أ.د. أحمد محمد وهبان

صلاح الدين الايوبي

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل الحربي333

صلاح الدين فارس في ميدان التاريخ

الناصر صلاح الدين الأيوبي قائد عربي مسلم ومؤسس الدولة الأيوبية، خاض العديد من المعارك والتي ظهرت من خلالها إمكانياته كفارس شجاع وقائد عسكري حكيم يتمتع بقدر وافر من الذكاء والحنكة السياسية والحربية، وتعد معركة حطين التي وقعت عام 583هـ -1187م من أشهر المعارك التي خاضها والتي ارتبط اسمها دائماً باسمه وذكرتها كتب التاريخ كثيراً، والتي تمكن فيها من هزيمة أقوى الجيوش الصليبية محرزاً العديد من الانتصارات.

لم يتميز صلاح الدين فقط بكونه قائد عسكري عظيم بل تميز أيضاً بأخلاق رفيعة وشهامة منقطعة النظير فكانت له العديد من المواقف الإنسانية الرائعة سواء مع أفراد جيشه أو مع شعبه أو حتى مع الأسرى حيث تجلى كرم أخلاقه مع الجميع، هذا بالإضافة لعلمه الواسع وشغفه بالمطالعة وتشجيعه للعلم.

النشأة

اسمه كاملاً يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان, أبو المظفر, الملقب بالناصر صلاح الدين الأيوبي، ولد صلاح الدين لعائلة كردية في عام 532هـ، في تكريت بالقرب من بغداد، كان والده محافظاً لقلعة تكريت من قبل بهروز، وكان عمه أسد الدين شيركوه أحد القادة العظام في جيش نور الدين زنكي حاكم الموصل.

شهدت مدينة بعلبك نشأة صلاح الدين فترعرع بها وتلقى علومه المختلفة فدرس القرآن وسمع الحديث من الحافظ السلفي وابن عوف وقطب الدين النيسابوري، كما تعلم الصيد وفنون القتال وغيرها من المهارات والعلوم.

الحياة العسكرية لصلاح الدين

بدأت الحياة العسكرية تشق طريقها إلى صلاح الدين عندما ذهب مع عمه شيركوه بأمر من نور الدين زنكي لصد الهجمات الصليبية وتحقيق المساندة والدعم للخليفة الفاطمي في مصر، حيث كانت الحملات الصليبية تتوالي حينذاك، فحققا العديد من الإنجازات في صد هذه الهجمات، الأمر الذي دفع بالخليفة الفاطمي إلي تعيين شيركوه وزيراً له، وفي مصر قام صلاح الدين بالاختلاط بالمصريين وتقرب منهم وأحبه الشعب المصري أيضاً لما لمسوه فيه من سمات البطولة والعدل والحكمة مما أهله بعد ذلك لأن يحل محل عمه بعد وفاته فتم إسناد الوزارة إليه، وذلك بتأييد من المصريين وأيضاً لخبرته الواسعة سواء على المستوى الحربي أو الإنساني.

حاكماً لمصر

عندما مات الخليفة الفاطمي قام صلاح الدين بإعلان انتهاء الحكم الفاطمي ونصب نفسه حاكماً على مصر ونزل إلى قصر الخلافة جامعاً الأتباع والقواد فتعلق به الشعب المصري، وعندما علم نور الدين بنية صلاح الدين بالاستقلال بمصر قرر أن يسير إليه بجيش كبير ليسترجعها منه ولكنه مات في عام 569هـ قبل أن يحقق ما سعى إليه وبموته زالت إحدى العقبات الكبيرة من طريق صلاح الدين.

وبعد وفاة نور الدين محمود تطلع صلاح الدين من أجل ضم الشام إلى حكمه فسار إلى دمشق وتمكن من إخماد الثورات التي قامت في الشام بسبب الطمع بملك نور الدين، ومكث بها قرابة العامين من أجل أن يعيد الحكم إلى حالة من الاستقرار فضم إليه دمشق وحمص وحماة وبعلبك وغيرها ثم أعلن عن استقلاله عن بيت نور الدين محمود وتبعيته للخلافة العباسية التي منحته لقب سلطان، وأصبح حاكما على مصر، عاود حملته على الشام عام 578هـ ، ونجح في ضم حلب وبعض المدن الشامية، وقد استغرقت هذه الفتوحات أكثر من عشر سنوات وبعد استقرار الأحوال في الشام وفلسطين عاد مرة أخرى إلى مصر.

أتجه صلاح الدين بعد استقرار الأمور الخارجية نحو الإصلاح الداخلي في مصر فعمل على إنشاء جيش قوي حقق به العديد من الإنجازات، مما عمل على تثبيت أقدامه في مصر، كما سعى من أجل نشر العلم فيها وتقوية المذهب السني بها فقام بإنشاء المدارس التي تدرس الفقه السني مثل المدرسة الناصرية والمدرسة الكاملية، كما عمل على عذل القضاة الشيعيين وإحلال قضاة من السنة محلهم، ومن الخطوات الشجاعة التي قام بها أنه أعلن في الجمعة الأولى من شهر المحرم عام 567هـ قطع الخطبة للخليفة الفاطمي الذي كان مريضًا وجعلها للخليفة العباسي، فكان ذلك إيذاناً بانتهاء الدولة الفاطمية، وبداية عصر جديد، تمكن خلاله من القضاء على الفتن والمؤامرات التي اشتعلت لإعادة الحكم الفاطمي.

توسعت سلطة صلاح الدين في البلاد فامتدت من النوبة جنوباً وبرقة غرباً إلى بلاد الأرمن شمالاً وبلاد الجزيرة والموصل شرقاً.

بعد استقرار الأمور الداخلية التفت صلاح الدين إلى الحروب الصليبية وبدأ يسعى في تحضير جيش قوي من أجل القضاء عليها.

معاركه مع الصليبيين

سعى صلاح الدين بعد أن تأكد من قوة جبهته الداخلية وتماسكها من أجل تكوين جيش قوي يقوم من خلاله بالقضاء على الصليبيين في معركة حاسمة وذلك بدلاً من الغارات التي تشن من آن لآخر لإضعاف العدو، فقام بشن سلسلة من المعارك الناجحة على الصليبيين وسقطت العديد من المناطق في يده مثل قلعة طبرية، عكا، قيسارية، ونابلس، وأرسوف، ويافا وبيروت بالإضافة لبيت المقدس، وكانت معركة حطين واحدة من أنجح المعارك الحربية والتي وقعت في عام 583هـ حيث كللت رحلة الكفاح العسكرية لصلاح الدين بنجاح عظيم مازالت تتذكره كتب التاريخ.

استفز ملوك أوربا وأثار غضبهم انتصارات صلاح الدين وسيطرته على بيت المقدس فقرروا شن حملة عظيمة لاستعادة بيت المقدس من يد صلاح الدين والجيش الإسلامي وتجمع لذلك عدد من ملوك أوربا والذين أتى على رأسهم ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد، بالإضافة إلى فيليب أوغسطس ملك فرنسا، وفريدريك بربروسا ملك ألمانيا، ولم تسفر هذه الحملة عن أي نجاح بالنسبة إلى ملوك أوربا حيث رجعوا إلى بلادهم يجرون أذيال الخيبة وتم عقد صلح الرملة بين الطرفين في عام 588هـ – 1192م .

أخلاق الفرسان

عرف صلاح الدين سواء في البلاد العربية أو الأوربية كمحارب شهم كريم الأخلاق أبي النفس، وعرف كمسلم مؤمن، وشخص متواضع، وكانت له العديد من المآثر الإنسانية التي تجلت فيها رقة قلبه ولم يكن قائداً مقاتلاً عنيداً قوي الشكيمة فقط بل كان مثقفاً يحب العلم ويشجع العلماء عمر المساجد وأصلح الري وبنى القلاع والأسوار في القاهرة ودمشق.

توفي صلاح الدين عام 1193 م بقلعة دمشق عن 57 عاما، توفى ولكن مازال التاريخ يتذكره كثيراً كواحد من أهم الشخصيات التاريخية التي كان لها بالغ الأثر في أحد العصور الإسلامية القديمة.

محمد علي باشا

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل الحربي333

محمد علي باشا (4 مارس 1769 – 2 أغسطس 1849)، مؤسس مصر الحديثة وحاكمها ما بين 1805 – 1848. كانت فترة بداية حكمه فترة حرجة في تاريخ مصر خلال القرن التاسع عشر حيث نقلها من عصور التردي إلى أن أصبحت دولة قوية يعتد بها

نشأته وقدومه إلى مصر
ولد في مدينة قولة الساحلية أحد موانى مقدونيا شمال بلاد اليونان عام 1769، وكان أبوه “إبراهيم آغا” رئيس الحرس المنوط بخفارة الطويف في البلدة وكان له سبعة عشر ولدًا لم يعش منهم سواه، وقد مات عنه أبوه وهو صغير السن، ثم لم تلبث أمه أن ماتت فصار يتيم الأبوين وهو في الرابعة عشرة من عمره فكفله عمه “طوسون” الذي مات أيضًا فكفله صديق والده “الشوربجي إسماعيل” الذي أدرجه في سلك الجندية فأبدى شجاعة وبسالة وحسن نظير وتصرف، فقربه الحاكم وزوجه من “أمينة هانم” وهي امرأة غنية وجميلة كانت بمثابة طالع السعد عليه، وأنجبت له إبراهيم وطوسون وإسماعيل (وهي أسماء أبيه وعمه وراعيه) ومن الإناث أنجبت له ابنتين. وحين قررت الدولة العثمانية إرسال جيش إلى مصر لانتزاعها من أيدي الفرنسيين كان هو نائب رئيس الكتيبة الألبانية والتي كان قوامها ثلاثمائة جندي، وكان رئيس الكتيبة هو ابن حاكم قولة الذي لم يكد يصل إلى مصر حتى قرر أن يعود إلى بلده فأصبح هو قائد الكتيبة. وظل في مصر يترقى في مواقعه العسكرية، وظل يواصل خططه للتخلص من خصومه إلى أن تخلص من خورشيد باشا وأوقع بالمماليك حتى خلا له كرسي الحكم بفضل الدعم الشعبي الذي قاده عمر مكرم.

ولايته
بعد أن انتخبه المصريون في دار المحكمة ليكون واليًا على مصر في 17 مايو 1805 قضى على المماليك في مذبحة القلعة الشهيرة الذين كانوا يكونون مراكز قوى ومصدر قلاقل سياسية مما جعل البلد في فوضي. كما قضى على الإنجليز في معركة رشيد وأصبحت مصر تتسم بالاستقرار السياسي لأول مرة تحت ظلال الخلافة العثمانية. وقد بدأ بتكوين أول جيش نظامي في مصر الحديثة، وكانت بداية العسكرية المصرية بإنشاء أول مدرسة حربية في أسوان في جنوب مصر على يد الكولونيل سليمان باشا الفرنساوي، ومما ساعده في تكوين هذا الجيش أن أشرف عليه الخبراء الفرنسيون بعدما حل الجيش الفرنسي في أعقاب هزيمة نابليون بونابرت في معركة واترلو.

قام بمحاربه الحجازيين والنجديين، وضمهما لحكمه سنة 1818. واتجه لمحاربة السودانيين عام 1820 والقضاء على فلول المماليك في النوبة. كما ساعد السلطان العثماني في القضاء على الثورة في اليونان فيما يعرف بحرب المورة، إلا أن وقوف الدول الأوروبية إلى جانب الثوار في اليونان أدى إلى تحطم الأسطول المصري فعقد اتفاقية لوقف القتال مما أغضب السلطان العثماني، وكان قد انصاع لأمر السلطان العثماني ودخل هذه الحرب أملًا في أن يعطيه السلطان العثماني بلاد الشام مكافأة له، إلا أن السلطان العثماني خيب آماله بإعطائه جزيرة كريت والتي رآها تعويضًا ضئيلًا بالنسبة لخسارته في حرب المورة، ذلك بالإضافة إلى بعد الجزيرة عن مركز حكمه في مصر وميل أهلها الدائم للثورة. وقد عرض على السلطان العثماني إعطاءه حكم الشام مقابل دفعه لمبلغ من المال، إلا أن السلطان رفض لمعرفته بطموحاته وخطورته على حكمه. قام باستغلال ظاهرة فرار الفلاحين المصريين إلى الشام هربًا من الضرائب وطلب من والي عكا إعادة الهاربين إليه، وحين رفض الوالي إعادتهم باعتبارهم رعايا للدولة العثمانية ومن حقهم الذهاب إلى أي مكان استغل ذلك وقام بمهاجمة عكا وتمكن من فتحها، كما استولى على الشام وانتصر علي العثمانيين عام 1833 وكاد أن يستولي على الأستانة العاصمة، إلا أن روسيا وبريطانيا وفرنسا حموا السلطان العثماني فانسحب عنوة ولم يبق معه سوى سوريا وجزيرة كريت. وفي سنة 1839 حارب السلطان لكنهم أجبروه علي التراجع في مؤتمر لندن عام 1840 بعد تحطيم أسطوله في معركة نافارين. وفرضوا عليه تحديد أعداد الجيش والاقتصار على حكم مصر لتكون حكمًا ذاتيًا يتولاه من بعده أكبر أولاده سنًا.

سياسته
يرى الكثير من المؤرخين أن إنجازاته فاقت كل إنجازات الرومان والروم البيزنطيين والمماليك والعثمانيين[من صاحب هذا الرأي؟]، وذلك لأنه كان طموحًا بمصر ومحدثًا لها ومحققًا لوحدتها الكيانية، وجاعلًا المصريين بشتى طوائفهم مشاركين في تحديثها والنهوض بها معتمدًا علي الخبراء الفرنسيين وخبرتهم التي اكتسبوها من حروب نابليون. وتمكن من أن يبني من مصر دولة عصرية على النسق الأوروبي، واستعان في مشروعاته الاقتصادية والعلمية بخبراء أوروبيين ومنهم بصفة خاصة السان سيمونيون الفرنسيون الذين أمضوا في مصر بضع سنوات في ثلاثينات القرن التاسع عشر وكانوا يدعون إلى إقامة مجتمع نموذجي على أساس الصناعة المعتمدة على العلم الحديث. وكانت أهم دعائم دولته العصرية سياسته التعليمية والتثقيفية الحديثة، حيث كان يؤمن بأنه لن يستطيع أن ينشئ قوة عسكرية على الطراز الأوروبي المتقدم ويزودها بكل التقنيات العصرية وأن يقيم إدارة فعالة واقتصاد مزدهر يدعمها ويحميها إلا بإيجاد تعليم عصري يحل محل التعليم التقليدي، ووجد إن هذا التعليم العصري يجب أن يقتبس من أوروبا، ولذلك فإنه قام منذ عام 1809 بإرسال بعثات تعليمية إلى عدة مدن إيطالية مثل ليفورنو وميلانو وفلورنسا وروما وذلك لدراسة العلوم العسكرية وطرق بناء السفن والطباعة. وأتبعها ببعثات لفرنسا وكان أشهرها بعثة عام 1826 التي تميز فيها إمامها المفكر والأديب رفاعة الطهطاوي الذي كان له دوره الكبير في مسيرة الحياة الفكرية والتعليمية في مصر. وقد قام بفتح مصر لكل وافد، وانفتح على العالم ليجلب خبراته لتطوير مصر. ولأول مرة أصبح التعليم منهجيًا، فأنشأ المدارس التقنية ليلتحق خريجوها بالجيش، وأوجد زراعات جديدة كالقطن، وقام ببناء المصانع، واعتنى بالري، وشيد القناطر الخيرية على نهر النيل عند فرعي دمياط ورشيد

وفاته
تنازل عن العرش في 2 مارس 1848 وذلك لأنه أصيب بالخرف، وعاش بعد ذلك في بالإسكندرية وتوفي فيها في 2 أغسطس 1849، ودفن بجامعه بالقلعة بالقاهرة.

