أ.د. أحمد محمد وهبان

اقليمي الالزاس واللورين

كاتب الموضوع الأصلي: ماجد العتيبي 246

الجغرافيا

الألزاس واللورين إقليم في الشمال الشرقي من فرنسا، على الحدود الألمانية الفرنسية، يغطي حوالي 31,828 كم². تقع سويسرا في جنوبه، ولوكسمبرج في شماله. ويشبه هذا الإقليم شكل الرقم “7″. يضم إقليم الألزاس، الذي يشكل ذراع الشمال ـ الجنوب، منطقتين إداريتين هما الراين العلوي، والراين السفلي. ويشكل إقليم اللورين ذراع الشرق ـ الغرب. وهو مقسم إلى مقاطعات هي موزيل، مورته وموزيل، موزيه، ڤوزجيه.

يعيش في الألزاس واللورين حوالي 4 ملايين نسمة، وينتمي معظمهم للكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وظل السكان مئات السنين، نصفهم فرنسي، والآخر ألماني. وأهم منتجات هذا الإقليم القمح، والجاودار، والشعير، والشوفان، والنبيذ الأحمر والأبيض. وتشمل الثروات المعدنية، الحديد الخام من اللورين، والبوتاس من الألزاس. وتقدم مقاطعة جبال فوزجيه الغربية الأخشاب، والفحم، والملح. وتوفر أنهار هذه المنطقة الطاقة الكهربائية. وتقوم أيضًا في الألزاس واللورين صناعة نسيجية مهمة.

يؤلف إقليم الألزاس واللورين مثلثاً ضلعه الشمالي الحدود مع بلجيكة ولكسمبورغ وألمانية، وضلعه الشرقي الحدود مع ألمانية وضلعه الغربي حوض نهر الموزل وامتداد الضلع حتى جبال الجورا. ويشغل مساحة قدرها 31.827كم2، منها 23.547كم2 مساحة اللورين و280.8كم2 مساحة الألزاس (مساحات الوحدات الإدارية).

تحتل مقاطعة الألزاس القسم الشرقي من الإقليم وتؤلف شريطاً أرضياً لوادي نهر الراين محصوراً بين النهر في الشرق وجبال الفوج في الغرب. وهو سهل يراوح ارتفاعه بين 100- 250م فوق سطح البحر، طوله نحو 130كم بعرض يقع بين 16 – 40كم، شقت فيه قناة ملاحية موازية لمجرى النهر تربط مدينة بال (بازل) بمدينة ستراسبورگ.

أرض الألزاس مكونة من التوضعات اللحقية ـ النهرية، يغلب عليها اللوس والرمل والحصى والغضار (الصلصال) من الحقب الرابع الجيولوجي. وهي ذات مناخ قاري ترتفع حرارتها صيفاً إلى أعلى من 18درجة مئوية وتنخفض شتاءً إلى الصفر. أما أمطار الألزاس فتقدر بنحو 560مم سنوياً.

وفي جبال الفوج الفاصلة بين الألزاس واللورين تزيد الارتفاعات على 700م تصل أعلى قممها إلى 1423م، فتزداد كميات الأمطار إلى أكثر من 2500-3000مم وتنخفض حرارات الشتاء إلى أقل من -10 درجات. وينبع من جبال الفوج الكثير من الأنهار الصغيرة الرافدة لنهر الراين.

أما مقاطعة اللورين فتمتد غرب جبال الفوج، وتؤلف حوض المجرى الأعلى لنهر الموزِل. وتتكون أرضها من صخور يغلب عليها الكلس وصخور رسوبية أخرى من العصرين الترياسي والجوراسي من الحقب الجيولوجي الثاني، ترسم طبقاتها القاسية جروفاً من نموذج الكربات (ج: كَرْبة) أي الضلوع المعروفة بالكويستا Cuesta وتعرف محلياً بالكوت Cote، وترتفع حتى 400م فوق سطح البحر، في حين يقع الارتفاع العام للمقاطعة بين 275- 300م وسطياً، مكوناً سهلاً ينحدر غرباً باتجاه الحوض الباريسي. أما درجات الحرارة في اللورين فتراوح متوسطاتها بين 1 و-2 شتاء و17 – 19 درجة مئوية صيفاً، ومعدلات أمطارها بين 600 – 1200مم سنوياً. وصل عدد سكان الإقليم إلى 1.729.863 نسمة في الألزاس و2.308.158م نسمة في اللورين عام 1999 (المجموع 4.038.021 نسمة)، يعيش منهم قرابة 263.683 نسمة في حاضرة الإقليم ومركز مقاطعة الألزاس ستراسبورغ[ر] وفي مدن أخرى في الألزاس (مولوس ـ مولهاوز Mullhouse، وكولمار Colmar) وفي اللورين (ميتز Metz مركز المقاطعة وعدد سكانها قرابة 118.000، ونانسي Nancy وإبينال Epinal، وتيونفيل Thionville وغيرها) وفي قراه الكثيرة التي يسكنها أكثر من 30% من السكان، من هؤلاء قرابة 1.2 مليون نسمة يعرفون بالألزاسيين ـ اللورينيين، وهم الذين يتكلمون اللغة الألمانية إلى جانب اللغة الرسمية الفرنسية. إذ تظهر الازدواجية اللغوية في الإقليم بوضوح في أسماء الأماكن والمظاهر الاجتماعية ـ الثقافية المختلفة. التي تظهر الجذور المشتركة لأصول كلتية، فرنسية، جرمانية قديمة للسكان.

أما اقتصادياً فإن إقليم الألزاس واللورين واحد من أقاليم فرنسة الغنية والمزدهرة. فمقاطعة اللورين غنية بمكامن الحديد والفحم الحجري والملح، والألزاس غنية بتربتها الزراعية السهلية وبيئتها المناسبة لانتشار شتى أنواع الزراعات، وبمكامن البوتاس.

في الحقل الصناعي تقوم في اللورين صناعات الصلب والحديد والآلات وخاصة حول نانسي وتيونفيل قرب حقل اللورين للحديد. كما تنتشر في المقاطعة صناعة الآلات والزجاج والتعدين في مدن صناعية صغيرة. ويعد وادي الموزيل في اللورين واحداً من أهم الأقاليم الصناعية الفرنسية.

وتعتمد الصناعات في مقاطعة الألزاس على المواد الأولية الزراعية ومكامن البوتاس فيها بالدرجة الأولى فتأتي الصناعة النسيجية (الصوف والقطن) في المقام الأول في مصانع مدينة مولوس ومنطقتها. إضافة إلى تعدين البوتاس وتصنيعه (مخصبات) والصناعات الكيمياوية والخشبية والورق في الوادي والجبل (الفوج)، وإنتاج نحو 50.000 طن من النفط سنوياً. وتعد مدينة ستراسبورغ قطباً صناعياً مهماً في الإقليم، ففيها وحولها صناعات متنوعة مثل صناعة السفن النهرية خاصة والكيمياويات والكهربائيات والجعة والدباغة والتعليب والطباعة (غوتنبرغ مخترع آلة الطباعة من أبنائها) وغيرها.

ويشتهر الإقليم بزراعة الحبوب وخاصة الشعير (لصنع الجعة)، والبطاطا وحشيشة الدينار والكرمة والفاكهة والخضر ولاسيما في الألزاس وعلى مقياس أقل في اللورين التي تعنى بتربية الأبقار أيضاً. ويعد الإقليم من المراكز المهمة للمواصلات النهرية والقنوات المرتبطة بها، وكذلك للمواصلات البرية بين فرنسة وألمانية ولوكسمبورغ وبلجيكة وسويسرة ولاسيما في قطاعه الشرقي (الألزاس).
التاريخ

ظلت الألزاس واللورين لفترة طويلة منطقة نزاع بين فرنسا وألمانيا. وطردت الفرق التيوتونية القبائل السلتية في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وأقامت في الإقليم. ثم أصبحت المنطقة في أواخر القرن الثامن الميلادي، جزءًا من إمبراطورية شارلمان. فكانت من نصيب المملكة المتوسطة الواقعة بين ألمانيا وفرنسا، عندما اقتسم أحفاد شارلمان الإمبراطورية. لكن الألزاس واللورين سرعان ما عادت إلى الانضواء تحت الحكم الألماني.

هذه المناطق أصبحت جزءاً من فرنكونيا الشرقية في 921 في عهد الملك لويس الألماني، ولاحقاً أصبحت جزءاً من الامبراطورية الرومانية المقدسة.

بقيت الألزاس واللورين تحت الحكم الألماني حتى القرن السادس عشر الميلادي، عندما استعادت فرنسا السيطرة عليها تدريجيًا، عندما تنازلت عن متز لمملكة فرنسا. وكافح الشعب ضد الجهود الرامية إلى جعلها فرنسية. لكن الثورة الفرنسية عام 1789م أحدثت تغييرًا في الصميم. فأصبح الشعب الألزاسي ذا روح فرنسية، حيث انتقل إلى فرنسا أكثر من خمسين ألفًا، عندما استولت ألمانيا على كل الألزاس تقريبًا عام 1871م.

وافق الألمان على التنازل عن الألزاس واللورين بعد الحرب العالمية الأولى. واستعادوا السيطرة على الإقليم في الحرب العالمية الثانية. وقاموا بترحيل آلاف الناس خارج الإقليم، واستبدلوهم بألمان وبولونيين، وروس. لكن الحلفاء طردوا الألمان من الألزاس واللورين في عامي 1944 ـ 1945م واستعادت فرنسا السيطرة على الإقليم كله مرة أخرى.

وأصبحوا تدريجياً جزءاً من فرنسا بين 1552، عندما تنازلت عن متز لمملكة فرنسا و 1798، عندما انضمت جمهورية ملهوس الجمهورية الفرنسية. وبعد الحرب الفرنسية الپروسية عام 1870، ضمتها الامبراطورية الألمانية حديثة التكوين في 1871 حسب معاهدة فرانكفورت وأصبحت رايخسلاند.

دخلت القوات الفرنسية الألزاس واللورين في نوفمبر 1918 في نهاية الحرب العالمية الأولى وعادت المنطقة إلى فرنسا في معاهدة فرساي عام 1919.

المنطقة ضمتها ألمانيا النازية في 1940، إلا أنها عادت إلى فرنسا في 1945 في نهاية الحرب العالمية الثانية وظلت جزءاً من فرنسا منذ ذلك الحين.

وفي 1871 كانت المنطقة مكونة من 93% من الألزاس (7% بقيت فرنسية) و 26% من المنطقة (74% بقيت فرنسية).

