أ.د. أحمد محمد وهبان

واقع ومستقبل التحالفات في اسيا

كاتب الموضوع الأصلي: صالح الغضيه 336

كانت المحالفات الدولية التقليدية منذ صلح وستفاليا سنة 1648 تتمركز في أوروبا، واستمرت علي هذا النحو حتي نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث اتسمت التحالفات بالطابع العالمي بعد أن امتدت إلي الكتلتين الشرقية والغربية لتشمل العالم بأسره. كذلك، فقد تراجع دور الأحلاف الدولية منذ السبعينيات من القرن العشرين بإلغاء حلف جنوب شرقي آسيا سنة 1977، ثم الحلف المركزي سنة 1979 ثم حلف وارسو سنة 1991. ولكن اعتبارا من العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، بدأ نمط جديد من المحالفات الدولية في الظهور. يتسم هذ النمط بخاصتين هما أنه لا يماثل النمط التقليدي للأحلاف العسكرية في القرن التاسع عشر، ولكنه يتخذ شكل ‘مشاركات استراتيجية’ ذات أبعاد متعددة، يعد البعد العسكري واحدا منها، وقد لا يكون هو البعد الأهم. فهي تدور حول التزامات عسكرية وسياسية واقتصادية ترقي إلي نمط الأحلاف المعروف باسم ‘حلف الوفاق’. أما الخاصية الثانية، فهي تمركزه في أوراسيا، خاصة في القسم الآسيوي منها، ولكنه يدور حول الصين بالأساس، ليس بمعني أن الصين هي التي تكون تلك التحالفات، ولكن بمعني أنها تدور حول قضية الدور الصيني الجديد في السياسة الدولية. فمع الصعود التدريجي للصين، ووصول المحافظين الجدد إلي الحكم في الولايات المتحدة، اتجهت الأخيرة إلي ‘احتواء’ الصعود الصيني، من خلال نمط من التحالفات الآسيوية يبني علي ما هو قائم ويوسع. فقد جاء انتخاب جورج بوش رئيسا للولايات المتحدة 2001، ليدشن مرحلة من التغير في السياسة الأمريكية نحو ‘الاصطدام الحذر’ بالصين. وكانت واقعة الصدام بين ظاهرة التجسس الأمريكية والطائرات الحربية الصينية فوق ‘المنطقة الاقتصادية الخالصة’ للصين في المحيط الهادي، في أبريل 2001، مؤشرا علي ذلك، وأكد بوش ذاته ذلك حينما أعلن أن الصين منافس استراتيجي، بعد أن كان الرئيس السابق كلينتون يقول إن الصين شريك استراتيجي. وزاد من ذلك كله التحول في الاستراتيجية الأمريكية نحو إلغاء ‘اتفاق الإطار’ الموقع سنة 1994 مع كوريا الشمالية بصدد برنامجها النووي، ثم الضغط علي اليابان لكي تعيد تسليحها الذي كانت قد نبذته سنة 1945، ثم إشارات رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي، إلي القلق الأمريكي من تنامي القوة العسكرية الصينية، وهو الأمر الذي سرعان ما شاركت اليابان في التعبير عنه في شهر ديسمبر 5002. كذلك، دار هذا النمط حول روسيا. فقد سعت الولايات المتحدة ودول حلف الأطلنطي إلي التأكد من عدم عودة روسيا إلي الصعود الاستراتيجي العالمي. ومن ثم، عملت علي التوسع في عمق المصالح الجغرافية الروسية بضم دول حلف وارسو ودول البلطيق إلي حلف الأطلنطي، بل وسعت إلي ضم أوكرانيا وجورجيا. وأخيرا، فإن هذه التحالفات لم تتبلور بشكل قاطع، خاصة في الجانبين الروسي والصيني. فالصين لم تدخل تماما تحالفا مع روسيا، وتفضل أن تترك البدائل مفتوحة، وتركز علي عدد من الدول الصغيرة في المحيط الهندي. فمنظمة شنغهاي للتعاون ليست حلف الأطلنطي الشرقي، كما أن روسيا تفتح البدائل مع الهند والصين في آن واحد.

هكذا نشأ محوران أساسيان في أوراسيا، الأول: محور أمريكي – ياباني – هندي، والثاني: محور روسي مع عدد من دول الاتحاد السوفيتي السابق. أما الصين، فقد ارتبطت بالمحور الثاني من خلال منظمة شنغهاي للتعاون، ولكنها حافظت علي بدائلها مفتوحة و مستقلة في الوقت ذاته.

مجلة السياسة الدولية
مقال للدكتور: محمد السيد

السلطان عبدالحميد الثاني

كاتب الموضوع الأصلي: جاسم المطيري32

عبد الحميد بن عبد المجيد الأول السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، وآخر من أمتلك السلطة الفعلية للخلافة العثمانية. ولد في 21 سبتمبر 1842 م، وتولى الحكم عام 1876 م. أبعد عن العرش عام 1909م بتهمة الرجعية، وأقام تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته في 10 فبراير 1918م. لقد تلقى السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد تعليمه بالقصر السلطاني واتقن من اللغات: الفارسية والعربية وكذلك درس التاريخ والأدب. ووالدة عبد الحميد هي واحدة من زوجات أبيه العديدات واسمها “تيرمشكان” الشركسية الأصل توفيت عن 33 عامًا، ولم يتجاوز ابنها عشر سنوات، فعهد بعبد الحميد إلى زوجة أبيه “بيرستو قادين” التي اعتنت بتربيته، وأولته محبتها؛ لذا منحها عند صعوده للعرش لقب “السلطانة الوالدة”.

توفي والده وعمره 18 عامًا، وصار ولي عهد ثان لعمه “عبد العزيز الأول”، الذي تابع نهج أخيه في مسيرة التغريب والتحديث، واستمر في الخلافة 15 عاما. قبل توليه العرش بتسع سنوات رافق عمه سلطان عبد العزيز الأول في زيارته إلى النمسا وفرنسا وإنجلترا في 1867. وفي بعض سياحاته ورحلاته إلى أوروبا ومصر. التقى عبد الحميد في خلافة عمه بعدد من ملوك العالم الذين زاروا إستانبول. وعُرف عنه مزاولة الرياضة وركوب الخيل والمحافظة على العبادات والشعائر الإسلامية والبعد عن المسكرات والميل إلى العزلة، وكان والده يصفه بالشكاك الصامت. كان عبد الحميد نجارًا ماهرًا، وكان يملك مشغلا صغيرًا في حديقة قصره في إستانبول. وكانت له اهتمامات مختلفة من بينها هواية التصوير وكان مهتما بالأوبرا وكتب شخصيا لأول مرة على الإطلاق العديد من الترجمات التركية للأوبرا الكلاسيكية. كما أنه ألف عدة قطع موسيقى لأوبرا واستضاف المؤدين الشهيرين من أوروبا في دار الأوبرا في قصر يلدز. وكان لديه هواية التصوير وقام بتصوير كل أنحاء إستانبول وجمعها في ألبوم يتكون من 12 مجلد، والألبوم محفوط حاليا في مكتبة الكونغرس في واشنطن في القسم التركي. وكان يملك مكتبا للترجمة يعمل فيه 6 مترجمين وكان يعطي أجرًا إضافيًّا لترجمة الروايات البوليسية. وقد كان معجبا بروايات شارلوك هولمز.

أظهر السلطان عبد الحميد روحًا إصلاحية وعهد بمنصب الصدر الأعظم إلى مدحت باشا أحد زعماء الإصلاح فأمر بإعلان الدستور وبداية العمل به، وقد كان الدستور مقتبسًا عن دساتير دول أوربية مثل: (بلجيكا وفرنسا وغيرها). وضم الدستور 119 مادة تضمنت حقوق يتمتع بها السلطان كأي ملك دستوري، كما نصب الدستور على تشكيل مجلس نواب منتخب دعي بهيئة المبعوثان. يعرفه البعض، بـ(اولو خاقان) أي (“الملك العظيم”) وعرف في الغرب باسم “السلطان الأحمر”، أو “القاتل الكبير” بسبب إدّعات باطلة حول مذابح الأرمن عند وقوع الحرب بينهم في فترة توليه منصبه.

يعتبره كثير من المسلمين أنه أخر خلفاء المسلمين الفعليين لما كان له من علو الهمة للقضايا الإسلامية وما قام به من مشروع سكة حديد الحجاز التي كانت تربط المدينة المنورة بدمشق و كان ينوي أن يمد هذا الخط الحديدي إلى كل من استانبول وبغداد . أما الخلفاء الذين جاؤا من بعده خلفاء ضعفاء جاؤا عن طريق جمعية الإتحاد والترقي، وهي جمعية اسلامية في الظاهر تديرها أيادي ماسونية ودول استعمارية غربية.

فترة حكمه

تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة، في 11 شعبان 1293هـ، الموافق 31 آب (أغسطس) 1876م، وتبوَّأ عرش السلطنة يومئذٍ على أسوأ حال، حيث كانت الدولة في منتهى السوء والاضطراب، سواء في ذلك الأوضاع الداخلية والخارجية. وفي نفس السنة دخلت الدولة العثمانية في أزمة مالية خانقة في فترة السلطان عبد العزيز المبذر ونجح العثمانيون الجدد من الاطاحة بحكمه سنة 1876م، في مؤامرة دبرها بعض رجال القصر، واعتلى العرش من بعده مراد الخامس شقيق عبد الحميد، ليكون السلطان الجديد، إلا انه عُزل بعد مدة قصيرة قوامها حوالي ثلاثة أشهر، فتولى عبد الحميد الحكم من بعده الذي وافق مع العثمانيين الجدد على إتباع سياسة عثمانية متحررة. رحب جزء من الشعب العثماني بالعوده إلى الحكم الدستوري بعد إبعاد السلطان عبد الحميد عن العرش في اعقاب ثورة الفتى التركي. غير أن الكثير من المسلمين ما زالوا يقدّرون قيمة هذا السلطان الذي خسر عرشه في سبيل أرض فلسطين التي رفض بيعها لزعماء الحركة الصهيونية.

سوء الأوضاع الخارجية

اتفقت الدول الغربية على الإجهاز على الدولة العثمانية التي أسموها “تركة الرجل المريض”، ومن ثم تقاسم أجزائها، هذا بالإضافة إلى تمرد البوسنة والهرسك، الذين هزموا الجيش العثماني وحاصروه في الجبل الأسود، وإعلان الصرب الحرب على الدولة بقوات منظمة وخطرة، وانفجار الحرب الروسية الفظيعة التي قامت سنة 1294هـ، الموافق سنة 1877م، وضغط دول الغرب المسيحية على الدولة لإعلان الدستور وتحقيق الإصلاحات في البلاد، بالإضافة إلى قيام الثورات في بلغاريا بتحريض ومساعدة من روسيا والنمسا.

سوء الأوضاع الداخلية

أفلست خزينة الدولة وتراكمت الديون عليها، حيث بلغت الديون ما يقرب من ثلاثمائة مليون ليرة، كما ظهر التعصب القومي والدعوات القومية والجمعيات ذات الأهداف السياسية، بإيحاء من الدول الغربية المعادية، ولا سيما إنجلترا، وكانت أهم مراكز هذه الجمعيات في بيروت واستانبول، وقد كان للمسيحية دورها الكبير في إذكاء تلك الجمعيات التي أنشئت في بيروت والتي كان من مؤسسيها بطرس البستاني (1819م-1883م) وناصيف اليازجي (1800-1817م). وأما الجمعيات التي أنشئت في استانبول فقد ضمت مختلف العناصر والفئات، وكان لليهود فيها دور كبير، خاصة يهود الدَوْنَمة، ومن أشهر هذه الجمعيات “جمعية تركيا الفتاة” التي أُسست في باريس، وكان لها فروع في برلين وسلانيك واستانبول، وكانت برئاسة أحمد رضا بك، الذي فتن بأوروبا وبأفكار الثورة الفرنسية. وقد كانت هذه الجمعيات تُدار بأيدي الماسونية العالمية. ومن الأمور السيئة في الأوضاع الداخلية أيضًا، وجود رجال كان لهم دور خطير في الدولة قد فُتنوا بالتطور الحاصل في أوروبا وبأفكارها، وكانوا بعيدين عن معرفة الإسلام، ويتهمون الخلفاء بالحكم المطلق، الدكتاتوري ويطالبون بوضع دستور للدولة على نمط الدول الأوروبية المسيحية، ويرفضون العمل بالشريعة الإسلامية.

تعطيل الدستور

شعر السلطان عبد الحميد بأنه أجبر على قرار الحرب بسبب ضغوط مدحت باشا -الصدر الأعظم – الذي حرّض طلبة العلوم الدينية العليا للقيام بمظاهرات تجبر السلطان على الحرب. تصاعد الرأي العام على إثر هذه المظاهرات داعيا إلى الحرب. رأى السلطان أن هناك قصورًا في الرأي العام ممثلا في المجلس الذي دفع بالأمة إلى الحرب في غير وقتها وبدون استعداد لها أو حاجة إليها؛ لذلك قام بتعطيل الحياة النيابية إلى أجل غير مسمى في (9 صفر 1295 هـ = 13 فبراير 1878م)، واستمر هذا التعطيل مدة ثلاثين عاما ونصف، بعد حياة نيابية استمرت عاما واحدا.

والملاحظ أن السلطان لم يلغِ الدستور أو ينحيه، بل استمر نشر الدستور في النشرة السنوية للدولة طيلة 31 عاما متوالية دون انقطاع، وإن كانت أحكامه لم تطبق. ولم يجتمع مجلس الأعيان، ولكنهم استمروا في تقاضي مرتباتهم بصورة رسمية مدى الحياة.. وعلى هذا الأساس فإن السلطان أدار دولته بصورة شخصية دون مجلس، في ظل دستور يمنع تدخل السلطان في شئون الحكومة؛ لهذا وسم السلطان بصفة المستبد والديكتاتور. وقد استصوب السياسي الألماني بسمارك ما فعله السلطان عبد الحميد من حل مجلس المبعوثان (النواب)، وعلَّق عليه بقوله: “إن لم يكن قوام الدولة شعبًا واحدًا، فإن ضرر مجلسها يكون أكبر من نفعه”.

إصلاحات دستورية

في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، دعا سعيد النورسي وهو كردي من قرية نورشين وأحد قادة الطرق الدينية البارزين وغيره إلى إصلاحات دستورية وتعليمية من بينها تقيد سلطات السلطان عبد الحميد الثاني وهو ما سمى بـ«المشروطية»، وإنشاء جامعة في مدينة «فان» التركية للنهضة العلمية، ولما رفض السلطان عبد الحميد هذه الطلبات، دعم قادة الطرق الدينية التركية جمعية «الاتحاد والترقي» التي كانت تريد إصلاحات سياسية واجتماعية وكانت تعارض السلطان عبد الحميد. دبرت جمعية «الاتحاد والترقي» عام 1908 انقلابا على السلطان عبد الحميد تحت شعار (حرية، عدالة، مساواة). وتعهد الانقلابيون بوضع حد للتمييز في الحقوق والواجبات بين السكان على أساس الدين والعرق. 1111. وقبلها كما ذكرنا أعلاه معارضة جمعية تركيا الفتاة أيضًا في عرقلة طريق الاصلاح الدستوري.

