أ.د. أحمد محمد وهبان

المعاهدات بين المسلمين وغير المسلمين

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

من منطلق السلم والسلام كانت معاهدات المسلمين مع غيرهم، والتي بها ومن خلالها يصير الفريقان -المسلمون مع غيرهم- في مرحلة سلم، أو مهادنة وموادعة.

“وإذا كان الأصل في العَلاقة هو السلم، فالمعاهدات تكون إمَّا لإنهاء حربٍ عارضة والعود إلى حال السلم الدائم، أو أنها تقرير للسلم وتثبيت لدعائمه؛ لكيلا يكون من بعد ذلك العهد احتمال اعتداء، إلاَّ أن يكون نقضًا للعهد”[1].

وعبر عصور طويلة مارست الدول الإسلامية توقيع الاتفاقيات والمعاهدات مع الدول غير الإسلامية، وتضمنت تلك الاتفاقيات التزامات وقواعد وشروطًا ومبادئ عديدة، بشكل يُمَثِّلُ تَطَوُّرًا في القانون الدولي الإسلامي.

تعريف المعاهدات والاتفاقيات
المعاهدات هي تلك الاتفاقات أو العهود أو المواثيق التي تعقدها الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وتُسَمَّى المعاهدة في الحالة الأخيرة موادعة أو مصالحة أو مسالمة، ويُقَرَّرُ بمقتضاها الصلحُ على تَرْك الحرب، لقوله I: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْـمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} [الأنفال: 61].

نماذج من المعاهدات الإسلامية
معاهدة النبي مع يهود المدينة

ومن المعاهدات التي وُقِّعَتْ بين الدول الإسلامية وغيرها ما عاهد عليه رسول الله يهود المدينة عند قُدُومِهِ إليها، وجاء في هذا العهد: إن اليهود يُنْفِقُون مع المؤمنين، ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أُمَّة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم؛ مواليهم وأنفسهم، إلاَّ مَنْ ظَلَمَ وأَثِمَ، فإنه لا يُوتِغُ[2] إلاَّ نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار، وبني الحارث، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس، وبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن بطانة يَهُودَ كأنفسهم، وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على مَنْ حارب هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبِرُّ دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن الجار كالنفس غير مضارٍّ ولا آثم، وإن الله على أتْقَى ما في هذه الصحيفة وأَبَرّه، وإن بينهم النصر على مَنْ دَهَمَ يثرب، وإذا دُعُوا إلى صلح فإنهم يُصَالِحون، وإذا دُعُوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلاَّ مَنْ حارب في الدين على كل أناس حِصَّتَهم من جانبهم الذي قِبَلَهُمْ، وإنه لا يَحُولُ هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإن الله جارٌ لمن بَرَّ واتَّقَى[3].

ويتبين من هذا العهد أنه كان لتقرير حالة السلم بين اليهود والمسلمين، كما أنه أمان بينهم لضمان عدم وقوع الحروب، كما يظهر من هذه المعاهدة أنها كانت “لحُسْنِ الجِوَارِ، ولتثبيت دعائم العدل، ويلاحظ أن فيها نصًّا صريحًا على نصر المظلوم، فهو عهد عادل لإقامة السلم وتثبيته بالعدل ونصر الضعيف”[4].

معاهدة النبي مع نصارى نجران

وقد أوردت كتب السيرة كنوزًا عِدَّة من أمثال هذه المعاهدات، وكان منها على سبيل المثال المعاهدة التي عقدها رسول الله مع نصارى نجران، والتي جاء فيها: “وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ وَتَبَعِهِمْ… وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ..”[5].

معاهدة النبي مع بني ضمرة

وكذلك معاهدته مع بني ضَمُرَة[6]، وكان على رأسهم آنذاك مخشي بن عمرو الضمري، وأيضًا عاهد رسول الله بني مدلج، الذين يعيشون في منطقة ينبع، وذلك في جُمَادى الأُولَى من السنة الثانية من الهجرة[7]، وفعل نفس الشيء أيضًا مع قبائل جهينة، وهي قبائل كبيرة تسكن في الشمال الغربي للمدينة المنورة[8].

العهدة العمرية

ومن المعاهدات الإسلامية أيضًا عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأهل إيلياء (بيت المقدس)[9]، والتي سميت بالعهدة العمرية.

وبالنظر إلى هذه المعاهدات وغيرها نجد أن المسلمين إنما يحاولون العيش في جَوٍّ هادئ مسالِمٍ مع مَنْ يجاورونهم، وأنهم لم يَسْعَوْا لقتال قَطُّ، بل كانوا دائمًا مؤْثِرين السلم على الحرب، والوفاق على الشقاق.

ضوابط وشروط المعاهدات في الإسلام
هذا، وقد أنشأ الإسلام ضوابط وشروطًا للمعاهدات تَضْمَنُ لها أن تكون موافِقَةً للشريعة, وللهدف الذي مِنْ أَجْلِهِ أُجِيزَت.

يقول الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت[10]رحمه الله: والإسلام حينما يترك للمسلمين الحقَّ في إنشاء المعاهدات – لِمَا يَرَوْنَ من أغراض – يشترط في صحَّة المعاهدة ثلاثة شروط:

أوَّلاً: ألاَّ تمسَّ قانونه الأساسي وشريعته العامَّة، التي بها قِوَامُ الشخصية الإسلامية، وقد جاء في ذلك قوله : “كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ”[11]. ومعناه أن كتاب الله يرفضه ويأباه.

ومن خلال هذا الشرط لا يَعْتَرِفُ الإسلامُ بشرعية معاهدةٍ تُسْتَبَاحُ بها الشخصية الإسلامية، وتفتحُ للأعداء بابًا يُمَكِّنُهم من الإغارة على جهات إسلامية، أو يُضْعِف من شأن المسلمين؛ بتفريق صفوفهم، وتمزيق وَحْدَتهم.

ثانيًا: أن تكون مبنية على التراضي من الجانبين، ومن هنا لا يرى الإسلام قيمة لمعاهدة تنشأ على أساس من القهر والغلبة وأزيز (النفاثات)، وهذا شرط تُمْلِيهِ طبيعة العقد؛ فإذا كان عقد التبادل في سلعة ما – بيعًا وشراءً – لا بُدَّ فيه من عنصر الرضا: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، فكيف بالمعاهدة، وهي للأُمَّة عقد حياة أو موت.

ثالثًا: أن تكون المعاهدة بيِّنة الأهداف، واضحة المعالم، تُحَدِّدُ الالتزامات والحقوق تحديدًا لا يَدَعُ مجالاً للتأويل والتخريج واللعب بالألفاظ، وما أُصِيبت معاهدات الدول المتحضِّرة -التي تزعم أنها تسعى إلى السلم وحقوق الإنسان- بالإخفاق والفشل، وكان سببًا في النكبات العالمية المتتابعة، إلاَّ عن هذا الطريق، طريق الغموض والالتواء في صوغ المعاهدات وتحديد أهدافها. وفي التحذير من هذه المعاهدات يقول الله تعالى: {وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} [النحل: 94]، والدخل هو الغش الخفيُّ يدخل في الشيء فيفسده[12].

وجوب الوفاء بالعهد
وقد أَكَّدَتِ الآيات القرآنية وأحاديث الرسول على وجوب الوفاء بالعهد، ومن ذلك قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وقوله تعالى: {وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا} [الأنعام: 152]، وأيضًا: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} [الإسراء: 34]، وغيرها الكثير من الآيات التي تشير إلى هذا المعنى العظيم.

وأمَّا ما جاء في أحاديث الرسول فمنه ما رواه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله : “أَرْبَعُ خِلاَلٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا”[13]. وعن أنس عن النبي قال: “لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”[14]. وثبت عنه أنه قال: “مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلاَ يَحُلَّنَّ عَهْدًا، وَلاَ يَشُدَّنَّهُ، حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ”[15]. وفي سنن أبي داود[16] عن رسول الله قَالَ: “أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”[17].

والفقهاء -وهم يَرَوْنَ أن الجهاد يكون مع الأمير الصالح والفاسق- يذهب أكثرُهم إلى أنَّ الجهادَ لا يكون مع الأمير الذي لا يلتزم الوفاء بالعهود، وعلى خلاف القانون الدولي في الحضارة المعاصرة فإن تَغَيُّرَ الظروف لا يُبَرِّر نكث العهد، وحتى إذا عجز المسلمون في ظروف مُعَيَّنَة عن الوفاء بالتزاماتهم يجب عليهم مراعاة التزامات الطرف الثاني، ومن هذا الباب القصة المشهورة عندما استولى القائد المسلم أبو عبيدة بن الجراح على حمص، وأخذ من أهلها الجزية، ثم اضطر إلى الانسحاب منها فردَّ الجزية التي أخذها من السكَّان، وقال: “إنما رددنا عليكم أموالكم؛ لأنه بلغنا ما جُمِعَ لنا من الجموع، وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك.. وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم”[18].

والأمثلة كثيرة من هذا النوع في التاريخ الإسلامي؛ فتغيُّر الظروف والمصلحة القومية لا تبرِّر في الإسلام نقض العهد، كما لا يُبرِّره أن يرى المسلمون أنفسهم في مركز القوة تجاه الطرف الثاني، وقد ورد النص الصريح في القرآن يؤكِّد ذلك، فقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91]، مع الأخذ في الاعتبار بأن ذلك التشديد على المسلمين بالوفاء بالعهد كان في وقت وفي بيئة لم تكن القاعدة فيهما الوفاء بالعهود[19].

هذا هو حُكْمُ الإسلام في المعاهدات التي تُوَقِّعُها الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى لحفظ السلام؛ فنحن مطالَبُون بالوفاء بها، والمحافظة عليها، وعدم نقضها، إلاَّ إذا نقضها العدُوُّ، أمَّا إذا لم ينقضها، ولم يُظَاهِر على عداء المسلمين، فعلى المسلمين الوفاء لهم لقوله I: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْـمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4].

يقول الشيخ محمود شلتوت: إن “الوفاء بالمعاهدة واجب ديني، يُسأل عنه المسلم فيما بينه وبين الله، ويكون الإخلال بها غدرًا وخيانة”[20].

وبهذا يكون الإسلام قد سبق كل الأمم الأخرى بتشريعاتها في مجال تقنين المعاهدات الدولية, بل وتميَّز عنها في عدالته وسماحته مع أعدائه, والأهمُّ أن ذلك السبق كان عمليًّا ولم يكن مجرَّد تنظير، ويدلُّ على ذلك ما وَقَّعَه المسلمون من معاهدات مع أعدائهم بداية من عصر الرسول مرورًا بعصر الخلفاء الراشدين, ثُم من بعدهم من عصور إسلامية.

تأمين الرسل في الإسلام
أمَّا في تأمين الرسل فقد جاء التشريع الإسلامي غاية في الوضوح في هذا الأمر، ودلَّت النصوص الصريحة والأفعال التي قام بها النبي على عدم جواز قتل الرسل بأي حال من الأحوال، وقد ألزم فقهاء الشريعة الإسلامية إمام المسلمين بتوفير الحماية لشخص الرسول، وضمان تمتُّعه بحُرِّيَّة العقيدة وأداء أعماله بحُرِّيَّة تامَّة[21].

ويترتَّب على ضمان حماية شخص الرسول عدم جواز القبض عليه كأسير، كما لا يجوز تسليمه لدولته إذا طلبته ورفض هو ذلك، حتى وإن هُدِّدت دار الإسلام بالحرب؛ لأن تسليمه يُعَدُّ غدرًا به، ولأنه يتمتَّع بالحماية في دار الإسلام[22].