جوردن براون

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل الحربي333

جوردون براون (20 فبراير 1951 -)، رئيس وزراء المملكة المتحدة منذ 27 يونيو 2007 إلى 11 مايو 2010[1]. وهو ابن قس بروتستانتي بأحد كنائس إسكتلندا.
o
دراسته وبدايته السياسية والمهنية
كان تلميذاً نجيباً بدأ يوزع المناشير الدعائية لحزب العمال منذ الثانية عشرة، ثم التحق بالجامعة في السادسة عشرة. حصل براون على شهادة عليا في التاريخ من جامعة أدنبرة الاسكتلندية وهو في العشرين ثم أكمل دراساته حتى حصل على درجة الدكتوراه. في سن ال21 جمع بين التدريس في الجامعة والنشاط السياسي والعمل في التلفزيون.
الحياة الخاصة
يحبذ براون الانطوائي، اللقاءاتِ التي يتباهى خلالها بنباهته، إلا أنه يحفظ سر علاقاته الغرامية بتكتم كبير، ولكن قلبه لا يخفق إلا للعمل حتى إن الأميرة الرومانية مارغريت – رفيقته خلال السبعينات – لخّصت ذلك بالقول: «إنه مشغول بالسياسة والسياسة والسياسة… ».
يحبذ «زعيم الفصيل» كما لقبه توم باور، الصداقات المتينة. وباقترانه من زوجته سارة العام 2000 وضع براون حداً لسمعة الأعزب المنفعل الذي يُهمِل هندامه. ولكن وفاة ابنته – التي ولدت قبل الموعد العام 2002 – ثم مولد ابنيه جون وجيمس المصاب بمرض موكوفيسيدوز (تزايد غير طبيعي للألياف في أنسجة أحد أعضاء الجسم) جعلا صورته أكثر إنسانيةً لدى الجمهور. يقول براون إن الأخلاقيات البروتستانتية التي كان أبوه يلقنها مستمعيه في مواعظه والمساعدة والنصح للفقراء في منزل رجل الدين جون براون وزوجته إليزابيث، كانت بوصلته الأخلاقية في الحياة.
دخوله حزب العمال
انتُخِب براون العام 1983 لتمثيل أدنبرة في البرلمان البريطاني (ويستمنستر) وانضم بعد 4 سنوات إلى حكومة الظل التي قادها نيل كينوك. ووجد في بلير اللبق الذي لا يميل كثيراً إلى اليسار شريكاً وبدءا العمل سوية، لصوغ مستقبل جديد للحزب.ولكن وفاة الزعيم العمالي جون سميث المفاجئة العام 1994 غيّرت مصيره. وترك براون – الذي تأثر كثيراً بذلك – بلير يصارع وحده من أجل الخلافة.
في العام 1994 كان يُنظَر إليه على نطاق واسع على أنه سيصبح زعيماً للحزب، ولكنه وافق عبر صفقة سرية ذاعت عنها أحاديث طويلة، على أن يتنحى مفسحاً الطريق لآخرَ يتمتع بشخصية أكثر منه شعبيةً وقدرةً على القيادة. وبناءً على وعد غامض تراجع براون وراء بلير على أمل أن يحل محله بعد ولايتين. وسرعان ما ندم على عدم خوض الصراع. وكتب واضع سيرته الذاتية غير المرخصة توم باور “إنه كان يلقي اللوم على مقربيه وعلى تربيته لقلة ثقته بنفسه”. وانطلقت المنافسة بينهما فكانت تارةً خلاقةً وأخرى مدمرةً. وأشار الصحافي أندرو راوسلي إلى أنه “لا أحد منهما كان يستطيع أن ينجز ما أنجزاه سوياً”، ولكن بلير وبراون “قد يكونان قادرين على إنجاز المزيد لو تعاملا سوياً أكثر مما كانا يتواجهان”.
وزير المالية
عكف مع بلير على تحديث حزبهما. وتولى براون العام 1997 وزارة المالية، إذ صقل سمعته في الدقة الصارمة. ومن إنجازاته استقلال بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) ورفض اليورو. ومارس براون نشاطه بصرامة حتى إن أحد كبار الموظفين (اللورد تارنبل) أدان أخيراً أسلوبه “الستاليني”.
يجهد براون في تحسين علاقاته العامة وبدأ يتحكم في الموضوعات التي تهم رئيس الوزراء. ولكن نفاد صبره واضح جداً. ويُشتبه في أنه دبّر أو وافق على تدبير المؤامرة التي دفعت إلى الحديث عن استقالة بلير منذ سبتمبر 2006. ويبقى براون – الذي لم يتورط في فضيحة “الأموال مقابل الألقاب” – متمتعاً بالأخلاق والشرف.
وبينما يُعزى إليه الفضل في قيادة مسيرة نجاح الاقتصاد البريطاني منذ وصول حزب العمّال إلى السلطة العام 1997، فإن براون لم يكشف سوى القليل عن الطريق الذي سيأخذ إليه البلاد في حال شغله منصب رئيس الوزراء.
رئيسا لوزراء بريطانيا
أعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الجمعة 11 مايو 2007 رسمياً تأييده لوزير الخزانة (المالية) جوردون براون ليخلفه في الحكم بعد استقالته وفي 27 يونيو 2007 استلم غوردن براون رسمياً منصب رئيس الوزراء البريطاني خلفاً لطوني بلير. وبهذا يكون براون ذو ال 56 عاماً أول رئيس وزراء بريطاني من أصول اسكتلندية.

شيانج كاي شيك

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل الحربي333

شيانج كاي شيك أو تشانغ كاي شيك (بالصينية 蔣中正، بالإنجليزية Chiang Kai-shek) ولد في 31 تشرين الأول 1887 وتوفي في 5 نيسان 1975 قائد سياسي وعسكري صينى تولى رئاسة حزب الكومنتانج الوطني بعد وفاة سن ياتسن عام 1925 وقاد الحكومة الوطنية لجمهورية الصين من عام 1928 لعام 1975 وقاد (حملة الشمال) لتوحيد الصين ضد أمراء الحرب والتي أدت لأن يصبح رئيس جمهورية الصين عام 1928

سيرته
ولد شيانج في فينج هوا بمقاطعة شيكيانغ بالقرب من شنغهاي في 31 أكتوبر 1887 حاد عن تقليدية العائلة في الزراعة والتجارة البسيطة ليلتحق بالجيش وبعد قضائه مدة وجيزة في الاكاديمية العسكرية الوطنية في باودينغ سافر إلى طوكيو ليلتحق بكلية اركان الجيش. وهناك تقابل مع سن يات سن وانضم إلى التحالف الثوري المتحد والذي صار فيما بعد الحزب الوطني (كومنتانج Kuomintang) الذي كان يهدُف إلى إطاحة الحكومة الملكية وتوحيد الصين في جمهورية.

تنقل تشانغ ما بين الصين واليابان على مدى سنوات عديدة تلقى خلالها تدريبه العسكري وشحذ فكره السياسي. وفي عام 1911 تولى -بوصفه معاوناً لسن- قيادة أحد الأفواج في الثورة التي قادت إلى إقامة جمهورية الصين عام 1912. وعلى مدى العقد التالى قسّم شيانج وقته ما بين محاربة الأعداء في الصين ومواصلة تعليمه العسكري وطلب المساعدات المالية لبلاده. وعند عودته إلى الصين عام 1924 تولى إدارة اكاديمية وامبو العسكرية التابعة للحزب الوطني حيث تهيأت له الفرصة للتأثير في الضباط الصغار وتوسيع قاعدة قوته المتنامية.

صعوده للسلطة
بوفاة سون عام 1925 تولى شيانج قيادة التحالف الثورى الاتحادى وبدأ خططاً لإقتلاع اخر اباطرة الحرب الذين كانوا لايزالون معارضين للحكومة المركزية وفي عام 1926 نظم شيانج ثمانى فرق لمحاربة المتزعمين للمعارضة في شمال ووسط الصين وقام في غضون العام الأول من (الحملة الشمالية) بتطهير التحالف من الشيوعيين وكان الكثير منهم أعضاء في الحزب منذ تأسيسه, وفي العام التالى تزوج من سونج ماي لنج (Soong Ching-ling) فزاد نفوذه بإرتباطه بهذه العائلة الثرية والواسعة النفوذ وتولى منصب رئيس الحكومة الوطنية وحكم الصين الموحدة. بحلول أوائل الثلاثينات كانت المعارضة الوحيدة الباقية في وجه شيانج هم الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ وقد كانت عملياته الأولى ضد الجيش الأحمر الشيوعى ناجحة مما أجبرهم على الانسحاب فيما يُعرف بالمسيرة الطويلة

الحرب العالمية الثانية
في الفترة التي شهدت مقدمات الحرب العالمية الثانية تجاهل شيانج في البداية الغزو اليابانى لمنشوريا الصينية وواصل هجومه ضد الشيوعيين حتى 12 ديسمبر 1936 عندما اختطفه الشيوعيين في أثناء زيارته لمدينة زيان(Xi’an) وكان من شروط إطلاق سراحه موافقته على تشكيل جبهة موحدة مع الشيوعيين ضد اليابانيين بدأت الحرب الموحدة ضد اليابان في 7 يوليو 1937 ونتج عنها خسارة شيانج لمعظم أراضى البلاد لصالح العدو ولكنه اسهم مع ماو تسي تونغ في المجهود الحربى الذي ترتب عليه بقاء عدد كبير من القوات اليابانية داخل الصين ولم يتح لهذه القوات المشاركة ضد قوات الحلفاء في المحيط الهادى التي كانت تقوم بحملات خاطفة ضد الجزر اليابانية وقد استغل كلاً من شيانج وماو تسي تونغ المساعدات من الولايات المتحدة الأمريكية لبناء احتياطى التسليح والذخيرة واستعداداً لحرب المستقبل و ب‘نتهاء الحرب علت مكانة شيانج الدولية

الصين الوطنية أو تايوان
بالرغم من استسلام اليابانيين 1945 وانتهاء الحرب إلا أن الصين لم تعرف الهدوء فقد استأنف وطنيو تشانغ وشيوعيو ماو القتال ضد بعض واستمر القتال لصالح الشيوعيين بالرغم من التدخلات الأمريكية، وفي 10 ديسمبر 1949 نقل تشانغ حكومته التي كانت على شفا الإنهيار إلى جزيرة تايوان. ومنذ ذلك الوقت وحتى وفاته في 6 أبريل 1975 حكم ما يُسمى حتى الآن جمهورية الصين مطوراً الجزيرة إلى قوة آسيوية اقتصادية واستمر يتلقى المساعدات الأمريكية لأنه كان واحداً من بضعة زعماء أرسلوا بقوات عسكرية إلى فييتنام لدعم الجهود الحربية للولايات المتحدة إلا انه لم يبذل اى جهد لإعادة التوحد مع الوطن الأم.

في ذكرى رحيل ماوتسي تونغ , القصة المجهولة

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الموسى 333

ثلاثون عاماً مضت على رحيل ماوتسي تونغ، زعيم الصين الجديدة، وموحدها تحت راية الشيوعية. رحل ماوتسي تونغ، ورحلت معه منظومته الفكرية، التي اتخذت اسم وصفة الماوية ، في الصين أولاً، التي بنى دعائمها، ثم في الحركة الشيوعية العالمية، التي قسم صفوفها، منذ السنوات الأولى التي أعقبت انتصار الثورة الصينية، وترافقت مع قيام نظام اشتراكي عالمي، بقيادة الإتحاد السوفياتي. بعد رحيل ماو غاب في الصين لقب الزعيم الأوحد. وتقلص بالتدريج، وبسرعة مذهلة، الحديث القديم عن الدور الذي كان يريد ماو أن يعطيه للصين، كدولة شيوعية عظمى، مقترناً بنظريته الماوية، كصيغة مختلفة عن الصيغة السوفياتية لتعميم أفكار ماركس، ولنقل هذه الأفكار إلى الواقع، في العالم المعاصر. ووضع جثمان ماو في متحف كبير وسط العاصمة بكين، لكي يستقر فيه، ولتستقر معه في هذا المتحف المعظم أفكاره وسياساته ونهجه التدميري الذي رافقه في الثورة وفي بناء دولة الصين الشعبية.

