أ.د. أحمد محمد وهبان

الأبعاد الاقتصادية لسياسة تركيا تجاه دول الربيع العربي

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريصي 333

اعتمدت التحولاتُ الحاصلة في السياسة الخارجية التركية خلال العقد الماضي على تحقيق الاستقرار الداخلي على الصعيد السياسي والاقتصادي، فصُناع السياسة التركية يرون أن المزاوجة بين التنمية السياسية وتعزيز القدرات الاقتصادية في الداخل منحت تركيا مزايا كثيرة، مكنتها من تطوير وتنفيذ سياسات نشطة ومؤثرة في محيطها الإقليمي، كما في المناطق البعيدة مثل إفريقيا وآسيا.

وترى قيادات حزب العدالة أن الاقتصاد غدا المحرك الرئيسي للسياسة الخارجية، وأن العلاقات الاقتصادية لم تعد تخضع للاعتبارات السياسية، وإنما العكس، وهو ما يجعل السمة البارزة لسياسة تركيا الخارجية خصوصية التصور الاقتصادي؛ حيث قاد زعماء الحزب احتياجَ تركيا لتوسيع أسواقها التصديرية من جانب، وحاجاتها الضخمة من الطاقة من جانب آخر؛ لتقوية أواصر علاقات تركيا مع دول كان لها في الماضي معها علاقات محدودة.

ترتب على ذلك أن ارتفعت حصة التجارة الخارجية بين تركيا ودول الشرق الأوسط من 6 في المائة عام 2002 تمثل زهاء 3.9 مليار دولار، إلى 16 في المائة عام 2010 تمثل زهاء 23.6 مليار دولار. وقد انخفضت حصة الصادرات التي تعتمد على الموارد الطبيعية والمنتجات ذات التكنولوجية المنخفضة من 63 في المائة في عام 2002 إلى 44 في المائة عام 2010. هذا فيما ارتفعت حصة المنتجات متوسطة وعالية التكنولوجيا من 37 في المائة عام 2002 إلى 44 في المائة عام 2010.

التداعيات الاقتصادية للربيع العربي

ومع اندلاع ثورات “الربيع العربي” تخوفت تركيا من أن تتأثر استثماراتها الضخمة في المنطقة بالتغيرات التي تشهدها بعض الدول العربية. وقد اعتبرت أن مشكلات سياسية وأمنية من شأنها أن تفضي إلى مشكلات اقتصادية قد تقلص من حجم الصادرات التركية لدول المنطقة، بما قد يسفر عن زيادة الأعباء المالية التي قد تؤثر سلبًا على معدلات نمو الاقتصاد التركي.

لقد بدا القلق التركي واضحًا، سواء حيال الاستثمارات التركية أم إزاء معدلات التبادل التجاري بين تركيا ودول “الربيع العربي”. فقد كان الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية التركية خلال السنوات العشر الأخيرة تعظيم الصادرات التركية إلى دول الشرق الأوسط، فخلال هذه السنوات استطاعت أنقرة أن تضاعف حجم تجارتها مع هذه الدول زهاء خمسة أضعاف. لذلك فقد انتقد الكثير من رجال الأعمال ممن لديهم استثمارات ضخمة في دول “الربيع العربي” المواقف التركية، معتبرين أن السياسات التركية من شأنها أن تضر بالاستثمارات التركية في المنطقة العربية.

وقد تصاعد القلق التركي حيال اتفاقات التجارة الحرة التي أبرمتها مع عدد من الدول العربية، ومنها الاتفاقية الموقعة مع كل من مصر وليبيا، وكذلك اتفاقية إقامة منطقة مشتركة بين لبنان وسوريا والأردن وتركيا، وهي الاتفاقية التي علقت بعد ذلك بسبب الموقف التركي من أحداث الثورة السورية.

وتخوفت تركيا كذلك من ارتفاع أسعار النفط عالميًّا بسبب أحداث المنطقة الملتهبة، لما لذلك من تأثيرات على ارتفاع معدل العجز في الميزان التجاري، بالنظر لاعتماد تركيا على استيراد أكثر من 90 في المائة من احتياجاتها النفطية من الخارج. وتكشف المقارنة بين حجم الصادرات والواردات التركية عن تضاعف حجم العجز في ميزان التجارة الخارجية من 5.5 مليارات دولار في إبريل 2010 إلى 9 مليارات دولار في إبريل 2011.

هذا في وقت يعاني فيه الاقتصاد التركي من صعوبات بسبب ارتفاع الطفرة الاستهلاكية المدفوعة بالائتمان إلى ذروتها، وتجاوز العجز في الحساب الجاري نسبة 10 في المائة، وهو وضع كان محدِّدا رئيسيا في أن يتوقع صندوق النقد الدولي انخفاض نسبة النمو الاقتصادي إلى 2.2 في المائة خلال عام 2012.

وعلى الرغم من الحذر الذي أبدته تركيا في التعامل مع أحداث المنطقة؛ فإن من الواضح أن مواقفها التي لم تنسجم كليا مع محددات مواقف العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، ساهمت في تعطل توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع دول الخليج، وذلك بسبب طلب الأخيرة توقيع الاتفاقية دون إبداء أي أسباب، وهي اتفاقية كان من المقرر توقيعها في ديسمبر 2011، ومن المرجح توقيعها بنهاية هذا العام بعد تحسن العلاقات بسبب تبني مقاربة واحدة حيال تطورات الأزمة السورية.

كما ساهمت الأحداثُ التي شهدتها دول “الربيع العربي” في تراجع إجمالي صادرات تركيا إليها بنسبة 13 في المائة. ففي حين كان نصيب مصر وسوريا وليبيا وتونس واليمن 6.48 في المائة من إجمالي الصادرات الخارجية التركية في عام 2010؛ تراجعت هذه النسبة إلى 4.74 في المائة نتيجة تداعيات “الربيع العربي”. وقد تراجع إجمالي الصادرات التركية خلال عام 2011 إلى هذه الدول العربية الخمس من 7 مليارات و272.5 مليون إلى 6 مليارات و323 مليون دولار.

التحركات التركية والأهداف الاقتصادية

وقد عكست زيارةُ رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى دول الربيع العربي في سبتمبر 2011، على رأس وفد وزاري عالي المستوى وبرفقة 280 من رجال الأعمال؛ الأهمية الاقتصادية لعلاقات تركيا مع الدول العربية، حيث سعت تركيا للمساهمة في إعادة أعمار دول “الربيع العربي” وإمداد هذه الدول بخدمات الاتصالات، والمشاركة في قطاع التشييد والبناء. كما سعت تركيا إلى مضاعفة الاستثمارات التركية في مصر، بما يوفر فرص عمل أكبر أمام العمالة المصرية التي يوجد منها بالفعل قرابة 50 ألف مصري يعملون في الشركات التركية بمصر.

وفي هذا الإطار تشير التقديرات التركية إلى احتمال تزايد استثمارات تركيا في مصر من 1.5 مليار دولار إلى 5 مليارات خلال العامين المقبلين، وأن تزيد المبادلات التجارية من 3.5 مليارات دولار إلى 5 مليارات دولار قبل نهاية عام 2012، وإلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2015، وهو أمر من شأن تحققه أن يزيد من الروابط السياسية والاقتصادية بين البلدين، وقد يدفع بتحقق نبوءة رئيس الوزراء رجب طيب أوردغان بأن تكون أنقرة مفتاح القاهرة لأوروبا، وأن تكون القاهرة مفتاح أنقرة لإفريقيا.

وقد أبرم رجالُ الأعمال الأتراك خلال زيارتهم لمصر برفقة رئيس الوزراء التركي اتفاقيات تجارية تقدر بزهاء 850 مليون جنيه، كما ازداد إقبال رجال الأعمال الأتراك على الاستثمار في كل من مصر وتونس، باعتبار أنهما الدولتان اللتان شهدتا استقرارا نسبيًّا، بما أدى إلى عودة الارتفاع لقيمة الصادرات التركية إلى مصر بنهاية عام 2011 بنسبة 23 في المائة، وإلى تونس بنسبة 12.3 في المائة مقارنة بعام 2010. هذا في الوقت الذي تراجع فيه حجم الصادرات التركية إلى ليبيا بنسبة 63 في المائة، وإلى اليمن بنسبة 15 في المائة، وإلى سوريا بنسبة 14 في المائة، مقارنة بعام 2010 بسبب الوضع الأمني في هذه الدول.

السياسات التجارية التركية الجديدة

تأثرت المواقف التركية حيال الثورات العربية بمصالح تركيا الاقتصادية في المنطقة التي شهدت تطورات مهمة على صعيد العلاقات الاقتصادية التركية العربية بفعل فاعلية إستراتيجية تركيا الخاصة بعمليات “البحث عن أسوق جديدة” وازدهار سياسات التصدير بديلا عن أية “برامج أيديولوجية”، وذلك فيما أطلق عليه “السياسات التجارية” الجديدة لأنقرة.

وقد انعكس ذلك في مواقف تركيا المتغيرة من ثورات “الربيع العربي”؛ حيث ساندت مبكرا كلا من الثورة المصرية والتونسية، وذلك بسبب انخفاض حجم الاستثمارات التركية في الدولتين مقارنة بليبيا على سبيل المثال. ففي ليبيا وحدها يوجد زهاء 25 ألف مواطن تركي. كما يشكل السوق الليبي السوق الثاني للمتعاقدين الأتراك في الخارج بعد روسيا، ويوجد في ليبيا زهاء 120 شركة تركية.

وقد أفضت الجهود التي بذلتها أنقرة من أجل إعادة تمتين العلاقات مع النظم العربية الجديدة في دول الربيع العربي إلى تطورات اقتصادية إيجابية خلال عام 2012؛ حيث شهدت الأشهر الثلاثة الأولى من العام انتعاشة في الصادرات التركية إلى دول الربيع العربي، بعد فترة من الركود في العلاقات التجارية، حيث سجلت الصادرات التركية إلى البُلدان الثلاثة زيادة بنسبة 84 بالمائة، لترتفع من 899 مليون دولار في العام الماضي إلى 1.6 مليار دولار.

وذكرت وكالةُ الأناضول للأنباء أنه بالمقارنة بين الربعين الأولين من عامي 2011 و2012، ارتفعت قيمة الصادرات التركية إلى ليبيا من 264 إلى 526 مليون دولار، وإلى تونس من 139 إلى 208 مليون دولار، وإلى مصر من 496 إلى 917 مليون دولار.

ومن المتوقع أن تشهد العلاقات الاقتصادية التركية الليبية طفرة كبرى خلال الفترة المقبلة، لا سيما بعد إعلان الحكومة الليبية أنها ستقدم فرصا استثمارية بقيمة 100 مليار دولار للشركات التركية، كما أُعلن عن منح الشركات التركية استثمارات في قطاع التشييد والبناء وصلت قيمتها إلى 15 مليار دولار. وتسعى تركيا في هذا الإطار إلى مضاعفة حجم الصادرات التركية لكل من مصر وليبيا، وذلك بعد تدشين خط “RORO” الملاحي بين ميناءَيْ مرسين التركي والإسكندرية المصري، والذي يعتبره الأتراك أن من شأنه أن يجعل من مدينة الإسكندرية بوابة تركيا للدول العربية وإفريقيا.

مساعدات تركية لدول الربيع العربي

قامت تركيا بالاتفاق مع مصر في سبتمبر 2012 على تقديم تمويل قدره 2 مليار دولار، وذلك بغرض المساعدة في تقوية احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي المصري، وكذلك دعم البنية الأساسية لخطط الاستثمار للحكومة المصرية، والتي سوف تساهم بدورها في تنمية الاقتصاد الكلي وتنمية فرص نمو الاقتصاد المصري. وقد قامت شركات تركية باستثمارات تقدر بمليار ونصف في مصر خلال عام 2012.

كما اتفقت الدولتان على تشكيل لجنة عليا مشتركة برئاسة رئيسي الوزراء في البلدين من أجل تعميق التعاون المشترك في كافة المجالات، وخصوصًا في مجالات التصنيع ونقل الخبرة التركية في مجال السياسة النقدية، ودعم وتذليل فرص الاستثمار والتعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين.

وفيما يتعلق بتونس؛ فقد وقعت تركيا مع الحكومة التونسية في يناير 2012 أربع اتفاقيات تعاون، بينها اتفاقية قرض بقيمة نصف مليار دولار مخصص لإنعاش الاقتصاد التونسي. كما وقعت الدولتان مذكرات تفاهم بشان إقامة منطقة تجارة حرة، وتبادل المنتجات الزراعية. ويُتيح هذا الاتفاق الأخير لتونس رفع حصتها من صادرات التمور المعفاة من الأداء الجمركي إلى تركيا لتبلغ خمسة آلاف طن سنويا. كما ستتولى تركيا تدريب شبان تونسيين في مجال التجارة الخارجية والسياحة.

وقد دشنت تركيا في بدايات عام 2012 “منتدى تركيا وتونس وليبيا”، بهدف دعم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول الثلاث، لا سيما وأن تركيا تهدف إلى إنشاء منطقة تجارة حرة بجنوب تونس وعلى بعد 100 كيلو متر من الأراضي الليبية. وتهدف تركيا كذلك إلى تدشين مشروعات كبرى مع الحكومة الليبية التي تمتلك قرابة 110 مليارات دولار مجمدة في البنوك في جميع أنحاء العالم، كما تبغي تنويع مجالات استثماراتها في ليبيا من خلال المشاركة في مشروعات البنية التحتية، ودعم التعاون في مجالات الطاقة؛ حيث تتجه تركيا للاعتماد بشكل أكبر على استيراد احتياجاتها النفطية من ليبيا.

وفي هذا الإطار؛ تسعى الحكومة التركية إلى إنهاء المشكلات التي تعاني منها الاستثمارات التركية في ليبيا والبالغة زهاء 18 مليار دولار، لا سيما وأن هناك مستحقات للعديد من الشركات التركية لدى الحكومة الليبية تقدر بزها 1.4 مليار دولار، ولم تحصل عليها بسبب الاضطرابات الأمنية والوضع السياسي في البلاد منذ اندلاع الثورة الليبية. كما تسعى تركيا أيضا إلى ضمان ودائع شركاتها في البنوك الليبية والتي تقدر بحوالي 100 مليون دولار. كما تهدف لضمان التعويضات المناسبة للشركات التركية التي تعرضت لخسائر وأعمال نهب بسبب الفوضى الأمنية التي تعاني منها البلاد.

هذه المؤشرات في مجملها توضح أن العقلية الاقتصادية كانت حاكمة في تحركات التركية حيال دول الربيع العربي، فعلى الرغم من أن الخسائر التركية على الصعيد الاقتصادي بدت ضخمة مع اندلاع الثورات العربية؛ إلا أن قدرة تركيا على التواصل مع النخب الجديدة الصاعدة عبر صناديق الانتخابات منحها شرعية المطالبة بالمشاركة في مشروعات تجارية واقتصادية كبرى في هذه الدول التي لم تكتف بدعم علاقاتها التجارية والاقتصادية مع تركيا، وإنما أرسلت وفودا رسمية وغير رسمية من أجل الاستفادة من الخبرات الاقتصادية والتجارية التركية.