سياسته وأهم منجزاته

كان عبد الحميد الثاني يرى ضرورة العمل على توحيد القوى الإسلامية لمجابهة الروح الاستعمارية الطامعة في الدولة العثمانية؛ لذلك سعى إلى طرح شعار الجامعة الإسلامية، وجعلها سياسة عليا لدولة الخلافة، فعمل على تدعيم أواصر الأخوة بين مسلمي الصين والهند وإفريقيا، ورأى في ذلك الشعار وسيلة لتوحيد الصفوف حوله وحول دولته في الداخل والخارج؛ فاستعان بمختلف الرجال والدعاة والوسائل لتحقيق غرضه، فأقام الكليات والمدارس، وربط أجزاء الدولة بـ30 ألف كيلومتر من البرق والهاتف، وبنى غواصة وعني بتسليح الجيش. إلا أن أعظم مشروعاته الحضارية هو سكة حديد الحجاز لتيسير الحج على المسلمين، بحيث يستعاض بهذا المشروع عن طريق القوافل الذي كان يستغرق السفر به أربعين يومًا، وانخفضت المدة بالخط الحديدي إلى أربعة أيام. وقد خلق هذا المشروع العملاق حماسة دينية بالغة بعدما نشر عبد الحميد الثاني بيانًا على المسلمين يدعوهم فيه للتبرع، وافتتح القائمة بمبلغ كبير؛ فتهافت المسلمون من الهند والصين وبقية العالم على التبرع، باعتبار أن هذا المشروع هو مشروع المسلمين أجمعين. ووصل أول قطار إلى المدينة المنورة في (رجب 1326 هـ = أغسطس 1908م)، بعد ثمانية أعوام من الحماسة والعمل الدائبين. وفي وسط هذه التيارات والأمواج المتلاطمة تقلد السلطان عبد الحميد الحكم، وبدأ في العمل وفق السياسة الآتية:

1ـ حاول كسب بعض المناوئين له واستمالتهم إلى صفه بكل ما يستطيع.

2ـ دعا جميع مسلمي العالم في آسيا الوسطى وفي الهند والصين وأواسط أفريقيا وغيرها إلى الوحدة الإسلامية والانضواء تحت لواء الجامعة الإسلامية، ونشر شعاره المعروف “يا مسلمي العالم اتحدوا“، 3ـ أنشأ مدرسة للدعاة المسلمين سرعان ما أنتشر خريجوها في كل أطراف العالم الإسلامي الذي لقي منه السلطان كل القبول والتعاطف والتأييد لتلك الدعوة، ولكن قوى الغرب قامت لمناهضة تلك الدعوة ومهاجمتها.

4ـ قرَّب إليه الكثير من رجال العلم والسياسة المسلمين واستمع إلى نصائحهم وتوجيهاتهم.

5ـ عمل على تنظيم المحاكم والعمل في “مجلة الأحكام العدلية” وفق الشريعة الإسلامية.

6ـ قام ببعض الإصلاحات العظيمة مثل القضاء على معظم الإقطاعات الكبيرة المنتشرة في كثير من أجزاء الدولة، والعمل على القضاء على الرشوة وفساد الإدارة.

7ـ عامل الأقليات والأجناس غير التركية معاملة خاصة، كي تضعف فكرة العصبية، وغض طرفه عن بعض إساءاتهم، مثل الرعب الذي نشرته عصابات الأرمن، ومثل محاولة الأرمن مع اليهود اغتياله أثناء خروجه لصلاة الجمعة، وذلك لكي لا يترك أي ثغرة تنفذ منها الدول الأجنبية للتدخل في شؤون الدولة.

8ـ عمل على سياسة الإيقاع بين القوى العالمية آنذاك لكي تشتبك فيما بينها، وتسلم الدولة من شرورها، ولهذا حبس الأسطول العثماني في الخليج ولم يخرجه حتى للتدريب.

9ـ اهتم بتدريب الجيش وتقوية مركز الخلافة.

10ـ حرص على إتمام مشروع خط السكة الحديدية التي تربط بين دمشق والمدينة المنورة لِمَا كان يراه من أن هذا المشروع فيه تقوية للرابطة بين المسلمين، تلك الرابطة التي تمثل صخرة صلبة تتحطم عليها كل الخيانات والخدع الإنجليزية، على حد تعبير السلطان نفسه.

11ـ أنشأ قصر النجمة بأمره(Yıldız Sarayı) . ويوجد في متحف قصر النجمة في القصر منجرة مخصصة لتأمين الموبيليا للقصر, لأن السلطان عبد الحميد الثاني يحب النجارة ومعروف بالحفر اليدوي وأعطى اهتمام في هذا الموضوع. وكل الأثار المعروضة في المتحف هي أغراض القصر نفسه.

12ـ تم إنشاء مسرح قصر النجمة بأمر السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1889. وبعد الإصلاحات الضرورية تم افتتاح المتحف كمتحف للفنون والمسرح. ويوجد قسم من المتحف خاص بالملابس التي أستخدمت في المسرح نفسه.

وفي قصر ييلذر، حكم السلطان على جميع مؤسسات الإمبراطورية بشخصه، غير أنه لم يستعمل القوة القسرية في حكمه، حيث لم يتدخل الجيش في الشؤون الداخلية، وإن اعتمد السلطان على تحريات الأمن التي قامت بالعديد من التجاوزات. ويلاحظ أن السلطان عبد الحميد كان بعيدًا عن سفك الدماء أو أسلوب الاغتيالات وتصفية معارضيه، وكان لا يلجأ إلى عقوبة السجن إلا في القليل، ثم يغيرها بالنفي. ولم يصدّق خلال سلطته الطويلة إلا على خمس عقوبات إعدام فقط، وهي أقل عدد من عقوبات الإعدام في تاريخ تركيا كلها.

الافتراء على موضوع مذابح الأرمن

بدأت قضية مذابح الأرمن في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، إذ قالت الدولة العثمانية أن روسيا قامت بإثارة الأرمن الروس القاطنين قرب الحدود الروسية العثمانية، فبدأت بتحريضهم وإمدادهم بالمال والسلاح والقيام بتدريبهم في أراضيها وتشكيل الجمعيات المسلحة من أمثال خنجاق وطشناق. وقدمت بريطانيا دعماً قوياً لتلك المنظمات لأنها كانت تريد تفتيت الدولة العثمانية. حتى أن الزعيم المصري مصطفى كامل يقول في كتابه المسألة الشرقية: “فالذين ماتوا من الأرمن في الحوادث الأرمنية إنما ماتوا فريسة الدسائس الإنكليزية”..

وكان قبول الدولة العثمانية إقامة دولة أرمنية في مركزها (في الولايات الستة في شرقي الأناضول) وفي مناطق يشكل المسلمون فيها الأكثرية بمثابة عملية انتحارية للدولة العثمانية. إذ كان عدد الأرمن – حسب الإحصائيات العثمانية والأجنبية كذلك – يتراوح بين مليون ومئتي ألف إلى مليون ونصف مليون في جميع أراضي الدولة العثمانية. لذا لم يعبأ السلطان بالضغوطات الخارجية ولا بتهديد انكلترا وقيامها بإرسال أسطولها إلى جنق قلعة. وحاولت تلك المنظمات المسلحة اغتيال السلطان عام 1905 بتفجير عربة عند خروجه من المسجد. ولكن السلطان نجا، وألقي القبض على الجاني، ولكن السلطان عفا عنه.

علاقاته مع اليهود

لما عقد اليهود مؤتمرهم الصهيوني الأول في (بازل) بسويسرا عام 1315هـ، 1897م، برئاسة ثيودور هرتزل (1860م-1904م) رئيس الجمعية الصهيونية، اتفقوا على تأسيس وطن قومي لهم يكون مقرًا لأبناء عقيدتهم، وأصر هرتزل على أن تكون فلسطين هي الوطن القومي لهم، فنشأت فكرة الصهيونية، وقد اتصل هرتزل بالسلطان عبد الحميد مرارًا ليسمح لليهود بالانتقال إلى فلسطين، ولكن السلطان كان يرفض، ثم قام هرتزل بتوسيط كثير من أصدقائه الأجانب الذين كانت لهم صلة بالسلطان أو ببعض أصحاب النفوذ في الدولة، كما قام بتوسيط بعض الزعماء العثمانيين، لكنه لم يفلح، وأخيرًا زار السلطان عبد الحميد بصحبة الحاخام (موسى ليفي) و(عمانيول قره صو)، رئيس الجالية اليهودية في سلانيك، وبعد مقدمات مفعمة بالرياء والخداع، أفصحوا عن مطالبهم، وقدَّموا له الإغراءات المتمثلة في إقراض الخزينة العثمانية أموالاً طائلة مع تقديم هدية خاصة للسلطان مقدارها خمسة ملايين ليرة ذهبية، وتحالف سياسي يُوقفون بموجبه حملات الدعاية السيئة التي ذاعت ضده في صحف أوروبا وأمريكا. لكن السلطان رفض بشدة وطردهم من مجلسه وقال: (إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكى إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يباع وربما إذا تفتت إمبراطوريتي يوما، يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل)، ثم أصدر أمرًا بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين. عندئذ أدرك خصومه أنهم أمام رجل قوي وعنيد، وأنه ليس من السهولة بمكان استمالته إلى صفها، ولا إغراؤه بالمال، وأنه مادام على عرش الخلافة فإنه لا يمكن للصهيونية العالمية أن تحقق أطماعها في فلسطين، ولن يمكن للدولة الأوروبية أن تحقق أطماعها أيضًا في تقسيم الدولة العثمانية والسيطرة على أملاكها، وإقامة دويلات لليهود والأرمن واليونان.

لذا قرروا أن يقتلوا الأمير خضر العموري من سكان شعفاط ومن ثم الإطاحة به وإبعاده عن الحكم، فاستعانوا بالقوى المختلفة التي نذرت نفسها لتمزيق ديار الإسلام، أهمها الماسونية، والدونمة، والجمعيات السرية (الاتحاد والترقي)، والدعوة للقومية التركية (الطورانية)، ولعب يهود الدونمة دورًا رئيسًا في إشعال نار الفتن ضد السلطان.

الديون العثمانية

بلغت الديون العثمانية الخارجية عند تولي السلطان عبد الحميد الثاني حوالي 252 مليون قطعة ذهبية، وهو مبلغ كبير بمقياس ذلك العصر، فأقنع السلطان الدول الدائنة بإسقاط 146 مليونًا. ولتسديد المبلغ الباقي وُضعت بعض مؤسسات الدولة تحت تصرف مؤسسة الديون العمومية، وتمكن بهذه الوسيلة من تسديد هذه الديون، وكان حريصًا طوال عهده على عدم الاستدانة من الخارج إلا في أضيق الحدود.

موضوع عزل السلطان

بعد دخول الزّوجات الأجنبيات إلى القصر وتنافس أولادهن على العرش، جاء إلى الحكم سلاطين غير أهلين وفاسقين إلى الحكم فضعفت الدولة العثمانية وتفشى الفساد والظلم في أكثر المؤسسات، وكثرت العملاء حول السلطان، وسبّب ذلك الضّعف إلى نفوذ العملاء إلى القصر وعمل مؤمرات من أجل عزله وخلعه من منصبه ففي عام 1909، يتّخذ شيخ الإسلام بتأثير من الأوساط السياسية قرارًا غير عادل من أجل عزله، ولكن بعد إعطاء القرار علم الشيخ بالمؤمرات ولكنه النّدم والرّجوع من القرار لم يفده بعد ذلك. وتم تنصيب شقيقه محمد رشاد خلفاً له.

«سبب خلع السلطان عبدالحميد» للكاتب سعيد الافغاني من سوريا

وكما بين المقال فإن السيد راغب رضا الذي كان يعمل ناظرا للقصر السلطاني في استانبول ، كان مرتبطا بالشيخ محمود ابو الشامات، وكلما زار الشيخ استانبول ينزل عند مريده، واطلع السلطان عبدالحميد الذي لا تخفى عليه خافية وعن طريق استخباراته على امر الشيخ، فسأل مدير القصر عمن يكون ضيفه؟ فأخبره بأنه شيخه بالطريقة الشاذلية، ووصف له من حاله ما ملأ سمع السلطان ورغبته في مقابلته ، وكان الشيخ حلو الكلام، جميل المنظر، حسن المعشر، ولما قابله السلطان ملأ عينه وقلبه ، فقبل يديه وطلب منه الطريقة فلباه، واصبح السلطان بعدها من تلاميد الشيخ في الشاذلية واورادها واذكارها. وفي 27 نيسان 1909 تم عزل السلطان عن الحكم ونفيه الى سالونيك ، فكتب هذه الرسالة الى شيخه يخبره فيها ان السبب الرئيسي لعزله هو هذه الحادثة وتوفي الشيخ عام 1922، واستطاع بعض اصدقاء عائلة الشيخ اقناعهم ان يخرجوا هذه الرسالة الى الضوء، بعد ان حفظوها سراً لسنوات طويلة، فقام السيد احمد القاسمي القريب من العائلة ومدير اوقاف سوريا بترجمتها الى العربية.

ورغم انني قرأت هذه الوثيقة من زمن طويل ، ولانني اريد ان ابحث وأتأكد من صحتها لم اقم بنشرها من قبل، وفي عطلة الصيف الماضي ذهبت الى تركيا لقضاء العطلة، ووجدت فرصة للتأكد من صحة هذا الموضوع عندما قام رجل الاعمال وصديق العائلة محمد طوسون، وهو الممول الرئيس لكافة الاعمال التي تتعلق بالسلطان عبدالحميد الثاني ، قام بدعوتنا للعشاء في قصر مالطة وكان العشاء على شرف السيد عثمان اوغلو حفيد السلطان عبدالحميد وزوجته فيروزات هانم . وعلى العشاء خاطبت السيد هارون: «سيدي: لقد علمت ان جدكم السلطان عبدالحميد قد قام بكتابة رسالة الى الشيخ الشاذلي في الشام ، فهل حادثة هذا المكتوب صحيحة؟» فأجاب السيد هارون: «ان المكتوب الذي كتبه جدي الى الشيخ الشاذلي صحيح والرسالة موجودة لدى احفاد الشيخ بالشام ، وقد قامت مجلة العربي بنشر ترجمته العربية ، ومنع عدد مجلة العربي حينها من دخول سوريا».

من أقواله السّياسية

“أنصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوما فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة”.

وفاته
توفي السلطان عبد الحميد الثاني في المنفى في 10 فبراير من عام 1918 م.

أسطورة غاندي

كاتب الموضوع الأصلي: ماجد العتيبي 246

لقد كان الزعيم الهندي غاندي من الزعماء القلائل الذين نالوا شهرة واسعة في هذا العصر ، وحيثما ذكر نجد الثناء العطر يرافق سيرته ، وأنه بطل المقاومة السلمية التي يحرص الغرب على تصديرها إلى العالم الإسلامي ، وتذكيرهم بها في كل مناسبة.. فيا ترى ما سر هذا الرجل الذي ظهر فجأة على المسرح السياسي في الديار الهندية ؟

إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب منا العودة إلى القرن 16م ، الذي شهد الانطلاقة الحديثة للحروب الصليبية.

لقد كان هدف الموجة الجديدة من الحروب الصليبية الأوربية في القرن 16م هو الالتفاف حول العالم الإسلامي من الخلف لخنقه اقتصادياً ، من أجل إضعاف الدولتين المملوكية والعثمانية ، لكن أوربا فوجئت بأن العمق الإسلامي يمتد في وحدة دينية فريدة وخطيرة حتى يصل إلى جزر الفلبين ، ماراً بالهند ، التي أثارت لوحدها شهية الأوربيين بشكل عجيب ، لكونها من أعظم المراكز الاقتصادية الإسلامية في ذلك الوقت ، هذا وقد استغل الأوربيون سماحة السلطان المغولي المسلم (جها نكير) فبدأوا بالتسلل إلى الهند كتجار ، حتى تمكن الإنجليزي (وليم هوكنز) من مقابلة السلطان (جها نكير) في عام (1017هـ / 1608م) بصفته مبعوثاً من الملك الانجليزي (جيمس الأول) ، وقد حاول (وليم هوكنز) استثمار مقابلته للسلطان (جها نكير) بأن يأخذ منه خطاب مجاملة إلى الملك (جيمس الأول) لكن الوزير الأول في بلاط السلطان رد عليه قائلاً : (إنه مما لا يناسب قدر ملك مغولي مسلم أن يكتب كتاباً إلى سيد جزيرة صغيرة يسكنها صيادون !).