ولمهمَّة الرسول دور كبير في عقد الصلح أو التحالف أو منع حدوث حرب، ولهذا فإنه ينبغي أن تتوافر له السبل والمستلزمات كافَّة، لا لشخصه، وإنما من أَجْلِ أداء مُهِمَّته المكلَّف بها، فهو يُعَبِّر عن مُرْسِلِهِ، وإن كان له رأي آخر ما دام قد قَبِلَ أداء هذه المهمَّة، وعلى المُرْسَل إليه مراعاة هذه الحالة.

فقد روى أبو رافع فقال: بعثتني قريش إلى النبي محمد ، فلمَّا رأيتُه وقع في قلبي الإسلام، فقلتُ: يا رسول الله، والله لا أرجع إليهم أبدًا. فقال : “إِنِّي لا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلاَ أَحْبِسُ الْبُرُدَ[23]، وَارْجِعْ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِكَ الَّذِي فِيهِ الآنَ فَارْجِعْ”[24].

وقد أورد الهيثمي[25] في كتابه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) مجموعة من الأحاديث تحت باب سمَّاه: (باب النهي عن قتل الرسل)، منها: ما رواه عبد الله بن مسعود قال حين قتل ابن النواحة‏:‏ إن هذا وابن أثال كانا أَتَيَا النبي رسولين لمسيلمة الكذاب فقال لهما رسول الله ‏:‏ ‏”أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللهِ‏؟‏‏”‏‏.‏ فقالا‏:‏ نشهد أن مسيلمة رسول الله‏.‏ قال‏:‏ ‏”‏لَوْ كُنْتُ قَاتِلاً رَسُولاً لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا‏”[26]‏. قال الهيثمي‏:‏ فَجَرَتِ السُنَّة‏ أن الرسل لا تُقْتَلُ‏[27].

وبذلك تكون الحضارة الإسلامية قد سبقت المجتمعات الغربية بأكثر من 1400 سنة في وضع القواعد الإنسانية الحضارية للرُّسُلِ، تلك المجتمعات التي لم تعترف بهذه القاعدة حتى وقت قريب[28].

المؤاخاة في المجتمع المسلم أهميتها ومكانتها

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

المجتمع الإسلامي هو تلك الأسرة الكبيرة التي تربطها أواصر المحبَّة والتكافل والتعاون والرحمة، وهو مجتمع رباني إنساني أخلاقي متوازن؛ يتعايش أفراده بمكارم الأخلاق، ويتعاملون بالعدل والشورى، يرحم الكبيرُ فيه الصغير، ويعطف فيه الغنيُّ على الفقير، ويأخذ القويُّ بيد الضعيف، بل هو كالجسد الواحد، الذي إذا اشتكى منه عضو تألَّم له سائر الأعضاء، وكالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا

المؤاخاة في الإسلام
يقول آتووتر[1]، وهو أحد الرموز البارزة في إدارة الرئيس ريجان[2]، في عدد فبراير (1991م) من مجلة Life: “… لقد ساعدني مرضي على أن أُدْرِكَ أن ما كان مفقودًا في المجتمع كان مفقودًا في داخلي أنا أيضًا: قليل من الحُبِّ والمودة، وقليل من الأُخُوَّة..”[3].

فالمؤاخاة أو الإخاء أو الأخوة من أروع القيم الإنسانية التي أرساها الإسلام للمحافظة على كيان المجتمع، وهي التي تجعل المجتمع وَحْدَةً متماسكة، وهي قيمة لم تُوجَدْ في أيِّ مجتمع؛ لا في القديم ولا في الحديث، وتعني: “أن يعيش الناس في المجتمع متحابَّينَ، مترابطين، متناصرين، يجمعهم شعور أبناء الأسرة الواحدة، التي يُحِبُّ بعضها بعضًا، ويشدُّ بعضها أزر بعضٍ، يحسُّ كلٌّ منها أن قوَّةَ أخيه قوَّةٌ له، وأن ضعفَه ضعفٌ له، وأنه قليل بنفسه كثيرٌ بإخوانه”[4].

مكانة المؤاخاة في المجتمع الإسلامي
وقد تضافرت النصوص على مكانة المؤاخاة في المجتمع الإسلامي وأثرها في بناء المجتمع المسلم، كما حثَّتْ على كل ما من شأنه تقويتها، ونَهَتْ عن كل ما من شأنه أن ينال منها؛ فقال تعالى مُقَرِّرًا عَلاقة الأُخُوَّة بالإيمان: {إِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وذلك دون اعتبار لجنسٍ أو لون أو نسب، فاجتمع وتآخى بذلك سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي مع إخوانهم العرب.

كما وصف القرآن الكريم هذه الأُخُوَّة بأنها نعمة من الله، فقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].

وها هو ذا الرسول بعد هجرته إلى المدينة -لَـمَّا كانت بداية المجتمع المسلم- بدأ بعد بناء المسجد مباشرة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقد سَجَّل القرآن الكريم هذه المؤاخاة التي ضربت المثل الرائع للحُبِّ والإيثار، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].

وفي بيان لصورة من تلك المُثُل الرائعة في الحُبِّ والإيثار جَرَّاء هذه المؤاخاة، تلك التي يعرض فيه أخ أنصاري على أخيه المهاجر نصف ماله وإحدى زوجتيه بعد أن يُطَلِّقَهَا له! وهو ما رواه أنس بن مالك حيث قال: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ المدينة فَآخَى النَّبِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ…”[5].

ولدورها العظيم في تماسك بنيان المجتمع كان تحذير الله I واضحًا جليًّا لكل عمل يُوهِنُ الأُخُوَّة الإسلامية، فَحَرَّم التعالي والسخرية، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحجرات: 11].

كما حرَّم التعريض بالعيوب والتفاخر بالأنساب، فقال تعالى: {وَلاَ تَلْـمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].

وحرَّم كذلك الغيبة والنميمة وسوء الظنِّ؛ وهي من أسوأ عوامل هدم المجتمعات، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَـحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12].

وإذا ما حَدَثَ خصام أو مهاجرة، فإن الإسلام راح يُرَغِّبُ في كُلِّ ما يجمع القلوب ويدعم الوَحْدَة؛ وذلك بالدعوة إلى الإصلاح بين المتخاصمين؛ حيث قال مُعَظِّمًا ومُرَغِّبًا في ذلك: “أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ؟!” قالوا: بلى يا رسول الله. قال: “إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْـحَالِقَةُ”[6].

بل إن الإسلام أباح الكذب للإصلاح بين المتخاصمين؛ لما في ذلك من جبر كيان المجتمع الإسلامي من أن يَتَصَدَّعَ، فقال : “لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا”[7].

حقوق وواجبات الأخوة
ولأهمية الاخوة وضع الإسلام مجموعة مجموعة من الحقوق والواجبات، يلتزمها كل مسلم بمقتضى تلك العَلاقة، ويُكَلَّفُ بها على أنها دَيْنٌ يُحَاسَبُ عليه، وأمانة لا بُدَّ من أدائها، فقال النبي يُوَضِّح ذلك: “لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا؛ الْـمُسْلِمُ أَخُو الْـمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ… بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْـمُسْلِمَ، كُلُّ الْـمُسْلِمِ عَلَى الْـمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ”[8].

ففي قوله : “وَلاَ يَخْذُلُهُ”. قال العلماء: الخذل ترك الإعانة والنصر، ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه، ولم يكن له عذر شرعي[9].

وعن أنس قال: قال رسول الله : “انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا”. فقال رجلٌ: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا، كيف أنصره؟ قال: “تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْـمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ”[10].

فهل نرى مجتمعًا إنسانيًّا يقوى على أن يُلْزِمَ كلَّ فرد فيه بأن يسعى في حاجة أخيه، وأن ينصره مظلومًا، ويَرُدَّه عن ظلمه إن كان ظالمًا؟!

إنه فقط في المجتمع الإسلامي؛ حيث هذه الدرجة العالية من الأخوة وتَوَحُّد الإحساس، فيعمل كل فرد على تفريج ضوائق أخيه وحلِّ مشكلاته، ويقف منه موقف العون والمساندة، لا موقف التحاسد والتباغض، ويكون ملتزمًا بالإيجابية، وعلى هذا تكون المؤاخاة أساسَ وعنوانَ بناء وتماسُكِ المجتمع الإسلامي.

العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

لم تقتصر الأنظمة في الحضارة الإسلامية على معالجة شئون المسلمين وشئون غير المسلمين في الدولة الإسلامية فقط، وإنما اهتمَّت -أيضًا- بتنظيم عَلاقة المسلمين بغيرهم من الشعوب والدول الأخرى، وقد كان لها في ذلك أسس ومبادئ لما يجب أن تكون عليه هذه العَلاقات، وذلك حالَ السِّلْـمِ والحرب على السواء، تلك الحالات التي تَتَجَلَّى فيها عظمة الحضارة الإسلامية، وتعلو إنسانيتها خَفَّاقة.

الإسلام دين السلام
السلام هو حقًّا الأصل في الإسلام، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين به المصدِّقين برسوله قائلاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْـمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 208]. والسلم هنا هو الإسلام[1]، وقد عبَّر عن الإسلام بالسلم لأنه سلام للإنسان؛ سلامٌ له في نفسه، وفي بيته، وفي مجتمعه، ومع من حوله؛ فهو دين السلام.

ولا غَرْوَ حين نجد أن كلمة الإسلام مُشْتَقَّة من (السلم)، وأن السلام من أَبْرَزِ المبادئ الإسلامية، إن لم يكن أبرزها على الإطلاق، بل من الممكن أن يرقى ليكون مُرَادِفًا لاسم الإسلام نفسه؛ باعتبار أصل المادَّة اللغوية[2].

فالسلم في الإسلام هو الحالة الأصلية التي تُهَيِّئُ للتعاون والتعارف وإشاعة الخير بين الناس عامَّة، وإذا احتفظ غير المسلمين بحالة السلم، فهم والمسلمون في نظر الإسلام إخوان في الإنسانية[3]، فالأمان ثابتٌ بين المسلمين وغيرهم، لا ببذل أو عقد، وإنما هو ثابت على أساس أن الأصل السلم، ولم يطرأ ما يهدم هذا الأساس من عدوان على المسلمين[4].

علاقة المسلمين بالشعوب غير المسلمة
ومن الواجب على المسلمين أن يُقيموا عَلاقات المودَّة والمحبَّة مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى والشعوب غير المسلمة؛ نزولاً عند هذه الأُخُوَّة الإنسانية، وانطلاقًا من الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]؛ فتَعَدُّد هذه الشعوب ليس للخصومة والهدم؛ وإنما هو مَدْعَاة للتعارف والتوادِّ والتحابِّ[5].

ويشهد لهذا الاتجاه العديدُ من الآيات القرآنية التي أَمَرَتْ بالسّلْـم مع غير المسلمين إنْ أَبْدَوُا الاستعداد والميل للصُّلْـحِ والسلام؛ فيقول الله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْـمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} [الأنفال: 61]، وهذه الآية الكريمة تُبَرْهِنُ بشكل قاطع على حُبِّ المسلمين وإيثارهم لجانب السّلْـم على الحرب، فمتى مال الأعداء إلى السّلْـمِ رَضِيَ المسلمون به، ما لم يكن من وراء هذا الأمر ضياعُ حقوقٍ للمسلمين أو سلبٍ لإرادتهم.

