أ.د. أحمد محمد وهبان

انواع الحكومات

كاتب الموضوع الأصلي: محمد القعيد 36336

هناك أنواع وأشكال متعددة من الحكومات، من أهمّها: الملكية المطلقة – الملكية الدستورية – لاسلطوية – أرستقراطية – أوتوقراطية – ديموقراطية – فيدرالية – ديكتاتورية – ملكية – جمهورية – أوليغاركية – بانارشية – طبقية – تكنوقراطية – ثيوقراطية – فاشية. وفيما يلي شرح لبعض أنواع الحكومات:

1.حكومة معينة : وهي الحكومة التي يعينها رئيس الجمهورية “المنتخب” في الأنظمة السياسية التي تعرف باسم الجمهورية الرئاسية، والحكومة التي يعينها الملك في الأنظمة السياسية التي تعرف باسم الملكية المطلقة، وأيضاً الحكومة التي توجد في البلدان التي تعرف انظمتها السياسية باسم ملكية شبه دستورية ، مثال على بلدان حكوماتها معينة : مصر والسعودية والكويت
2.حكومة حزب الأغلبية : وهي الحكومة التي تكون في البلدان التي تكون الأنظمة السياسية فيها تعرف باسم الجمهورية البرلمانية، وأيضاً هذه الحكومة تتواجد في البلدان التي تكون الأنظمة السياسية فيها تعرف باسم الملكية الدستورية، وأيضاً الحكومة التي توجد في البلدان التي تعرف انظمتها السياسية باسم جمهورية شبه رئاسية ، وطريقة تشكيل الحكومة هي ان الحزب أو التحالف السياسي الفائز بأغلبية مقاعد البرلمان هو من يقوم بتشكيل الحكومة ، مثال على بلدان حكومتها حكومة حزب الأغلبية : بريطانيا
3.حكومة ائتلافية : وهي الحكومة التي تكون في البلدان التي تكون الأنظمة السياسية فيها تعرف باسم الجمهورية البرلمانية، وأيضاً هذه الحكومة تتواجد في البلدان التي تكون الأنظمة السياسية فيها تعرف باسم الملكية الدستورية، وأيضاً الحكومة التي توجد في البلدان التي تعرف انظمتها السياسية باسم جمهورية شبه رئاسية ، وطريقة تشكيل الحكومة هي انه لا يوجد حزب حصل على أغلبية في البرلمان فتشكل الأحزاب الممثلة في البرلمان حكومة ائتلافية مثال : حكومة نوري المالكي في العراق
4.حكومة وحدة وطنية : وهي الحكومة التي تتشكل في البلدان التي جرت فيها حرب اهلية أو ازمات سياسية، فتشكل باتفاق بين كافة القوى السياسية المتصارعة أو وساطة دولية بين اطراف الصراع السياسي، مثال : حكومة محمد باسندوة في اليمن
5.حكومة عسكرية : ويكون رئيس الوزراء وجميع الوزراء من المؤسسة العسكرية، مثال على ذالك حكومة ميشال عون في لبنان في عام 1988 يوم 22 سبتمبر
6.حكومة انتقالية : وهي حكومة مؤقتة، تتشكل بعد سقوط نظام سياسي اما بسبب ثورة أو انقلاب عسكري أو غزو خارجي، وتتشكل إلى حين انتهاء الفترة الانتقالية، وتنتهي الفترة الانتقالية بعد اكتمال النظام السياسي الجديد، مثال على ذالك : سلطة بول بريمر في العراق والمجلس الوطني الانتقالي الليبي
7.حكومة عميلة أو حكومة صورية : وهي الحكومة التي يشكلها المحتل لدولة ما، مثال على ذالك : حكومة فرنسا الفيشية وهي الحكومة التي شكلها الاحتلال الألماني النازي بعد أن احتل فرنسا، و حكومة علاء حسين وهي الحكومة التي شكلها صدام حسين في الكويت أثناء الاحتلال العراقي للكويت، وعرفت باسم حكومة الكويت الحرة المؤقتة في الاعلام العراقي الرسمي
8.حكومة تصريف اعمال: حكومة تصريف الأعمال تسمى بهذا المسمى الحكومة التي انتهت ولايتها “مدتها الدستورية” أو سحب البرلمان ثقته بها، فتسمى حكومة تصريف اعمال وتمارس أعمالها إلى حين تشكيل حكومة جديدة، لكي لا يصبح في البلد فراغ سياسي، وتنتهي بعد أن تشكل الحكومة الجديدة وتستلم المهمة بدلاً عنها حكومة اتحادية وهي تكون في البلدان الفيدرالية

الاسلام رسالة عالمية تخاطب كل الناس

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

جاء الإسلام رسالة إنسانية عالمية لكل الناس، وليس للعرب وحدهم -مع أنهم طليعة الدعوة- بل هم فيه سواء مع كل الناس، تحدِّد مكانتَهم (التقوى)، وما يبذلونه في سبيل هذا الدين الذي شرفهم الله به.

ونستطيع القول: إن الدين الصحيح منذ آدم إلى محمد -عليهما الصلاة والسلام- كان دعوة مفتوحة لكل الناس؛ فمع أن يوسف من بني إسرائيل، وهو الابن الأعز لدى يعقوب ، إلا أنه استغل وجوده في السجن المصري، ودعا المصريين إلى عبادة الله الواحد القهار: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39].

وكان في بيت فرعون مؤمنون يكتمون إيمانهم، على رأسهم آسية امرأة فرعون نفسها، ومنهم ذلك الرجل الذي كان يكتم إيمانه، وأنقذ الله موسى على يديه من القتل، وعندما جاء عيسى رسولاً لمدة محدودة جدًّا لا تزيد على ثلاث سنوات وثلاثة أشهر وثلاثة أيام لعلاج خِراف بني إسرائيل الضالة، استقبل على مائدة دعوته غير الإسرائيليين، مع أنه قصد بدعوته بالدرجة الأولى قومه بني إسرائيل.

وعندما جاء الإسلام وهو خاتم كل الأديان، وآخر حلقاتها الموصولة: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19]، كان ضروريًّا أن يكون عالميًّا؛ لأنه كلمة الله الخاتمة، وحُجَّته البالغة إلى يوم القيامة، ولأن طبيعة مبادئه تتجه إلى العدل المطلق، والرحمة المطلقة، وإنقاذ كل الناس.

إن القرآن الكريم -وهو المصدر الأول للإسلام- رسالة عالمية، والرسول محمد رسول للعالمين رحمةً وبشيرًا للمؤمنين، ونذيرًا للكافرين والمنافقين.

عالمية الدعوة وتفرد الحضارة الإسلامية
وبعد صلح الحديبية، وبدءًا من السنة السابعة للهجرة بدأ الرسول في المجال التطبيقي يحقِّق عالمية الدعوة، ويخرجها من نطاق الجزيرة العربية حتى يحقق بُعدها الإنساني العالمي غير المحدود بالمكان أو القوم أو الزمان، فأرسل رُسله يحملون كتبه إلى الملوك والرؤساء والأمراء في عصره، لا يفرق في دعوته بين قيصر ملك الروم وكسرى إمبراطور الفرس، وأمراء الحدود كالغساسنة والمناذرة، ثم جاء أصحابه من بعده وأكملوا المسيرة، وهكذا كان الإسلام فكرًا وتطبيقًا عالميًّا منذ نشأته.

وليس بدعًا في ضوء العالمية الإسلامية أن تنتهج أية دعوة إصلاحية نهجًا عالميًّا، لكن شريطة أن تكون رسالتها تهمُّ العالم فعلاً، وتخدم العالم كله، وتقدِّم خيرًا للناس، أو تحقق رقيًّا لجميعهم قد تختلف فيه النسبة بين بلد يعلم ويعمل، وبين بلد آخر أقل علمًا وأقل عملاً، لكن المهم أن تكون مفيدة لكل الناس، محقِّقة لكل الناس الكرامةَ والحريةَ والعدلَ والمساواةَ، وبهذا تفرَّدت حضارة الإسلام كحضارة تقوم على الحب الكامل، والرحمة للعالمين، والدعوة إلى الحق بالحب والرحمة، وصدق الله {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].