لقد عرف الإنجليز أن وجود الحكم الإسلامي في الهند كفيل بتعطيل أحلامهم الصليبية لذا فقد اكتفوا بما كان من تأسيسهم لشركة الهند الشرقية للتجارة الإنجليزية في الهند والأقطار المجاورة في عام (1009هـ /1600م). ومع الوقت كانت شركة الهند الشرقية تتوسع وتزداد فروعها في أرجاء الهند ، ومع الوقت بدأت حقيقة هذه الشركة وفروعها تتكشف فلم تكن إلا قواعد عسكرية إنجليزية ، وبؤر تجسسية كان هدفها تجنيد المنافقين من أبناء المسلمين ، والعملاء من أبناء الهندوس ، والسيخ.

وفي عام (1170هـ / 1757م) وفي إبان الغزو الشيعي الصفوي الإيراني للهند قام الجيش البريطاني التابع لشركة الهند الشرقية باستغلال هذا الظرف الحرج فتمكن من هزيمة المسلمين في منطقة البنغال في معركة (بلاسي) التي تعد أول المعارك الحاسمة بين الطرفين ، وقد تم لهم ذلك بمساعدة المنافقين والعملاء الذين تم تجنيدهم عبر عشرات السنين ، إلا أن احتلال الإنجليز للهند لم يتم إلا بعد قرن من الزمان وبعد معارك طاحنة بين الطرفين ، انتهت بعزل (بهادر شاه) آخر السلاطين المسلمين ونفيه إلى بورما حيث توفي عام (1279هـ / 1862م) لذلك فقد قامت بريطانيا في عام (1275هـ /1858م) بضم الهند إلى التاج البريطاني رسمياً ، لتصبح درة التاج البريطاني منذ ذلك التاريخ.

تقريب الهنادكة :
لقد عرف الاحتلال البريطاني أنه من المستحيل أن يقبل المسلمون في الهند الرضوخ لسياسة الأمر الواقع وفي ذلك يقول (النبرو) الحاكم البريطاني في الهند : (إن العنصر الإسلامي في الهند عدو بريطانيا اللدود ، وإن السياسة البريطانية يجب أن تهدف إلى تقريب العناصر الهندوكية إليها ، لتساعدهم في القضاء على الخطر الذي يتهدد بريطانيا في هذه البلاد).

وفي عام (1303هـ / 1885م) قامت بريطانيا بتأسيس حزب المؤتمر الوطني الهندي ، ومن خلال هذا الحزب تم إحياء القومية الهندوسية الوثنية القديمة ، لتكون عوناً لبريطانيا في محاربتها للإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية.

سياسة بريطانيا تجاه المسلمين :
لقد كانت بريطانيا تعلم أن بقاءها في الهند لن يكتب له الاستمرار في ظل مقاومة إسلامية صلبة ترفض الذوبان والانبطاح والتوسل للمحتل ، لذا فقد لجأت إلى تنفيذ سلسلة من الخطوات الرامية إلى خلخلة هذه المقاومة وكسرها ، ومن ذلك :

1- إقامة المذابح للمسلمين في كل مكان ، وفي ذلك يقول أحد الكتاب الإنجليز : (إن ما ارتكبه جنودنا من ظلم ووحشية ، ومن حرق وتقتيل ، لا نجد له مثيلاً في أي عصر).

2- زرع العصبية الجاهلية داخل المجتمع المسلم ، حيث قسموا المسلمين إلى طوائف اجتماعية ، وأجبروهم على تسجيل أنفسهم رسمياً حسب هذا التقسيم الطائفي.

3- العبث بمناهج التعليم لتخدم سياسة الاحتلال البريطاني ، مما جعل المسلمين ينفرون من المدارس العلمانية خوفاً على عقيدة أبنائهم.

4- نشر الانحلال والمجون والإباحية والفساد.

5- تأسيس الحركات الهدامة التي تتسمى باسم الإسلام مثل القاديانية ، التي نفت مبدأ ختم النبوة ، ونبذت الجهاد ومقاومة المحتل ، ودعت إلى طاعة الإنجليز والقبول بسياسة الأمر الواقع.

6- تزوير التاريخ الجهادي للأمة المسلمة عن طريق نشر الكتب والمؤلفات التي تنبذ الجهاد والمقاومة ، ومن ذلك كتاب المستشرق ، تومس آرنولد : الدعوة إلى الإسلام.

7- إبعاد العلماء وعزلهم عن قيادة وتوجيه الجماهير المسلمة.

8- إيجاد زعامات قومية إسلامية ، تفتخر بقوميتها على حساب انتمائها إلى دينها وإسلامها ، وقد كان هؤلاء ممن تخرجوا من المدارس والكليات العلمانية.

صناعة غاندي :
عندما توفي السلطان العثماني محمد الفاتح رحمه الله (886هـ) وهو يحاصر روما دعا بابا الفاتيكان في روما النصارى في أوروبا إلى الصلاة شكراً لله ابتهاجاً بوفاة محمد الفاتح.

هذه الحالة من الرعب والفزع لم تكن لتغيب عن أوروبا الصليبية في نظرتها إلى العالم الإسلامي ، لذا فقد كان أخطر عمل قامت به بريطانيا هو إلغاء الخلافة الإسلامية وإسقاط الدولة العثمانية وتفتيت العالمين العربي والإسلامي ، حتى لا تضطر أوربا لإقامة صلاة الشكر مرة أخرى.

لقد أدى قيام بريطانيا الصليبية بإلغاء الخلافة الإسلامية إلى إذكاء روح المقاومة الإسلامية في الهند ، ومن ذلك تأسيس المسلمين جمعية إنقاذ الخلافة في عام (1920م) ، وقاموا بجمع (سبعة عشر مليون روبية) لأجل هذا الغرض.

وهنا طفا على السطح فجأة شخص هندوسي اسمه (غاندي) وقام بالتقرب إلى جمعية إنقاذ الخلافة وطرح عليهم فكرة التعاون مع حزب المؤتمر الوطني الهندي ، فرحب المسلمون بذلك ، ولما عقد أول اجتماع بين الطرفين ، طرح المسلمون شعار استقلال الهند عن بريطانيا ، بدلاً عن فكرة إصلاح حالة الهند التي كانت شعار المؤتمر الوطني ، لكن (غاندي) عارض هذا المقترح وثبط الهمم ، وفي عام (1921م) عقد الطرفان اجتماعاً مهما تمكن فيه المسلمون من فرض شعار الاستقلال عن بريطانيا وقاموا بتشكيل حكومة وطنية لإدارة البلاد.

هذا التطور الخطير لم تكن بريطانيا لتسمح له بإفساد فرحتها بإسقاط الدولة العثمانية وتقسيم العالم الإسلامي ، لذا فقد قام (ريدينج) الحاكم البريطاني للهند بالاجتماع (بغاندي) وقال له : (إن مصدر الحركة الاستقلالية في الهند هم المسلمون ، وأهدافها بأيدي زعمائهم ، ولو أجبنا مطالبكم ، وسلمنا لكم مقاليد الحكم ، صارت البلاد للمسلمين ، وإن الطريق الصحيح هو أن تسعوا أولاً لكسر شوكة المسلمين ، بالتعاون مع بريطانيا ، وحينئذ لن تتمهل بريطانيا في الاعتراف لكم بالاستقلال ، وتسليم مقاليد الحكم في البلاد إليكم).

وبناء على التنسيق والتفاهم الذي تم بين (ريدينج) و (غاندي) قامت بريطانيا بالقبض على الزعماء المسلمين المنادين بالاستقلال ، فأصبح الطريق ممهداً أمام (غاندي) الذي طلب من هيئة المؤتمر الإسلامي الهندوسي ، بأن تسلم له مقاليد الأمور بصفة مؤقتة نظراً لقبض بريطانيا على الزعماء المسلمين ، وعندما عقد أول اجتماع برئاسة (غاندي) نفذ ما تم الاتفاق عليه مع الحاكم البريطاني (ريدينج) وأعلن أن الوقت لم يحن بعد لاستقلال الهند.

وفي الفترة من (1921- 1948م) نجد أن بريطانيا قد طبقت في الهند ما طبقته في فلسطين مع الصهاينة [ انظر الجذور التوراتية للسياسة البريطانية – مقال بصفحة الكاتب في الموقع ]، حيث قامت بتسليح الهندوس وتدريبهم ، والتنسيق معهم لإقامة المذابح للمسلمين ، أما غاندي الذي أصبح كل شيء بعد تلميعه في مسرحية نفيه المؤقت إلى جنوب أفريقيا فقد قام بمذبحة ثقافية بشعة للحضارة الإسلامية في الهند ، وفي ذلك يقول الأستاذ أنور الجندي رحمه الله : (لقد كانت دعوة غاندي إلى ما سماه اكتشاف الروح الهندي الصميم ، والرجوع إلى الحضارة الهندية ، هو بمثابة إعلان حرب على الحضارة الإسلامية التي عاشت على أرض الهند أربعة عشر قرناً ، وغيرت كل مفاهيم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، بل إنها قد غيرت مفاهيم الهندوكية نفسها).

وعندما اطمأنت بريطانيا على مقدرة الهندوس على حكم الهند قامت بترتيب الأمور لاستقلال الهند.

لقد كان عام (1948م) الفصل الأخير من مسرحية غاندي وبريطانيا حيث سلب الحق من أهله بإعلان استقلال الهند عن بريطانيا في تلك السنة ، لكن مسرحية المقاومة السلمية التي قام غاندي فيها بدور البطل لا تزال تعرض إلى يومنا هذا.

بقي أن نشير إلى أن من يطلق شرارة الحقد والكراهية لا بد أن يكتوي بنارها ، فقد مات غاندي مقتولاً عند استقلال الهند ، ثم تبعه في عام 1978م آخر حاكم بريطاني للهند حيث قتل على أيدي الثوار الإيرلنديين ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عبدالله الثاني ابن الحسين

كاتب الموضوع الأصلي: علي المسفر336

درس الابتدائية في «الكلية العلمية الإسلامية» في عمّان وذلك عام 1966، ثم غادر إلى «مدرسة أدموند» في «سيري» في المملكة المتحدة، بالإضافة إلى «مدرسة أيجلبروك» و«أكاديمية ديرفيلد» في الولايات المتحدة. وكان تدريب جامعته في «كلية بيمبروك» في أكسفورد. وفي عام 1980 غادر بيمبروك والتحق بأكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية في المملكة المتحدة كمبتدئ وإنضم إلى الخيالة الملكية، وبعد سنة تم ترفيعه إلى ملازم ثاني. وفي عام 1987 أكمل دراسته العليا في مدرسة أدموند ولاش للسلك الأجنبي في جامعة جورجتاون في الولايات المتحدة. وفي نوفمبر 1993 أخد القيادة الكاملة للقوات الخاصة الأردنية ورفع لرتبة لواء، وفيها أمر بإعادة تنظيم القوات الخاصة والوحدات الخاصة الأخرى تحت قيادة العمليات الخاصة الأردنية. وبعد توليه الحكم وعلى أساس سلطاته الدستورية أصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويحمل الآن رتبة مشير في الجيش الأردني وسلاح الجو الملكي الأردني.

ولاية العهد[عدل]

تولى ولاية العهد على فترتين، الأولى من يوم ولادته في 30 يناير 1962 إلى 1 أبريل 1965. والثانية من 24 يناير 1999 إلى 7 فبراير 1999.

ملكًا للأردن[عدل]

تولى عرش المملكة الأردنية الهاشمية في 7 فبراير 1999 بعد وفاة والده الملك الحسين بن طلال، وتم تنصيبه في 9 يونيو من نفس العام فيما يعرف بيوم الجلوس الملكي.

زواجه وأبناءه[عدل]

العائلة المالكة الأردنية الهاشمية

الملك عبد الله الثاني
الملكة رانيا العبد الله الأمير الحسين
الأميرة إيمان
الأميرة سلمى
الأمير هاشم

الملك حسين[أظهر]

——————————————————————————–

في 10 حزيران / يونيو 1993 تزوج من رانيا فيصل ياسين وهي أردنية من أصل فلسطيني، ولقبت بعد الزواج بالأميرة رانيا العبد الله (الملكة رانيا العبد الله الآن)، ولديهم من الأبناء:
الأمير الحسين (ولد في 28 حزيران / يونيو 1994 – ولي العهد).
الأميرة ايمان (ولدت في 27 أيلول / سبتمبر 1996).
الأميرة سلمى (ولدت في 26 أيلول / سبتمبر 2000).
الأمير هاشم (ولد في 30 كانون الثاني / يناير 2005).

الهوايات والاهتمامات[عدل]

له الكثير من الاهتمامات، فقد عرف إنه يحب المغامرة فلديه هواية القفز بالمظلات، وسباق سيارات والغوص.
كما عرف عنه بحبه للقصة الخيالية ستار تريك، وفي عام 1995 عندما كان أمير ظهر في مسلسل «ستار تريك: الرحالة»، كما إنه قام بدعوة الممثلين «ايثان فيليبس» و«روبيرت بيكاردو» (نيليكس والدكتور الهولوجرامي) إلى الأردن، كما قام بمقابلة عدد من هواة ستار تريك في فندق الميريديان في عمّان حيث حصل على وسام فخري من الهواة والممثلين.
وكان من اهتماماته أيضًا صناعة الأفلام، فقام في 20 سبتمبر 2006 بتأسيس «معهد البحر الأحمر للفنون السينمائية» في العقبة بالشراكة مع «جامعة جنوب كاليفورنيا». كما إنه ألف كتابًا بعنوان «فرصتنا الأخيرة: السعي نحو السلام في وقت الخطر» يتحدث فيه عن الصراع في الشرق الأوسط والعقبات التي تواجه حل هذا الصراع.

الاستثمار في الإنسان[عدل]

يؤمن جلالة الملك عبدالله الثاني، كما كان يؤمن والده المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه، بأن ثروة الأردن الحقيقية هي الإنسان الأردني، وأن الاستثمار في الإنسان هو أفضل استثمار في بلد مثل الأردن يعاني من شحّ الموارد والمصادر الطبيعية.

وانطلاقاً من هذه القناعة بدأ جلالته، ومنذ اليوم الأول لتسلم سلطاته الدستورية عام 1999، مرحلة جديدة في إدارة الدولة، وقيادة مسيرة التنمية الشاملة، التي تتطلب اتخاذ خطوات كبيرة وعديدة، من اجل التحديث والتطوير والتغيير. ولأن الإنسان هو العامل الرئيسي في عملية التنمية، وهو هدفها ووسيلتها، فقد أكد جلالته ضرورة إعادة تأهيل الإنسان الأردني من خلال إعادة النظر في برامج ومناهج التعليم في مختلف مراحله ومستوياته، ووضع برامج التأهيل والتدريب، التي تؤهل المواطن لدخول سوق العمل والإفادة من ثورة المعلومات والتكنولوجيا التي تميز هذا العصر. [1]

السياسة[عدل]

يؤمن جلالة الملك عبدالله الثاني بأن الأردن هو وارث رسالة الثورة العربية الكبرى، ولذلك يجب أن يظل الأكثر انتماء لأمته العربية والأكثر حرصاً على القيام بواجبه تجاه قضايا هذه الأمة، وتطلعات أبنائها المستقبلية. وعلى رأس هذه القضايا القضية الفلسطينية، التي هي قضية الأمة العربية الأولى. ومن هنا فقد سار جلالته على طريق والده وأجداده في الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، والوقوف إلى جانبهم بكل ما للأردن من إمكانيات وعلاقات مع العالم.

