أ.د. أحمد محمد وهبان

الحرب السعوديه .. الايرانيه تظهر للعلن

كاتب الموضوع الأصلي: سعود القريني 333

عبد الباري دولار

لم يشكل الهجومان الانتحاريان اللذان استهدفا السفارة الايرانية في قلب بيروت اي مفاجآت للمراقبين، والشيء نفسه يمكن ان يقال ايضا عن تبني كتائب عبدالله عزام التابعة لتنظيم “القاعدة” لهما، لان انتقال الحرب الطاحنة في سورية الى لبنان، وبصورة اكثر دموية كان متوقعا، بل شبه حتمي.

ايران هي الداعم الاساسي للنظام السوري، فالمال والسلاح، ولولاها ودعهما، لما استمر صموده حتى الآن، كما ان “حزب الله” الذي تقع السفارة الايرانية في مربعه الامني، لعب دورا حاسما في القتال على الارض ضد المعارضة السورية المسلحة، والجماعات الجهادية منها على وجه الخصوص مثل الدولة الاسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة اللتين اعلنتا بيعتهما لتنظيم القاعدة، ولولا تدخل مقاتلي حزب الله الى جانب الجيش السوري لما استعادت الاخيرة مدينة القصير الاستراتيجية، ولما حققت تقدما في ريفي دمشق وحلب واحكمت سيطرتها على بلدة قارة بريف القلمون.

لا نضيف جديدا عندما نقول ان الهدف من هذا الهجوم المزدوج ممارسة ضغط على الطرفين، اي حزب الله وايران معا، من اجل سحب قواتهما من سورية اولا، واشعال فتيل الصراع الطائفي السني الشيعي في لبنان، ونقل الحرب اليه ثانيا لان حزب الله لا يستطيع خوض حربين معا داخل لبنان وفي سورية في الوقت نفسه وان استطاع فبتكلفة عالية جدا، فهناك اكثر من 700 الف لاجيء سوري في لبنان حاليا معظمهم من ابناء الطائفة السنية، ووجودهم ادى الى حدوث انقلاب في التوازن الطائفي في لبنان وتغيير المعادلة الديمغرافية الحساسة لمصلحة السنة وحلفائهم، خاصة اذا نجحت محاولات تجنيدهم او نسبة كبيرة من شبابهم في ميليشيات مناهضة لحزب الله وايران معا، وجعلهم مخزونا مهما في حال اندلاع حرب الطوائف مجددا وبشكل موسع في لبنان.

السيد حسن نصرالله زعيم “حزب الله” اعلن في خطابه الذي القاه يوم الخميس الماضي بمناسبة ذكرى عاشوراء، بأن قواته باقية في سورية لانها تقاتل حتى النهاية دفاعا عن المقاومة ومعسكرها وقضية فلسطين، وهذا يعني بانها لن تنسحب تحت اي ضغط من الضغوط ومهما تعاظم هذا الضغط.

***

سورية تشهد حاليا حرب “حياة او موت” بين المملكة العربية السعودية من ناحية وايران من الناحية المقابلة، تتخذ بعدا طائفيا صريحا، وهي حرب مرشحة للامتداد الى المنطقة بأسرها دون استثناء، وخاصة دول الجوار في لبنان والاردن وتركيا والعراق.

القيادة السعودية قررت ان تخوض حرب اسقاط النظام السوري بمفردها، بعد ان تخلت عنها امريكا، وفضلت التحالف مع الهلال الشيعي على انقاض تحالفها الاستراتيجي مع السنة بقيادة السعودية، وفتحت حوارا استراتيجيا مع ايران يمكن ان يكلل باتفاق في لقاء الغد في جنيف بين الاخيرة والدول الست العظمى يؤدي الى تخفيف العقوبات الاقتصادية، وفك التجميد عن 60 مليار دولار من الاموال الايرانية في البنوك الغربية، والاعتراف بايران قوة اقليمية عظمى يمكن تقاسم النفوذ معها في المنطقة.

الامير بندر بن سلطان بن عبد العزيز رئيس جهاز الاستخبارات السعودي المعروف بعدائه الشديد لابناء الطائفة الشيعية، وايران، وحزب الله، واعترف رسميا في كتاب اسمه (الامير) بضلوعه في عملية محاولة اغتيال السيد محمد حسين فضل الله في الضاحية الجنوبية في لبنان كرد على هجوم نفذه الحزب الذي كان يتزعمه في حينها على سفينة حربية امريكية مطلع الثمانينات من القرن الماضي ادى الى مقتل حوالي 300 من قوات البحرية “المارينز″ كانوا على ظهرها، وهو الآن يضع كل ثقله، ويوظف مليارات بلاده ايضا، لاسقاط النظام السوري، وتحجيم النفوذ الايراني في المنطقة ان لم يتأت القضاء عليه كليا.

صحيح ان الامير بندر الذي يتخذ من الاردن قاعدة له للتعاطي مع تطورات الملف السوري وتبعاته وتسليح المعارضة، اسس “جيش الاسلام”، وبموازاة ذلك يمول تأسيس جيش آخر اكثر احترافية تحت اسم “جيش محمد” من المقرر ان يصل تعداده الى ربع مليون جندي، يكون بمثابة قوات “تدخل سريع″ سعودية في الحروب الحالية والمقبلة خاصة في اليمن والعراق علاوة على سورية ولبنان، ولكن الصحيح ايضا ان الطرف الآخر المقابل لا يمكن الاستهانة به وبقدراته العسكرية الهائلة، وخبراته القتالية ايضا.