قال السُّدِّي[6] وابن زيد[7]: معنى الآية: إن دَعَوْكَ إلى الصلح فأجبهم[8]. والآية التالية لهذه الآية تُؤَكِّد حرص الإسلام على تحقيق السلام، حتى لو أظهر الأعداء السلم وأبطنوا الخيانة، يقول تعالى يخاطب رسوله الكريم: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْـمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62]، أي أن الله يتولَّى كفايتك وحياطتك[9].

وقد كان الرسول يعتبر السلام من الأمور التي على المسلم أن يحرص عليها ويسأل الله أن يرزقه إيَّاها، فكان يقول في دعائه: ‏”اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ…”[10]. بل خطب ذات يوم في الصحابة قائلاً: “لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا”[11]. كما كان يكره كلمة حرب، فقال: “أَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ: ‏عَبْدُ اللهِ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، ‏وَأَصْدَقُهَا: ‏حَارِثٌ ‏وَهَمَّامٌ، ‏وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ وَمُرَّةُ”[12].

ينبغي على من يؤمنون بالديمقراطية أن يرحبوا بمشاركة الإسلاميي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد فهد القحطاني 6

فوز حركة النهضة الإسلامية بـ ٤١ بالمئة من مقاعد الجمعية التأسيسة التونسية الشهر الماضي أثار جدلا واسعا حول صعود الإسلام السياسي في الواقع العربي، وانطلقت أصوات كثيرة في الإعلام الغربي تخذر من أن الربيع العربي سينتهي إلى شتاء إسلامي، ومن أن الإسلاميين الذين يمتطون الديمقراطية سرعان ما سينقلبوا عليها ويؤسسوا لإماراتهم الإسلامية ذات الصورة النمطية المنغرسة في الوعي الغربي منذ الحادي عشر من سبتمبر

حركة النهضة التونسية التي فازت بالانتخابات البرلمانية التونسية لن تكون استثناء في الواقع العربي، فقد حصل حزب العدالة والتنمية على المرتبة الأولى في الانتخابات المغربية، ومن المتوقع أن يتقدم الإسلاميون في الانتخابات التشريعية الاسبوع القادم في مصر ، وإذا أجريت انتخابات حرة ونزيهة في اليمن حال سقوط نظام الرئيس علي عبد الله صالح فمن المتوقع أن يفوز التجمع اليمني للإصلاح ذو الخلفية الإسلامية، وهو نمط سنراه يتكرر في الواقع العربي كلما أتيح للعملية الديمقراطية أن تأخذ مجراها.

الضجيج الذي رافق فوز الإسلاميين في الانتخابات التونسية ينبغي أن لا يحجب عنا القراءة الهادئة والمعمقة لصعود الإسلام السياسي ، والفرص الجديدة التي تحملها مشاركة الإسلاميين في الحكم، بعد عقود من الدكتاتورية والتسلط والفساد الذي طبع الأنظمة العربية، ووضعها في مواجهة الغضب الشعبي العربي خلال ما يعرف بالربيع العربي.

هناك عدد من الإشكاليات التي لمستها مؤخرا في تناول موضوع الإسلام السياسي في الإعلام الغربي وفي الحديث مع دوائر الفعل السياسي والفكري الغربية حيال ظاهرة الإسلام السياسي،
الإشكالية الأولى تبدأ من التعامل مع المصطلح ذاته، فلفظ (إسلامي) في الذهنية الغربية سلبي من حيث المبدأ، ويعود ذلك إلى الاختزال والسطحية الإعلامية التي واكبت الحديث عن الواقع الإسلامي خلال العقد الفائت، بالإضافة إلى النظرة الانفعالية التي رافقت ما سمي بالحرب على الإرهاب، نظرة لم تتمكن من رصد الفوارق الهائلة بين أطياف الحركات والتيارات التي تنتمي إلى فهم معين للإسلام، فالسلفية الجهادية وعلى رأسها تنظيم القاعدة لا تؤمن بالعمل السياسي، ولم يتردد أيمن الظواهري في انتقاد حركة حماس عندما قررت المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، كما انتقد مرارا جماعة الإخوان المسلمين ومنهجها الرافض لاستخدام العنف في تغيير الواقع السياسي، وفي المقابل التزمت الحركات الإسلامية المنتمية عموما إلى الفكر الإصلاحي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، بالنضال السلمي من داخل اللعبة السياسية، لا سيما بعدما رأت نتائج التكلفة الهائلة للصراع المسلح بين الإخوان المسلمين في سوريا وبين نظام حافظ الأسد عام ١٩٨٢، والذي ذهب ضحيته ما يزيد على عشرين ألف قتيل وعشرات الآلاف من السجناء والمشردين. التجربة السورية عمقت لدى الحركات الإسلامية شعورا بضرورة تفادي التغيير من خلال العمل المسلح، ورسخت منهج (الصبر الاستراتيجي) على الرغم من محاربة هذه الحركات من قبل الأنظمة العربية وحرمانها من العمل السياسي والزج بناشطيها في غياهب السجون.

الإشكالية الثانية تتلخص في النظر إلى الإسلاميين على أنهم طارئون على العمل السياسي ، وأنهم أغرار مندفعون بحماس أيدلوجي متشدد، تعوزهم المرونة وتنقصهم الخبرة، والحقيقة أن الإسلاميين جزء قديم ومكون رئيس في الحراك السياسي العربي منذ عشرينيات القرن الماضي، وبرزت جماعة الأخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا عام .١٩٢٨كلاعب رئيس في العمل السياسي في مصر خلال العهود السياسية المتعاقبة ، وتاريخ الحركات الإسلامية في الدول العربية الأخرى حافل بكل مظاهر العمل السياسي: المعارضة، المشاركة السياسية، التحالفات والائتلافات وكذا الوصول إلى الحكم . صحيح أن الحركات الإسلامية لعبت دور المعارضة في معظم الأحيان، ولكنها شاركت في انتخابات برلمانية منذ الأربعينيات، كما تحالفت مع قوى سياسية علمانية وقومية واشتراكية، وشاركت جزئيا في حكومات متعددة ابتداء في السودان والأردن واليمن والجزائر، وتحالفت مع أنظمة غير إسلامية كما حدث مع نظام نميري في السودان عام١٩٧٧ ، هذا بالاضافة الى تجارب أخرى متفاوتة أثرت في الوعي الإسلامي التراكمي: الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩ وما ثار حولها من جدل، وصول الاسلاميين إلى السلطة في السودان عام ١٩٨٩ في أعقاب انقلاب قاموا به بالتعاون مع بعض ضباط الجيش، فوز الجبهة الاسلامية للانقاذ في الجزائر بالانتخابات عام ١٩٩١ فانقلب عليها الجيش ولم يسمح لحكومتها بأن تقوم، وفي عام ١٩٩٦ اجتاحت حركة طالبان معظم الأراضي الأفغانية وأسست إمارتها الإسلامية، وفي عام ٢٠٠٣ فازت حركة المقاومة الإسلامية في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني وكانت النتيجة عدم الاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية وفرض الحصار على غزة، هذه التجارب المتفاوتة في نجاحها وفشلها أضافت إلى الإسلام السياسي عمقا ووعيا وخبرة، وقدمت نماذج مهمة لحوار معمق دار في أوساط الإسلاميين حول طبيعة الدولة والسلطة ودور الاسلام في الحياة العامة. ولعل من أهم التجارب تأثيرا في الواقع السياسي الإسلامي الراهن وصول حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية إلى السلطة في تركيا بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٢، فالتجربة التركية تحديدا تمثل مصدر إلهام لعدد من الحركات الإسلامية، فمع أن حزب العدالة والتنمية لا يصف نفسه بأنه إسلامي، إلا أن تجربة السنوات العشر الماضية في تركيا قدمت وصفة ينظر إليها كثير من الإسلاميين على أنها ناجحة، إذ تجمع ثلاث سمات مهمة: المرجعية الإسلامية العامة، الديمقراطية التعددية والنمو الاقتصادي الكبير.

التجارب السياسية المتنوعة هذه الممتدة من طالبان إلى أردوغان كان لها أثر عميق في إنضاج الإسلام السياسي، ومنحته مرونة وسعة، لم تقتصر على شكليات وآليات العمل السياسي، بل انتقلت إلى صميم الوعي والإدراك الفكري لفلسفة علاقة الإسلام بالدولة الحديثة، وكان ذلك واضحا في الحوار الداخلي بين مكونات التيار الإسلامي، فطورت في الثمانينيات مقولات جديدة داخل الحركة الاسلامية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والموقف من الأقليات الدينية والإثنية بالإضافة إلى حقوق المراة والعلاقات الدولية، ووجد المفكرون الإسلاميون في أصول الفقه الإسلامي القائم على الأولويات والمقاصد وترجيح المصلحة ما أصل لمنهج سياسي عميق، لا يختلف في مقاصده العليا عن القيم العالمية في مجال السياسة والعلاقات الدولية

ومع ذلك فإنه من الضروري التنبيه إلى أن الإسلام السياسي قد عانى في العقدين الماضيين ضغوطا كبيرة من قبل النظم الديكتاتورية العربية، ازدادت عمقا وتفاقما في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١، إذ استغلت الأنظمة العربية الحرب على الإرهاب في الانقضاض على المعرضة الإسلامية، فأغلقت المؤسسات الإسلامية، وحظر عملها، ومنع منتسبوها من العمل العام، وازدحمت بهم السجون وقضى بعضهم تحت التعذيب ومنع كثير منهم من الوظيفة والسفر والحقوق الأساسية للمواطنين، وهو ما ترك مرارات عميقة في نفوس الإسلاميين، وعليه فمن الضروري أخذ ذلك بالاعتبار في قرائتنا لبعض تصريحات وخطابات الناشطين الإسلاميين، فمن الطبيعي أن نسمع عبارات انفعالية أو شعارات موغلة في الحماس أو حتى تهديدات غير متسامحة، فبعض قيادات الحركات الإسلامية ممن يتصدرون الحملات الانتخابية أفرج عنهم من السجون قبل شهور قليلة، وليس من الإنصاف أن نتوقع منهم خطاب الدبلوماسيين المحترفين.
وعلى الرغم من ذلك فإن أن الخطاب السياسي الاسلامي قد اتسم بالانضباط والتوازن عموما، ولعل الحركة الاسلامية التونسية قد قدمت قدوة حسنة في تعاملها السياسي والاعلامي قبل وبعد فوزها بالانتخابات، ومع أن الحركة الإسلامية التونسية كانت من أكثر الحركات تضررا من قمع نظام بن علي، إلا أن قادتها نجحوا في تطوير خطاب سياسي متسامح، وانفتحوا على قوى سياسية علمانية ويسارية معتدلة، وطمأن قادة حركة النهضة مواطنيهم على أن الحركة لن تتدخل في حياتهم الشخصية، وأنها ستحترم حقوق الناس في الاختيار ، كما قدمت الحركة مثالا متقدما على مشاركة المرأة، فقد وصل ٤٢ امرأة من النهضة إلى الجمعية التأسيسية من مجموع ٤٩ امرأة فزن في الانتخابات الأخيرة.