منقول : المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة

تداعيات أزمة التجسس الأمريكي على الدول الأوروبية

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريصي 333

تشهد العلاقات الأمريكية- الأوروبية حاليا حالة من التوتر بعد ما نشر من معلومات حول قيام وكالة الأمن القومي الأمريكية بالتجسس على نحو 35 من القادة على مستوى العالم، وأكثر من 60 مليون مكالمة هاتفية في دول مختلفة، من بينها دول أوروبية، إذ صرح القادة الأوروبيون بأن في ذلك ما يخل باعتبارات الثقة التي يجب أن توجد ما بين الحلفاء.

وتثير هذه الأزمة عددا من التساؤلات حول قضية التجسس ما بين الحلفاء بشكل عام، وإلى أي مدى يمكن للدول تقبلها، ومستقبل العلاقات الأمريكية- الأوروبية، ومآلات التعاون فيما بينهما في الجوانب الاستخباراتية كجزء من جهود مكافحة الإرهاب. فعلى الرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها توجيه أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة للقيام بأعمال استخباراتية ضد حلفائها في أوروبا، فإن هذه الحالة بها من الملابسات ما يضفي عليها قدرا من الخصوصية، مقارنة بسابقاتها.

تداعيات الأزمة وردود الأفعال الأوروبية:

لقد أثار ما نشر من تقارير عن عمليات التجسس التي قامت بها وكالة الأمن القومي الأمريكية ردود أفعال غاضبة من عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، وذلك إثر المعلومات التي أكدت أن رئيسة الوزراء، أنجيلا ميركل، كانت هدفا لعمليات التجسس منذ عام 2002 وحتى عام 2010، وأن المكالمات الهاتفية التي أجرتها من هاتفها تم تسجيلها طوال هذه المدة.

ولقد دفع ذلك عددا من الدول الأوروبية، إلى جانب ألمانيا، من بينها فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، والتي ذكرت التقارير أنها تعرضت أيضا للتجسس الأمريكي، باستدعاء سفراء الولايات المتحدة، وإظهار غضبها مما حدث، وتأكيدها أنه سيؤثر حتما فى آفاق التعاون المستقبلي مع الإدارة الأمريكية. كما أعلنت ألمانيا وفرنسا عن اعتزامهما التفاوض مع الولايات المتحدة لإبرام اتفاقيات تحظر على أطرافها إجراء أي عملية تجسس ضد بعضها بعضا.

وإلى جانب ردود الأفعال الفردية من قبل بعض الدول الأوربية، ظهرت تداعيات الأزمة على المستوى المؤسسي، سواء من خلال الاتحاد الأوروبي، أو الأمم المتحدة. فلقد دعت ألمانيا والبرازيل، بمساندة مجموعة من الدول الأوروبية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى ضرورة تبني المنظمة لقرار يحمي خصوصية الدول، ويقف حائلا أمام عمليات التجسس المماثلة. ويعد ذلك أول تحرك دولي لحماية الدول من عمليات التجسس التي تدعمها دول أخرى، وتقيد البرامج الاستخباراتية لوكالة الأمن القومي الأمريكية.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، تعالت الأصوات الداعية لاتخاذ تدابير عقابية ضد الولايات المتحدة، إذ يناقش البرلمان الأوروبي حاليا اقتراحا قدمته بعض الدول، وفي مقدمتها ألمانيا، بوقف المشاورات الخاصة باتفاقية التجارة الحرة ما بين أوروبا والولايات المتحدة، والتي بدأت المفاوضات عليها في فبراير الماضي، وكان من شأنها أن تحقق مكاسب اقتصادية هائلة لكلا الطرفين. وعلى الرغم من أن قرار تعليق المفاوضات لم يصدر بعد، فإن عددا من القادة الأوربيين قد أكدوا صعوبة استكمال المشاورات مع الإدارة الأمريكية بعد كشف عمليات التجسس هذه، والتي رأوا أنها قللت من مصداقية الولايات المتحدة كحليف للدول الأوروبية.

يضاف إلى ذلك دعوة البرلمان الأوربي لضرورة تعليق العمل بالاتفاقية المشتركة ما بين الولايات المتحدة وأوروبا والمعروفة ببرنامج تتبع تمويل الإرهاب Terrorist Finance Tracking Program والذي يعد إحدى أبرز صور التعاون الاستخباراتي ما بين الطرفين. بدأ العمل بهذا البرنامج بعد أحداث 11 سبتمبر في ظل إدارة جورج بوش كجزء من التعاون الأوروبي مع الولايات المتحدة للحرب على الإرهاب. بمقتضى هذا البرنامج، سمح للولايات المتحدة تتبع عدد كبير من التحويلات البنكية من خلال الدول الأوروبية. ولقد ظل هذا البرنامج في طي السرية حتى كشف عنه عدد من الجرائد، من بينها النيويورك تايمز، والواشنطن بوست في عام 2006، وهو ما دفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتحويله إلى اتفاقية معلنة تقوم على أسس قانونية.

ضبابية الموقف الأمريكي:

ردا على الغضب الأوروبي، أعلن البيت الأبيض عدم علمه بعمليات التجسس هذه أو بمراقبة الهاتف الخاص بميركل على وجه التحديد، وأنه كان ليوقفها إذا ما علم بها من قبل. في حين جاءت تصريحات بعض مسئولي الوكالة تؤكد علم الإدارة بمعظم البرامج الاستخباراتية التي تقوم بها. فلقد وضعت هذه الأزمة الإدارة الأمريكية في مأزق. فإذا ما أعلن أوباما عن علمه بهذه البرامج، فهو بذلك سيعمق من الخلاف مع الدول الأوروبية.

ومن جهة أخرى، أثار تصريح أوباما بأنه لم يكن على علم بهذه العمليات شكوكا حول مدى كفاءته في إدارة مؤسسات الدولة والرقابة عليها، وعن مدى استقلالية وكالة الأمن القومي وبرامجها. إذ ترتب على ما نشر من معلومات أن نُظم عدد كبير من المظاهرات في عدة ولايات أمريكية تندد بقيام الوكالة بالتجسس على المواطنين، وبفشل أوباما في السيطرة على عملها.

وعلى الرغم من تصريح بعض المسئولين التابعين للإدارة الأمريكية بأن هذه البرامج الاستخباراتية تتم بشكل روتيني، ولا يتم إعلام الرئيس بها بالضرورة، فإن ما نشر من تقارير قد يشكك في مصداقية هذه التصريحات. إذ توضح التقارير المنشورة أن عمليات التجسس بدأت في عهد بوش، وهو ما يعني أن أوباما من المفترض أن يكون قد علم بها عند توليه منصب الرئاسة. يضاف إلى ذلك أن التجسس على الهاتف الخاص بميركل قد تم تكثيفه، وفقا لما نشر من معلومات في عام 2010، أي في وقت الأزمة المالية في منطقة اليورو، والتي لعبت فيها ألمانيا الدور الأبرز، وهو الأمر الذي يشكك في مدى “روتينية” هذه العمليات، وأن هناك دوافع سياسية كامنة وراءها ترتبط بالضرورة بالإدارة الأمريكية، وبوزارة الخارجية، أي أن علمها بها أمر محتمل، حتى وإن صرح أوباما بغير ذلك.

وفي تحد لما نشر من معلومات، فقد جاء في خطاب رئيس وكالة الأمن القومي، الجنرال كيث ألكسندر، أمام الكونجرس، أن ما نشر عن تنصت الولايات المتحدة على ملايين المكالمات الهاتفية لمواطنين في إسبانيا وفرنسا غير صحيح، وأن هذه المعلومات قد جمعتها الأجهزة الاستخباراتية للدول الأوروبية ذاتها، وهي التى قامت بتسليمها للولايات المتحدة، وهو بالتالي لا يرى ما يتعارض مع مشروعية حصول الولايات المتحدة على هذه المعلومات. جاء هذا الخطاب في ظل مناقشة الكونجرس لاقتراحات تقضي بزيادة الرقابة على عمل الوكالة، والحد مما تقوم به من برامج تجسسية يتم من خلالها جمع معلومات عن المواطنين.

خصوصية الأزمة الحالية:

ليست هذه المرة الأولى التي تثار فيها قضية التجسس ما بين الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الأوروبية. فدائما ما كانت هناك مخاوف لدى أوروبا من قيام الولايات المتحدة بالتجسس لأهداف سياسية واقتصادية، مستغلة في ذلك الجهود الاستخباراتية المشتركة فيما بينهما.

فعلى سبيل المثال، أصدر البرلمان الأوروبي سنة 2000 تقريرا يتهم فيه الولايات المتحدة بمراقبة المكالمات، والفاكسات، والبريد الإلكتروني لشركات أوروبية من خلال برنامج تجسس يسمى “إيشلون”. يعود هذا البرنامج إلى الحرب الباردة، وبمقتضاه تعاونت الأجهزة الاستخباراتية لكل من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وكندا، واستراليا، ونيوزيلندا في مراقبة شبكات الاتصال حول العالم بهدف التجسس على المعسكر الشرقي. وردا على الاتهامات الأوروبية، أعلنت الولايات المتحدة إنهاء العمل بالبرنامج تماما في سبتمبر 2002.

وفي 2010 أيضا، نشرت بعض المعلومات التي أثارت بدورها مخاوف الدول الأوروبية من استخدام الولايات المتحدة لبرنامج متابعة تمويل الإرهاب كغطاء للتجسس على الدول الأوروبية لأهداف اقتصادية، وأنها تقوم بنقل المعلومات الاقتصادية التي تحصل عليها من خلال التعاون في إطار هذا البرنامج لشركات أمريكية.
وكذلك في مايو 2012، في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، اتهمت فرنسا الولايات المتحدة بشن هجوم إلكتروني على الفريق الانتخابي الخاص برئيس الجمهورية ساركوزي، تم من خلاله الاطلاع على الخطط الاستراتيجية الخاصة بالحملة، وهو ما نفته الولايات المتحدة.

يتضح من ذلك أن الاتهامات للولايات المتحدة بالتجسس على حلفائها في أوروبا ليست بجديدة، ولكن ثمة مجموعة من العوامل أضفت على اتهامات التجسس هذه المرة قدرا من الخصوصية أدت إلى تحولها لأزمة حقيقية تهدد العلاقات الأمريكية- الأوروبية. وتتمثل هذه العوامل في الآتي:

أولا- طريقة الحصول على المعلومات: معظم ما نشر من معلومات حول عمليات التجسس الأمريكية تم الحصول عليه من خلال إدوارد سنودن، الذي عمل سابقا مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ووكالة الأمن القومي، وقام بنشر معلومات سرية خاصة بعمل الوكالة. ويتمتع سنودن حاليا بحق اللجوء السياسي في روسيا، بعد أن وجهت له الولايات المتحدة الأمريكية اتهامات بسرقة معلومات ووثائق حكومية.

فعلى عكس الحالات السابقة التي لم يكن فيها أي دليل قاطع يدعم الاتهامات الأوروبية للولايات المتحدة، قدم سنودن هذا الدليل، والذي لم يدع مجالا للشك في قيام وكالة الأمن القومي بعمليات التجسس المعلن عنها. ولأن هذه المعلومات صادرة عن مسئول من داخل المؤسسة، ووجهت له اتهامات بسرقة معلومات سرية، فلم يكن من الممكن أن تنكر الإدارة الأمريكية هذه العمليات، كما كانت تنكر من قبل، وإنما اكتفت فقط بإنكار العلم بها.

يضاف إلى ذلك أن مصداقية المعلومات هذه المرة قد مثلت عنصر ضغط على زعماء أوروبا لاتخاذ مواقف حاسمة تجاه الولايات المتحدة. إذ يرى بعض الخبراء أن ردود الفعل الأوروبية مفتعلة، وأن الدول كافة على علم بإجراء مثل هذه العمليات حتى بين الحلفاء. ولكن بعد أن نشرت معلومات مؤكدة حول قيام الولايات المتحدة بالتجسس على مواطنين أوروبيين، وانتهاك خصوصياتهم، وفي ظل ما تتعرض له الدول الأوروبية من ضغوط داخلية، لم يكن من المتصور ألا يتخذ قادتها المواقف الحالية من انتقاد لما حدث، واتخاذ إجراءات حاسمة تجاهه.

ثانيا- طبيعة ونطاق هذه العمليات: فلقد اتسمت عمليات التجسس هذه المرة باتساع نطاقها، حيث شملت التجسس على ملايين المكالمات الهاتفية للمواطنين في عدد كبير من الدول. وما يزيد من خصوصية الأزمة هو طبيعة عمليات التجسس التي لم تقتصر فقط على مواطنين، وإنما أيضا شملت القادة الأوربيين. فلم يسبق أن تم نشر معلومات عن تنصت الولايات المتحدة على هاتف أحد قيادات الدول الحليفة لها أو العكس، وهو ما أثار غضب ميركل والساسة، والمواطنين الألمان.

وتبقى هذه الأزمة كاشفة ليس فقط عن طبيعة البرامج الاستخباراتية للولايات المتحدة، وإنما أيضا عن اتساع نطاق هذه البرامج لتشمل ملايين المواطنين حول العالم. فردود الفعل الغاضبة على ما نشر من وثائق لم تقتصر فقط على الزعماء الذين تعرضوا للتجسس، وإنما أيضا على المواطنين في العديد من الدول، ومن بينها الولايات المتحدة، ضد ما رأوه تعديا على خصوصيتهم من قبل الحكومات تحت دعاوى “الحرب على الإرهاب”.

المخاوف العربية من الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريصي 333

حينما انُتخب حسن روحاني رئيسًا للجمهورية الإيرانية في يونيو الماضي اعتقد البعض أن العلاقات الإيرانية الغربية يمكن أن تدخل مرحلة جديدة تتجاوز حالة العداء التي ظلت مسيطرة على العلاقة بينهما طيلة عقود، ووجدنا في هذا السياق مؤشرات تدلل على إمكانية تحقق مثل هذا الأمر، وتجلت في ملمحين رئيسيين؛ أولهما الاتصال الهاتفي الذي تم بين روحاني والرئيس الأمريكي أوباما، خلال شهر سبتمبر الماضي، أما الملمح الثاني، فيتمثل في الاتفاق الذي توصلت إليه إيران مع الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن وألمانيا بشأن برنامجها النووي يوم 24 نوفمبر الجاري ليعتبره العديدون انفراجة في العلاقات الإيرانية مع العالم الغربي، وخاصة مع الولايات المتحدة.

بيد أن من الصعوبة بمكان تناول هذا الاتفاق في إطاره الضيق كاتفاق حول رغبات إيران النووية، فالمعضلة الحقيقية أن إيران عادة ما كانت تربط ملفها النووي بملفات أخرى بالمنطقة عبر ما أطلقت عليه “الصفقة الشاملة” لتثير هواجس العديد من الدول العربية التي تدرك أن مثل هذا الاتفاق يمكن أن يحمل في طيه عدة تحولات في المنطقة بصورة قد تؤثر على مصالحها ومساحات النفوذ المتاحة لها.