نواب يمثلون حزب الله في البرلمان اللبناني توعدوا بالانتقام لهذا العمل الارهابي حسب تصريحاتهم لقنوات لبنانية، بينما لم يتردد السيد عمران الزعبي وزير الاعلام السوري من اتهام السعودية بالاسم ودون مواربة الى جانب دول خليجية واسرائيل، التي حلت ثالثا، بالوقوف وراء الهجوم المزدوج على السفارة الايرانية، والعمل على ما وصفه “بتعتيم ونشر ثقافة الارهاب في المنطقة”، وقال “ان رائحة البترودولار تفوح من كل الاعمال الارهابية التي ضربت في سورية ولبنان والعراق”، وسمى المخابراتين السعودية والاسرائيلية بالوقوف خلف الارهاب.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، كيف سيكون الرد على مثل هذا التفجير، الذي هو الثالث من نوعه في الضاحية الجنوبية لبيروت في اقل من عام واين؟

هناك نظريتان في هذا الصدد، الاولى تقول بان قيادة “حزب الله” ستتحلى بضبط النفس مثلما فعلت ازاء التفجيرين السابقين، لانها تدرك جيدا ان الهدف هو استفزازها للرد بأعمال مماثلة في لبنان، في وقت تنشغل فيه في حرب اهم في سورية بعيدا عن جبهتها الداخلية، اما الثانية فتقول عكس ذلك، وان الرد هذه المرة بات حتميا بطريقة او باخرى، ولكن ليس في لبنان على الارجح، ولا بد ان نذّكر بمناشدة السيد نصر الله لخصومه اللبنانيين بحصر الحرب بالارض السورية بعيد عن لبنان، ولكنها لم تجد آذانا صاغية، فيما يبدو لان خصومه يعرفون جيدا ان نقطة ضعفه لبنان.

***

نرجح النظرية الاولى، اي ضبط النفس، ولكننا لا نستبعد الثانية، بعد ان اصبحت الحرب مكشوفة، واطرافها معروفة لا تخفي هويتها ولا نواياها، ومن هنا قد تكون السفارة السعودية في لبنان احد الاهداف، وتفعيل او تثوير الطائفة الشيعية في السعودية ونظيراتها في دول خليجية من بين الخيارات الاخرى.

انها حرب “كسر عظم” مرشحة للتوسع والازدياد شراسة، فالتقارير الغربية تتحدث عن دعم الامير بندر لجماعة اسلامية مسلحة في اقليم بلوشستان الباكستاني المحاذي للحدود الايرانية الشرقية تحمل اسم “جيش العدالة”، وتثوير الاقليات العرقية (العرق الآذاري) وعرب الاهواز، وقبائل سنية اخرى داخل ايران لزعزعة استقرار النظام في طهران وجبهته الداخلية وهؤلاء جميعا يمثلون نصف تعداد السكان تقريبا.

الحرب العراقية الايرانية بدأت بشرارة تفجير في جامعة المستنصرية في بغداد، ومحاولة اغتيال طارق عزيز على ايدي مجموعة قيل انها تنتمي الى حزب الدعوة الحاكم رئيسه حاليا في العراق، ولا نستغرب اذا ما شكلت عملية هجوم اليوم على السفارة الايرانية في بيروت شرارة حرب اغتيالات وتفجيرات وربما ما هو اكثر.

الحرب الايرانية العراقية استمرت ثماني سنوات وانتهت بالتعادل وتجرع الامام الخميني كأس السم واكثر من مليوني ضحية، واستخدامات لاسلحة كيماوية، وقصف مدن، ترى كم ستستمر الحرب السعودية الايرانية الزاحفة بسرعة على المنطقة، وكم سيكون ضحاياها وما هي الاسلحة التي تستخدم فيها؟

حيـاة أدولف هتـلر

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الســندي

ولد أدولف هتلر في 20 أبريل 1889 في برونو بالإمبراطورية النمساوية المجرية.[3] كان هتلر الابن الرابع من أصل ستة أبناء أما والده فهو ألويس هتلر (1837 – 1903) الذي كان يعمل موظفًا في الجمارك وكانت والدته كلارا هتلر (1860 – 1907) هي الزوجة الثالثة لوالده, ونظرًا لأن الهوية الحقيقة لوالد ألويس شكلت سرًا غامضًا في تاريخ الرايخ الثالث، كان من المستحيل تحديد العلاقة البيولوجية الحقيقية التي كانت تربط بين ألويس وكلارا؛ وهو الأمر الذي استدعى حصولهما على إعفاء بابوي لإتمام زواجهما. ومن بين الأبناء الستة وهم ثمرة زواج ألويس وكلارا لم يصل إلى مرحلة المراهقة سوى أدولف وشقيقته باولا التي كانت أصغر منه بسبع سنوات. وكان لألويس ابن آخر اسمه ألويس هتلر الابن وابنة اسمها انجيلا من زوجته الثانية.[4]

عاش هتلر طفولة مضطربة حيث كان أبوه عنيفًا في معاملته له ولأمه حتى إن هتلر نفسه صرح إنه في صباه كان يتعرض عادة للضرب من قبل أبيه. وبعدها بسنوات تحدث هتلر إلى مدير أعماله قائلاً: “عقدت – حينئذ – العزم على ألا أبكي مرة أخرى عندما ينهال علي والدي بالسوط. وبعد ذلك بأيام سنحت لي الفرصة كي أضع إرادتي موضع الاختبار. أما والدتي فقد وقفت في رعب تحتمي وراء الباب. أما أنا فأخذت أحصي في صمت عدد الضربات التي كانت تنهال علي مؤخرتي.” [5] ويعتقد المؤرخون أن تاريخ العنف العائلي الذي مارسه والد هتلر ضد والدته قد تمت الإشارة إليه في جزء من أجزاء كتابه كفاحي والذي وصف فيه هتلر وصفًا تفصيليًا واقعة عنف عائلي ارتكبها أحد الأزواج ضد زوجته. وتفسر هذه الواقعة بالإضافة إلى وقائع الضرب التي كان يقوم بها والده ضده سبب الارتباط العاطفي العميق بين هتلر ووالدته في الوقت الذي كان يشعر فيه بالاستياء الشديد من والده.