خطاب الحركات الإسلامية تجاه الغرب التزم ذات السياق المتوازن، فمع أن الحركات الإسلامية قد وصلت اليوم إلى مواقع النفوذ والتأثير بفضل شرعية الخيار الشعبي ونتيجة لثورته، وأن الشارع العربي يعرف حجم الدعم الغربي للأنظمة العربية المتسلطة خلال العقود الماضية، وتغاضي الغرب عن الانتهاكات الجسيمة للحقوق السياسية والانسانية في مقابل تحقيق مصالح اقتصادية وأمنية غربية، إلى أن الثورات العربية ومعها الحركات الإسلامية لم تبادر إلى الثأر، بل اتسم خطابها عموما بالتوازن، ذلك أن الإسلاميين يدركون كما يدرك غيرهم من مكونات الحراك الشعبي العربي توازنات القوى الدولية،ويعرفون أهمية التواصل العالمي في عالم متشابك اقتصادي وسياسيا

إن نافذة الفرصة الحالية تتيح للغرب أن يتخلص من الصورة السلبية المنطبعة في الذهنية العربية عن دور الغرب في دعم الأنظمة المستبدة، ولن يتحقق ذلك إلا بدعم غربي واضح وصريح للعملية الديمقراطية في العالم العربي والقبول بنتائجها دون التدخل لصالح طرف على طرف، فالديمقراطية هي الخيار الوحيد للعبور بالمنطقة إلى الاستقرار والأمن والتسامح، وهي اليوم أعز على قلوب العرب من أي شيء، ولن يتسامحوا مع محاولات التلاعب في مسارها.

لقد عانت المنطقة العربية كثيرا من محاولات إقصاء الإسلاميين ومنعهم من الحياة العامة، ولم تحصد جراء ذلك إلا مزيدا من التسلط والديكتاتورية والفساد، هذا بالإضافة إلى العنف والتشدد، إن استحقاق مشاركة الإسلاميين في الحكم سيأتي بعدد من التحديات والعقبات في داخل الصف الإسلامي وفي علاقة الإسلاميين بغيرهم من التيارات والقوى المحلية والدولية، غير أن هذه الديناميكية وذلك التدافع هو ما سيضمن إنضاج التحول الديمقراطي العربي وسيعبر به إلى إجماع سياسي يصل إلى نقطة توازن مفقود في أقطارنا منذ عقود، وعلى الإسلاميين في سبيل تحقيق عبور آمن نحو ذلك المستقبل المنشود أن لا يعيشوا حالة من الثقة الزائدة بالنفس، وأن يمدوا أيديهم لكل القوى والتيارات السياسية مهما كان رصيدها الانتخابي، وأن يحرصوا على شراكات وتحالفات سياسية حقيقية معها حتى وإن اقتضى الأمر تقديم تنازلات كبيرة، فالمرحلة الحالية هي التي ستحدد مسار المستقبل العربي لعقود قادمة، ولا يقوى على رسم ملامحها تيار منفرد، ولا حركة واحدة بعينها.

العدل في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

يُعَدُّ العدل من القيم الإنسانية الأساسية التي جاء بها الإسلام، وجعلها من مُقَوِّمَاتِ الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، حتى جعل القرآنُ إقامةَ القسط – أي العدل – بين الناس هو هدف الرسالات السماوية كلها، فقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، وليس ثمة تنويه بقيمة القسط أو العدل أعظم من أن يكون هو المقصود الأول من إرسال الله تعالى رُسُله، وإنزاله كتبه؛ فبالعدل أُنْزِلَتِ الكتب، وبُعِثَتِ الرسل، وبالعدل قامت السموات والأرض[1].

وفي تقرير واضح وصريح لإحقاق العدل وتطبيقه ولو كُنَّا مبغضين لمن نَحْكُم فيهم، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، ويقول أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، قال ابن كثير[2]: “أي لا يحملنَّكم بُغْض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كُلِّ أَحَدٍ؛ صديقًا كان أو عدوًّا”[3].

فالعدل في الإسلام لا يتأثَّر بحُبٍّ أو بُغْضٍ، فلا يُفَرِّقُ بين حَسَب ونَسَب، ولا بين جاهٍ ومالٍ، كما لا يُفَرِّقُ بين مسلم وغير مسلم، بل يتمتَّعُ به جميعُ المقيمين على أرضه من المسلمين وغير المسلمين، مهما كان بين هؤلاء وأولئك من مودَّة أو شنآنٍ.

مواقف من العدل في الإسلام
ومن المواقف التي تدلل على ما سبق قصة أسامة بن زيد مع المرأة المخزومية، فلمَّا حاول أسامة بن زيد أن يتوسَّط لامرأة من قبيلة بني مخزوم ذات نسب؛ كي لا تُقطَعَ يَدُها في جريمة سرقة، ما كان من رسول الله إلاَّ أن غضب غضبًا شديدًا، ثم خطب خطبة بليغة أوضح فيها منهج الإسلام وعدله، وكيف أنه سوَّى بين كل أفراد المجتمع رؤساء ومرءوسين، فكان ممَّا قاله في هذه الخطبة: “إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْـحَدَّ، وَايْمُ اللهِ! لَوْ أَنَّ ‏‏فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ‏سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا”[4].

وقد روى الإمام أَحمد عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه قال: أفاء الله خيبر على رسول الله ، فأقرَّهم رسول الله كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم؛ فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها[5] عليهم، ثم قال لهم: “يا معشر اليهود، أنتم أبغض الخَلْقِ إليَّ، قتلتم أنبياء الله ، وَكَذَبْتُمْ على الله، وليس يحملني بغضي إيَّاكم على أن أحيف عليكم؛ قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم،وإن أبيتم فَلِي”. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قد أخذنا[6].

فرغم بُغض عبد الله بن رواحة لليهود إلاَّ أنه لم يظلمهم، بل أعلنها لهم صريحة أنه لا يحيف عليهم، وما شاءوا أَخْذَهُ من أي القسمين من التمر فليأخذوه.

حقيقة العدل في الإسلام
وحقيقة العدل في الإسلام، أنه ميزان الله على الأرض، به يُؤْخَذُ للضعيف حَقُّه، ويُنْصَفُ المظلومُ ممن ظلمه، ويُمَكَّن صاحب الحقِّ من الوصول إلى حَقِّه من أقرب الطرق وأيسرها، وهو واحد من القيم التي تنبثق من عقيدة الإسلام في مجتمعه؛ فلجميع الناس في مجتمع الإسلام حَقُّ العدالة وحقُّ الاطمئنان إليها.

وإذا كان الإسلام قد أَمَرَ بالعدل مع الناس -كُلِّ الناسِ كما رأينا في الآيات الأُوَلِ- العدل الذي لا يَعْرِفُ العاطفة؛ فلا يتأثَّرُ بحُبٍّ أو بُغْضٍ، فإنه قد أمر بالعدل ابتداءً من النفس، وذلك حين أمر المسلم بالموازنة بين حقِّ نفسه وحقِّ ربِّه وحقوق غيره، ويظهر ذلك حين صدَّق رسول الله سلمان الفارسي لمَّا قال لأخيه أبي الدرداء الذي جار على حقِّ زوجته بِتَرْكِها، ومداومة صيام النهار، وقيام الليل: “إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ”[7].

وأَمَرَ الإسلامُ كذلك بالعدل في القول، فقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152]، كما أمر بالعدل في الحكم، فقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]. كما أمر بالعدل في الصُّلْـح، فقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9].

تحريم الظلم في الإسلام
وبقدر ما أَمَرَ الإسلامُ بالعدل وحثَّ عليه، حَرَّمَ الظلم أشدَّ التحريم، وقاومه أشدَّ المقاومة، سواء ظُلْـم النفس أم ظُلْـم الآخرين، وبخاصة ظُلْـم الأقوياء للضعفاء، وظُلْـم الأغنياء للفقراء، وظُلْـم الحُكَّام للمحكومين، وكلَّما اشتدَّ ضعف الإنسان كان ظلمه أشدَّ إثمًا[8]؛ ففي الحديث القدسي: “يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْـمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا”[9].

ويقول الرسول لمعاذ: “… وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْـمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ”[10]. وقال: “ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْـمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللهُ فَوْقَ الْغَمَامِ، وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ”[11].

وهكذا هو العدل.. ميزان السماء في مجتمع الإسلام.

الدين والسياسة

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

ادَّعى الكثيرون أنه لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، وأشاعوا أنه لا ينبغي أن يحكم السياسةَ شيءٌ لا من قواعد الدين أو الأخلاق، وأن السياسة لا تحكمها إلاَّ المصلحة دون التقيُّد بأيَّة مبادئ؛ لذا لا ينبغي إقحام الدين -الذي هو منبع الفضائل والقيم- في مجالات السياسة؛ التي تَتَّسم -لا محالة- بالنفاق والمداهنة وعدم الوفاء -كما زعموا-.

الدين والسياسة

الحقيقة أن هذا الدين العظيم «الإسلام» حافل بالسياسة وأحكامها، وأن كتاب الله تعالى القرآن زاخر بالآيات التي تتناول الشئون السياسية، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مارس السياسة في جميع مراحل نبوته صلى الله عليه وسلم: في علاقته بالمشركين في مكة، وفي علاقته بكافَّة أطياف مجتمع المدينة المنورة من الأنصار والمشركين واليهود، وتنظيم علاقة الأنصار بالمهاجرين، وعلاقتهما سويًّا بعناصر المجتمع الأخرى.

رسول الله والعمل السياسي

ومن عجيب الأمور أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُمارس السياسة فحسب، وإنما مارسها بأخلاق يصعب أن تجدها في التعاملات العادية للبشر؛ حتى لو كانت مع أرحامهم وذويهم؛ فما بالك لو كانت مع الأعداء!

والمشكلة الحقيقية أن مَنْ يَدَّعُون أن الدين ليس به سياسة لا يقرءون، ولو قرءوا فإنهم يحاولون تحريف ما يقرءونه؛ لكي ينفوا عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم صفة العمل السياسي، وللأسف فإنَّ مَنْ لم يطَّلع على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من المسلمين يتمُّ خداعه بواسطة هؤلاء.

لذا فإن واجبنا -نحن المسلمين- أن نقرأ التاريخ والسيرة النبوية بوعي وإدراك؛ لنرى كيف كانت تصرُّفات الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية، وكيف كانت مبادئه صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الصديق والعدوِّ؛ المسلم والكافر، المحارب والمعاهِد، وسنجد العجب؛ سنجد قمَّة الرُّقِيِّ والسموِّ في النهج السياسي؛ سنجد الصدق الذي يفتقده الساسة المعاصرون، ويُنَظِّرون لوجوب غيابه عن الحياة السياسية. سنجد الأمانة في التعامل مع المعاهَد الذي هو عدوٌّ في الأصل، ولكنَّ المعاهدة تقتضي الأمانة وحفظ العهد والوفاء به.

وواجبنا الأسمى بعد هذا هو أن ننشر هذه الحقائق وذلك الرقي للعالم أجمع؛ لكي يفهم حقيقة السياسة في الإسلام، ولكي يُحاول إدراك مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه، وأخيرًا لكي يُعلم أن الإسلام قادر على تطهير حياة البشر من جميع أدرانها، وأن يُقيم لهم حياة نظيفة سوية يسعدون بها.

إن هذه المهمَّة جزء من رسالتنا -نحن المسلمين- للعالم أجمع؛ فعلينا النهوض بها، والقيام بمسئوليتنا إنقاذًا للعالم من الظلم والفساد الذي يعيش فيه، وقبل ذلك إرضاء لله عز وجل، وقيامًا بواجب الأُمَّة المسلمة، الذي استحقَّت عليه الخيرية؛ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].[1]

الإمارة في الدولة الإسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

نقسم الدولة الإسلامية إداريًّا إلى ولايات تتبع عاصمة الخلافة التي تضم مقر الخليفة، ودواوين الدولة الرئيسة، ويطلق على المتولي لكل ولاية من ولايات الدولة لقب “والٍ” أو “أمير”.