إنسانية الإسلام في زمن الكوارث

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

على الرغم من الاضطهاد والظلم الذي مورس على مسلمي الفلبين طوال عقود من الزمان خلت على يد الحكومة الفلبينية، ناهيك عن ويلات ظلم الاحتلال الإسباني والأمريكي من قبل، فإن المسلمين في الفلبين وفي العالم عامة تضامنوا مع مأساة إعصار هايان الذي ضرب البلاد مؤخَّرًا.

وعلى الرغم من دخول الإسلام إلى تلك المنطقة أولاً بالدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة عبر التجار المسلمين في عام 800 هجرية؛ حيث كانت الفلبين وقتها تسمى (عذراء ماليزيا) وعاصمتها (أمان الله) كما سماها بذلك مؤسسها السلطان رجا سليمان، فإن الاحتلال الإسباني جاء في عام (923 هـ= 1521م) ليطمس الهوية الإسلامية لهذا البلد قلبًا وقالبًا، من خلال تحويل اسم العاصمة إلى (مانيلا) واسم البلد إلى (الفلبين) نسبة إلى ملكهم الذي تم بعهده احتلالها فيليب الثاني، ليأتي الاحتلال الأمريكي بعد ذلك فيكمل مسيرة الاضطهاد والظلم بحق مسلمي الفلبين، ويضم جنوبها ذا الغالبية المسلمة لشمالها قبل أن يمنح الفلبين استقلالها عام 1946م، ويترك فيها -كالعادة- حكامًا صليبيين موالين له؛ لتستمر محنة ومعاناة المسلمين في البلد إلى الآن.

وبغض النظر عن المناطق التي ضربها الإعصار، التي تقول وسائل الإعلام: إنها المناطق الشرقية والوسطى من البلاد، التي لا توجد بها كثافة عددية من المسلمين، حيث من المعروف أن المسلمين الذين يشكلون ما بين 22% إلى 25% من عدد سكان البلاد يتركزون في الجنوب، إلا أن المسلمين أفرادًا وحكومات ومنظمات قد أعربت عن تضامنها مع هذا الحدث؛ وذلك من مبدأ الإنسانية الذي يعتبر من أبرز خصائص الإسلام ومزاياه.

لقد رفع القرآن الكريم من مكانة الإنسان بغض النظر عن الجنس أو اللون أو العرق أو الدين، فوردت كلمة الإنسان في القرآن الكريم (63) مرة، فضلاً عن ذكره بألفاظ أخرى مثل (يا بني آدم) التي ذكرت ست مرات، وكلمة الناس التي تكررت (240) مرة، ولعل من أوضح الآيات في هذا المجال قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].

وفي السيرة النبوية الشريفة كثير من المشاهد التي تؤكد علو شأن مبدأ الإنسانية في الإسلام كأحد أبرز خصائصه ومزاياه، فقد عفا الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن أشد الناس عداوة له ولدينه ودعوته، وعن أكثر من آذوه وعذبوه وأصحابه من مشركي قريش في فتح مكة المكرمة، وقال لهم قولته المشهورة التي تعبر عن سماحة الإسلام وإنسانيته: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. كما أن جميع حروبه ومعاركه -صلى الله عليه وسلم- تؤكد حرصه على مبدأ الإنسانية.

بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان شديد التأثر بالحالة الإنسانية التي تنتاب بعض القوم جراء الجدب أو الكوارث والمصائب، وكان يسارع لإغاثتهم ونجدتهم بغض النظر عن أي اعتبار آخر سوى الإنسانية، ومن أعظم الأمثلة الواردة في هذا الشأن ما ورد في الصحيح عن الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

“كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ؛ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ” إِلَى آخِرِ الآيَةِ “إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا”، وَالآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: “اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ” تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ -حَتَّى قَالَ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ.

قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا؛ بَلْ قَدْ عَجَزَتْ -قَالَ- ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ” صحيح مسلم برقم (2398).

كما لا ينسى التاريخ إنسانية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في عام الرمادة، حيث مرت أرض الحجاز بأزمة جفاف وقحط شديدين في أواخر عام 17هـ، وتجمع في المدينة حوالي 60 ألفًا من العرب من غير أهلها، وقل الطعام وجفت الينابيع وغارت مياه الآبار، وأصاب الناس شدة دامت تسعة أشهر، وقد تعامل معها أمير المؤمنين بإنسانية أصبحت مضرب المثل في التاريخ.

ومن هذا الباب وتأسيًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام ومبادئ الإسلام الإنسانية السمحة، كان موقف المسلمين بشكل عام من مأساة إعصار هايان في الفلبين؛ حيث أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يوم الأربعاء (13‏/11‏/2013) بيانًا جاء فيه:

“تابع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين باهتمام كبير آثار الإعصار الذي دمر عشرات القرى الفلبينية؛ مما أدى إلى مقتل الآلاف ونكبة الملايين، كما تابع بأسى عميق آثار الفيضانات التي خلفت مئات القتلى والمشردين في الصومال المنكوبة أصلاً بالجفاف المتطاول والحرب الأهلية المدمرة.

وأمام هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، فإن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يرى ويؤكد ما يلي:
1- ينعي الاتحاد ضحايا الإعصار والفيضانات في الفلبين والصومال، ويعلن عن كامل تعاطفه وتضامنه مع الشعبين الفلبيني والصومالي في هذا المصاب، الذي يتمنى من الله أن يخفف آثاره وآلامه عليهما.

2- يدعو الاتحاد جميع المنظمات الإغاثية في العالم والإسلامية منها خاصة إلى الاستنفار من أجل نجدة هؤلاء المنكوبين؛ فالإنسان مكرم في ذاته الإنسانية قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وعليه فوجوب الإغاثة شامل لكل إنسان؛ بل لكل ذات كبد رطب.

نسأل الله تعالى أن يرأف بعباده ويلطف بهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين”.

هذا هو شأن الإسلام دائمًا يدعو أتباعه للرحمة والرأفة بعباد الله تعالى، كما يدعوهم إلى مساعدتهم في وقت الكوارث والنكبات بغض النظر عن الخصومة التي قد تكون بينهم، فالإنسانية لا التشفي هو سلوك المسلمين حتى مع من اضطهدوهم وظلموهم.

فهل ستقابل إنسانية المسلمين مع غيرهم بالظلم والقهر بعد انجلاء الكارثة؟! أم أن الإنسانية ستقابل بإنسانية مماثلة على مبدأ قول الله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].

المصدر: موقع المسلم

من روائع التشريع الإسلامي في الأوقاف

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

إن التشريع مُقَوِّم أساسي من مُقَوِّمات المجتمع، فلا بُدَّ لأي مجتمع من قانون يضبط علاقاته، ويعاقب مَنِ انحرف عن قواعده؛ سواء أكان هذا القانون مما نزل من السماء، أم مما خرج من الأرض، فالضمائر والدوافع الذاتية لا تكفى وحدها لعموم الخلق، والمحافظة على سلامة الجماعة، وصيانة كيانها المادِّي والمعنوي، وإقامة القسط بين الناس؛ ولهذا أرسل الله عز وجل رسله وأنزل كتبه لضبط مسيرة الحياة بالحقِّ؛ كما قال سبحانه:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد:25]، كذلك أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه الخالد ليحكم بين الناس، لا ليُتْلَى على الأموات، ولا لتُزَيَّن به الجدران؛ قال سبحانه{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}[النساء:105].