المقالة الرئيسية: دوقية اللورين

أما تاريخ اللورين حتى هذا العام فمغاير نسبياً لما تقدم من حيث التفاصيل. فما عرف باللورين أو لوترينغن، كان يطلق على مملكة متوسطة بين فرنسة في الغرب وألمانية في الشرق، تتألف من مقاطعة الألزاس واللورين (ومنها جاءت التسمية المزدوجة للإقليم) إضافة إلى شمال غربي ألمانية وأجزاء متفرقة من وسط أوربة. وكان ظهورها نتيجة لتقسيم الامبراطورية الكارولنجية عام 843 (معاهدة فردان)، فكانت من نصيب الملك الكارولنجي الألماني لوثار الأول (Lothar I (795- 855. لكن اللورين تعرضت لعمليات تجزئة وتقسيم إلى إمارات عام 959 وبعده حتى عام 1670 حين احتلتها فرنسة، لتستعيدها ألمانية عام 1697. ومن الطريف أن ما تبقى من مملكة اللورين خضع بين عامي 1735 – 1766 للسيادة البولندية، إذ حصلت عليها بولندة[ر] تعويضاً لها عن الأضرار التي لحقتها في حرب الوراثة البولندية (1733 – 1735). عادت اللورين إلى فرنسة بعد عام 1766 سنة وفاة الملك البولندي ستانيسلاوس ليسيزنسكي، وبقيت فرنسية التبعية حتى عام 1871، حين احتلتها ألمانية مع الألزاس.

من أنقذ الآخر.. أمريكا.. أم إيران؟!

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

هل أنقذت أمريكا وفي اللحظات الحرجة الوضع الإيراني من الانفجار الداخلي الذي توقع محللون وسياسيون رصدوا الوضع بأنه حرج، وقد يقتلع أسس دولة الولي الفقيه لتنتهي إلى فوضى احتراب بين الأقليات والأثنيات، وأن مثل هذا الوضع قد يؤدي إلى كوارث تقود إلى صراعات في كل المنطقة، وأن تكرار نموذج سورية والعراق، والصومال قد يضع العالم أمام مأزق أمني لا يمكن السيطرة عليه؟

القراءة الأمريكية كانت تتحدث عن أمة إيرانية متجانسة قومياً ووطنياً ومذهبياً على عكس السنة الذين لا قانون ولا مرجعية ولا ضوابط لديهم، فكلّ يحمل كتاب تفسيره للمجتمعات والعلاقات الإسلامية وخارجها وأن عناصر التطرف والإرهاب في هذه المجموعة أكثر من الشيعة، وأن التعامل مع قوى مشتتة ومتصارعة هو سبب فشل السياسة الأمريكية في المنطقة، وعليها هجرها إلاّ في حدود روابط المصالح ذات الأهمية الخاصة..

قد يكون التفسير الأمريكي فيه شيء من الواقعية، ولكنه ليس صحيحاً في جملته وأفكاره الأخرى إذا ما علمنا أن مظهر الانتصار الإيراني، وتحقيقها انفراجاً مع العالم بما فيها دول المنطقة، هو أمر مبالغ فيه، إذ إن إيران استنزفها التركيز على الصناعات العسكرية ودعم حلفائها في لبنان وسورية وبعض الجيوب المتعاهدة معها على ترسيخ ثورتها مثل الحوثيين، أو السلطة السودانية، والقفز على حواجز العالم الإسلامي بنشر التشبع، مما أرهق دخل الفرد وأضاف أعباءً على الحكومة استدعت أن تقبل، كما حدث في حرب العراق وإيران بتجرع الخميني المرارة بعد إقراره بالهزيمة، وإن لم تعلن إيران ذلك فهي حاولت أن تعطي طابع الاتفاق مع (٥+١) إنجازاً سياسياً غير مسبوق، وقد تكون أمريكا، كما أكدت، فرضت ضغطاً دبلوماسياً واقتصادياً عليها، إلا أنها لا تريد لهذه الدولة أن تسقط وفقاً لرؤية تجدها أحد مستلزمات استراتيجيتها في المنطقة..

وبصرف النظر عن حدود من كسب ومن خسر من كل الأطراف، فنحن في المنطقة العربية نتمنى أن تدخل إيران المجتمع الدولي كدولة تنسجم في علاقات توقف مفهوم تصدير الثورة، وأن ترى المصلحة بتعاون لا يقوم على وهْم القوة وكبرياء العرق، في وقت نفهم أنها دولة إسلامية فيما معظم سكانها عرب، ومعظم شعبها يتكلم هذه اللغة، وكل ما تنتمي إليه حضارياً تبرز فيه الشخصية العربية من الصحابة إلى الرموز الأخرى التي طبعت إيران بالإسلام وتقاليده، وهذا يبدد مفهوم (الآرية) الجديدة التي تتبناها عناصر التطرف القومي، وحتى الاعتقاد بأنها دولة العرق الواحد يكشفه الواقع بأنها مجموعة أعراق وقوميات ومذاهب وأديان ليس بينها التجانس الحقيقي، بل إن الفرس لا يشكلون إلاّ نسبة الثلث من بقية المكونات الأخرى..

إيران مستقرة، وغير جامحة تنبذ العنف هو مطلب.. ومحاربة من لا يلتقون معها روحياً وسياسياً هي فلسفة انعدمت بعد أفول عصر الأيدلوجيات بانتهاء الاتحاد السوفياتي، ونعتقد أن إيران إذا اعتبرت نفسها قطب الحركة في محيطها، وأنها قوة عظمى بما تعلنه عن صواريخ عابرة للقارات، وسفن وطائرات إلى آخر سلسلة الحرب النفسية التي تقودها أمام خصومها المفترضين، فإنها ليست أقوى من الاتحاد السوفياتي الذي تداعى لنفس الأسباب..

الكل يرحب بإيران تركز على السلم بدل الحرب، وبالتعايش بدلاً من تصدير الثورة، والخيار هنا يخدمها بالدرجة الأولى إذا كانت مع هذا التوجه، إما إذا كانت تريد ذلك هدنة مؤقتة، فكلّ الأمور ستجري عكس تيارها ورياحها الباردة والساخنة..

العلاقة السوية بين الراعي والرعية

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

كثير من الناس الذين يتولون مناصب قيادية ينسون حقيقة وضعهم، فيظنون أنهم أصلاء في وظائفهم، بمعنى: أن هذه الوظيفة هي استحقاق لهم بمقتضى نسبهم أو وجاهتهم في المجتمع وطيب أصلهم، ومن ثم يتعاملون مع من تحت قيادتهم من الناس باستعلاء كبير، فلا يستشيرونهم ولا يقبلون منهم اعتراضًا أو اقتراحًا، وكلما علا المنصب القيادي تبدى هذا الأمر في أوضح صوره، حتى أضحت البلدان وكأنها ملكية خاصة لقادتها، يفعلون ما يشاءون ويتصرفون كما يريدون من غير اعتبار لشعوبهم، ويتصرفون في الأموال العامة وكأنها ملك خاص لهم، فلا تستطيع أن تدرك الفرق بين ملكية الدولة والملكية الخاصة لأحدهم، والويل لمن يعترض أو يسأل ويقول عن هذه التصرفات: لماذا…؟ وأين…؟ وكيف…؟

لقد أوجد هذا الاستعلاء بالباطل فجوة عميقة بين القادة وجمهور الناس، تمثلت في عدم مبالاة القيادة بمطالب جمهور الناس أو حوائجهم، وترتب عليه بطش القيادة بالناس والسخرية منهم، وفي مقابل ذلك تجذرت كراهية الناس للقيادة التي لا تبالي بشعوبها، ومن ثم تربص كل فريق بالآخر وحرص كل فريق على تحقيق أهدافه بأي سبيل، أما القيادة فبالقوة والقهر، والأدوات القانونية من محاكمات وسجون ونحوها، التي تكاد تكون حكرا عليهم، وأما الجمهور فلم يكن أمامه إلا بعض الوسائل التي ينفس بها عما يفور في داخله فوران المرجل (كالمظاهرات أو الاعتصامات ونحو ذلك..).

وليست هذه هي الحالة السوية التي ينبغي أن تكون الإطار الذي يحكم العلاقة بين الراعي والرعية، فالمفترض في العلاقة السوية أن تكون علاقة المحبة المتبادلة، وحرص كل فريق على الآخر، كل منهم يحاول بما في يديه وتحت تصرفه أن يوصل للآخر ما ينفعه ويحتاج إليه، يوضح ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» (الراوي: عوف بن مالك الأشجعي، صحيح الجامع). والصلاة هنا معناها: الدعاء فالعلاقة بين (الراعي والرعية) علاقة (التراحم والمحبة) فكلاهما يحب الآخر، فلا الراعي يظلم الرعية، ولا الرعية تبغض الراعي وتحقد عليه، بل يصل التراحم بين الفريقين إلى حد أن يدعو كل منهم للآخر، وذلك بعكس شرار القادة، التي يكون إطار العلاقة بينهم وبين رعاياهم قائمة على الكراهية والبغضاء، بحيث يلعن كل فريق منهم الآخر، ومثل هذه الحالة يكون مردودها مزيد من تفكك المجتمعات مما يوجد بيئة صالحة كي تنمو فيها عمليات الاختراق من قبل أعداء الملة والأمة، مما يؤدي إلى ضعف الترابط في المجتمع ومن ثم انهيار الجبهة الداخلية..

وقد حرصت الشريعة في كل مصادرها على تلافي هذه النتائج والآثار كلها، بأن تكون العلاقة بين (الراعي والرعية) قائمة على المحبة والتواد والتناصح، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الدين النصيحة» (الراوي: تميم الداري، صحيح الترغيب) ثم بين أنها لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقال أيضا: «ثلاثة لا يُغِلُّ عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (الراوي: جبير بن مطعم، صحيح ابن ماجه). ومعنى قوله لا يُغِل عليهنّ قلب مؤمن أَي لا يكون معها في قلبه غَشّ ودَغَل ونِفاق، ولكن يكون معها الإِخلاص في ذات الله عز وجل، فهذا في نصيحة الرعية للراعي وموقفهم منه ومناصرتهم له، ولأن العلاقة قائمة على التبادل في إرادة الخير والنفع من كل فريق للآخر، فكما كان هذا مسلك الرعية فكذلك مسلك الراعي، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذر الراعي الذي يهمل في سياسة رعيته ولا يجتهد في مصالحهم الدنيوية والأخروية ولا ينصح لهم، لأنه قصر فيما وجب لهم عليه فقال: «ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة» (صحيح مسلم). أو يظلمهم ولا يعدل معهم في تعاملاته ويميز بينهم بلا مسوغ فقال: «ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك، إلا أتى الله مغلولا يوم القيامة يده إلى عنقه، فكه بره أو أوثقه إثمه، أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة» (الراوي: أبو امامه الباهلي في صحيح الترغيب)

وقال صلى الله عليه وسلم فيما ينبغي أن يكون بين الراعي والرعية: «إنما الإمام جُنَّة، يقاتل من ورائه، ويُتقى به» (الراوي: أبو هريرة في صحيح الجامع). ومعنى الإمام جنة أي: كالستر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته، ومعنى يقاتل من ورائه أي: يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج، وسائر أهل الفساد وينصر عليهم، ومعنى يُتقى به أي: شر العدو وشر أهل الفساد والظلم مطلقًا.