وتنقسم الإمارة -بحسب السلطات التي يمنحها الخليفة للأمير- إلى قسمين، وهما:

أولاً- الإمارة العامة:

ويقصد بها تولية الخليفة لأمير على ولاية معينة للإشراف على جميع المصالح التي تحت ولايته، كالشئون العسكرية والسياسية والمالية والقضائية، وإقامة الحدود الشرعية، وحفظ عقيدة المسلمين وأخلاقهم، وتيسير أمور الحجيج إلى بيت الله الحرام، وإمامتهم في الجامعات والجُمَع والأعياد.

وتنقسم هذه الإمارة العامة -تبعًا لطبيعة التقليد- إلى نوعين، إما اختيارًا أو اضطرارًا:

1- إمارة استكفاء:

وهي التي يعين الخليفة فيها أميرًا على ولاية باختياره دون اضطرار، ويشترط في هذا الأمير المختار نفس صفات وزير التفويض[1].

2- إمارة استيلاء:

وهي الإمارة التي يعقدها الخليفة مضطرًّا لشخص استولى على ولاية بالقوة، فيفوض الخليفة إليه تدبير مصالحها وسياسة أمورها[2].

وإقرار الخليفة في هذه الحال -وإن كان يرجع إلى عجزه عن استرجاعها من جهة، ولكنه من جهة أخرى- يضفي الصفة الشرعية على سياساته وتصرفاته في تنفيذ مسئولياته المقررة عليه كأمير، كما لو وُلِّي اختيارًا من قبل الخليفة، وقد يؤدي هذا التفويض إلى كسب طاعته، ومنع سفك دماء المسلمين.

ولعل مثل هذه السياسة أدت ببعض أمراء الاستيلاء في الخلافة العباسية إلى الاعتراف بالخليفة كرمز ديني، يخطبون له على المنابر في الجُمَع، ويطبعون اسمه مع أسمائهم على النقود، ويؤدون إليه بعض الأموال اعترافًا بطاعته[3].

ثانيًا: الإمارة الخاصة:

وتقتصر مسئوليتها غالبًا على إمارة الجيش وتدبير شئونه، وصفات هذا الأمير هي نفس صفات الأمير في الإمارة العامة باستثناء العلم الشرعي، ويحل محل هذا الشرط الخبرة والدراسة بالشئون العسكرية[4].

تاريخ الإمارة وتقسيم الولايات

بدأ تعيين الأمراء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على المناطق من السنة الثامنة من الهجرة (629م) بعد فتح مكة؛ إذ ولّى صلى الله عليه وسلم عليها عتاب بن أسيد، الذي يعتبر أول ولاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقَبْل ذلك كان المسلمون مستضعفون في مكة قبل الهجرة، ولم يقع تحت سلطتهم بعد الهجرة وقبل الفتح إلا المدينة التي يتولى حكمها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، ثم توالى تعيين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على مختلف أنحاء الجزيرة العربية بعد انتشار الإسلام فيها.

وأهم الولايات المعروفة في عهده صلى الله عليه وسلم: مكة، والطائف، ونجران، والمنطقة الواقعة ما بين زَمَع وزبيد إلى حد نجران، وصنعاء، والجَنَد[5].

وبعد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ظلَّ الخلفاء في العصور المختلفة يعينون الولاة على الولايات والأمصار الرئيسية في عهد الخلفاء الراشدين: مكة، والبصرة، والكوفة، ومصر، والبحرين، والشام، واليمن، والجزيرة.

وأهم أمصار العهد الأموي: الحجاز وتضم مكة والمدينة والطائف، واليمن، والعراق وتشمل البصرة والكوفة، وخراسان، وسجستان، والسند، والبحرين، وعمان، واليمامة، ومصر، وشمال إفريقيا وتتبعها الأندلس، والجزيرة وتتبعها أرمينة وأذربيجان.

ولم تختلف التقسيمات الإدارية في بداية العصر العباسي كثيرًا عما كانت عليه في الدولة الأموية، مع الأخذ بعين الاعتبار انفصال الأندلس واستقلالها عن الدولة العباسية، وتجزئة بعض الولايات[6].

وأما في العصر العباسي المتأخر فلا يمكن أن نضع ملامح إدارية عامة لكل الفترة؛ وذلك لضعف الخلافة وانفصال كثير من المناطق عن السلطة المركزية، واختلال التقسيمات الإدارية بحسب تغيُّر الظروف السياسية.

وبقيت الأندلس تحت قبضة أمير واحد منذ فتحها وعاصمتها قرطبة حتى سنة 400هـ/ 1009م، أي حتى نهاية الحكم الأموي فيها، ثم تفككت إلى دويلات متعددة، تزيد وتنقص بحسب الظروف والأحوال، وكل دويلة أصبحت فعليًّا دولة مستقلة عن الدويلات الأخرى.

ويعود ظهور الإمارة العامة والإمارة الخاصة إلى عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد عيَّن عتاب بن أسيد أميرًا على مكة بعد فتحها، وكانت إمارته عامَّة، وعيَّن زيد بن حارثة أميرًا على جيش المسلمين المتوجّه إلى الشام، وحارب الروم في معركة مؤتة المشهورة سنة 8هـ/629م، وكانت ولايته خاصة.

وكانت طبيعة الإمارة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى صدر الدولة العباسية عبارة عن إمارة استكفاء، ولكن عندما ضعفت سلطة الدولة العباسية المركزية في بغداد -بعد مقتل المتوكل سنة 247هـ/ 861م- أخذت بعض الأقاليم تنفصل عنها وتستقل بشئونها، فكثرت إمارة الاستيلاء مثل الدولة الطولونية (245-292هـ/ 859-904م)، والدولة الإخشيدية (323-358هـ/ 934-968م) في مصر، والدولة الحمدانية (293-394هـ/ 905-1003م) في الموصل وحلب.

نظرية الدولة عند ابن خلدون

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

عتبر عبد الرحمن بن خلدون من الشخصيات الإسلامية الفذة في العصور الوسيطة، وهو مغربي الميلاد والنشأة والثقافة، فقد ولد في تونس سنة 732هـ (1332م)، وأقام في المغرب حتى عام 784هـ، حيث انتقل إلى مصر، ومكث بها ما يناهز ربع قرن ( 784 – 808هـ)، حيث توفي ودفن في مقابرها سنة 1406م.

لقد كانت شخصية ابن خلدون ولا تزال جذابة من كل جوانبها، ولكن جانبيْن اثنيْن منها قد جذبا أنظار القدامى والمحدثين من الباحثين، وهما الجانب الفكري والثقافي، والجانب السياسي. وتتميز نظرياته بأنَّها على الغالب صالحة لكل زمان ومكان لأنَّها مستقاة من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، فهذا المؤرخ العلامة حفظ أول ما حفظ القرآن الكريم، ثُمَّ الحديث النبوي الشريف، ودرس التفسير والفقه، واللغة العربية والأدب، ثُمَّ غاص في أعماق معاني القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، واستقى منهما نظرياته في العمران، والدولة والاقتصاد، والتاريخ، والتربية، وعلم الاجتماع، كما نجد في نظريات ابن خلدون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، طريقًا نستدل بها على الطرق المثلى للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تسعى إليه حكوماتنا وشعوبنا.

يرصد لنا ابن خلدون كافة خبراته وإمكاناته العلمية والعملية ليقدم لنا دراسة جديدة عملية تنطبق فيها فكرة التاريخ الجديد على المجتمعات البشرية، وفي هذه الدراسة تنطبق على الدولة، فالشريحة أو النموذج الذي طبَّق عليه ابن خلدون قوانينه العامة وآراءه العامة كانت على الدولة الإسلامية، هذا التطبيق لم يخل من تجربة ابن خلدون العملية للحياة العملية من تدرجه في المناصب السياسية، كل هذا أثَّر بشكل مباشر وغير مباشر على أفكاره السياسية، وعلى إعماله لهذه الأفكار تطبيقًا على الدولة الإسلامية بوحداتها السياسية المختلفة ومستوياتها الثقافية المتنوعة.

وابن خلدون يمثل نقطة تحول في كتابة التاريخ الإنساني، وفي تأسيسه لعلم الاجتماع، ومن الظلم أن نقارنه بمفكري أوربا في عصر النهضة كدانتي مثلاً، فإن كان دانتي قد هزَّ الفكر الإنساني في أوربا، فإنَّ ابن خلدون قد هزَّ الفكر الإنساني العالمي ،لأنَّ ابن خلدون وضع خطة جديدة وآراء جديدة ،بل وضع قوانين جديدة يمكن تطبيقها، وتنسحب على كل المجتمعات البشرية، انطلاقًا من أنَّ الإنسان لا يعيش إلاَّ في مجتمع ،وإذا عاش في مجتمع، فلابد أن يعيش مع شعب، وإذا عاش مع شعب لابد أن يعيش على أرض، ولكي تظل العلاقة قائمة بين هؤلاء الناس أو القبائل أو الشعب، أو هذه المجموعة البشرية لابد من أن ينظمها حاكم، وأنواع الحاكم تدرجت من حاكم بسيط “شيخ قبيلة” إلى حاكم مطلق، استطاع أن يستخدم كل الوسائل التي هيأها له هذا التجمع البشري، أو هذا العمران، واستطاع أن يستغل هذا ويصبح هو الحاكم المطلق، وإذا أصبح حاكمًا مطلقًا استطاع أن يؤسس دولة، فإذا أسَّس الدولة التي طبَّق عليها ابن خلدون نظريته، مرَّت الدولة بمراحل مختلفة، هذه المراحل وجدت صحة في التطبيق عندما ننظر إلى أية دولة الآن نجد أنَّها تمر بنفس المراحل التي وضعها ابن خلدون في مقدمته.

ويقول ابن خلدون أنَّ هناك للدولة خمسة أطوار، وأربعة أجيال أسرية: فالأطوار (مرحلة البداية والتأسيس، توطيد الحاكم نفوذه إلى أن يصبح حاكمًا مطلقًا، يبعد نفسه عن عصبيته، يعتمد على المرتزقة في الدفاع عن الدولة، المرتزقة تقضي على الملك).

تعريف ابن خلدون للدولة:
يُعرِّف ابن خلدون الدولة بأنَّها “كائن حي له طبيعته الخاصة به، ويحكمها قانون السببية، وهي مؤسسة بشرية طبيعية وضرورية، وهي أيضًا وحدة سياسية واجتماعية لا يمكن أن تقوم الحضارة إلاَّ بها”.

قانون السببية عند ابن خلدون:
مفاده أنَّ الوقائع الاجتماعية والأحداث التاريخية خاضعة للحتمية، وليست بفعل المصادفة لارتباط الأسباب بالمسببات، والسبب عند ابن خلدون النظر في الأسباب، كما استخدمها القرآن الكريم للوصول إلى الحكم دون البحث في ماهية الشيء أو وجوده، كما يفعل الفلاسفة الذين يبحثون في ماهية الله، وهذا منهي عنه في الإسلام.

قانون التشابه عند ابن خلدون:
هو التشابه بين الماضي والحاضر، وأنَّ المجتمعات البشرية تتشابه من بعض الوجوه، ويرجع هذا التشابه إلى :
1- الوحدة العقلية للجنس البشري.
2- ميل الإنسان إلى التقليد، ويتجلى هذا التقليد في:
أ- تقليد الناس لأصحاب السلطة.
ب- تقليد أصحاب السلطة لأصحاب السلطة السابقة.
ج- أنَّ المغلوبين أصحاب الدولة التي زالت وانتهت يقلِّدون أصحاب الدولة الجديدة.
والتقليد عند ابن خلدون قانون عام يدفع بحركة التطور إلى الأمام ،لأنَّ التقليد يكون للأفضل.

