون بذلك أيضا أولى ضحايا “اللانظام” العالمى الجديد.

متطلبات الخروج من المأزق الاقتصادي في مصر

كاتب الموضوع الأصلي: محمد السويكت 20

متطلبات الخروج من المأزق الاقتصادي في مصر
نوران شفيق علي
معيدة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،‮ ‬جامعة القاهرة‮.

في ظل حالة عدم الاستقرار والاستقطاب السياسي الذي تعانيه مصر، يعد المتغير الاقتصادي حاكما في رسم مستقبل الدولة، ومآلات عملية التغير السياسي التي تمر بها. فثمة تحديات اقتصادية عدة تواجهها مصر، لا تنفصل بالضرورة عن تحديات إدارة العملية السياسية، تدق ناقوس الخطر، وتنذر بأزمة اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، ما لم يتم اتباع السياسات اللازمة للتغلب عليها.

ولما كانت الأوضاع الاقتصادية المصرية المتأزمة من الأهمية بمكان في التأثير في التطورات الداخلية ومستقبل الدولة، فقد صدرت عديد من المقالات والتقارير عن مؤسسات ومجلات اقتصادية وسياسية عالمية تناقش الأزمة الاقتصادية في مصر وأبعادها، والأسباب المختلفة المؤدية إليها، واستراتيجية النظام السياسي في مواجهتها، مع تقديم مجموعة توصيات للحكومة المصرية للإصلاح الاقتصادي.

تجليات الأزمة الاقتصادية في مصر

تتجلى الأزمة الاقتصادية التي تعانيها مصر في جوانب عدة. فوفقا لما ذكرته عديد من المقالات الاقتصادية، انخفضت احتياطيات النقد الأجنبي من نحو 36 مليار دولار في يناير 2011، ما قبل الثورة، إلي ما يقرب من 13 مليار دولار، والتي قد لا تكفي لتغطية واردات ثلاثة أشهر فقط، علي الرغم من حاجة الحكومة لاستيراد كميات كبيرة من الدقيق والوقود لسد احتياجات الأفراد من الخبز ومصادر الطاقة.

كما انخفضت قيمة الجنيه المصري منذ ديسمبر وحتى الآن بنسبة 10 بالمائة. هذا التراجع في قيمة العملة أدي بدوره إلى زيادة نسبة التضخم من معدل سنوي يقل عن 5 بالمائة في ديسمبر 2012، إلي 8 بالمائة في فبراير 2013. وما أسهم في تفاقم هذه الأوضاع هي القيود التي فرضها البنك المركزي على التبادل التجاري، وتضييق الخناق على التجارة والاستثمار الأجنبي، وفرض ضرائب باهظة بأثر رجعي على المستثمرين المحليين، إلي الحد الذي لم يعد معه السوق المصري آمنا أو مربحا للمستثمرين الأجانب. وفيما يتعلق بالصناعة الوطنية، تم إغلاق نحو 4500 مصنع منذ الثورة وحتى الآن، وهو ما ترتب عليه ارتفاع معدل البطالة من 9 بالمائة إلي 13 بالمائة.

أدى ذلك كله إلى وصول الاقتصاد المصري إلى مرحلة “الركود التضخمي”، بعد أن تراجع معدل النمو الاقتصادي في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2012 إلى 2.2 بالمائة وفقا للبيانات الرسمية. ويتوقع الخبراء الاقتصاديون أن يصل العجز إلى 12 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية السنة المالية في يونيو، بعد أن كان 9.5 بالمائة. يؤثر ذلك فى معدلات الفقر في المجتمع المصري، إذ ارتفعت نسبة المصريين تحت خط الفقر من 21 بالمائة في 2009 إلى 25 بالمائة في العام الماضي.

أسباب تفاقم الأزمة الاقتصادية

تعود هذه الأزمة الاقتصادية في مصر إلى عاملين رئيسيين. أولا: عدم الاستقرار السياسي وما يرتبط به من اضطرابات أمنية أدت إلى خروج الاستثمارات الأجنبية من السوق المصرية، فضلا عن إلحاق الضرر بقطاع السياحة، الذي يسهم بـ 12 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، إذ وصلت خسائر قطاع السياحة إلى 2.5 مليار دولار، منذ يناير 2011 وحتى الآن، خاصة بعد قيام منتدى الاقتصاد العالمي بتصنيف مصر كإحدى أخطر المناطق للسياحة.