اتفاق جنيف والمواقف العربية

انتهى الاجتماع المنعقد بجنيف بين مجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن وألمانيا) وإيران إلى التوصل لاتفاق أولي لمدة ستة أشهر، ويتضمن الاتفاق عددًا من الالتزامات على إيران، أهمها وقف تخصيب اليورانيوم إلى نسبة أعلى من 5 % لمدة ستة أشهر، والتخلص من نصف كمية اليورانيوم المخصبة إلى نسبة 20 %، والسماح بشكل كامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش في منشآت إيران النووية، ويرتب الاتفاق في مقابل هذه الالتزامات بعض الحوافز لطهران؛ حيث يلتزم المجتمع الدولي بتخفيف العقوبات المفروضة عليها، وتعليق العمل بعقوبات محددة مثل العقوبات على التعامل في الذهب، والمعادن، وقطاع السيارات، وصادرات البتروكيماويات.

وبعيدًا عما انطوت عليه بنود هذا الاتفاق، فقد تراوحت المواقف العربية بين الترحيب به، ومحاولة استغلاله، والتعامل بحذر مع معطياته، لا سيما مع ما يمكن أن يفضي إليه هذا الاتفاق من تغييرات في منطقة الشرق الأوسط، وبوجه عام تنطوي المواقف العربية على دلالات جوهرية:

أولا: تتعامل الدول العربية مع مثل هذه الاتفاقيات بمنطق ما هو مستتر وليس ما هو معلن في بنود الاتفاق، ومن هذا المنطلق فإن اتفاق جنيف قد يكون بمثابة تحول في علاقة إيران بالغرب، يعطي لإيران ما كانت تصبو إليه من اعتراف أمريكي وأوروبي بدورها في المنطقة، وهو ما يمنح طهران مساحة أكبر للتمدد، بحيث ستمثل في نهاية المطاف خصمًا من نفوذ قوى عربية أخرى، ولا يمكن إغفال أن هذا الأمر يثير هواجس لدى بعض الدول العربية في مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي، فالدول الخليجية -لا سيما المملكة السعودية – كانت تطمح خلال السنوات الماضية إلى الإبقاء على حالة العداء القائمة بين الغرب وإيران، ومن ثمَّ استقر الموقف الخليجي على أن أي مؤشرات للتقارب الغربي مع إيران ستعد مأزقًا للدول الخليجية.

ثانيًا: بدت مواقف الدول العربية، وخاصة الدول الخليجية ) التي ليست على وفاق مع إيران)، من اتفاق جنيف مشوبة بالكثير من الحذر، ويعد الموقف السعودي الأكثر وضوحًا في هذا الصدد، فقد رأت الرياض أن “الاتفاق النووي بين القوى الدولية وإيران يمكن أن يشكل خطوة باتجاه حل شامل إذا صدقت النوايا”، وهكذا يبدو أن ثمة ارتباطًا بين الموقف السعودي والسوابق التاريخية مع إيران وميراث عدم الثقة بين الطرفين، فالمملكة السعودية تصنف إيران كتهديد خارجي لها، فضلا عن كونها تهديدًا داخليًّا من خلال الشيعة المتواجدين داخل شرق المملكة.

ثالثًا: سعي النظام السوري المتحالف مع إيران إلى التعاطي مع اتفاق جنيف من منظور براجماتي، واستغلاله في الصراع الدائر داخل سوريا، فقد نقلت الوكالة العربية السورية للأنباء عن مصدر بوزارة الخارجية تصريحه: ” تعتقد سوريا أن التوصل إلى هذا الاتفاق دليل على أن الحلول السياسية لأزمات المنطقة هي الطريق الأنجح لضمان الأمن والاستقرار فيها، بعيدًا عن التدخل الخارجي، والتهديد باستخدام القوة”، فنظام الأسد يرى في مثل هذا الاتفاق تعبيرًا عن توصل الغرب إلى قناعة بأن استخدام القوة العسكرية لم يعد مجديًا في التعامل مع الملف السوري، وخصوصًا مع اقتراب موعد مؤتمر جنيف 2 حول سوريا المقرر انعقاده في شهر يناير القادم، يضاف إلى ذلك فإن الاتفاق سيخفف الضغوط على طهران، وهو ما سينعكس إيجابيًّا بصورة أو بأخرى على نظام الأسد.

تداعيات محتملة

ثمة تكاليف باهظة لاتفاق جنيف ستدفعها منطقة الشرق الأوسط في صورة المزيد من الأزمات، وتوسيع دوائر الصراع بالمنطقة، ويبدو أن هذه الفرضية قادرة على إعطاء تفسير ولو جزئي للتخوفات المنتشرة في الوقت الراهن بالمنطقة من هذا الاتفاق، فكثيرًا ما كانت إيران تشكل طرفًا في صراعات عدة، وهي دولة لها طموحات تتجاوز حدودها، وتمتلك مقومات نفوذ وتأثير عديدة، وقد يدفع الاتفاق النووي نحو تعزيز الطموحات الإيرانية بصورة تنعكس على ترتيبات الأوضاع بالإقليم في المجمل، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى بعض التداعيات المحتملة لاتفاق جنيف:

-تراجع أولوية الحلول العسكرية : ظل الخيار العسكري أحد الخيارات الأساسية المطروحة في الصراعات القائمة بالمنطقة، وقد حاولت بعض الدول بالمنطقة استدعاء هذا الخيار في التعامل مع الملف الإيراني، ومن ثمّ فإن اتفاق جنيف بين القوى الدولية وإيران يعني تراجع احتمالية اللجوء للحل العسكري، ولو بشكل مؤقت (على أقل تقدير لمدة ستة أشهر) ضد إيران وحتى إسرائيل، فمن المستبعد أن تُقدم على القيام بهذا الأمر بصورة منفردة.

وتنطوي فرضية تراجع أولوية الحلول العسكرية على جانبين، أحدهما إيجابي للدول العربية (وبصورة أدق دول الخليج)، والآخر سلبي. الجانب الإيجابي يفترض أن تراجع احتمالية التعامل العسكري ضد إيران سيؤدي إلى تجنيب دول الخليج حربًا إقليمية تمتد إلى حدودها بصورة حتمية، ففي الوقت الذي كانت ستتعرض فيه إيران لضربة عسكرية لم يكن من المستبعد أن توجه ضربات انتقامية لأهداف وحلفاء للغرب بالخليج.

ويتضح الجانب السلبي (بالنسبة لتقديرات بعض الأطراف العربية) من الفرضية مع الانتقال من خصوصية الحالة الإيرانية إلى محاولة تعميم نموذج استبعاد الحلول العسكرية في معالجة كافة أزمات المنطقة لا سيما الصراع الدائر حاليًّا في سوريا؛ إذ إن الدول العربية الداعمة للمعارضة السورية ترغب في تدخل عسكري يرجح كافة المعارضة، ويسقط نظام الأسد، وبالتالي فهي تدرك أن اتفاق جنيف وما سبقه من اتفاق حول السلاح الكيماوي السوري سيعمم لنموذج الحلول السياسية التي تعني مكاسب إيرانية على حساب تلك الدول.

-تأزم الأوضاع في سوريا: تخوض بعض الدول العربية (مثل المملكة السعودية ودول خليجية أخرى) وإيران حربًا بالوكالة داخل سوريا، فكل طرف يدعم أحد أطراف الصراع، وقد يؤدي اتفاق جنيف نحو تأزم الأوضاع السورية بصورة أكبر، وهذا السيناريو مرتهن بفرضيتين:

1) أن تتعامل إيران مع اتفاق جنيف على أنه تعبير عن ضعف الولايات المتحدة (ومعها الدول الغربية) وعجزها عن تسوية الملف الإيراني بصورة تحقق لها المصالح الأمريكية دون تقديم أي تنازلات، وانطلاقًا من هذه الرؤية تسعى طهران إلى تحقيق المزيد من المكاسب في القضايا التي تحتل أولوية لديها، فتندفع نحو دعم نظام الأسد بشكل غير مسبوق، وتوطد تواجدها في ركائز مختلفة بالمنطقة.

2) تعاطي الدول العربية الداعمة للمعارضة السورية مع اتفاق جنيف من حيث كونه اعترافًا غربيًّا بالنفوذ الإيراني، فهناك هاجس لدى بعض الدول هو أن ما حدث في جنيف كان بمثابة صفقة بين الولايات المتحدة وحلفائها وإيران تعترف عبرها واشنطن بالمصالح الإيرانية دون أن تأخذ في اعتبارها مخاوف دول عربية أخرى في مقدمتها الدول الخليجية، وهذا التقدير الأولي من تلك الدول للموقف سيجعلها تبحث عن مصالحها منفردة، وتحاول تأكيد نفوذها وتواجدها في الساحة السورية من خلال تسريع وتيرة الدعم والتسليح للمعارضة السورية لعلها تتمكن من تحقيق تقدم في معاركها مع النظام المدعوم من إيران على أقل تقدير خلال الفترة المتبقية على انعقاد مؤتمر جنيف الثاني.

– تصاعد معدلات العنف الطائفي، مرت المنطقة خلال السنوات الماضية بالعديد من الأزمات ارتبطت بتزايد معدلات العنف الطائفي، بدءًا بالخليج، والصراع المستمر بين السنة والشيعة داخل العراق، مرورًا بمصر، وتنامي العداء السني الشيعي، وانتهاء بالأوضاع الملتهبة في لبنان من جراء تدخل حزب الله في سوريا، ودعمه لنظام الأسد، ولا يمكن إغفال ارتباط تفجير السفارة الإيرانية في بيروت مؤخرًا بتلك الأحداث.

ففي هذا السياق قد تستغل بعض الجهات اتفاق جنيف والتوافق بين الغرب وإيران وتضعه في إطار المؤامرة على العالم العربي السني، وهكذا تُستدعى مجددًا مفردات الصراع الطائفي التي ظلت سائدة في المنطقة منذ حرب العراق 2003، ناهيك عن أن أوضاع المنطقة متضافرة تعضد من هذه الاحتمالية، فالعراق لا يزال يعاني من جراح العنف الطائفي المستمر منذ الغزو الأمريكي له، وبمرور الوقت تم الاستعاضة عن فكرة العدو الأمريكي لتحل محلها فكرة الحرب المقدسة بين السنة والشيعة، يضاف إلى ذلك فإن الصراع السوري لم يعد مجرد مطالب مجتمعية بالحرية والعدالة والديمقراطية، ولكنه أمسى في جانب كبير منه صراعًا ذا صبغة طائفية تمترس فيه كل طرف خلف غطاء طائفي حتى أن بعض الأطراف الخارجية التي شاركت في الصراع (بدعم أحد طرفي الصراع المباشرين) دخلت الصراع بفكر ورؤية طائفية.

وبوجه عام ستصبح المشكلة أكثر عمقًا إذا كانت الولايات المتحدة تطمح من وراء هذا الاتفاق إلى البحث عند إيران عن تسوية للأزمات المستحكمة والقضايا العالقة في المنطقة وخاصة أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان، فهي بهذا الأمر ستضفي على المنطقة المزيد من عوامل التعقيد، لا سيما أن الدول العربية ترى أن الولايات المتحدة تتخذ هذه الخطوات دون الالتفات للرغبات العربية.

– تزايد الطموح النووي بالمنطقة، يُرجح أن يفضي اتفاق جنيف إلى تعاظم الطموح النووي السلمي لدى الدول العربية، وهو الاحتمال الأقرب في الحالة الإماراتية والسعودية، إذ إن الإمارات اتخذت خطوات في هذا الصدد منذ سنوات، ووقعت اتفاقيات تعاون مع بعض الدول (على سبيل المثال فرنسا والولايات المتحدة) في مجالات الاستخدام السلمي للطاقة النووية، كما أن المملكة السعودية تخطط لافتتاح أول مفاعل نووي للطاقة السلمية في عام 2020، وقد تنضم مصر لهذه المنظومة، فهي تمتلك مخططًا لإنشاء أول محطة نووية لتوليد الكهرباء بمنطقة الضبعة.

وعطفًا على ما سبق يُحتمل أن تتسارع وتيرة البرامج النووية السلمية بالمنطقة لتشكل نوعًا من الرد على اتفاق جنيف، أما فيما يتعلق بانتشار السلاح النووي فهي قضية تعترضها إشكالية جوهرية تتمثل في السلاح النووي الإسرائيلي، فمن المستبعد أن تتخلى إسرائيل عن سلاحها النووي، وهو ما سيجعل المنطقة عرضة لمخاطر مستقبلية، خاصة أن اتفاق جنيف ليس نهاية المطاف فهو اتفاق مؤقت يمكن أن يعود بالمنطقة إلى نقطة الصفر، وقد يكون اجتماع جنيف القادم حول سوريا الاختبار الحقيقي الأول للتقارب الإيراني الغربي.

* السياسة الدوليه *

ماذا تريد طهران من مصر

كاتب الموضوع الأصلي: سعود القريني 333

موسم الهجرة إلى طهران!