كما استمر جلالته في العمل من أجل توحيد الصف العربي وتعزيز علاقات الأردن بأشقائه العرب، وبمختلف الدول الصديقة في أرجاء العالم.

أما على الصعيد الداخلي، فإن جلالته يعطي أولوية قصوى لتعزيز مسيرة الأردن الإصلاحية والديمقراطية في مختلف المجالات وحماية التعددية الفكرية والسياسية، ورفع سقف الحريات وحمايتها، وتشجيع الحركة الحزبية، واحترام كرامة الإنسان وحرياته في المعتقد والتفكير والتعبير والعمل السياسي. [2]

السلام من صدق الإسلام[عدل]

جلالة الملك عبدالله الثاني وارث الشرعية الدينية في ملكه ونسبه، فشرعيته ترتكز على “الإسلام والإنجاز”، والعدل بنظره هو أساس الملك الذي آل إليه بحكم النسب الطاهر والسلالة الشريفة الممتدة الى النبي الهاشمي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو مؤمن بربط السلام بصدق الإسلام، ويعبر عن ذلك برعايته للفكر الإسلامي البناء والمستنير وبحرصه على اجتماع علماء المسلمين وتقارب وجهات نظرهم في سبيل تعميم ثقافة وسطية تهدف إلى تعزيز منهج معتدل يجمع المسلمين والمؤمنين ولا يفرقهم، وهو في هذا التوجه يؤكد التزامه بالدفاع عن الإسلام كأحد واجباته ومهامه كعربي هاشمي واعٍ لخطورة ما ينال حقيقة الإسلام من حقد وتجريح وتشويه بسبب موجات الطائفية والتطرف والانغلاق التي باتت تشكل خطرا على العالم بأسره، وهو في كل المحافل الدولية يشدد على أن: “على المسلمين في هذه الأيام أن يجاهروا بجرأة دفاعا عن إسلام معتدل: إسلام يعزز قدسية الحياة الإنسانية، يصل إلى المضطهدين، يخدم الرجل والمرأة على حد سواء، ويؤكد على أخوة الجنس البشري بأكمله، فهذا هو الإسلام الحقيقي الذي دعا إليه رسولنا الكريم، وهو الإسلام الذي يسعى الإرهابيون إلى تدميره”. [3]

محاكاة الشباب[عدل]

وعلى الصعيد الوطني، يدرك الملك عبدالله الثاني عظيم مسؤوليته، ويلخص رسالته الوطنية بالشعار التالي: “تنمية مستدامة، عدالة التخطيط والتنفيذ، وتمكين الشباب لأجل مستقبل أفضل”.

ترسيخا لهذا النهج، فإن جلالة الملك يزرع هذه المبادئ في شباب الأردن، الذين يمثلون أكبر القوى في المجتمع، لترسيخ هذا النهج لديهم، ولتمكينهم سياسيا ومعرفيا واقتصاديا، لأنهم “فرسان التغيير” في الأردن كما وصفهم جلالته في أكثر من مناسبة.

وهذه العلاقة بين الملك والشباب، لها طابع خاص، وبصمة حقيقية، جعلت من غالبية الشباب تحاكي الملك عبدالله الثاني في حكمته ونشاطه، متخذينه قدوة لهم في التصميم على الإنجاز والعمل على جميع الأصعدة، لتكون المحصلة ثورة علمية ومعرفية، توازن بين الأصالة والحداثة، وتترسخ كثقافة عمل تحترم الفرد المنتج.

بسمارك

كاتب الموضوع الأصلي: علي المسفر336

يعد السياسي الألماني «أوتو فون بسمارك» من أهم الساسة الألمان في القرن التاسع عشر، لأنه رجل دولة من الطراز الأول، فضلا عن كونه الرجل الذي حمل على كتفه مسؤولية توحيد الشعوب والمقاطعات الألمانية بعبقريته الدبلوماسية والسياسية التي لم تتكرر كثيرا، ولهذه الشخصية التاريخية أهمية خاصة في وجداني الأكاديمي، فهو الرجل الذي أنقذتني ذكراه في الامتحان الشفهي لمرحلة ما قبل تحضير رسالة الدكتوراه في العلاقات الدولية، فعندما سألني الدكتور «ساندرز» (رحمه الله)، الذي يعد أحد رموز التاريخ العثماني الحديث، عن مجموعة من التواريخ المرتبطة بالعلاقة السببية للحرب العالمية الأولى، لم تسعفني ذاكرتي في عامين من الأعوام الخمسة، وعندما نظر إلي الرجل نظرة سخرية تخرج من أعين العلماء، بادرته على الفور بأني استغربت لأنه لم يضع عام 1890 ضمن هذه السنوات المسببة للحرب العالمية الأولى، فتراجع الرجل وأخذ يفكر، وأدركت عند هذا الحد أنني أمام فرصتي الأخيرة، فقلت له: «كيف ننسى عام إقالة بسمارك الذي كان من الأسباب المؤدية للحرب العالمية الأولى!»، فانفجر الأساتذة الأربعة الآخرون في اللجنة من الضحك، فإذ بالرجل – رحمه الله – يبدأ التركيز بقوة وتنتابه نوبة من التواضع الذي لم يكن من سماته، فبدأنا حوارا تاريخيا لمدة ساعة ونصف الساعة كانت من أمتع ساعات عمري. وكلما قاطعه أحد من الأساتذة، زجره بشدته المعروفة عنه، ثم انتهيت من الامتحان بعد أربع ساعات ونصف من دخولي له، وكلما أتذكر الواقعة أترحم على دكتور «ساندرز»، وتبقى لي سيرة بسمارك نتعلم منها السياسة.
حقيقة الأمر أن «أوتو فون بسمارك»، موحد ألمانيا، كان من أبرع الساسة على الإطلاق، فإنجازاته وقدراته على نسج السياسة الخارجية بالداخلية، والقدرة على المناورة والكر والفر السياسي – يجعل لفظ «الداهية الألماني» حقا مكتسبا له، والرجل ينتسب إلى مملكة بروسيا وكانت ولاءاته لملكها منذ اليوم الأول، فهو لم يكن ثوريا، بل إنه كان رافضا لفكرة الثورة في المقاطعات الألمانية، لأن هدفه كان توحيدها قبل النظر إلى نظامها السياسي، وكان يرى أن هذه المقاطعات والإمارات الألمانية في حالة ضعف وتفكك ومفتوحة أمام التدخلات الخارجية من فرنسا ودولة النمسا، وبالتالي فإن الوحدة الألمانية هي السبيل الوحيد أمام فرصة الشعوب الناطقة بالألمانية لكي يكون لها دورها في صناعة المستقبل.

بدأ بسمارك حياته كرجل قانون في المحاكم البروسية، ولكنه سرعان ما استقال وبدأ يباشر أملاك والده، ولم يكن الرجل يخفي مشاعره الرافضة للفكر الليبرالي، حتى إنه عارض نتائج مؤتمر فرانكفورت الشهير عام 1849 الذي قدم أول اقتراح لدستور موحد لألمانيا الموحدة، ثم أصبح ضمن قلة قليلة معارضة عندما انتخب عضوا في البرلمان، وقد بدأت حركته السياسية تتوسع بعد أن عين ملك بروسيا أحد أصدقائه، وهو الجنرال «فون روون»، وزيرا للدفاع وأسند إليه مسؤولية تطوير الجيش البروسي، وهو أمر حاربته القوى الليبرالية بشدة خشية استخدامه لضرب القوى الليبرالية في المقاطعات الألمانية، وقد فتحت هذه الصداقة المجال أمام بسمارك ليقترب من الملك، فتم تعيينه سفيرا في موسكو ثم باريس، إلى أن تم استدعاؤه على وجه السرعة عام 1862 للمساندة في منع الملك البروسي من التنازل عن العرش أمام ضغوط التيار الليبرالي في البلاد، وقد لعب بسمارك دورا مهما في إبقاء الملك في مكانه، فتم تعيينه في اليوم التالي رئيسا للوزراء البروسي.

منذ أن تولى بسمارك مقاليد الأمور، بدأ بامتلاك خيوط اللعبة السياسية، فكانت خططه واضحة لا مجال للبس فيها، فتطوير الجيش كان أولوية، لأنه كان على يقين بأن الوحدة الألمانية ستتطلب مواجهات عسكرية مع القوى الخارجية، لا سيما دولة النمسا التي كانت تشارك سياسيا في البرلمان الألماني وتبسط نفوذها على مقاطعات ألمانية بعينها، كما أن فرنسا لم تكن لتسمح بظهور مارد ألماني يخل بمعادلة توازن القوى في القارة الأوروبية، ومع ذلك فإن التيار الليبرالي ظل ينظر إلى الرجل على اعتباره عدوه الأول، وحاربه بكل قوة، ورفض تمرير أية مشاريع قوانين تسمح له بالتوسع في الإنفاق العسكري والإصلاحات الإدارية في البلاد، فنظر بسمارك للأمر على اعتباره جزءا لا يتجزأ من حقوق الملك البروسي، وأخذ على عاتقه مسؤولية التمويل المفتوح دون غطاء من البرلمان، وهو ما وسع المسافة بينه وبين الشعب البروسي إلى أن أصبح الرجل مكروها في أغلبية الأوساط.

مع تكالب أغلبية الظروف ضد بسمارك، إلا أن خططه استمرت ولم تتغير، وقد عكستها خطبته الشهيرة المعروفة بخطبة «الدم والحديد» التي تعد من أهم الخطب السياسية في التاريخ الحديث، ففيها أعلن بسمارك سياسته وهي أن ألمانيا لن تقوى من خلال حرية الخطابة، ولكن من خلال سياسة تعتمد على «الدم والحديد»، أي إن ألمانيا تحتاج لتطوير وتنمية وحروب لكي تقوى وتأخذ مكانتها في القارة الأوروبية.

وعلى الفور، بدأت حركة التطوير تأخذ مجراها خاصة في الجيش، وتوازت معها حركة أخرى لا تقل أهمية دعمت من فرص التوحد الألماني من خلال تفعيل «الاتحاد الجمركي» الذي سبق لبروسيا إنشاؤه لتوحيد التعريفة الجمركية مع عدد من المقاطعات الألمانية في ما عرف بالـZollverein، وقد ركز بسمارك على عملية التكامل الاقتصادي وجعلها تأخذ مجراها الطبيعي استعدادا للاندماج السياسي في ما بعد، وهو ما يعيد للذاكرة على الفور نموذج الاتحاد الأوروبي. أما الثورة الإدارية التي أدارها بسمارك وهو رئيسا للوزراء، فكانت خطوة مهمة للغاية لتكون أساسا للتوحد الإداري لألمانيا، أما سياساته الاقتصادية فقد سمحت لبروسيا بأن تقود الصناعة والتجارة في الدويلات والمقاطعات الألمانية، وأصبحت مسألة توحيد المقاطعات الألمانية مسألة حنكة وسياسة وتوقيت لم يتأخر بسمارك فيهم كثيرا، فكانت تحركاته التالية تمثل مدرسة في فن الدبلوماسية والسياسة، فاستطاع الرجل في أقل من عقدين من الزمان تحقيق حلم داعب الشعوب الألمانية لقرابة 14 قرنا من الزمان كما سنرى.

حق الاختلاف

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

ثمة تصور ورؤية أيدلوجية وفكرية وسياسية، قائمة على ضرورة أن تتحد قناعات الناس وأفكارهم وآراؤهم، حتى يتسنى لهم صناعة التقدم أو الانخراط في مشروع التطور في مجالات الحياة المختلفة، فهي تصورات وآراء، لا تحبذ التنوع والتعدد والاختلاف، وإذا امتلكت القدرة المادية أو السلطة؛ فإنها تستخدم وسائل قسرية لإنجاز مفهوم الوحدة بدحر وكل حقائق التعدد والتنوع من الفضاء الاجتماعي وإفنائها.

لهذا فإن هذه الأيدلوجيات تعمل بآليات متعددة ومتداخلة، لإنهاء كل مظاهر التعدد والتنوع، وذلك لأن فهمها للوحدة قائم وكأنها المعادل الموضوعي للرأي الواحد والموقف الواحد، وهذا بطبيعة الحال مما تأباه نواميس الحياة وحقائق مجتمعاتنا التاريخية والثقافية والواقعية.

فالوحدة لا تساوي بالضرورة، أن تكون كل قناعاتنا ومواقفنا واحدة ومتطابقة في كل شيء. ومن يبحث عن الوحدة بهذا المعنى، فيندرج تحت إحدى حالتين : إما أنه سيصدم بحقائق التنوع الراسخة في الوجود الاجتماعي والإنساني، مما يجعله يتراجع عن رؤيته الشوفينية والعدمية للوحدة، أو أنه سيمارس القهر والعنف من أجل إنجاز مفهومه للوحدة. ولا ريب أن استخدام وسائل القهر وآليات العنف، في كل التجارب الإنسانية، لا تفضي على الصعيد الواقعي إلى الوحدة الصلبة في الفضاء الاجتماعي والسياسي، بل هي ( أي آليات العنف ووسائل القهر ) تؤسس لتشظيات وانقسامات عميقة عمودية وأفقية في المجتمع الواحد، ولعل الذي يؤكد هذه الحقيقة هو أن الإنسان أو الجهة التي تستخدم العنف لبناء الوحدة الاجتماعية والسياسية، فهي تعيش مفارقة كبرى على هذا الصعيد.

فباسم الوحدة يُجزَّأ المجتمع، وباسم الوفاق والأخوة ، يُغرَس أخدود عميق بين تعبيرات المجتمع الواحد، وباسم الاتحاد والائتلاف تتعمق أسباب الفرقة والتشرذم في الفضاء الاجتماعي.

فالوحدة بكل مستوياتها، لا تنجز بوسائل عنفية وقهرية كما أنها لا تتحقق بدحر حقائق التنوع والتعدد ، وإنما باحترام هذه الحقائق وضمان حق الاختلاف.

ولعل الخطوة الأولى في هذا السياق، هو عدم ترذيل الاختلاف، وضمان حق الجميع في أن تكون لديهم قناعات وأفكار مختلفة عن قناعاتي وأفكاري.

إننا نعتقد أن ضمان حق الاختلاف بكل مستوياته، هو الخطوة الأولى في بناء مشروع الوحدة الاجتماعية والسياسية على أسس صلبة ومستقرة.

ودون ذلك ستبقى الوحدة، من الشعارات المجردة، التي لا تسند بحقائق مجتمعية، تحول الشعار إلى حقيقة راسخة في الوجود الإنساني والاجتماعي، والسؤال المركزي الذي يمكن أن يوضح حقيقة حق الاختلاف من جميع أبعاده هو : كيف نحمي ونضمن حق الاختلاف في مجتمع متعدد ومتنوع على المستويين الأفقي والعمودي.

1-الإيمان العميق بقيمة الحرية وإن من لوازمها الأساسية صيانة حق الاختلاف، فلا يمكن أن يدعي أي إنسان، بأنه يؤمن بالحرية ويعمل على قمع حق الاختلاف، لأن حماية حق الاختلاف هو إحدى الثمار الأساسية لقيمة الحرية.

ويبدو إننا لا يمكن أن نصون قيمة الاختلاف، دون تعميق قيمة الحرية في الفضاء الاجتماعي والثقافي، فجذر حق الاختلاف، هو أن البشر بنسبيتهم وقصورهم لا يمكنهم أن يدركوا كل الحقائق والمقاصد، وإنما هم يجتهدون ويعملون لعقل ويستفرغون جهدهم في سبيل الإدراك والفهم ، وعلى قاعدة الاجتهاد وتعدد نتائجه، يتأسس الاختلاف في الفهم والإدراك والقناعات والمواقف، ويبقى هذا الحق مكفولا للجميع، فالاختلاف مظهر طبيعي في الاجتماع الإنساني، وهو الوجه الآخر لحقيقة التعدد والتنوع، أعني أن التنوع لا بد أن يستدعي الاختلاف ويقتضيه، وهو وجود متحقق سواء من حيث الوجود المادي للإنسان أو من حيث الفكر والسلوك وأنماط الاستجابة.