والتشريع في الإسلام رباني شمولي؛ إذ يُنَظِّم العلاقة بين الإنسان وربِّه، وبين الإنسان وأسرته، وبين الإنسان ومجتمعه، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الأغنياء والفقراء، والملاَّك والمستأجرين، وبين الدولة الإسلاميَّة وغيرها في حالة السلم وحالة الحرب؛ فهو قانون مدني و إداري، ودستوري ودولي إلى جانب أنه قانون ديني؛ ولهذا اشتمل الفقه الإسلامي على العبادات والمعاملات، والأنكحة والمواريث، والأقضية والدعاوى، والحدود والقصاص والتعازير، والجهاد والمعاهدات، والحلال والحرام، فهو يُنَظِّم حياة الإنسان من أدب قضاء الحاجة للفرد إلى إقامة الخلافة والإمامة العظمى للأُمَّة.[1]

والوقف جزء من هذا التشريع الرباني الحكيم، الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم وتبعه في ذلك الأئمة المهديون من الصحابة رضي الله عنهم والتابعون إلى يومنا هذا، ولذلك فمن الضروري أن يُنظر إلى الوقف من منظار آخر، منظار ينفض الغبار الذي طاله لسنين عديدة، ويُذَكِّر المسلمين أن هناك مشروعًا حضاريًّا مهمًّا يتمثَّل في إعادة إحياء الأوقاف مرَّة أخرى، بعدما اندرست في كثير من بلدان المسلمين؛ فإحياء الأوقاف مهمَّة لا تتوقَّف حدودها عند فئة دون أخرى؛ إذ هي مهمَّة شاملة شأنها شأن القضايا الكبرى في بلادنا؛ فما من علاج ناجع للقضاء على الأمراض والبطالة والفقر وإقامة المشروعات التنمويَّة والخدميَّة والمجتمعيَّة أفضل من الوقف!

روعة أهداف الوقف
رغم كون الواقفين قد ابتغَوُا الأجر والثواب من الله عز وجل عند إنشائهم للأوقاف؛ بيد أنهم حرصوا على أن تكون هذه الأوقاف مُلَبِّيَة لمتطلَّبات المجتمع في أزمنتهم وأمصارهم؛ ولذلك ترتَّب على إنشاء هذه الأوقاف أهميَّة كبرى، ومرامٍ متنوِّعة يمكن أن نستوضح بعضها كما يلي:

1- الأهمِّيَّة الدينيَّة: تكمن في رغبة الإنسان في الحصول على الأجر والمثوبة، وأن يرجو أن يكون عمله هذا سببًا في مغفرة ذنبه، وعُلُوِّ درجته عند ربِّه؛ لذا اشترط الفقهاء أن يكون الوقف للبِرِّ وأعمال الخير، فقالوا بوجوب حبسه “على وجهٍ تَصِلُ المنفعة إلى العباد، فيزول مِلْك الواقف عنه إلى الله تعالى”[2].

2- الأهميَّة العائليَّة: فحينما يُوقِفُ الواقف عقاره أو أرضه أو ماله على ذُرِّيته؛ فإنه بذلك يحرص على ضمان مستقبلهم، وحمايتهم من الحاجة والفاقة، التي قد تُلِمُّ بأحدهم مستقبلا.

3- الأهميَّة العلميَّة: كوقف المدارس التي تُعَلِّم العلوم، وهذا من باب حفظ العِلْمِ من الضياع؛ سواء كان علمًا شرعيًّا أم حياتيًّا؛ فالأُمَّة الإسلاميَّة محتاجة لكِلا النوعين.

4- الأهميَّة الاجتماعيَّة: تَتَمَثَّل في مساعدة الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والمُعْوِزين؛ فيتسبَّبُ الوقف في علاج كل كسر وألم يعاني منه هؤلاء.

5- الأهميَّة الصحِّيَّة: حيث يقوم الوقف على إنشاء المستشفيات التي تتسبَّب في رفع الحرج عن المرضى، وخصوصًا الفقراء منهم الذين لا يستطيعون تَحَمُّل تكاليف العلاج وما يَتَرَتَّب عليه؛ فيكون الوقف سببًا في راحتهم وسعادتهم.

6- الأهميَّة العسكريَّة: تقوم بعض الوقفيات العامَّة بخدمات المجالات العسكريَّة؛ إذ يُخَصَّص جزء من ريعها للمجاهدين؛ لشراء الأسلحة والعتاد لتقوية الجيش، وكذا لمُفَادَاة الأسرى.[3]

جمال الوقف الخيري
إن الغالبيَّة الكبرى من الأوقاف الإسلاميَّة في بلداننا إنما هي أوقاف خيريَّة أو أهليَّة، وهذا الوقف يكون من الواقف لجهة مُعَيَّنَة لا تمتُّ له بصلة أو صداقة أو قربى، ومن ثَمَّ فالوقف الخيري إنما هو انعكاس حقيقي لروعة أخلاق الواقفين المسلمين والمجتمع كله؛ فكأنَّ إنشاء مثل هذا الوقف تعبيرٌ عن تضامن الواقفين بالمجتمع الإسلامي كله، ومثل هذا الوقف لم يفرضه التشريع الإسلامي على المسلمين، وإنما فرضه وأوجبه أهل الخير وذوو اليسار وطالبو الجنان من أبناء هذه الأُمَّة المباركة على أنفسهم!

ولقد عَرَّف الفقهاء الوقف الخيري بأنه حبس العين عن أن تُمَلَّك لأحد من الْعِبَادِ، والتصدُّق بمنفعتها ابتداءً وانتهاءً على جهة بِرٍّ لا تنقطع [4]؛ فالوقف الخيري هو الوقف العامُّ الذي يحقُّ لأي فقير أو مسكين أو محتاج أن ينتفع به؛ لأن ذلك هو غرض الواقف وإن لم يذكره صراحة في وقفيته.

والحقُّ أن الوقف الخيري يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما أَقَرَّتْه الشريعة، كما أنه يبحث عن المصلحة أينما كانت، وأوَّل ما يهتمُّ به هو حفظ الضروريات التي لا يمكن للإنسان أن يعيش بدونها؛ وأُولَى هذه الضروريات وأهمُّها حفظ الدين؛ لذلك انتشر كثيرًا في العالم الإسلامي وقف المساجد، وتنافس الأمراء والوزراء ورجال الاقتصاد وأهل الثراء على بناء المساجد في كل مدينة وقرية في أنحاء العالم الإسلامي، ووقفوا عليها أموالاً كثيرة لعمارتها ورعايتها والاهتمام بخُدَّامها وأئمتها.

وأفردَ الفقهاء المسلمون أبوابًا واسعة في كتب الفقه لدراسة وقف المساجد، ووَضْعِ الضوابط الكافية لحماية مثل هذه الأوقاف، ودرس الفقهاء بعض المسائل الدقيقة ليمنعوا أي تلاعب بهذا النوع من الأوقاف؛ فعلى سبيل المثال اتفقت المذاهب الأربعة على أنه لا يجوز أن يكون المسجد جزءًا شائعًا، فلا يصلح أن يكون مسجدًا وشيئًا آخر في الوقت نفسه؛ لتعذُّر إقامة الصلاة في أجزائه جميعًا، كما أنه لا يتوقَّف لزوم وقف المسجد تسليمه إلى الناظر؛ لأن مَنْ بنى مسجدًا وأفرزه وجعله مستقلاًّ عن مِلكه، وأَذِن للناس بالصلاة فيه، فصَلَّى فيه مُصَلٍّ واحدٌ زال مِلْك الواقف، وكذا الإفراز؛ لأنه لا يخلص لله عز وجل إلا به.[5]

بل إننا وجدنا فقهاء المالكيَّة -مثلاً- يقولون بجواز بيع الوقف لتوسعة المسجد الجامع، ونجدهم يُعَلِّلُون ذلك بأن المصلحة الشرعيَّة المترتِّبَة على توسعة المسجد أرجح من مصلحة الوقف، وأكثرُ نفعًا منه؛ لأنها مصلحة حفظ الدين، وكذلك هي مصلحة تنفع عموم المسلمين، فقالوا: “لأن نفع المسجد أكثر من نفع الوقف؛ فهو قريب لغرض الواقف”[6]. وغرض الواقف هو إرضاء الله سبحانه وتعالى بأكثر الطرق نفعًا.