فيما يتمثل العامل الثاني في عدم مرونة السياسات المالية والنقدية، خاصة ما يتعلق بتصاعد عجز الموازنة نتيجة لسياسات الدعم، وجهود مواجهة انخفاض قيمة العملة. فترى عديد من التحليلات الاقتصادية أن سياسات الدعم التي تفتقد الكفاءة والفاعلية التي طبقتها الحكومات المتعاقبة هي أحد أبرز العناصر الضاغطة على الاقتصاد المصري. إذ تستحوذ فاتورة الدعم على ثلث الميزانية الحكومية بقيمة 20 مليار دولار، ناهيك عن عدم وصوله إلى مستحقيه، واستفادة الفئات غير المستحقة للدعم منه.

ومن ثم، يكون الإصلاح الاقتصادي والخروج من هذه الأزمة الاقتصادية غير ممكن إلا من خلال سياسات تعالج هذين الجانبين، أي تعمل على تحقيق الاستقرار السياسي، وضمان توفير بيئة استثمارية آمنة وجاذبة للمستثمرين الأجانب من جهة، وإعادة النظر في سياسات الدعم والعمل على إصلاحها من جهة أخرى.

استراتيجية الحكومة لإدارة التحديات الاقتصادية

تقف وراء استراتيجية النظام السياسي في التعامل مع التحديات الاقتصادية سالفة الذكر أهداف ودوافع سياسية بالأساس. فنتيجة لحسابات الاستقطاب السياسي، وزيادة حدة المعارضة للنظام، واقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يرى الخبراء أن الحكومة آثرت تطبيق سياسات من شأنها أن تعالج تلك التحديات علي المدى القصير، ومد أمد ما قد تئول إليه من انهيار اقتصادي إلى ما بعد انتخابات مجلس الشعب.

فبدلا من وضع خطة شاملة للإصلاح الاقتصادي، اتجهت الحكومة إلى السعي للحصول على مساعدات خارجية وقروض داخلية، حتى لا تضطر إلى فرض سياسات تقشف قد تؤثر في شعبيتها، ومن ثم في السلوك التصويتى للناخبين. وفي هذا الشأن، قامت الحكومة بالاقتراض من البنوك المحلية، وحاولت الدفع تجاه إصدار تشريع يسمح بإصدار الصكوك الإسلامية. كما بذلت الحكومة جهودا لحث حكومات الدول الصديقة، خاصة الخليجية منها، على تقديم مساعدات للدولة المصرية للحيلولة دون تدهور احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي.

وبالفعل، استطاعت الحكومة الحصول على 4 مليارات دولار من قطر، ومليار دولار من السعودية، ومليار دولار من تركيا. إلا أن حكومات الدول الخليجية أعربت عن عدم رغبتها في تقديم مساعدات إضافية، وهو ما دفع الحكومة للتوجه نحو العراق وليبيا. قد تسهم هذه المساعدات في تغيير الأرقام المجردة، إلا أنها لن تغير من الواقع المتأزم للاقتصاد المصري. فهذه السياسة لا يمكن أن تتسم بالاستمرارية، ولا أن تحقق الاستقرار الاقتصادي المنشود، خاصة في ظل عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

بيد أن الجزء الأكبر من المساعدات الخارجية التي تسعى الحكومة للحصول عليها هو قرض صندوق النقد الدولي الذي تبلغ قيمته 4.8 مليار دولار. إلا أن المؤسسات الدولية، كصندوق النقد أو الاتحاد الأوروبي، تتردد في منح الحكومة المصرية هذه المساعدات، خوفا من أن تكون كتلك الأموال التي حصلت عليها مصر من ليبيا وقطر، ولم تسهم في إصلاح حقيقي للأوضاع الاقتصادي، وإنما فقط أدت إلى إطالة المدة قبل الانهيار الكامل لاحتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي.