ما أن نجحت ثورة الخامس والعشرين من يناير في الإطاحة بنظام حسني مبارك حتى سارعت إيران إلى وصف هذه الثورة الشعبية بأنها امتداد للثورة الإيرانية التي حدثت قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن. منذ ذلك الوقت، ما انفكت إيران تتقرب إلى مصر بشكل ملفت للأنظار. هذا التقرب (ولا أقول تقاربا لأنه من الجانب الإيراني فقط) أخذ طرق مختلفة ووسائل متباينة تصب في وعاء واحد. فقد تحدث من يتربع على رأس الهرم السياسي في إيران، المرشد الأعلى في إيران على خامنئي إلى الشعب المصري وباللغة العربية من منبر صلاة الجمعة في طهران مشددا على أن ما يحدث في العالم العربي عموما ومصر تحديدا هو صحوة إسلامية مستلهمة من الثورة الإسلامية في إيران بقيادة سلفه روح الله الخميني. كما أعربت إيران عن استعدادها في دعم الاقتصاد المصري من خلال بيع بعض السلع بأسعار مخفضة أو تسيير أفواج من السياح الإيرانيين إلى هناك.
انتقلت المرحلة الإعلامية والنظرية هذه إلى مرحلة أهم وأخطر ألا وهي تطبيق ذلك من خلال استقطاب إيران لشخصيات إعلامية مصرية وتنظيم رحلات لهم إلى إيران بميزانيات شبه مفتوحة واستقبال وصفه الكثيرون ممن شاركوا في تلك الرحلات بالأسطوري وإقامة في فنادق خمسة نجوم. كما رُتب لهذه الوفود لقاءات مع شخصيات إيرانية مهمة مثل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، علي لاريجاني، رئيس البرلمان الإيراني، وعلي أكبر ولايتي، وزير خارجية إيران الأسبق و المستشار السياسي للمرشد الأعلى وآخرين.
بعد قطيعة دامت أكثر من ثلاثة عقود، شهد شهر يونيو من عام 2011 انطلاقة هذه الوفود، حيث توجه وفد مصري أطلق على نفسه اسم وفد “الدبلوماسية الشعبية” إلى طهران وضم حوالي 45 فردا من الشخصيات العامة والثقافية وبعض رجالات الأزهر، بينهم المستشار محمود الخضيري نائب رئيس محكمة النقض الأسبق، والدكتور جمال زهران عضو مجلس الشعب الأسبق، والفنان عبد العزيز مخيون، والدكتور إبراهيم الزعفراني أمين لجنة الإغاثة باتحاد الأطباء العرب ومؤسس حزب النهضة، وزوجته الدكتورة جيهان الحلفاوي مرشحة جماعة الإخوان في انتخابات مجلس الشعب 2005، والشيخ جمال قطب، وعصام سلطان القيادي بحزب الوسط، والإعلامي وائل الإبراشي.
قامت السلطات الإيرانية بتنظيم استقبال حاشد لهذا الوفد فما أن هبطت الطائرة التي تقلهم في مطار الخميني الدولي جنوب العاصمة طهران حتى لاحظ الوفد حشودا يقدر عددها وفقا لتقارير إعلامية بـ 400 شخصاً من بينهم مسؤولين في الحكومة الإيرانية بالإضافة إلى العديد من القنوات التلفزيونية والصحف الإيرانية.
خلال هذه الزيارة تم ترتيب لقاء بين أعضاء الوفد و الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد. وفي كلمة ألقاها بهذه المناسبة أعرب أحمدي نجاد عن أمله في استئناف العلاقات مع القاهرة وشدد على المكاسب التي ستحققها الدولتان من التعاون المشترك بينهما، وأن ذلك سيؤدى إلى بلورة قوة عظمى تجبر أعداءها على الهروب من المنطقة على حد تعبيره، كما أعرب في الوقت ذاته عن استعداده قبول، وعلى الفور، أي دعوة توجه له لزيارة مصر.
هذا التلهف لزيارة مصر أثار استغراب بعض أعضاء الوفد المصري حيث نقل موقع “تابناك” الإيراني عن أحد الصحفيين المصريين المشاركين في الوفد قوله: “شعرت أن أحمدي نجاد مصري أكثر من المصريين أنفسهم” مضيفاً بأنه سيكتب تقريرا حول الزيارة وسيكون تحت عنوان “أحمدي نجاد: مصري في شوارع طهران” طبقا لما ذكر الموقع الإيراني.
على الرغم من هذه الاستقبال الأسطوري ولباقة نجاد في خطابه إلى الوفد المصري، إلا أن اللقاء لم يخل من مواقف سلبية مسحت الكثير من الانطباع الإيجابي الذي تم رسمه حتى تلك اللحظة. ففي اللقاء ذاته ألقى رئيس الإذاعة والتلفزيون عزت الله ضرغامي كلمة أثارت غضب بعض أعضاء الوفد وشعروا بنوع من الإهانة حيث قال ضرغامي موجهاً حديثه للوفد المصري: “إن الغرب يريد شراء ثورتكم بـ40 مليون دولار ونحن سندفع أكثر فهل ستقبلون ببيعها؟ لكن الصحفية المصرية نشوى الحوفي مراسلة، جريدة المصري اليوم ردت عليه بالقول: “لن نبيع ثورتنا لا لأمريكا ولا أوروبا ولا إيران واطلب منك أن تسحب كلامك هذا”.
إهانة أخرى تعرض لها الوفد المصري من المسؤول الإيراني ذاته هي أن ضرغامي بدأ يشرح الدستور الأساسي الإيراني وكيفية تشكيل الحكومة فقاطعه أحد أعضاء الوفد المصري قائلا إن “المصريين أول من كتب القانون ولدينا حضارة قديمة ونعرف كيف نشكل حكومة ولسنا بحاجة إلى تعليماتكم”.
لوبي إيراني!

في الصدد، تحدثت وسائل إعلامية مصرية عن خلافات نشبت بين أعضاء الوفد المصري وندم بعضهم على مرافقه هذا الوفد. فقد أعرب أحد أعضاء الوفد عن ندمه على السفر إلى إيران، وقال حسب ما نشر في صحيفة المصري اليوم: “اكتشفنا أن إيران تريد أن تدخل مصر في حرب، بمنحها تأييدا سياسيا لحزب الله في لبنان وتسهيل دخول عناصر مسلحة إلى سيناء لاقتحام الحدود وشن حرب تبدأ بحرب عصابات تتحول إلى حرب منظمة، بعد ضمان دخول القوات المسلحة المصرية كطرف بها في مراحل لاحقه”.
وأضاف هذا الشخص الذي لم يكشف عن هويته “أنه كان يدعم رحلة الوفد الشعبي لإيران من أجل تحسين العلاقات بين البلدين، وعندما وجد تصادما مع توجهات إيران بإصرارها على دعم التوسع الشيعي في مصر، وجرجرة مصر إلى حرب غير محمودة العواقب حاليا، رغب في الانسحاب من الوفد، والعودة للبلاد” وفقا لما ذكرته الصحيفة.
من جانب آخر، كان من المقرر أن يقوم وفد من المشايخ المصريين بزيارة إلى إيران بعد عودة الوفد الأول مباشرة ولكن وزير الأوقاف المصري محمد عبد الفضيل القوصى، وقبل ساعات من مغادرة الوفد لمطار القاهرة، أمر بإلغاء هذه الزيارة حيث قام مسؤول أمني بإبلاغهم بذلك من دون أن يقدم مزيدا من التوضيحات.
هذه الردود القوية، وربما غير المتوقعة بالنسبة للجانب الإيراني، جعلت طهران تغير من استراتيجيتها في التعامل مع الوفود المصرية اللاحقة وكذلك ربما غيرت من طريقة اختيارها لكل عضو من أعضاء الوفود. فمنذ ذلك الوقت دأبت إيران على تنظيم زيارات وفود مصرية تجاوز عددها السبعة و إحاطتها وما يناقش فيها بكثير من الكتمان والحذر الشديدين وكان الغالب الاكتفاء بوصف هذه الوفود على أنها إعلامية، نسائية، دينية، فنية فقط من دون أن يكون هناك تغطية إعلامية لتفاصيل تلك الزيارات أو حتى معلومات عن المشاركين في معظمها.
لاشك في أن إيران تسعى من وراء تلك الزيارات التي نظمتها ولازالت إلى تشكيل لوبي إيراني في مصر ما بعد الثورة، وقد يكون هذا اللوبي إعلاميا أكثر من أن يكون سياسياً على الأقل في الظروف الراهنة.
ترويج سياسي

هناك دلالات كثيرة على صحة ذلك حيث كشف التوتر الذي حصل في العلاقات السعودية المصرية مؤخرا واستدعاء الرياض لسفيرها في القاهرة الكثير من النقاط المهمة. من التصريحات التي تصب في هذا الاتجاه، ما نقل عن القائم بأعمال مكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهرة مجتبى أماني قوله إن “الشعب المصري لا يتم تهديده حتى لو تم سحب جميع السفراء.. وإيران على استعداد تام لدعم الثورة المصرية والتعاون التجاري والصناعي بين البلدين”، وكذلك تصريحات القيادي الشيعي ورئيس مؤسسة آل البيت بمصر والمقرب من طهران، محمد الدريني، الذي قال إنه “لو انسحبت كل دول الخليج من مصر لن يؤثر في المصريين شيئا، والوقت قد حان للتعاون مع إيران والتحالف معها ضد دول الاستعمار الأجنبي وعملائها في الخليج، فمصر وإيران اتحادهما معا يقوض أي تدخل خارجي ويجعل البلدين قادرين على مواجهة المخططات التي تنال من استقلالهما” (شبكة الإعلام العربية “محيط).
الأهم من هذين التصريحين هو المعلومات التي كشف عنها الخبير العسكري المصري اللواء حسام سويلم في تصريحات بثتها قنوات تلفزيونية مصرية من أن إيران أرسلت 500 مليون دولار لتمويل المشاغبين لإثارة الفوضى في مصر خلال فترة التوتر في العلاقات مع السعودية. إضافة إلى ذلك فقد كشف تقرير نشرته صحيفة الشرق السعودية مؤخرا أن إيران سعت إلى استقطاب إعلاميين مصريين بهدف تسخير هذه الشخصيات لخدمة الأجهزة الأمنية الإيرانية والترويج للسياسة الخارجية لطهران في المنطقة عبر استضافتهم باستمرار عبر وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة بالعربية بهدف نقد أي دولة عربية تُشَن عليها حملة إعلامية من قبل هذه الوسائل الإعلامية خاصة التلفزيونية منها.
وعلى الرغم من أن الحكومة المصرية الحالية ممثلة في المجلس العسكري وقفت في وجه الكثير من المحاولات الإيرانية الساعية إلى وضع قدم في مصر مثل إلقاء القبض في الصيف الماضي على قاسم الحسيني الدبلوماسي الإيراني و المستشار الثالث ببعثة المصالح الإيرانية بالقاهرة بتهمة التجسس حيث قام بتكوين عدد من الشبكات الاستخباراتية وكلف عناصرها بتجميع معلومات سياسية واقتصادية وعسكرية عن مصر ودول الخليج نظير مبالغ مالية.
أضف إلى ذلك إغلاق الحسينية التي افتتحها علي الكوراني، رجل الدين الشيعي اللبناني المقيم في قم، ومداهمة مكتب قناة العالم في القاهرة ومصادرة جميع محتوياته وكذلك منع عرض أفلام إيرانية في مصر. إلا أن الجانب الإيراني لم يتوقف عن محاولاته أو يشعر باليأس مطلقا فسياسة إيران تتسم بالنفس الطويل وعدم الاستسلام سريعا.
وعلى الرغم من ذلك كله فقد استمرت طهران في استضافة الوفود المصرية حيث عاد من طهران قبل أيام وفد مصري ضخم كان قد شارك في الفعاليات التي تقيمها إيران في ذكرى رحيل الخميني، واستمرت الزيارة لمدة أسبوع كامل، كما غادر الجمعة الماضي وبدعوة رسمية من الحكومة الإيرانية وفد آخر يضم خمسة وثلاثين أسرة من أسر شهداء الثورة المصرية لتكريمهم من قبل الرئيس الإيراني، كما نقلت صحيفة الأهرام عن القائم بأعمال مكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهرة.
أصوات معارضة

بعض الأصوات المصرية أعلنت معارضتها لهذه الزيارة، وفي هذا الصدد اتهم علي جنيدي، المتحدث باسم أسر شهداء ثورة 25 يناير بالسويس، ما يعرف بحزب “ثوار التحرير” (لايزال تحت التأسيس)، بمحاولة توريط أسر الشهداء فيما سماه بـ”دعوة مشبوهة” لزيارة إيران من أجل تكريمهم مضيفاً بأنه طلب منهم الإفصاح عن مصدر تمويل الزيارة والهدف من ورائها وأسماء المشاركين في هذه الزيارة فرفضوا مما دعاه إلى إبلاغ الجهات الأمنية للتحقيق مع مسؤولي هذا الحزب ومعرفة ملابسات الدعوة، وفقا لما نشرته صحيفة الشروق المصرية.
خلاصة القول، في ظل الظروف التي تمر بها مصر حالياً وانشغالها بالكثير من الشؤون الداخلية الهامة والتركيز عليها، تسعى إيران إلى استغلالها خير استغلال من خلال بناء قاعدة إعلامية في الداخل المصري مهمتها تلميع صورة إيران بين الشعوب العربية.
المهمة الأكثر صعوبة بالنسبة لطهران ولكنها لا ترى استحالتها هي العمل على ضم مصر إلى صفها أو تكوين البديل لحليفها السوري المهدد بالزوال في ظل ثورة الشعب السوري الحالية.
قبل بضعة أشهر كانت إيران تتحدث عن مثلث إسلامي يتكون من إيران ومصر وتركيا، أما بعد موقف الأخيرة من الثورة السورية، وصعوبة تحقق هذا المثلث فقد استبدلتها طهران بالحليف العراقي بقيادة رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي و غيره من حلفاء إيران في العراق.

الحرب العالمية الثانيه

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريصي 333

كان من أهم نتائج الحرب العالمية الثانية إسقاط أميركا قنبلتين ذريتين على اليابان غيرتا مجرى الحرب وكرستا انتصار دول الحلفاء على دول المحور، ففتحت أميركا بذلك الباب واسعا أمام التسابق المحموم نحو امتلاك أسلحة الدمار الشامل.

أسباب الحرب

تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى التي غيرت رسم خريطة العالم وخاصة أوروبا.
إبرام معاهدات عقابية خاصة لألمانيا في معاهدة فرساي سنة 1919. (خسرت ألمانيا بموجب هذه المعاهدة 12.5% من مساحتها و12% من سكانها، وحوالي 15% من إنتاجها الزراعي و10% من صناعتها و74% من إنتاجها من خام الحديد). ونصت معاهدة فرساي على ألا يزيد الجيش الألماني على مائة ألف جندي، ودفع تعويضات كبيرة للحلفاء.
ظهور النازية بألمانيا في يناير/ كانون الثاني 1933، والفاشية بإيطاليا في أكتوبر/ تشرين الأول 1922.
قيام حلف جديد عرف بدول المحور يضم ألمانيا وإيطاليا ثم انضمت إليه بعد ذلك اليابان.
بداية الحرب

أدولف هتلر
كان احتلال هتلر للنمسا في مارس/ آذار 1938 ثم تشيكوسلوفاكيا في العام الموالي وبولندا في سبتمبر/ أيلول 1939 ثم تهديد إيطاليا بغزو ألبانيا، سببا مباشرا في إعلان بريطانيا وفرنسا الحرب على دول المحور.

واشتعلت الحرب في أوروبا وكان الجيش الألماني متقدما على جميع الجبهات الأوروبية، فقد احتل أغلب الدول ودخلت قواته باريس. إلا أن مهاجمته للاتحاد السوفياتي في يونيو/ حزيران 1941 جعلته يترك ظهره للبريطانيين.

الولايات المتحدة والحرب

القضاء على مبدأ مونرو
قامت سياسة الولايات المتحدة منذ بداية عشرينيات القرن التاسع عشر على ما عرف حينها بمبدأ مونرو أو مبدأ الحياد، وهو إعلان أطلقه الرئيس الأميركي جيمس مونرو سنة 1823 وقد نص مبدأ مونرو الذي تم طرحه في خطاب أمام الكونغرس الأمريكي على:

ضرورة عدم مد الدول الأوروبية نفوذها الإستعماري نحو أميركا.
التزام الولايات المتحدة من جانبها بعدم التدخل في المشكلات أو العلاقات الأوروبية.
إلا أن هذا المبدأ ما لبث أن تم التخلي عنه بعد قرن من إقراره حيث تبنى الرئيس وودرو ويلسون (1913-1921) الدعوة الى الحرب واستخدام القوة العسكرية، ومع أن أهمية التمسك بمدأ مونرو ظلت تتردد في الأوساط السياسية الاميركية، إلا أن مجيء فرانكلين روزفلت الى الرئاسة (1933 – 1845) قضى على هذا المبدأن ومنذ ذلك التاريخ أصبحت أميركا تنتهج خطأ عسكرياً مؤثراً في الاحداث الدولية وتهدد أمن كل من يقف أمام المصالح الاميركية اعتماداً على الإمكانات الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة. وكان أبرز عملية عسكرية قامت بها أميركا في الحرب العالمية الثانية هي:

الإنزال بالنورماندي
في 6 يونيو /حزيران 1944 قامت قوات الحلفاء بقيادة الجنرال الأميركي دوايت أزنهاور الذي سيصبح فيما بعد رئيس الولايات المتحدة بإنزال عسكري في شمال فرنسا على شاطئ النورماندي. ود تم إنزال أكثر من 200 ألف جندي أغلبهم أميركيين والبقية بريطانيون وكنديون وفرنسيون.
وقد تم التخطيط للعملية التي تعد أكبر إنزال عسكري في القرن العشرين في بريطانيا وقد تم تحرير المنطقة من الجيش الألماني بعد أن كانت الخاسرئر في الطرفين تقدر بـ 3 آلاف قتيل و6 آلاف ما بين جريح وأسير ومفقود.
معركة بيرل هاربور
قامت أميركا في عهد فرانكلين روزفلت بفرض حظر بترولي على اليابان ومنع تصدير الحديد إليها تعاطفا مع حلفائها التقليديين البريطانيين والروس، فما كان من اليابان إلا أن هاجمت القطع البحرية الأميركية في ميناء بيرل هاربر بالمحيط الهادي في ديسمبر/ كانون الأول 1941 مغرقة أكثرها.
وقبل نهاية 1942 هزم الأميركيون الأسطول الياباني في معركة “ميداوي”، وهُزم القائد الألماني رومل في العلمين بمصر كما هزمت القوات الألمانية في ستالنغراد بالاتحاد السوفياتي، فبدأت هزيمة دول المحور تلوح في الأفق ودخل الحلفاء ألمانيا في ديسمبر/ كانون الأول 1944. كما أعدم الثوار الإيطاليون “موسوليني” وعلقوه من قدميه في أحد أعمدة الإنارة بميلانو. وانتحر هتلر يوم 30 أبريل/ نيسان 1945 فاستسلمت ألمانيا.