ويلحق بالمساجد من ناحية حفظ الدين ما قام به بعض المسلمين من وقفٍ لإنشاء زوايا صغيرة مُخَصَّصَة لاعتكاف العُبَّاد فترات طويلة.[7]

ومن الأوقاف الخيريَّة الرائعة وقف المدارس؛ ففي هذه المدارس كانت تُدرَّس علوم القرآن وسائر علوم الشريعة، كما كانت تُدرس بقيَّة علوم الحياة؛ كالطب والرياضيات والفلك والجغرافيا.. وغير ذلك، وهناك أوقاف خيريَّة أخرى كالمستشفيات والأسبلة والخانات.. وغيرها.

فالوقف الخيري قادر على الإيفاء بمتطلَّبات المقاصد الكليَّة كافة، وسوف نعرض -إن شاء الله سبحانه- في مقالات تالية ما حققته هذه الأوقاف الخيريَّة في حضارتنا الإسلاميَّة من تَقَدُّم ورقي وإبهار.

دولة الإسلام.. دولة الثورة

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

حكى لنا القرآن الكريم عن قوم نصرهم الله على عدوهم ثم طغوا ولم يشكروا الله على نصره فغضب عليهم وأحل عليهم لعنته إلى يوم الدين فمن هم؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز عنهم: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْ‌عَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّ‌بِّكُمْ عَظِيمٌ} [٤٩] وَإِذْ فَرَ‌قْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ‌ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَ‌قْنَا آلَ فِرْ‌عَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُ‌ونَ [٥٠] وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْ‌بَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ [٥١] ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُ‌ونَ [٥٢] وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْ‌قَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [٥٣] وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِ‌ئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ‌ لَّكُمْ عِندَ بَارِ‌ئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّ‌حِيمُ ﴿٥٤﴾ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَ‌ى اللَّـهَ جَهْرَ‌ةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُ‌ونَ [٥٥] ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُ‌ونَ [٥٦] وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَ‌زَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [٥٧] [البقرة:49 – 57].

هم قوم سيدنا موسى عليه السلام الذين نجاهم الله من آل فرعون وكرّمهم ولكنهم كفروا بنعمة الله التي أنعم بها عليهم فباءوا بغضب منه.. نجحت ثورتهم على فرعون وظلمه ولكنهم لم يغيروا ما بأنفسهم فلم يغير الله ما بهم وخسف بهم الأرض وأخذتهم الصاعقة وانطبق عليهم قول الله-قبل نزوله-{إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ‌ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُ‌وا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11].

أما قوم محمد صلى الله عليه وسلم فقد هاجروا وطردوا من ديارهم في سبيل الله لثورتهم على ظلم وكفر قريش.. واجتمعت عليهم الأحزاب يوم غزوة الخندق وخانهم اليهود وحاصرهم الكفار ولكن كان الفرق بينهم وبين قوم موسى كما يقص الله لنا في كتابه العزيز: {وَلَمَّا رَ‌أَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَ‌سُولُهُ وَصَدَقَ اللَّـهُ وَرَ‌سُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22]. عندما رأوا الصعاب والشدائد عرفوا أن هذا ما وعدهم الله ورسوله وصدق هذا الوعد، فقد وُعدوا بأن يجدوا مشاق تعترض طريقهم وطريق دعوتهم للحق،فلما رأوا المشاق في يوم الأحزاب اطمأنوا وثبتوا وزادوا إيمانا وتسليما لأن هذا ما وعدهم الله ورسوله وصدقهم الله الوعد فكانت أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس بصبر رجالها وثباتهم على الحق وهذا هو الفرق بيننا وبين قوم موسى أو اليهود.. هم ونحن ثرنا على ظلم وجور وكفر، لكننا ثرنا ثورتين: ثورة على الجور والظلم والكفر وأخرى على الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء أما هم فثاروا الأولى فقط إلا من رحم ربى منهم، فأهلكهم الله ولعنهم وجعلهم أكثر الناس عداوة للذين آمنوا، وكرمنا الله نحن المسلمين بثورتنا على الشيطان بأن جعلنا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

وهنا يتجلى المفهوم الإسلامي في الثورة.. وهى الثورة على النفس.. سئل الحسن البصري: ما أعظم الجهاد؟ فقال: جهادك هواك. وهذه هي الثورة التي أُمِرْنا بها حقا حيث قال الله تعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ‌ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُ‌وا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الرعد:11]، ووصانا بكُره الفساد عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه فاكرهوا عمله”[1] وهذا ما ينطبق على زماننا هذا.

رغم الحث الإلهي والنبوي والديني على فعل الخير فإن الإسلام أيضًا كان له السبق والثورة في إقامة دولة القانون.. ولا عجب أن يظهر من المسلمين أول من وضع دستورًا كاملاً حديثًا لبلاده وهو السلطان سليمان المعروف بـ”سليمان القانوني” والذي يعتبر من أشهر سانّي القوانين في التاريخ وأقدمهم.. والقانون الإسلامي هو أعدل القوانين التي عرفتها البشرية، فقد أنزله الله العدل نفسه في كتابه العزيز ليحق الحق ويبطل الباطل في الأرض، وأُثر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، وهنا نتطرق لمفاهيم دولة الثورة، دولة القانون في الإسلام والحدود وأهميتها.

أولاً: حد السرقة
قال الله تعالى: {وَالسَّارِ‌قُ وَالسَّارِ‌قَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[المائدة:38] وهنا يضع الإسلام-بعدله-شروطًا لتطبيق حد السرقة وهي: كفاية الناس أي أن السارق لا ينفذ عليه الحد إذا كان لا يجد ما يسد رمقه وجوعه، ولنا في عصر الفاروق عمر مثال، ففي عام الرمادة الذي حل فيه جفاف شديد على المسلمين حتى قيل إنه سمي بالرمادة لاسوداد الأرض من قلة المطر حتى عاد لونها شبيها بالرماد، أو لأن الريح كانت تسفي ترابا كالرماد، أو لأن ألوان الناس أضحت مثل الرماد، وقد يكون العام سُمِّي بهذا الاسم لتلك الأسباب مجتمعة وهنا أوقف عمر حد السرقة لشدة ما حلّ بالناس من الجوع حتى أن عمر نفسه اسودّ لونه من قلة الطعام، فكان يأكل الخل والزيت ولا يشبع بدلا من أن كان يأكل التمر واللبن، ولم تنته المحنة إلا بفضل الله عندما صلى عمر صلاة الاستسقاء واستسقى بعم النبي صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب حتى أمطر الله السماء، وقيل أيضًا إنه من شدة البلاء في عام الرمادة والجوع والفقر يحاصر المسلمين كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى عمرو ابن العاص في مصر “واغوثاه ..واغوثاه .. واغوثاه” فقال عمرو بن العاص: “والله لأرسلن له قافلة من الأرزاق أولها في المدينة وآخرها عندي في مصر” وأرسل له بألف بعير تحمل دقيقًا.. المهم أنه تم تعطيل الحدود حتى زال الكرب ولنا في هذا الموقف أسوة وقدوة في تطبيق الحد عند كفاية الناس.

ثانيًا: حد الزنى
إذا كان الزاني متزوجا فإنه يرجم حتى الموت وكذلك الزانية، أما إذا كان غير متزوج فإنه يُعمَل بالآية: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَ‌أْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}[النور:2] أي أن العقوبة الجلد مائة جلدة مع التغريب لمدة عام.