لو تدبّر الخلق جميعهم الراعي والرعية تلك المعاني المتقدمة وعملوا بها وحرصوا على إنفاذها لكان في ذلك الخير كله، الذي يلف البلاد والعباد بالأمن والاستقرار، ويقيها شر التطاحن والانقسام.

القوي الأمين

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا بد مِن أداء الأمانة إلى أهلها، وإيداع كل ولاية من ولايات المسلمين في يد مَن يحفظها ويقوم بحقها: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58].

لذا ينبغي التنبيه على عدة أمور:

– القوي الأمين… نادر:
(ال) تفيد الاستغراق -كمال الصفة-، ولا يجمع كمال القوة وكمال الأمانة إلا المعصومون، كأنبياء الله ورسله صلى الله عليهم وسلم أجمعين كيوسف عليه السلام: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54]، {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، وموسى عليه السلام: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26]، وغيرهما مِن الأنبياء؛ لاسيما بدر تمامهم محمد صلى الله عليه وسلم.

سددوا وقاربوا:
إذا غاب الأصلح اخترنا أصلح الموجود، وإذا انعدم الكمال كانت المفاضلة بين رجلين -أو أكثر- كلاهما قوي أمين، فإما أن يكون أحدهما أقوى وأئمن في ذات الوقت، أو أن يفضل كل منهما الآخر في إحدى الصفتين فيجب الترجيح بينهما، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

الأمانة:
هي الديانة التي تورث في قلب مَن بيده الاختيار أن صاحبها سيحفظ ما اؤتمن عليه ويقوم بحقه، بيد أنا لم نؤمر بالشق عما في قلوب الناس، فمن أظهر لنا حسنًا؛ أحسنا به الظن، ومَن أظهر لنا سوءًا؛ أسأنا به الظن، فلنا الظاهر ونكل للباري السرائر.

القوة قوتان:
القوة الأولى على النفس: مِن الحلم والصبر، وضبط النفس وعدم تأثر اتخاذ القرار بالانفعالات والطبيعة الشخصية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» (متفق عليه)، وقال عليه الصلاة والسلام: «لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (متفق عليه).

وفي حرب الردة كان صاحب القرار فيها هو الصديق مع حلمه وأناته ورحمته: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي: أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ: عُمَرُ» (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وكان مِن أشد المعارضين له في البداية الفاروق عمر رضي الله عنه مع شدته وقوته، فكلاهما اجتهد في رؤية المصلحة وتطبيق الشرع على الواقع بتجرد عن انفعالاته وطبيعة شخصيته.

القوة الثانية على الغير: بكفاءته ومهارته التي تستلزمها كل ولاية، وليس في ذلك ضابط عام، بل كل ولاية بحسبها، فولاية القضاء غير ولاية الحرب، غير ولاية الأموال… غير الولاية العامة لأمر المسلمين.

إذا علمت الغاية سهل الاختيار:
مقصود الولاية: “إقامة الدين”، وليس مجرد السماح بإقامته، بل أخذ الناس على ذلك بالموعظة والتعليم والتيسير، والتدرج المنضبط بالشرع، وتهيئة النظام العام للإعانة على ذلك، فالدين متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا.

و”سياسة الدنيا بالدين” وإصلاح دنياهم التي لا يتمكن الناس من إقامة دينهم إلا بها، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله: “إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حافظ عليها وحفظها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة!”.

خارج المنافسة:
يخرج عن دائرة الاختيار مَن انعدمت عنده إحدى الصفتين فلا يُولَّى مثلاً كافر -وإن كان كفؤًا-؛ لأنه لا دين له ولا أمانة، قال الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء:141]، وكذلك لا يُولى جاهل القضاء -وإن كان أمينًا-؛ لانعدام القوة.

الأقوى أم الأئمن:
في كل ولاية بحسبها، فيقدم الأئمن في ولاية المال -وإن كان أقل كفاءة-، ويقدم الأكفأ في ولاية الحرب -وإن كان أقل أمانة-، كما قدم صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه على جيش فيه الصديق والفاروق رضي الله عنهما.

القيادة الجماعية:
إن تعذر ولم يتوافر واحد يفي بالأمر، فيمكن تقديم صاحب الكفاءة، ويُلزم بمشورة أهل الأمانة؛ لجبر النقص «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (متفق عليه)، كما كان نور الدين محمود، وصلاح الدين، وقطز، وغيرهم… كانوا رجّاعين دومًا لأهل العلم، فتم بولايتهم الخير العظيم للأمة، وحصل مقصود الولاية.

حكيم بطيء أم مقدام متهور:
س: لو كنا في معركة وعندنا قائدان بهذه الصفات فأيهما يقدم؟
ج: بحسب ظروف كل مناسبة، فإن كانت الخسائر المتوقعة عظيمة والضرر العائد على المسلمين مِن القرار بالغًا؛ قُدِّم الحكيم وتحملنا بطأه، وإن كان الأمر يستدعي مباغتة للعدو ونكاية سريعة؛ قدم المقدام، وتحملنا تهوره.

خالد… ورجل المرحلة:
قدَّم النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه في إمارة الحرب، وتحت لوائه من العشرة المبشرين بالجنة، بل ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في سرية أرسلها بقيادته فقتل خالد متأولاً مَن قال صبأنا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» (متفق عليه)، ثم بعد ذلك يوليه ثانية صلى الله عليه وسلم وعنده في الجيش من هو أئمن وأعلم منه رضي الله عنه؛ ذلك لأن معيار الكفاءة قدم هنا على الأمانة -وذلك عند غياب الأكفأ الأئمن في الوقت ذاته-، مع الأخذ في الاعتبار أن خالدًا كان متأولاً غير متعمد المعصية.

أمر جلل… واختيار صعب:
«مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم)، وكل منا لاسيما أهل العلم والدراية له نصيب مِن هذا الحديث، فكلنا على هذه الولاية واقف وصوته مؤثر في الاختيار، وإنها لأمانة لا بد أن تودع عند مَن يستطيع تحملها، ولو اختار أحدنا الأقل صلاحية فإنها خيانة لمن ورائه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال:27].

وقد اختلف الصديق والفاروق أفضل الخلق على الإطلاق بعد الأنبياء في تقييم الأشخاص وتحديد الأصلح، إذ لما قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: “أَمِّرِ القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ”، وقَالَ عُمَرُ: “بَلْ أَمِّرِ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ… ” (رواه البخاري).

وفي الفتنة التي ابتلي بها الصحابة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، بعض الصحابة رأى حقًا وبعضهم رأى خطأ، وبعضهم لم يرَ شيئًا، وكلهم مجتهد رضي الله عنهم أجمعين، فنسأل الله السداد والبصيرة.

مِن الكفاءة… عدم الطلب:
الكفء هو مَن يَقدر على تحمل أعباء الولاية والقيام بها، ومن بيَّن الوحي أنه لن يقدر على ذلك لحرمانه من عون الله -جل وعلا-، فهو أبعد الناس عن وصف الكفاءة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سَمُرَة رضي الله عنه: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ أُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» (متفق عليه).

إن ابني هذا سيد:
قطعًا الحسن بن علي رضي الله عنهما هو الأفضل أمانةً من معاوية رضي الله عنه بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أفضل كفاءة، فالصحابة ومَن تبقى مِن أهل الشورى الذين تركهم عمر رضي الله عنه هم الذين بايعوه على الخلافة؛ فهو الأكفأ والأئمن، ولكن لأن هناك مصلحة أعلى وهي حقن دماء المسلمين وجمع كلمتهم؛ تنازل الحسن لمعاوية رضي الله عنهما، وفي كل خير؛ ولهذا كان سيدًا: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» (رواه البخاري).

المرجو المأمول… والواقع الممكن:
الكل يرجو ويأمل، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وقد يكون من حيثيات الواقع ما يمثل عقبات تمنع من اختيار مَن نتمناه، الذي لو خلا الأمر عن تلك الموانع؛ لكان هو المختار، وقد يضطر المرء لإتيان أقل المفسدتين لدفع أعظمهما، فبالأولى إتيان المفضول؛ لعدم التمكن من حصول الفاضل.

أي القضاة أنت؟!
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، والحق هنا هو العلم بالأئمن والأكفأ، فإنه يحتاج علم بالشرع ودربة بالواقع، وإن كان الجاهل والمقلد ليس لهم تولي القضاء -والقضاء هو الحكم ولو بين اثنين وإن تضاءلت أهمية القضية-، فلا يقضي في هذا الأمر الجلل إلا أهله -أهل العلم المجتهدون، والناس في ذلك تبع لهم؛ لاسيما لو اجتمع أغلبهم على رأي فهو المقدم -إن شاء الله-، فإن لم يجتمعوا؛ فليتبع المقلد أوثق العلماء عنده متجردًا عن هواه في تحري الأوثق، فإنها شهادة، وستكتب شهادتهم ويسألون عنها.

فلنبقَ إخوانًا متحابين:
وأختم بقول الإمام الشافعي رحمه الله وقد اختلف مع بعض إخوانه فلقيه في الطريق فأخذ بيده، وقال: “أما يليق وإن اختلفنا أن نبقى إخوانًا”. وقال: “ما ناظرت أحدًا إلا وأحببت أن يجري الحق على لسانه”. وقال: “معي صواب يحتمل الخطأ، ومع خصمي خطأ يحتمل الصواب”.