غالبًا ما كانت أسرة هتلر تنتقل من مكان لآخر حيث انتقلت من برونو آم إن إلى مدينة باسساو ومدينة لامباتش ومدينة ليوندينج بالقرب من مدينة لينز. وكان هتلر الطفل طالبًا متفوقًا في مدرسته الابتدائية، ولكنه رسب في الصف السادس، وهي سنته الأولى في Realschule (المدرسة الثانوية) عندما كان يعيش في لينز وكان عليه أن يعيد هذه السنة الدراسية. وقال معلموه عنه إنه “لا يرغب في العمل”. ولمدة عام واحد كان هتلر في نفس الصف الدراسي مع لودفيج فيتجنشتاين ؛ الذي يعتبر واحدًا من أكثر الفلاسفة تأثيرًا في القرن العشرين.[6][7][8][9] وبالرغم من أن الولدين كانا في العمر نفسه تقريبًا، فقد كان فيتجنشتاين يسبق هتلر بصفين دراسيين.[10] ولم يتم التأكد من معرفة هتلر وفيتجنشتاين لبعضهما في ذلك الوقت، وكذلك من تذكر أحدهما للآخر.[11]

صرح هتلر معقباً على هذا أن تعثره التعليمي كان نابعًا من تمرده على أبيه الذي أراده أن يحذو حذوه ويكون موظفًا بالجمارك على الرغم من رغبة هتلر في أن يكون رسامًا. ويدعم هذا التفسير الذي قدمه هتلر ذلك الوصف الذي وصف به نفسه بعد ذلك بأنه فنان أساء من حوله فهمه. وبعد وفاة ألويس في الثالث من شهر يناير في عام 1903، لم يتحسن مستوى هتلر الدراسي. بل ترك هتلر المدرسة الثانوية في سن السادسة عشرة دون الحصول على شهادته.

وفي كتابه كفاحي أرجع هتلر تحوله إلى الإيمان بالقومية الألمانية إلى سنوات المراهقة الأولى التي قرأ فيها كتاب من كتب والده عن الحرب الفرنسية البروسية والذي جعله يتساءل حول الأسباب التي جعلت والده وغيره من الألمان ذوي الأصول النمساوية يفشلون في الدفاع عن ألمانيا أثناء الحرب.[12]

النسب والأصول[عدل]كان والد هتلر – ألويس هتلر – مولوداً غير شرعي. وخلال السنوات التسع والثلاثين الأولى من عمره، حمل ألويس لقب عائلة والدته وهو تشيكلجروبر.

وفي عام 1876، حمل ألويس لقب زوج والدته يوهان جورج هيدلر. وكان يمكن كتابة الاسم بأكثر من طريقة كالآتي: Hiedler وHuetler وHuettler وHitler، وربما قد قام أحد الموظفين بتوحيد صيغته إلى Hitler. وقد يكون الاسم مشتقًا من “الشخص الذي يعيش في كوخ” (ألمانية فصحى: Hütte) أو من “الراعي” (ألمانية فصحى: hüten = يحرس) والذي تعني في الإنجليزية ينتبه أو قد يكون مشتقًا من الكلمة السلافية Hidlar وHidlarcek. (وفيما يتعلق بالنظريتين الأولى والثانية، فإن بعض اللهجات الألمانية قد يمكنها التمييز إلى درجة بسيطة أو لا يمكنها التمييز بين الصوتين ü- وi- عند النطق.

وقد استغلت الدعاية الخاصة بقوات الحلفاء اسم العائلة الأصلى لهتلر أثناء الحرب العالمية الثانية، فكانت طائراتهم تقوم بعملية إنزال جوي على المدن الألمانية لمنشورات تحمل عبارة “Heil Schicklgruber” تذكيرًا للألمان بنسب زعيمهم. وبالرغم من أن هتلر كان قد ولد وهو يحمل اسم هتلر قانونيًا، فإنه قد ارتبط أيضًا باسم هيدلر عن طريق جده لأمه يوحنا هيدلر.

أما الاسم “أدولف” فهو مشتق من الألمانية القديمة ويعني “الذئب النبيل” (ويتكون الاسم منِ Adel التي تعني النبالة، بالإضافة إلى كلمة ذئب). وهكذا، كان واحدًا من الألقاب التي أطلقها أدولف على نفسه الذئب (ألمانية: Wolf) أو السيد ذئب (ألمانية: Herr Wolf). وقد بدأ في استخدام هذه اللقب في أوائل العشرينات من القرن التاسع عشر وكان يناديه به المقربين منه فقط (حيث لقبه أفراد عائلة فاجنر باسم العم ذئب) حتى سقوط الرايخ الثالث.[13] وقد عكست الأسماء التي أطلقها على مقرات القيادة المختلفة له في كل أنحاء أوروبا القارية ذلك، فكانت أسماؤها وكر الذئب في بروسيا الشرقية، وWolfsschlucht في فرنسا، وWerwolf في أوكرانيا وغيرها من الأسماء التي كانت تشير إلى هذا اللقب. علاوةً على ذلك، عرف هتلر باسم “آدي” بين المقربين من عائلته وأقاربه.