ثالثًا: حد اللواط
أجمع الفقهاء على أن الذي يمارس اللواط يعاقب نفس عقاب الزاني استنادًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان”[2]. وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن “اللوطي يعزّر فقط ولا يحدّ”، من منطلق أنه لا اختلاط للأنساب بالمثلية، ولا يترتب عليه حدوث مناعات تؤدي إلى القتل، ولا يتعلق به المهر، فليس هو زنى كما يرى”. إلا أن أبا محمد وأبا يوسف من الحنفية أفتيا بأن الحد في اللواطة كالزنى، “وفي حالة تكرار اللّواط يقتل حسبما أفتى معظم الحنفيّة”.

رابعًا: حد الحرابة
المحاربة أو الحرابة وتسمى أيضا قطع الطريق هي خروج جماعة مسلحة لإحداث فوضى، وسفك الدماء وسرقة الأموال متحدية الدين والقانون والأخلاق. وتعد المحاربة من كبريات الجرائم في الإسلام. يقول الله تعالى في القرآن الكريم {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِ‌بُونَ اللَّـهَ وَرَ‌سُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْ‌ضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْ‌جُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْ‌ضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَ‌ةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[المائدة:33]، وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلمفي أنه قال: “من حمل علينا السلاح فليس منا”[3].

خامسًا: حد الردة
يحكم على المرتد بالقتل لقوله صلى الله عليه وسلم : “مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلاَ تُعَذِّبُوهُ بِعَذَابِ اللَّهِ” [4]، ولقوله أيضًا: “لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لدِينِهِ المُفَارِقُ للجَمَاعَةِ” [5].

سادسًا: حد السكر
السكر الذي يترتب عليه الحد هو عند الحنفية الذي يجعل صاحبه لا يعلم الأرض من السماء، أما المالكية فيرون أنه الذي يغيّب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب. وعند الشافعية هو الذي به يختلط كلامه المنظوم، ويفشي سره المكتوم، وأما عند الحنابلة فهو الذي يجعل صاحبه يخلط في كلامه ولا يعرف ثوبه من ثوب غيره.
وحد السكر هو أربعين جلدة.

سابعًا: حد القذف
يحرم الإسلام القذف تحريما قاطعا، ويجعله كبيرة من كبائر الإثم والفواحش ويوجب على القاذف الحد وهو الجلد ثمانين جلدة ومنع قبول شهادته إلا إذا ثبت صحة قوله بالأدلة وهو شهادة أربعة شهداء بأن المقذوف تورط في الزنا لقول الله {وَالَّذِينَ يَرْ‌مُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْ‌بَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[النور:4].

وهنا نجد أن القوانين الإسلامية لا تمس الحريات العامة بل تحفظها لأن الحرية هي ليست فقط فعل ما يحلو لك بلا حدود،ولكنْ لها حدود هي حدود الآداب العامة وحدود حرية الآخر، والحدود الإسلامية تحفظ وتصون هذا، تصون حريتك في الحركة في الشارع وأنت آمن على نفسك لأن أصحاب النفوس الضعيفة لن تسول لهم أنفسهم أن يقتربوا منك أو يقوموا بسرقتك أو قتلك كما نرى الآن لأنهم يعلمون أثر فعلتهم في الدنيا، كما أن لها أثرا في الآخرة عظيما، تخيل أنك ترى رجلاً تقطع يده ورجله في ميدان عام وعلى رءوس الأشهاد فهل يفكر رجل نفسه ضعيفة أن يفعل مثل فعلته فيلقى جزاءه،أما عن حد الزنى فهو أهم الحدود للحفاظ على المجتمع،الدول الغربية بها نسب كبيرة جدا من المشردين نتيجة أطفال الزنى حتى قيل إن في سويسرا لوحظ انخفاض مفاجئ في مستوى الجريمة فقاموا بعمل أبحاث لمعرفة سبب ذلك، فوجدوا أن ذلك سببه قانون قد صدر قلب 15 عامًا يقنن الإجهاض فأصبحت كل واحدة تحمل طفلاً غير شرعي تقوم بقتله، ولذلك قل معدل أطفال الزنى وقلت الجريمة وهذا دليل على خطورة أطفال الزنى على المجتمع، وهم عالجوا الجريمة في بلادهم بجريمة أخرى عالجوا جريمة السرقة بجريمة الإجهاض،أما نحن فعندنا الحل المنزل والعادل كل العدل فلِمَ المماطلة في تنفيذ الحدود؟! وكذلك باقي الحدود كالإفساد في الأرض،فلو علم قاطع الطريق أنه سيقتل أو يصلب أكان قطع الطريق؟؟ ثم حد السكر والذي فيه الخطر كل الخطر حيث إن الشارب السكران يمكنه ارتكاب كل الفواحش، وأتذكر قصة الرجل الذي كان مسجونًا وقيل له أيما تفضل: تشرب الخمر أم تقتل الطفل أم تزني بالمرأة؟ فاختار شرب الخمر لأنه هو الأخف وطأة ومعصية، فسكر وقتل الطفل وزنى بالمرأة.
ويعتبر حد السكر بالذات فيه إرساء لمبادئ الحرية حيث إنه ينفذ الحرية كاملة،إن حريتك تتوقف عند حدود حرية غيرك، وحد حرية غيرك ألا يمشى بجواره سكران غير مأمون الجانب في الشارع، ثم حد القذف والذي يمنع الفتن وسب الناس بغير الحق فهو مكمل للحرية أيضًا.. كل هذه الحدود هي العدل كل العدل المنزل من الله الذي اتصف بالعدل {فَلَا وَرَ‌بِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ‌ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَ‌جًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء:65] .. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُ‌ونَ}[المائدة:44]، {وَمَا رَ‌بُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}[فصلت:46] .

حرية التفكير في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

كفل الإسلام حرية التفكير وعمل على رعايتها والحضارة الإسلامية شاهدة على ذلك، وقد جاء ذلك واضحًا جليًّا حين دعا الإسلام إلى إعمال العقل والفكر في أرجاء الكون كُلِّه؛ بسمائه وأرضه، وحثَّ على ذلك كثيرًا، ومن ذلك قول الله : {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سبأ: 46]. وقوله سبحانه: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

الإسلام يحث على إعمال العقل والأدلة العقلية
إنَّ الإسلام عاب على الذين يُعَطِّلُونَ قواهم العقلية والحسِّيَّة عن أداء وظيفتها، وجَعَلَهُمْ في مرتبةٍ أحطَّ من مرتبة الحيوانات، فقال الله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

وحمل الإسلام حملة شعواء على الذين يَتَّبِعُون الظنون والأوهام، فقال الله : {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28]. وحمل أيضًا على الذين يُقَلِّدُونَ الآباء أو الرؤساء دون النظر إلى كونهم على الحق أم على الباطل، فقال مُقَلِّلاً من شأنهم: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ} [الأحزاب: 67].

واعتمد الإسلام في إثبات العقيدة الإسلامية على الأدلَّة العقليَّة؛ ولهذا قال علماء الإسلام بأن العقل أساس النقل، فقضية وجود الله قامت بإثبات العقل، وقضية نُبُوَّة محمد ثبتت أيضًا عن طريق العقل أوَّلاً، ثم دلَّت المعجزات على صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهذا هو احترام الإسلام للعقل وللفكر.

قيمة التفكير في الإسلام
التفكير في نظر الإسلام يُعَدُّ فريضة دينية لا يجوز للمسلم أن يَتَخَلَّى عنها بأي حال من الأحوال، وقد فتح الإسلام الباب واسعًا لممارسة التفكير في الأمور الدينية، وذلك من أَجْلِ البحث عن حلول شرعية لكلِّ ما يُسْتَجَدُّ من مسائل الحياة، وهذا ما يُطْلِقُ عليه علماء الإسلام: (الاجتهاد)، بمعنى الاعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية[1].