وعلى الرغم من قيام الحكومة بتعديل بعض السياسات الضريبية لمواجهة الأزمة الاقتصادية، ووضع خطة لترشيد الدعم سيتم تطبيقها في يونيو، فإن ما أخفقت فيه هو وضع خطة شاملة للإصلاح الاقتصادي، والتي رآها صندوق النقد شرطا لازما للحصول على القرض. ليس ذلك فحسب، بل إن الحكومة لجأت إلى العديد من الاستراتيجيات والسياسات التي كانت تتبع في ظل نظام مبارك قبل الثورة الهادفة لتحقيق أهداف سياسية على حساب الأوضاع الاقتصادية كمحاولة للتصدي للانتقادات الموجهة للنظام السياسي.

متطلبات الإصلاح الاقتصادي

تحتاج مصر إلى خطة شاملة وحلول جذرية للإصلاح الاقتصادي، وليس لسياسات مسكنة تعالج قضايا جزئية، أو تهدف فقط إلى المواءمة السياسية، بل تتعامل مع التحديات الاقتصادية، وتسعى للوصول إلى نتائج طويلة الأمد ومستمرة. ولتحقيق ذلك، لابد أن يعاد تشكيل الحكومة بحيث تتضمن وزراء تكنوقراط، وكوادر تنتمي لخلفيات أيديولوجية متنوعة، ويكون تكليفهم بهذه الوظائف قائما على معيار الكفاءة. فمن دون وجود إرادة قوية لإدارة الاقتصاد، وخطة محكمة لتحقيق ذلك تنفذها كوادر تتسم بالكفاءة، ستواجه مصر انهيارا اقتصاديا لا محالة.

كما اقترح بعض الخبراء الاقتصاديين أن يعاد النظر في سياسات الدعم وأن يستبدل به إنفاق اجتماعي موجه، بحيث تستفيد منه الفئات المستحقة والأكثر حاجة للدعم. وللحيلولة دون تدهور الأوضاع السياسية والاضطرابات التي قد تنتج عن سياسة النظام في ترشيد الدعم، على الحكومة أن تجري حملة قومية تقوم فيها بتوعية المواطنين بالآثار السلبية المرتبة على سياسات الدعم الحالية، وضرورة إصلاحها، وما سيترتب على هذه الإصلاحات من منفعة مباشرة للمواطنين، وحل للأزمة الاقتصادية بشكل عام.

فعلى سبيل المثال، قام النظام السياسي في غانا في عام 2005 بإجراء بحث مستقل، أوضح أن المستفيدين الحقيقيين من الدعم هم الطبقات الأغنى من السكان. وتم عرض هذه النتائج على المواطنين، إلى جانب حزمة السياسات والإجراءات التي ستستخدم لتعويض المواطنين الأكثر فقرا عن الدعم بطرق أخرى، وإبراز درجة فساد وعدم كفاءة نظام الدعم المطبق حاليا.

وأخيرا، يجب على النظام السياسي أن يسعى حثيثا نحو التوصل إلى توافق سياسي ما بين مختلف القوى، والاستماع لمطالب المعارضة، وإشراكها في إدارة الدولة من خلال تضمين ما تقدمه من رؤى ومقترحات، بحيث تصل مصر إلى درجة من الاستقرار السياسي تدفع الاقتصاد بكافة قطاعاته للنمو، وتهيئ مناخا استثماريا ملائما يشجع المستثمرين الأجانب على الدفع باستثماراتهم في السوق المحلية، وتحسين نشاط قطاع السياحة.

يرى بعض المحللين أن تطبيق هذه السياسات قد يكون مستبعدا بسبب اقتراب موعد الانتخابات التي ينظر إليها النظام على أنها بمثابة فرصة للاستعاضة بالفوز الانتخابي عن فشل الوصول إلى إجماع سياسي. بيد أن بقاء الأوضاع على ما هي عليه حتى إجراء الانتخابات لن يجدي نفعا، وسيزيد من تفاقم الأزمة، خاصة بعد تأجيل الانتخابات، وهو ما يعني مد فترة المواءمات التي تتجنب فيها الحكومة اتخاذ قرارات حاسمة للحيلولة دون الانهيار الكامل للاقتصاد المصري لأهداف سياسية.

الإنذار المبكر للمجاعات

كاتب الموضوع الأصلي: محمد السويكت 20

لماذا فشلت الجهود الإنسانية الدولية في الصومال؟
د. أيمن شبانة
مدرس العلوم السياسية بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة
في عام 1986، تم تبني نظام الإنذار المبكر بالمجاعات، وهو عبارة عن شبكة معلومات متخصصة، تعرف باسم ” فيوز نت “، موجودة في الدول النامية التي تعاني افتقارا مزمنا فى الأمن الغذائي . وهذه الشبكة هي برنامج قائم على الشراكة، بدأته ومولته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. ويرصد البرنامج في الوقت الراهن نحو30 بلداً معرضاً للمجاعة حول العالم.