وكان جد هتلر لأبيه على الأرجح واحدًا من الأخوين يوهان جورج هيدلر أو يوهان نيبوموك هيدلر. وسرت الشائعات بأن هتلر كان ينتسب إلى اليهود عن طريق واحد من أجداده؛ لأن جدته ماريا شيكلجروبر قد حملت عندما كانت تعمل كخادمة في أحد البيوت اليهودية. وأحدث المعنى الكامن في هذه الشائعات دويًا سياسيًا هائلاً حيث أن هتلر كان نصيراً متحمساً لإيديولجيات عنصرية ومعادية للسامية. وقد حاول خصومه جاهدين إثبات نسب هتلر إلى أصول يهودية أو تشيكية. وبالرغم من أن هذه الإشاعات لم تثبت صحتها أبدًا، فإنها كانت كافية بالنسبة لهتلر لكي يقوم بإخفاء أصوله. ووفقًا لما ذكره روبرت جي إل وايت في كتابه The Psychopathic God: Adolf Hitler، فقد منع هتلر بقوة القانون عمل المرأة الألمانية في البيوت اليهودية. وبعد ضم النمسا إلى ألمانيا، قام هتلر بتحويل المدينة التي عاش فيها والده إلى منطقه لتدريب المدفعية.

النشأة[عدل]بدءاً من عام 1905، عاش هتلر حياة بوهيمية في فيينا على منحة حكومية لإعانة الأيتام ودعم مالي كانت والدته تقدمه له. وتم رفض قبوله مرتين في أكاديمية الفنون الجميلة في فيينا وذلك في عامي 1907 و1908 لأنه “غير مناسب لمجال الرسم” وأخبروه أن من الأفضل له توجيه قدراته إلى مجال الهندسة المعمارية.[14] وعكست مذكراته افتتانه بهذا الموضوع:

كان الهدف من رحلتي هو دراسة اللوحات الموجودة في صالة العرض في المتحف الذي كان يطلق عليه Court Museum، ولكنني نادراً ما كنت ألتفت إلى أي شيء آخر سوى المتحف نفسه. فمند الصباح وحتى وقت متأخر من الليل، كنت أتنقل بين المعروضات التي تجذب انتباهي، ولكن كانت المباني دائمًا هي التي تستولي على كامل انتباهي.[15]

وبعد نصيحة رئيس المدرسة له، اقتنع هو أيضًا أن هذا هو الطريق الذي يجب أن يسلكه ولكن كان ينقصه الإعداد الأكاديمي المناسب للالتحاق بمدرسة العمارة.

وفي غضون أيام قلائل، أدركت في أعماقي إنني يجب أن أصبح يومًا مهندسًا معماريًا. والحقيقة هي أن سلوكي هذا الطريق كان مسألة شاقة للغاية حيث إن إهمالي لإتمام دراستي في المدرسة الثانوية قد ألحق الضرر بي لأنه كان ضروريًا إلى حد بعيد. وكان لا يمكن أن التحق بالمدرسة المعمارية التابعة للأكاديمية دون أن أكون قد التحقت قبلها بمدرسة البناء الخاصة بالدراسة الفنية والتي كان الالتحاق بها يستلزم الحصول على شهادة المدرسة الثانوية. ولم أكن قد قمت بأية خطوة من هذه الخطوات. فبدا لي أن تحقيق حلمي في دنيا الفن مستحيلاً بالفعل.[15]

وفي 21 ديسمبر، 1907، توفيت والدة هتلر إثر إصابتها بسرطان الثدي عن عمر يناهز السبعة وأربعين عامًا. وبأمر من أحد المحاكم في لينز، أعطى هتلر نصيبه في الإعانة التي تمنحها الحكومة للأيتام لشقيقته باولا. وعندما كان في الحادية والعشرين من عمره، ورث هتلر أموالاً عن واحدة من عماته. وحاول هتلر أن يشق طريقه بجهد كرسام في فيينا حيث كان ينسخ المناظر الطبيعية الموجودة على البطاقات البريدية ويبيع لوحاته إلى التجار والسائحين وبعد أن تم رفضته أكاديمية الفنون للمرة الثانية، كان ماله كله قد نفذ. وفي عام 1909، عاش هتلر في مأوى للمشردين. ومع حلول عام 1910، كان هتلر قد استقر في منزل يسكن فيه الفقراء من العمال في Meldemannstraße.