ووفق هذا المنظور لا يشكل الاختلاف نقصا أو عيبا بشريا يحول دون إنجاز التطلعات الكبرى للإنسان عبر التاريخ، وإنما هو حق أصيل من حقوق الإنسان، ويجد منبعه الرئيس من قيمة الحرية والقدرة على الاختيار.

وإجماع الأمة تاريخيا حول قضايا فكرية أو سياسية وما شابه ذلك، ليس وليد الرأي الواحد، وإنما تحقق الإجماع عن طريق الاختلاف الذي أثرى الواقع، وجعل الآراء المتعددة تتفاعل مع بعضها وتتراكم حتى وصلت الأمة إلى مستوى الإجماع.

والإسلام بكل نظمه وتشريعاته، كفل حق الاختلاف، وعدَّه من النواميس الطبيعية ، وجعل التسامح والعفو سبيل التعامل بين المختلفين، فحق الاختلاف لا يعني التشريع للفوضى أو الفردية الضيقة والأنانية، وإنما يعني أن تمارس حريتك على صعيد الفكر والرأي والتعبير، وتتعامل مع الآخرين وفق نهج التسامح والعفو.

فالاختلاف لا يساوي الرذيلة والإثم والخلل، وإنما هو ناموس كوني وجبلة إنسانية، النزاع والخلاف والتشرذم والتفرقة، هي التي تساوي الإثم والخلل، وعلى هذا من الضروري أن نجدد رؤيتنا للاختلاف ونتعامل معه وفق عقلية جديدة، لا ترى فيه إثما ومعصية ، وإنما قدرة مفتوحة ومتواصلة لإثراء الحقيقة والواقع.

2-ما دام من حق الجميع أن يختلف عن غيره، ويعبر عن هذا الاختلاف ضمن وسائل سلمية وحضارية، من الضروري أو نوضح أن الذي ينظم هذه المسألة هو وجود منظومة قانونية متكاملة، توضح الحدود، وتحول دون الافتئات على أحد، أو خلق حالة من الفوضى في المجتمع والوطن الواحد، فسيادة القانون هي ضمانة الجميع للتعبير عن آرائهم وأفكارهم، دون أن يقود هذا الحق إلى خلق الفوضى في المجتمع.

وعليه فإن حق الاختلاف لا يمكن صيانته وإدارته في إطار اجتماعي، إلا بسيادة القانون الذي يتعامل مع الجميع على قدم المساواة، دون تحيز لأحد أو تغطية لتصرفات طرف دون بقية الأطراف، فالعلاقة بين حق الاختلاف وسيادة القانون، علاقة عميقة، لأنه لا يمكن ضمان حق الاختلاف على المستويين الاجتماعي والوطني دون سيادة القانون، والقانون دون ضمان حق الاختلاف، سيتحول إلى غطاء لتمرير ممارسات وتصرفات لا تنسجم وروح القانون وطبيعة التنوع الذي يحتضنها أي وجود إنساني، والقانون هو الذي يضمن عدم إنتاج العصبيات الدينية والمذهبية والقومية دون أن يفتئت على خصوصياتها.

وخلاصة القول : إن دولنا ومجتمعاتنا العربية مطالبة بحماية حق الاختلاف وضبطه بمنظومة قانونية وذلك من أجل ضمان الاستقرار السياسي وفق أسس سليمة وعميقة.

في مواجهة الاسلاموفوبيا

كاتب الموضوع الأصلي: علي المسفر336

في مواجهة الاسلاموفوبيا :

هل أضحت الحوادث التي جرت أخيرا في بريطانيا وفرنسا والتي تمثلت في قطع رأس جندي بريطاني وطعن جندي فرنسي بسكين بمثابة وقود جديد للعنصرية ضد العرب والمسلمين في أوربا وقبلها كانت حادثة بوسطن بما يعود بنا إلى إشكالية الاسلاموفوبيا ورهاب الإسلام من جديد ؟
وإذا كان ذلك كذلك فهل من حلول غير تقليدية تنزع سياقات الكراهية الآنية وتعيد اكتشاف صفحات التعايش المشترك بين الشرق والغرب ، وتجارب الوفاق عوضا عن الافتراق عبر البحث عن حوار حقيقي للثقافات يستمد قوته من معطيات التاريخ وعبر الماضي ؟
المؤكد أن عدة استطلاعات للرأي جرت في عدد من العواصم العربية المتقدمة الأيام القليلة الفائتة تشير بالفعل إلى أن مشاعر الكراهية والرفض لكل من هو عربي ومسلم في تصاعد ينذر بمخاوف كبرى أم لم يتم تدارك الأمر .
خذ إليك على سبيل المثال ما كشفت عنه نتائج استطلاع رأي حديث تم إجراؤه في ألمانيا أواخر شهر ابريل الماضي ونشرت نتائجه صحيفة ” فيلت أم زونتاج ” الألمانية وتبدى من خلاله أن 51% من الألمان يرون في الإسلام تهديدا وان هذه النسبة ترتفع لتصل إلى 57% في شرق البلاد حيث يندر وجود مسلمين .
هل الأوضاع في فرنسا أفضل من نظيرتها في ألمانيا ؟ بالقطع لا إذ أفاد استطلاع أجراه معهد ” ايبسوس ” لحساب صحيفة لوموند الفرنسية أن ” قرابة ثلاثة أرباع الفرنسيين يعتبرون أن الإسلام لا يتفق مع قيم الجمهورية “.
وبحسب هذا الاستطلاع فان 74% من الذين شملهم يعتبرون الإسلام ديانة ” غير متسامحة ” لا تتوافق مع قيم المجتمع الفرنسي .
وفي نسبة اكبر يرى ثمانية فرنسيين من عشرة أن الدين الإسلامي يسعى إلى فرض شريعته على الآخرين ، وأخيرا فان أكثر من النصف يعتقدون أن المسلمين في غالبيتهم متطرفون .
أما عن بريطانيا فحدث ولا حرج وأعمال التيارات اليمينية المتطرفة هناك في الفترة الأخيرة تشير بالفعل إلى مأزق عريض يعيشه المهاجرون الأفارقة والأسيويين والعرب من المسلمين ؟ هل هناك من يصب الزيت على النار حتى تزداد الأوضاع اشتعالا ويشتد أوار المواجهة الدينية والثقافية معا ؟
قطعا ذلك كذلك ، والدليل ما كتبه الإسرائيلي المتطرف ” أوري اليشور” عبر صحيفة معاريف الإسرائيلية تحت عنوان ” الإسلام والنعامة ” وفيه تشكيك واضح وكراهية فاضحة للمسلمين في أوربا الذين اعتبرهم اقل وفاءا لتلك البلاد ن الكلاب الضالة مستعيرا لمقولة للكاتب الأمريكي الساخر مارك توين ومضيفا من عندياته أن الإسلام في أوربا اليوم بات يمثل شخصية الساحر الشرير اللورد فولد مورث وهو الشخصية الشهيرة في سلسلة هاري بوتر لصاحبتها الكاتبة الانجليزية “ج . ل. رولينج ” وبدون تطويل ممل فان ” أوري اليشور يوجز نظرته في انه ” إن لم يكن كل المسلمين متعصبين إلا أن كل متعصبي أوربا مسلمين ” تدعونا هذه الخلاصة إلى التساؤل هل كان تاريخ العرب والمسلمين في أوربا عبر مئات السنين صفحات من التعصب والكراهية والقتل كما يصور اليميني الإسرائيلي المتطرف ربما يعلم كثيرين من المثقفين والقراء أن الأندلس هي تاريخ العرب والمسلمين في أوربا فقط ويجهل غيرهم أن جزيرة صقلية الأقرب إلى العالم العربي وعاصمتها باليرمو كانت مثالا حيا على الحوار الذي بدا منذ زمان طويل وعلى التعايش المثمر الخلاق بين المسلمين والمسيحيين واليهود هناك .
ففي القرن التاسع الميلادي توجه المسلمين الأفارقة من شمال إفريقيا إلى صقلية وجعلوا من باليرمو عاصمة لها وهناك بدءوا في الإصلاح الزراعي ما أدى إلى رفع الإنتاج والمثير أن تجربة الإصلاح الزراعي لمصر في ستينات القرن المنصرم كانت في الأصل تجربة المسلمين في باليرمو قبل ألف عام إذ شجعوا نمو الحيازات الصغيرة وقلصوا من الإقطاعيات الكبرى كما طوروا نظم الري اللازمة للزراعة .
وتذكر موسوعات تاريخية عدة أن الفترة العربية والإسلامية التي دامت نحو مائتي عام كانت مثالا لتحويل المدينة إلى ملتقى تجاري وثقافي ويقال انه كان بها أكثر من ثلاثمائة مسجد وكانت معروفة في العالم العربي كافة كما أنها كانت فترة ازدهار وتسامح فقد سمح للمسيحيين الأصليين واليهود بممارسة شعائرهم الدينية وان واجب عليهم دفع الجزية كما كانت لهم قدرة المشاركة في الشؤون العامة .
وفي سنوات الحكم العربي ارتقت باليرمو ونهضت بشكل يتجاوز بقية مدن صقلية بفضل المهارات الإدارية والمعمارية لقادتها فصارت أرضها غنية وزاهرة بالتقاليد المميزة للمسلمين وتركوا هناك تأثيرات واضحة للعيان حتى اليوم في أسماء الأماكن والمواقع والمعالم التاريخية ولعبوا دورا واضحا في تعليم سكان المدينة البالغين في ذلك الوقت نحو ثلاثمائة ألف نسمة والحديث في حقيقة الأمر يطول عن هذا الدور ذلك الوجود العربي الإسلامي في باليرمو ما يدعونا لطرح السؤال عنوان المقال المتقدم ” لماذا لا تكون باليرمو عاصمة للثقافة العربية العام القادم أو الذي يليه؟”
والمعروف أن وزراء الثقافة العرب وفي إطار خطط وترتيبات جامعة الدول العربية منارة وشعلة للثقافة العربية وفي ظل هكذا أحوال متردية للعرب والمسلمين في أوربا ومع الشكوك والمخاوف التي تنتاب الأوروبيين من الربيع العربي الذي يحمل ملمحا وملمسا إسلاميا واضحا ربما تكون فكرة اختيار ” باليرمو ” لإقامة عام للثقافة العربية بها فكرة رائدة تصل ما قد انفصل وتعيد بناء الجسور مع الأوروبيين هذا أن تم الترتيب لها والإعداد لها بشكل علمي ممنهج وأظن واثقا أن ايطاليا حكومة وشعبا وجمعيات أهلية ترحب بمثل هذه الفكرة لاسيما وإنها الدولة الأقرب جغرافيا للعالم العربي كما إنها الأكثر علاقات وامتن صلات مع مصر تحديدا منذ زمن الإمبراطورية الرومانية حتى الساعة .
طرح فكرة باليرمو عاصمة للثقافة العربية في حقيقة الحال ليس ضربا من ضروب الترف الفكري بل حاجة حتمية لمواجهة أساطير التغريب وأوهام اسلمة أوربا ودرءا للاسوا الذي لم يأت بعد ولذلك فان لتعويل على التنظير الفكري والإيديولوجي للدفاع عن الإسلام والمسلمين شفاهيا وكتابيا أمر غير ذي جدوى وبات المطلوب بالفعل تغير جذري عملاني في آليات الاحتكاك مع الأخر في أوربا نفسا وجسما ورسما لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام لاسيما وهذه حقيقة لابد من أن نواجه أنفسنا بها ـ التي يمارسها نفر من المتطرفين والمتشددين الإسلاميين سواء داخل حدود الأوطان أو في شوارع أوربا ارض المهجر التي ارتضاها هؤلاء كدار سلم وليس دار حرب .

مضيق البوسفور‮

كاتب الموضوع الأصلي: ماجد العتيبي 246

الأهمية الاستراتيجية التي يشكلها مضيق البوسفور الواقع ضمن الحدود التركية ليست وليدة اليوم بل تمتد لقرون‮.. ‬فأهمية هذا المضيق ترجع إلي حروب طروادة التي اندلعت عام ‮٣٩١١ ‬قبل الميلاد،‮ ‬وارتباطه بالكثير من الأحداث الأسطورية والملاحم اليونانية‮.. ‬وقد ازدادت الأهمية الاستراتيجية والتجارية لهذا الممر بازدهار مدينة بيزنطة ثم القسطنطينية ثم اسطنبول‮. ‬ومضيق البوسفور،‮ ‬الذي كان يطلق عليه اليونانيون قديما اسم‮ »‬ممر البقرة‮«‬،‮ ‬يصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة،‮ ‬ويعتبر مع مضيق الدردنيل الحدود الجنوبية بين قارة آسيا وأوروبا،‮ ‬ويبلغ‮ ‬طوله ‮٠٣ ‬كم‮. ‬ويمثل المضيق صمام أمان لتركيا،‮ ‬التي يطلق عليها البعض دولة السلاطين،‮ ‬حيث تعتبر حركة السفن بالمضيق واحدة من أهم نقشاط الملاحة البحرية في العالم‮. ‬ولقد كان هناك العديد من الأطماع في هذه المنطقة لاسيما لروسيا،‮ ‬التي استطاعت أن تسيطر علي الساحل الشمالي للبحر الأسود،‮ ‬وكسرت الاحتكار التركي لهذا البحر،‮ ‬ولكن اتفاقية كوتشك كينارجي عام ‮٤٧٧١ ‬ضمنت لتركيا حق الملاحة في المضيق،‮ ‬وكان لهذا المضيق أهمية استراتيجية ايضا خلال الحرب العالمية الأولي،‮ ‬عندما تنبه الانجليز إلي المزايا التجارية والاستراتيجية،‮ ‬التي تتمتع بها تركيا نتيجة لتحكمها في مضيقي البوسفور والدردنيل‮. ‬وقد أصر المنتصرون في الحرب العالمية الأولي علي فتح هذه المضايق أمام جميع السفن،‮ ‬وعدم تحصينها مرة ثانية‮. ‬وقضت معاهدة‮ »‬سيفر‮« ٠٢٩١ ‬بضرورة نزع سلاح المضايق وبحر مرمرة والجزر الواقعة في مدخلهما من جهة الجنوب‮.‬
ولاشك أن منطقة البحر الأسود ومضيق البوسفور كانت جزءا من الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة‮.. ‬ففي أعقاب إعلان الادارة الأمريكية عن إلغاء اتفاقية للتعان النووي المدني مع روسيا عام ‮٨٠٠٢‬،‮ ‬علي خلفية حرب القوقاز،‮ ‬تفاقمت الأزمة بين الطرفين،‮ ‬حيث حاولت أمريكا فرض همينتها البحرية من أجل الحفاظ علي مصالحها الاستراتيجية‮. ‬وتدير الحكومة التركية مضيق البوسفور،‮ ‬من خلال الاشراف عليه وتحديد رسوم عملية عبور السفن‮. ‬وقد تبنت تركيا في الآونة الأخيرة خططا طموحة لتطوير مضيق البوسفور،‮ ‬بما في ذلك بناء جسر بتكلفة ‮٥٤.٢ ‬مليار دولار،‮ ‬وهو الثالث في المضيق،‮ ‬كجزء من مشروع طريق شمال مرمرة السريع الممتد بطول ‮٤١٤ ‬كم،‮ ‬والذي يتكلف ‮٥.٦ ‬مليار دولار،‮ ‬إلي جانب حفر نفق تحت البحر في المضيق بتكلفة ‮٢.١ ‬مليار دولار‮. ‬وسوف يستغرق بناء الجسر المعلق ثلاث سنوات للبناء،‮ ‬واستعانت الحكومة التركية بعدد من الشركات الخاصة الأجنبية للاستثمار في منطقة المضيق وجلب الاستثمارات التي من شأنها العمل علي تطوير وزيادة الخدمات في هذه المنطقة‮. ‬وأعطت الحكومة التركية حقوق امتياز تشغيل عدد من الجسور والطرق للقطاع الخاص من أجل جذب اهتمام المستثمرين المحليين والأجانب‮.