وطبقا لهذا النظام، فإنه “توجد مجاعة عندما يصبح وصول وحصول نسبة 20% من السكان على الأقل محدودا بشكل بالغ على المتطلبات الغذائية الأساسية، وتتجاوز نسبة سوء التغذية 30 %، ويتخطى معدل الوفيات (نسبة شخصين من كل 10 آلاف شخص في اليوم) بالنسبة لإجمالي عدد السكان”.

وقد صيغ هذا النظام بهدف إنشاء شبكات دولية وقومية وقطرية تساعد في الحد من الافتقار إلى الأمن الغذائي في الدول التي تتعرض لأخطار نقص الغذاء والمجاعات.

أهداف الإنذار المبكر

يعمل نظام الإنذار المبكر ضد المجاعات على تحقيق أهدافه من خلال تحديد العوامل التي تمثل تهديداً خطيراً بالنسبة للأمن الغذائي، والتي يمكن أن تسهم في زيادة سوء التغذية الحاد ، وانتشار الأمراض وحالات الوفاة، خاصة في المجموعات الضعيفة المعرضة للخطر أكثر من غيرها، مثل النساء والأطفال وكبار السن، وكذا عبر مراقبة وتسهيل الحصول علي المعلومات التي يحتاج إليها أصحاب القرار في القطاعين العام والخاص في الوقت المناسب ، كتقويمات المحاصيل، ومعدلات سوء التغذية، مع التوصية بإجراءات وقائية مبكرة، من شأنها الإسهام في وقف المجاعات قبل وقوعها.

وبالنسبة لإجراءات عمل هذا النظام، فتبدأ باستخدام الأقمار الصناعية والتقنيات الحديثة في جمع وتمحيص كافة المعلومات المتعلقة بالأمن الغذائي، مثل أنواع المحاصيل الزراعية، ومعدلات إنتاجها، وأسعارها، والموارد المائية، والثروة الحيوانية، ومعدلات سقوط المطر، واحتمالات حدوث الأعاصير والجفاف والفيضانات، والاحتياجات الغذائية للسكان، ..الخ. ومن خلال ذلك، يتم إعداد صورة كاملة للعوامل المهددة للأمن الغذائي، وتحديد هوية أضعف المجموعات وأكثرها تعرضا للهلاك، وتقديم تقارير موثقة عن ذلك إلى المسئولين عن اتخاذ القرارات .

وهكذا، يضطلع موظفو نظام الإنذار المبكر بالمجاعات بدور الوسيط المخلص والمستشار الذي يمكن الوثوق به . وهم يتعاونون في ذلك تعاونا وثيقا مع وزارات الزراعة ونظرائهم الآخرين داخل الحكومة وخارجها ، مما يسهم في أحيان كثيرة في تيسير الوصول إلى رد فعل مناسب من جانب المسئولين في الرسميين وغير الرسميين، على صعيد وضع السياسة وعلي مستوى العمليات.

تحذيرات بالقرن الإفريقي

وبعيداً عن هذه الطروحات النظرية، فقد تعرض نظام الإنذار المبكر بالمجاعات لاختبار بالغ الدلالة في القرن الإفريقي، حيث أكد جون شيشتانو، مدير برنامج فيوز نت، أن البرنامج حذر أكثر من مرة خلال عام 2011 من أن الظروف باتت مواتية لنشوء جفاف ونقص في الأغذية في القرن الإفريقي في عام 2011.

وبالفعل، بدأت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وغيرها من الوكالات في نقل المواد والمؤن الطارئة إلى مناطق قريبة من الأماكن التي يحتمل أن تنشأ فيها الحاجة إليها.

لكن، بالرغم من ذلك، فقد ظل الجوع زائراً دائم العودة في القرن الإفريقي، حيث هدد الجفاف الشديد الأمن الغذائي في كافة أرجاء الإقليم أكثر من مرة في السنوات التي تلت ظهور هذه الأنظمة.