وصرح هتلر أن اعتقاده في وجوب معاداة السامية ظهر لأول مرة في فيينا التي كان تعيش فيها جالية يهودية كبيرة تشتمل على اليهود الأرثوذكس الذين فروا من المذابح المنظمة التي تعرضوا لها في روسيا.[15] وعلى الرغم من ذلك، فقد ورد على لسان أحد أصدقاء طفولته وهو أوجست كوبيتسك أن ميول هتلر “المؤكدة في معاداة السامية” قد ظهرت قبل أن يغادر لينز في النمسا.[15] وفي هذه الفترة، كانت فيينا مرتعًا لانتشار روح التحيز الديني التقليدية، وكذلك للعنصرية التي ظهرت في القرن التاسع عشر. ومن الممكن أن يكون هتلر قد تأثر بكتابات لانز فون ليبنفيلس؛ واضع النظريات المعادي للسامية، وكذلك بآراء المجادلين من رجال السياسة أمثال: كارل لويجر مؤسس الحزب الاشتراكي المسيحي وعمدة فيينا بالإضافة إلى المؤلف الموسيقي ريتشارد فاجنر وجورج ريتر فون شونيرر وهو أحد زعماء حركة القومية الألمانية التي عرفت باسم بعيداً عن روما!؛ وهي الحركة التي ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر والتي كانت تهدف إلى توحيد الشعوب التي تتحدث الألمانية في أوروبا. ويزعم هتلر في كتابه كفاحي أن تحوله عن فكرة معارضة معاداة السامية من منطلق ديني إلى تأييدها من منطلق عنصري جاء من احتكاكه باليهود الأرثوذكس وإذا كان هذا التفسير صحيحًا، فمن الواضح أن هتلر لم يكن يتصرف وفقًا لهذا المعتقد الجديد. فقد كان غالبًا ما ينزل ضيفًا على العشاء في منزل أحد النبلاء اليهود بالإضافة إلى قدرته الكبيرة على التفاعل مع التجار اليهود الذين كانوا يحاولون بيع لوحاته.[16]

وربما تأثر هتلر أيضًا بقراءته للدراسة التي قام بها مارتن لوثر والتي كان عنوانها “عن اليهود وأكاذيبهم” (بالإنجليزية: On the Jews and their Lies). وفي كتابه كفاحي يشير هتلر إلى مارتن لوثر باعتباره محاربًا عظيمًا ورجل دولة حقيقي ومصلح عظيم، وكذلك كان كل من فاجنر وفريدريك الكبير بالنسبة له.[17] وكتب فيلهلم روبك عقب واقعة الهولوكوست، قائلاً: “مما لا شك فيه أن مذهب مارتن لوثر كان له تأثير على التاريخ السياسي والروحي والاجتماعي في ألمانيا بطريقة – بعد التفكير المتأمل في كل جوانبها – يمكن وصفها بأنها كانت جزء من أقدار ألمانيا.

وزعم هتلر أن اليهود كانوا أعداءً للجنس الآري. كما ألقى على كاهل اليهود مسئولية الأزمة التي حدثت في النمسا. واستطاع الوقوف على صور محددة من الاشتراكية والبلشفية التي تزعمها العديد من القادة اليهود – كنوع من أنواع الحركات اليهودية – ليقوم بعمل دمج بين معاداة السامية وبين معاداة الماركسية. وفي وقت لاحق، ألقى هتلر باللوم في هزيمة الجيش الألماني أثناء الحرب العالمية الأولى على ثورات عام 1918 ومن ثم، أتهم اليهود بجريمة التسبب في ضياع أهداف ألمانيا الاستعمارية، وكذلك في التسبب في المشكلات الاقتصادية التي ترتبت على ذلك.

وعلى ضوء المشاهد المضطربة التي كانت تحدث في البرلمان في عهد الملكية النمساوية متعددة الجنسيات، قرر هتلر عدم صلاحية النظام البرلماني الديمقراطي للتطبيق. وبالرغم من ذلك – ووفقًا لما قاله أوجست كوبيتسك والذي شاركه الغرفة نفسها في وقت من الأوقات – أن هتلر كان مهتمًا بأعمال الأوبرا التي ألفها فاجنر أكثر من اهتمامه بآرائه السياسية.

واستلم هتلر الجزء الأخير من ممتلكات والده في مايو من عام 1913 لينتقل بعدها للعيش في ميونيخ. وكتب هتلر في كفاحي أنه كان يتوق دائمًا للحياة في مدينة ألمانية “حقيقية”. وفي ميونيخ، أصبح هتلر أكثر اهتمامًا بفن المعمار؛ وذلك ما جاء على لسان هتلر وظهر في كتابات هوستن ستيوارت تشامبرلين. كما أن انتقاله إلى ميونيخ قد ساعده أيضًا على التهرب من أداء الخدمة العسكرية في النمسا لبعض الوقت بالرغم من أن الشرطة في ميونيخ (والتي كانت تعمل بالتعاون مع السلطات النمساوية) تمكنت في نهاية الأمر من إلقاء القبض عليه. وبعد فحصه جسديًا وتقدمه بالتماس يدل على ندمه على ما اقترفه، تقرر أنه غير لائق لأداء الخدمة العسكرية لانه على ما يبدو كان هزيلاً جداً وقتها وتم السماح له بالعودة إلى ميونيخ. ومع ذلك، وعندما دخلت ألمانيا الحرب العالمية الأولى في أغسطس من عام 1914، تقدم هتلر بالتماس لملك بافاريا لودفيج الثالث للسماح له بالخدمة في بالجيش. وبالفعل وافق الملك على التماسه، وتم تجنيد أدولف هتلر في الجيش البافاري.[18]

بالارقام والاحصائيات …. ذبح الجيش الامريكي في العراق ..

كاتب الموضوع الأصلي: سعود القريني 333

الأرقام والوثائق .. ذبح الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان

————————————————————————————–

الجيش الأمريكي منهك وغير قادر علي غزو أي دولة أخري، وأي تهديدات بغزو دولة إسلامية كاليمن أو باكستان أو السودان أو إيران مجرد كلام أجوف وغير واقعي. فالجيش الأمريكي بعد تكسير عظامه في العراق وفي أفغانستان عاجز عن خوض حروب جديدة..