حرب الثلاثون عام

كاتب الموضوع الأصلي: علي المسفر336

حرب الثلاثون عاما هي سلسلة صراعات دامية مزقت أوروبا بين عامي 1618 و1648 م، وقعت معاركها بدايةً وبشكل عام في أراضي أوروبا الوسطى (خاصة أراضي ألمانيا الحالية) العائدة إلى الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولكن اشتركت فيها تباعا معظم القوى الأوروبية الموجودة في ذاك العصر فيما عدا إنكلترا وروسيا. في الجزء الثاني من فترة الحرب امتدت المعارك إلى فرنسا والأراضي المنخفضة وشمال إيطاليا وكاتالونيا. خلال سنواتها الثلاثين تغيرت تدريجيا طبيعة ودوافع الحرب : فقد اندلعت الحرب في البداية كصراع ديني بين الكاثوليك والبروتستانت وانتهت كصراع سياسي من أجل السيطرة على الدول الأخرى بين فرنسا والنمسا، بل ويعد السبب الرئيسي في نظر البعض، ففرنسا الكاثوليكية تحت حكم الكردينال ريشيليو في ذلك الوقت ساندت الجانب البروتستانتي في الحرب لإضعاف منافسيهم آل هابسبورغ لتعزيز موقف فرنسا كقوة أوروبية بارزة، فزاد هذا من حدة التناحر بينهما، ما أدى لاحقا إلى حرب مباشرة بين فرنسا وإسبانيا.

إلقاء ممثلي الامبراطور من النافذة في براغ كان شرارة إشعال الحرب ولكنه لم يكن السبب الحقيقي لها
كان الأثر الرئيسي لحرب الثلاثين عاما والتي استخدمت فيها جيوش مرتزقة على نطاق واسع، تدمير مناطق بأكملها تركت جرداء من نهب الجيوش. وانتشرت خلالها المجاعات والأمراض وهلاك العديد من سكان الولايات الألمانية وبشكل أقل حدة الأراضي المنخفضة وإيطاليا، بينما أُفقرت العديد من القوى المتورطة في الصراع. استمرت الحرب ثلاثين عاما ولكن الصراعات التي فجرتها ظلت قائمة بدون حل لزمن أطول بكثير. انتهت الحرب بمعاهدة مونستر وهي جزء من صلح وستفاليا الأوسع عام 1648 م.
وخلال الحرب انخفض عدد سكان ألمانيا بمقدار 30 ٪ في المتوسط ؛ وفي أراضي براندنبورغ بلغت الخسائر النصف، في حين أنه في بعض المناطق مات مايقدر بثلثي السكان، وانخفض عدد سكان ألمانيا من الذكور بمقدار النصف تقريبا. كما أنخفض عدد سكان الأراضي التشيكية بمقدار الثلث.
و قد دمَّر الجيش السويدي لوحده 2000 القلاع و 18000 قرية و 1500 مدينة في ألمانيا، أي ثلث عدد جميع المدن الألمانية.
و جاء في موسوعة “قصة الحضارة” تحت عنوان: “إعادة تنظيم ألمانيا (1648-1715)” : “هبطت حرب الثلاثين بسكان ألمانيا من عشرين مليونا إلى ثلاثة عشر ونصف مليونا، وبعد عام أفاقت التربة التي روتها دماء البشر، ولكنها ظلت تنتظر مجيء الرجال. وكان هناك وفرة في النساء وندرة في الرجال. وعالج الأمراء الظافرون هذه الأزمة البيولوجية بالعودة إلى تعدد الزوجات كما ورد في العهد القديم. ففي مؤتمر فرنكونيا المنعقد في فبراير 1650 بمدينة نورنبيرغ اتخذوا القرار الآتي:- “لا يقبل في الأديار الرجال دون الستين… وعلى القساوسة ومساعديهم (إذا لم يكونوا قد رسموا)، وكهنة المؤسسات الدينية، أن يتزوجوا… ويسمح لكل ذكر بأن يتزوج زوجتين، ويذكر كل رجل تذكيراً جدياً، وينبه مراراً من منبر الكنيسة، إلى التصرف على هذا النحو في هذه المسألة”.

فيرديناند الأول الامبراطور الروماني المقدس وملك بوهيميا

هنري الرابع

فريدريك الخامس

الامبراطور فيرديناند الثاني(1578-1637)
أكد صلح أوغسبورغ (1555م) والموقّع من الإمبراطور شارل الخامس على نتائج اجتماع شبيير الأول عام 1526، وأنهى العنف القائم بين اللوثريين والكاثوليك في ألمانيا. ونصت بنود الصلح على ما يلي :
يختار الأمراء الألمان (225 أمير) ديانة ممالكهم كل حسب اعتقاده (إما لوثرية أو كاثوليكية، البند المعروف باسم cuius regio, eius religio).
يمكن لكل لوثري يقطن في دولة كنسية (يحكمها أسقف) ممارسة طقوسه الإيمانية.
يستطيع اللوثريون الاحتفاظ بالأراضي التي انتزعوها من الكنيسة الكاثوليكية منذ معاهدة صلح باساو عام 1552 م.
على الحكام الكنسيون (الأساقفة) في المناطق الخاضعة للكنيسة الكاثوليكية والذين تحولوا إلى اللوثرية إعادة تسليم أراضيهم (البند المعروف باسم reservatum ecclesiasticum).
من كان يحتل دولة ما أعلنت رسميا عن اختيارها لدين معين لا يستطيع ممارسة دين مخالف لدين لتلك الدولة.
إلا أن العديد من المشاكل ظلت بلا حل: فقد اعتبر الصلح في الواقع مجرد هدنة مؤقتة لا سيما من جانب اللوثريين، إضافة لذلك بنيت بنود معاهدة على أساس الإنضمام إما إلى المعتقد الكاثوليكي أو اللوثري مستبعدة جميع المعتقدات الأخرى، بما في ذلك الكالفينية والتي أخذت في الانتشار بسرعة في عدة مناطق من ألمانيا في السنوات التالية وأصبحت القوة الدينية الثالثة في المنطقة ولذا لم يدعم الكالفنيون بأي شكل من الأشكال بنود أوغوسبورغ.
في أوائل القرن السابع عشر زادت التوترات السياسية والاقتصادية بين الدول الأوروبية، فقد فتح عصر الاستكشاف الطريق إلى موارد العالم الجديد، وانتشرت نظريات جديدة مثل المركنتلية الاستعمارية الإمبريالية بين النخب السياسية، في حين ان النشاطات القومية الأولى بدأت بالظهور في هذا العصر. هذا عدا تنامي الأطماع الشخصية والحسد العائلي.
كانت اسبانيا ترغب بلعب دور حاسم في الإمبراطورية الرومانية المقدسة ومهتمة بضم بالولايات الألمانية حيث أنها كانت تسيطر على هولندا الإسبانية المجاورة لحدود دول ألمانيا الغربية وتسيطر أيضا على دول داخل إيطاليا متصلتين برا عبر الطريق الإسباني. ثار الهولنديون ضد السيطرة الإسبانية خلال ستينات القرن السادس عشر، مما أدى إلى حرب استقلال ممتدة من المتوقع أن تستأنف بانتهاء هدنة السنوات العشر عام 1621.
شملت الإمبراطورية الرومانية المقدسة ألمانيا الحالية وأجزاء من الأراضي المجاورة، وكانت مقسمة إلى مجموعة دول مستقلة بإمبراطور روماني مقدس بوصفه رئيسا لاتحاد الأمراء. أحد هؤلاء كانت عائلة هابسبورغ النمساوية (تشمل أيضا بوهيميا والمجر) وكانت القوة الأوروبية الرئيسية وتحكم أكثر من ثمانية ملايين نسمة. كما ضمت الإمبراطورية عدة قوى إقليمية مثل بافاريا وساكسونيا وبراندنبورغ وبالاتينات وهسي وترير وفورتمبيرغ (تتكون كل منها من 500.000 إلى مليون نسمة). ويكمل الإمبراطورية عدد كبير من الدوقيات الصغيرة مستقلة والمدن الحرة والأديرة والأسقفيات واللورديات الصغيرة (سلطتها أحيانا لا تمتد إلى أكثر من قرية واحدة). وباستثناء النمسا وربما بافاريا لم يكن أيا من تلك الكيانات كان قادرا على مستوى السياسات الوطنية ؛ التحالفات بين الدول ذات الصلة العائلية كانت شائعة، ويعود ذلك جزئيا إلى التقسيم المتكررة من لميراث الحاكم بين مختلف الأبناء.
و كان الصراع السياسي جاريا بين الأمراء الألمان وإمبراطور آل هابسبورغ والذي أراد للقب إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة ألا يكون صوريا وتراثا عائدا إلى القرون الوسطى بل ممثلا لقوة مؤثرة على الأراضي التابعة “إسميا” للإمبراطورية الرومانية المقدسة، فارضا سيطرة آل هابسبورغ على كامل ألمانيا منجزا ما فشل فيه تشارلز الخامس.
ردا على ذلك واصل هنري الرابع ملك فرنسا سياسة أسلافه المعادية لآل هابسبورغ، والتي عزَّزَها احتمال خروج الإسبان منتصرين من حربهم مع هولندا وسقوط ألمانيا تحت سيطرة الإمبراطورية، فقد يعني هذا سحقها بمحاصرتها من كل الجهات بالأملاك الهابسبورغية، وفرنسا كانت حريصة على ممارسة سلطتها ضد الدول الألمانية الأضعف ; لقد اجتاز هذا القلق العائلي العقيدة، وأدى إلى مشاركة فرنسا في الحرب إلى جانب البروتستانت خلافا لمذهبها.
كما أن السويد والدانمارك كانتا تطمحان للسيطرة دول ألمانيا الشمالية المطلة على بحر البلطيق.
ظل التوتر الديني قويا خلال النصف الثاني القرن السادس عشر، وأخذ صلح أوغوسبورغ بالانحلال بعدم تسليم العديد من الأساقفة لأسقفياتهم إلى لكاثوليك كما نصت الاتفاقية وكذلك سعى بعض حكام إسبانيا وأوروبا الشرقية لاسترجاع نفوذ الكاثوليك في المنطقة. ويتضح ذلك من خلال حرب كولونيا (1582–1583) عندما تحول الأمير الأسقف لمدينة كولونيا إلى الكالفينية، وحيث أنه كان ناخبا امبراطوريا قام بتكوين أغلبية بروتستانتية في المجمع الانتخابي الذي ينتخب إمبراطور الرومانية المقدسة وهو وضع طالما كان للكاثوليك، فقام الجنود الإسبان بطرد الأسقف ووضعوا مكانه إرنست بافاريا الكاثوليكي. وبعد هذا النجاح الكاثوليكي طبق بند cuius regio eius religio بشكل أكثر قساوة في بافاريا وفورتسبورغ والدول الأخرى، مما اضطر البروتستانت المقيمين إما إلى الرحيل أو الارتداد عن معتقدهم. كما شهد البروتستانت تحول لوردات بالاتينات (1560) وناساو (1578) وهيسي كاسل (1603) وبراندنبورغ (1613) إلى مذهب الكالفيني الجديد، وهكذا بدأ القرن السابع عشر بكون أراضي الراين وجنوبا حتى نهر الدانوب كاثوليكية إلى حد كبير، في حين أن اللوثريين سادوا في الشمال، وهيمن الكالفينيين في مناطق معينة أخرى مثل غرب وسط ألمانيا وسويسرا وهولندا، بيد أن الأقليات من كل عقيدة موجودة في كل مكان تقريبا. وفي بعض اللورديات والمدن كان عديد الكالفينيين والكاثوليك واللوثريون متساوي تقريبا.
سمح أباطرة آل هابسبورغ الذين تلوا شارل الخامس (خاصة فريديناند الأول وماكسميليان الثاني بالإضافة لرودولف الثاني وخليفته ماتياس الثاني) تفاديا لحرب أهلية واسعة النطاق سبق وأن حدثت في فترة السياسة غير المتسامحة دينيا في إنجلترا عام 1534 إبان عهد هنري الثامن بالتعددية الدينية في مناطق حكمهم دون اكراه، مما أدى إلى سخط الداعين التوحد الديني (الكاثوليك غالبا). في الوقت ذاته حاولت السويد والدنمارك اللوثريتان دعم البروتستانت في الإمبراطورية الرومانية طمعا في مكاسب سياسية واقتصادية.
اندلعت مواجهة دينية أخرى عام 1606 في مدينة دوناوفورت الحرة إحدى مدن ألمانيا التابعة للإمبراطور الروماني مباشرة في منطقة شفابيا، حيث حاولت الأغلبية البروتستانتية منع الكاثوليك من أداء موكب ديني مسببين اضظرابات عنيفة، مما دعى تدخل ماكسيمليان الأول دوق بافاريا (1573-1651) مساندا الكاتوليك لإعادة الوضع إلى حاله. هذه السلسلة من الأحداث أوجدت خصوصا بين الكالفينيين (الذين ظلوا أقلية) شعورا بوجود مؤامرة كاثوليكية لاجتثاث البروتستانتية، وإزاء هذا التهديد المزعوم قاموا في عام 1608 بتأسيس الإتحاد الإنجيلي بقيادة فريدريك الرابع (1583–1610) (الذي تزوج ابنه فريدريك الخامس من أليزابيث ستيوارت ابنة جيمس الأول ملك انكلترا) الذي يمتلك منطقة بالاتينات على طول الراين والذي كان ضروريا لإسبانيا للدخول إلى هولندا. فرد الألمان الكاثوليك عام 1609 بإنشاء الرابطة الكاثوليكية تحت قيادة ماكسيمليان الأول ؛ عند هذه النقطة كان الوضع السياسي في ألمانيا على استعداد للدخول في مواجهة الطائفية.
بحلول عام 1617 بدى واضحا أن الإمبراطور الروماني المقدس وملك بوهيميا ماتياس الثاني سيموت بدون وريث من صلبه، لذا عين في نفس العام أقرب أقرباءه الذكور ابن عمه فيرديناند من ستيريا وليا للعهد (سيصبح ملك بوهيميا والإمبراطور الروماني المقدس فيرديناند الثاني عام 1619 بعد وفاة ماتياس). تلقى فيرديناند تعليمه على يد رهبان يسوعيين وكان كاثوليكيا متعصبا يريد فرض أحادية الدين على أراضيه. فجعله هذا مرفوضا شعبيا في بوهيميا ذات الغالبية البروتستانتية الهوسية، وتسبب منعهم لبناء عدد من الكنائس البروتستانتية في ثورة عنيفة عام 1618 بلغت ذورتها عندما تم إلقاء اثنين من ممثلي الإمبراطور من نوافذ القصر الملكي في براغ بيد أنهما لم يصابا بأذى بالغ لسقوطهما على كومة من السماد العضوي، وأشعل هذا الحدث شرارة حرب الأعوام الثلاثين.
تنقسم حرب الثلاثين عام إلى أربع مراحل رئيسية :
الثورة البوهيمية.
التدخل الدنماركي.
التدخل السويدي.
التدخل الفرنسي.
[عدل]الثورة البوهيمية