قانون التباين عند ابن خلدون:
يرى ابن خلدون أنَّ المجتمعات ليست متماثلة بصفة مطلقة، بل توجد بينها فروق يجب أن يلاحظها المؤرخ، ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض المؤرخين عدم إدراكهم لهذه الفروق.

ضرورة الدولة عند ابن خلدون:
يرى ابن خلدون أنَّ حاجة الإنسان للغذاء والكساء والمأوى والدفاع عن النفس هي التي تدفعه إلى الانتظام في مجتمع إنساني، فالإنسان لا يستطيع أن يسد حاجته للغذاء بمفرده،لأنَّ ذلك يتطلب أعمالاً كثيرة لا يستطيع أن يقوم بها بمفرده ،فلابد من تعاونه مع رفاقه.

والإنسان معرض للخطر ليس من جانب الحيوانات المفترسة فحسب، بل من جانب أخيه الإنسان، لذا لا بدّ من وجود سلطة تحول دون اعتداء الناس بعضهم على البعض الآخر، وهذا ما أسماه ابن خلدون بـ “الوازع”، أو “وازع حاكم”، وعبَّر عنها المستشرق “أرين روزنتال2” بـ “السلطة الرادعة”، ولها القوة الرادعة في منع الناس من قتل أو إيذاء بعضهم البعض؛ حيث أنَّ العداوة والعنف سائدتان في طبيعتهم الحيوانية ،وهذه السلطة تكون في يد الملك أو السلطان.

أسس الدولة عند ابن خلدون:
ويرى ابن خلدون أنَّ الدولة لا تقوم إلاَّ على أساسيْن:

أولهما: الشوكة والعصبية المعبر عنهما بالجند.
وثانيهما: المال الذي هو قوام أولئك الجند، وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال.

فالدولة في أولها تكون بدوية؛ حيث يكون الإنفاق معقولاً، ولذا يكون هناك إمعان في الجباية والإسراف، وإذا عظم المال انتشر الترف الذي يؤدي إلى انهيار الدولة، فإنَّ نفقات السلطان وأصحاب الدولة تتضاعف، وينتشر الإسراف بين الرعايا، وتمتد أيديهم إلى أموال الدولة من جهة، ومن جهة أخرى يبدأ الجند في التجاسر على السلطة، فيضطر السلطان إلى مضاعفة الضرائب، فيختل اقتصاد البلاد، ولكن الجباية مقدارها محدود، كما لا يستطيع رفع الضرائب إلى ما لا نهاية، ولذا يضطر إلى الاستغناء عن عدد من الجند حتى يوفر مرتباتهم، فتضعف حمايته، وتتجاسر عليه الدول المجاورة أو القبائل التي ما تزال محتفظة بعصبيتها.

مفهوم العصبية عند ابن خلدون:
إنَّ العصبية عند ابن خلدون لا تشمل أبناء الأسرة الواحدة الذين تربطهم بعضهم بالبعض الآخر صلة الرحم فحسب، بل هي تتسع لتشمل أهل الولاء والحلف، وفي مواقع أخرى نجد ابن خلدون يضم الرق والمرتزقة، وهم من يُطلق عليهم اسم “المصطنعين إلى العصبية”، أمَّا النسب فيعتبره أمر وهمي فائدته هو الترابط الذي يوجده، وبهذا يكون معنى العصبية عند ابن خلدون مرادف لمفهوم العصبية، وبهذا لم يخرج عن المفهوم الإسلامي الذي نبذ العصبية القبلية.

أنظمة الحكم عند ابن خلدون:
لقد حدَّد ابن خلدون أنظمة الحكم بثلاث هي:
1- حكم يستند إلى شرع الله “الخلافة”.
2- سياسة عقلية، وهي تضطلع بمصالح الدنيا فقط ،واستشهد بحكومة الفرس.
3- سياسة مدنية، وهي مثالية مفترضة مثل المدن الفاضلة عند الفلاسفة، وهي بعيدة الوقوع.

ويقرر ابن خلدون في صراحة كاملة أنَّ الحكومة التي يجب أن تسوس شئون مجتمع العمران، هي الحكومة الإسلامية لما فيها من حفاظ على مصالح الناس في دنياهم وسلامة مصيرهم في آخرتهم، فيقول: “والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي على مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ ترجع أحوال الدنيا كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عند صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”.

ويبين ابن خلدون أنَّ وظيفة الخلافة دينية اجتماعية سياسية، وذمَّ الملك القائم على العصبية، لأنَّه يؤدي إلى القهر، ورفض المُلك القائم على السياسة وحدها لأنَّه مجرد من الصبغة الدينية التي نظَّمتها شريعة السماء في حراسة نور الله، ويستشهد ابن خلدون بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ،فيذكر قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما هي أعمالكم تُرد إليكم».

وبيَّن ابن خلدون سبب تسمية الخليفة بذلك بأنَّه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنَّ الإنسان خليفة الله في الأرض لقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، فالله جعل الخليفة نائبًا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ،ويردهم عن مضارهم.

وبذلك يتفق مع الإمام الماوردي في توصيف الخلافة بأنَّها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع.

نظرية الدولة عند ابن خلدون:
لقد نظر ابن خلدون للدولة على أنَّها كائن حي يولد وينمو، ثُمَّ يهرم ليفنى، فللدولة عمر مثلها مثل الكائن الحي تمامًا، وقد حدَّد ابن خلدون عمر الدولة بمائة وعشرين عامًا، لأنَّه يرى أنَّ العمر الطبيعي للأشخاص كما زعم الأطباء والمنجمون مائة وعشرين عامًا، ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر إلاّ إن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب، مستشهدًا بقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]، وذكر أنَّها تتكون من ثلاثة أجيال كل جيل عمره أربعون سنة، وذلك لأنَّه اعتبر متوسط عمر الشخص أربعين سنة، حيث يبلغ النضج إلى غايته مستشهدًا بقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15].

ولهذا بيَّن أنَّ متوسط عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل، ويؤيد ذلك في حكمة التيه الذي وقع لبني إسرائيل في أربعين سنة، والمقصود بالأربعين سنة فيه فناء الجيل لإحياء ونشأة جيل آخر لم يعهد الذل ولا عرفه.

وقد ضرب ابن خلدون أمثلة لأعمار الدولة على بعض الدول مثل: (المرابطين، والموحدين، والمرينيين في المغرب، وملوك الطوائف في الأندلس، والحمدانيين في حلب).

أجيال الدولة عند ابن خلدون:
الجيل الأول: يعيش في الريف والبوادي حياة بدوية خشنة بعيدة عن الترف، وتتميز بقوة العصبية والبسالة والافتراس “العنف”، والاشتراك في المجد، ويكون جانبهم مرهوب، والناس لهم غالبون.

الجيل الثاني: هو الذي يتحقق على يديه الملك ويؤسس الدولة، وفيه ينتقل من البداوة إلى الحضارة، ومن سكنى البوادي والريف إلى المدن، ومن شظف العيش إلى ترفه، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به، وكسل الباقين عن السعي فيه، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة، وتنكسر فيه سورة العصبية بعض الشيء، ويعيش على ذكريات الجيل الأول.

الجيل الثالث: ينسون عهد البداوة والخشونة كأنَّها لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية، بما فيهم من ملكه القهر، ويبلغ فيهم الترف غايته، ويصيرون فيه عيالاً على الدولة، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة، وتسقط العصبية تمامًا، ويضطر صاحب الدولة إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة، ويستكثر بالموالي.

الجيل الرابع: لا يكاد يذكره لأنَّه فقد الاحترام والسلطة.

أطوار الدولة عند ابن خلدون:
الطور الأول: هو طور التأسيس، وفيه يكون السلطان جديد العهد بالملك، لذا فهو لا يستغني عن العصبية، وإنَّما يعتمد عليها لإرساء قواعد ملكه، فيكون الحكم في هذه المرحلة مشتركًا نوعًا ما بين الملك وبين قومه وعشيرته، ويتميز هذا الطور ببداوة المعيشة ،وبانخفاض مستواها ،فلم يعرف الغزاة الجدد بعد الترف.ويشترك الجميع في الدفاع عن الدولة لوجود الشجاعة والقوة البدنية.

الطور الثاني: هو الانفراد بالملك، ويرى ابن خلدون أنَّ الانفراد بالسلطة ميل طبيعي وفطري لدى البشر، ولذا فإنَّ السلطان عندما يرى ملكه قد استقر يعمل على قمع العصبية، كما يعمل على الانفراد بالحكم، واستبعاد أهل عصبيته من ممارسة الحكم، وعندئذ يتحول من رئيس عصبية إلى ملك.وقد يفعل ذلك أوَّل من أسَّس الدولة، وقد لا يفعل، فلا تدخل الدولة في هذا الطور الثاني إلاَّ مع ثاني زعيم أو ثالث، ويتوقف ذلك على قوة صمود العصبية.

ويضطر السلطان إلى الاستعانة بالموالي للتغلب على أصحاب العصبية، أي أنَّه يبدأ في هذه المرحلة الاعتماد على جيش منظم من أجل المحافظة على المُلك.

الطور الثالث: وهو طور الفراغ والدعة: وفي هذا الطور يتم تحصيل ثمرات الملك وتخليد الآثار وبُعد الصيت، فالدولة في هذا الطور تبلغ قمة قوتها، ويتفرغ السلطان لشئون الجباية، وإحصاء النفقات والقصد فيها، ولتخليد ملكه بأن يبني المباني العظيمة الشاهدة على عظمته، وفي هذه المرحلة يستمتع الجميع: السلطان بمجده، وحاشيته بما يغدقه عليها السلطان.

الطور الرابع: هو طور القنوع والمسالمة: وفي هذا الطور يكون صاحب الدولة قانعًا بما بناه أسلافه مقلدًا لهم قدر ما يستطيع، والدولة في هذه المرحلة تكون في حالة تجمد فلا شيء جديد يحدث، وتغير يطرأ، كأن الدولة تنتظر بداية النهاية.

الطور الخامس: هو طور الإسراف والتبذير، ويكون صاحب الدولة في هذا الدور متلفًا لما جمعه أسلافه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته، فيكون مخربًا لما كان سلفه يؤسسون، وهادمًا لما كانوا يبنون.

وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا برء منه إلى أن تنقرض.

ويرى ابن خلدون أنَّ بداية انحلال الدولة يرجع إلى عنصرين هما: انحلال العصبية، والانحلال المالي نتيجة تبذير السلطان، ولهذا تنهار الدولة سياسيًا واقتصاديًا.

الأسس الإسلامية في نظرية الدولة عند ابن خلدون:
بنى ابن خلدون نظريته على أنَّ للدولة أعمارًا مثل أعمار البشر على الأسس القرآنية، فالقرآن الكريم ينص على أنَّ للدولة أعمارًا ينتهي كيانها بنهايتها ،ثُمَّ تخلفها دولاً أخرى أكثر نظامًا ،وأشد قوة ،وأوفر صلاحًا، من ذلك قوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء: 11]، والقرية هنا -وفي آيات أخرى- هي الدولة أو الدول، والقرية الظالمة هنا هي الدولة الفاسدة ،فالظلم هو أشد ألوان الفساد.

والمرحلة الثانية في حياة الدولة، وعمرها هي مرحلة القوة والنماء ،ورغد العيش ،ولين الحياة مع الحفاظ على نعم الله ،والامتثال لأوامره ونواهيه ،وهذه المرحلة تستمد من الآية الكريمة {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]، فإذا مالت إلى البطر والظلم انتهى الأمر بها إلى الانحلال والضياع فتدخل في المرحلة الثالثة ،وهي مرحلة السقوط، ويتمثل ذلك في الآية الكريمة: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59].