اللهم ولي أمورنا خيارنا، ولا تولي أمورنا شرارنا، ودبر لنا فإننا لا نملك من الأمر شيئًا، اللهم ألهمنا رشدنا، وأعذنا من شر نفوسنا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حرب اكتوبر

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري المطيري80

فِي حمأة الأزمة التي تعصفُ بالعلاقات المغربيَّة الجزائريَّة، هذه الأيَّام، ينبشُ الباحث الفرنسِي في قضايا الإرهاب والتاريخ العسكري، لوران توشَار، فِي صفحة حرب أكتوبر ، التِي وحدتْ الجاريْن المغاربيْن، في مواجهة إسرائيل، ما بين السادس من أكتوبر والرابع والعشرِين منه، عام 1973.
يعودُ الباحثُ الفرنسيُّ، بِمقالٍ لهُ فِي أسسبوعيَّة “جون أفريك”، إلى رصدِ ما أسفرتْ عنه نكسَة 1967، من فشلٍ ذريع للعسكر، وتبعاتها من الناحية الجيوسياسية، بصورة غذَّت مساعيَ الانتقام، فِي الأشهر التي تلت الهزيمة. وإنْ كان ذلك قدْ سار في بداية الأمر بشكلٍ مبهم،ٍ لم يتضح إلَّا مع خليفة عبد الناصر، الرئيس المصرِي المغتال، أنور السادات. مع أنور السادات تُرجمت المطامح العربيَّة، وفقَ توشار، إلى ثأرٍ بغرضِ استرجاع الأراضِي، التي احتلتها إسرائيل عامَ 1967، وهيَ حربٌ دخلتهَا دولٌ إفريقيَّة، راحَ ينسقُ معها، الفريق الشاذلِي، فِي زيارته إلى كلٍّ من المغرب والجزائر وليبيا.

في سعيِ مصر إلى تأمينِ سندٍ قوي، ساعتها، كَيْ لا تُمنَى بهزيمةٍ أُخرى، يحكِي روشار، كيف أنَّ الدولَ المغاربيَّة، استقبلتْ وقتها، فكرة الحرب، بإبداء الجاهزية للتضحية، حيثُ إنَّ الرئيس الجزائرِي، هوارِي بومدين، لم يتوانَ عن القول، وقدْ جاءهُ الجنرال سعد الدين الشاذلِي، محدثًا فِي أمرِ الحرب، “متَى ما اندلعتْ الحرب، سنبعثُ ما أمكنَ من جنودنَا، كيْ يقاتلُوا إلى جانبِ أَشِقَّائِهم المصريين، مما جعل الشاذلِي يتأثرُ بما عرض عليه.

وَلم يشترط بومدين على الشاذْلِي، سوَى أنْ يخطرهُ بموعد الحرب، قبل ثلاثة أشهرٍ من اندلاعها، كيْ تعد العدَّةُ لها، وهو شرطٌ رفضه السادات في بادئ الأمر، بشكلٍ قاطع، قبلَ أنْ يأتِي الشاذلِي، في نهاية المطاف، ليخبر بومدين في السابع عشر من سبتمبر 1973، ويخبر بأنَّ طبول الحرب تقرعُ في أشهر، بيدَ أنَّ بومدين، بدَا ساعتها محترزًا، فاستفهمَ حول ما بدَا من عوامل لا تسر في التهيئ للحرب، بعد السماع بتدمير اثنيْ عشرة طائرة (MiG)، غير أنَّهُ قبل بإجراء اتصالاتٍ مع السادات، والاستعلام حول تفاصيل مشاركة جيش بلادهِ فِي الحرب.

فِي التاسع من فبراير، عام 1972، حلَّ الفريق الشاذْلِي بالمغرب، ليشرحَ للملك المغربِي الراحل، كيفَ أنَّهُ بالإمكان استعادةُ سيناء بالقوة، ليردَّ الملكُ وقدْ أخذهُ الحمَّاس، “القواتُ المغربيَّةُ رهنَ إِشَارتكم، وكما حصلَ مع الجيش الجزائرِي، طلبتْ مصر أنْ تطلعَ على حالِ الجيش المغربِي، كيْ تحددَ ما تحتاجُ إليه من عتاده، فكان لها ما أرادت، وطلبتْ سريَّة مدرعات من طراز “F-5A” وفريقًا أرضيًّا. وهو ما وافقَ عليه الملك.

في سبتمبر من عامِ 1973، توجه الشاذلِي مباشرة إلى الحسن الثاني، بعدما التقى ثانية ببومدين، غيرَ أنَّ الحسن الثاني أخبر الفريق الشاذلِي، أنَّ ضلوع طيارين في محاولة الانقلاب التي استهدفتهُ في السادس عشر من يوليوز عام 1972، وإيقافهم جميعًا، سيحول دون تسليم مقاتلات (F-5). فيما كانت فرقة الجنود التي وعد بها الملك، قدْ حلتْ بِسوريا منذ صيف 1973، تحت إمرة الجنرال الصفريوِي، مع العلم أنَّ تنقلها إلى جمهورية “الأسد”، لمْ يكن من السهولة بمكان، بالنظر إلى الفترة الحرجة التي كانت تجتازها العلاقات بين دمشق والرباط.

انتقلَ الجنرال المغربي على متنِ طائرة، فيما سافرَ الجنود على متنِ باخرةٍ رست في اللاذقيَّة، في يوليُو من 1973، بينما تتحدث مصادر أخْرَى عن وصولها فِي يونيو، قبل أن يمد الجيش السوري الحربَ بثلاثين دبابَة، كانتْ طواقمها من المغاربة.

وبما أنَّ الشاذْلِي كانَ مدركًا للإمكانيات المهمَّة التي يتوفرُ عليها الجيشُ المغربي، سأل ملكَ المغرب عمَّا إذَا كانت هناك وحداتٌ أرضيَّة ستعززُ الجيوش العربيَّة، فردَّ الحسن الثاني بالإيجاب، ووضعَ رهنَ إشارته، سريَّة ثانيةً من المشاة، من أجل جبهة سيناء، هذه المرة. قبل حينُونة ساعة الصفر.

عمدِ الشاذلِي إلى إعلان عن الحرب في الفاتح من أكتوبر، إلَّا أنَّ الحسن الثاني رفض، وطلبَ مزيدًا من الوقت، وهو ما جعلَ السريَّة المغربيَّة، تنتقلُ إلى مصر وقدْ اندلعتْ المعارك سلفًا، في “قناة السويس”.

بضاعتنا ردت إلينا

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فدولة القانون هي الدولة التي لا ينبع القانون فيها من الحاكم، بل هناك جهة علوية سيادية هي التي تنبثق منها القوانين، والتي تكون حاكمة ومهيمنة على الحاكم والمحكوم، فيصبح كلاهما تحت مظلة القانون سواء في الحقوق والواجبات.

وأما علاقة الحاكم بالمحكوم: فينظمها عقد اجتماعي يوصِّف موقع الحاكم على أنه وكيل عن المحكومين للقيام بمهام معينة يحددها هذا العقد، فلا هو ملِك عليهم ولا هو ديكتاتور، وما منصبه بمنصب تشريف، بل هو موظف في الدولة بعقد أشبه بالوكالة، ليقوم بمهام يخوله الشعب إياها، ويعاونه على أدائها، ويقوم بمراقبة مهمته، فإن أخل بأحد شروط العقد أو بنوده يساءَل ويُحاسب كأي فرد في الدولة.

هذا مِن أعظم ما استقر عليه فكر السياسة الغربية بعد تجارب دامت آلاف السنين منذ نشأة فكرة الديمقراطية عند اليونان حتى وصلت لهذه الصورة التي هي بميزان العقلاء أقرب للعدل والحسن، ولا عجب أن يطالب مَن يريدون صلاح البلاد وعودتها لموضع الريادة والمنافسة مع الدول المتقدمة… لا عجب أن يطالبوا بإعمال هذه المبادئ، وأن تقام مصر الحديثة على أساسها.

نقطة نظام: لا نريد أن نخرج من ذل تبعية المعونة واتخاذ القرارات التي كان لا بد وأن توزن بميزان مصلحة “الملأ” -في العهد البائد- إلى تبعية من نوع جديد… تبعية فكرية معنوية، ومِن ثَمَّ هزيمة نفسية، بأن يظل الغرب هو قدوتنا، وهو مَن يقدِّم لنا حل ما نحن فيه، فإن رمنا تقدمًا كان هو المثال المحتذى!

ولا أقصد عدم الاستفادة مِن علوم وتجارب الآخرين، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، ولكننا عندنا في ثقافتنا وتراثنا مِن الدرر التي تحتاج فقط لمن ينقب عنها، ويحسن عرضها بأسلوب عصري، فقد كفينا، بل لن أخالف الصدق إن قلتُ: إن الغرب ما وصل لأفضل ما عنده إلا بعد ما احتك بالشعوب المسلمة وما لديهم من تراث الفقه السياسي، حتى يقول “هنري لاوست” المستشرق الفرنسي عن كتاب (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) لشيخ الإسلام ابن تيمية: “إن هذا الكتاب الجليل لهو أحد الآثار الإسلامية الكبرى في القانون الدولي”.

وإن بحثنا عن ضالتنا وجدنا “قانون المسلمين” هو أحكام شريعتهم المستمدة من الجهة السيادية الوحيدة عندهم، وهي دستورهم -القرآن والسنة-، وصاحب هذا التشريع هو مالك الملك، وخالق البشر {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54]، {إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} [يوسف:40]، فجهة التشريع منفصلة تمامًا عن أي أحد من حاكم أو محكوم، وأما العلماء والفقهاء والقضاة فإنما هم مستخرجون لهذه الأحكام بأدلتها من هذا الدستور.

والحاكم والمحكوم تحت مظلة الشريعة سواء، بل حتى مَن نال شرف إبلاغ هذا التشريع من رب العالمين إلينا هو كذلك سواء بسواء -صلى الله عليه وسلم-، مما حدا بالمصنفين في علم أصول الفقه لعقد فصل عنوانه: “الحاكم هو الله” أي: المشرع هو الله، لدفع إيهام رفع النبي -صلى الله عليه وسلم- فوق منزلته البشرية، حتى وإن كانت سنته هي أحد الدليلين مع كتاب الله، ولكنها ما هي إلا بلاغ عن الله، وأما عند الحكم والقضاء فهو فرد من المسلمين، لذا لما شفع عنده أسامة بن زيد رضي الله عنهما، لئلا يقيم الحد على المرأة المخزومية في سرقة ثبتت أركانها، قال صلى الله عليه وسلم: «وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا» (متفق عليه)، واستعمل لفظًا دقيقًا للتنبيه بالأعلى على الأدنى، فهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورئيس الدولة، ورغم ذلك يقول: «فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ»، ولم يقل: بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال: «لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا»، ولم يقل: لقطع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدها، تنبيهًا على توصيف وظيفة الحاكم عند المسلمين.

وعلى هذا سار خلفاؤه رضي الله عنهم… حتى إن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب أصاب حدًا في خلافة أبيه، وكان في مصر، فأراد واليها -عمرو بن العاص- إقامة العدل فيه، لكن أخذته به رقة، فأقام عليه العقوبة في داره في خفاء من الناس فهو ابن أمير المؤمنين، فبعث إليه عمر بن الخطاب، وكاد أن يعزله وأمره بإرسال ابنه إليه بالمدينة، فأعاد إقامة العقوبة عليه على مرأى ومسمع من الناس، ليعلم الجميع أن الكل تحت القانون “حكم الشرع” سواء، والأمثلة من تاريخنا لا تحصى كثرة، وإنما تلك إشارة لبعض ما لدينا من اللآلئ والدرر، لذا أقول: “ارفع رأسك فأنت مسلم… هذه بضاعتنا ردت إلينا”.