من 1618 حتى 1625 م
لكونه دون ذرية سعى الامبراطور ماتياس الثاني لضمان انتقال سلس للسلطة خلال حياته بتعيين ولي عهد من عائلته (الكاثوليكي المتعصب فرديناند من ستيريا، ولاحقا فرديناند الثاني الإمبراطور الروماني المقدس) وانتخاب لعرشي بوهيميا والمجر الملكيين المفصولين. فتخوَّف بعض زعماء البروتستانت البوهيميين من فقدان الحقوق الدينية التي منجهم إياها الامبراطور رودولف الثاني بالوثيقة المسماة “رسالة الفخامة”. كانوا يفضلون البروتستانتي فريدريك الخامس ناخب بالاتينات (خليفة فريدريك الرابع مؤسس رابطة الإتحاد الإنجيلي). ومع ذلك أيد بروتستانت أخرون موقف الكاثوليك فدعمت الدول البوهيمية تواجد القوات الكاثوليكية في أراضيها، وانتخبت فرديناند عام 1617 حسب الأصول ليصبح وليا للعهد وتلقائيا ملك بوهيميا القادم بعد وفاة ماتياس، بلغ الإحتقان حده بمنع ماتياس بناء بعض الكنائس البروتستانتية. ولمَّا أرسل الملك المنتخب اثنين من مستشاريه الكاثوليك (فيلهلم سلافاتا وياروسلاف بورزيتا) كممثلين له إلى قلعة هارادشاني في براغ مايو 1618، حيث أختارهم فرديناند لإدارة الحكومة في غيابه. فقبض البوهيميين الهوسيين عليهم وحاكموهم صورياً وألقوا بهم من نافذة القصر المرتفعة بأكثر من 20 مترا. بيد أنهم نجوا دون أن يلحق بهم أذى بالغ لسقوطهم على كومة من السماد العضوي.
أشعل هذا الحدث المعروف باسم الرمي الثاني من نافذة براغ الثورة البوهيمية. وسرعان ما انتشارت في كافة أنحاء بوهيميا الكبرى أي بوهيميا وسيليزيا ولاوزيتس ومورافيا. وكانت مورافيا متورطة أصلا في صراع بين الكاثوليك والبروتستانت.
كان الصراع ليبقى محليا وما كانت الحرب لتستمر. لولا أن وفاة الإمبراطور ماتياس شجعت زعماء التمرد البروتستانت وهم الذين كانوا على وشك التوصل إلى تسوية. أدى ضعف كل من فرديناند (الآن أصبح رسمياً الإمبراطور) والبوهيميين إلى اتساع رقعة الحرب إلى ألمانيا الغربية. واضطر فرديناند لطلب المساعدة من ابن أخيه الملك فيليب الرابع ملك إسبانيا.
تهور البوهيميين من أجل الحصول على حلفاء ضد الإمبراطور، فطلبوا الانضمام إلى الاتحاد الإنجيلي والذي يقوده مرشحهم الأول لعرش بوهيميا الكالفيني فريدريك الخامس ناخب بالاتينات وألمحوا له أنه سيكون كذلك لو سمح لهم بالانضمام للاتحاد وتحت حمايتها، وهي نفس الوعود التي قدمها أعضاء آخرون من الدول البوهيمية إلى كارلو إمانويلي الأول دوق سافويا ويوهان جورج ناخب سكسونيا، وغابرييل بتلن أمير ترانسيلفانيا. يكشف الدعم الكبير للبوهيميين خاصة في ساكسونيا انقسام النمساويين.
رجحت كفة البوهيميين عند بداية التمرد. فقد انضم لثورتهم الكثير من نبلاء النمسا العليا اللوثرييين والكلفنيين، وما لبثت النمسا السفلى أن انتفضت عام 1619، وحاصرالكونت تورن بجيشه فيينا نفسها، وفي الشرق قاد أمير ترانسيلفانيا البروتستانتي حملة قوية إلى المجر بدعم من السلطان العثماني. بادر الإمبراطور الذي كان مشغولا بحرب الأسكوك بإعداد جيش لوقف اجتياح البوهيميين وحلفائهم لكامل لبلاده. فهزم الكونت بوكوي قائد الجيش الإمبراطوري قوات من الإتحاد البروتستانتي بقيادة الكونت مانسفيلد في معركة سابلات في العاشر من يونيو 1619. مما أدى لقطع اتصالات الكونت تورن مع براغ فتخلى عن حصار فيينا، كما تكلفت هزيمة سابلات البروتستانت حليفهم الهام الآخر كارلو إمانويلي الذي لطالما عارض توسع آل هابسبورغ. كان كارلو إمانويلي قد أرسل فعلا أموالا ضخمة للبروتستانت وحتى جنودا إلى حامية القلاع في بلاد الراين، كشف أسر المستشار الميداني لمانسفيلد مشاركة دوق آل سافويا فأجبر على الخروج من الحرب.
رغم هزيمة سابلات، ما زال وجود جيش الكونت تورن يشكل قوة فعالة، وكذلك تمكن مانسفيلد من إعادة تنظيم جيشه في شمال بوهيميا. وقعت النمسا العليا والسفلى التي ما زالت تحت سيطرة الثوار تحالفا مع بوهيميين أوائل أغسطس. وفي 17 أغسطس 1619 عُزل فرديناند رسمياُ عن عرش بوهيميا واستبدل فريدريك الخامس ناخب بالاتينات. في المجر ورغم نكث البوهيميين لوعودهم فيما يتعلق بالتاج استمر الترانسلفانيون في إحراز تقدم مدهش، وقد نجحوا طرد جيوش الإمبراطور من البلد بحلول عام 1620.

كونت تيلي يوهان تسيركلايس قائد الجيوش البافارية الإمبراطورية
أرسل الإسبان جيشا من بروكسل بقيادة أمبروسيو سبينولا لدعم الامبراطور. إضافة إلى ذلك أقنع السفير الإسباني في فيينا الدون إنييغو فيليس دي أونياتي بروتستانت ساكسونيا بالتدخل ضد بوهيميا في مقابل الحصول على لاوزيتس، فغزا الساكسونيون البوهيميين ومنع الجيش الإسباني في الغرب قوات الإتحاد البروتستانتي من مساعدتهم. تآمر أونياتي لنقل اللقب الانتخابي من بالاتينات إلى دوق بافاريا مقابل دعمه والرابطة الكاثوليكية.
تحت قيادة الجنرال يوهان تسيركلايس كونت تيلي قامت قوات الرابطة الكاثوليكية (كان في صفوفها رينيه ديكارت) بتهدئة الأوضاع النمسا العليا، في حين أن قوات الإمبراطور فعلت ذات الأمر في النمسا السفلى. وتحرك الجيشان المتحدان نحو شمال بوهيميا. وحقق فرديناند الثاني انتصار حاسما على فريدريك الخامس في معركة الجبل الأبيض بالقرب من براغ في الثامن من نوفمبر سنة 1620. فضلا عن كثلكتها ستبقى بوهيميا في قبضت آل هابسبورغ لما يقارب الثلاثمائة سنة نتيجة لذلك.
أدت هذه الهزيمة إلى انحلال رابطة الإتحاد الإنجيلي وفقدان فريدريك الخامس لأملاكه. فقد جردته الإمبراطورية الرومانية المقدسة من حقوقه وأعطيت أراضيه في بالاتينات الراينية إلى نبلاء كاثوليك. وأعطي لقبه ناخب بالاتينات لابن عمه البعيد ماكسيمليان دوق بافاريا. الآن بات فريدريك لا يملك أرضا، وجعل نفسه منفيا معروفا في الخارج، يبحث عن دعم لقضيته في السويد وهولندا والدانمرك.
كانت هذه ضربة قاصمة للطموحات البروتستانتية في المنطقة. وأكد انهيار التمرد ومصادرة الممتلكات على نطاق واسع وقمع نبلاء البوهيميين أن البلد ستعود إلى الجانب الكاثوليكي بعد أكثر من قرنين من الهوسية والتناحرات الدينية. أخذ الإسبان الساعين لتطويق الهولنديين تحضيرا للتجدد حرب الثماني سنوات بالاتينات أرض فريدريك. أنتهت المرحلة الأولى من الحرب في شرق ألمانيا في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1621 بتوقيع أمير ترانسيلفانيا والإمبراطور صلح نيكولسبورغ الذي أعطى ترانسيلفانيا عددا من أراضي المجر الملكية.
يعتبر بعض المؤرخين الفترة ما بين عامي 1621-1625 جزء متميز من حرب الثلاثين عاما تسمى ب”المرحلة بالاتينات”. بعد الهزيمة الماحقة للجيش البروتستانتي في جبل الأبيض ورحيل أمير ترانسيلفانيا هدأت أوضاع بوهيميا الكبرى. ومع ذلك فان الحرب في بالاتينات تواصلت. تتكون هذه المرحلة من الكثير من المعارك الأصغر، ومعظمهم الحصارات قام بها الجيش الأسباني. سقطت مانهايم وهايدلبيرغ في عام 1622 ثم فرانكنتال تم بعد ذلك بعامين، مما جعل بالاتينات في قبضت الإسبان.
هربت بقايا الجيوش البروتستانتية بقيادة مانسفيلد وكرستيان من براونشفايغ إلى هولندا. ورغم أن وصولهم ساعد على فك حصار بيرغن أو زوم لم يكن بوسع الهولنديين توفير مأوى دائم لهم خوفا من ملاحقتهم فيها ومن ثم فقدانهم لأراضيهم. فدفعوا لهم مقابل ذلك وأرسلوهم لاحتلال شرق فريزلند المجاورة. بقي مانسفيلد في هولندا، ولكن كرستيان جاب الأرض من أجل “مساعدة” قريبه في دائرة ساكسونيا السفلى مثيرا حفيظة تيلي. مع أنباء عدم مساعدة مانسفيلد له تراجع جيش كرستيان مطردا نحو الأمن على الحدود الهولندية. في السادس من أغسطس عام 1623 لحق بهم جنود تيلي الأكثر انضباطا على بعد 10 أميال من الحدود الهولندية. فاندلعت معركة شتاتلون التي هَزم تيلى فيها كرستيان هزيمة ساحقة مبيدا أكثر من أربعة أخماس جيشه الذي ضم حوالي 15000 مقاتل. بعد هذه الكارثة أنهى فريدريك الخامس الموجود في المنفى في لاهاي تورطه في الحرب تحت ضغط متزايد من حماه جيمس الأول، متخلياً عن أي أمل في إطلاق المزيد من حملات. لقد سُحق التمرد البروتستانتي.
التدخل الدانماركي

من 1625 إلى 1629 م
مقدمة
كانت الدنمارك بصفتها مملكة بروتسنتية متخوفة من كون وجودها واستقلالها مهددا. حاكم الدنمارك في فترة حرب الثلاثين عاما، كرستيان الخامس (وقد كان دوق هولشتاين أيضا) كان قد وصل بدولته لمستوى عال من الثبات والأمن والاقتصاد المنتعش مالم تصله أغلب دول أوروبا كما أن نفوذه بدأ يقوى في الأراضي الألمانية.
بدأت فترة التدخل الدنماركي عندما قام كرستيان الخامس ملك الدنمارك والذي كان لوثريا بإرسال جيش لمحاربة الإمبراطورية الرومانية دعما للوثريي شمال ألمانيا. عين كرستيان الخامس مسؤولا لجيشه في ساكسونيا السفلى (شمال ألمانيا) وزاد عدد جنوده 20000 ألف مقاتلا في تلك المناطق. بسبب هذه التحركات العسكرية، وازدياد نفوذ كرستيان في مناطق شمال ألمانيا، أرادت الإمبراطورية الرومانية المقدسة وضع حد للدنماركيين وإيقافهم توغلهم في أراضي أوروبا.
بعد هذه الأحداث، طلب فيرديناند الثاني مساعدة عسكرية من أحد نبلاء بوهيميا وهو ألبرخت فان فالنشتاين. كان فالنشتاين رجلا ذا نفوذ، وكان قد جمع ثروة طائلة بمصادرته أموالا وعقارات من قبل البوهيميين أنفسهم، كما كان عنده ما يتراوح بين 30 ألف و100 ألف جندي. وافق فالنشتاين على مساعدة فيرديناند شرط أن تمنح للأول الأراضي الجديدة المحتلة.
رد الإمبراطورية الرومانية
فاجأت قوات فالنشتاين مشتركة مع قوات الجنرال تيلي قوات الملك كريستيان الدنماركي، الذي لم يكن يعلم بوجودها في الأصل، كما لم يسمع بتحركاتها نحو أراضيه؛ فاضطر كرستيان إثر ذلك إلى الانسحاب، ولم تجد محاولات كرستيان بالاستعانة بحلفائه، ففرنسا كانت تعيش حربا أهلية، والسويد كانت تخوض حربا ضد بولندا، وإنجلترا كانت تعيش فترة سيئة في تاريخها بسبب المشاكل الدينية والانقسامات بين البروتستانت من جهة وأيرلندا الكاثوليكية التي ترفض حكم الإنغليز وتسبب لهم المشاكل، فكانت مقسمة ضعيفة، وحتى المقاطعتان الألمانيتان، ساكسونيا وبراندنبورغ، فضلتا عدم التورط في الحرب والجنوح للسلم.
هزمت قوات فالنشتاين قوات مانسفيلد البروتسنتي في معركة جسر ديساو (1626 م) وخسر مانسفيلد أكثر من نصف جنوده ومات بعدها بعدة أشهر. كما هزم الدنماركيون من قبل قوات الجنرال تيلي في معركة لوتر (1626 م).
[عدل]سقوط الأراضي الدنماركية
قامت قوات فالنشتاين بالتحرك شمالا تجاه مناطق الدانماركيين، فاحتلت مكلينبيرج، وبومرانيا (مناطق ألمانية جنوب الدانمارك) حتى وصلت ليوتلاند أو شبه الجزيرة الدانماركية وسيطرت عليها، إلا أن تلك القوات لم تستطع الوصول إلى جزيرة زيلاند (توجد في هذه الجزيرة مدينة كوبنهاجن عاصمة الدنمارك)، حيث لم تكن تملك أي أساطيل بحرية تساعدها في الوصول إلى مبتغاها، كما أن مدن الرابطة الهانزية الموجودة في المنطقة لم تسمح لقوات فالدشتين ببناء أي أسطول على موانئها. اتجه فالدشتين إلى السواحل الألمانية على البلطيق حيث مدينة شترالسند الواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا، وذلك بعد أن يئس من تجاوب موانئ الدنمارك لمطالبه بالإضافة إلى أن ميناء هذه المدينة يحوي المصانع والأدوات اللازمة لبناء أسطول بحري كبير كاف لأداء مهمة احتلال كوبنهاجن والجزر الدنماركية الأخرى، إلا أن بناء الأسطول البحري لم يكتمل إذ أن تكلفته كبيرة مقارنة مع الفائدة التي ستجنى إذا اكتمل غزو الدنمارك.
[عدل]معاهدة لوبيك
أدت هذه الظروف إلى توصل الأطراف المتنازعة إلى اتفاقية لوبيك عام 1629 م، وتنص هذه الاتفاقية على استرجاع الملك كرستيان الخامس الأراضي الدنماركية مقابل تخليه عن نصرة البروتستانت في الأراضي الألمانية، وتوقفه عن التدخل في شؤون تلك الأراضي، وكنتيجة مباشرة لهذه المعاهدة ازداد نفوذ الكاثوليك في هذه مناطق الشمال الألماني.
[عدل]مرسوم إعادة الوضع
في هذه الأثناء يمكن القول أن الحرب بدأت تضع أوزارها. قام أفراد العصبة الكاثوليكية بإقناع فيرديناند الثاني باسترداد الممتلكات اللوثرية والتي كانت وفقا لصلح أبسبرج من حق الكاثوليك. قام فيرديناند بإصدار مرسوم إعادة الوضع عام 1629 م (إعادة تنفيذ بنود صلح أبسبرج)، وعمل على استرداد 16 أسقفية ومئات الصوامع والدير. سقطت جميع أراضي ألمانيا عدا مدينة شترالسند التي صمدت بفعل الدعم الدنماركي ثم السويدي.
[عدل]التدخل السويدي