على هذه الأسس القرآنية استمد ابن خلدون هذه الأطوار الثلاثة، وهي طور النشأة والميلاد، وطور القوة والارتقاء، وطور التفتت والسقوط، أمَّا الطور الثاني في الدولة عند ابن خلدون، فهو مرحلة انتقالية للطور الثالث، والطور الرابع مرحلة انتقالية للطور الخامس، وقد استمد هذين الطورين من الواقع التاريخي للعالم الإسلامي، ومن القرآن الكريم استقى فصله بعنوان “الظلم مؤذن بخراب العمران”.

أمثلة أطوار الدولة من واقع الدولة الإسلامية عند ابن خلدون:
طور التأسيس: وقد ضرب ابن خلدون مثلاً بالدولة الإسلامية في طور تأسيسها، وهو عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعهد الخلفاء الراشدين، والذي قضى فيه الإسلام على العصبية القبلية القائمة على التفاخر بالآباء والأنساب ،وحلَّ محلها الأخوة في الدين لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، فآخى بين الأوس والخزرج وسمَّاهم بالأنصار، وآخى بينهم وبين المهاجرين.

وبعد وفاة الرسول صلى الله عليهم وسلم قامت الخلافة ولم يقم ملك، وكانوا محافظين على حياة البداوة من خشونة العيش والبعد عن الترف بالرغم من أنَّ المال الذي جاءهم من فتوحات الشام والعراق وفارس لا يحصر، وقد بلغ نصيب الفارس الواحد في بعض الغزوات ثلاثين ألفًا من الذهب، ومع ذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرقع ثوبه بالجلد، وبالرغم ممَّا جاءهم من مال حلال من الفيء والغنائم ،لم يكن يصرفهم فيها بإسراف، وإنَّما كانوا على قصد في أحوالهم.

ولما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وهي مقتضى العصبية كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد، ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي أو لإيثار باطل على حق، وإنَّما اختلف اجتهادهم في الحق واقتتلوا عليه، وإن كان المُصيب عليًا كرَّم الله وجهه، فلم يكن معاوية رضي الله عنه قائمًا فيها بقصد الباطل، وإنَّما قصد الحق وأخطأ.

طور الانفراد بالمجد: يمثله قيام الدولة الأموية إلى سقوط الدولة العباسية: كان خلفاء بني أمية يسيرون على الحق حتى نهاية عصر عمر بن عبد العزيز، ثُمَّ بعد ذلك استعمل خلفاؤهم طبيعة الملك في أغراضهم الدنيوية، ونسوا ما كان عليه سلفهم من تحري القصد فيها واعتماد الحق، فانصرف الناس عنهم وأيَّدوا الدعوة العباسية، وصرف العباسيون الملك في وجوه الحق ما استطاعوا حتى جاء بنو هارون الرشيد فكان منهم الصالح ومنهم الطالح، ثُمّ أفضى الأمر إلى بنيهم، فأعطوا الملك والترف حقه، وانغمسوا في الدنيا وباطلها، ونبذوا الدين وراءهم فأذن الله بحربهم، وانتزاع الأمر من أيدي العرب جملة.

هذا ولو طبقنا باقي أطوار الدولة على الدولة الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي نجد أنَّ الدولة الأموية لمَّا قرَّب بعض الخلفاء عرب الشمال “المضرية” على عرب الجنوب “القيسية” أصبح هناك تناحرًا بين العرب.

وفي عصر الدولة العباسية أدخل الموالي، وأدخل السودان والأتراك والصقالبة والأرمن، وعناصر أخرى كثيرة دخلت في الدولة الإسلامية، تناحرت هذه العناصر، كل يتعصب لبني جلدته، وكل يتعصب لتركيز سلطانه، وبذلك ضعف الخلفاء، وظهرت إمرة الأمراء، وأصبح الخليفة لا حول له ولا قوة، وقوي جند المرتزقة، واستولوا على كل ما في خزانة الدولة، وأصبح الخليفة يسترضي الجند المرتزقة لأنَّهم هم عدته وسلاحه بعد أن أبعد عصبيته، وأهله، فلمَّا تخْلو الخزينة، ويشغب الجند يصبح الخليفة لا قيمة له، ويمشي حافي القدميْن، وتُسمل عينه، ويمكن أن تصبح مدة وزارة شخص يوم أو ثلاثة أيام، أو شهر، وتضعف الدولة، وينقض عليها العداء من كل جانب، كما حدث مع المغول والصليبيين، وينقض المماليك على الحكم كما حدث في مصر ،ثُمّ بعد ذلك تنهار الدولة تمامًا.

والدرس الذي نستقيه من تاريخنا أنَّ أية دولة أيًا كانت تنهار من الدعة والترف.

العلاقات الدولية .. رؤية إسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

لعلاقات الدولية في الإسلام هي العلاقات والصلات الخارجية التي تقيمها الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول والجماعات والأفراد لتحقيق أهداف معينة وفقًا للشريعة الإسلامية.

فقد واجه الإسلام منذ نشأته أوضاعًا سياسية وأحوالاً اقتصادية بالغة التعقيد، ونجح في أن يتعامل معها بأسلوب متميز يختلف عن أساليب الدول السابقة؛ فعقد المعاهدات، واستقبل المستأمنين، وأعان الضعفاء، وراسل الملوك، وبعث الوفود، وتحالف مع القبائل، وفاوض وأقام العلاقات الخارجية؛ كل ذلك بتصوّر إسلاميّ مستمدٌّ من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

وحريٌّ بالمسلمين في كل عصر وزمان أن يلتزموا تلك الفاعلية المنتجة المنضبطة بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

أهمية العلاقات الدولية في الإسلام:
الإسلام الرسالة الخاتمة دين أُنزل للبشرية جمعاء، تبدت عالميته في قدرته على التعايش مع كل الجماعات البشرية غير المحاربة؛ من نصارى ويهود، ملوك وفقراء، سود وبيض، إلخ، وفق ضوابط معلومة وقواعد محددة، من أهمها:

– الاعتراف أن الاختلاف بين بني البشر في الدين واقع بمشيئة الله تعالى؛ فقد منح الله البشر الحرية والاختيار في أن يفعل ويدع، أن يؤمن أو يكفر.

– وحدة الأصل الإنساني والكرامة الآدمية: انطلاقًا من قوله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، وقوله عز وجل {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].

– التعارف: لقوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وكما ورد في الحديث أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة: «أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة»(1)؛ فالتعارف أساس دعا إليه القرآن، وضرورة أملَتْها ظروف المشاركة في الدار أو الوطن بالتعبير العصري، وإعمالاً لروح الأخوة الإنسانية بدلاً من إهمالها.

– التعايش: إذ إنّ حياة المتشاركين لا تقوم بغير تعايش سمح: بيعًا وشراءً، قضاءً واقتضاءً، ظعنًا وإقامة، وتاريخ المسلمين حافل بصور التعامل الراقي مع غير المسلمين، وقد حدّد الله سبحانه وتعالى أساس هذا التعايش بقوله: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

– التعاون: كثير من القضايا العامة تشكل قاسمًا مشتركًا بين المسلمين وغيرهم، ويمكن التعاون فيها، كما أنّ الأخطار التي تتهددهم معًا ليست قليلة، ويمكن أن تشكل هذه القواسم المشتركة منطلقًا للتعايش والتعاون، وأهم هذه القواسم المشتركة ما يلي:

1- الإعلاء من شأن القيم الإنسانية والأخلاق الأساسية؛ فالعدل، والحرية، والمساواة، والصدق، والعفة، كلها قيم حضارية تشترك فيها الأديان والحضارات، وترسيخها في المجتمعات هدف مشترك يمكن التعاون عليه.

2- مناصرة المستضعفين في الأرض، وقضايا العدل والحرية ومحاربة الظلم، ومن ذلك اضطهاد السود والملونين في أمريكا، واضطهاد الأقليات الدينية وسائر الشعوب المقهورة، في فلسطين وكوسوفا والشيشان ونحوه؛ فالإسلام يناصر المظلومين من أي جنس ودين.

والرسول صلى الله عليه وسلم قال عن (حلف الفضول) الذي تم في الجاهلية: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحبّ أنّ لي به حُمر النّعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت»(2).

أهداف العلاقات الدولية في الإسلام:
إنَّ صياغة أهداف العلاقات الدولية يجب أن تتم في ضوء المنهج الإسلامي للعلاقات الخارجية الذي حددته الأحكام الشرعية؛ فلا ينبغي أن تضع الدول أهدافها للعلاقات الخارجية في غيبة من الإسلام، ويمكن تفصيل أهداف العلاقات الدولية في الإسلام على النحو التالي:

أولاً: أهداف عامة مشتركة:
1- حماية الدولة: وهو ما يعرف في واقعنا المعاصر بالأمن القومي، ويتطلب سيادة الدولة على أراضيها، وحفظها لحدودها الجغرافية، وبعدها عن تدخل الدول الأخرى عسكريًّا أو سياسيًّا.

2- رعاية المصالح المتبادلة: إذ تسعى كل دولة إلى توفير موارد ذاتية تغنيها عن الحاجة إلى عون خارجيِّ، لكن هذا في واقع الحال صعب المنال؛ لذلك تلجأ الدول إلى أن تكمل نقصها عبر علاقاتها الخارجية، وتبادل المنافع مع الدول الأخرى.

3- الأمن المشترك: فالأمن هو أحد الضروريات التي يحتاجها كل نظام سياسيِّ يسعى إلى الاستقرار، وإذا كان الأمن الداخلي مسألة خاصة بكل دولة فهناك أمن خارجي مشترك بين دول العالم، تحكمه اتفاقيات تضمن عدم اعتداء دولة على أخرى، وقد تتحالف دول معينة وتتفق على التصدي لأي عدوان يهدد دولة في الحلف.

4- السلام العالمي: إنّ الخلافات بين الدول تهدد أمن العالم؛ لذلك اقتضت المصلحة أن يقوم نظام عالمي لرعاية السلام العالميّ، ومنع حدوث خلافات بين الدول، وتوفير آلية لحل الخلافات بينها؛ حفظا للأمن والسلام العالميين، وفي واقعنا المعيش تقوم منظمة الأمم المتحدة وروافدها بهذا الدور.

ثانيًا: أهداف خاصة:
1- نشر الدعوة الإسلامية: فالدولة الإسلامية هي دولة دعوة، تحمل رسالة الإسلام وتبشر بها وتدعو إليها، وتحمل لواء خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة والبلاغ.

2- حماية الأقليّات المسلمة: يطلق على المجموعات التي تعيش في دولة أخرى غير التي تقيم بها اسم (الأقليّات)، والقانون الدولي يعرف الأقليّات القومية، ولا ينظر للأقليّات الدينية مع أنّه حَفِظ لها حقوقها المتعلقة بشعائرها الشخصية، أمّا الإسلام فلا تقف العنصرية أو العرقية حاجزًا أمام الانتماء الأوسع له، ومهمّة الدولة الإسلامية تقتضي حفظ حقوق الأقليات المسلمة دون النظر إلى أصولها العرقية أو العنصرية.

3- درء الأخطار عن الأمة الإسلامية: إنّ الأمة الإسلامية مطالبة بنشر هذا الدين والذود عنه، وحماية معتنقيه والدفاع عن حرماتهم، وإزالة كل العوائق التي تمنعهم من أن يؤدوا فرائض دينهم؛ بل والتي تحول بين غير المسلمين وقبول الإسلام.