وخلف ماو في زعامة الحزب الشيوعي الصيني، وفي قيادة الدولة الصينية العظمى، دينغ هسياو بينغ، الذي كان أحد ضحايا ماو في الثورة الثقافية. فباشر هذا الزعيم الجديد، على الفور، بتغيير نهج ماو، بالكامل، في بناء الصين الجديدة. ورفض دينغ أن يبقى، بعد تقدمه في السن، في موقع المسؤولية. وترك للأجيال الجديدة أن تتابع الطريق الواقعي، المرتبط بالعصر، لبناء الصين، حجراً حجراً، من دون “قفزة كبرى” أو “ثورة ثقافية” أو أي مغامرة تحمل طابع التسريع القسري في تحقيق التقدم. إذ اعتبر دينغ أن للتقدم شروطاً موضوعية واقعية، وزمناً ضرورياً لا بد من اجتيازه، وأن صنع التقدم إنما يحتاج إلى جهد الصينيين جميعاً. وفي ظل توفر هذه الشروط، وليس خارجها، تستطيع الصين أن تنتقل، مرحلة إثر مرحلة، لتأخذ دورها الطبيعي غير المفتعل، الذي يعود لها في الزمن الحالي، والذي سيعود لها في المستقبل القريب، وفي المستقبل البعيد، على وجه التحديد.
ماذا يعني هذا الكلام، في معرض الحديث عن الكتاب الذي صدر مؤخراً باللغة العربية عن دار النهار، في الذكرى الثلاثين لغياب ماوتسي تونغ، حاملاً إلى العالم ما اعتبره مؤلفاه القصة المجهولة لحياة هذه الشخصية الصينية العجائبية؟
الموضوع هنا يتصل بكاتب هذه السطور، الشيوعي العتيق، ابن المدرستين في الشيوعية، القديمة المنهارة منها، والجديدة التي لم تولد بعد، والتي تبحث عن ذاتها، ويسهم في البحث عنها وعن توليدها المنتمون إليها. بل أن هذا الموضوع إنما يتصل، في الحقيقة، بالملايين من أمثالي، من الأجيال المتعاقبة، من شيوعيي بلداننا العربية، ومن شيوعيي العالم الكثر، الذين حطم انهيار التجربة الإشتراكية أحلامهم، وتركهم أسرى حالتين: الوهم باستعادة الماضي عند بعضهم، والبحث، عند الآخرين، عن الجديد الذي لم يولد بعد.
أسوق هذا الكلام، بعد أن فرغت من قراءة هذا الكتاب الضخم عن القصة المجهولة لحياة ماوتسي تونغ، الذي وضعه كل من الصينية يونغ تشانغ وزوجها الإنكليزي جون هوليداي. وضخامة الكتاب لا تنحصر في عدد صفحاته الستمئة واثنتين وثمانين. بل أن ضخامته تتمثل، أساساً، في هذا الحشد الهائل من المعلومات التي بذل المؤلفان جهداً كبيراً يستحقان عليه التقدير من أجل الحصول عليها من مصادرها المتعددة، بما في ذلك من ترسانة أرشيف ماوتسي تونغ الشخصي بالذات. لكن الأكثر إثارة للدهشة في هذا الكتاب هو تلك العناية الفائقة، التي لا تخلو، في نظر قارئ شيوعي مثلي، من وظيفة سياسية وأيديولجية، للربط المحكم بين أمور ثلاثة. الأمر الأول يتعلق بالتطور المتسق، الحافل بالتناقضات، لشخصية ماوتسي تونغ، ولطبائعه ولطموحاته، وللجرائم غير المسبوقة في تاريخ العالمين القديم والحديث، التي ترافقت مع مغامراته، وأعطت لهذه المغامرات طابعها المزدوج والمتناقض، طابع التدمير من أجل البناء. الأمر الثاني يتعلق بالملحمة الأسطورية المتمثلة ببناء دولة الصين الجديدة، بقيادة ماوتسي تونغ. وهو أمر ينبغي ألا يغيب، أو يغيَّب، في الحديث عن تلك الحقبة من تاريخ الصين. الأمر الثالث يتعلق بمفهوم ماوتسي تونغ للشيوعية، وربط هذا المفهوم، عند ماو في الممارسة، ربطاً محكماً بين مطامحه الشخصية كزعيم متوّج، بلا منازع، لبلده، وحلمه في بناء الدولة الصينية العظمى، من ناحية، وبين تطويع فكر ماركس ومشروعه الإشتراكي لهذين الطموح الشخصي عنده، ولحلمه القومي الصيني، الذي أراد، كما قال هو بالذات، أن يحل في العصر الجديد، في الفكر وفي الممارسة، محل التراث العظيم للحكيم الصيني القديم كونفوشيوس، من ناحية ثانية.
ويكاد القارئ يتذكر، من خلال هذه المعطيات التاريخية، الغزوات المغولية، من هولاكو إلى جنكيزخان إلى تيمورلنك. وجميعهم كانوا أبطالاً قوميين في نظر شعوبهم وأنشأوا دولاً وحضارات دامت قروناً.
كان عليَّ، وأنا أقرأ الكتاب مع زوجتي، في مسلسل ليلي على امتداد أسبوعين كاملين، أن أبحث عما يمكن أن يوحّد بين ما كنت أعرفه عن ماوتسي تونغ خلال الأعوام الستين من عمري كشيوعي، وبين ما يمكن أن يقدمه لي هذا الكتاب ولكل الذين سيقرأونه من أمثالي، مما لم نكن نعرفه، أومما كان مخفياً عنا، أو مما لم نكن نسعى لمعرفته، خوفاً من اكتشاف الحقيقة المرة، الحقيقة المأساوية التي سبق أن قدمت لنا عن عهد ستالين في أواسط خمسينيات القرن الماضي.
فماذا أعطانا هذا الكتاب من جديد لم نكن نعرفه عن هذه الشخصية الإستثنائية التي تحمل اسم وتاريخ وفكر ومغامرات ماوتسي تونغ؟
سيكون من الصعب، بل من غير الممكن إطلاقاً، أن أقدم عرضاً لهذا الكتاب، فصلاً فصلاً، وحدثاً حدثاً، ومرحلة مرحلة من تطور شخصية ماوتسي تونغ، ومن تطور حلمه في بناء الصين العظيمة، وعن مغامراته لتحقيق هذا الحلم.
سأتوقف باختصار عند بعض الاحداث والوقائع التي تقدم صورة مكثفة عما هو ضروري معرفته، حول ما كان يرمي إلى تحقيقه ماوتسي تونغ، منذ شبابه الباكر، في ما يشبه الأسطورة، بالنسبة إلى مستقبل الصين، وحول نظرته إلى موقعها القادم في العالم المعاصر، وحول سياساته، وحول أفكاره، وحول ممارساته. إذ أن هذه المعرفة ستجعلنا أكثر قدرة على معرفة ما هو ضروري معرفته حول ما يجري اليوم، وبعد ثلاثين عاماً من غياب ماوتسي تونغ، من إعداد لهذا الدور المرتقب للصين، على يد القادة الجدد، الذين اختلفوا عن ماو في فهمهم لهذا الدور، وتمايزوا تمايزاً أساسياً عنه، في الفكر وفي السياسة وفي البراغماتية. كما تمايزوا عن ماو في الفهم الواقعي لأفكار ماركس، وفي تجاوز هذه الأفكار في الآن ذاته. وتمايزوا عنه، في العلاقة الأكثر إنسانية مع مواطنيهم، حتى وهم يتابعون النهج القديم في احتكار السياسة والسلطة. وهو احتكار كان الحزب الواحد، الحزب الشيوعي، هو عنوانه الأبرز، الذي لم ير قادته الجدد أي تناقض بين اسمه وبين دلالات هذا الإسم، وبين برنامجه الداعي إلى بناء رأسمالية حديثة. وكان المؤتمر الأخير للحزب الأكثر تأكيداً على هذا النهج. الأمر الذي يذكر بما فعله لينين بعد انتصار ثورة أوكتوبر بأربعة أعوام، حين أعلن، من موقع السلطة باسم الحزب الشيوعي الروسي، “السياسة الإقتصادية الجديدة” (النيب)، بديلاً من السياسة السابقة التي أقرّ بفشلها في الحرب الأهلية، التي حملت عنوان “الشيوعية الحربية”، وأحدثت دماراً فوق الدمار الذي كانت تعيشه روسيا من جراء مشاركتها في الحرب العالمية الأولى. وكان من أبرز ما جاء في “السياسة الإقتصادية الجديدة” الدعوة إلى إقامة ما سمّاه لينين “رأسمالية الدولة” في روسيا، كخيار لا بديل منه، بالنسبة إلى الشيوعيين الروس في تلك المرحلة الأولى، المرحلة التي ينبغي أن يتم فيها بناء القاعدة المادية للإشتراكية في بلدهم.
لقد رصد مؤلفا الكتاب تطور شخصية ماوتسي تونغ وهو في ريعان شبابه. فاكتشفا جانباً أساسياً من طباعه التي رافقت مسيرته الطويلة. فهو “الضعيف الإيمان” كما يقولان. وهو الأناني. وهو صاحب المزاج الفردي الحاد، الذي جعله لا يحب أحداً، ولا يحسب حساباً لأحد. طموحاته غير محدودة. لا يخاف اقتحام الصعوبات، أيا كان نوعها وحجمها. لكنه يهيئ نفسه لكل حالة تنشأ في طريقه الذي يريد بسلوكه أن يقوده إلى المجد. ولا يتردد في الدوس على حياة ومصائر الأقربين إليه، حتى أفراد عائلته، زوجاته وأبنائه، حين كان يرى أن ذلك يسهل له طريقه للوصول إلى ما يبتغي. وهي صفات كانت تزداد قوة ورسوخاً عند ماو كلما كان يتقدم في طريقه إلى السلطة، داخل الحزب الشيوعي الصيني، منذ السنوات الأولى لتأسيسه في عام 1921، وإلى السلطة المطلقة في الحزب وفي البلاد، في المراحل التي كانت تتأسس فيها العناصر الأولى للدولة الصينية الحديثة، وصولاً إلى المرحلة التي انتصرت فيها الثورة بقيادته، وبدأت تبنى فيها الصين الجديدة، بزعامته، ووفق أفكاره وسياساته.
وقد لاحظت، أو هكذا خيّل إليَّ، أن مؤلفي الكتاب تسرّعا في استحضار اسم ستالين، في الحديث عن الحزب الشيوعي الصيني، وعن الجيش الأحمر الذي أنشأه الحزب، ارتباطاً بالنموذج السوفياتي. فستالين لم يصبح زعيماً مطلقاً للإتحاد السوفياتي إلا بعد سنوات من وفاة لينين، أي في أواخر عشرينيات القرن الماضي. ثم أنني لاحظت أن المؤلفين لم يدركا المعنى الحقيقي لاهتمام الإتحاد السوفياتي بالصين، وتحديداً في عهد قيادة لينين للحزب الشيوعي الروسي وللدولة السوفياتية، وللأممية الشيوعية. وبقدر ما تيسر لي من معرفة بتاريخ الثورة الروسية، وبسياسة لينين في قيادته لها، وللدولة السوفياتية التي أنشأها في أعقاب انتصار الثورة الإشتراكية، فإنني أستنتج، بما في ذلك بالإستناد إلى أقوال لينين بالذات، بأن توجهات الدولة السوفياتية الخاصة بنشر أفكار الإشتراكية على الصعيد العالمي، قد اختلفت، بعد انتهاء الحرب الأهلية الروسية في عام 1921، عما سبقها، في لحظة تأسيس الأممية الشيوعية في عام 1919. كان هدف الأممية الشيوعية تأسيس أحزاب شيوعية في كل بلدان العالم، لا سيما في أوروبا المتقدمة. لكن الحرب الأهلية، وتدخل أربع عشرة دولة في تلك الحرب لمنع الثورة من تحقيق كامل أهدافها، وهي كانت حليفة لروسيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى، جعلت لينين يتوجه نحو بلدان الشرق الآسيوي، التي كانت معظمها تناضل من أجل تحررها من السيطرة الإستعمارية، المتمثلة بالدول الأوروبية تحديداً. ومعروفة في التاريخ توجهات لينين نحو شعوب الشرق، بما فيها مناطق آسيا الوسطى التي صارت جزءاً من الإتحاد السوفياتي بعد انتصار ثورة أوكتوبر، وصولاً إلى الهند وإيران وأفغانستان والصين والهند الصينية، والبلدان العربية، التي كانت مصر، بالنسبة إلى لينين، أكثرها أهمية، وأكثرها أهلية لانتصار الثورة الوطنية التحررية فيها. وقد حدثت في جميع هذه البلدان ثورات وطنية في تلك الفترة بالذات. وكان مؤتمر باكو لشعوب الشرق، الذي عقد بقيادة لينين بمبادرة منه في عام 1921، التعبير المميز عن هذه التوجهات عند لينين، التي أكدها، بالنسبة إليه، فشل ثورتي ألمانيا والمجر الإشتراكيتين، اللتين قامتا مباشرة في أعقاب انتصار ثورة أوكتوبر، تضامناً معها، واستلهاماً لأفكارها، واستكمالاً لمسيرتها. وكانت قد بدأت تتكوّن، منذ ذلك التاريخ، العناصر الأولى للفاشية التي قادت أوروبا والعالم إلى الحرب العالمية الثانية، بعد خمسة عشر عاماً من وفاة لينين. ومعروفة المقولة الشهيرة للينين، التي تعبر عن جوهر توجهاته المشار إليها:
آسيا المتقدمة وأوروبا المتخلفة.
كان ستالين لصيقاً بلينين. لكنه كان دونه بالتأكيد ثقافة وفكراً. وقد حاول أن يأخذ منه بعضاً من أفكاره، وبعضاً من صفاته، نزعته الفردية، التي هي أسوأ صفاته، وترك جانباً الإيجابيات من تلك الصفات والسمات والأفكار. وتابع ستالين، بعد وفاة لينين، الإهتمام ذاته بالشرق الآسيوي. وكانت الصين في مقدمة اهتماماته. ويروي مؤلفا الكتاب تفاصيل جديدة، غير معروفة بالنسبة إليَّ، وربما بالنسبة إلى كثيرين في مشارق الأرض ومغاربها، حول دور موسكو، بقيادة ستالين، في الدعم الذي كان يقدم للحزب الشيوعي الصيني، وللجيش الأحمر الصيني، وللمناطق التي كان يستولي عليها الشيوعيون الصينيون، في زجفهم الصعب وباهظ الكلفة بشرياً ومادياً، لا سيما في المسيرة الطويلة الشهيرة، التي كان يقودها ماوتسي تونغ، في اتجاه الحدود مع منشوريا، للإقتراب من الإتحاد السوفياتي، ولجعل الدعم المادي والسياسي والعسكري من قبل هذا الأخير، للثورة الصينية، أكثر منالاً وأكثر فاعلية.
ويبدو لقارئ الكتاب بوضوح أن ماوتسي تونغ، إضافة إلى طموحاته وكفاءاته الشخصية، وإلى نزواته ومغامراته اللصيقة بشخيصته، كان قد بدأ يتسقط أخبار ستالين، ويتخذ منه مثالاً له، في ظروف الصين وتقاليدها وأوضاعها الخاصة. ورغم أن ماو، كما يشير إلى ذلك المؤلفان، قد انتسب إلى الحزب الشيوعي في وقت مبكر، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يدخل إلى صفوف حزب الكيومنتانغ القومي، الذي كان قد أسسه الزعيم الوطني صن يات صن، وخلفه بعد وفاته، في زعامة الحزب وفي زعامة الحركة الوطنية الصينية، تشان كاي شك. لكن ماو سرعان ما ترك هذا الحزب القومي، وبدأ خطته للإستيلاء التدريجي على قيادة الحزب الشيوعي، وعلى القيادة العسكرية للجيش الأحمر. وبدأ، في الوقت ذاته، يخوض صراعاً سياسياً وعسكرياً، باسم حزبه الشيوعي، مع تشان كاي شك. إذ كانت قد تبلورت فكرة الثورة، بدعم من موسكو، للإستيلاء على السلطة في هذا البلد الآسيوي الكبير. لكن هذا الصراع كان يزداد صعوبة وتعقيداً، بالنظر للمطامع اليابانية، من جهة، وللمطامع وللمصالح البريطانية، وحتى الأميركية، في الصين، من جهة ثانية. وكان ستالين يرى في الثورة الصينية أمرين متناقضين. فمن جهة كان يرى حاجة الإتحاد السوفياتي إلى وجود دولة آسيوية عظمى تقف إلى جانبه وتشاطره السياسة والإقتصاد، والموقع والقوة العسكريتين، والأيديولجيا. وكان يرى، من جهة ثانية، المخاطر المتمثلة بتبلور مصالح صينية حقيقية كلما كانت تقترب الثورة الصينية من احتمال انتصارها. لكن ستالين سرعان ما بدأ يرى في نموذج ماوتسي تونغ، القيادي المغامر وشديد الطموح، خصماً محتملاً وداهماً. وهذا ما أصبح واضحاً من دون التباس في المرحلة الأخيرة من الثورة، وبالأخص في المرحلة الأولى التي أعقبت انتصارها. وهو ما أبرزه مؤلفا الكتاب في القسم الأخير من كتابهما، عندما أشارا بوضوح إلى العقبات التي ظلت تحول دون تحقيق زيارة ماوتسي تونغ إلى موسكو، بقرار واعٍ من ستالين. وكان هذا التأخير المتعمد في تلبية رغبة ماو لزيارة موسكو يشير إلى القلق عند ستالين من هذا المارد الآتي من قلب ذلك البلد العظيم إلى موقع القيادة في الحركة الشيوعية، التي كان الإتحاد السوفياتي زعيمها غير المنازع. فإن قيام نظام شيوعي في الصين كان، في نظر ستالين، سيؤهل كلاً من ماوتسي تونغ والدولة الصينية بزعامته للعب دور كبير في السياسة العالمية، ولو بالتدريج، دور يتطابق مع حجم الصين. وقد اكتشف ماوتسي تونغ، عن كثب، ومن دون كبير جهد، خلال زيارته الأولى إلى موسكو للقاء ستالين في عام 1951، كيف أن ستالين قد تعامل معه بصلافة، وبإذلال مقصودين. وفهم المغزى من ذلك. فبدأ، بعد ذلك التاريخ، يهيئ للمرحلة اللاحقة في العلاقة مع الإتحاد السوفياتي. ورغم أن معاهدة الصداقة بين البلدين كانت تشير إلى التكامل بين الجبارين الشيوعيين في كل الميادين، كضروة لكل منهما، ولما كانا يعتبرانه يصب في مصلحة أفكارهما المشتركة المتمثلة بالشيوعية، فإن عناصر الخلاف بينهما كانت تتكوّن وتكبر بسرعة، خصوصاً بعد وفاة ستالين. وسرعان ما انفجر الصراع بين القطبين الكبيرين في أول مؤتمر للأحزاب الشيوعية عقد في موسكو في صيف عام 1957. وهو المؤتمر الذي أعقب حدثين كبيرين: الأول هو المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي الذي كرس نهجاً جديداً في الحزب السوفياتي مغايراًَ لنهج ستالين، مرفقاً بتقرير يدين جرائم ستالين خلال عهده الطويل. الثاني هو التدخل السوفياتي في المجر لقمع ما سمي بالـ”ثورة” لإصلاح الإشتراكية.
لكن الطرفين اتفقا على أن يبقى ذلك الخلاف سرياً، ربما بانتظار أن يعد كل منهما العدة لما بعد الإنفجار، أو ربما للبحث في إمكانية تجنب انفجار ذلك الخلاف، بالنظر لمخاطره الكبرى عليهما. لكن الإنفجار لم يتأخر. وظهر إلى العلن في المؤتمر الثاني للأحزاب الشيوعية، الذي عقد في موسكو أيضاً في عام 1960. وكان خروتشوف قد حل محل ستالين في قيادة الإتحاد السوفياتي، بعد صراع قصير مع الحرس القديم. وكان من نتائج ذلك الإنفجار انقسام الحركة الشيوعية بين موالٍ للإتحاد السوفياتي وموالٍ للصين. لكن الإتحاد السوفياتي ظل هو الأقوى في تقاسم النفوذ. أما الأحزاب الشيوعية فقد دفعت الثمن الباهظ لذلك الخلاف وللإنقسام الذي أدى إليه في المعسكر الإشتراكي وفي الحركة الشيوعية العالمية. إذ واجهتها صراعات وانقسامات حادة، أدت إلى إضعاف دورها في بلدانها. كذلك واجهت حركات التحرر الوطني مثل تلك الإنقسامات. وتعطل إلى حد كبير ، بفعل ذلك الصراع بين الجبارين، دور المنظمات الديمقراطية العالمية، التي كانت قد تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية بدور مباشر من موسكو، ودعم لاحق من بكين. وكنت شاهداً على ذلك، بحكم وجودي على التوالي، في منظمتين من تلك المنظمات، في بودابست وفي فيينا، هما اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي ومجلس السلم العالمي.
لم يعر مؤلفا الكتاب لهذا الحدث الكبير المشار إليه اهتمامهما. إذ كان همهما الأساسي هو متابعة تطور شخصية ماوتسي تونغ، مرحلة إثر مرحلة. وقد سجلا، خلال جهدهما الكبير في هذه المهمة، وقائع مذهلة تركزت أساساً على الجرائم التي ارتكبها ماو في سعيه للإستيلاء على السلطة في الحزب، ثم للإستيلاء على السلطة في الصين بعد انتصار الثورة. لكنهما ركزا، خصوصاً، على نهج ماو في بناء الدولة الصينية بقيادته، النهج الذي أنتج دماراً غير مسبوق في تاريخ العالم المعاصر. وباستطاعة القارئ، إذا ما توفر عنده الوقت والجلد والصبر لقراءة الكتاب من ألفه إلى يائه، أن يرى كيف أن ماو كان يمارس أنواعاً متعددة من الإرهاب والقتل والتعذيب، مباشرة، وعبر المؤامرات المحاكة بواسطة زبانيته، من أجل تحقيق مآربه، وتثبيت زعامته. وكان يضحي بالألوف من الشيوعيين، من دون أن يرف له جفن، قياديين وكوادر وأعضاء عاديين. وكان يقصي بالتآمر رفاقه في القيادة، الواحد تلو الآخر، ويذلهم ثم يعيدهم أذلاء إلى مواقع الولاء له. وكان من أوائل تلك الأعمال ومن أكثرها إجراماً بحق رفاقه في الحزب ما رافق عقد المؤتمر السابع للحزب في عام 1945. وهو المؤتمر الذي أبرز فيه ماو نظريته، التي حملت لأول مرة صفة “فكر ماو”. واقتضى ذلك منه إحداث تطهير في الحزب شمل قياديين كباراً وكوادر. كما شهد أعمال تعذيب وإذلال. ولم يتردد ماو، عشية استكمال خطته لفتح الصين، كما سمّى ذلك مؤلفا الكتاب، في إعلان ما سماه ماو “حرب الأفيون الثورية”، سعياً للحصول على المال، مستلهماً في ذلك حرب الأفيون الشهيرة التي عرفتها الصين في القرن التاسع عشر بين المقاطعات الصينية المتصارعة.
تابع ماوتسي تونغ، وفق ما يروي الكتاب، طريقه إلى بناء الصين العظمى، بعد انتصار الثورة. فخاض أولى مغامراته المعروفة “بالقفزة الكبرى”. وهي “قفزة” لم تكن متوفرة شروطها الموضوعية للنجاح. فقسم الصين إلى “كومونات”. وطلب من هذه الكومونات أن تتنافس فيما بينها في الإنتاج الصناعي بأدوات متخلفة، والإستعانة في ذلك بالفلاحين. فكان الفلاحون الضحية الكبرى لتلك “القفزة”. إذ هلك من جراء المجاعة، خلال أقل من عشر سنوات من عمر “القفزة”، اثنان وثلاثون مليوناً منهم، كما يؤكد مؤلفا الكتاب في استقصاءاتهم التاريخية. وهكذا أثبتت “القفزة الكبرى” فشلها. وواجهت ماو انتقادات حادة بسببها، من قبل رفاقه في قيادة الحزب والدولة، ومن قبل المواطنين العاديين. إلا أنه رفض الإقرار بالفشل. وانتقل إلى “الثورة الثقافية” التي قضى فيها على الكثير مما ارتبط بتاريخ الصين القديم وبحضارتها، وما اختزنته المكتبات من كنوز ثقافية في الآداب والفنون، وما احتوته المعابد القديمة من تراث حضاري. إذ أحرق ماو الكثير من هذه الكنوز، باعتبارها كانت تمثل في نظره نماذج للثقافة البرجوازية والإقطاعية المعادية لأفكار الثورة البروليتارية، ودائماً باسم الشيوعية المغدورة، وباسم أفكار ماركس، المداسة هي وقيمها ومثلها بأقدام طغاة من أمثال ستالين إلى ماوتسي تونغ وبول بوت في كمبوديا. ولم يكتف ماو بذلك. بل هو قرر، في ذات عام من أعوام طغيانه في زمن الثورة الثقافية، إيقاف التعليم في المدارس تحريراً للأجيال الجديدة من الآثار السلبية للثقافة البرجوازية. لكن واحداً من أبشع ما يشير إليه الكتاب، وما هو معروف في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني، هو موقف ماوتسي تونغ من رفاقه الكبار، شركائه في قيادة الثورة والبلاد والحزب، ليوشاوشي وشو إن لاي وتشو ته ودينغ هسياوبينغ، وآخرين من كبار القادة ومن كبار المفكرين. إذ أن هؤلاء ظلوا يواجهون الإضطهاد والإذلال، والإقصاء من مواقعهم، إلى أن غادر أكثرهم الحياة، الواحد منهم إثر الآخر، في أسوأ ما تكون عليه النهاية. ويقول مؤلفا الكتاب بأن ماو حرم شو إن لاي، بقرار سري منه، من المعالجة من مرض السرطان، وتركه يموت في فراشه عليلاً، مع بقائه حتى آخر أيام حياته رئيساً للحكومة. وكان هذا هو مصير ليو شاو شي، الذي ظل رئيساً للدولة حتى آخر حياته. أما دنغ هسياو بينغ فقد واجه السّحل في الشوارع، من دون أن يفارق الحياة. وكان ذلك من حظ الصين المعاصرة، صين ما بعد ماوتسي تونغ. إذ أصبح دينغ رمز نهضة الصين الجديدة، لكن في طريقة مختلفة بالكامل عن طريقة ماوتسي تونغ، وبالقليل من الخسائر. بل إن دينغ هو الذي وضع السياسة طويلة المدى لتحرير الصين من آثار المجاعة، التي كانت متبقية من عهد ماوتسي تونغ. واستعاد بالدبلوماسية جزيرة هونغ كونغ. ولم يغامر سياسياً وعسكرياً في السعي لاستعادة جزيرة تايوان. وأعاد العلاقة مع الإتحاد السوفياتي قبل أن ينهار، وتنهار معه التجربة الإشتراكية. وأقام علاقات سياسية مع الدول الكبرى، على أسس جديدة من الواقعية. وتخلى عن الماوية، في الفكر وفي السياسة، وفي عملية البناء. وأعاد العلاقة مع الأحزاب الشيوعية إلى طبيعتها، على قاعدة مبدئية الإحترام المتبادل وعدم التدخل من قبل أحد في شؤون الآخر، والإقرار باستقلالية كل حزب في تقرير سياساته ومواقفه وخياراته.
غادر ماوتسي تونغ الحياة في عام 1976، بعد أن كان قد بلغ الثانية والثمانين من عمره. لكنه تحول في سنوات عمره الأخيرة إلى ما يشبه المومياء. إذ هو فقد القدرة على الحركة وعلى النطق. وكان المقربون إليه من قادة البلاد يترجمون تمتماته ويحولونها إلى قرارات، تتوافق مع أهوائهم.
لم أكد أنتهي من قراءة الكتاب مع زوجتي حتى كدنا نصاب بالدوار. ورغم أن كثرة من المعلومات الواردة في الكتاب كانت غائبة عن معرفتي، إلا أنني كنت ألمّ بالكثير من أمثالها. لكننا تساءلنا كلانا بقلق، زوجتي وأنا، نحن الشيوعيين العتيقين، عما إذأ كانت تلك المعلومات التي حفل بها الكتاب صحيحة بالكامل. ولم يكن بوسعنا أن نجيب عن هذا التساؤل. لكن معرفتنا بما كان يجري في الإتحاد السوفياتي في عهد ستالين جعلتنا أقرب إلى تصديق تلك المعلومات. ومع ذلك لا بد من طرح السؤال، في ما يشبه النقد للمؤلفين، عن الأسباب التي جعلتهما يغفلان مجموعة من المعلومات تتصل بأفكار ماوتسي تونغ التي أشارا إليها إشارة عابرة، كما تتصل بأفكار رفاقه الكبار، ليوشاوشي وشو إن لاي وعدد غير قليل من كبار المنظرين للثورة الصينية. وكانت لهؤلاء القادة الكبار مؤلفاتهم. وكانت تلك المؤلفات تشكل مرجعيات في تفسير وتحديد وإغناء النظرية الماوية في الثورة الوطنية التحررية، وفي الثورة الإشتراكية. وكان من أهم هذه الكتب كتاب ماو “الديمقراطية الجديدة” وكتابه “في التناقض”. أما الكتاب الأحمر فكان يتضمن مقتطفات من كتاباته وأقواله. ثم لماذا لم يتحدث الكتاب عن أفكار ليوشاو شي خصوصاً، وهو المنظر الثاني للثورة، في الفكر وفي السياسة وفي التنظيم الحزبي. ولماذا لم يتحدث الكتاب، في السياق ذاته، بما يكفي من الإهتمام، وليس بالإشارات العابرة، إلى الدور الكبير الذي لعبه شو إن لاي، أولاَ في مؤتمر باندونغ في عام 1955، وفي حركة عدم الإنحياز التي قامت على أساس قرارات هذا المؤتمر ، ثم في المراحل اللاحقة، بوصفه الأكثر اعتدالاً في العلاقات مع الدول، وذلك من موقعه رئيساً للحكومة على امتداد حياته حتى وفاته. ثم لماذا لم يبرز المؤلفان الخلاف الذي نشب في الحركة الشيوعية، وأدى إلى انقسامها. ولماذا لم يشرا إلى التنظيرات السياسية لماو حول حركة التحرر الوطني، وحول الإستعمار كنمر من ورق، وحول سياسة التعايش السلمي، التي كان يسلكها الإتحاد السوفياتي، والتي اعتبرها ماو خيانة للبروليتاريا وللنضال الطبقي وللنضال ضد الإستعمار.
هذه الأسئلة، وأسئلة أخرى تكملها، لا ترمي إلى التشكيك بالجهد الذي بذله مؤلفا الكتاب في إبراز العناصر المكونة لشخصية ماوتسي تونغ ولمسيرته الطويلة، منذ البدايات حتى نهاية العمر. بل أن الهدف من هذا الأسئلة هو معرفة الوظيفة السياسية والتاريخية، والأيديولوجية، من وراء التركيز على الطابع الوحشي والإجرامي لشخصية هذا الزعيم الصيني الإستثنائي. فإذا كان الغرض من الكتاب هو الاستنتاج بأن الشيوعية هي مثل سواها من الحركات في التاريخ، منذ القدم وحتى عصرنا الحالي، ترتبط أفكارها وبرامجها بأهواء ونزوات شخصيات كبيرة، وبمصالح توحد بين المطامح الشخصية والمطامح القومية، وأنها، بالتالي، غير معنية كثيراً بمصالح البشر، أفراداً وجماعات، وغير معنية بتحقيق السعادة لهم، كما تدعي أفكارها وبرامجها، إذا كان هذا هو الغرض السياسي من إصدار الكتاب، فإن ذلك سيكون من قبل المؤلفين تأكيداً أيديولوجياً يقلل من شأن دورهما كمؤرخين موضوعيين لحدث تاريخي كبير، يتصل بشخص ماوتسي تونغ، وبولادة الصين الجديدة. وإذ أشير إلى هذا “الخلل” (في الكتاب) في الأمور المشار إليها، برغم أهمية الجهد المبذول فيه من قبل مؤلفيه في متابعة تطور شخصية ماوتسي تونغ، فلأنني متمايز في انتمائي إلى الشيوعية عن كل التجارب التي حملت اسمها، ومتمايز في افكاري عن محاولات عدد من المفكرين الماركسيين في تفسير أفكار ماركس. لكنني، في الوقت عينه، أصرّ على إعلان انتمائي إلى المثل والمبادئ والقيم التي ارتبطت بمشروع ماركس لتغيير العالم. وهي مثل ومبادئ وقيم تؤكد على احترام الإنسان الفرد، وعلى احترام خياراته واحترام حريته. وهي تتمثل في تحقيق التقدم في ميادينه كافة مقروناً بالحرية وبحق البشر في العدالة الإجتماعية التي تحقق لهم السعادة، التي هي هدف كل الأفكار العظيمة منذ فجر التاريخ، حتى أيامنا الراهنة. وهي الأفكار والأهداف التي حاول أصحاب المطامح الخاصة من المغامرين إجهاضها، وتفريغها من مضامينها الإنسانية الحقيقية.
لقد أتيح لي أن أزور البلدان الإشتراكية كلها، ومنها الصين. وجاءت زيارتي إلى الصين في عهدين مختلفين: عهد ماوتسي تونغ في عام 1954، وعهد دنغ هسياو بينغ في عام 1987. ولست أدعي أنني كنت قادراً في عام 1954 على رؤية الأشياء والوقائع، أو حتى جزءاً يسيراً مما جاء منها في هذا الكتاب. لكن زيارتي لصين ما بعد ماوتسي تونغ قد قدمت لي صورة مختلفة عما تتجه الصين الجديدة إليه في توجهاتها السياسية والثقافية والإقتصادية والإجتماعية. وهي توجهات تربط بين أمرين كبيرين متلازمين، برغم ما يمكن أن يحدث من فجوات مرحلية بينهما، هما: تحقيق التقدم للصين في كل الميادين، من أجل أن تصبح دولة عظمى بالمعنى الحقيقي للكلمة، وتأمين الشروط التي تتيح للشعب الصيني التمتع الكامل بهذا التقدم. ولقد سمعت كلاماً صريحاً من نائب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني هو شي لي، الذي استقبلني مع وفد الحزب الشيوعي اللبناني في عام 1987 بصفتي نائباً للأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، إذ قال لي بالحرف الواحد:” إن مهمتنا للأعوام العشرة القادمة هي إخراج مايتي مليون صيني من خط الفقر. أما خطتنا لبناء القاعدة المادية للإشتراكية فستحتاج منا إلى خمسين عاماً. إذ أننا سنعمل خلال هذا الزمن لتوفير الشروط التي تجعل التقدم المحقق في كل مجالاته يصب في خدمة رفاهية الشعب الصيني”. وأردف قائلاً بوضوح، جواباً عن سؤال محرج وجهته إليه بخصوص الحريات العامة: “إن الطريق الذي سلكه غورباتشوف في الإتحاد السوفياتي باسم الديمقراطية، سيقود حتماً، إذا ما نحن سلكناه، إلى تفتيت الصين، هذا البلد الكبير في مساحته وفي عدد سكانه، والمتعدد في قومياته، وفي مناطقه المختلفة شروطها وتقاليدها”. وترك لي أن أستنتج الباقي، مما كان شديد الوضوح بالنسبة إليَّ.
إن كل ما تقدم من ملاحظات على الكتاب، وما أشرت إليه من تجربتي في زيارتي للصين، يقودني إلى القول بأن ما هو أساسي في الشيوعية، بالنسبة إليَّ، ليس التمسك بالإسم، ولا في كثرة الحديث عن الأفكار الشيوعية. بل أن ما هو أهم من ذلك، بالتأكيد وبالتحديد، هو الوفاء للقيم المتصلة بالشيوعية وبمثلها وبمبادئها، بواقعية وبثبات، والبحث الدائم عن الإرتقاء، عبر المراحل المختلفة، نحو تحقيق الهدف من التقدم، الذي تسعى إليه، الهدف المتمثل أساساً بتحقيق السعادة للبشر، وتأمين الحرية لهم، وتوفير الشروط التي تجعلهم يتمتعون بكل ما ينجز من تقدم علمي، ومن خيرات مادية.
ولعلي لا أظلم مؤلفي الكتاب إذا ما تصورت، مجرد التصور، أن إصدار كتابهما، في هذا الوقت بالذات، ربما يكون بإيحاء من القيادة الصينية الحالية، وبدعم غير مباشر منها، في ما يشبه الدور الذي لعبه خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، حين قرر نهجاً جديداً مغايراً لنهج ستالين، ووضع تقريراً سرياً سرّبه إلى وسائل الإعلام الأجنبية، يدين فيه بحزم وبالوقائع سياسة ستالين، ويكشف جرائمه بالكثير من التفاصيل، لكي يعطي لعهده في بناء الدولة السوفياتية صورة مختلفة عما ساد، محلياً وعالمياً، من أفكار وممارسات أساءت إلى الدولة السوفياتية، وإلى الشيوعية، على وجه الخصوص، كمشروع إنساني لمستقبل البشرية.