الجيش الأمريكي منهك وغير قادر علي غزو أي دولة أخري، وأي تهديدات بغزو دولة إسلامية كاليمن أو باكستان أو السودان أو إيران مجرد كلام أجوف وغير واقعي. فالجيش الأمريكي بعد تكسير عظامه في العراق وفي أفغانستان عاجز عن خوض حروب جديدة، وغير قادر علي اجتياح دولة ثالثة برياً، لا الآن ولا مستقبلاً. وضاع الحلم الإمبراطوري مع تمزيق هذا الجيش العدواني في أرض الرافدين وقري الأفغان.

تؤكد الأرقام والوثائق التي تحت أيدينا أن الحرب في العراق وفي أفغانستان كانت أكبر محرقة لمعدات وجنود الجيش الأمريكي منذ نشأة الولايات المتحدة وحتي الآن. لقد خسرت أمريكا ما يزيد عن 600 ألف قطعة من العتاد، ما بين دبابة وعربة قتال ومدرعة وهمفي ومروحية، وسقط ما يزيد عن مليون عسكري بين قتيل وجريح ومعاق ومصاب بالأمراض النفسية وأمراض الدماغ.

ربما تكون هذه الأرقام مذهلة للبعض، وقد كانت بالفعل مفاجئة بالنسبة لي شخصيا، ولكن بعد عملية بحث دقيقة، وضعت يدي علي الكثير من المعلومات من مصادرها الأمريكية، كالبنتاجون والكونجرس وغيرها. وهالني الكم الكبير من المعلومات المتاحة والتي تستحق أن نضعها أمام أعيننا لنفهم مايدور حولنا ولا نكون كجن سليمان نعمل في العذاب بينما أمريكا الإمبراطورية شاخت، وشلت، وسقطت.

وقد تلقيت رداً من القيادة المركزية الأمريكية للمرة الثانية علي مقالي السابق الذي ذكرت فيه 22 دليلاً اقتصادياً علي الإنهيار الوشيك للولايات المتحدة الأمريكية، وكنت أتوقع أن يكون رداً علميا يستحق النقاش حوله ولكن وجدته كالرد الأول مجموعة من الإدعاءات، والكلام المكرر الذي لا يقف علي ساقين.

وقد رددت في المقال السابق علي معظم ماورد في الرد الأخير، وحتي لا نبتعد عن صلب موضوعنا، فإنني سوف أتعرض لما يستحق التفنيد في مقال قادم إن شاء الله.

كنت في المقال السابق قد ركزت علي الانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه أمريكا ودوره في إنهاء الهيمنة الأمريكية وإسقاط المشروع الإمبراطوري الأمريكي وسردت الأدلة علي أننا ننتظر لحظة الانهيار الوشيك كما حدث مع الإتحاد السوفيتي.

وفي هذا المقال – كما وعدت القراء- فإنني سأركز علي الانكسار العسكري للجيش الأمريكي في العراق وفي أفغانستان، وأكشف عن معلومات تفضح حقيقة الثور المذبوح بأيدي حفنة من أبناء الأمة بإمكانات عسكرية بسيطة جدا، في أفقر دولتين مسلمتين عانتا من حصارٍ زاد عن عقدٍ من الزمن.

ولكي نقف علي حجم التدمير الذي تعرض له الجيش الأمريكي، فإنني ركزت علي حجم الخسائر في المعدات وأنظمة التسليح، والخسائر البشرية بالقتل والإصابة أثناء العمليات العسكرية، وإصابات ما بعد الحرب، والقتلي والمصابين من المتعاقدين من غير العسكريين. ولم أتعرض للتكلفة الاقتصادية إلا في حدود ضيقة لأنني أشرت إليها في المقال السابق.

أولاً: الخسائر في المعدات وأنظمة التسليح

1- المعدات المدمرة والمعطوبة

– قدرت دراسة لمكتب الميزانية بالكونجرس الأمريكي في سبتمبر 2007 عدد القطع التي فقدها الجيش وتحتاج إلي تعويض علي وجه السرعة بنحو 300 ألف معدة من كل الأنظمة الأساسية، خاصة المروحيات ودبابات أبرامز وبرادلي والمدرعات والهمفي والمدافع.[1]

وقالت الدراسة المتعلقة بعملية الإصلاح والإحلال والتجديد للمعدات المدمرة والمعطوبة التي تم استقدامها من ساحات الحرب بعنوان” Replacing and Repairing Equipment Used in Iraq and Afghanistan ” أن عمليات إصلاح وتعويض هذه الأسلحة ستأخذ وقتا طويلا.

– قال الجنرال روبرت رادين رئيس قيادة العتاد في الجيش الأميركي ونائب رئيس الأركان للعمليات اللوجستية والعمليات أن عدد المعدات التي دمرتها الحرب وخضعت للإصلاح مثل عربات القتال برادلي ودبابات ابرامز وقطع المدفعية والعربات ذات العجلات في عام 2005 بلغت 20000 قطعة. وفي 2006 بلغت 33000 قطعة، و في 2007 بلغت حوالي 47000 قطعة من المعدات خضعت للإصلاح.[2]

– وفقا لمكتب الميزانية بالكونجرس عام 2006 فإن النقص في المعدات نتيجة التدمير كان كالتالي:

13 ألف من المركبات سريعة الحركة ومتعددة الأغراض (همفي)

32 ألف مركبة تكتيكية متوسطة

7,600 آلاف مركبة تكتيكية ثقيلة

– قال بيتر شوميكر رئيس أركان الجيش الأمريكي في سبتمبر 2006 أمام مجموعة متخصصة في الكونجرس أن 1500 من عربات هامفي و الدبابات ام 2 والمركبات القتالية برادلي وغيرها تنتظر الإصلاح في مركز الصيانة في “رد ريفر آرمي”، وتنتظر 500 دبابة ام 1 في مركز انيستون في الاباما. وقال إن مراكز الصيانة الخمس الكبري التابعة للجيش لاتعمل بنصف طاقتها بسبب نقص الاعتمادات.[3]

– في نهاية 2006 بدأت عملية نقل الآلاف من الدبابات والمركبات المعطوبة إلي مستودعات وورش الجيش في الولايات المتحدة للإصلاح. ففي مستودع ” Red River “في ولاية تكساس ، حسبما ذكرت ” Fort Worth Star-Telegram” ما لا يقل عن 6200 عربة همفي ودبابة ومدرعة وشاحنة وسيارات الإسعاف تنتظر الإصلاح .