وقد كان لمبدأ الاجتهاد -والذي يُجَسِّدُ حرية التفكير في الإسلام- أثره العظيم في إثراء الدراسات الفقهية لدى المسلمين، وإيجاد الحلول السريعة للمسائل التي لم يكن لها نظير في العهد الأوَّل للإسلام، وقد نَشَأَتْ عنه مذاهب الفقه الإسلامي المشهورة، التي لا يزال العالم الإسلامي يسير على تعاليمها حتى اليوم. وهكذا كان اعتماد المسلم على عقله وتفكيره -فيما يُشْكلُ عليه من أمور الدين والدنيا، ممَّا لم يَرِدْ في شأنه نصوصُ شريعة- هو الدِّعَامة الأُولَى في الموقف العقلي الراسخ للإسلام، وكان هذا الموقف بمنزلة الأساس الذي بنى عليه المسلمون حضارتهم الزاهرة على امتداد تاريخ الإسلام[2].

حرية الرأي في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

تعني حريَّة الرأي في الحضارة الإسلامية حقَّ الفرد في اختيار الرأي الذي يراه في أمر من الأمور العامَّة أو الخاصَّة، وإبداء هذا الرأي وإسماعه للآخرين، وهي حقُّ الشخص في التعبير عن أفكاره ومشاعره باختياره وإرادته؛ ما لم يكن في ذلك اعتداءٌ على حقِّ الآخرين.

حرية الرأي من حقوق المسلم
وحرية الرأي في الحضارة الإسلامية حقٌّ مكفولٌ للمسلم وثابتٌ له؛ لأن الشريعة الإسلامية أَقَرَّتْهُ له، وما أَقَرَّهُ الشرع الإسلامي للفرد لا يملك أحدٌ نَقْضَهُ أو سلبه منه أو إنكاره عليه، بل إن حُرِّيَّة الرأي واجب على المسلم لا يجوز أن يتخلَّى عنه؛ لأن الله تعالى أوجب عليه النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يمكن القيام بهذه الواجبات الشرعية ما لم يتمتَّع المسلم بحقِّ إبداء الرأي وحريته فيه، فكانت حرية الرأي له وسيلة إلى القيام بهذه الواجبات، وما لا يَتَأَتَّى الواجب إلاَّ به فهو واجب.

وقد أجاز الإسلام حرية الرأي في كافَّة الأمور الدنيوية؛ مثل الأمور العامَّة والاجتماعيَّة، وفي مثال يُجَسِّد ذلك، ما ظهر من سعد بن معاذ وسعد بن عبادة -رضى الله عنهما- حين استشارهما الرسول في مهادنة غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى يخرجوا من التحالف يوم غزوة الأَحْزَاب.

عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى النبي فقال: يا محمد، شاطرنا تمر المدينة. قال: “حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ”. فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود ، فقال: “إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ الْـحَارِثَ يَسْأَلُكُمْ أَنْ تُشَاطِرُوهُ تَمْرَ الْـمَدِينَةِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ عَامَكُمْ هَذَا حَتَّى تَنْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ بَعْدُ”. قالوا: يا رسول الله، أوحيٌ من السماء فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك أو هواك، فرأينا تبع لهواك ورأيك؟ فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا؛ فوالله! لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا بشرى أو قرى[1].

النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من النصوص التي وردت في النصيحة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قول الله تعالى: {وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنْكَرِ} [التوبة: 71]، وقول الرسول : “الدِّينُ النَّصِيحَةُ”. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: “للهِ وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْـمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ”[2].

قال الإمام النووي[3] في شرحه لهذا الحديث: “وأمَّا النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحقِّ، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، ونهيهم عن مخالفته، وتذكيرهم برفق، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين”[4].

كما قال الرسول : “لا يَمْنَعَنَّ رَجُلاً هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ”[5]. وقال أيضًا: “أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ”[6].

وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستلزم تمتُّعُهُمْ بحرِّيَّة الرأي؛ وحيث قد أمرهم الله بهذا الواجب، فهذا يعني مَنْحهم حقَّ إبداء رأيهم فيما يَرَوْنَه معروفًا أو منكرًا، وفيما يأمرون به وينهون عنه، وكذلك واجب المشاورة على ولي الأمر يستلزم تمتُّع مَنْ يُشَاورهم بحرية إبداء آرائهم.

وقد طُبِّقَتْ حرِّيَّة الرأي على طُولِ التاريخ الإسلامي تطبيقًا رائعًا؛ فهذا الصحابي الجليل الحباب بن المنذر يُبْدِي رأيه الشخصي في موقف المسلمين في غزوة بَدْر على غير ما كان قد رآه النبي ، فيأخذ النبي برأيه، كما أبدى بعض الصحابة رأيهم في حادثة الإفك، وكان منهم مَنْ أشار على النبي بتطليق زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها، إلاَّ أن القرآن بَرَّأَهَا، وغير ذلك من المواقف الكثيرة التي كان الصحابة ومن جاءوا بعدهم يُبْدُونَ فيها آراءهم.

هذا، وإذا كانت حُرِّيَّة الرأي والتعبير عنه وإبداؤه من الحقوق المُقَرَّرَة في الشريعة الإسلامية، فلا يجوز إيذاء الشخص لقيامه بإبداء رأيه؛ لأن الشرع أَذِنَ له بذلك، وقد رَدَّتِ امرأةٌ على عمر بن الخطاب وهو يخطب في المسجد في مسألة المُهُورِ، فلم يمنعها، بل اعترف بأن الصواب معها، وقال قولته: “أصابت امرأة وأخطأ عمر”[7].

الأمانة والصدق في إبداء الرأي
وممَّا ينبغي للمسلم وهو يستعمل حقَّه في إبداء رأيه أن يتوخَّى في ذلك الأمانة والصدق؛ فيقول ما يراه حقًّا، وإن كان هذا الحقُّ أمرًا صعبًا عليه؛ لأن الغرض من حرية الرأي إظهار الحقِّ والصواب وإفادة السامع به، وليس الغرض منه التمويه وإخفاء الحقيقة، وأن يَقْصِدَ بإعلام رأيه إرادة الخير، وأن لا يبغي برأيه ولا بإعلانه الرياء أو السمعة، أو التشويش على المُحِقِّ، أو إلباس الحقِّ بالباطل، أو بخس الناس حقوقهم، أو تكبير سيئات ولاة الأمور، وتصغير حسناتهم، وتصغير شأنهم، والتشهير بهم، وإثارة الناس عليهم؛ للوصول إلى مغنم.

وعلى هذا تكون حرية الرأي كما أَقَرَّتْهَا الشريعة الإسلامية، وهي بذلك وسيلة مهمَّة من وسائل التقدُّم الحضاري، كما أنها وسيلة للتعبير عن الذات.

حرية الاعتقاد في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

في قاعدة أساسية صريحة بالنسبة للحرية الدينية أو حرية الاعتقاد في الإسلام يقول الله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، فلم يأمر الرسول -والمسلمون مِنْ بَعْدِه- أحدًا باعتناق الإسلام قسرًا، كما لم يُلْجِئُوا الناس للتظاهر به هربًا من الموت أو العذاب؛ إذ كيف يصنعون ذلك وهم يعلمون أن إسلام المُكرَه لا قيمة له في أحكام الآخرة، وهي التي يسعى إليها كل مسلم؟!

وقد جاء في سبب نزول الآية السابقة: عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتًا (هي المرأة التي لا يعيش لها ولد) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أُجْلِيَتْ بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله :{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256][1].

قضية الإيمان ومشيئة الإنسان
جعل الإسلام قضية الإيمان أو عدمه من الأمور المرتبطة بمشيئة الإنسان نفسه واقتناعه الداخلي؛ فقال سبحانه: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]. ولَفَتَ القرآنُ نظر النبي إلى هذه الحقيقة، وبَيَّنَ له أن عليه تبليغ الدعوة فقط، وأنه لا سلطان له على تحويل الناس إلى الإسلام فقال: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، وقال: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية: 22]، وقال: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ} [الشورى: 48].