في ذكرى رحيل ماوتسي تونغ , القصة المجهولة

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الموسى 333

ثلاثون عاماً مضت على رحيل ماوتسي تونغ، زعيم الصين الجديدة، وموحدها تحت راية الشيوعية. رحل ماوتسي تونغ، ورحلت معه منظومته الفكرية، التي اتخذت اسم وصفة الماوية ، في الصين أولاً، التي بنى دعائمها، ثم في الحركة الشيوعية العالمية، التي قسم صفوفها، منذ السنوات الأولى التي أعقبت انتصار الثورة الصينية، وترافقت مع قيام نظام اشتراكي عالمي، بقيادة الإتحاد السوفياتي. بعد رحيل ماو غاب في الصين لقب الزعيم الأوحد. وتقلص بالتدريج، وبسرعة مذهلة، الحديث القديم عن الدور الذي كان يريد ماو أن يعطيه للصين، كدولة شيوعية عظمى، مقترناً بنظريته الماوية، كصيغة مختلفة عن الصيغة السوفياتية لتعميم أفكار ماركس، ولنقل هذه الأفكار إلى الواقع، في العالم المعاصر. ووضع جثمان ماو في متحف كبير وسط العاصمة بكين، لكي يستقر فيه، ولتستقر معه في هذا المتحف المعظم أفكاره وسياساته ونهجه التدميري الذي رافقه في الثورة وفي بناء دولة الصين الشعبية.