أخيراً، أكدت التقارير تعرض نحو 12.4 مليون نسمة في الصومال وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا وبلدان مجاورة للمجاعة، وأن الصومال هي أكثر الدول تأثراً بهذه المجاعة، التي يتوقع لها أن تستمر حتى نهاية شهر ديسمبر 2011، حيث يوجد في الصومال زهاء 3.7 مليون شخص في حالة أزمة، و3.2 مليون (من بينهم 2.8 مليون في جنوب البلاد) في حاجة إلى مساعدة فورية حيث تتوقف عليها حياتهم، بالإضافة إلى تدفق موجة غير اعتيادية من اللاجئين عبر آلاف الكيلومترات إلى دول الجوار، لا سيما كينيا وإثيوبيا، وارتفاع حصيلة الوفيات الناجمة عن هذه الأزمة، مقارنة بفترات نقص الأغذية التي تعيها الذاكرة في هذه المنطقة المعرضة للجفاف.

قصور في الصومال

في هذا الإطار، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا حدثت المجاعة في الصومال ؟ بالرغم من الجهود المبذولة في إطار نظام الإنذار المبكر بالمجاعات والتحذيرات المستمرة من إمكانية حدوث مجاعة وشيكة في البلاد، فهل يعود ذلك إلى قصور في أداء هذا النظام ذاته، أم إلى عوامل سياسية وأمنية معينة؟، وما هي مدى مسئولية السلطات والجماعات المحلية والأطراف الخارجية عن ذلك؟.

في الواقع، توجد العديد من العوامل المباشرة وغير المباشرة المسئولة عن حدوث المجاعة في الصومال، ومن أهمها: الصراع المسلح في الصومال، وتخاذل المجتمع الدولي، ونقص تحويلات الصوماليين بالخارج، والتوسع في استخدام الوقود الحيوي..الخ.

بالنسبة للصراع المسلح في الصومال، فقد انعكس الصراع المحتدم بين نظام الحكم الانتقالي، بقيادة شيخ شريف شيخ أحمد، والمعارضة الإسلامية، التي يتصدرها جماعة الشباب المجاهدين، على قدرة منظمات الإغاثة الإنسانية على إيصال مواد الإغاثة إلى المناطق المنكوبة بالمجاعات، خاصة في ظل حالة التردي الأمني في البلاد، والقيود التي تفرضها المعارضة على عمل تلك المنظمات، بداية من اتهامها بالعمالة والضلوع في أنشطة التنصير، وعدم احترام القيم والأعراف الإسلامية، مروراً بالرسوم التي يتم فرضها على المنظمات الإنسانية، وطرد العديد منها، وصولاً إلى عدم الاعتراف من الأساس بوجود المجاعة في الصومال.

أما عن تخاذل المجتمع الدولي، فهو أمر واضح للعيان، حيث أكدت الأمم المتحدة الحاجة الملحة إلى نحو 2.6 مليار دولار لمواجهة تداعيات المجاعة. وبالرغم من ذلك، فإن إسهامات الولايات المتحدة والمانحين الغربيين، الذين كانوا على علم بتحذيرات ” فيوز نت” ، كانت أقل من المتوقع.

ولم تحظ الكارثة التي حاقت بالصومال بالاهتمام اللائق من جانب المسئولين الدوليين رفيعي المستوى، باستثناء رئيس الوزراء التركى “رجب طيب أردوغان”، الذي كان الوحيد من بين قادة العالم الذين زاروا الصومال.

تسييس المساعدات

وقد ارتبطت المساعدات في بعض الأحيان بشروط سياسية، ومن ذلك اشتراط هيئة المعونة الأمريكية عدم تقديم الدعم إلى مناطق تسيطر عليها جماعة الشباب المجاهدين، بالرغم من اعتراف الهيئة ذاتها بسيطرة الحركة على ما يقرب من ثلثي مساحة الصومال.

كما أن معظم المساعدات من جانب الدول العربية والإسلامية كانت تعتمد في أغلب الأحيان على الجهود المحدودة للمنظمات غير الحكومية، مثل جمعيات الهلال الأحمر.

واتسمت المساعدات أيضا بأنها بطيئة ، ولا تتسق مع التقارير التي سبق أن أكدت أن 77% من حالات الوفاة خلال المجاعات في إفريقيا كانت تحدث خلال مرحلة إعداد برامج الإغاثة الإنسانية.