مراقبة المسؤولين ومحاسبتهم

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

من الظواهر التي استقرت عند كثير من المسؤولين في كثير من الدول عبر التاريخ الماضي والحاضر: أن المسؤول ربما يستغل منصبه لتحقيق مصالح شخصية، أو يستأثر بأموال عامة من غير وجه حق، بطريقة مباشرة أحياناً، أو بحيل وطرق ملتوية أحياناً أخرى، وقد اشتد نكير النبي صلى الله عليه وسلم لمثل هؤلاء، فعن أبي حميد الساعدي ـ رضي الله عنه ـ قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهديلي. قال: «فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منكم شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمل على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر»، ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه: «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، ثلاثاً» (1)

ومن حرص عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ على أموال المسلمين؛ أنه سنَّ محاسبة الولاة ومراقبة أموالهم قبل الولاية وبعدها مخافة أن يستئثروا بشيء من دون الناس، فعن الشعبي ـ رحمه الله ـ : «أنَّ عمر كان إذا استعمل عاملاً كتب ماله» .(2) ومن أمثلة مراقبته لأموال الولاة: أن عمر استعمل أبا هريرة ـ رضي الله عنهما ـ على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استاثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، قال: فمن أين هي لك؟ فقال أبو هريرة: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت. فنظروا، فوجدوه كما قال .(3)

وعن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم، منهم سعد بن أبي وقاص، فشاطرهم عمر أموالهم، فأخذ نصفها وأعطاهم نصفها(4) . وفسر ابن القيم ذلك بقوله: «وصادر(5) عماله فأخذ شطر أموالهم لما اكتسبوها بجاه العمل، واختلط ما يختصون به بذلك، فجعل أموالهم بينهم وبين المسلمين شطرين» .(6)

وقد كتب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في رسالته إلى أحد الولاة قائلاً: (يا عتبة بن فرقد! إنه ليس من كدِّك، ولا من كدِّ أبيك، ولا من كدِّ أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك) (7) .

فعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يؤكد ها هنا ثلاث مسائل مهمة:

الأولى: أن المال العام ليس ملكاً للوالي، بل حق للمسلمين جميعهم، ولهذا قال عمر ـ رضي الله عنه ـ : «أما والله ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم، وما أحدمنا بأحق به من أحد، وما منا أحد من المسلمين إلا وله في هذا الفيء حق، ولئن بقيت ليبلغن الراعي وهو في جبال صنعاء حقه من فيء الله» (8).

الثانية:أن من واجب الوالي أن يعطي الناس ما يحتاجونه بلا منَّة ولا تقصير.

الثالثة: أن لا يختص الوالي بشيء دون الناس.

وقد قال النووي في شرح هذا الحديث: «والمراد هنا: أن هذا المال الذي عندك ليس هو من كسبك، وما تعبت فيه، ولحقتك الشدة والمشقة في تحصيله، ولا هو من كد أبيك وأمك فورثته منهما، بل هو مال المسلمين، فشاركهم فيه، ولا تختص عنهم بشيء، بل أشبعهم منه وهم في رحالهم، أي منازلهم، كما تشبع منه في الجنس والقدر والصفة، ولا تؤخر أرزاقهم عنهم، ولا تحوجهم يطلبونها منك، بل أوصلها إليهم وهم في منازلهم بلا طلب» (9) .

ويقرر ابن تيمة هذه القاعدة الكلية بقوله: « وليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم، كما يقسم المالك ملكه فإنما هم أمناء ونوَّاب ووكلاء، وليسوا ملاكاً » (10).

ومن الصور المشرقة لورع الولاة وحرصهم على الأموال العامة للمسلمين، ما نقله موسى بن عقبة قال: لما ولي عياض بن غَنْم ـ رضي الله عنه ـ قدم عليه نفر من أهل بيته يطلبون صلته، فلقيهم بالبشر وأنزلهم وأكرمهم، فأقاموا أياماً ثم كلموه في الصلة، وأخبروه بما لقوا من المشقة في السفر رجاء صلته. فأعطـى كل رجل منهم عشرة دنانـير ـ وكـانوا خمسـة ـ فردوها وتسخطوا ونالوا منه! فقال: أي بني عم! والله ما أنكر قرابتكم ولا حقكم ولا بعد شقتكم، ولكن والله ما حصلت إلى ما وصلتكم به إلا ببيع خادمي، وببيع ما لا غنى بي عنه، فاعذروني. قالوا: والله ما عذرك الله، فإنك والي نصف الشام، وتعطي الرجل منا ما جهده أن يبلغه إلى أهله؟! قال: فتأمرونني أسرق مال الله؟ فوالله لأن أشق بالمنشار أحبُّ إليَّ من أن أخون فلساً أو أتعدى (11) .

فأين هذا الموقف العظيم الذي لا ينقضي منه العجب والإكبار، من تخوّض أقوام في أموال المسلمين، والاستئثار بها دون الناس بغير حق ولا برهان، واستغلالهم مناصبهم لإعطاء ذوي القرابة ما لا يستحقون من الأموال والمناصب؟!

ولو أنَّ تلك القاعدة العمرية في إحصاء أملاك المسؤولين قبل تكليفهم بالمسؤولية وبعدها، طبقت بشفافية وحزم؛ لحفظت الأموال العامة، ولسلمت مقدرات الدول من السلب والنهب، ولما أصبحت دولنا العربية من أكثر الدول فساداً على مستوى العالم. ولهذا كان نصف المسؤولية في الأمانة وحفظ الأموال، كما قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (القصص: 26)، وكما قال ـ سبحانه ـ { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(يوسف: ٥٥)؛ فالأمين الحفيظ على خزائن الدولة هو الذي يحفظ الحقوق. لكن ضُيعت الأمانة، وتولى المسؤولية من ليس أهلاً لها، فانتُهبت خيرات المسلمين، واستبد بها المفسدون، ولهذا كانت خيانة الأمانة قرينة لخيانة الله ورسوله، كما قال الله ـ تعالى ـ :﴿ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ( الأنفال: 27).

ولن أكون مبالغاً إذا قلت: إنَّ دولنا العربية لو حاسبت الفاسدين، واستردت أموال الشعب منهم،لاستطاعت أن تتخلص من ديونها المتراكمة التي جعلتها أسيرة للدول الكبرى وأذرعتها الاستعمارية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما.

وفي ظل التردي الاقتصادي، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة في كثير من دول العالم الإسلامي، يكون أثر التظالم المالي والتطاول على الممتلكات العامة أشدّ خطرًا على الناس، وأقوى تأثيرًا على المجتمعات.قال الطرطوشي مبيناً عواقب ذلك: «إذا اؤتمن خائن على موضع الأمانات كان كمن يسترعي الذئبُ الغنمَ، ومن هذه الخصلة تفسد قلوب الرعايا على ملوكها؛ لأنها إذا اهتضمت حقوقهم، وأكلت أموالهم؛ فسدت نياتهم فأطلقوا ألسنتهم بالدعاء والتشكي» (12).

من أجل ذلك كان من واجب المصلحين أن يحافظوا على حقوق الناس ويدعوا إلى حفظها، ويدافعوا عنها، وينتصروا لها، ويبادروا بإعداد الآليات العملية والتنظيمات الرقابية التي تكفل الحفاظ على الأموال العامة، وتمنع تخوّض السراق فيها، ويواجهوا طغيان الفساد المستشري في الأمة بكل وسيلة شرعية؛ امتثالاً لقول الله – عز وجل -: ﴿ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ (المائدة: 63). وها هو ذا الفضيل بن عياض يضرب لنا مثلاً عظيمًا في رعاية شؤون الناس حين يقول: «إني لأستحي من الله أن أشبع حتى أرى العدل قد بسط، وأرى الحق قد قام» (13).

عندما تغيب الشورى: يحضر الاستبداد !!

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

أعيش هذه الأيام قارئاً مستمتعاً في طبيعة النظام السياسي في الإسلام، ومدى قدرته على سياسة الدنيا بالدين، والقدرات السياسة الهائلة التي كانت متمثَّلة في العديد من الدول الإسلاميَّة التي حكمت العالم قروناً طويلة ، وكان لها في سياسة الأمم طرائق قدد، وكنت أقارن بين سلبيات وإيجابيات تلك الدول الإسلاميَّة المنصرمة (الأموية، العباسية، الأيوبيَّة، المماليك، السلاجقة، العثمانية) وبان لي أنَّ من أكبر أسباب استقرار الدولة وركائز ثباتها وديمومتها وحيويتها : نظام الشورى، ومشاورة الحكَّام لأهل العلم والخبرة والمعرفة من الأمناء على دين الناس ودنياهم، مع ما اعترى ذلك أحياناً من خلل وقصور وثغرات في مراحل وفترات تاريخية معينة.

ورأيت الأثر الحقيقي لنجاح الدولة وفلاحها وقوتها وازدهارها ظاهرًا بادياً لكل ذي عينين وذلك إن هي أخذت بنظام الشورى بكامليته، وفقهت معنى الشورى وأحكامها وآدابها وفضائلها ومآلاتها، وكان لديها الخبرة التامة في حقيقة الأشخاص الذين يجب مشورتهم.

على هذه المقاييس يمكن نجاح الدولة في كثير من شؤونها الداخلية والخارجيَّة، وإذا نظرنا لأغلب الدول التي تحكم العرب أو المسلمين حديثاً، فسنلحظ أنَّ لها مستشارين وخبراء، ولكنَّ كثيراً من هذه الدول لا تختارهم إلاَّ ممن يجيدون نفاق السلاطين، ويكونون بوقاً لهم فينعقون لهم بما يرضيهم، ولذلك نرى أنَّ كثيراً من رؤاهم قاصرة، وأفكارهم ليست حرَّة، واستراتيجيتهم خائبة خاسرة، وقواهم العقليَّة خائرة؛ لأنَّهم من المعروفين بمنافقة السلاطين، والتسبيح بحمدهم.

كثير من جلساء السلاطين يكونون من أعوانهم على رؤاهم المنحرفة، فحتَّى لو استشارهم السلاطين لم يخرجوا عن رأيهم، أو أشاروا عليهم بما يريده السلاطين، فقد ألغوا عقولهم ووضعوها في عقول سلاطينهم بدلاً عنهم، بحجّة الثقة في رؤية الحكومة أو السلطة، وأنَّ الخطأ ليس جارياً عليهم، وحتَّى لو أخطاؤوا فإنَّهم يوافقونهم في الخطأ بدلاً من أن يوضحوا لهم فساد رؤيتهم، فهم كندماء الباذنجان من منافقي السلطان.