وخلف ماو في زعامة الحزب الشيوعي الصيني، وفي قيادة الدولة الصينية العظمى، دينغ هسياو بينغ، الذي كان أحد ضحايا ماو في الثورة الثقافية. فباشر هذا الزعيم الجديد، على الفور، بتغيير نهج ماو، بالكامل، في بناء الصين الجديدة. ورفض دينغ أن يبقى، بعد تقدمه في السن، في موقع المسؤولية. وترك للأجيال الجديدة أن تتابع الطريق الواقعي، المرتبط بالعصر، لبناء الصين، حجراً حجراً، من دون “قفزة كبرى” أو “ثورة ثقافية” أو أي مغامرة تحمل طابع التسريع القسري في تحقيق التقدم. إذ اعتبر دينغ أن للتقدم شروطاً موضوعية واقعية، وزمناً ضرورياً لا بد من اجتيازه، وأن صنع التقدم إنما يحتاج إلى جهد الصينيين جميعاً. وفي ظل توفر هذه الشروط، وليس خارجها، تستطيع الصين أن تنتقل، مرحلة إثر مرحلة، لتأخذ دورها الطبيعي غير المفتعل، الذي يعود لها في الزمن الحالي، والذي سيعود لها في المستقبل القريب، وفي المستقبل البعيد، على وجه التحديد.
ماذا يعني هذا الكلام، في معرض الحديث عن الكتاب الذي صدر مؤخراً باللغة العربية عن دار النهار، في الذكرى الثلاثين لغياب ماوتسي تونغ، حاملاً إلى العالم ما اعتبره مؤلفاه القصة المجهولة لحياة هذه الشخصية الصينية العجائبية؟
الموضوع هنا يتصل بكاتب هذه السطور، الشيوعي العتيق، ابن المدرستين في الشيوعية، القديمة المنهارة منها، والجديدة التي لم تولد بعد، والتي تبحث عن ذاتها، ويسهم في البحث عنها وعن توليدها المنتمون إليها. بل أن هذا الموضوع إنما يتصل، في الحقيقة، بالملايين من أمثالي، من الأجيال المتعاقبة، من شيوعيي بلداننا العربية، ومن شيوعيي العالم الكثر، الذين حطم انهيار التجربة الإشتراكية أحلامهم، وتركهم أسرى حالتين: الوهم باستعادة الماضي عند بعضهم، والبحث، عند الآخرين، عن الجديد الذي لم يولد بعد.
أسوق هذا الكلام، بعد أن فرغت من قراءة هذا الكتاب الضخم عن القصة المجهولة لحياة ماوتسي تونغ، الذي وضعه كل من الصينية يونغ تشانغ وزوجها الإنكليزي جون هوليداي. وضخامة الكتاب لا تنحصر في عدد صفحاته الستمئة واثنتين وثمانين. بل أن ضخامته تتمثل، أساساً، في هذا الحشد الهائل من المعلومات التي بذل المؤلفان جهداً كبيراً يستحقان عليه التقدير من أجل الحصول عليها من مصادرها المتعددة، بما في ذلك من ترسانة أرشيف ماوتسي تونغ الشخصي بالذات. لكن الأكثر إثارة للدهشة في هذا الكتاب هو تلك العناية الفائقة، التي لا تخلو، في نظر قارئ شيوعي مثلي، من وظيفة سياسية وأيديولجية، للربط المحكم بين أمور ثلاثة. الأمر الأول يتعلق بالتطور المتسق، الحافل بالتناقضات، لشخصية ماوتسي تونغ، ولطبائعه ولطموحاته، وللجرائم غير المسبوقة في تاريخ العالمين القديم والحديث، التي ترافقت مع مغامراته، وأعطت لهذه المغامرات طابعها المزدوج والمتناقض، طابع التدمير من أجل البناء. الأمر الثاني يتعلق بالملحمة الأسطورية المتمثلة ببناء دولة الصين الجديدة، بقيادة ماوتسي تونغ. وهو أمر ينبغي ألا يغيب، أو يغيَّب، في الحديث عن تلك الحقبة من تاريخ الصين. الأمر الثالث يتعلق بمفهوم ماوتسي تونغ للشيوعية، وربط هذا المفهوم، عند ماو في الممارسة، ربطاً محكماً بين مطامحه الشخصية كزعيم متوّج، بلا منازع، لبلده، وحلمه في بناء الدولة الصينية العظمى، من ناحية، وبين تطويع فكر ماركس ومشروعه الإشتراكي لهذين الطموح الشخصي عنده، ولحلمه القومي الصيني، الذي أراد، كما قال هو بالذات، أن يحل في العصر الجديد، في الفكر وفي الممارسة، محل التراث العظيم للحكيم الصيني القديم كونفوشيوس، من ناحية ثانية.
ويكاد القارئ يتذكر، من خلال هذه المعطيات التاريخية، الغزوات المغولية، من هولاكو إلى جنكيزخان إلى تيمورلنك. وجميعهم كانوا أبطالاً قوميين في نظر شعوبهم وأنشأوا دولاً وحضارات دامت قروناً.
كان عليَّ، وأنا أقرأ الكتاب مع زوجتي، في مسلسل ليلي على امتداد أسبوعين كاملين، أن أبحث عما يمكن أن يوحّد بين ما كنت أعرفه عن ماوتسي تونغ خلال الأعوام الستين من عمري كشيوعي، وبين ما يمكن أن يقدمه لي هذا الكتاب ولكل الذين سيقرأونه من أمثالي، مما لم نكن نعرفه، أومما كان مخفياً عنا، أو مما لم نكن نسعى لمعرفته، خوفاً من اكتشاف الحقيقة المرة، الحقيقة المأساوية التي سبق أن قدمت لنا عن عهد ستالين في أواسط خمسينيات القرن الماضي.
فماذا أعطانا هذا الكتاب من جديد لم نكن نعرفه عن هذه الشخصية الإستثنائية التي تحمل اسم وتاريخ وفكر ومغامرات ماوتسي تونغ؟
سيكون من الصعب، بل من غير الممكن إطلاقاً، أن أقدم عرضاً لهذا الكتاب، فصلاً فصلاً، وحدثاً حدثاً، ومرحلة مرحلة من تطور شخصية ماوتسي تونغ، ومن تطور حلمه في بناء الصين العظيمة، وعن مغامراته لتحقيق هذا الحلم.
سأتوقف باختصار عند بعض الاحداث والوقائع التي تقدم صورة مكثفة عما هو ضروري معرفته، حول ما كان يرمي إلى تحقيقه ماوتسي تونغ، منذ شبابه الباكر، في ما يشبه الأسطورة، بالنسبة إلى مستقبل الصين، وحول نظرته إلى موقعها القادم في العالم المعاصر، وحول سياساته، وحول أفكاره، وحول ممارساته. إذ أن هذه المعرفة ستجعلنا أكثر قدرة على معرفة ما هو ضروري معرفته حول ما يجري اليوم، وبعد ثلاثين عاماً من غياب ماوتسي تونغ، من إعداد لهذا الدور المرتقب للصين، على يد القادة الجدد، الذين اختلفوا عن ماو في فهمهم لهذا الدور، وتمايزوا تمايزاً أساسياً عنه، في الفكر وفي السياسة وفي البراغماتية. كما تمايزوا عن ماو في الفهم الواقعي لأفكار ماركس، وفي تجاوز هذه الأفكار في الآن ذاته. وتمايزوا عنه، في العلاقة الأكثر إنسانية مع مواطنيهم، حتى وهم يتابعون النهج القديم في احتكار السياسة والسلطة. وهو احتكار كان الحزب الواحد، الحزب الشيوعي، هو عنوانه الأبرز، الذي لم ير قادته الجدد أي تناقض بين اسمه وبين دلالات هذا الإسم، وبين برنامجه الداعي إلى بناء رأسمالية حديثة. وكان المؤتمر الأخير للحزب الأكثر تأكيداً على هذا النهج. الأمر الذي يذكر بما فعله لينين بعد انتصار ثورة أوكتوبر بأربعة أعوام، حين أعلن، من موقع السلطة باسم الحزب الشيوعي الروسي، “السياسة الإقتصادية الجديدة” (النيب)، بديلاً من السياسة السابقة التي أقرّ بفشلها في الحرب الأهلية، التي حملت عنوان “الشيوعية الحربية”، وأحدثت دماراً فوق الدمار الذي كانت تعيشه روسيا من جراء مشاركتها في الحرب العالمية الأولى. وكان من أبرز ما جاء في “السياسة الإقتصادية الجديدة” الدعوة إلى إقامة ما سمّاه لينين “رأسمالية الدولة” في روسيا، كخيار لا بديل منه، بالنسبة إلى الشيوعيين الروس في تلك المرحلة الأولى، المرحلة التي ينبغي أن يتم فيها بناء القاعدة المادية للإشتراكية في بلدهم.
لقد رصد مؤلفا الكتاب تطور شخصية ماوتسي تونغ وهو في ريعان شبابه. فاكتشفا جانباً أساسياً من طباعه التي رافقت مسيرته الطويلة. فهو “الضعيف الإيمان” كما يقولان. وهو الأناني. وهو صاحب المزاج الفردي الحاد، الذي جعله لا يحب أحداً، ولا يحسب حساباً لأحد. طموحاته غير محدودة. لا يخاف اقتحام الصعوبات، أيا كان نوعها وحجمها. لكنه يهيئ نفسه لكل حالة تنشأ في طريقه الذي يريد بسلوكه أن يقوده إلى المجد. ولا يتردد في الدوس على حياة ومصائر الأقربين إليه، حتى أفراد عائلته، زوجاته وأبنائه، حين كان يرى أن ذلك يسهل له طريقه للوصول إلى ما يبتغي. وهي صفات كانت تزداد قوة ورسوخاً عند ماو كلما كان يتقدم في طريقه إلى السلطة، داخل الحزب الشيوعي الصيني، منذ السنوات الأولى لتأسيسه في عام 1921، وإلى السلطة المطلقة في الحزب وفي البلاد، في المراحل التي كانت تتأسس فيها العناصر الأولى للدولة الصينية الحديثة، وصولاً إلى المرحلة التي انتصرت فيها الثورة بقيادته، وبدأت تبنى فيها الصين الجديدة، بزعامته، ووفق أفكاره وسياساته.
وقد لاحظت، أو هكذا خيّل إليَّ، أن مؤلفي الكتاب تسرّعا في استحضار اسم ستالين، في الحديث عن الحزب الشيوعي الصيني، وعن الجيش الأحمر الذي أنشأه الحزب، ارتباطاً بالنموذج السوفياتي. فستالين لم يصبح زعيماً مطلقاً للإتحاد السوفياتي إلا بعد سنوات من وفاة لينين، أي في أواخر عشرينيات القرن الماضي. ثم أنني لاحظت أن المؤلفين لم يدركا المعنى الحقيقي لاهتمام الإتحاد السوفياتي بالصين، وتحديداً في عهد قيادة لينين للحزب الشيوعي الروسي وللدولة السوفياتية، وللأممية الشيوعية. وبقدر ما تيسر لي من معرفة بتاريخ الثورة الروسية، وبسياسة لينين في قيادته لها، وللدولة السوفياتية التي أنشأها في أعقاب انتصار الثورة الإشتراكية، فإنني أستنتج، بما في ذلك بالإستناد إلى أقوال لينين بالذات، بأن توجهات الدولة السوفياتية الخاصة بنشر أفكار الإشتراكية على الصعيد العالمي، قد اختلفت، بعد انتهاء الحرب الأهلية الروسية في عام 1921، عما سبقها، في لحظة تأسيس الأممية الشيوعية في عام 1919. كان هدف الأممية الشيوعية تأسيس أحزاب شيوعية في كل بلدان العالم، لا سيما في أوروبا المتقدمة. لكن الحرب الأهلية، وتدخل أربع عشرة دولة في تلك الحرب لمنع الثورة من تحقيق كامل أهدافها، وهي كانت حليفة لروسيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى، جعلت لينين يتوجه نحو بلدان الشرق الآسيوي، التي كانت معظمها تناضل من أجل تحررها من السيطرة الإستعمارية، المتمثلة بالدول الأوروبية تحديداً. ومعروفة في التاريخ توجهات لينين نحو شعوب الشرق، بما فيها مناطق آسيا الوسطى التي صارت جزءاً من الإتحاد السوفياتي بعد انتصار ثورة أوكتوبر، وصولاً إلى الهند وإيران وأفغانستان والصين والهند الصينية، والبلدان العربية، التي كانت مصر، بالنسبة إلى لينين، أكثرها أهمية، وأكثرها أهلية لانتصار الثورة الوطنية التحررية فيها. وقد حدثت في جميع هذه البلدان ثورات وطنية في تلك الفترة بالذات. وكان مؤتمر باكو لشعوب الشرق، الذي عقد بقيادة لينين بمبادرة منه في عام 1921، التعبير المميز عن هذه التوجهات عند لينين، التي أكدها، بالنسبة إليه، فشل ثورتي ألمانيا والمجر الإشتراكيتين، اللتين قامتا مباشرة في أعقاب انتصار ثورة أوكتوبر، تضامناً معها، واستلهاماً لأفكارها، واستكمالاً لمسيرتها. وكانت قد بدأت تتكوّن، منذ ذلك التاريخ، العناصر الأولى للفاشية التي قادت أوروبا والعالم إلى الحرب العالمية الثانية، بعد خمسة عشر عاماً من وفاة لينين. ومعروفة المقولة الشهيرة للينين، التي تعبر عن جوهر توجهاته المشار إليها:
آسيا المتقدمة وأوروبا المتخلفة.
كان ستالين لصيقاً بلينين. لكنه كان دونه بالتأكيد ثقافة وفكراً. وقد حاول أن يأخذ منه بعضاً من أفكاره، وبعضاً من صفاته، نزعته الفردية، التي هي أسوأ صفاته، وترك جانباً الإيجابيات من تلك الصفات والسمات والأفكار. وتابع ستالين، بعد وفاة لينين، الإهتمام ذاته بالشرق الآسيوي. وكانت الصين في مقدمة اهتماماته. ويروي مؤلفا الكتاب تفاصيل جديدة، غير معروفة بالنسبة إليَّ، وربما بالنسبة إلى كثيرين في مشارق الأرض ومغاربها، حول دور موسكو، بقيادة ستالين، في الدعم الذي كان يقدم للحزب الشيوعي الصيني، وللجيش الأحمر الصيني، وللمناطق التي كان يستولي عليها الشيوعيون الصينيون، في زجفهم الصعب وباهظ الكلفة بشرياً ومادياً، لا سيما في المسيرة الطويلة الشهيرة، التي كان يقودها ماوتسي تونغ، في اتجاه الحدود مع منشوريا، للإقتراب من الإتحاد السوفياتي، ولجعل الدعم المادي والسياسي والعسكري من قبل هذا الأخير، للثورة الصينية، أكثر منالاً وأكثر فاعلية.
ويبدو لقارئ الكتاب بوضوح أن ماوتسي تونغ، إضافة إلى طموحاته وكفاءاته الشخصية، وإلى نزواته ومغامراته اللصيقة بشخيصته، كان قد بدأ يتسقط أخبار ستالين، ويتخذ منه مثالاً له، في ظروف الصين وتقاليدها وأوضاعها الخاصة. ورغم أن ماو، كما يشير إلى ذلك المؤلفان، قد انتسب إلى الحزب الشيوعي في وقت مبكر، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يدخل إلى صفوف حزب الكيومنتانغ القومي، الذي كان قد أسسه الزعيم الوطني صن يات صن، وخلفه بعد وفاته، في زعامة الحزب وفي زعامة الحركة الوطنية الصينية، تشان كاي شك. لكن ماو سرعان ما ترك هذا الحزب القومي، وبدأ خطته للإستيلاء التدريجي على قيادة الحزب الشيوعي، وعلى القيادة العسكرية للجيش الأحمر. وبدأ، في الوقت ذاته، يخوض صراعاً سياسياً وعسكرياً، باسم حزبه الشيوعي، مع تشان كاي شك. إذ كانت قد تبلورت فكرة الثورة، بدعم من موسكو، للإستيلاء على السلطة في هذا البلد الآسيوي الكبير. لكن هذا الصراع كان يزداد صعوبة وتعقيداً، بالنظر للمطامع اليابانية، من جهة، وللمطامع وللمصالح البريطانية، وحتى الأميركية، في الصين، من جهة ثانية. وكان ستالين يرى في الثورة الصينية أمرين متناقضين. فمن جهة كان يرى حاجة الإتحاد السوفياتي إلى وجود دولة آسيوية عظمى تقف إلى جانبه وتشاطره السياسة والإقتصاد، والموقع والقوة العسكريتين، والأيديولجيا. وكان يرى، من جهة ثانية، المخاطر المتمثلة بتبلور مصالح صينية حقيقية كلما كانت تقترب الثورة الصينية من احتمال انتصارها. لكن ستالين سرعان ما بدأ يرى في نموذج ماوتسي تونغ، القيادي المغامر وشديد الطموح، خصماً محتملاً وداهماً. وهذا ما أصبح واضحاً من دون التباس في المرحلة الأخيرة من الثورة، وبالأخص في المرحلة الأولى التي أعقبت انتصارها. وهو ما أبرزه مؤلفا الكتاب في القسم الأخير من كتابهما، عندما أشارا بوضوح إلى العقبات التي ظلت تحول دون تحقيق زيارة ماوتسي تونغ إلى موسكو، بقرار واعٍ من ستالين. وكان هذا التأخير المتعمد في تلبية رغبة ماو لزيارة موسكو يشير إلى القلق عند ستالين من هذا المارد الآتي من قلب ذلك البلد العظيم إلى موقع القيادة في الحركة الشيوعية، التي كان الإتحاد السوفياتي زعيمها غير المنازع. فإن قيام نظام شيوعي في الصين كان، في نظر ستالين، سيؤهل كلاً من ماوتسي تونغ والدولة الصينية بزعامته للعب دور كبير في السياسة العالمية، ولو بالتدريج، دور يتطابق مع حجم الصين. وقد اكتشف ماوتسي تونغ، عن كثب، ومن دون كبير جهد، خلال زيارته الأولى إلى موسكو للقاء ستالين في عام 1951، كيف أن ستالين قد تعامل معه بصلافة، وبإذلال مقصودين. وفهم المغزى من ذلك. فبدأ، بعد ذلك التاريخ، يهيئ للمرحلة اللاحقة في العلاقة مع الإتحاد السوفياتي. ورغم أن معاهدة الصداقة بين البلدين كانت تشير إلى التكامل بين الجبارين الشيوعيين في كل الميادين، كضروة لكل منهما، ولما كانا يعتبرانه يصب في مصلحة أفكارهما المشتركة المتمثلة بالشيوعية، فإن عناصر الخلاف بينهما كانت تتكوّن وتكبر بسرعة، خصوصاً بعد وفاة ستالين. وسرعان ما انفجر الصراع بين القطبين الكبيرين في أول مؤتمر للأحزاب الشيوعية عقد في موسكو في صيف عام 1957. وهو المؤتمر الذي أعقب حدثين كبيرين: الأول هو المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي الذي كرس نهجاً جديداً في الحزب السوفياتي مغايراًَ لنهج ستالين، مرفقاً بتقرير يدين جرائم ستالين خلال عهده الطويل. الثاني هو التدخل السوفياتي في المجر لقمع ما سمي بالـ”ثورة” لإصلاح الإشتراكية.
لكن الطرفين اتفقا على أن يبقى ذلك الخلاف سرياً، ربما بانتظار أن يعد كل منهما العدة لما بعد الإنفجار، أو ربما للبحث في إمكانية تجنب انفجار ذلك الخلاف، بالنظر لمخاطره الكبرى عليهما. لكن الإنفجار لم يتأخر. وظهر إلى العلن في المؤتمر الثاني للأحزاب الشيوعية، الذي عقد في موسكو أيضاً في عام 1960. وكان خروتشوف قد حل محل ستالين في قيادة الإتحاد السوفياتي، بعد صراع قصير مع الحرس القديم. وكان من نتائج ذلك الإنفجار انقسام الحركة الشيوعية بين موالٍ للإتحاد السوفياتي وموالٍ للصين. لكن الإتحاد السوفياتي ظل هو الأقوى في تقاسم النفوذ. أما الأحزاب الشيوعية فقد دفعت الثمن الباهظ لذلك الخلاف وللإنقسام الذي أدى إليه في المعسكر الإشتراكي وفي الحركة الشيوعية العالمية. إذ واجهتها صراعات وانقسامات حادة، أدت إلى إضعاف دورها في بلدانها. كذلك واجهت حركات التحرر الوطني مثل تلك الإنقسامات. وتعطل إلى حد كبير ، بفعل ذلك الصراع بين الجبارين، دور المنظمات الديمقراطية العالمية، التي كانت قد تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية بدور مباشر من موسكو، ودعم لاحق من بكين. وكنت شاهداً على ذلك، بحكم وجودي على التوالي، في منظمتين من تلك المنظمات، في بودابست وفي فيينا، هما اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي ومجلس السلم العالمي.
لم يعر مؤلفا الكتاب لهذا الحدث الكبير المشار إليه اهتمامهما. إذ كان همهما الأساسي هو متابعة تطور شخصية ماوتسي تونغ، مرحلة إثر مرحلة. وقد سجلا، خلال جهدهما الكبير في هذه المهمة، وقائع مذهلة تركزت أساساً على الجرائم التي ارتكبها ماو في سعيه للإستيلاء على السلطة في الحزب، ثم للإستيلاء على السلطة في الصين بعد انتصار الثورة. لكنهما ركزا، خصوصاً، على نهج ماو في بناء الدولة الصينية بقيادته، النهج الذي أنتج دماراً غير مسبوق في تاريخ العالم المعاصر. وباستطاعة القارئ، إذا ما توفر عنده الوقت والجلد والصبر لقراءة الكتاب من ألفه إلى يائه، أن يرى كيف أن ماو كان يمارس أنواعاً متعددة من الإرهاب والقتل والتعذيب، مباشرة، وعبر المؤامرات المحاكة بواسطة زبانيته، من أجل تحقيق مآربه، وتثبيت زعامته. وكان يضحي بالألوف من الشيوعيين، من دون أن يرف له جفن، قياديين وكوادر وأعضاء عاديين. وكان يقصي بالتآمر رفاقه في القيادة، الواحد تلو الآخر، ويذلهم ثم يعيدهم أذلاء إلى مواقع الولاء له. وكان من أوائل تلك الأعمال ومن أكثرها إجراماً بحق رفاقه في الحزب ما رافق عقد المؤتمر السابع للحزب في عام 1945. وهو المؤتمر الذي أبرز فيه ماو نظريته، التي حملت لأول مرة صفة “فكر ماو”. واقتضى ذلك منه إحداث تطهير في الحزب شمل قياديين كباراً وكوادر. كما شهد أعمال تعذيب وإذلال. ولم يتردد ماو، عشية استكمال خطته لفتح الصين، كما سمّى ذلك مؤلفا الكتاب، في إعلان ما سماه ماو “حرب الأفيون الثورية”، سعياً للحصول على المال، مستلهماً في ذلك حرب الأفيون الشهيرة التي عرفتها الصين في القرن التاسع عشر بين المقاطعات الصينية المتصارعة.
تابع ماوتسي تونغ، وفق ما يروي الكتاب، طريقه إلى بناء الصين العظمى، بعد انتصار الثورة. فخاض أولى مغامراته المعروفة “بالقفزة الكبرى”. وهي “قفزة” لم تكن متوفرة شروطها الموضوعية للنجاح. فقسم الصين إلى “كومونات”. وطلب من هذه الكومونات أن تتنافس فيما بينها في الإنتاج الصناعي بأدوات متخلفة، والإستعانة في ذلك بالفلاحين. فكان الفلاحون الضحية الكبرى لتلك “القفزة”. إذ هلك من جراء المجاعة، خلال أقل من عشر سنوات من عمر “القفزة”، اثنان وثلاثون مليوناً منهم، كما يؤكد مؤلفا الكتاب في استقصاءاتهم التاريخية. وهكذا أثبتت “القفزة الكبرى” فشلها. وواجهت ماو انتقادات حادة بسببها، من قبل رفاقه في قيادة الحزب والدولة، ومن قبل المواطنين العاديين. إلا أنه رفض الإقرار بالفشل. وانتقل إلى “الثورة الثقافية” التي قضى فيها على الكثير مما ارتبط بتاريخ الصين القديم وبحضارتها، وما اختزنته المكتبات من كنوز ثقافية في الآداب والفنون، وما احتوته المعابد القديمة من تراث حضاري. إذ أحرق ماو الكثير من هذه الكنوز، باعتبارها كانت تمثل في نظره نماذج للثقافة البرجوازية والإقطاعية المعادية لأفكار الثورة البروليتارية، ودائماً باسم الشيوعية المغدورة، وباسم أفكار ماركس، المداسة هي وقيمها ومثلها بأقدام طغاة من أمثال ستالين إلى ماوتسي تونغ وبول بوت في كمبوديا. ولم يكتف ماو بذلك. بل هو قرر، في ذات عام من أعوام طغيانه في زمن الثورة الثقافية، إيقاف التعليم في المدارس تحريراً للأجيال الجديدة من الآثار السلبية للثقافة البرجوازية. لكن واحداً من أبشع ما يشير إليه الكتاب، وما هو معروف في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني، هو موقف ماوتسي تونغ من رفاقه الكبار، شركائه في قيادة الثورة والبلاد والحزب، ليوشاوشي وشو إن لاي وتشو ته ودينغ هسياوبينغ، وآخرين من كبار القادة ومن كبار المفكرين. إذ أن هؤلاء ظلوا يواجهون الإضطهاد والإذلال، والإقصاء من مواقعهم، إلى أن غادر أكثرهم الحياة، الواحد منهم إثر الآخر، في أسوأ ما تكون عليه النهاية. ويقول مؤلفا الكتاب بأن ماو حرم شو إن لاي، بقرار سري منه، من المعالجة من مرض السرطان، وتركه يموت في فراشه عليلاً، مع بقائه حتى آخر أيام حياته رئيساً للحكومة. وكان هذا هو مصير ليو شاو شي، الذي ظل رئيساً للدولة حتى آخر حياته. أما دنغ هسياو بينغ فقد واجه السّحل في الشوارع، من دون أن يفارق الحياة. وكان ذلك من حظ الصين المعاصرة، صين ما بعد ماوتسي تونغ. إذ أصبح دينغ رمز نهضة الصين الجديدة، لكن في طريقة مختلفة بالكامل عن طريقة ماوتسي تونغ، وبالقليل من الخسائر. بل إن دينغ هو الذي وضع السياسة طويلة المدى لتحرير الصين من آثار المجاعة، التي كانت متبقية من عهد ماوتسي تونغ. واستعاد بالدبلوماسية جزيرة هونغ كونغ. ولم يغامر سياسياً وعسكرياً في السعي لاستعادة جزيرة تايوان. وأعاد العلاقة مع الإتحاد السوفياتي قبل أن ينهار، وتنهار معه التجربة الإشتراكية. وأقام علاقات سياسية مع الدول الكبرى، على أسس جديدة من الواقعية. وتخلى عن الماوية، في الفكر وفي السياسة، وفي عملية البناء. وأعاد العلاقة مع الأحزاب الشيوعية إلى طبيعتها، على قاعدة مبدئية الإحترام المتبادل وعدم التدخل من قبل أحد في شؤون الآخر، والإقرار باستقلالية كل حزب في تقرير سياساته ومواقفه وخياراته.
غادر ماوتسي تونغ الحياة في عام 1976، بعد أن كان قد بلغ الثانية والثمانين من عمره. لكنه تحول في سنوات عمره الأخيرة إلى ما يشبه المومياء. إذ هو فقد القدرة على الحركة وعلى النطق. وكان المقربون إليه من قادة البلاد يترجمون تمتماته ويحولونها إلى قرارات، تتوافق مع أهوائهم.
لم أكد أنتهي من قراءة الكتاب مع زوجتي حتى كدنا نصاب بالدوار. ورغم أن كثرة من المعلومات الواردة في الكتاب كانت غائبة عن معرفتي، إلا أنني كنت ألمّ بالكثير من أمثالها. لكننا تساءلنا كلانا بقلق، زوجتي وأنا، نحن الشيوعيين العتيقين، عما إذأ كانت تلك المعلومات التي حفل بها الكتاب صحيحة بالكامل. ولم يكن بوسعنا أن نجيب عن هذا التساؤل. لكن معرفتنا بما كان يجري في الإتحاد السوفياتي في عهد ستالين جعلتنا أقرب إلى تصديق تلك المعلومات. ومع ذلك لا بد من طرح السؤال، في ما يشبه النقد للمؤلفين، عن الأسباب التي جعلتهما يغفلان مجموعة من المعلومات تتصل بأفكار ماوتسي تونغ التي أشارا إليها إشارة عابرة، كما تتصل بأفكار رفاقه الكبار، ليوشاوشي وشو إن لاي وعدد غير قليل من كبار المنظرين للثورة الصينية. وكانت لهؤلاء القادة الكبار مؤلفاتهم. وكانت تلك المؤلفات تشكل مرجعيات في تفسير وتحديد وإغناء النظرية الماوية في الثورة الوطنية التحررية، وفي الثورة الإشتراكية. وكان من أهم هذه الكتب كتاب ماو “الديمقراطية الجديدة” وكتابه “في التناقض”. أما الكتاب الأحمر فكان يتضمن مقتطفات من كتاباته وأقواله. ثم لماذا لم يتحدث الكتاب عن أفكار ليوشاو شي خصوصاً، وهو المنظر الثاني للثورة، في الفكر وفي السياسة وفي التنظيم الحزبي. ولماذا لم يتحدث الكتاب، في السياق ذاته، بما يكفي من الإهتمام، وليس بالإشارات العابرة، إلى الدور الكبير الذي لعبه شو إن لاي، أولاَ في مؤتمر باندونغ في عام 1955، وفي حركة عدم الإنحياز التي قامت على أساس قرارات هذا المؤتمر ، ثم في المراحل اللاحقة، بوصفه الأكثر اعتدالاً في العلاقات مع الدول، وذلك من موقعه رئيساً للحكومة على امتداد حياته حتى وفاته. ثم لماذا لم يبرز المؤلفان الخلاف الذي نشب في الحركة الشيوعية، وأدى إلى انقسامها. ولماذا لم يشرا إلى التنظيرات السياسية لماو حول حركة التحرر الوطني، وحول الإستعمار كنمر من ورق، وحول سياسة التعايش السلمي، التي كان يسلكها الإتحاد السوفياتي، والتي اعتبرها ماو خيانة للبروليتاريا وللنضال الطبقي وللنضال ضد الإستعمار.
هذه الأسئلة، وأسئلة أخرى تكملها، لا ترمي إلى التشكيك بالجهد الذي بذله مؤلفا الكتاب في إبراز العناصر المكونة لشخصية ماوتسي تونغ ولمسيرته الطويلة، منذ البدايات حتى نهاية العمر. بل أن الهدف من هذا الأسئلة هو معرفة الوظيفة السياسية والتاريخية، والأيديولوجية، من وراء التركيز على الطابع الوحشي والإجرامي لشخصية هذا الزعيم الصيني الإستثنائي. فإذا كان الغرض من الكتاب هو الاستنتاج بأن الشيوعية هي مثل سواها من الحركات في التاريخ، منذ القدم وحتى عصرنا الحالي، ترتبط أفكارها وبرامجها بأهواء ونزوات شخصيات كبيرة، وبمصالح توحد بين المطامح الشخصية والمطامح القومية، وأنها، بالتالي، غير معنية كثيراً بمصالح البشر، أفراداً وجماعات، وغير معنية بتحقيق السعادة لهم، كما تدعي أفكارها وبرامجها، إذا كان هذا هو الغرض السياسي من إصدار الكتاب، فإن ذلك سيكون من قبل المؤلفين تأكيداً أيديولوجياً يقلل من شأن دورهما كمؤرخين موضوعيين لحدث تاريخي كبير، يتصل بشخص ماوتسي تونغ، وبولادة الصين الجديدة. وإذ أشير إلى هذا “الخلل” (في الكتاب) في الأمور المشار إليها، برغم أهمية الجهد المبذول فيه من قبل مؤلفيه في متابعة تطور شخصية ماوتسي تونغ، فلأنني متمايز في انتمائي إلى الشيوعية عن كل التجارب التي حملت اسمها، ومتمايز في افكاري عن محاولات عدد من المفكرين الماركسيين في تفسير أفكار ماركس. لكنني، في الوقت عينه، أصرّ على إعلان انتمائي إلى المثل والمبادئ والقيم التي ارتبطت بمشروع ماركس لتغيير العالم. وهي مثل ومبادئ وقيم تؤكد على احترام الإنسان الفرد، وعلى احترام خياراته واحترام حريته. وهي تتمثل في تحقيق التقدم في ميادينه كافة مقروناً بالحرية وبحق البشر في العدالة الإجتماعية التي تحقق لهم السعادة، التي هي هدف كل الأفكار العظيمة منذ فجر التاريخ، حتى أيامنا الراهنة. وهي الأفكار والأهداف التي حاول أصحاب المطامح الخاصة من المغامرين إجهاضها، وتفريغها من مضامينها الإنسانية الحقيقية.
لقد أتيح لي أن أزور البلدان الإشتراكية كلها، ومنها الصين. وجاءت زيارتي إلى الصين في عهدين مختلفين: عهد ماوتسي تونغ في عام 1954، وعهد دنغ هسياو بينغ في عام 1987. ولست أدعي أنني كنت قادراً في عام 1954 على رؤية الأشياء والوقائع، أو حتى جزءاً يسيراً مما جاء منها في هذا الكتاب. لكن زيارتي لصين ما بعد ماوتسي تونغ قد قدمت لي صورة مختلفة عما تتجه الصين الجديدة إليه في توجهاتها السياسية والثقافية والإقتصادية والإجتماعية. وهي توجهات تربط بين أمرين كبيرين متلازمين، برغم ما يمكن أن يحدث من فجوات مرحلية بينهما، هما: تحقيق التقدم للصين في كل الميادين، من أجل أن تصبح دولة عظمى بالمعنى الحقيقي للكلمة، وتأمين الشروط التي تتيح للشعب الصيني التمتع الكامل بهذا التقدم. ولقد سمعت كلاماً صريحاً من نائب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني هو شي لي، الذي استقبلني مع وفد الحزب الشيوعي اللبناني في عام 1987 بصفتي نائباً للأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، إذ قال لي بالحرف الواحد:” إن مهمتنا للأعوام العشرة القادمة هي إخراج مايتي مليون صيني من خط الفقر. أما خطتنا لبناء القاعدة المادية للإشتراكية فستحتاج منا إلى خمسين عاماً. إذ أننا سنعمل خلال هذا الزمن لتوفير الشروط التي تجعل التقدم المحقق في كل مجالاته يصب في خدمة رفاهية الشعب الصيني”. وأردف قائلاً بوضوح، جواباً عن سؤال محرج وجهته إليه بخصوص الحريات العامة: “إن الطريق الذي سلكه غورباتشوف في الإتحاد السوفياتي باسم الديمقراطية، سيقود حتماً، إذا ما نحن سلكناه، إلى تفتيت الصين، هذا البلد الكبير في مساحته وفي عدد سكانه، والمتعدد في قومياته، وفي مناطقه المختلفة شروطها وتقاليدها”. وترك لي أن أستنتج الباقي، مما كان شديد الوضوح بالنسبة إليَّ.
إن كل ما تقدم من ملاحظات على الكتاب، وما أشرت إليه من تجربتي في زيارتي للصين، يقودني إلى القول بأن ما هو أساسي في الشيوعية، بالنسبة إليَّ، ليس التمسك بالإسم، ولا في كثرة الحديث عن الأفكار الشيوعية. بل أن ما هو أهم من ذلك، بالتأكيد وبالتحديد، هو الوفاء للقيم المتصلة بالشيوعية وبمثلها وبمبادئها، بواقعية وبثبات، والبحث الدائم عن الإرتقاء، عبر المراحل المختلفة، نحو تحقيق الهدف من التقدم، الذي تسعى إليه، الهدف المتمثل أساساً بتحقيق السعادة للبشر، وتأمين الحرية لهم، وتوفير الشروط التي تجعلهم يتمتعون بكل ما ينجز من تقدم علمي، ومن خيرات مادية.
ولعلي لا أظلم مؤلفي الكتاب إذا ما تصورت، مجرد التصور، أن إصدار كتابهما، في هذا الوقت بالذات، ربما يكون بإيحاء من القيادة الصينية الحالية، وبدعم غير مباشر منها، في ما يشبه الدور الذي لعبه خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، حين قرر نهجاً جديداً مغايراً لنهج ستالين، ووضع تقريراً سرياً سرّبه إلى وسائل الإعلام الأجنبية، يدين فيه بحزم وبالوقائع سياسة ستالين، ويكشف جرائمه بالكثير من التفاصيل، لكي يعطي لعهده في بناء الدولة السوفياتية صورة مختلفة عما ساد، محلياً وعالمياً، من أفكار وممارسات أساءت إلى الدولة السوفياتية، وإلى الشيوعية، على وجه الخصوص، كمشروع إنساني لمستقبل البشرية.