كما أن بعض المساعدات لم تلائم احتياجات الصوماليين، فالرعاة الصوماليون، الذين يتفوقون في إنتاجهم من الماشية على نظرائهم في مناطق عديدة من العالم، لم يكونوا ينتظرون كالمزارعين هطول الأمطار، بل ينتقلون إلى مراع هطلت فيها الأمطار، ويوفرون بذلك العلف والموارد المائية لماشيتهم.

ومع أن الرعاة كانوا يضطرون في مواسم القحط إلى بيع ماشيتهم مقابل الحبوب، إلاّ أنهم كانوا يحتفظون دائماً بجزء منها لإعادة توليد القطيع، عندما تتحسن الظروف.

وقبيل تصاعد الأزمة الغذائية الراهنة، لم يكن الرعاة بحاجة إلى معونات غذائية قدر حاجتهم إلى مضخات، وحفارات آبار مائية، وأمصال لتلقيح المواشي، ودعم جهودهم في بناء وسائل نقل، ومستودعات لتخزين الأعلاف، خاصة أن موجات الجفاف، التي كانت تقع مرة كل سبع سنوات في سبعينيات القرن الماضي، صارت تحدث مرة كل خمس سنوات في الثمانينيات، وأصبحت مزمنة منذ عام 2000.

بالإضافة إلى أن الدول الغربية أسهمت في إحكام الخناق على الصوماليين، من خلال شروط التجارة غير المنصفة، والقيود المفروضة على تحويلات الصوماليين العاملين في الخارج، والتي كانت بمثابة شريان الحياة للصوماليين، بعد انهيار مؤسسات الدولة، بما فيها المصارف في تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت هذه التحويلات تبلغ نحو40 مليون دولار سنويّاً، قبل أن تقل جداً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2011، بزعم ضلوع المؤسسات التي تقوم بالتحويل في العمليات الإرهابية، الأمر الذي ترك تأثيراً بالغ الخطورة في حياة الصوماليين، لا سيما أن هذه التحويلات كانت تقدم ما يعادل عدة أضعاف الفرص التي تقدمها وكالات العون الدولية لإعادة بناء الصومال.

ومن جهة أخرى، فإن التوسع في الاعتماد على الوقود العضوي “الإيثانول” قد أسهم بشكل غير مباشر في نقص الغذاء وتضاعف أسعاره. وعلى سبيل المثال، فإن الشركات البريطانية وحدها اشترت أكثر من ثلاثة ملايين هكتار من أراضي إفريقيا، ليس لزراعة المحاصيل الغذائية، بل لزراعة النباتات المستخدمة في إنتاج الوقود العضوي. كما أنها استثمرت كماً هائلاً من النقود في المضاربة على المواد الأولية التي رفعت أسعار الحبوب 40 ضعفاً، بالمقارنة مع أسعارها في العقد الماضي. ومن المعلوم أنه عندما تتضاعف أسعار الطعام، يجوع الناس.

بناء على ما تقدم، يتضح عدم كفاية نظام الإنذار المبكر ضد المجاعات للحيلولة دون تجدد موجات المجاعة، أو التعامل مع تداعياتها في حالة حدوثها، نظراً لتدخل العديد من المتغيرات التي تؤثر بالسلب فى كفاءة هذا النظام.

ومن ثم، طالبت منظمة الأغذية العالمية بضخ المزيد من الأموال لمساعدة الفئات الأكثر حرماناً في الصومال وإنقاذ حياة البشر على المدى المتوسط مع ضمان الأمن الغذائي على المدى البعيد”.

كما طرح البعض ضرورة زيادة الدعم المادي والتقني المخصص لنظام الإنذار المبكر بالمجاعات، وتبنى مبادرات طويلة الأمد وأكثر فعالية. ومثال ذلك المبادرة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما، التي عرفت باسم “مبادرة الغذاء للمستقبل”، التي تهدف إلى زيادة الإنتاجية الزراعية، وتعزيز تقنيات أفضل للتخزين، واستخدام أساليب زراعية حديثة، واستخدام العلم والتكنولوجيا لمساعدة الأهالي على التكيف مع التقلبات المتزايدة لأنماط الطقس في منطقة القرن الإفريقي كلها.