من1630 إلى 1635. في عام 1630 قرر ملك السويد غوستافوس أدولفوس أن يتدخل في الحرب وقال لشعبه “كما تتبع الموجة موجة أخرى، كذلك سيأتي الطوفان البابوي إلى شطآننا”وأمر جنوده بالاستعداد للتحرك.
نزل على شاطئ ألمانيا الشمالي ووصل كبطل لينقذ البروتستانت وكان أكثر قوة من الملك كرستيان الدنماركي.
مرة أخرى تختلط المصالح الدينية بالدنيوية فقد كان ملك السويد ينوي السيطرة على الرابطة الهانسية وتحويل البلطيق لبحيرة سويدية واستطاع على الرغم من فقر بلده أن يزودها بجيش مجهز جيدا بالإضافة إلى الدعم من الكاردينال الفرنسي ريشيليو.
أصبحت في يد غوستاف أدولف القوة وكانت لديه المهارة التخطيطية ليغير مسار الحرب فشن حملة على مدينة ماغدبورغ عندما احتلت من قبل الإمبراطوريين فأحرقت ونهبت وقدر الجنرال بابنهايم الذي احتل المدينة أن 20000 شخص قتلوا، وكان هذا في مايو من العام 1631. انتصر غوستاف لاحقا في نصرين حاسمين هما معركة برايتنفلد في 17 سبتمبر 1631 ومعركة لوتزن في 16 نوفمبر 1632 ومات فيها برصاصة من الخلف إما بالخطأ أو من قبل خائن. لكن تدخله هذا كان قد قلب الطاولة على الجميع فها هو فالنشتاين يتراجع نحو مقره الشتوي ويقوم بمتفاوضات حيرت المؤرخين فقد حاول وضع نفسه كوسيط بين البروتستانت ومحكمة فيينا أكثر الإمبراطوريين تطرفا الذين دعوا الأسبان للانضمام، وربما كان هذا بدافع وطني لتوحيد ألمانيا لكن اغتياله عام 1634 ألغى كل خططه، ومع أن الإمبراطور لم يتورط بشكل مباشر في اغتياله إلا أنه كان قد كافأ قاتله.
التدخلات اللاحقة

من 1635 إلى 1645. ارتأت أسبانيا أن الأفضل لها أن تتحرك ضد هذه التهديدات المتواصلة فضربت البروتستانت عندما هزمتهم في معركة نوردلينغن في 5 سبتمبر 1634 وبعد موت فالنشتناين وغوستاف أدولف كانت السويد قد أصبحت قوة في ألمانيا على يد جنرالاتها بعد أن تولت كرستينا ابنة غوستاف أدولف الحكم بعد موته وهي طفلة في السادسة وفي عام 1642 انتصروا في معركة لايبزيغ الثانية وهددت بوهيميا والنمسا مركز أسرة هابسبورغ.
لكن الانتصارات أصبحت سويدية أكثر منها بروتستانتية مما أخاف كريستيان الرابع ملك الدنمرك من السويد القريبة أكثر من النمسا البعيدة فأعلن الحرب عليهم لكنه انهزم وتم غزو أراضيه مجددا وأخذت منها يامتلاند وهالاند وجزيرتي أوسل قرب إستونيا وغوتلاند مما أدى لترك الدنمرك الحرب.
قررت فرنسا التدخل طالما أنها لم ترى أن الدعم كافي فعبرت قواتهم الراين لتشترك في النزاع وتلاحمت مع الجيوش الأسبانية في روكروا في 19 مايو 1643 لتقوم بتحطيم قوة مشاتها التي لا تقهر، ثم وقع صدام بين الإمبراطوريين والبروتستانت في معركة يانكوف في بوهيميا يوم 5 مارس 1645 كان النصر فيها للبروتستانت.
كانت الدنمرك قد استسلمت وأعلنت اتفاقية سلام منفردة مع السويد في 1645 تدعى اتفاقية برومسبرو ومات كريستيان ملكها بعد ثلاث سنوات عام 1648 في حكم استمر على بلاده استمر 59 عاما. وفي نفس السنة أعلن صلح وستفاليا منهيا الحرب بهزيمة هابسبورغ وانتصار السويديين والفرنسيين.

زمن الدولة التي تفكر

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

نحن في زمن الدولة التي تفكر، ففي السابق كان لديها القسر. لم يحدث في التاريخ أن احتاجت الدولة إلى استخدام الأفكار في فرض هيمنتها مثلما تحتاجها اليوم، حين أصبح الناس يقرأون ويتابعون ويتفاعلون عبر الإنترنت.

وهنا نتحدث عن الدولة العربية الحديثة. فتاريخيا، عاشت المنطقة العربية مرحلتين، الأولى كانت وقت قرون الخلافة حين ترامت أجزاء الأمّة وتوسعت، وأصبحت المناطق الشاسعة في انعزال طبيعي عن المدن الكبرى والمراكز الإدارية التي كانت أضعف من أن تسيطر على كل هذه المناطق، فكانت الأفكار والملل بذلك موزعة ومتنوعة ولديها حيز للوجود. ولم يكن التاريخ قسرياً ولا منمّطا كما يتصور البعض، حيث إن قراءتنا للتاريخ تفشل في قراءة السائد والعمومي وتركز على قراءة الأحداث اللافتة التي لا تعني شيئاً كبيراً بحسب نظريات “التاريخ الجديد”.

المرحلة الثانية هي مرحلة الدولة العربية الحديثة التي، منذ أكثر من نصف قرن، لم تكن محتاجة إلى أن تستخدم الأفكار لأنها دولة شمولية وتستخدم القسر. استخدمت فقط أفكارا وخطوطا عريضة وكانت تملك كل الأدوات والقدرات لأن تجبر الناس على تصديق “الحكاية الكبرى” واتباعها. لكن اليوم لم تعد الدولة حرة ومطلقة اليد في تفعيل الاضطهاد والقسر، لوجود المراقبات الدولية، والمجتمع المتعلم، والإعلام والشبكات الاجتماعية.. لكل هذا اضطرت الدولة أن تخوض في المرحلة الثالثة.

في المرحلة الثالثة وجدت الدولة نفسها أمام مجتمع متعلم، يطمح بعضه إلى الحرية التي تُعنى بتقليل مظاهر السلطوية، ولديه الكثير من الأفكار التي كان محظوظا أن وجد وسائل تساعده على التعبير عنها، مثل الإنترنت. تلاحظ الدولة يوما بعد يوم أن الناس تتزايد أفكارهم، ويتلاحم منطقهم الذي أًصبح مهددا لمنطق الدولة ودعائيتها التقليدية. من هنا احتاجت الدولة، التي كانت طوال عمرها دولة “ضابطة للأفكار”، إلى استراتيجيات جديدة كي تبقى مسيطرة، والأهم كي تحيا في زمن تموت فيه الأشياء المزيفة ومن بينها “الحكايات الكبرى” التقليدية.

إن دخول الدولة إلى عالم الأفكار أمر متجدد، فالدولة جهاز ضخم ومعقد يطمح للسيطرة، وتتنوع أطوار هذه الهيمنة بحسب الزمان. تحدث بعض مفكري العصر الحديث عن نوع “ثقافي” حديث للهيمنة، أخطر من الهيمنة السياسية والاقتصادية. فالمُهيمَن عليه حين يتبنى أفكار المهيمِن، سيعمل طواعية لتلبية ما يريد هذا الأخير.

وتتناغم هذه المقاربة الحديثة للهيمنة مع ما حدث تاريخياً. ففي صدر الإسلام تبنى بنو أمية فكرة “الجبر” كأساس لهيمنتهم، وكانوا يقسرون الناس بالقوة على قبول ذلك. ذكر الجابري أن الطاعة “تُفرض في أولية الدولة على الأجسام بالقوة والسلاح. ولكنها في فترة الضعف تُطلب باسم الدين”(العقل الأخلاقي العربي، 149). هكذا تسربت مفاهيم الطاعة ثقافياً مع كتبة بني أمية ومع رجال الدين، والمتلقي لهذه الثقافة أصبح هو نفسه من يفرش المسرح لرقصة الاستبداد.

والدولة ذات بُنية تتكون من حقول بيروقراطية وإدارية ينشط فيها فاعلون تحتكر الدولة صياغة تصنيفاتهم الأساسية من كفاءات وسواها، ويأتون عبر سياقها الذي تصنعه. الدولة بذلك -كما يرى بورديو- تساهم في إنتاج وإعادة إنتاج الواقع الاجتماعي بكل ثقل. ومن هنا نحن قد نتحدث عن واقع اجتماعي مختطف وأسير، يفتقد ذاته كمرجعية تساعده على المضي إلى الأمام. ويسوء الأمر إن كانت الدولة ذات عصب وبنية تسلطية.

والدولة العربية ذات أساس مؤسسي تسلطي متين. لقد تم تشييد هذه الأركان منذ البداية على شمولية، نجحت في فرض القوة والقسر والخطاب الأحادي، وأعقبت سجلا متواضعا لحقوق الإنسان، ولم تقدم بجوار ذلك سوى تنمية محدودة، ورعاية لم ترع القيمة العليا للإنسان: استقلاله وحريته.

رأى خلدون النقيب أن الدولة الخليجية دخلت مرحلة الدولة التسلطية منذ ترسّم ثقافة “الريع” سريعاً بعد ولادتها منتصف القرن العشرين، وهي لا تزال حتى اليوم في ظل ذلك الوضع القائم status quo نفسه.

إن الفترة القسرية حال “إنشاء الدولة” هي حالة استثناء لا يفترض اتخاذها كمثال. هنالك بنيوية رسمتها الدول في بداياتها لا يفترض أن تمثل “إطاراً” وهيكلا مستمرا لحركة الدول. وهناك أعراف ساهمت الدولة في صنعها في ذلك الظرف التاريخي ليس لها أن تكون المرجع الاجتماعي والأخلاقي. لقد احتكرت الدولة هذه المجالات وذهبت فيها بعيداً، ووصلنا إلى مرحلة يطالب فيها مسؤولون بالصحف بما سمّوه “هيئة أمنية لمراقبة الأفكار”!. إن الدول التي لا تتمرحل في بنيتها وتركيبتها السياسية ذات وضع صعب، يُذكر وضعها بعبارة مخيفة لابن خلدون “إن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع”.

إن الظرف التاريخي لبناء الدولة مرحلة تستفرد فيها هذه الأخيرة بمجالات مختلفة. تبعاً لذلك استقال الفرد من هذه المجالات، وأصبح يشعر بالغربة والضعف من أن يفهم ويدخل ويعرّف هذه المجالات (مثل المجال الأمني). يشبه هذا الأمر امتداح ابن خلدون لثقة البدو مقابل الحضر، لأن الأخيرين ركنوا للراحة “ووكلوا أمورهم في المدافعة عن أحوالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم”.

من المهم أن نعرف ما هي وسائل الدولة العربية الحديثة أمام هذا المد من “أفكار الناس”؟. والحديث هنا عن الدول التي لم تفتح مجالاً للممارسة والمشاركة السياسية. لم يعد تفعيل النخب القديمة وتوظيفها مفيداً مع تغير الزمن. فهذا التنوّر الجديد لدى الطبقات الشبابية الجديدة إنما أبرز صدره في الأساس تجاه هذه النخب التقليدية، أمام زيف رجل الدين، وإقطاعية شيخ القبيلة، ومصلحية التاجر، وخيانة المثقف والإعلامي..

من هنا أرادت الدول أن تتجاوز طرقها التقليدية، وتفكر من جديد في سبل الحفاظ على الهيمنة من وجوه أخرى. الجزء المتبقي من المقال يذكر بعض الوجوه الحديثة التي تستخدمها الدول للمحافظة على الهيمنة:

الجانب الاقتصادي. وهو الجانب الأهم في حكايات الهيمنة. نظام الاقتصاد السياسي الريعي سائد في الدول العربية، وله تاريخ ممتد مع الهيمنة. لقد استبدل هذا النظام ثقافة الحقوق بثقافة الامتيازات؛ الامتيازات التي أصبحت مدخله المفضل للمساومة. دولة خليجية، على سبيل المثال، هددت من يقدم تصريحا إعلامياً غير مقبول لديها بالفصل من وظيفته. والوظيفة الحكومية كما نعرف هي عصب الحياة لدى المواطنين!. دولة خليجية أخرى هددت موظفي الجمارك الذين عزموا على الإضراب بأنها ستقوم بفصلهم وجلب “عمالة أجنبية” عوضاً عنهم.

الريع نظام يلجأ دوماً للحلول السهلة بالنسبة له، ويعمل على توفير البدائل عبر المال الوفير. النظام الريعي نظام مخيف، فهو قد يستغني عن الشعب نفسه. أي يستغني عن إنتاجه وأفكاره ومختلف تفاعلاته مع أجهزة الدولة.

تجديد الحكايات الكبرى. ويتم ذلك في السياق الثقافي والديني. في السابق كان يتم تصوير الديمقراطية ومختلف أنواع الحداثة الثقافية أنها مسارات تغريبية وخارجة عن السياق الشرعي. اليوم انخرط الناس في مختلف وجوه الحداثة، وتعارفوا على أهمية الديمقراطية. من هنا تم الانتقال لحكاية أخرى تقول: إن القوى التي فازت في الديمقراطية إنما تستخدمها لأجل “السلطة”. وهذا واضح في عملية تجريم الإسلاميين الواسعة في العالم العربي اليوم، مع أنهم في المرحلة الأخيرة مارسوا السياسة لا أكثر. إنها عملية إعادة انتاج مستمرة يقوم بها الطرف القوي.

الإنترنت وقوة الدولة مقابل الفرد فيه. الإنترنت وقدرة الناس فيه على كسر الحكايات الرسمية أعطت الناس في مختلف أنحاء العالم قوة للتعبير، لكن يبدو أن هذا كله كان مؤقتا. فمختلف السلطويات اليوم أعادت تنظيم نفسها، وأثبتت الحكومات والشركات الرأسمالية أنها تتقدم على الفرد دائما. في السابق استفاد الأفراد لفترة من خدمات مجانية وفرها الإنترنت، لكن الشركات اليوم تعود لفرض رسومها من جديد، كالصحف مثلا. أيضا الإنترنت كشف للناس أشياء كثيرة، لكنه يكشف للقوى المهيمنة أشياء أكثر. وما فضيحة التجسس الأميركي “على العالم” مؤخرا عبر الشبكات الاجتماعية الكبرى إلا جزء من ذلك.

احتكار المجال العام، والسيطرة على المجالات المتنوعة في داخله. هنالك حضور هيمنة للدولة الشمولية في مجالات متنوعة كالثقافي والديني والتربوي ومؤسساتها. وهي تقدم آليات احتواء للنخب والقيادات الجديدة، وتمارس سياسات إقصاء تضعف من بروز النخب والقيادات المتباينة معها من كل مجال، أو سياسات عقاب منها عدم التوظيف والمنع من السفر والنشاط والظهور، هذا إذا لم يصل الأمر إلى اعتقال. إن المرجع في صناعة نخب المجتمع في سياق كهذا ليس المجتمع الذي يعتبر مجردا من بعض حقوقه. فبلا حق تجمع وحق تعبير، كيف سيذهب مجتمع إلى خطوته التالية؟!.

لابد أن نعرف أن الدولة كجهاز لن تفكر لأجل الناس، إلا حين يكون الناس موجودين في داخل الدولة ولهم سهم المشاركة فيها. أمّا جهاز الدولة المنعزل عن الناس والمشرف عليهم والراعي لهم فلن ينجح وحده في التفكير لهم، وإنما سيظل دوماً كما كان.. يفكر دوماً في السيطرة عليهم وعلى أفكارهم.