الثورة البلشفية

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد العتيبي 32

الثورة البلشفية أو ثورة أكتوبر كانت المرحلة الثانية من الثورة الروسية عام 1917 قادها البلاشفة تحت إمرة فلاديمير لينين الذي كان قائدها وليون تروتسكي بناء على أفكار كارل ماركس؛ لإقامة دولة شيوعية وإسقاط الحكومة المؤقتة.وتعد الثورة البلشفية أول ثورة شيوعية في القرن العشرين الميلادي،[1]

كانت سياسات الحكومة الروسية المؤقتة قد دفعت البلاد إلى حافة الكارثة. اضطرابات في الصناعة والنقل، وازدادت الصعوبات في الحصول على أحكام، وانخفض إجمالي الإنتاج الصناعي في عام 1917 بنسبة تزيد على 36 في المئة عما كان عليه في العام 1916. في الخريف، ما يصل إلى 50 في المئة من جميع الشركات تم إغلاقها في جبال الأورال، ودونباس، والمراكز الصناعية الأخرى، مما أدي إلى ارتفاع معدلات البطالة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل حاد. وتراجعت الأجور الحقيقية للعمال نحو 50 في المئة عما كانت عليه في عام 1913. وكانت ديون روسيا في أكتوبر 1917 ارتفعت إلى 50 مليار روبل. هذا وتشكل الديون المستحقة للحكومات الأجنبية أكثر من 11 مليار روبل. كان البلد يواجه خطرالإفلاس،[1]

الاحداث بالترتيب[عدل]