– وهناك مقبرة أخري للدبابات وعربات القتال في مستودع الجيش في انيستون في ولاية ألاباما. وقالت المتحدثة باسم المستودع جوان غوستافسون أن المستودع سيقوم بإصلاح 1885 من الدبابات والعربات المدرعة الأخري خلال السنة المالية التي بدأت في 1 أكتوبر 2006. وقالت ان المستودع قام باصلاح 1169 دبابة وآلية في 2004 واصلاح 1035 في 2005.[4]

– كثير من المعدات الأمريكية تعطلت بسبب الإجهاد والإهلاك، والحركة، كرا وفرا في أرض المحرقة، واستنفاد الطاقة المحددة لها. ففي جلسات استماع بالكونجرس في يناير 2007 قال الجنرال تشارلز اندرسون مدير تطوير الجيش أمام أعضاء اللجان الفرعية لجهوزية القوات الجوية والبرية: إن الحرب أجهدت الشاحنات والدبابات وطائرات الهليكوبتر وأهلكتها، فالدبابات تتحرك في أرض المعركة بمعدل يتجاوز خمس مرات المعدل المقرر لها، و الشاحنات بما يفوق المعدل بـ 5-6 مرات، ونفس الأمر مع المدرعات الثقيلة كما أن المروحيات استهلكت حيث تطير بمعدل يزيد 5-6 مرات عن المقرر لها.[5]

– نسبة أخري من المعدات تعطلت بسبب ظروف التشغيل القاسية حيث تتحرك الدبابات والمدرعات لمسافات طويلة علي الطرق الأسفلتية المعبدة التي تزيد من معدلات الاهتزازات بالنسبة للأنظمة الإلكترونية و الميكانيكية مما يتسبب عنه إهلاك هذه الأنظمة.[6]

– الظروف البيئية في العراق حاربت الجيش الأمريكي، فالمعدات التي لم تصبها العبوات الناسفة علي الطرق وقذائف المورتر في القواعد العسكرية، تعطلت بسبب عواصف الرمال والغبار التي أفسدت محركات الطائرات والأنظمة الإلكترونية والفلاتر، وأتلفت محركات الدبابات. ويصعب إصلاح ما أتلفته الرمال والغبار في الميدان ويحتاج إلي ورش تم التوسع في بنائها في الولايات المتحدة خصيصا لإنقاذ معدات الجيش.[7]

– أعلن الجيش أن كل الدبابات أبرامز وبرادلي العائدة من العراق تم إرسالها إلي المستودعات لإصلاحها بسبب الرمال التي سدت المحركات والفلاتر. ويكلف اصلاح الدبابة الواحدة وتخليصها من الرمال 800 ألف دولار، ويكلف ذلك للبرادلي 500 ألف دولار.[8]

– مع استنزاف كل الترسانة الأمريكية وإرسالها إلي العراق وأفغانستان والمناطق المحيطة بهما في أول خمس سنوات للحرب أكد الخبراء في وزارة الدفاع الأمريكية عدم توفر معدات للقوات المتوجهة إلي المعركة، علاوة علي عدم توفر معدات للتدريب. [9]

– تأثير العبوات الناسفة

لعبت العبوات الناسفة، هذا الاختراع البسيط جدا، دورا متميزا في تعجيز الجيش الأمريكي وتدمير معداته وقتل جنوده، ووقف الجيش الغازي المسلح بأحدث التقنيات حائرا لا يدري ماذا يفعل أمام هذا السلاح البدائي. لقد رصدوا الميزانيات ووضعوا الخطط ولكنها باءت كلها بالفشل.

– في دراسة لخدمة أبحاث الكونجرس صدرت في 25 سبتمبر 2006 حول العبوات الناسفة في العراق فإن ما تم إنفاقه منذ 2004 إلي 2006 لتمويل جهود يائسة لمكافحة العبوات الناسفة بلغ 6.1 مليار دولار، حيث تم تمويل عدة هيئات متخصصة في البحث عن التقانة التي تساهم في الكشف عنها بما فيها الطائرات، وعندما عجزوا قرروا تخصيص طرق مؤمنة خاصة لتحرك المعدات.[10]

– وللتدليل علي خطورة العبوات حجما وتأثيرا، ففي حادثة وقعت عام 2004 فوجيء الأمريكيون بالمركبة القتالية برادلي التي تزن 22 طنا طارت في الهواء جراء مرورها علي عبوة ناسفة واستقرت قاعدة المركبة المدرعة علي مسافة 60 ياردة (54 متراً) من مكان الانفجار.[11]

– ومع تصاعد عمليات تفجير المعدات علي الطرق تم تأسيس صندوق للانفاق علي برامج تساعد في مواجهة العبوات الناسفة بداية من 2006 . وما خصص له كان كالتالي حسب الأعوام:

2006 تم تخصيص مبلغ 3.3 مليار دولار

2007 تم تخصيص 4.4 مليار دولار

2008 تم تخصيص 4.3 مليار دولار

2009 تم تخصيص 3.1 مليار دولار

2010 تم تخصيص 1.8 مليار دولار

2011 مع تزايد الخسائر في أفغانستان تم تخصيص 3.3 مليار دولار.[12]

ولكن حتي الآن لازالت العبوات تحصد المعدات الأمريكية في العراق وانتقلت هذه التقانة البدائية إلي ايدي المجاهدين في أفغانستان.