فقد جاء في حكاية رمزيَّة عن سلطان سأل طبَّاخه: ما طبيخك لنا اليوم.. صفه لنا؟
فأجابه : أمرك سيدي !
فقال له: ماذا تقول في الباذنجان؟
قال الطبًَّاخ: لله درك سيدي، إنَّه طعام لذيذ المطعم، مبهج للروح، يزيد من الذكاء… وأكمل مسيرة التدبيج والمديح لفخامة الباذنجان!!
فقال له السلطان: ولكنَّه حار ويسبب العطش، فوقف الطبَّاخ يبين مساوئه، ويقول: إنَّ فلاناً من الأطباء ذمَّه، وقال: إنَّه يسبب التبلد!!!
فقال له السلطان: يا لك من طبَّاخ متفنِّن! كنت سابقاً تقول لي: إنَّه يُسبب الذكاء، وبعد أن ذممت لك الباذنجان قلت لي: إنَّه كيت وكيت، وأنَّه يسبب التبلد…!!!
فأجابه الطبَّاخ: يا سيدي إنَّني خادمك أنت السلطان، ولست خادماً للباذنجان !!

إنَّ السلطان يعرف الرجل الذي يأتيه لنصحه، ويبين له حقيقة ما ينفعه، ويعرف أنّ ذلك هو المستشار المؤتمن؛ لأنَّه يتحدث بمحض إرادته، وليس كذلك المنافق الذي يقول في وجه السلطان شيئاً يوافق رأي السلطان، فإذا خرج بدأ يسب السلطان، ويقول (مشيناها عليه) ويعتبر ذلك فذلكة وحذلقة وحسن كلام، مع العلم أنَّ السلطان يعرف الفرق بين المستشار المنافق والمستشار المؤتمن، وبين من يصدُقُهُ وبين من يُصَدِّقُهُ.

لقد حدثني أحد الأصدقاء أنَّ والده كان مقرباً عند أحد كبار الوزراء في دولة ما، فجاءه شيخ مشهور !! وبدأ يثني عليه وقال في حقه أبيات شعر هي كالدرر من حلاوة ألفاظها، ولكنَّها (كالبعر) من سوء معانيها، فحينما انصرف ذلك الرجل الشاعر التفت الوزير إلى أصحابه، وقال: والله إني لأحتقر هذا الرجل؛ يمدحني لمصلحته، وليس لأنه رأى فيَّ نموذجاً يستدعي المدح، وأتبع كلامه عن ذاك الرجل فقال: ( يا لك من شيخ شاعر نصَّاب)!!!

وقديماً وقف أعرابي معوج الفم أمام أحد الولاة، فألقى عليه قصيدة في الثناء عليه التماساً لمكافأة.
ولكن الوالي لم يعطه شيئاً وسأله: ما بال فمك معوج؟
فرد الشاعر: لعله عقوبة من الله لكثرة الثناء بالباطل على بعض الناس!!!

لو أخذنا هذين النموذجين وقارنَّاهما بما قاله لنا الصحابة الكرام في النهي عن ذلك، لعلمنا الخطأ الصراح، في التعامل مع السلاطين بمثل هذه الطريقة، فرضي الله عن الصحابة الأجلاء الذين بينوا أنَّ الثناء على السلطان أو الحاكم بما ليس فيه، أنَّه من سبيل النفاق والفتنة في الدين.

وأورد البخاري في صحيحه برقم :(7178) عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر أنَّ ناساً قالوا لجده عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : إنَّا ندخل على سلطاننا فنقول لهم خلاف ما نتكلَّم إذا خرجنا من عندهم . قال: كنا نعدها نفاقاً !!

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله معقبا على قول ابن عمر: (وذلك لأنهم حدثوا فكذبوا وخانوا ما نصحوا، فالواجب على من دخل على السلاطين من الأمراء والوزراء والرؤساء والملوك الواجب عليه أن يتكلم بالأمر على حقيقته يبين لهم الواقع سواء كان الناس على استقامة أو على اعوجاج أو على حق أو على باطل، ولا يجوز للإنسان أي إنسان أن يدخل على الأمير أو على الملك أو ما أشبه ذلك ثم يقول: الناس بخير الناس وأحوالهم مستقيمة، الناس اقتصادياتهم جيدة، الناس أمنهم جيد وما أشبه ذلك وهو كاذب. هذا حرام خداع لولاة الأمور وخداع للأمة جمعاء ….. وابن عمر يقول: هذا من النفاق وصدق فهو من النفاق، حدث فكذب وخانوا وما ائتمنوا، فالواجب البيان أما النفاق والمداهنة فهذه لا تجوز) شرح رياض الصالحين 1 / 1915

وأخرج البخاري في التاريخ الكبير عن الصحابي الجليل عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قال : إنَّ الرَّجُلَ لَيَدْخُلُ عَلَى السُّلْطَانِ وَمَعَهُ دِينُهُ فَيَخْرُجُ وَمَا مَعَهُ دِينُهُ . قِيلَ : و كيف ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قَالَ : يُرْضِيهِ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فيه.

وأورد التبريزي في كتابه النصيحة للراعي والرعية أنَّ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: إياكم ومواقف الفتن، قيل: وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله؟ قال: أبواب الأمراء؛ يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ؛ ويقول له ما ليس فيه!! وانظر: صفة الصفوة (1/614) .

والآن يعدونها سياسة، ودبلوماسيَّة، وحفاظاً على المكتسبات، وتمرير الدعوة بـ(قليل) من المديح للسلطان؛ لكي يرضى السلطان عنهم ويبارك مشاريعهم! ألا ساء ما يحكمون !

• الشورى عصمة لبقاء الدولة :

الشورى لغة: من شاور أي طلب المشورة، وشاورته واستشرته، راجعته لأرى رأيه فيه، وأشار عليّ: أي أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارة حسنة، هكذا حكى العلامة ابن منظور في لسان العرب.

ولأهيمتها كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقوم بها، وأرشده الله تبارك وتعالى للاهتمام بها، وخصوصاً بعد هزيمة معركة أحد؛ حيث قال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}، ولو أنَّ أحداً كان يمكنه الاستغناء عن الشورى لكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلقد كان يوحى إليه وكان كلامه مصدقاً، ومع ذلك، اهتم بالشورى وعظَّم من شأنها.

يقول ابن تيمية رحمه الله في كتابه السياسة الشرعية( قيل : إنَّ الله أمر بالمشاورة نبيه صلى الله عليه وسلم فغيره أولى بالمشورة).

ولهذا جعل الإسلام حياة المسلمين الرائعة قائمة على الشورى، فقال تعالى: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم}، ووصفهم أنَّهم كانوا يستشيروه في كثير من أمورهم كما قال تعالى (إنَّما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتَّى يستئذنوه) أي: يستشيروه.

ولقد رأينا كيف تشاور الصحابة رضي الله عنهم في سقيفة بني ساعدة حتى خلصوا للرأي السديد والحكم الرشيد، ومن بعدهم مشاورة أبي بكر للصحابة وخصوصاً عند أزمة ردة بعض العرب، وكذلك كان الصحابي الجليل عمر بن الخطاب يشاور أصحابه ، وحينما أرسل جنوده للفتح الإسلامي لبلاد الفرس كانت قيادات الجيش الإسلامي تتشاور في أمور الحرب والقتال.

ومِما لفت انتباهي تلك القصَّة الرائعة التي وقعت في زمن عمر بن الخطَّاب ، حيث طلب قائد جيش الفرس الالتقاء بالقائد العربي قبل المعركة للتفاوض معه حقناً للدماء، وبعد أن عرض الفارسي مقالته قال العربي: أمهلني حتَّى أستشير القوم، فدهش الفارسي، وقال: ألست أمير الجند؟ قال : بلى، قال الفارسي: إنَّنا لا نؤمر علينا من يُشاور، فقال العربي: ولهذا نهزمكم دائماً، كما أنَّنا لا نؤمر علينا من لا يُشاور!!

لهذا وجدنا سبب نصر المسلمين وهزيمة الكفار والمشركين في المشاورة وعدمها، ومن كان يُشاور أهل الشورى الذين يستحقون المشاورة، فإنَّه ولا بدَّ سيرتفع في نظرهم، فمشاورة الحاكم أو السلطان لمستشاريه الصادقين دليلٌ على تواضعه وعدم استبداده وسبيل نجاحه.

وحينما تركت الأمَّة الإسلامية سبيل الاستشارة، وأوكلت أمرها في الغالب لحكام طغاة ظلمة لا تستشير أمناءها بل لربما تستشير العدو بدلاً من الصديق الصدوق، فلهذا نراها تترنح من مصيبة إلى أخرى، ومن كارثة لأكثر، بسبب فساد أغلب الأنظمة، وبُعدها عن المنهاج الرباني، وعدم استشارة الأمناء على الدين والبلد والأمة، بل لربما قرَّبوا حزبهم الحاكم لكي يكون أغلبيَّته في مجلس الشعب أو البرلمان، ولهذا فيستحيل أن ينطق الحزب الحاكم إلاَّ بما يريده ذلك السلطان، فتتوالى الكوارث على الأمَّة، ويستبد السلطان بالرعيَّة، ولا رقيب عليه، فيفعل ما يشاء، ولهذا تقع الهزيمة به، حينما تفسد البلاد بعدَّة جوانب، ولعلَّ من أواخرها ما شهدناه في سقوط طغاة تونس ومصر، والحبل على الجرار في ليبيا وسورية واليمن وغيرها.

إنَّ من أكبر الكوارث التي تجر على الأمَّة بلاء الاستبداد السياسي والحكم بمنطق القوة بناء على مقولة (إذا كنت تملك المطرقة فكل من تراهم أمامك مسامير)، وهي ثقافة القطيع التي يحاول الكثير من حكام السوء تجييرها على الأمَّة دونما منازعة، فنلحظ حينئذ مدى الهوان والهزيمة التي تلحق بهذه الأمَّة.