في مذكرة دبلوماسية في 1 مايو، قام وزير الشؤون الخارجية باقل ماليكوف وأعرب عن رغبة الحكومة المؤقتة في استمرار تعهداتها بالنسبة الي الحلفاء واستمرار الحرب ضد قوات المحور لحين خروج روسيا منتصرة ” مما اثار سخط واسع النطاق.
في 1-4 مايو حوالي 100،000 من العمال والجنود في بطرسبرج، وبعدهم العمال والجنود من المدن الأخرى، بقيادة البلاشفة، قاموا بمظاهرات تحت لافتات كتب عليها “تسقط الحرب” و”كل السلطة للسوفيات” وأدت المظاهرات الحاشدة في أزمة للحكومة الانتقالية.
يوم 1 يوليو حوالي 500،000 من العمال والجنود في سانت بطرسبرج تجمهروا رافعين شعارات “كل السلطة للسوفيات”، “فلتسقط الحرب” و”فليسقط عشرة وزراء للرأسمالية.” الحكومة المؤقتة تفتح هجوما ضد الألمان في 1 يوليو تموز ولكنه سرعان ما انهار. وعززت الأنباء عن الهجوم وانهياره نضال العمال والجنود. وبدأت أزمة جديدة في الحكومة المؤقتة في 15 يوليو
بدأ العمال والجنود في مظاهرة عفوية يوم 16 يوليو مطالبين بسلطة أكبر للسوفيات، قامت اللجنة المركزية بالحزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي وفرت القيادة للحركات العفوية. في 17 تموز / يوليو، وشارك أكثر من 500،000 شخص في تظاهرة سلمية في سانت بطرسبرج. الحكومة المؤقتة، وذلك بدعم من المناشفة قامت بهجوم مسلح ضد المتظاهرين. 56 اشخاص لقوا مصرعهم واصابة 650
بدأت مؤامرة ضد الحكومة، بقيادة الجنرال كورنيلوف الذي كان القائد العام للقوات المسلحة منذ 18 يوليو الذي اعترض علي سياسة كيرينسكي الرامية إلى ما وصفه بحل الجيش والهزيمة في الحرب وقاد الوحدات المخلصة له إلى سانت بطرسبرج ليطيح بالحكومة المؤقتة. واستجابة لنداء البلشفية، بدأت الطبقة العاملة موسكو إضراب ابحوالي 400000 عامل. واجتاحت موسكو موجة من الإضرابات والمظاهرات احتجاج من قبل العاملين فيكييف،خاركوف ،يجني نوفغورود ،ايكاترينبرج وغيرها من المدن. في 25 أغسطس اليميني كورنيلوف بدأ تمردا عسكريا وبدأ يتحرك في اتجاهسانت بطرسبرج. وناشدت اللجنة المركزية بالحزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي في 27 أغسطس العمال والجنود والبحارة الاتجاه لبطرسبرج للدفاع عن الثورة.الحزب البلشفي قام بتعبئة وتنظيم الشعب لهزيمة التمرد وأتجه الحرس الأحمرالي العاصمة ،والتي بلغ عدد قواته حوالي25000 مقاتل بالإضافة الي حامية للمدينة، وقام كل من بحارة اسطول بحر البلطيق، وعمال السكك الحديدية، والعمال في موسكو، ودونباس، جبال الأورال، والجنود في الجبهة وفي العمق الذين تمكنوا من هزيمة الجنرال كورنيلوف قائد التمرد وهزيمته التي تمت على أيدي عمال غير منظمة ولكن ذلك دل علي ضعف الحكومة المؤقتة التي اضطرت للاستعانة بالبلاشفة، في حين يدل على قوة البلاشفة وادي الي زيادة سلطتهم.
في 31 أغسطس اكتسح البلاشفة انتخابات اتحاد العمال (السوفيات)من بريانسك، سمارة، ساراتوف، مينسك وكييف وطشقند، وغيرها من المدن. في يوم، 1 أيلول / سبتمبر ،تلقت اللجنة التنفيذية المركزية للسوفييت طلبات من 126 من مجالس السوفيات المحلية حثها على الاستيلاء على السلطة في يديها الخاصة
في سبتمبر وأكتوبر 1917، كانت هناك اضربات من قبل العمال في موسكو وسانت بطرسبرج وعمال المناجم من دونباس، والحدادين منجبال الأورال، وعمال النفط في باكو، وعمال الغزل والنسيج، وعمال السكك الحديدية في 44 من خطوط السكك الحديدية. في هذه الأشهر وحدها أكثر من مليون عامل شاركوا في الإضراب. قام العمال بالسيطرة على الإنتاج والتوزيع في العديد من المصانع.
في 10 أكتوبر 1917 اللجنة المركزية للبلاشفة صوتت 10 ضد 2 لقرار قائلا ان” انتفاضة مسلحة أمر لا مفر منه، وبأن الوقت قد حان لذلك تماما.
يوم 23 أكتوبر 1917، قام الثوار اليساريين تحت قيادة جيان بانتفاضة في تالين، عاصمة استونيا.
في 25 أكتوبر عام 1917، قادت البلاشفة قواتها الي الانتفاضة في، عاصمة روسيا، وفي مقاومة غير فعالة من قبل كيرينسكي والحكومة المؤقتة.، تمكن البلاشفة من الاستيلاء على المرافق الحكومية الرئيسية
في ليلة 26/25 أكتوبر تم إطلاق الهجوم على القصر الشتوي للقيصر الذي كان يحرسه القوزاق وكتيبة من النساء الذي تمت السيطرة عليه بدون مقاومة تذكر. اعلنت الحكومة الجديدة التي شكلها البلاشفة خروج روسيا من الحرب العالمية ورغبتها في توقيع اتفاقية انفصالية مع ألمانيا. كما اصدر البلاشفة الذين اغتصبوا السلطة في البلاد مراسيم تقضي بمصادرة أراضي كبارالاقطاعيين ومعامل الرأسماليين بالإضافة إلى إعلان حق شعوب الإمبراطورية الروسية بالانفصال عنها. في وقت لاحق للثورة تم من قبل حكومة الاتحاد السوفياتي تصوير الأحداث في أكتوبر باعتبار وقوع أضرارا أكبر بكثير مما كانت في الواقع كان.
في 12 نوفمبر عام 1917 أجريت في روسيا الانتخابات في الجمعية التأسيسية (البرلمان). لكن الحزب البلشفي لم يحصل فيها على أغلبية الأصوات، كما عول على ذلك. وبعد رفض نواب البرلمان اقرار المراسيم الصادرة عن الحكومة البلشفية تم حل الجمعية التأسيسية بقوة في يناير عام 1918، الأمر الذي اثار احتجاج القوى الديموقراطية في البلاد. لكن البلاشفة أمروا بإطلاق النيران على المظاهرة السلمية مما أدى إلى مقتل 21 شخصا
اهدافها[عدل]

تحقيق المساواة بين فئات الشعب كافة من جميع النواحي والقضاء على الرأسمالية الاقطاعية وتحقيق الاشتراكية والعمل الاشتراكي الموحد،

النتائج

تم اقرار مجلس مفوضي الشعب كأساس للحكومة الجديدة
قام مجلس مفوضي الشعب بأقرار سلسلة من الاعتقالات لكل من زعماء المعارضة وقادة المناشفة والحزب الاشتراكي الثوري وحبسهم بقلعة بولس وبطرس
في 20 ديسمبر اسس لينين لجانا استثنائية من شأنها مكافحة الثورة المضادة سميت في ما بعد (الشي كا) الأمر الذي يعتبر كنقطة بداية لقضاء البلاشفة علي كامل اعدائهم ومعارضيهم حيث بدأت تلك اللجان الاستثنائية بممارسة الإرهاب الجماعي ضد ممثلي الفئات الغنية والمتوسطة للمجتمع الروسي والمثقفين ورجال الدين والضباط المشتبه بمعاداتهم للسلطة الجديدة
تم إطلاق مجموعة من المراسيم تشمل :
مرسوم صدق علي أعمال الفلاحين الذين استولوا على الأراضي في جميع أنحاء روسيا الخاص وإعادة توزيعها فيما بينهم. البلاشفة واعتبروا انفسهم تمثيل تحالف العمال والفلاحين وأحيا هذامفهوم المطرقة والمنجل على العلم وشعار النبالة من الاتحاد السوفياتي
تأميم جميع البنوك الروسية
وصودرت الحسابات المصرفية الخاصة
صودرت خصائص الكنيسة (بما في ذلك الحسابات المصرفية) المضبوطة.
تبرؤا من جميع الديون الخارجية.
أعطيت التحكم في المصانع للسوفييت.
تم إصلاح الأجور بمعدلات أعلى مما كان عليه خلال الحرب، ودوام أقصر، لمدة ثماني ساعات يوم العمل.
السوفيت وذكرى هذا اليوم[عدل]

يستخدم التعبير الأكتوبر الأحمر Красный Октябрь, Krasnyry Oktyabr أيضاً للإشارة إلى حدث في الشهر. أعطي هذا الاسم بالترتيب لمصنع صلب أدى خدمات ملحوظة في معركة ليننغراد، ومصنع حلويات موسكو مشهور جداً في روسيا وغواصة سوفيتية خياليه في رواية The Hunt for Red October أو اصطياد أكتوبر الأحمر.
7 نوفمبر هو العيد السنوي لثورة أكتوبر وهو إجازة رسمية في الإتحاد السوفيتي وما زال الاحتفال به في روسيا البيضاء قائماً.
تحدد ثورة أكتوبر لسنة 1917 البداية لأول حكومة شيوعية في روسيا. وبعد ذلك أصبحت روسيا الإتحاد السوفيتي والذي ظل موجوداً حتى تفككه في عام 1991.

بيرلسكوني بعيون عربية

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد العتيبي 32

تعبنا من الكتابة عن نوافير الدم. والخرائط المذعورة. وسياسات النحر والانتحار. ومهرجانات الفتنة. والعواصم التي تنكرت لقناديلها لتسبح في الظلم والظلام. تعبنا من بحيرات الجثث. وأمواج النازحين. من مصانع الأرامل والأيتام. ومن ركام المدن والقرى. واستجداء المساعدات. قلنا نغتنم ما حل بسيلفيو بيرلسكوني لنكتب مقالاً لا تتدلى الجثث بين سطوره.
استوقفني أن يقرر مجلس الشيوخ الإيطالي وبعملية تصويت علنية إسقاط عضوية بيرلسكوني وطرده من المجلس. على العربي ألا يسارع في الظنون. لم يقتل الرجل أحد مساعديه. ولم يضلع في اغتيال منافس. لم يرسل سيارة مفخخة إلى الحي المجاور. ولم يوزع الموت على خريطة بلاده. القصة أبسط بكثير. أدانته المحكمة بالاحتيال الضريبي وقضت بسجنه أربع سنوات مع إعفائه من ثلاث منها. استندت المحكمة إلى قانون صدر في 2012 يقضي بعدم أهلية أي مسؤول لشغل منصب رسمي خلال ست سنوات إذا دين بعقوبة السجن لمدة تزيد على سنتين.
إننا نتحدث عن رجل ترك بصماته على الحياة السياسية الإيطالية منذ التسعينات وسواء كان في الحكم أم المعارضة. صاحب الرقم القياسي في الإقامة في منصب رئيس الوزراء (تسع سنوات على ثلاث فترات) في الجمهورية الإيطالية والثالث منذ توحيد البلاد في 1861. ثم أنه زعيم حزب «إيطاليا إلى الأمام» القوة الأبرز في صفوف اليمين الإيطالي. وهو أيضاً صاحب امبراطورية مالية وإعلامية وينام على خمسة بلايين دولار.
غريبة قصة بيرلسكوني إنها قصة رجل لا حدود لشراهته. عاشق سلطة وعاشق ثروة وعاشق نساء. تسلت الصحف طويلاً بأخبار مغامراته النسائية ولم يرف له جفن. في إيطاليا الكاثوليكية وعلى مقربة من الفاتيكان كان هذا المراهق المتهور المتهم بالفساد ومغامرات حتى مع قاصرات زعيماً شعبياً ينادي أنصاره فيملأون الميادين.
أحب قصص الحكام وارتكاباتهم. إنها تشوهات المهنة. منذ سنوات أقرأ عن هذا الرجل. تلتقي في شخصه أبرز شراهات الكائن. تضاعف اهتمامي به بعد لقائي بنوري المسماري الذي كان أمين المراسم لدى العقيد معمر القذافي وظله في حله وترحاله.
سألت المسماري عن صحة الصورة التي تظهر بيرلسكوني يقبل يد «ملك ملوك أفريقيا». كنت أعتقد أن الأمر مجرد إفراط في الإنحناءة وأن أجهزة العقيد أوصلت قسراً شفتي الزائر إلى يد قائد الثورة. قال إنه كان واقفاً بين الرجلين حين تقدم بيرلسكوني وقبل يد القذافي.
قال المسماري ما هو أدهى. حكى أن القذافي زار إيطاليا وأن بيرلسكوني الذي يعرف جموح الزائر دعاه فجأة إلى «ليلة أنس» في سردينيا. بذل الوفد الليبي يومها جهوداً استثنائية لثني القائد عن المشاركة في «ليالي بيرلسكوني». ولمرة اختار القذافي تجنب الفضيحة بعدما أفهم أن الصحافة في إيطاليا «لا يمكن إسكاتها كما هو الحال عندنا». ولم يبخل رئيس الوزراء الإيطالي على الزائر الكبير ببعض النصائح عن الأعشاب والمنشطات.
أنا العربي لم أعد أشعر بغير الحسد. أشعر بالهزيمة كلما قرأت عن بلد لديه مؤسسات تعمل وتشرع وتراقب وتحاسب. أشعر بالهزيمة مضاعفة حين يتعلق الأمر بالعدو الإسرائيلي حيث تجرؤ الشرطة على استجواب رئيس الوزراء أو وزير الخارجية. أكثر ما يؤلم أننا نسافر من قاع إلى قاع ويزداد الظلام رسوخاً في يومياتنا وتبتلع الكهوف ما كنا نعتقد أنها برلمانات أو مؤسسات.
وعلى رغم إدراكي للفوارق تنتابني أحياناً أسئلة ساذجة. كم كان مفيداً لو أن مجلس قيادة الثورة لجم باكراً جنون صدام حسين. وكم كان مفيداً لو أن أركان «ثورة الفاتح» أقالوا القذافي باكراً. أسئلة كثيرة وطويلة عن دول عربية كثيرة. أخشى أن يأتي يوم يترحم فيه الناس على الطغاة الذين انتفضوا لإطاحتهم. عواصمنا مفخخة بالمذهبيين والانتحاريين وبلداننا عارية من المؤسسات وشاشاتنا تسبح في مياه الفتنة.
ماذا يقول العربي لو قيض له أن يشهد جلسة طرد بيرلسكوني؟. سيقول إن الرجل مسكين. ما هي جريمته إذا قيست بالجرائم التي انتجت أنهار الجثث وأنهت دولاً وبددت شعوباً؟ أين جريمته؟ لقد أحب السلطة وقل من يكرهها. وأحب الثروة ونادر من لا يشتهيها. لن أخوض في مغامراته العاطفية فإيطاليا بلاد فاتنة أصلاً.

غسان شربل – جريدة الحياة

ما بعد «الانتصار»