القنبلة الذرية ونهاية الحرب

كانت اليابان آخر دول المحور انهزاما، فلم توقف الحرب إلا بعد قصف مدينتيها هيروشيما وناغازاكي بأولى قنبلتين ذريتين في التاريخ، وإثر ذلك وقعت اليابان وثيقة الاستسلام بدون قيد أو شرط يوم 2 سبتمبر/ أيلول 1945، وبعدها بثلاثة أيام ارتفع العلم الأميركي فوق طوكيو.

خسائر الحرب العالمية الثانية

انتهت الحرب العالمية الثانية بعد ست سنوات من القتال الشرس، خسرت فيها البشرية حوالي 17 مليونا من العسكريين وأضعاف هذا العدد من المدنيين.

ومن أبرز نتائج تلك الحرب وخسائرها إسقاط قنبلتين ذريتين على اليابان، فالأولى كانت قنبلة يورانيوم تزن أكثر من 4.5 أطنان وتم إسقاطها في الساعة 8:15، وقد أخطأت الهدف قليلا وسقطت على بعد 800 قدم منه. وبعد ذلك بدقيقة واحدة قتل 66 ألف شخص وجرح 69 ألفا بسبب التفجير المتكون من 10 آلاف طن.

أما الثانية فكانت قنبلة بلوتونيوم وتم إسقاطها في وسط ناغازاكي، وفي لحظة واحدة انخفض عدد سكان المدينة من 422 ألفا إلى 383 ألفا لأن 39 ألفا قتلوا و25 ألفا جرحوا.

نتائج الحرب السياسية

كانت الولايات المتحدة وراء تشكيل كل من عصبة الأمم، ومن بعدها الأمم المتحدة. فالعصبة أنشئت برأي من الرئيس الأميركي الثاني والعشرين توماس ويلسون، بينما كانت الثانية بمبادرة من الرئيس الثالث والثلاثين للولايات المتحدة هاري ترومان،
وقد حاولت الولايات المتحدة، من خلال الأمم المتحدة، مواجهة القوى الأوروبية الصاعدة التي يمتد نفوذها وراء البحار (بريطانيا وفرنسا تحديداً) والاتحاد السوفيتي الذي أخذ نفوذه يتسع. ومن خلال المنظمة الدولية ستملك أميركا -وفق هذا المنظور- آلية للمنافسة مع هذين العملاقين اللذين يجب احتواءهما داخل إطار المجتمع الدولي. ولتقليص نفوذ الدور الأوروبي، شجعت الولايات المتحدة تنفيذ حق تقرير المصير للمستعمرات ليس لأنها ضد الاستعمار. كما كان مشروع مارشال الذي وضعته الولايات المتحدة لإعادة بناء أوروبا المدمرة، مسهما في إبقاء هذه الدول مدينة للولايات المتحدة، إضافة إلى أن هذا المشروع البرنامجي أسهم في إشراك النفوذ الأميركي في صياغة النظم السياسية والتأثيرات الحربية المباشرة في أوروبا.
_______________

قنبلة هيروشيما .. 1961

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريصي 333

بين الموت والجنون وآلام الذاكرة تأرجحت مصائر أفراد طاقم الطائرة الأميركية التي ألقت القنبلة الذرية على هيروشيما / اليابان مؤذنة بانتهاء الحرب العالمية الثانية بعد إرفاقها بنسخة مشابهة على ناجازاكي بعد ثلاثة أيام من أكبر مجزرة جماعية صفعت ضمير العالم، بل وضمائر مرتكبيها..

لم يتفق الباحثون والمحللون السياسيون على مبررات منطقية دفعت الولايات المتحدة آنذاك للقيام بأبشع وأفظع عمل إجرامي في تاريخ البشرية.. فقد كانت اليابان على وشك خسارة الحرب بعد أن خسرت حليفاتها ألمانيا وايطاليا.. ويرى كثير من الخبراء أن الحرب كانت تسير إلى نهايتها، رغم عناد الجندي الياباني الذي تحطمت على صخرته كثيراً من قوى جيوش الحلفاء..

كثيرة هي المقالات التي كتبت والإحصاءات التي نشرت، عن الضحايا في هيروشيما وناغازاكي وعن الدمار الذي لحق بهما سواء الدمار المادي المريع، أو الدمار الإنساني والنفسي الأمر الذي جعل إحدى أكبر الصحف اليابانية تكتب في ذكرى القصف : إن اليابان لن تنسى أبداً ما فعلوه بها.. إننا قد تعلمنا معنى الخوف…
موضوع اليوم يختلف عن الكثير الذي كتب حول هيروشيما، فهو يتطرق للتفاصيل التي حدثت وكيف تحدًث الناجون وكيف وصفوا الحدث، كما يركز على القائمين بالفعل الإجرامي ـ بصرف النظر أنهم يمتثلون لأوامر قياداتهم ـ وعلى خلفياتهم الاجتماعية وصفاتهم الشخصية وما آلوا إليه.. لأن ما فعلوه يتجاوز حدود العقل البشري وطاقته على الاستيعاب والتبرير .. فما بالك بالصفح والتسامح..

لا تلقوا قنبلة ثالثة ـ حسب ما ظل يردده العالم في لندن ـ وحتى لا ننسى إلى أي مدى يمكن أن تتمادى آلة الدمار العسكرية في العالم أجمع.. نعيد هنا نشر هذا الموضوع الفريد بطريقة عرضه ومعالجته التي تدور حول مقولة باتت شائعة عن أن دم الضحية يظل يلاحق الجلاد إلى آخر الدنيا ومهما طال الزمن..
من مقال بعنوان “فاتورة حساب ملاحي طائرة الموت !” من مجلة الحرب العالمية الثانية، إحدى المجلات المتميزة الموجودة في مكتبة سيريانيوز، اخترنا هذه المقتطفات..

الحرب العالمية الثانية الجزء 30 عام 1961
“… اختفت هيروشيما يوم 6 آب 1945…
بعدها بثلاثة أيام ضاعت ناجازاكي..
بعد ذلك بأربع وعشرين ساعة أذاع إمبراطور اليابان نبأ التسليم…

وانتهت الحرب..
في ومضة انفجار القنبلة التي لا تزيد عن واحد على الألف من الثانية 80 ألف ياباني احترقوا، ولكن الذين أفلتوا من هذا الموت الخاطف عاشوا ليواجهوا ساعات أشد هولاً ذاقوا فيها أبشع ألوان العذاب قبل أن يتداركهم الموت برحمته..

في ثوان معدودات نشبت مئات الحرائق وامتدت إلى عشرات الأميال.. ونظر الآباء إلى زوجاتهم، وقد أصبحن زنجيات بعد أن شوى الإشعاع والحرارة وجوههن.. أما الأطفال فقد ذابت جلود وجوههم كما يذوب الشمع، وبرزت عظامهم محترقة ثم مصهورة !
لفحت النيران منازل 350 ألف نسمة.. هم سكان المدينة، فتساقطت شظايا سوداء متفحمة.. اختفت الشمس واندفعت في سماء المدينة كرات من النار تطارد 100 ألف من المصابين وتدفع بهم إلى نهر كيوباشي. كانت صرخاتهم ترتفع إلى السماء، ثم يتساقطون في النهر.. مئات فوق مئات .. كالجدار المنهار..

ثم أتت لعنة الله.. مطر أسود، مطر انفجرت به السحب السوداء الحالكة التي انتشرت في السماء بسرعة مذهلة، مطر كانت كل قطرة فيه بحجم البيضة، ولكنها بيضة سوداء..
دافيد انجلش، الكاتب الانكليزي الذي ننقل عنه هذا التحقيق المثير، تعقب طاقم طائرة الموت التي قذفت القنبلة الذرية على هيروشيما، تعقبهم واحداً واحداً وسافر إليهم وتكلم معهم وكتب يصف مصيرهم ..

كانوا اثني عشر رجلاً.. بل اثني عشر نموذجاً بشرياً..
قائدهم، أصغر كولونيل في الجيش، رجل جليدي الأعصاب، كرس نفسه للتدمير كمهنة… ورجل آخر دوًن رؤسائه في ملفه أنه لا يصلح للترقية ولا لأي منصب قيادي من أي نوع كان.. وكان بينهم المقامر المحترف الذي يعتبر أن عمله الأساسي في الحياة هو لعب البوكر، وهناك الرجل الذي يحمل مسدسه لينهي به حياته إذا فشل في تلك المهمة.. وأخيراً كان بينهم صبي لم يبلغ التاسعة عشرة من عمره بعد..

لقد كانت الحقيقة الأولى التي عرفها عنهم، أنهم أرسلوا جميعاً، عقب هذه العملية بشهور، إلى العيادات النفسية التابعة للجيش الأميركي..
وتولت هذه العيادات النفسية غسل عقولهم وتطهيرها من آثار تأنيب الضمير ووطأته.. فهل نجح الجيش الأميركي في استئصال ضمائرهم ؟
وفي الوقت نفسه حرصت الحكومة الأميركية على ألا توليهم أهمية خاصة.. مثلاً واحد منهم فقد هو الذي نال نيشاناً.. وهو تيبتس قائد الطائرة.. وفيما بعد رقي إلى جنرال… ولم يحظ الباقون بأي شيء… ولما أبدوا تذمرهم، منحوا نيشان (النجمة الفضية) وهو نيشان عادي جداً..

ولقد سرحوا جميعاً من الخدمة العسكرية بعدها مباشرة فيما عدا شخصين اثنين لا يزالان يخدمان سلاح الطيران الأميركي حتى الآن، وهما الوحيدان من بين أفراد الطائرة اللذان لا يبدو عليهما ـ ظاهرياً على الأقل ـ أي ندم على ما فعلوه، وهما يقولان أن الذي أصدر أمر إلقاء القنبلة الذرية هو ترومان رئيس الولايات المتحدة إذ ذاك، فإذا كان هناك لوم فليقع عليه..

أما تيبتس ـ قائد الطائرة ـ فقد طلقته زوجته الأولى.. لم تطق أن تعيش معه بعد هيروشيما، وتزوج للمرة الثانية، ثم دخل مصحة عقلية بعد أن أصيب بانهيار عصبي..
وهناك الماجور ايثرلي ضابط الأرصاد الجوية الذي أفتى قبل الكارثة بدقائق، بأن الجو صالح لضرب هيروشيما بالذات.. وهذا فقد عقله، وقبض عليه في تكساس وأودع مستشفى الأمراض العقلية..

وروبرت لويس مساعد قائد الطائرة، أصيب بحالة هستيرية تلازمه في كل حركاته وسكناته، فهو يضحك ضحكة تشبه العواء بلا سبب، ويصرخ لأتفه الأسباب، ويأكل بشراهة.. ولما دعي لزيارة هيروشيما ليرى ما أحدثه فيها رفض ومكث ثلاث ليال بعدها يبكي بكاء هستيرياً لا ينقطع..
أما بيرنز المهندس الالكتروني، فقد حاول أن يهجر ديانته اليهودية إلى المذهب الكاثوليكي ثم إلى البروتستانتي لكنه لم يجد قسيساً يضمن له الجنة.. فانتهى بأن خرج من دينه اليهودي، ولم ينضم إلى دين من الأديان..

أما روبرت شومارو الذي ظل ثلاث سنوات كاملة يصرخ في نومه : السحابة .. السحابة.. ثم توقظه زوجته والدموع تملأ عينيها، فإذا استيقظ انخرط في بكاء مرير، بينما يهذي بأن سحابة الدخان الأسود التي ملأت سماء هيروشيما، إنما هي مجموعة أرواح الضحايا التي صرعتها القنبلة..
أما المقامر فان كيرك، فإنه كان قد تماثل للشفاء من كابوس مماثل، ولكن حدث أن عرض التلفزيون الأميركي برنامجاً عن ضحايا هيروشيما، فعاد إليه الانهيار العصبي ولم يشف منه حتى الآن..

وحدث أن زار أميركا بعض القسس اليابانيين الذين نجوا من قنبلة هيروشيما، فسعى فان كيرك إليهم وكان يتمنى أن يشتموه أو يصفعوه.. ولكن الذي حدث أنهم قالوا له أنهم يسامحونه، فازدادت وطأة العذاب عليه !
وريتشارد نيلسون، أصغر ملاحي الطائرة سناً، أصبح الآن ـ رجلاً ـ في الخامسة والثلاثين من عمره، شارد العينين، زائغ النظرات، يعاني كثيراً من خطابات الشتائم الغفل من الإمضاء التي تصله.. وزوجته يضنيها الأسى وتقول لكل من يقابلها : إن شبح هيروشيما لا يزال يطارد روحي !

وهناك بارسونز، العالم الذي ركب الجزء الذري الفعال في القنبلة، لقد صرعه التفكير فمات..
أما مساعده جيبسون، فقد تركته زوجته هو الآخر.. قالت أنها لا تريد أن تعيش مع قاتل، ويعيش الآن وحيداً في نيوجرسي ويرفض أن يتكلم عن أي شيء له صلة بالذرة..
وفي مثل هذا اليوم من كل سنة، يجتمع أهالي لندن طوال 24 ساعة ويرددون في نداء محموم : لا تلقوا الثالثة !..”

تحولات المشهد السياسي في المختبر السوري

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريصي 333

لم يفلح مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي طرحته إدارة كلينتون في مطلع التسعينيات والمتعلق بإقامة نظام إقليمي يستوعب إسرائيل في المنطقة، ويتأسس على التسوية وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وإطلاق مشاريع التعاون في مجالات الاقتصاد والبنى التحتية في ظل هيمنتها على النظام الدولي كقطب واحد.