فحقيقة الاستبداد : العقم السياسي الذي يستحيل أن يتفاعل مع ولادة الشورى، ولو عاش المستبد قرناً أو قرنين فستحل به الهزيمة حتماً، والتأريخ المعاصر يحدثنا، ولكن بأقلام الطغاة الذين يذكرون لنا سبب انتكاسة الحروب العربية مع الصهيونية المعاصرة في حرب 1967م، فهذا وزير الدفاع الصهيوني موشي ديان يقول في مذكراته: إنه كان يتعجب من أمر الجيوش العربية، فبعض الوحدات كانت تقاتل بشراسة ورجولة حتى آخر رمق وآخر طلقة، وبعض الوحدات في نفس الجيش كانت تستسلم دون طلقة واحدة، ولم يعرف السر في ذلك، إلى أن استسلم أحد القادة العرب ومعه جنوده وجميع أسلحته، فأخذ يسأله: “هل أخذت رأي زملائك الضباط والجنود قبل أن تأمرهم بالاستسلام لنا؟” فقال في كبرياء: إننا لا نستشير من هم دوننا في الرتبة، فقال له: لهذا السبب فنحن نهزمكم دائمًا.

ثم يستطرد القائد الصهيوني فيقول: إن الضابط اليهودي مهما علت مرتبته يأكل مع جنوده، ويعيش بينهم كواحد منهم، ويحضر معهم درس الدين، ثم هو بعد ذلك دائم الاستشارة لهم والتفاهم معهم.

فقارن بين انتصار أولئك الفرس المنهزمين أمام جند المسلمين حينما قالوا: إنَّنا لا نؤمر علينا من يُشاور، ومقولة المجاهد المسلم: ولهذا نهزمكم دائماً، كما أنَّنا لا نؤمّر علينا من لا يُشاور!!

قارن بين ذلك ومقولة القائد العربي لأحد الجيوش العربيَّة المنهزمة حينما قال: إننا لا نستشير من هم دوننا في الرتبة، فيجيبه القائد الصهيوني: لهذا السبب فنحن نهزمكم دائمًا.

فعندما ننعم النظر بين تلك الرؤية ومقابلها ندرك وجه النصر أو الهزيمة، والتاريخ وإن كان لا يعيد نفسه، ولكنَّ أحداثه بين قديم سالف وحاضر معاصر تتشابه أحداثهما بشكل أو بآخر.

• فائدة أميريَّة:

ذكر الصحابي الجليل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّ فوائد الشورى تكمن في: استنباط الصواب، واكتساب الرأي، والتحصن عن السقطة، وحذر من الملامة، ونجاة من الندامة، وألفة القلوب، واتباع الأثر.

المعاهدات بين المسلمين وغير المسلمين

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

من منطلق السلم والسلام كانت معاهداتُ المسلمين مع غيرهم، والَّتي بها ومن خلالها يصير الفريقان -المسلمون مع غيرهم – في مرحلة سلمٍ، أو مهادنة وموادعة.

«وإذا كان الأصل في العَلاقة هو السلم، فالمعاهدات تكون إمَّا لإنهاء حربٍ عارضة والعود إلى حال السلم الدائم، أو أنها تقريرٌ للسلم وتثبيت لدعائمه، لكيلا يكون من بعد ذلك العهد احتمال اعتداء، إلاَّ أنْ يكونَ نقضًا للعهد» (1).

وعبر عصور طويلة مارست الدول الإسلامية توقيعَ الاتفاقيات والمعاهدات مع الدول غير الإسلامية، وتضمنت تلك الاتفاقيات التزامات وقواعدَ وشروطًا ومبادئ عديدة، بشكل يُمَثِّلُ تَطَوُّرًا في القانون الدَّولي الإسلاميِّ.

تعريف المعاهدات والاتفاقيات

المعاهدات هي تلك الاتفاقات أو العهود أو المواثيق الَّتي تعقدها الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وتُسَمَّى المعاهدة في الحالة الأخيرة موادعة أو مصالحة أو مسالمة، ويُقَرَّرُ بمقتضاها الصلحُ على تَرْكِ الحرب، لقوله تعالى: { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْـمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} [الأنفال:61]

نماذج من المعاهدات الإسلامية

معاهدةُ النبي مع يهود المدينة
ومن المعاهدات الَّتي وُقِّعَتْ بين الدول الإسلامية وغيرها ما عاهد عليه رسول الله يهود المدينة عند قُدُومِهِ إليها، وجاء في هذا العهد: «إن اليهود يُنْفِقُون مع المؤمنين، ما داموا محاربين، وإنَّ يهودَ بني عوف أُمَّة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلاَّ مَنْ ظَلَمَ وأَثِمَ، فإنه لا يُوتِغُ (2) إلاَّ نفسَه وأهلَ بيته، وإن ليهود بني النجار، وبني الحارث، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس، وبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإنَّ بطانة يَهُودَ كأنفسهم، وإنَّ على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على مَنْ حارب هذه الصحيفة، وإنَّ بينهم النصح والنصيحة والبِرُّ دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإنَّ النَّصْرَ للمظلوم، وإنَّ الجارَ كالنفس غير مضارٍّ ولا آثم، وإنَّ اللهَ على أتْقَى ما في هذه الصحيفة وأَبَرّه، وإنَّ بينهم النصر على مَنْ دَهَمَ يثرب، وإذا دُعُوا إلى صلحٍ فإنهم يُصَالِحون، وإذا دُعُوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلاَّ مَنْ حارب في الدين على كل أناس حِصَّتَهم من جانبهم الَّذي قِبَلَهُمْ، وإنَّه لا يَحُولُ هذا الكتابُ دون ظالمٍ أو آثمٍ، وإنَّ اللهَ جارٌ لمَنْ بَرَّ واتَّقَى » (3).

ويتبين من هذا العهد أنَّه كان لتقرير حالة السِّلْمِ بين اليهود والمسلمين، كما أنَّه أمانٌ بينهم لضمان عدم وقوع الحروب، كما يظهر من هذه المعاهدة أنها كانت «لحُسْنِ الجِوَارِ، ولتثبيت دعائم العدل، ويلاحظ أنَّ فيها نصًّا صريحًا على نصر المظلوم، فهو عهد عادل لإقامة السلم وتثبيته بالعدل ونصر الضَّعيفِ» (4).

معاهدة النبي مع نصارى نجران

وقد أوردت كتبُ السيرة كنوزًا عِدَّةً من أمثال هذه المعاهدات، وكان منها على سبيل المثال المعاهدة الَّتي عقدها رسول الله مع نصارى نجران، والَّتي جاء فيها: «وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ وَتَبَعِهِمْ… وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ..» (5).

معاهدة النبي مع بني ضمرة

وكذلك معاهدته مع بني ضَمُرَة (6)، وكان على رأسهم آنذاك مخشي بن عمرو الضمري، وأيضًا عاهد رسول الله بني مدلج، الَّذين يعيشون في منطقة ينبع، وذلك في جُمَادى الأُولَى من السنة الثانية من الهجرة (انظر: ابن هشام: السيرة النبوية 3/143)، وفعل نفس الشيء أيضًا مع قبائل جهينة، وهي قبائل كبيرة تسكن في الشمال الغربي للمدينة المنورة (ابن سعد: الطبقات الكبرى 1/272)

العهدة العمرية

ومن المعاهدات الإسلامية أيضًا عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل إيلياء (بيت المقدس) (7)، والَّتي سُمِّيَتْ بالعهدة العمرية.

وبالنظر إلى هذه المعاهدات وغيرها نجد أنَّ المسلمين إنما يحاولون العيشَ في جَوٍّ هادئٍ مسالِمٍ مع مَنْ يجاورونهم، وأنهم لم يَسْعَوْا لقتالٍ قَطُّ، بل كانوا دائمًا مؤْثِرين السلم على الحرب، والوفاق على الشقاق.

ضوابط وشروط المعاهدات في الإسلام

هذا، وقد أنشأ الإسلام ضوابطَ وشروطًا للمعاهدات تَضْمَنُ لها أنْ تكونَ مُوافِقَةً للشَّريعةِ, وللهدفِ الَّذي مِنْ أَجْلِهِ أُجِيزَت.

يقول الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت (8) رحمه الله: والإسلام حينما يترك للمسلمين الحقَّ في إنشاءِ المعاهدات – لِمَا يَرَوْنَ من أغراض – يشترط في صحَّة المعاهدة ثلاثة شروط:

أوَّلاً: ألاَّ تمسَّ قانونه الأساسي وشريعته العامَّة، الَّتي بها قِوَامُ الشخصية الإسلامية، وقد جاء في ذلك قوله: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (9) ومعناه أنَّ كتابَ الله يرفضه ويأباه.

ومن خلال هذا الشرط لا يَعْتَرِفُ الإسلامُ بشرعية معاهدةٍ تُسْتَبَاحُ بها الشخصية الإسلامية، وتفتحُ للأعداء بابًا يُمَكِّنُهم من الإغارةِ على جهات إسلامية، أو يُضْعِف من شأن المسلمين، بتفريقِ صفوفِهم، وتمزيقِ وَحْدَتهم.

ثانيًا: أنْ تكونَ مبنيةً على التَّراضي من الجانبين، ومن هنا لا يرى الإسلام قيمة لمعاهدة تنشأ على أساسٍ من القهر والغلبة وأزيز (النفاثات)، وهذا شرط تُمْلِيهِ طبيعة العقد، فإذا كان عقد التبادل في سلعة ما – بيعًا وشراءً – لابُدَّ فيه من عُنْصُرِ الرِّضا: { إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]، فكيف بالمعاهدة، وهي للأُمَّة عقدُ حياةٍ أو موتٍ.

ثالثًا: أنْ تكونَ المعاهدة بيِّنةَ الأهدافِ، واضحةَ المعالمِ، تُحَدِّدُ الالتزامات والحقوق تحديدًا لا يَدَعُ مجالاً للتأويلِ والتَّخريجِ واللَّعِبِ بالألفاظ، وما أُصِيبت معاهدات الدول المتحضِّرة – الَّتي تزعم أنها تسعى إلى السلم وحقوق الإنسان – بالإخفاقِ والفشلِ، وكان سببًا في النَّكباتِ العالميَّةِ المتتابعة، إلاَّ عن هذا الطريق، طريق الغموض والالتواء في صَوْغِ المعاهداتِ وتحديدِ أهدافها، وفي التحذير من هذه المعاهدات يقول الله تعالى: { وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ } [النحل:94]، والدَّخَلُ هو الغش الخفيُّ يدخل في الشيء فيفسده (توفيق علي وهبة: المعاهدات في الإسلام ص 101،100).

وجوب الوفاء بالعهد

وقد أَكَّدَتِ الآياتُ القرآنية وأحاديثُ الرَّسولِ على وجوب الوفاء بالعهد، ومن ذلك قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، وقوله تعالى: {وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا } [الأنعام:152]، وأيضًا: { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} [الإسراء:34]، وغيرها الكثير من الآيات الَّتي تشير إلى هذا المعنى العظيم.