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد العتيبي 32

أهل الشرق الأوسط عاطفيون وحماسيون. يحبون الانتصارات لا التسويات. الفوز بالضربة القاضية لا بالنقاط. لكن الأوضاع الإقليمية والدولية شديدة التعقيد. ولا تتيح الانتصارات الكاسحة والإسراع في بناء عليها. لهذا لا بد من التمهل في القراءة فنحن لا نزال في بداية الطريق.
كنا صغاراً حين انتهت المغامرة الأميركية في فيتنام بهزيمة محققة. أنزلت القوات الأميركية آخر أعلامها وانسحبت. قيل الكثير يومها عن الهزيمة المذلة والإمبراطورية التي انكفأت إلى العزلة لتلعق جراحها. وها نحن نقرأ منذ سنوات عن ازدياد التبادل التجاري بين البلدين. وعن تشوق فيتنام لاستقبال الاستثمارات الأميركية والسياح. وعن ابتهاجها بزيارات القطع البحرية الأميركية لتذكير الصين بضرورة ضبط شهواتها للهيمنة على جيرانها.
لم تحقق إيران الانتصار الذي حققته فيتنام. استهدفت الأميركي في بيروت. استهدفته أيضاً في العراق. وربما في ساحات أخرى. لكنها لم تدخل في مواجهة مباشرة مع الآلة العسكرية الأميركية التي قدمت لها من دون قصد هديتين ذهبيتين في العراق وأفغانستان. نجحت إيران في جمع الأوراق في الإقليم. ذكرت دائماً بقدرتها على التأثير في الموضوعين الأبرز فيه: أمن النفط وأمن إسرائيل. جاءت بحسن روحاني لاستغلال الفرصة التي تشكلها خيارات أوباما وكان اتفاق جنيف. كان ما تسميه «انتصاراً».
حتى ولو اعتبر ما حدث انتصاراً فان من السابق لأوانه تشبيه نتائج الاتفاق بنتائج زيارة ريتشارد نيكسون لماو تسي تونغ. إننا نسكن اليوم في عالم مختلف عن عالم ماو. مختلف بتوازناته ومعايير القوة، ثم إن إيران ليست الصين وإن كانت تقيم في منطقة حساسة أيضاً.
لنفترض أنه انتصار. لكن علينا الالتفات إلى أن الاتفاق الذي أبرم مرحلي، وأن المفاوضات المقبلة ستكون أكثر صعوبة وتستلزم اتخاذ قرارات مؤلمة. عدم رغبة إدارة أوباما في خوض حروب جديدة في المنطقة وتوجهها لإعطاء الأولوية لمنطقة أخرى لا يعني تكليف إيران قيادة الشرق الأوسط أو رسم ملامحه. لا بد هنا من الالتفات أيضاً إلى اللاعبين الروسي والأوروبي وإلى الدول الأساسية في الإقليم كمصر والسعودية وتركيا.
لا بد أيضاً من الالتفات إلى صعوبات موضوعية تحول دون تفرد إيران بزعامة العالم الإسلامي، خصوصاً بسبب عدم انتمائها إلى الأكثرية في هذا العالم والتي ينتمي إليها أكثرية العرب. ثم إن الاضطلاع بدور من هذا الحجم يفوق قدرات الاقتصاد الإيراني الحالي الذي أنهكته العقوبات الغربية والالتزامات «السوفياتية» من أفغانستان إلى لبنان.
لا تستطيع إيران أن تكون اللاعب الأبرز في الإقليم إلا إذا تغيرت. الأدوار الكبرى تقوم على المساهمة في صناعة الاستقرار. تقوم على صناعة التسويات لا على تسجيل الاختراقات. صناعة الاستقرار في العراق تستلزم إشراك المكون السني في القرار. إشراك هذا المكون جدياً يقلص قدرة إيران على إدارة العراق. أي تسوية قابلة للحياة في سورية تستلزم إشراك الأكثرية السنية وهذا يؤدي في حال حصوله إلى قيام سورية أقل التصاقاً بإيران. يمكن قول الشيء نفسه عن لبنان، الذي أدى الإلغاء المنهجي لموقع رئاسة الحكومة فيه إلى ارتفاع أصوات التشدد داخل الطائفة السنية.
إنها أسئلة ما بعد «الانتصار». كبرت أجيال على وقع هتاف «الموت لأميركا»، فماذا ستفعل ايران بهذا الشعار؟ كيف يمكن تطبيع العلاقات مع «الشيطان الأكبر» والاحتفاظ بلغة الاختراقات والضربات؟ وإذا كان هذا الشعار من مستلزمات تماسك النظام فما هو البديل؟ وماذا عن «تصدير الثورة» وهو الذي أقلق دول المنطقة قبل أن يقلقها البرنامج النووي؟ ثم إن إيران تدرك جيداً أن شعار «استئصال الورم السرطاني» لا يصطدم بأميركا وحدها بل أيضاً بروسيا بوتين التي لا تتهاون أبداً في موضوع أمن إسرائيل. يضاف إلى ذلك أن استقبال المستثمرين يفترض توفير بيئة سياسية وقانونية مختلفة وسيضاعف رغبة الشباب الإيراني في التطلع إلى العيش في دولة طبيعية ومزدهرة تنفق قدراتها على التنمية والتعليم ولا تعيش على الاشتباك الدائم مع جيرانها أو الدول الكبرى.
إيران دولة كبيرة في المنطقة. لكن الدور الكبير المقبول والدائم يستلزم الافتراق عن جمر الثورة. من التسرع أيضاً مقارنة روحاني بميخائيل غورباتشوف. ربما تحتاج إيران إلى رجل يشبه دينغ هسياو بينغ الصيني. وربما عليها أن تتذكر أن فيتنام انتصرت على أميركا لكنها أحالت الانتصار إلى كتب التاريخ، وها هي اليوم منشغلة بجذب الاستثمارات والسياح لتحسين ظروف معيشة أبناء من صنعوا الملحمة وأحفادهم.

غسان شربل – جريدة الحياة

المخاوف العربية من الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد العتيبي 32

حينما انُتخب حسن روحاني رئيسًا للجمهورية الإيرانية في يونيو الماضي اعتقد البعض أن العلاقات الإيرانية الغربية يمكن أن تدخل مرحلة جديدة تتجاوز حالة العداء التي ظلت مسيطرة على العلاقة بينهما طيلة عقود، ووجدنا في هذا السياق مؤشرات تدلل على إمكانية تحقق مثل هذا الأمر، وتجلت في ملمحين رئيسيين؛ أولهما الاتصال الهاتفي الذي تم بين روحاني والرئيس الأمريكي أوباما، خلال شهر سبتمبر الماضي، أما الملمح الثاني، فيتمثل في الاتفاق الذي توصلت إليه إيران مع الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن وألمانيا بشأن برنامجها النووي يوم 24 نوفمبر الجاري ليعتبره العديدون انفراجة في العلاقات الإيرانية مع العالم الغربي، وخاصة مع الولايات المتحدة.

بيد أن من الصعوبة بمكان تناول هذا الاتفاق في إطاره الضيق كاتفاق حول رغبات إيران النووية، فالمعضلة الحقيقية أن إيران عادة ما كانت تربط ملفها النووي بملفات أخرى بالمنطقة عبر ما أطلقت عليه “الصفقة الشاملة” لتثير هواجس العديد من الدول العربية التي تدرك أن مثل هذا الاتفاق يمكن أن يحمل في طيه عدة تحولات في المنطقة بصورة قد تؤثر على مصالحها ومساحات النفوذ المتاحة لها.

اتفاق جنيف والمواقف العربية

انتهى الاجتماع المنعقد بجنيف بين مجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن وألمانيا) وإيران إلى التوصل لاتفاق أولي لمدة ستة أشهر، ويتضمن الاتفاق عددًا من الالتزامات على إيران، أهمها وقف تخصيب اليورانيوم إلى نسبة أعلى من 5 % لمدة ستة أشهر، والتخلص من نصف كمية اليورانيوم المخصبة إلى نسبة 20 %، والسماح بشكل كامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش في منشآت إيران النووية، ويرتب الاتفاق في مقابل هذه الالتزامات بعض الحوافز لطهران؛ حيث يلتزم المجتمع الدولي بتخفيف العقوبات المفروضة عليها، وتعليق العمل بعقوبات محددة مثل العقوبات على التعامل في الذهب، والمعادن، وقطاع السيارات، وصادرات البتروكيماويات.

وبعيدًا عما انطوت عليه بنود هذا الاتفاق، فقد تراوحت المواقف العربية بين الترحيب به، ومحاولة استغلاله، والتعامل بحذر مع معطياته، لا سيما مع ما يمكن أن يفضي إليه هذا الاتفاق من تغييرات في منطقة الشرق الأوسط، وبوجه عام تنطوي المواقف العربية على دلالات جوهرية:

أولا: تتعامل الدول العربية مع مثل هذه الاتفاقيات بمنطق ما هو مستتر وليس ما هو معلن في بنود الاتفاق، ومن هذا المنطلق فإن اتفاق جنيف قد يكون بمثابة تحول في علاقة إيران بالغرب، يعطي لإيران ما كانت تصبو إليه من اعتراف أمريكي وأوروبي بدورها في المنطقة، وهو ما يمنح طهران مساحة أكبر للتمدد، بحيث ستمثل في نهاية المطاف خصمًا من نفوذ قوى عربية أخرى، ولا يمكن إغفال أن هذا الأمر يثير هواجس لدى بعض الدول العربية في مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي، فالدول الخليجية -لا سيما المملكة السعودية – كانت تطمح خلال السنوات الماضية إلى الإبقاء على حالة العداء القائمة بين الغرب وإيران، ومن ثمَّ استقر الموقف الخليجي على أن أي مؤشرات للتقارب الغربي مع إيران ستعد مأزقًا للدول الخليجية.

ثانيًا: بدت مواقف الدول العربية، وخاصة الدول الخليجية ) التي ليست على وفاق مع إيران)، من اتفاق جنيف مشوبة بالكثير من الحذر، ويعد الموقف السعودي الأكثر وضوحًا في هذا الصدد، فقد رأت الرياض أن “الاتفاق النووي بين القوى الدولية وإيران يمكن أن يشكل خطوة باتجاه حل شامل إذا صدقت النوايا”، وهكذا يبدو أن ثمة ارتباطًا بين الموقف السعودي والسوابق التاريخية مع إيران وميراث عدم الثقة بين الطرفين، فالمملكة السعودية تصنف إيران كتهديد خارجي لها، فضلا عن كونها تهديدًا داخليًّا من خلال الشيعة المتواجدين داخل شرق المملكة.

ثالثًا: سعي النظام السوري المتحالف مع إيران إلى التعاطي مع اتفاق جنيف من منظور براجماتي، واستغلاله في الصراع الدائر داخل سوريا، فقد نقلت الوكالة العربية السورية للأنباء عن مصدر بوزارة الخارجية تصريحه: ” تعتقد سوريا أن التوصل إلى هذا الاتفاق دليل على أن الحلول السياسية لأزمات المنطقة هي الطريق الأنجح لضمان الأمن والاستقرار فيها، بعيدًا عن التدخل الخارجي، والتهديد باستخدام القوة”، فنظام الأسد يرى في مثل هذا الاتفاق تعبيرًا عن توصل الغرب إلى قناعة بأن استخدام القوة العسكرية لم يعد مجديًا في التعامل مع الملف السوري، وخصوصًا مع اقتراب موعد مؤتمر جنيف 2 حول سوريا المقرر انعقاده في شهر يناير القادم، يضاف إلى ذلك فإن الاتفاق سيخفف الضغوط على طهران، وهو ما سينعكس إيجابيًّا بصورة أو بأخرى على نظام الأسد.

تداعيات محتملة

ثمة تكاليف باهظة لاتفاق جنيف ستدفعها منطقة الشرق الأوسط في صورة المزيد من الأزمات، وتوسيع دوائر الصراع بالمنطقة، ويبدو أن هذه الفرضية قادرة على إعطاء تفسير ولو جزئي للتخوفات المنتشرة في الوقت الراهن بالمنطقة من هذا الاتفاق، فكثيرًا ما كانت إيران تشكل طرفًا في صراعات عدة، وهي دولة لها طموحات تتجاوز حدودها، وتمتلك مقومات نفوذ وتأثير عديدة، وقد يدفع الاتفاق النووي نحو تعزيز الطموحات الإيرانية بصورة تنعكس على ترتيبات الأوضاع بالإقليم في المجمل، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى بعض التداعيات المحتملة لاتفاق جنيف:

-تراجع أولوية الحلول العسكرية : ظل الخيار العسكري أحد الخيارات الأساسية المطروحة في الصراعات القائمة بالمنطقة، وقد حاولت بعض الدول بالمنطقة استدعاء هذا الخيار في التعامل مع الملف الإيراني، ومن ثمّ فإن اتفاق جنيف بين القوى الدولية وإيران يعني تراجع احتمالية اللجوء للحل العسكري، ولو بشكل مؤقت (على أقل تقدير لمدة ستة أشهر) ضد إيران وحتى إسرائيل، فمن المستبعد أن تُقدم على القيام بهذا الأمر بصورة منفردة.

وتنطوي فرضية تراجع أولوية الحلول العسكرية على جانبين، أحدهما إيجابي للدول العربية (وبصورة أدق دول الخليج)، والآخر سلبي. الجانب الإيجابي يفترض أن تراجع احتمالية التعامل العسكري ضد إيران سيؤدي إلى تجنيب دول الخليج حربًا إقليمية تمتد إلى حدودها بصورة حتمية، ففي الوقت الذي كانت ستتعرض فيه إيران لضربة عسكرية لم يكن من المستبعد أن توجه ضربات انتقامية لأهداف وحلفاء للغرب بالخليج.

ويتضح الجانب السلبي (بالنسبة لتقديرات بعض الأطراف العربية) من الفرضية مع الانتقال من خصوصية الحالة الإيرانية إلى محاولة تعميم نموذج استبعاد الحلول العسكرية في معالجة كافة أزمات المنطقة لا سيما الصراع الدائر حاليًّا في سوريا؛ إذ إن الدول العربية الداعمة للمعارضة السورية ترغب في تدخل عسكري يرجح كافة المعارضة، ويسقط نظام الأسد، وبالتالي فهي تدرك أن اتفاق جنيف وما سبقه من اتفاق حول السلاح الكيماوي السوري سيعمم لنموذج الحلول السياسية التي تعني مكاسب إيرانية على حساب تلك الدول.

-تأزم الأوضاع في سوريا: تخوض بعض الدول العربية (مثل المملكة السعودية ودول خليجية أخرى) وإيران حربًا بالوكالة داخل سوريا، فكل طرف يدعم أحد أطراف الصراع، وقد يؤدي اتفاق جنيف نحو تأزم الأوضاع السورية بصورة أكبر، وهذا السيناريو مرتهن بفرضيتين:

1) أن تتعامل إيران مع اتفاق جنيف على أنه تعبير عن ضعف الولايات المتحدة (ومعها الدول الغربية) وعجزها عن تسوية الملف الإيراني بصورة تحقق لها المصالح الأمريكية دون تقديم أي تنازلات، وانطلاقًا من هذه الرؤية تسعى طهران إلى تحقيق المزيد من المكاسب في القضايا التي تحتل أولوية لديها، فتندفع نحو دعم نظام الأسد بشكل غير مسبوق، وتوطد تواجدها في ركائز مختلفة بالمنطقة.

2) تعاطي الدول العربية الداعمة للمعارضة السورية مع اتفاق جنيف من حيث كونه اعترافًا غربيًّا بالنفوذ الإيراني، فهناك هاجس لدى بعض الدول هو أن ما حدث في جنيف كان بمثابة صفقة بين الولايات المتحدة وحلفائها وإيران تعترف عبرها واشنطن بالمصالح الإيرانية دون أن تأخذ في اعتبارها مخاوف دول عربية أخرى في مقدمتها الدول الخليجية، وهذا التقدير الأولي من تلك الدول للموقف سيجعلها تبحث عن مصالحها منفردة، وتحاول تأكيد نفوذها وتواجدها في الساحة السورية من خلال تسريع وتيرة الدعم والتسليح للمعارضة السورية لعلها تتمكن من تحقيق تقدم في معاركها مع النظام المدعوم من إيران على أقل تقدير خلال الفترة المتبقية على انعقاد مؤتمر جنيف الثاني.

– تصاعد معدلات العنف الطائفي، مرت المنطقة خلال السنوات الماضية بالعديد من الأزمات ارتبطت بتزايد معدلات العنف الطائفي، بدءًا بالخليج، والصراع المستمر بين السنة والشيعة داخل العراق، مرورًا بمصر، وتنامي العداء السني الشيعي، وانتهاء بالأوضاع الملتهبة في لبنان من جراء تدخل حزب الله في سوريا، ودعمه لنظام الأسد، ولا يمكن إغفال ارتباط تفجير السفارة الإيرانية في بيروت مؤخرًا بتلك الأحداث.

ففي هذا السياق قد تستغل بعض الجهات اتفاق جنيف والتوافق بين الغرب وإيران وتضعه في إطار المؤامرة على العالم العربي السني، وهكذا تُستدعى مجددًا مفردات الصراع الطائفي التي ظلت سائدة في المنطقة منذ حرب العراق 2003، ناهيك عن أن أوضاع المنطقة متضافرة تعضد من هذه الاحتمالية، فالعراق لا يزال يعاني من جراح العنف الطائفي المستمر منذ الغزو الأمريكي له، وبمرور الوقت تم الاستعاضة عن فكرة العدو الأمريكي لتحل محلها فكرة الحرب المقدسة بين السنة والشيعة، يضاف إلى ذلك فإن الصراع السوري لم يعد مجرد مطالب مجتمعية بالحرية والعدالة والديمقراطية، ولكنه أمسى في جانب كبير منه صراعًا ذا صبغة طائفية تمترس فيه كل طرف خلف غطاء طائفي حتى أن بعض الأطراف الخارجية التي شاركت في الصراع (بدعم أحد طرفي الصراع المباشرين) دخلت الصراع بفكر ورؤية طائفية.

وبوجه عام ستصبح المشكلة أكثر عمقًا إذا كانت الولايات المتحدة تطمح من وراء هذا الاتفاق إلى البحث عند إيران عن تسوية للأزمات المستحكمة والقضايا العالقة في المنطقة وخاصة أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان، فهي بهذا الأمر ستضفي على المنطقة المزيد من عوامل التعقيد، لا سيما أن الدول العربية ترى أن الولايات المتحدة تتخذ هذه الخطوات دون الالتفات للرغبات العربية.

– تزايد الطموح النووي بالمنطقة، يُرجح أن يفضي اتفاق جنيف إلى تعاظم الطموح النووي السلمي لدى الدول العربية، وهو الاحتمال الأقرب في الحالة الإماراتية والسعودية، إذ إن الإمارات اتخذت خطوات في هذا الصدد منذ سنوات، ووقعت اتفاقيات تعاون مع بعض الدول (على سبيل المثال فرنسا والولايات المتحدة) في مجالات الاستخدام السلمي للطاقة النووية، كما أن المملكة السعودية تخطط لافتتاح أول مفاعل نووي للطاقة السلمية في عام 2020، وقد تنضم مصر لهذه المنظومة، فهي تمتلك مخططًا لإنشاء أول محطة نووية لتوليد الكهرباء بمنطقة الضبعة.

وعطفًا على ما سبق يُحتمل أن تتسارع وتيرة البرامج النووية السلمية بالمنطقة لتشكل نوعًا من الرد على اتفاق جنيف، أما فيما يتعلق بانتشار السلاح النووي فهي قضية تعترضها إشكالية جوهرية تتمثل في السلاح النووي الإسرائيلي، فمن المستبعد أن تتخلى إسرائيل عن سلاحها النووي، وهو ما سيجعل المنطقة عرضة لمخاطر مستقبلية، خاصة أن اتفاق جنيف ليس نهاية المطاف فهو اتفاق مؤقت يمكن أن يعود بالمنطقة إلى نقطة الصفر، وقد يكون اجتماع جنيف القادم حول سوريا الاختبار الحقيقي الأول للتقارب الإيراني الغربي.

محمد بسيوني عبد الحليم – مجلة السياسة الدولية