ومن ذلك يَتَّضِح أن دستور المسلمين يُقَرِّرُ حرية الاعتقاد، ويرفض رفضًا قاطعًا إكراه أَحَدٍ على اعتناق الإسلام[2].

التعددية الدينية في الإسلام
إن إقرار الحرية الدينية يعني الاعتراف بالتَّعَدُّدِيَّة الدينية، وقد جاء ذلك تطبيقًا عمليًّا حين أقرَّ النبي الحرية الدينية في أوَّل دستور للمدينة، وذلك حينما اعترف لليهود بأنهم يُشَكِّلُون مع المسلمين أُمَّةً واحدة، وأيضًا في فتح مكة حين لم يُجْبِرِ الرسول قريشًا على اعتناق الإسلام، رغم تمكُّنه وانتصاره، ولكنه قال لهم: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ”[3]. وعلى دربه أعطى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب للنصارى من سكان القدس الأمان “على حياتهم وكنائسهم وصلبانهم، لا يُضَارُّ أحدٌ منهم ولا يرغم بسبب دينه”[4].

بل إن الإسلام كفل حرية المناقشات الدينية على أساس موضوعي بعيد عن المهاترات أو السخرية من الآخرين، وفي ذلك يقول الله : {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. وعلى أساس من هذه المبادئ السمحة ينبغي أن يكون الحوار بين المسلمين وغير المسلمين، وقد وَجَّه القرآن هذه الدعوة إلى الحوار إلى أهل الكتاب فقال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].

ومعنى هذا أن الحوار إذا لم يَصِلْ إلى نتيجة فلكلٍّ دينه الذي يقتنع به، وهذا ما عَبَّرَتْ عنه أيضًا الآية الأخيرة من سورة (الكافرون) التي خُتِمَتْ بقوله تعالى للمشركين على لسان محمد : {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6][5].

الرحمة في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: نواف العنقري333

إن أول ما يلفت الأنظار في كتاب الله -وهو دستور المسلمين، وأهم مصادر التشريع- أن كل السور فيه -باستثناء سورة التوبة- قد صُدِّرت بالبسملة، وأُلحِق بالبسملة صفتا الرحمن الرحيم. وليس يخفى على أحد أن تصدير كل السور بهاتين الصفتين أمر له دلالته الواضحة على أهمية الرحمة في التشريع الإسلامي، ولا يخفى على أحدٍ أيضًا التقارب في المعنى بين الرحمن والرحيم، والعلماء لهم تفصيلات كثيرة وآراء متعددة في الفرق بين اللفظين[1]، وكان من الممكن أن يجمع الله مع صفة الرحمة صفة أخرى من صفاته، كالعظيم أو الحكيم أو السميع أو البصير، وكان من الممكن أن يجمع مع الرحمة صفة أخرى تحمل معنى آخر يُحَقِّق توازنًا عند القارئ؛ بحيث لا تطغى عنده صفة الرحمة؛ وذلك مثل: الجبار أو المنتقم أو القهار، ولكن الجمع بين هاتين الصفتين المتقاربتين في بداية كل سور القرآن الكريم يعطي الانطباع الواضح جدًّا، وهو أن الرحمة مُقدَّمَة بلا منازع على كل الصفات الأخرى، وأن التعامل بالرحمة هو الأصل الذي لا ينهار أبدًا، ولا يتداعى أمام غيره من الأصول.

ويُؤَكِّد هذا المعنى ويُظهره أنَّ أول السور التي نراها في ترتيب القرآن الكريم[2]، وهي الفاتحة، قد افتُتِحت بالبسملة -وفيها صفتا الرحمن الرحيم- كبقية السور، ثم نجد فيها صفتي الرحمن الرحيم قد تكرَّرَتا في السورة ذاتها، وهذا التصدير للقرآن الكريم بهذه السورة بالذات له دلالته الواضحة أيضًا، وكما هو معلوم فسورة الفاتحة هي السورة التي يجب على المسلم أن يقرأها في كل ركعة من ركعات صلاته كل يوم، ومعنى ذلك أن المسلم يُرَدِّدُ لفظ الرحمن مرتين على الأقل، ويُرَدِّدُ لفظ الرحيم مرتين على الأقل، فهذه أربع مرات يتذكَّر فيها العبد رحمة الله في كل ركعة من ركعات الصلاة، وهذا يعني ترديد صفة الرحمة في كل يوم ثمانٍ وستين مرة في خلال سبع عشرة ركعة تُمَثِّل الفروض التي على المسلم؛ مما يُعْطِي تصوُّرًا جيدًا لمدى الاحتفال بهذه الصفة الجليلة: صفة الرحمة.

وإن هذا يُفَسِّر لنا الكثير من الأحاديث التي ذكرها الرسول ، والتي تصف رحمة ربِّ العالمين، ومنها ما يرويه أبو هريرة أن رسول الله قال: “إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْـخَلْقَ ‏إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ”[3].

وهذا إعلانٌ واضح على أن الرحمة مقدمة على الغضب، وأن الرفق مُقَدَّم على الشدَّة.

بعثة الرسول رحمة للعالمين
وإضافة إلى ذلك كله فإن الله قد بعث رسول الإسلام رحمة للإنسانية ورحمة للعالمين، فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقد أوضح ذلك في شخصه وفي تعاملاته مع أصحابه وأعدائه على السواء؛ حتى إنه قال محفِّزًا ومرغِّبًا على التَّخَلُّقِ بهذا الخُلُقِ وتلك القيمة النبيلة: “لاَ يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لاَ يَرْحَمُ النَّاسَ”[4]. وكلمة الناس لفظة عامَّة تشمل كُلَّ أَحَدٍ، دون اعتبارٍ لجنس أو دين، وفي ذلك قال العلماء: هذا عامٌّ يتناول رحمة الأطفال وغيرهم[5]. وقال ابن بطال[6]: “فيه الحضُّ على استعمال الرحمة لجميع الخَلْقِ؛ فيدخل المؤمن والكافر والبهائم؛ المملوك منها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدَّي بالضرب[7].

وقد أقسم الرسول في حديث آخر قائلاً: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَضَعُ اللهُ رَحْمَتَهُ إِلاَّ عَلَى رَحِيمٍ”. قالوا: يا رسول الله، كلنا يرحم. قال: “لَيْسَ بِرَحْمَة أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ؛ يَرْحَمُ النَّاسَ كَافَّةً”[8]. فالمسلم يرحم الناس كافَّة، أطفالاً ونساءً وشيوخًا، مسلمين وغير مسلمين.

وقال أيضًا : “ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ”[9]. وكلمة “مَنْ” تشمل كل مَن في الأرض.

وهكذا هي الرحمة في مجتمع المسلمين، تلك القيمة الأخلاقية العملية التي تُعَبِّرُ عن تعاطف الإنسان مع أخيه الإنسان، بل هي رحمة تتجاوز الإنسان بمختلف أجناسه وأديانه إلى الحيوان الأعجم، إلى الدواب والأنعام، وإلى الطير والحشرات!

فقد أعلن النبي أن امرأة دخلت النار لأنها قَسَتْ على هِرَّةٍ ولم ترحمها، فقال : “دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا؛ فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ ‏ ‏خَشَاشِ ‏‏الأَرْضِ”[10].

كما أعلن أن الله غفر لرجل رحم كلبًا فسقاه من العطش، فقال : “بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ؛ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ ‏‏الثَّرَى ‏مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي. فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ”. قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: “فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ”[11].

بل إن الرسول أعلن لأصحابه أن الجنة فَتَحَتْ أبوابها لزانية تحرَّكَتِ الرحمة في قلبها نحو كلب! فقال : “بَيْنَمَا كَلْبٌ‏ يُطِيفُ[12]بِرَكِيَّةٍ[13]كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ[14]مِنْ بَغَايَا‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ‏ ‏فَنَزَعَتْ مُوقَهَا[15]،فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ”[16].