مميزات العلاقات الدولية في الإسلام:
1- النظام الإسلامي للعلاقات الدولية يتميز بثبات المصادر (القرآن، والسنة، واجتهاد الفقهاء)، وعدم خضوعها للمتغيّرات والأحداث، كما يتميّز بالمرونة في الاستجابة لمتغيّرات الزمان والمكان والحال.

2- للشريعة الإسلامية أو الدين مكانٌ واضح في مفهوم العلاقات الدولية؛ فالشريعة بمثابة الباعث المحرك لأهداف العلاقات الدولية؛ لذلك لا يتصوّر فصل الدين عن العلاقات الدولية كما يحدث في الديانات الأخرى.

3- العلاقات الدوليّة في الإسلام ليست انفعاليّة بل مبدئيّة تنطلق من قيم العدل والسلام والتسامح والحرية ومساعدة المظلوم والوفاء بالعهود ونحوه.

4- العلاقات الدولية في الإسلام مفهومها متسع، ولا يقتصر على الدول؛ بل يشمل المؤسسات والأفراد؛ إذ يستطيع فرد أن يعطي الأمان لآخر «ويسعى بذمتهم أدناهم».

5- العلاقات الدولية في الإسلام شموليّة تخاطب الناس جميعًا؛ أفرادًا وجماعات، انطلاقًا من شمول الإسلام.

6- وسائل العلاقات الدولية في الإسلام نبيلة سامية، ومبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) لا وجود له في التصور الإسلامي.

7- المصالح العامة للبشرية (كالسلام العالمي) من الأهداف الرئيسية للدولة الإسلاميّة، خلافًا لما عليه الحال في كثير من الدول الغربية التي تقدم مصالحها الذاتية على المصالح العامة للبشرية.

8- الإسلام لا يعرف الازدواجية في العلاقات الدولية، كما يُلاحظ في المؤسسات الدولية العالمية كالأمم المتحدة وروافدها.

9- الإسلام سبق كل النظريات المعاصرة في وجوب مواجهة الطغيان بقوّة تردعه، وهو ما يطلق عليه اليوم (الردع)، أو (القوة الرادعة).

10- العلاقات الدوليّة في الإسلام تنبع من الإسلام، ولا يحكمها أيّ مؤثر خارجي؛ الأمر الذي يوفر لأي دولة استقلالاً كاملاً في اتخاذ مواقفها الخارجية والداخلية.

الشورى في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

ا يمكن بأي حال أن نتطرق إلى المؤسسة السياسية الإسلامية دون الحديث عن واحدة من أهم مميزات هذه المؤسسة؛ فالإسلام قد جاء بمبدأ إنساني غاية في العظمة والروعة، وهو مبدأ الشورى، بل سُميت سورة من سور القرآن الكريم باسم “الشورى”؛ دلالة على أهمية تحقق هذا الشرط في أي شأن من شئون المسلمين.

وعلى الرغم من اختلاف الفقهاء حول آليات تنفيذ هذا المبدأ من ناحية الاختيار أو الوجوب والإلزام، لكنهم مُجْمِعُون على ضرورة تَحَقُّقها بين المسلمين[1] مصداقًا لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159].

مفهوم الشورى
وتُعرَّف الشورى بأنها طلب الرأي ممن هو أهل له، أو هي استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور العامة المتعلقة بها[2]، وعليه فقد اتخذ المسلمون الشورى أصلاً وقاعدة من أصول الحكم وقواعده، وعليها قام ترشيح العدول من المسلمين لمن يرونه أهلاً للقوَّة والإمامة لتولِّي أمرهم؛ ومما يؤكِّد ذلك ويؤصِّله أن الرسول لم يترك نصًّا مكتوبًا ولم يستخلف أحدًا ليتولَّى إمامة المسلمين، وإنما ترك الأمر شورى بينهم، وقد روى أبو وائل قال: قيل لعلي بن أبي طالب : ألا تستخلف علينا؟ قال: “ما استخلف رسول الله فأستخلف، ولكن إن يُرِدِ اللهُ بالناس خيرًا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم”[3].

أهمية الشورى
تعتبر الشورى أصلاً من الأصول الأولى للنظام السياسي الإسلامي، بل امتدَّت لتشمل كل أمور المسلمين؛ وتأسيسًا على ذلك فإن الدولة الإسلامية تكون قد سبقت النظم الديمقراطية الحديثة في ضرورة موافقة الجماعة على اختيار مَنْ يقوم بولاية أمورها ورعاية مصالحها وتدبير شئونها؛ ممَّا يؤكِّد قيمة وفاعلية الإجماع عند المسلمين[4].

أهل الحل والعقد
لكن من هُمْ أهل الشورى؟ أو أهل الاختيار؟ أو كما قال عنهم فقهاء المسلمين ومؤرخوهم: أهل الحل والعقد.

هناك اتفاق بأن الشورى في الإسلام منوطة بفئة من المسلمين يُطلق عليهم أهل الشورى (الحلِّ والعقد)، وقد تحدَّث الفقهاء عن ضرورة توافر بعض الشروط فيهم؛ وهي: العدالة، والعلم، والرأي، والحكمة. ومن ثَمَّ يمكن إجمالهم في “العلماء والرُّؤساء ووجوه النَّاس الَّذين يتيسَّر اجتماعهم”[5].

لذلك كانت الشورى من الأمور الضرورية الملحة التي يفرضها الإسلام على ولاة الأمور، ويمكن القول: إنها من أهم المظاهر الحضارية التي أسهم المسلمون في إيجادها وإرسائها في المجتمع الإسلامي، وتأثر بها الآخرون، خاصة في أوربا منذ القرن الثالث عشر الميلادي، ولذلك كانت الشورى نوعًا من التعبير عن الإرادة الإلهية؛ استنادًا إلى ما يقوله الرسول : “إِنَّ أُمَّتِي لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلاَلَةٍ”[6].

ويهمنا أن نلاحظ أن الخليفة في الإسلام لا يمكن أن يُعطي لنفسه حق التعبير عن الإرادة الإلهية، أي أنه لا يملك أن يُصدر تشريعًا؛ لأن سلطة التشريع لجماعة المسلمين أو مجموع الأمة[7]، وهذا بالطبع في حالة غياب نصٍّ صريح قطعي الدلالة من القرآن والسنة.

الشورى في اختيار عثمان بن عفان
ومن أبرز الأمثلة التي تُدلل على رُقي مبدأ الشورى وتفوقه على غيره من الآليات والوسائل المستحدثة في تولية الحاكم، ما لمسناه في واقع الخلفاء الراشدين، فعندما طُعن عمر بن الخطاب وقارب الأجل، سأله الصحابة أن يترك عهدًا لمن سيخلفه فرفض، بيد أنه جعل البيعة في ستة من صحابة رسول الله ، وهم الذين أجمعت الأمة على صلاحهم والالتفاف حولهم، ومن ثَمَّ قرَّر عمر أن يوقظ أمر الشورى بين المسلمين، فقال: “عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله : إنهم من أهل الجنة. سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم؛ ولست مدخله؛ ولكن الستَّة: عليٌّ وعثمان ابنا عبد مناف، وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله ، والزبير بن العوام حواريُّ رسول الله وابن عمته، وطلحة الخير بن عبيد الله ؛ فليختاروا منهم رجلاً؛ فإذا وَلَّوا واليًا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه، إن ائتَمَن أحدًا منكم فليؤدِّ إليه أمانته…”[8].

وبعدما فرغ المسلمون من دفن عمر بن الخطاب ، اجتمع مجلس الشورى، وفي داخل هذا المجلس المحدَّد عددًا بستة أفراد، وزمنًا بثلاثة أيام، استطاع المجتمعون أن يفرغوا من الأمر بسلام، حيث تمكَّنوا من تولية عثمان بن عفان ، وكان أولُ المبايعين المنافسَ الأول علي بن أبي طالب ، وهذا دليل على رُقي نظام الشورى الإسلامي القائم على احترام حرية الأمة في الاختيار؛ فأهل المدينة قد وافقوا على ترشيح عمر بن الخطاب لمن عَيَّنهم لأمر الخلافة، ولم يكن هذا الترشيح من عمر قسرًا للأمة وإجبارًا لها، ثم وافق أعضاء الهيئة الاستشارية، وهم في ذات الوقت المرشحون أنفسهم على استخلاف أحدهم وهو عثمان ، ولم تكن موافقتهم وحدها هي المعتمد في تنصيب عثمان ، بل استشير في هذا الأمر كلّ من كان بالمدينة من ساكنيها، أو من زوارها، أو القادمين إليها من أمراء الأجناد وأشراف الناس[9]، ومن ثَمَّ فقد اجتمعت الأمة كلها، والمتمثلة في الأنصار والمهاجرين على عثمان وبايعوه.

الفرق بين الشورى والديمقراطية
ويبقى أن نشير إلى أن نظام الشورى الإسلامي يختلف كثيرًا عن النظم الديمقراطية الوضعية، فالديمقراطية التي تعتبر حكم الشعب للشعب، ينتج عنها أن الشعب هو الذي يضع دستوره وقوانينه، وهو السلطة القضائية التي تحكم بين الناس بتطبيق القوانين الموضوعة، وحتى يتمكن الشعب من مباشرة سلطة التشريع، ووضع القوانين، والفصل بين السلطات، يتم اللجوء إلى إجراء انتخابات عامة، والتي ينتج عنها اختيار مجموعة من الأفراد، يكونون قادرين على مراقبة سائر السلطات، فمن حق هذه الهيئة المنتخبة عزل الوزراء، ومحاسبة المسئولين وعلى رأسهم رئيس الدولة.

ومع وجاهة هذا الأمر إلا أن نظام الشورى الإسلامي يختلف عن هذا التصور؛ فالشورى في الإسلام تقوم على حقيقةٍ، مفادها أن الحكم هو حكم الله المنزَّل بواسطة الوحي على رسول الله ، الذي يُعدُّ الالتزامُ به أساس الإيمان، والعلماء هم أهل الحلِّ والعقد، وهم على رأس رجال الشورى، وليس للعلماء مع حكم الله في إطار الشورى إلا الاجتهاد في ثبوت النصِّ، ودقَّة الفهم، ورسم الخطط المنهجية للتطبيق.

والحقُّ أن النظام الديمقراطي يَسْهُل التحايل عليه، من خلال سيطرة بعض الأحزاب أو القوى على العمل السياسي في دولة من الدول، ومن ثَم يفرض هذا الحزب، أو تلك الفئة وجهة نظرها على الأمة، لكن الشورى تجعل الهيمنة لله وحده، فتُعْلِي حُكْمه وتشريعه على سائر الأحكام والتشريعات، فتؤدِّي إلى ظهور رجال يعيشون في معية الله، ويخشونه بصدق[10].

ويبقى أن نشير إلى أن هذا النظام الإسلامي الباهر ظهر في وقت سيطرة الديكتاتوريات على أنظمة الحكم في العالم، سواء في بلاد الفرس أو الروم أو الهند أو الصين، وأن العالم لم يعرف هذه الشورى ولا حتى الديمقراطية -الأقل شأنًا من الشورى- إلا بعد ما يقرب من اثني عشر قرنًا من الزمان، وذلك بعد قيام الجمهورية الفرنسية وذهاب النظام الملكي فيها، ولهذا فالشورى -بلا جدال- تُعدُّ واحدة من أعظم إسهامات المسلمين للحضارة الإنسانية.

وبعدُ؛ فإننا لن نستطيع أن نستقصي كل ما أتت به هذه الحضارة الإسلامية العريقة، وكفى ما مرَّ بنا دليلاً على رُقي وعِظم حضارتنا في مجال من أهم مجالاتها على الإطلاق.