وأمَّا ما جاء في أحاديثِ الرَّسولِ فمنه ما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: « أَرْبَعُ خِلاَلٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا » (10) وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال: « لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (11)، وثبت عنه أنَّه قال: « مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلاَ يَحُلَّنَّ عَهْدًا، وَلاَ يَشُدَّنَّهُ، حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ » (12)،وفي سنن أبي داود (13) عن رسول الله قَالَ: «أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة » (14).

والفقهاء – وهم يَرَوْنَ أنَّ الجهادَ يكون مع الأمير الصالح والفاسق – يذهب أكثرُهم إلى أنَّ الجهادَ لا يكون مع الأمير الَّذي لا يلتزم الوفاءَ بالعهود، وعلى خلاف القانون الدولي في الحضارة المعاصرة فإنَّ تَغَيُّرَ الظُّروفِ لا يُبَرِّرُ نكث العهد، وحتَّى إذا عجز المسلمون في ظروفٍ مُعَيَّنَةٍ عن الوفاء بالتزاماتهم يجب عليهم مراعاة التزامات الطرف الثاني، ومن هذا الباب القصة المشهورة عندما استولى القائد المسلم أبو عبيدة بن الجراح على حمص، وأخذ من أهلها الجزية، ثم اضطر إلى الانسحاب منها فردَّ الجزية الَّتي أخذها من السكَّان، وقال: «إنما رَدَدْنا عليكم أموالَكم، لأنَّه بلغنا ما جُمِعَ لنا من الجموعِ، وأنَّكم قد اشترطتم علينا أنْ نمنعَكم، وإنا لا نقدر على ذلك.. وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشَّرْطِ وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم» (أبو يوسف: الخراج ص 81).

والأمثلة كثيرة من هذا النوع في التاريخ الإسلامي، فتغيُّر الظروف والمصلحة القومية لا تبرِّر في الإسلام نقض العهد، كما لا يُبرِّره أن يرى المسلمون أنفسَهم في مركز القوة تجاه الطَّرف الثاني، وقد ورد النَّصُّ الصَّريحُ في القرآن يؤكِّد ذلك، فقال تعالى: { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } [النحل:91]، مع الأخذ في الاعتبار بأنَّ ذلك التَّشديدَ على المسلمين بالوفاء بالعهد كان في وقتٍ وفي بيئةٍ لم تَكُنِ القاعدةُ فيهما الوفاء بالعهود (15).

هذا هو حُكْمُ الإسلام في المعاهدات الَّتي تُوَقِّعُها الدولةُ الإسلاميَّةُ مع الدول الأخرى لحفظ السلام، فنحن مطالَبُون بالوفاء بها، والمحافظة عليها، وعدم نقضها، إلاَّ إذا نقضها العدُوُّ، أمَّا إذا لم ينقضها، ولم يُظَاهِرْ على عداء المسلمين، فعلى المسلمين الوفاء لهم لقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْـمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة:4].

يقول الشيخ محمود شلتوت: «إنَّ الوفاءَ بالمعاهدةِ واجبٌ دينيٌّ، يُسأل عنه المسلم فيما بينه وبين الله، ويكونُ الإخلالُ بها غدرًا وخيانةً» (محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة ص457).

وبهذا يكون الإسلام قد سبق كل الأمم الأخرى بتشريعاتها في مجال تقنين المعاهدات الدولية, بل وتميَّزَ عنها في عدالته وسماحته مع أعدائه, والأهمُّ أنَّ ذلك السبق كان عمليًّا ولم يكن مجرَّد تنظير، ويدلُّ على ذلك ما وَقَّعَه المسلمون من معاهداتٍ مع أعدائهم بداية من عصر الرَّسولِ مرورًا بعصر الخلفاء الرَّاشدين, ثُمَّ من بعدهم من عصور إسلامية.

تأمين الرسل في الإسلام

أمَّا في تأمين الرُّسُلِ فقد جاء التشريع الإسلامي غاية في الوضوح في هذا الأمر، ودلَّتِ النُّصوصُ الصَّريحةُ والأفعال الَّتي قام بها النبي على عدم جواز قتل الرسل بأي حال من الأحوال، وقد ألزم فقهاء الشريعة الإسلامية إمام المسلمين بتوفير الحماية لشخص الرسول، وضمان تمتُّعه بحُرِّيَّةِ العقيدة وأداءِ أعماله بحُرِّيَّةٍ تامَّةٍ (انظر: ابن حزم: المحلى 4/307).

ويترتَّب على ضمان حماية شخص الرسول عدم جواز القبض عليه كأسير، كما لا يجوز تسليمُه لدولته إذا طلبته ورفض هو ذلك، حتَّى وإنْ هُدِّدت دارُ الإسلام بالحرب، لأنَّ تسليمه يُعَدُّ غدرًا به، ولأنَّه يتمتَّع بالحماية في دار الإسلام (عبد الكريم زيدان: الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام ص169).

ولمهمَّة الرسول دورٌ كبيرٌ في عقد الصلح أو التحالف أو منع حدوث حرب، ولهذا فإنه ينبغي أنْ تتوافرَ له السُّبُلُ والمستلزماتُ كافَّة، لا لشخصه، وإنما من أَجْلِ أداء مُهِمَّتِه المكلَّف بها، فهو يُعَبِّر عن مُرْسِلِهِ، وإن كان له رأي آخر ما دام قد قَبِلَ أداء هذه المهمَّة، وعلى المُرْسَل إليه مراعاة هذه الحالة.

فقد روى أبو رافع فقال: بعثتني قُرَيْشٌ إلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، فلمَّا رأيتُه وقع في قلبي الإسلامُ، فقلتُ: يا رسول الله، والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال: «إِنِّي لا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلاَ أَحْبِسُ الْبُرُدَ (16) وَارْجِعْ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِكَ الَّذِي فِيهِ الآنَ فَارْجِعْ » (17).

وقد أورد الهيثمي (18) في كتابه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) مجموعة من الأحاديث تحت باب سمَّاه (باب النهي عن قتل الرسل)، منها: ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حين قتل ابن النواحة‏:‏ إن هذا وابن أثال كانا أَتَيَا النبي رسولين لمسيلمة الكذاب فقال لهما رسول الله‏:‏ ‏«أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللهِ‏؟‏‏ »‏‏،‏ فقالا‏:‏ نشهد أن مسيلمة رسول الله‏.‏ قال‏:‏ ‏«‏لَوْ كُنْتُ قَاتِلاً رَسُولاً لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا‏» (19). قال الهيثمي‏:‏ فَجَرَتِ السُنَّة‏ أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ (الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 5/378).

وبذلك تكون الحضارة الإسلامية قد سبقت المجتمعات الغربية بأكثر من 1400 سنة في وضع القواعد الإنسانية الحضارية للرُّسُلِ، تلك المجتمعات الَّتي لم تَعْتَرِفْ بهذه القاعدة حتَّى وقت قريب (20).

اتفاقية جنيف

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري المطيري80

اتفاقية جنيف هي عبارة عن أربع اتفاقيات دولية تمت صياغة الأولى منها في 1864 وأخيرتها في 1949 تتناول حماية حقوق الإنسان الأساسية في حالة الحرب، أي طريقة الاعتناء بالجرحى والمرضى وأسرى الحرب، حماية المدنيين الموجودين في ساحة المعركة أو في منطقة محتلة إلى آخره. كذللك نصت اتفاقية جنيف على تأسيس منظمة الصليب الأحمر (تسمى اليوم ب”منظمة الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدولية”) كمنظمة دولية محايدة لمعالجة شؤون الجرحى وأسرى الحرب. عند صياغة الأتفاقية الرابعة في 1949 تم كذلك تعديل نصوص الاتفاقيات الثلاثة السابقة ودمج النصوص الأربعة في اتفاقية موحدة. تلحق باتفاقية جنيف ثلاثة بروتوكولات وهي عبارة عن إضافات وتعديلات للاتفاقية الأصلية. تم إلحاق البروتوكولات بين 1977 و2005. انضم إلى اتفاقية جنيف 190 دولة، أي عموم دول العالم تقريبا، مما يجعلها أوسع الاتفاقيات الدولية قبولا، وجزء أساسي مما يسمى بالقانون الدولي الإنساني.
محتويات
• 1 الاتفاقية الأولى
• 2 الاتفاقية الثانية
• 3 الاتفاقية الثالثة
• 4 الاتفاقية الرابعة
• 5 البروتوكولات الاضافية

الاتفاقية الأولى

إتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى من القوات المسلحة في الميدان،سارية الفعل منذ توقيعها في 12 أغسطس 1949 و هي أول إتفاقية من أصل أربع.
هذه الإتفاقية هي تطوير لاتفاقية جنيف لسنة 1864 والتي جائت بمبادرة من هانري دونو (سويسري من قاطني جنيف)، الذي هاله ما وقع من فضائع في معركة سولفرينو فألف كتابا بعنوان ذكرى من سولفرينو طرح من خلاله فكرتين هما :
• ضرورة إنشاء في كل دولة هيئة إغاثة تقوم بنجدة ضحايا الحروب
• ضرورة تحديد قوانين لسماح بتمريض الجنود الجرحى مهما كانت هويته.
كان أول تطبيق لإتفاقية 1864 في الحرب العالمية الأولى، جاءت الإتفاقية الأولى لسنة 1949 كإمتداد وتطوير مهم لها.

الاتفاقية الثانية
تم توقيعها في 12 اغسطس 1949 لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار .

الاتفاقية الثالثة
و تعنى بأسرى الحرب و تم توقيعها في 12 اغسطس 1949 و تعنى بشأن معاملة أسرى الحرب .

الاتفاقية الرابعة
تم توقيعها في 12 اغسطس 1949 و تعنى بالمدنيين و حمايتهم في حال الحرب. وتنص هذه الاتفاقية على طبيعة الحكم في مناطق محتلة بحرب والمبادئ المزمة على دولة ما إذا أدارت شؤون منطقة احتلتها بقوة. ومن أبرز هذه المبادئ هي الحفاظ على الحالة القانونية القائمة في المنطقة عند احتلالها، الحظر على نقل سكان محليين خارج المنطقة قهريا والحظر على إسكان مواطني الدولة في المنطقة المحتلة. ومن أبرز المناطق الخاضعين حاليا لمبادئ اتفاقية جنيف الرابعة هي الضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل في 1967. ويعتبر بناء مستوطنات إسرائيلية في هذه المنطقة بنظر الكثير من الدول والمنظمات الدولية مخالفة الحظر على إسكان مواطني الدولة المحتلة للمنطقة فيها.

البروتوكولات الاضافية
تم اضافة بروتوكولين اثنين في 8 يونيو 1977 و بروتوكول ثالث سنة 2005