وإن المرء ليدهش: وما كلب ارتوى إلى جانب جريمة زنا؟! لكن الحقيقة تكمن فيما وراء الفعل، وهي الرحمة التي في قلب الإنسان، والتي على ضوئها تأتي أفعاله وأعماله، ومدى أثرِ وقيمةِ ذلك في المجتمع الإنساني بصفة عامَّة.

الرحمة بالحيوان الأعجم والطيور الصغيرة
وممَّا جاء به الإسلام من الرحمة، دعوته إلى رحمة الحيوان الأعجم من أن يُجوَّع أو يُحمَّل فوق طاقته! فقد قال في رحمة بالغة حين مَرَّ على بعير قد لحقه الهزال: “اتَّقُوا اللهَ في هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْـمُعْجَمَةِ… ‏فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً”[17].

وقال رجل: يا رسول الله، إنِّي لأرحم الشَّاة أن أذبحها. فقال: “وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ”[18].

ويتجاوز الإسلام الرحمة بالبهائم إلى الرحمة بالطيور الصغيرة التي لا ينتفع بها الإنسان كنفعه بالبهائم، فتراه يقول في عصفور: “مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ‏ ‏إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ فُلاَنًا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ”[19]!

ويروي المؤرخون أن عمرو بن العاص في فتح مصر نزلت حمامة بفسطاطه (خيمته) فاتخذت من أعلاه عُشًّا، وحين أراد عمرو الرحيل رآها، فلم يشأ أن يهيجها بتقويضه، فتركه وتكاثر العمران من حوله، فكانت مدينة (الفسطاط).

كما يروي ابن عبد الحكم[20] في سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه نهى عن ركض الفرس إلاَّ لحاجة، وأنه كتب إلى صاحب السِّكَكِ أن لا يحملوا أحدًا بلجام ثقيل، ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة. وكتب إلى واليه بمصر: أنه بلغني أن بمصر إبلاً نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا، فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل[21].

وهكذا هي الرحمة في المجتمع الإسلامي.. حيث تمكَّنت من قلوب أفراده وبنيه، فتراهم يَرِقُّوَن للضعيف، ويألمون للحزين، ويَحِنُّونَ على المريض، ويَئِنُّونَ للمحتاج، وإن كان حيوانًا أعجمًا. وبهذه القلوب الحيَّة الرحيمة يصفو المجتمع، ويَنْبُو عن الجريمة، ويُصبح مَصْدَرَ خيرٍ وبِرٍّ وسلام لِمَا حوله ومَنْ حوله.

الدولة القومية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الفواز 336

منذ معاهدة وستفاليا والتي وقعت عام 1648 م ، وحتى بداية القرن التاسع عشر كانت الدولة القومية العامل الوحيد غير المنازع في عالم السياسة الدولية.
فخلال هذه الفترة قامت الدولة القومية وحدها دون غيرها بالاعمال التي أدت الى تغيير القوة والتحالفات وايجاد المستعمرات والحرب والسلام.
وحين ما نعلم ان هذه الاعمال كانت هي الاحداث التي تنتج من تفاعل الدول الموجودة آن ذاك ، ندرك طبيعة الدور الهام الذي احتلته واحتكرته الدول القومية لنفسها في عالم السياسة الدولية.
الا ان هذا الاحتكار لم يستمر طويلا. فمع بداية القرن التاسع عشر ظهرت تطورات معينة في المسرح الدولي انهت العصر الذهبي للدولة القومية ( الاقليميه ) وعرضت وظيفتها الاساسيه وهي الوظيفة الامنية للخطر .

فوفق لتحليل (( جون هيرز )) المنطقي الوحده السياسية الاساسية هي الوحدة القادرة فعلا على توفير الامن لشعب الاقليم في الداخل والحماية من أي سيطرة او تدخل خارجي .
ان شعب الاقليم سوف يعترف بسلطة الكيان القادر على توفير هذه الوظائف الامنية لمدة قرنين ملكت الدولة الاقليمية هذه القدرة وادت الوظائف الاساسيه المطلوبة . لكن الدولة الاقليميه تواجه اليوم ازمة بقاء
وهذه الازمة ظهرت نتيجة للتحديات التي تواجهها والتي جعلتها تفقد قيمتها ككيان امني .

اول هذه التحديات هو التحدي الاقتصادي . فالثورة الصناعية جسدت فكرة الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول حيث جعلت كل دولة بحاجة ماسة للدول الاخرى لتوفير مستلزماتها الاولية وتسويق منتجاتها من سلع وخدمات. هذا الاعتماد الاقتصادي المتبادل جعل الامن الاقتصادي لكل دولة تحت رحمة الدول الاخرى . فسبب عدم الاكتفاء الذاتي في المواد الاولية والخدمات و الاسواق اصبحت الدولة الاقليمية غير قادرة وحدها على توفير الامن الاقتصادي لسكان اقليمها.

اما التحدي الثاني فهو التحدي النفسي والذي اوجدته الثورة التكنولوجية بتطويرها لوسائل الاتصالات والتي شملت العالم كله في منتصف القرن العشرين فهذه الثورة وما قدمته من مخترعات جلعت حماية اقليم الدولة
من تسلل القيم والافكار الاجنبية مهمة صعبة ان لم تكن مستحيلة. على سبيل المثال اصبح الراديو – والذي يعتبر من اهم وسائل الاتصالات العامة – اداة مستخدمه بشكل واسع لدى غالبية الشعب وتأثيره على اراء وسلوك
ومعتقدات الامم اصبح حقيقه ملموسة. كما ان الحد من فاعلية الراديو اصبح من الصعوبة خصوصا بعد تطوير الموجة القصيرة واستراتيجيات الدعاية ذات القدرة الفائقة على جذب اهتمام الجمهور والتأثير في قيمه ومعتقداته .

أخبرا يأتي التحدي الكبير ونعني به الثورة التكنولوجية في الاسلحة الحربية. فالتطور السريع في الاسلحة الحربية خصوصا التطور في السلاح الجوي انهى سيطرة الدولة على اقليمها ، حيث اصبح بإمكان السلاح الجوي لدولة ما ان يضرب مدن مدن وقرى اخر مهما كانت الحماية موجودة على الحدود الاقليمية منهيا بذلك وظبفة الحدود الامنية. ولقد اكتملت عملية انهاء وظيفة الدولة الاقليمية الامنية باختراع صواريخ وما تحمله من رؤوس نووية. فهذا الاختراع قضى الى الابد على ما بقي للدولة الاقليميه من قدرة امنية. وبإنهاء مقدرة الدولة الاقليمية الامنية ، هيرز يستنتج ، انتهاء المبرر لوجود سيادتها وبقائها كعائل في السياسة الدولية.

رغم منطقية استنتاج هيرز فإن التحليل التجريبي لا يتفق معه. فالدولة الاقليمية رغم التحديات التي تواجهها ورغم انها لم تعد العامل الوحيد في المجتمع الدولي ، الا انها بقية العامل المهم والرئيسي. فهي لا تزال في وضع يمكنها من الاستجابة للتحديات التي تواجهها بطريقة سوف تضمن لها ليس البقاء فحسب وانما التفوق كعامل في المجتمع الدولي. ان هيرز نفسه ادرك هذه الحقيقة بعد ملاحظات لاحقه. فلقد توصل في بحث مؤخرا الى ان التحديات التي تواجهها الدولة الاقليمية ( القومية ) سواء من الثورة التكنولوجية او من المؤسسات الدولية وعبر الاقليمية لم تكن كافية لإنهاء دورها كعامل في المجتمع الدولي ، بل ان الدولة القومية (( بقيت العامل الرئيسي في العلاقات الدولية )) .
.