كما لم يفلح بعد ذلك مشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي طرحته إدارة بوش (الابن) في مطلع العقد الأول من هذا القرن، والمتعلق بـ”نشر الديمقراطية” في العالم العربي عن طريق فرض الوصاية، وتوجيه الضغوط على النظم السياسية في البلدان العربية، لتغييرها بوسائل القوة والتدخلات العسكرية، على نحو ما جرى في أفغانستان (2001) والعراق (2003)، وهو ما نتجت منه تداعيات خطيرة وكلفة باهظة على الولايات المتحدة الأميركية في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والأخلاقية.

هكذا بدت المنطقة العربية إزاء هذين المشروعين عصية على التغيير والتطور رغم حاجتها الماسة إلى ذلك، الأمر الذي أفضى إلى انفجار ثورات “الربيع العربي” في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا.

لكن هذه الثورات مع كل الآلام والكلفة والتحديات والتداعيات التي نجمت عنها لا يبدو أنها تشتغل بآليات داخلية فقط، إذ ثمة دور كبير للفاعلين الدوليين والإقليميين، وهو ما وضح في التجربة الليبية، ويتضح أكثر مع كل المداخلات التي تتعلق بثورة السوريين التي باتت المداخلات الخارجية -على تباينها- أكثر قدرة على التحكم فيها من الفاعلين أو المتصارعين المحليين.

“
ما يحصل في سوريا الدولة سيؤثر كثيرا -على الأرجح- على محيطها، أي على الأردن ولبنان وفلسطين والعراق، كما على الدول الإقليمية، إسرائيل وإيران وتركيا، وعلى شكل العلاقة بين الدولتين الكبيرتين، أي الولايات المتحدة وروسيا
“
وما يهمنا في هذه المادة هو البحث في التغيرات التي طرأت على أدوار الفاعلين الأساسيين، الدوليين والإقليميين في العالم العربي، وشكل علاقاتهم البينية، والأدوات التي تتمظهر فيها سياساتهم، أو مداخلاتهم.

ولا شك في أن كل هذه الأمور باتت تتكثف اليوم في حالة الثورة السورية، أو في الصراع الدائر على سوريا، إذ إن ما يحصل في هذه الدولة سيؤثر كثيرا -على الأرجح- على محيطها، أي على الأردن ولبنان وفلسطين والعراق، كما على الدول الإقليمية، إسرائيل وإيران وتركيا، وعلى شكل العلاقة بين الدولتين الكبيرتين، أي الولايات المتحدة وروسيا.

ففي سوريا هذه ثمة مداخلات لكل الفاعلين الدوليين والإقليمين، أي للسعودية وقطر وتركيا وإيران والولايات المتحدة الأميركية وروسيا، فكأن كل العالم بات يشتبك في سوريا، كأنها باتت عقدة العالم، وكأن هذه المنطقة باتت بمثابة مختبر للتطورات الحاصلة في أدوار الفاعلين الدوليين والإقليميين.

مثلا، ومن جهة الولايات المتحدة يمكننا ملاحظة أن إدارة أوباما باتت تنتهج مقاربات سياسية تختلف عن مقاربات الإدارة السابقة، باعتمادها الدبلوماسية بدلا من “الحرب الوقائية” والمغامرات العسكرية، وبقبولها مشاركة فاعلين آخرين بدلا من الاستفراد، وباعتمادها التوافق في مجلس الأمن الدولي بدلا من التدخلات الأحادية.

واللافت أن هذا كله يجري بالتوازي مع توجهها لنيل موافقة داخلية (في الكونغرس) لشرعنة أي تدخل خارجي.

ويفهم من ذلك أن الإدارة الأميركية غير معنية بالتدخل العسكري المباشر لصالح الثورة السورية، وهذا ما أوضحه مسؤولون أميركيون مرارا، فهذه الإدارة أخذت على عاتقها وضع حد للمغامرات الأميركية العسكرية المكلفة في الخارج، وسحب القوات الأميركية من أفغانستان والعراق.

وها هي تترجم ذلك بامتناعها عن توجيه ضربة عسكرية للنظام لمعاقبته على استخدام السلاح الكيميائي ضد شعبه، وبتأكيدها أن لا حل عسكريا للوضع في سوريا، وأن الحل السياسي هو عبر مؤتمر جنيف، وبالتوافق مع روسيا الراعي الشريك في هذا المؤتمر الذي يفترض أنه يشرع للتأسيس لمرحلة انتقالية في سوريا تنهي حكم عائلة الأسد.

وكما هو معلوم فإن التغير في السياسة الأميركية إن لجهة التعاطي السياسي في الملف السوري، أو في التشاركية مع روسيا شمل أيضا الملف الإيراني، إذ تجاوبت إدارة أوباما بطريقة سريعة وغير متوقعة مع الإشارات الإيرانية المشجعة بشأن ملفها النووي، بمعزل عن مخاوف حلفائها العرب والإسرائيليين الذين استفزهم كثيرا هذا الأمر.

اللافت أن هذا التحول أو التراجع في السياسة الأميركية الشرق أوسطية -والذي أثار مخاوف عديدة من الدول العربية باعتبار أنه سيفيد إيران- أثار المخاوف في إسرائيل أيضا، فهذه أكثر دولة متعلقة بالولايات المتحدة التي تضمن أمنها واستمرار تفوقها النوعي، العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، على غيرها من دول المنطقة.

وثمة محلّلون إسرائيليون رأوا أن عدم قيام الإدارة الأميركية بالعمل ضد سوريا، وسعيها وراء عقد مفاوضات مع إيران -بخصوص ملفها النووي- يبعثان برسالة سلبية للعالم ولإسرائيل مفادها “فقدان الثقة بأميركا”، وأنه يمكن لأي كان أن يتحداها.

ويتحدث أليكس فيشمان عن هذه التطورات بقوله: “حينما نظر نتنياهو وأوباما في بياض عيني الآخر عبر محادثة فيديو، أدركا أنهما قريبان جدا من الطلاق. لغة الجسم تكشف أزمة بين الرجلين اللذين أصبح التقدير المتبادل بينهما في الدرك الأسفل”.

وتساءل ما المشكلة؟ “المشكلة هي أن لا شيء من الخطوات التي التزم بها الإيرانيون سيوقف الانطلاق نحو القنبلة النووية فضلا عن إعادة الساعة إلى الوراء. إن تكتيك الاتفاقات التدريجية التي لا تشمل اتفاقا واضحا على نقض قدرات إيران النووية في نهاية المطاف، يمكن طهران من تضليل العالم بأن يكون ثمة إسقاط تدريجي للعقوبات وعودة إلى حضن أسرة الشعوب دون أن تلتزم مسبقا بالتخلي عن المشروع النووي، وحينما أوقف كيري في نهاية الأسبوع الماضي جولته في الشرق الأوسط ليلتقي في جنيف وزير الخارجية الإيراني، محمد ظريف، أدركت إسرائيل ما داهمها من السوء”. (يديعوت 10/11/2013).

أما أوري أليتسور فقد فسر ذلك بالآتي “لقد وعد أوباما بأن يقف معنا في وجه الخطر الإيراني، وهو الآن يركلنا ويعقد صفقات مشكوكا فيها مع روحاني وخاتمي. بات واضحا أنه لا يوجد أي خيار عسكري على الطاولة، الخيار العسكري الأميركي أدخله أوباما إلى جهاز التجميد، والخيار العسكري الإسرائيلي نجح أوباما ومبعوثوه في خصيه”. (معاريف 11/11/2013).

“
يرى محللون إسرائيليون أن عدم قيام الإدارة الأميركية بعمل عسكري ضد سوريا، وسعيها وراء عقد مفاوضات مع إيران، بخصوص ملفها النووي، يبعث برسالة سلبية للعالم، ولإسرائيل، مفادها “فقدان الثقة بأميركا”، وأنه يمكن لأي كان أن يتحداها
” على أي حال فقد نجم عن ذلك تشدد نتنياهو في الملفين الفلسطيني والإيراني إزاء الولايات المتحدة، وهو ما عبّر عنه باعتزامه إقامة جدار أمني مع الأردن، وبتصريحاته المتكررة بأن إسرائيل هي المعنية بالدفاع عن نفسها بنفسها، وذلك في سياق صده حتى لمقترح جلب قوات “ناتو” للفصل بين الدولة الفلسطينية المفترضة وإسرائيل، رغم أن الحديث يدور عن مجرد دولة فلسطينية منزوعة السلاح، كما في إبدائه الجفاء إبان لقائه جون كيري -وزير الخارجية الأميركي- إبان زيارته لإسرائيل لتوضيح قصة الانفتاح على إيران.

وفي كل ذلك واضح أن إسرائيل تدرك أن “انسحاب”، أو تراجع مكانة الولايات المتحدة في هذه المنطقة، وهي التي سمحت بانهيار عدة نظم حليفة لها، لا بد سينعكس سلبا عليها، وسيتركها في واقع لم تعتد عليه من قبل، مع إيران وتركيا ومصر، ومع التحولات المجتمعية التي انفجرت مع “الربيع العربي” على علاته ومشاكله، وهذا أكثر ما يشغلها بحكم علاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة.

ومعلوم أن إسرائيل تهتم لثلاثة جوانب إستراتيجية، أولها أمنها الذاتي. وثانيها أمنها الإقليمي. وثالثها مكانة الولايات المتحدة في العالم، وفي الشرق الأوسط، أو ما يتعلق بأمنها المتأتي من علاقتها الإستراتيجية مع واشنطن.

هذا يحيلنا إلى الحديث عن إيران والتغير الحاصل، أو المفترض، في سياساتها الخارجية.
فمعلوم أن إيران أعلنت منذ بداية الثورة السورية مساندتها للنظام، ودعمته بمختلف الأشكال، السياسية والاقتصادية والعسكرية، وحتى أنها دفعت حلفاءها في العراق (كتائب أبو الفضل العباس) وفي لبنان (حزب الله) للقتال إلى جانب النظام السوري، لمعرفتها بأن سقوط هذا النظام سيعني تراجع نفوذها في المشرق العربي، وتركها وحيدة في مواجهة الغرب بشأن ملفها النووي من دون أوراق مساومة.

لكن إيران، مع انتهاء رئاسة أحمدي نجاد -التي اتسمت بالعلاقات الاستفزازية والعدائية مع الغرب وتولي حسن روحاني الرئاسة (صيف 2013) مع خطاب سياسي جديد- أوحت باستعدادها لمراجعة سياساتها الخارجية.

وكما هو معلوم فقد وصل الأمر إلى حد إعلانها الاستعداد لحضور مؤتمر جنيف2، ودعوة كل القوى الأجنبية للخروج من سوريا، وإبداء بعض المرونة في التجاوب مع المطالب الغربية في الملف النووي.

طبعا من المبكر الحديث بنوع من اليقين عن كيفية إدارة إيران لسياستها في الشرق الأوسط في العهد الجديد، وهي التي تأسست لعقود على المزج بين النفوذ العسكري والنفوذ المالي والبعد المذهبي/الطائفي.

كما أنه من الصعب تحديد حدود المساومة بين إيران والدول الغربية بشأن المدى المسموح لإيران في مجال امتلاك الطاقة النووية، ناهيك عن الكيفية التي سيتم بها حل المسألة السورية، لكن هذه الأمور إن حصلت، أو كانت جدية، لا بد سيكون لها تداعيات على مجمل المنطقة، كما على علاقات الفاعلين الدوليين والإقليميين.

“
ما قدمته تركيا للثورة السورية لم يرقَ إلى الدعم الذي قدمته إيران للنظام السوري، ناهيك عن المتاعب الداخلية الذي جره هذا الدعم عليها، إن من جهة الأكراد، أو من جهة الطائفة العلوية في تركيا، أو من جهة تبرم بعض القطاعات في العالم العربي من سياساتها الداعمة للتيارات الإسلامية
” أما بالنسبة إلى تركيا -التي باتت تحوز شعبية واسعة في البلدان العربية منذ صعود حزب العدالة والتنمية (2002) إلى الحكم، لا سيما على خلفية تحقيقها نجاحات كبيرة على الصعيد الاقتصادي وظهورها كمساند كبير للعرب في قضية فلسطين بعد قطع علاقاتها مع إسرائيل- فقد تزايدت الآمال المعقودة عليها، خاصة بعد انحسار دور إيران التي باتت تتكشف عن دولة تسعى لإثارة النعرات الطائفية في العالم العربي، لزيادة نفوذها في بعض البلدان العربية على خلفية مذهبية.

ومعلوم أن تركيا ساندت الثورات العربية، لا سيما في سوريا، بل إنها دخلت بشكل قوي على المشهد السوري، إن عبر تصريحات قادتها، أو عبر استضافتها السوريين اللاجئين، أو عبر احتضانها لفصائل المعارضة والجيش الحر.

لكن مشكلة تركيا أن الدعم الذي قدمته للثورة السورية لم يرقَ إلى الدعم الذي قدمته إيران للنظام السوري، ناهيك عن المتاعب الداخلية الذي جره هذا الدعم عليها، إن من جهة الأكراد، أو من جهة الطائفة العلوية في تركيا، أو من جهة تبرم بعض القطاعات في العالم العربي من سياساتها الداعمة للتيارات الإسلامية، سواء في مصر أو سوريا.

ومن نواحٍ عدة، يبدو أن تركيا تواجه أياما صعبة على صعيد دورها الإقليمي، وإزاء الأطراف الإقليمية الأخرى، وحتى إزاء بعض الدول العربية، خاصة مصر والسعودية.

ويبقى أن روسيا -من بين كل اللاعبين الدوليين والإقليميين- تبدو بمثابة الرابح الوحيد من كل ما يجري، ذلك أن تعقد المسألة السورية، وغياب القدرة على الحسم بشأنها من قبل الدول الغربية عززا من مكانتها وساعداها على استعادة مكانتها كقطب منافس للولايات المتحدة الأميركية، على الصعيدين الإقليمي والدولي.

عموما، هذه مجرد مراجعة أولية للتغيرات الحاصلة في مكانة وأدوار الفاعلين الدوليين والإقليميين في العالم العربي، مع التأكيد أن هذه الأدوار هي على درجة عالية من السيولة، إذ إنها ما زالت تخضع للتحولات والامتحانات في “المختبر” السوري بالذات.
المصدر:الجزيرة

مآلات وأبعاد التقارب الأميركي الإيراني والروسي المصري

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريصي 333

مآلات وأبعاد التقارب الأميركي الإيراني والروسي المصري
عبد الرحمن محمد فرحانة

صورة الإقليم المتحركة
التقارب الأميركي الإيراني
التقارب الروسي المصري
مآلات التقاربين

يبدو في المشهد الإقليمي حالة لافتة لتقاربين مفاجئين بين دول مركزية في الإقليم مع قوى دولية، بشكل يعاكس صورة الإقليم التقليدية ونمط علاقاته الخارجية منذ عقود، وهما التقارب الأميركي الإيراني، والتقارب الروسي المصري الحاليان.

فما التفاعلات الإقليمية التي أنتجت هذين “التقاربين”؟ وما أبعادهما؟ وما مآلاتهما على تشكيل المنطقة المستقبلي؟

صورة الإقليم المتحركة
بدت صورة المشرق العربي ما قبل الربيع العربي في حالة استقطاب تقريبا بين محورين: محور المقاومة والممانعة، ومحور الاعتدال العربي. وظلت حالة الاستقطاب الإقليمي هذه على حالها حتى مجيء الربيع العربي الذي هز المحورين بنسب متفاوتة وغير حاسمة، لكن الهزة إجمالا كانت كافية بالقدر الذي أحدث سيولة عارمة في المنطقة.

“
فالربيع العربي محا الصورة القديمة، وخلق في الأثناء سيولة تصادمت فيها الأقطاب الإقليمية لتثبيت ترسيم جديد للمنطقة، ولكنه وإن عجز عن إنجاز ترسيم جديد لمنطقتنا، إلا أنه أبدى ملامح جديدة وفريدة للخارطة الإقليمية التي كانت محتملة
“
فالربيع العربي محا الصورة القديمة، وخلق في الأثناء سيولة تصادمت فيها الأقطاب الإقليمية لتثبيت ترسيم جديد للمنطقة، ولكنه وإن عجز عن إنجاز ترسيم جديد لمنطقتنا، إلا أنه أبدى ملامح جديدة وفريدة للخارطة الإقليمية التي كانت محتملة.

إذ جاء بالإسلاميين إلى الحكم، وأرسى ملامح ترسيم جديد للمشهد الإقليمي، على رأسه تقدم مصر لأخذ مكانتها اللائقة بها، وتحرك تركي بتناغم مع قطر في ذات السياق لبناء صورة جديدة للإقليم.
ولكن الملامح الجديدة أثارت مخاوف شديدة لدى الكثير من أقطاب المنطقة، مما استدعى مقاومة قوية من تلك القوى الإقليمية التي قدرت أنها ستخسر من مخرجات الربيع العربي.

والمفارقة أن القوى الإقليمية التي تحركت لمقاومة الربيع، كانت من ضفتي المحورين المتعاكسين القديمين، فالتقت مثلا إيران ودول الخليج معا على قلب مرسي في مصر، وكل على شاكلته.

وما يجري حاليا من محاولة للانقلاب على الربيع، يتضمن هجمة لسحق “الإسلام السياسي” وإخراجه من الحلبة السياسية، وتبريد للوعي الشعبي العربي، عبر عودة قاسية لهراوة الأمن وبغلظة أكثر، بهدف تحييد أهم مكونين أفرزهما الربيع العربي.

وفي السياق الإستراتيجي، فالهجمة الحالية على الربيع العربي، تستهدف ترسيما جديدا للإقليم، لكن الحالة الراهنة شبيهة بما سبقها، فالقوى التي انقلبت على الربيع العربي استطاعت أن تخفض من مفاعيله وبطّأت مساره، لكنها عجزت حتى الآن عن حسم الرسم الجديد للخارطة الإقليمية، وما زالت حالة الإقليم في سيولة شديدة، ولكن بشكل آخر.

ومن تجليات السيولة الحالية “التقاربان” الأميركي الإيراني والروسي المصري، وتُظهر صورة المتقارِبين الجدد مدى السيولة الراهنة، وحجم الحراك الإقليمي الجاري، وعظم مخرجاته المحتملة.
وفي الصورة الإقليمية الحالية المضطربة تبدو أنقرة متجهة لبكين لشراء الأسلحة مبتعدة عن الناتو، والقاهرة مقتربة من موسكو غضبا على أميركا، والرياض غاضبة على واشنطن، وطهران في “علاقة حب” مع “الشيطان الأكبر”، أما تل أبيب فتشاغب بدلال على حليفتها واشنطن.

التقارب الأميركي الإيراني
باختزال يمكن قراءة هذا التقارب المفاجئ بأنه تقاطع لحالة العجز التي يعيشها طرفا الالتقاء الراهن، فواشنطن وفق إستراتيجيتها الممثلة بما يمكن تسميته بـ”إدارة التقهقر” من منطقة الشرق الأوسط، التقت مع طهران التي استنزفها الحصار والحرب في سوريا، بمعنى أن اللحظة تترجم حالة العجز لكلا الطرفين، وتحمل معنى الإدارة المتبادلة لها.

ولكن ماذا يريد الطرفان الأميركي والإيراني من التقارب الحالي؟

“
يمكن قراءة التقارب الإيراني الأميركي بأنه تقاطع لحالة العجز التي يعيشها الطرفان، فواشنطن وفق إستراتيجيتها الممثلة بما يمكن تسميته بـ”إدارة التقهقر” من منطقة الشرق الأوسط، التقت مع طهران التي استنزفها الحصار والحرب في سوريا، بمعنى أن اللحظة تترجم حالة العجز لكلا الطرفين
“
– يوفر التقارب محاولة لخلق هدنة تكتيكية بين الطرفين على أقل تقدير.

– تريد واشنطن اختبار القيادة الجديدة في طهران، وتحاول التوصل لتعليق زمني معقول للبرنامج النووي الإيراني، في ضوء عدم قدرتها على إيقافه بالقوة، للمحاذير الإستراتيجية التي تمنعها من الحسم ويعج بها الإقليم.

– ربما تقترب واشنطن من طهران لاحتواء الأخيرة، بهدف قفل الملف السوري باعتبار الدور الإيراني فاعلا في هذا الملف.

– قد تتطور الأمور لتعمل إيران مع أميركا في جبهة واحدة لمحاربة القاعدة وشبيهاتها في الساحة السورية، والثمن بقاء النظام السوري أو أجزاء مهمة منه.

– وطهران تريد تجاوز الحصار لترميم اقتصادها المتدهور، وربما يتضمن التقارب محاولة منها للحفاظ على مكاسبها الإقليمية من خلال إنقاذ النظام السوري بصفقة مع واشنطن.

التقارب الروسي المصري
يكتظ المشهد المصري ببروغندا إعلامية عارمة، تصور التقارب الحالي بما يشبه توجه عبد الناصر لموسكو في مواجهته مع الغرب في منتصف القرن الماضي.

والحقيقة أن مصر السيسي ليست مصر عبد الناصر، وكذلك فموسكو غورباتشوف ليست موسكو بوتين، ناهيك أن المناخين الدولي والإقليمي مختلفان تماما عن مناخ الخمسينات في القرن الماضي.

مع ذلك، فإن التقارب ينبئ عن تخلّق مناخ لاحتمال تحول نسبي في ملامح بنية الإقليم، خاصة أن واشنطن تنكفئ نسبيا من المنطقة، وتحاول موسكو ملء الفراغ بحسب إمكاناتها، ولكن بطريقة جديدة لا تعتمد أيديولوجيا القرن الماضي، وإنما تتقدم ببراغماتية خالصة لخدمة مصالحها الذاتية.

ويمكن هنا أن نتوقف عند أهداف موسكو والقاهرة من التقارب الحالي؟

– تحاول موسكو ملء الفراغ الأميركي في المنطقة، فهي نجحت نسبيا في سوريا، وتختبر نفسها في مصر حاليا.

ويمكن أن تُقرأ المرحلة كمحاولة لبناء شراكة مؤقتة بين واشنطن وموسكو في المنطقة، بانتظار حسم الحراك والصراع الدائر فيها، والأهم إزاحة الإسلاميين عن الحكم في المنطقة.

– الخطوة الروسية تتضمن دعما للقاهرة، لأنها لا ترغب بحالة حكم إسلامية ناجحة في المنطقة، تخوفا من تأثيرها على فضائها الحيوي الذي يتضمن كثافة إسلامية وازنة قد تؤثر على واقعها الإستراتيجي.

– وفي البعد الاقتصادي تسعى موسكو لاقتناص صفقات شراء أسلحة لدعم اقتصادها، لأن ذلك يشكل موردا مهما من موارده.

– القاهرة تمارس الحرد بهذا التقارب لتضغط على واشنطن، لتقبل الأخيرة بنفس سيناريو الانقلاب الذي صممه العسكر، إذ إن الاختلاف بين الطرفين في شكل الإخراج للوضع المصري الجديد فقط، فتطمح مصر لاستعادة التحالف على أسسه القديمة، وبالصورة ذاتها.

“
من المبكر الجزم بأن ما يجري تحول باتجاه حسم ترسيم جديد للمنطقة، وبناء تحالفات جديدة، فقد يكون التقارب والتباعد بين القوى الدولية والدول المركزية في الإقليم مجرد مناورات كبيرة تستهدف تحسين التحالف عند البعض، كما في الحالة المصرية
“
وهو ما يتعارض مع رؤية واشنطن التي ترى بأن إزاحة الإسلاميين الفظة وإخراجهم من المشهد السياسي، لا يحقق استقرارا على المدى الطويل في مصر، إذ إنها تريدهم في المشهد السياسي، لتوفير الشرعية السياسية للنظام الجديد، ولمنع تحول قياداتهم الشبابية للتطرف، وفي المدى الطويل تطمح واشنطن لإعادة إنتاج الإسلاميين لخطابهم السياسي لأن نسختهم الحالية غير مقبولة في الحكم في المنطقة.

مآلات التقاربين
يعبر التقاربان في المجمل عن تفاعل إقليمي ودولي يمتزج بالاضطراب، فما يجري ليس مجرد تحركات في أوزان الكتل الإقليمية، وتصارع فيما بينها، وإنما يشي التقاربان باهتزاز التحالفات القديمة بين القوى الدولية ودول المنطقة المركزية، فالصورة الإقليمية مهتزة داخليا وفي امتداداتها الخارجية. ولا يمكن الاستهانة بمثل هذا التفاعل.

ولكن من المبكر الجزم بأن ما يجري تحول باتجاه حسم ترسيم جديد للمنطقة، وبناء تحالفات جديدة، فقد يكون التقارب والتباعد بين القوى الدولية والدول المركزية في الإقليم مجرد مناورات كبيرة تستهدف تحسين التحالف عند البعض، كما في الحالة المصرية.

وقد تحمل معنى التهدئة الإستراتيجية لخور برز في قوى المتصارعين، كما في الحالة الأميركية الإيرانية.

وفي المجمل، فالتقاربان يأتيان في دائرة التكتيك حتى الآن، ولا يحملان معنى التحول الإستراتيجي بشكل حاسم، لأن قوى الشد العكسي الداخلية والإقليمية تمانع من إنضاج تحول جذري في بنية الإقليم.

وعلى الأرجح سيبقى التقاربان في إطار المناورة فقط، لأن المناخ السائد لا يسمح بتحول حاسم وجذري.

مع ذلك، فالتقاربان يجسدان السيولة القائمة في المنطقة، ويرسمان محاولة لتعديل نسبي في خارطة التحالفات، ويظل الأفق مفتوحا للمفاجآت في ظل السيولة الإقليمية العارمة.

المصدر:الجزيرة

حياة بسمارك السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الســندي

في العام الذي تزوج فيه بسمارك اختير ليكون نائبا في المجلس التشريعي الجديد “مجلس الشورى الموحد”. وهناك اكتسب شهرة كمناصر للمكلية وكسياسي محنك. وكان يدافع في كل مناسبة عن فكرة أن الملك لديه الحق الإلهي في الوجود.

وحين اندلعت الثورة في بروسيا مارس 1848 (وكانت هذه الثورة إحدى الثورات الشعبية التي اجتاحت أوروبا في ذلك العام), وكادت الثورة أن تسقط الملك فريدريش فيلهلم الرابع. ورغم أنه رفض في البداية اللجوء إلى القوة العسكرية لقمع المتمردين وإخماد نيران الثورة, إلا أنه قرر في النهاية استخدامها لإنهاء الثورة قبل استفحالها. وبعد نجاحه في إخمادها وجه وعوده إلى الحركة الليبرالية بإقرار دستور يعترف بوحدة الشعب الألماني وحقه في إنشاء دولة متحدة, وعين أحد الليبراليين وهو لودولف كام، رئيسا لوزراء بروسيا, في محاولة منه لاكتساب بعض الشعبية. غير أن الحركة الليبرالية التي قادت الثورة ما لبثت أن ضعفت في أقل من عام بسبب تنافسهم الداخلي, فعاد المحافظون إلى الحكم مرة أخرى, حين نجحوا في اكتساب دعم الملك. ورغم أن الدستور أقر إلا أنه لم يفي بالمطالب الدنيا للثوريين.

وفي سنة 1849 انتخب بسمارك لعضوية مجلس الشورى, وهو أحد غرفتي المجلس التشريعي البروسي. وفي هذه المرحلة من حياته السياسية كان بسمارك يعارض الوحدة الألمانية بحجة ان بروسيا سوف تفقد استقلالها في ذلك الاتحاد. وقد قبل تعيينه كأحد النواب في برلمان إرفورت, وهو برلمان اجتمعت فيه عدة إمارات ألمانية لمناقشة مشروع الوحدة الألمانية, إلا ان البرلمان فشل في صياغة هذا المشروع لغياب دعم أهم مملكتين ألمانيتين وهما بروسيا والنمسا.

وفي سنة 1851 عينه فريدريش فيلهلم مبعوثا إلى مجلس الاتحاد الألماني في فرانكفورت. وقد تميزت فترة الثماني سنوات التي قضاها في فرانكفورت بتغيرات هامة في آرائه السياسية. فقد تخلص من تأثيره أصدقائه المحافظين, وأصبح أكثرا اعتدالا سياسيا. وأصبح يؤمن بأن بروسيا يجب أن تتحد مع الإمارات اللمانية الأخرى لمواجهة خط النفوذ النمساوي المتزايد, وهكذا ترسخ لديه الإيمان بأمة ألمانية متحدة.

في عام 1858 أصيب الملك فريدريش فيلهلم بصدمة تسببت له بالشلل والعجز العقلي, فتولى أخوه الأمير فيلهلم الوصاية على العرش وتولي إدارة شؤون الحكم في مملكة بروسيا. وما لبث فيلهلم أن عينه سفيرا لبروسيا في الإمبراطورية الروسية. وكان تلك نقطة هامة في حياة بسمارك السياسية, حيث كانت روسيا أحد أهم جارتين سياسيتين لبروسيا (وكانت الأخرى هي النمسا). وقد عين الأمير فيلهلم الوصي على العرش, هيلموت فون مولتكه رئيسا جديدا للأركان في الجيش البروسي, وألبريشت فون رون وزيرا للحرب وأكل إليه مهمة إعادة تنظيم الجيش. وكان هؤلاء الثلاثة هم من ساهموا في تحول بروسيا في السنوات الاثني عشرة التالية.

بقي بسمارك في سانت بطرسبورج لأربع سنوات, ربطت الصداقة خلالها بينه وبين الأمير جورتشاكوف, الذي سيكون خصمه في المستقبل. وفي يونيو 1862 أرسل إلى باريس ليكون سفيرا لبروسيا في فرنسا. وبرغم بقاءه الطويل خارج ألمانيا إلا انه لم ينفصل تماما عن الشؤون الداخلية الألمانية, فقد ظل على اطلاع كامل بسبب صداقته مع رون وزير الحرب, وقد شكل الاثنان حلفا سياسيا قويا.

قوة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريصي 333

إن القوة الحقيقية ليست قوة البدن كما يتبادر إلي ذهن الكثير من الناس عندما يسمع كلمة القوة، وإنما القوة بمعناها الشامل تنطوي على عدة أنواع أظهرها وليس أقواها: قوة البدن، ومن أنواع القوة أيضا القوة النفسية، والقوة الإيمانية.

وصاحبُ رسول الله عمر بن الخطاب آتاه الله كل هذه الأنواع من القوة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من خلقه.

وقد أشار النبي إلى أن مدار القوة ليس هو البدن فحسب وإنما يدخل معه أيضا القوة النفسية الناتجة عن تحمل الغير وكظم الغيظ. يقول النبي : “لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ”[1].

أولاً : القوة البدنية :
لا شك أن البيئة التي تربى فيها عمر بن الخطاب بما فيها من خشونة في العيش، وضيق في ذات اليد لها أثر كبير في تكوينه الجسدي، فليس من ينشأ في النعيم والظل والحرير كمن ينشأ تحت لظى الشمس الحارقة في جو مكة، وفي بيت الخطاب بن نفيل.

ولد عمر بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، وفي رحاب مكة وجَوّها القائظ، وريحها اللافحة، وصحرائها القاحلة، وأبوه الخطاب بن نفيل العدوي، كان شديد البأس، قوي الشكيمة، مما أورثه بعضا من صفات القوة.

ووصف الفاروقَ من رآه بأنه رجل آدم، أعسر، أيسر يعمل بكلتا يديه، أصلع، أضخم، مفرط الطول، يفوق الناس طولاً، إذا كان فيهم بدا كأنه راكب على دابة والناس يمشون، جسيم، كأنه من رجال سدوس، كبير الشارب، إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، يصارع الفتيان في سوق عكاظ فيصرعهم، وبلغ من فروسيته وشدة بنيانه أنه كان يأخذ بأذن الفرس بيد وبأذنه بيده الأخرى، ثم يثب على الفرس. فهو قوي حتى في مظهره الخارجي.

ثانيًا: القوة النفسية :
الصراحة دليل القوة النفسية :

بقراءة سيرة الفاروق يظهر لنا حبه الشديد، وعاطفته الفياضة للرسول ، فحين يسمع رسول الله يقول: “لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكَونُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ حَتَّى نَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ”. فَيَقُولُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَالِي وَوَلَدِي وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ إَلا نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبِي. فقال الرَّسُولُ : “لا يَا عُمَرُ”. فرجع الفاروق إلى نفسه وحبه للنبي فقال: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ مَالِي وَوَلَدِي وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ حَتَّى نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبِي. فَقَالَ الرَّسُولُ : “الآنَ يَا عُمَرُ”. أي الآن اكتمل إيمانك يا عمر، أعلن عمر صراحةً في بادئ الأمر أن حبه للنبي أكثر من أي شيء إلا نفسه وهذه الصراحة دليل على قوته النفسية.

والشجاعة أيضًا دليل على القوة النفسية :
انظروا إلى شجاعة عمر :

عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر بن الخطاب لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أفشى للحديث؟ فقالوا: جميل بن معمر الجمحي، فخرج إليه وأنا أتبع أثره، أعقل ما أرى وأسمع، فأتاه فقال: يا جميل إني قد أسلمت. فقال: فوالله ما رد عليه كلمة، حتى قام عامدًا إلى المسجد، فنادى أندية قريش فقال: يا معشر قريش إن ابن الخطاب قد صبأ. فقال عمر: كذب، ولكني أسلمت وآمنت بالله وصدقت رسوله. فثاوروه فقاتلهم حتى ركدت الشمس على رءوسهم، حتى فتر عمر، وجلس فقال: افعلوا ما بدا لكم، فو الله لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركتموها لنا أو تركناها لكم. فبينا هم كذلك قيام إذ جاء رجل عليه حلة حرير، وقميص موشى، فقال: ما لكم؟ فقالوا: إن ابن الخطاب قد صبأ. قال: فمه، امرؤ اختار دينًا لنفسه، أتظنون أن بني عدي تسلم إليكم صاحبهم؟ قال: فكأنما كانوا ثوبًا انكمش عنه. فقلت له بعدُ بالمدينة: يا أبت، من الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ؟ قال: يا بني، ذاك العاص بن وائل.

هذا هو الفاروق عمر بن الخطاب يعلن إسلامه علانية أمام أئمة الكفر وأساطين الضلالة دون خوف أو جبن من العقاب والإيذاء الذي سوف يناله من كفرهم وعنادهم، لقد سطع نور الإسلام في قلب عمر وأراد لهذا الدين أن يسود، وأن يكون لصاحبه حق الإعلان عن ولائه لهذا الدين، وأن تكفل له حقوق إبداء الرأي وممارسة شعائر دينه.

وقصة إسلام عمر تدل على شجاعته وقوته، فهو يريد قتل خاتم الأنبياء، ويتوشح سيفه عند الهاجرة، ولكن إرادة الله تجعل نعيم بن عبد الله يقابله، ويخبره عن إسلام أخته وزوجها، فيتحول إلى بيتها، ويعلو على زوجها، ويشج وجه أخته، وتسيل الدماء. فيرق قلب عمر، وينطق بالشهادة.

“قال عبد الله بن مسعود: كَانَ إِسْلامُ عُمَرَ فَتْحًا، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ رَحْمَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُونَا فَصَلَّيْنَا”[2].

ثالثًا: القوة الإيمانية :
“العقيدة المكينة، معين لا ينضب للنشاط الموصول، والحماسة المدخورة، واحتمال الصعاب، ومواجهة الأخطار، بل هي سائق حثيث يدفع إلى لقاء الموت دون تهيب، إن لم يكن لقاء محب مشتاق، تلك طبيعة الإيمان إذا تغلغل واستمكن، إنه يضفي على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله، فإذا تكلم كان واثقا من قوله، وإذا اشتغل كان راسخا في عمله، وإذا اتجه كان واضحا في اتجاهه، وما دام مطمئنًا إلى الفكرة التي تملأ عقله، وإلى العاطفة التي تغمر قلبه، فقلما يعرف التردد سبيلاً إلى نفسه، وقلما تزحزحه العواصف العاتية عن موقفه”[3].

وعمر الذي كان بين الصحابة متفردًا بالصرامة والصراحة والقوة في الحق، والشدة في دين الله. هو نفسه عمر الأواه الأواب الخاشع الضارع المخبت المنيب، الذي ذلت له نفسه في الله، بل ذل له شيطانه الذي لم يجرؤ أن يسير في طريق يسلكه عمر وإذا رآه ولى مدبرًا، وما أفصح وأدق قول رسول الله وهو يرى عمر داخلاً عليه ذات يوم فيقول: “إِيِهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ. إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ”. ولت الشياطين الدبر فَرَقًا وخَوْفًا من هذا المؤمن المُؤَيد بنصرة الله، ويئست منه أن تصرفه عن عزائم الأمور، أو الوسوسة له بالشر، فليس هذا من شأنها معه.

ويكفي المرء في معرفة قدر الفاروق عمر أن يتعرف على وصف الرسول للفاروق بالشدة في دينه والقوة في أمر الله تعالى، يروي أنس بن مالك عن الرسول : “أَشَدُّ أُمَّتِي فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ”.

وقال صهيب : لما أسلم عمر بن الخطاب ظهر الإسلام ودُعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، واتنصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه.

إنه عمر وما أدراك ما عمر

أَعْنِي بِهِ الْفَارُوقَ فَرَّقَ عُنْوَةً *** بِالسَّيْفِ بَيْنِ الْكُفْرِ وَالإِيمَانِ

هُوَ أَظْهَرَ الإِسْلامَ بَعْدَ خَفَائِهِ *** وَمَحَا الظَّلامَ وَبَاحَ بِالْكِتْمَانِ

هجرة الفاروق عمر :
لما أسلم عمر بن الخطاب أَبَى إلا أن يكون إسلامه علانية، وإيمانه مشتهرًا يتسامع به الناس، كذا لما أراد الهجرة أبى إلا أن تكون علانية.

يقول ابن عباس رضي الله عنهما: قال لي علي بن أبي طالب : ما علمت أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا، إلا عمر بن الخطاب.

فإنه لما هم بالهجرة، تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا متمكنًا، ثم أتى المقام، فصلى متمكنًا، ثم وقف على الحلق واحدة، واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه، أو يوتم ولده، أو يرمل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي.

قال ابن الجوزي: قويت شدة عمر في الدين فصلبت عزائمه، فلما حانت الهجرة، تسللوا تسلل القطا، واختال عمر في مشيته، فقال: عند خروجه ها أنا أخرج إلى الهجرة، فمن أراد لقائي فليلقني في بطن هذا الوادي.

ولنا وقفة مع هذا المشهد العمري، إذ كيف يهاجر عمر بن الخطاب جهرًا، ويهاجر الرسول سرًّا.

إن عمر لا يمثل القدوة للمسلمين؛ وإنما القدوة الأولى هو الرسول ، وفي المسلمين من هو ضعيف ومن هو قوي، وعدم اعتراض النبي على خروج عمر جهرًا فيه دلالة واضحة على أن من استطاع من المسلمين أن يخرج في قوة وجهر حال كونه قادرًا على ذلك فليفعل، ومن استطاع من المسلمين الأقوياء أن يظهر معالم الإسلام في مجتمع تسود فيه الجاهلية فليفعل وفي عمر قدوة له، ولكن ليس على الضعفاء حرج.

هيبة عمر :
اتصف الفاروق بالهيبة لما كان عليه من قوة الدين، والحرص على أمر الله، والوقوف عند حدوده.

ومن هيبة الفاروق أن هناك جارية نذرت أن تضرب بين يدي النبي إن رده سالمًا، فلما أذن لها رسول الله في الوفاء بما نذرت فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها، وقعدت عليه هيبة له .

ومن هيبة الفاروق، أنه كان للإسلام حصنًا فقمع الكافرين وكبت المنافقين وعلت في خلافته راية الموحدين.

رجل لا تأخذه في الله لومة لائم :

يروي طارق بن شهاب رحمه الله أن حذيفة خطبهم فقال: والله ما أعرف رجلاً لا تأخذه في الله لومة لائم غير هذا الرجل: عمر بن الخطاب فكيف أنتم لو قد فارقكم؟! ألا يدعونا ذلك إلى التأسي بالفاروق بألا تأخذنا في الله لومة لائم.

ألا نقتدي بعمر فنقدم مرضاة الله تعالى على الخلق أجمعين.

هذا ما نرجوه، وهذا ما نتمناه.

الشيطان يفر من عمر :
من مناقب عمر بن الخطاب التي عُرف بها بين أصحاب النبي أن الشيطان كان يفر منه، ويسلك طريقًا غير طريقه.

يقول سعد بن أبي وقاص : اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى النَّبِيِّ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْأَلْنَهُ، وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمْ عَلَى صَوْتِهِ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَدَخَلَ وَرَسُولُ اللَّهِ يَضْحَكُ فَقَالَ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقَالَ الرَّسُولُ : “عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاءِ اللاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ بَادَرْنَ الْحِجَابَ”. فَقَال عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ: أَيْ عَدُّوَاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقُلْنَ: نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ . فَقَالَ النَّبِيُّ : “إِيِهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ”.

أضحك الله سنك: لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازمه، وهو السرور أو نفي ضد لازمه وهو الحزن.

إيه: بالكسر والتنوين معناها حدثنا ما شئت وبغير التنوين زدنا مما حدثنا.

وقال النووي هذا الحديث محمول على ظاهره، أن الشيطان متى رأى عمر سالكًا فجًّا هرب هيبة من عمر، وفارق ذلك الفج، وذهب في فج آخر لشدة خوفه من بأس عمر أن يفعل فيه شيئًا.

قال رسول الله : “إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ”.

وعن تلك المنقبة التي ثبتت لعمر بن الخطاب يحدثنا ابن مسعود فيقول: خرج رجل من أصحاب النبي ، فلقى الشيطان فاشتجرا فاصطرعا، فصرعه الذي من أصحاب رسول الله ، فقال الشيطان: أرسلني أحدثك عجيبًا يعجبك. قال: فأرسله. قال: فحدثني. قال: لا. قال: فاشتجرا الثانية، واصطرعا، فصرعه الذي من أصحاب محمد ، قال: أرسلني فلأحدثك حديثاًَ يعجبك. فأرسله. فقال: حدثني. فقال: لا. فاشتجرا الثالثة. فصرعه الذي من أصحاب محمد ، ثم جلس على صدره، وأخذ بإبهامه يلوكها، فقال: أرسلني. قال: لا أرسلك حتى تحدثني. قال: سورة البقرة، فإنه ليس منها آية تقرأ في وسط الشياطين إلا تفرقوا ولا تقرأ في بيت، فيدخل ذلك البيت شيطان. قالوا: يا أبا عبد الرحمن، فمن ذلك الرجل. قال: فمن ترونه إلا عمر بن الخطاب.

ومن المواقف التي تتجلى فيها قوة عمر وفضل إيمانه مما جعل الشياطين تخشاه ما رواه الترمذي قال: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ جَالِسًا، فَسَمِعْنَا لَغَطًا وَصَوْتَ صِبْيَانٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ تَزْفِنُ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا، فَقَالَ: “يَا عَائِشَةُ تَعَالَيْ فَانْظُرِي”. فَجِئْتُ فَوَضَعْتُ لَحْيَيَّ عَلَى مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إِلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ لِي: “أَمَا شَبِعْتِ، أَمَا شَبِعْتِ”. قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ: لا. لأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ عُمَرُ، قَالَتْ: فَارْفَضَّ النَّاسُ عَنْهَا. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : “إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ”. قَالَتْ: فَرَجَعْتُ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ[4].

ويروي بريدة: يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ : “إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلا فَلا”. فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : “إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ”.

وقال طارق بن شهاب رحمه الله: كنا نتحدث أن عمر بن الخطاب ينطق على لسان ملك. ويروي علينا قول ابن مسعود : إني لأحسب الشيطان يفرق من عمر أن يحدث حديثًا فيرده، وإني لأحسب عمر بين عينيه ملك يسدده ويقومه.

فالحق يدور مع الفاروق حيث دار، والصدق يكون حيث كان، فالسكينة تنطق على لسانه، والحق وضع في قلبه، وهو المحدَّث الذي أُلقي الخير في روعه، وكثرت في آيات القرآن الكريم موافقاته.

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله تعالى هو صاحب الفضل العظيم.

يقول البراء بن عازب : كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَكَانُوا يُقْرِئُونَ النَّاسَ، قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ بِلالٌ وَسَعْدٌ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ . قَالَ: حَتَّى جَعَلَ الإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ: فَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَأْتُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] فِي سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ.

وهكذا ظل عمر بن الخطاب حريصًا على إعزاز الإسلام في أفعاله، ويعمل جاهدًا على إعانة من أراد الهجرة حتى خرج ومعه هذا الوفد الكبير من أقاربه وحلفائه.

فما أروع عمر بن الخطاب في إسلامه، وما أروعه في هجرته .

“ولما هاجر عمر أصبح وزير صدق للنبي وآخى بينه وبين عويمر بن ساعدة، وقيل: بينه وبين عتبان بن مالك، وقيل: بينه وبين معاذ بن عفراء، وقد علق ابن عبد الهادي على ذلك وقال: لا تناقض بين الأحاديث ويكون رسول الله قد آخى بينه وبين كل أولئك في أوقات متعددة”.