وهنا أتذكر، وعلي سبيل المثال، قصة اثنين من الأفغان في ولاية هلمند، أحدهما الشيخ ( صالح جان) البالغ من العمر 69 عاماً، والآخر ابنه (عطا جان) البالغ من العمر 18 عاماً استطاعا لوحدهما خلال 21 شهراً أن يفجرا 32 دبابة و 6 ناقلات للجنود من نوع (رينجر) للناتو بواسطة زرع الألغام لها في طرق مرورها.

وهذه القصة وردت في رسالة محمد يوسف الأحمدي المتحدث باسم طالبان إلي أعضاء الكونجرس الأمريكي. وكلّ ما صرف من المال في هذا العمل لا يتجاوز 2500 دولار، والأعجب من ذلك أن جميع الأدوات والوسائل التي استخدمت في هذا العمل قد تمّ شراؤها من (سوق لشكركا) المحلية. وقد تمّ كلُ هذا العمل في الوقت الذي يمارس فيه العمّ (صالح جان) وابنه عمليهما في الفلاحة، ولم يضطرا للسفر إلي قرية أخري.

ولم يتعلم هذه الخبرة في صيد البابات في أية أكــاديمية عسـكرية، ولم يطلبا الأجر الماديّ علي ما فعلاه من طالبان.

وقد تمّ تفتيش بيت الرجل أربع مّرات من قبل جنود الناتو خلال هذه المدة، ولم يعثروا في بيته علي ما يمكن أن يستعمل في التفجيرات.

و يحكي العمّ صالح جان: إنني ذات مرّة قمت بتفجير العبوة الناسفة عن بُعدٍ علي الجنود الذين كانوا في طريق الخروج من القرية بعد تفتيش بيتي، فقتل منهم واحد، وجرح ثلاثة آخرون، فأحضرت الماء واتجهت نحوهم، فسقيت الجرحي الماء البارد لأموّه عليهم أنني لست الذي قام بهذا التفجير، ولاعتقادي أن الجرحي إن شربوا الماء البارد في هذه اللحظة فستنفتق جروحهم أكثر وأكثر.[13]

– حجم وتكلفة المعدات المدمرة والمعطوبة

وفي السطور التالية سأثبت بالأرقام من واقع الميزانيات السنوية بالكونجرس أن الجيش الأمريكي خسر معظم ترسانته العسكرية في الحرب، وأنه أنفق المليارات من الدولارات لتعويضها وإصلاح ما يمكن إصلاحه.

أعدت وزارة الدفاع الأمريكية تقريرا للكونجرس في 2006 قالت فيه إن 20% من أسلحة ومعدات الجيش تم إرسالها في بداية الحرب إلي العراق.[14]

وقدر مكتب المحاسبة بالكونجرس قيمة المعدات في العراق وافغانستان والمنطقة المحيطة بساحة المعارك بـ 30 مليار دولار.[15]

ويتم الحفاظ علي هذه النسبة لأسباب عسكرية، إذ توجد معادلة توازن بين تعداد القوات والألوية وبين عدد المعدات، وما يتم إعطابه أو تدميره يتم اصلاحه أو استبداله لاستعادة القدرات القتالية. وحسب الوزارة فإن عدد المعدات التي تم إرسالها إلي العراق 570 ألف قطعة وهي كالتالي:

من 15% :20 % من أسطول المروحيات موجود في العراق وأفغانستان في اي وقت.

550 دبابة ابرامز في العراق تمثل 9% من مجموع الترسانة للجيش الامريكي.

تم نشر اكثر من 20% من ترسانة العربة المقاتلة سترايكر.

57.400 ألف شاحنة من مجموع 300 ألف أي20%.

تم نشر 23.800 من الهمفي في البداية، ثم ارسال كل ترسانة الجيش الأمريكي فيما بعد.

ومنذ العام الأول للحرب في العراق يتم شحن ثلثي المعدات الي الولايات المتحدة بسبب ما أصابها من تدمير وإعطاب مع عملية تبديل القوات وتذهب القوات الجديدة بأسلحة جديدة، أي إن معظم أسلحة الجيش الأمريكي تم شحنها الي مناطق الحرب لتذوق التدمير أو الإعطاب فتبقي هناك المدمرة وتعود المعطوبة للإصلاح. وجدير بالذكر أن تبديل و تدوير القوات يتم كل 12 او 15 شهراً.[16]

وبسبب الخسائر في المعدات واتساع دائرة المواجهة مع المقاومة في البلدين تضاعف الإنفاق العسكري الأمريكي خلال العقد الماضي ففي عام 2000 أي قبل شن الحرب كان الإنفاق العسكري يمثل 2.9% من إجمالي الناتج المحلي. ارتفع الي 4.5% في 2009، ثم إلي 4.7% في ميزانية 2010 وثبت علي 4.7% في ميزانية 2011.

قالت دراسة لـ Congressional Research Service عن تكلفة الحربين صدرت في 2 سبتمبر 2010 أن الكونجرس وافق مع حلول عام 2010 علي تخصيص 1.291 تريليون دولار منذ هجوم 11 سبتمبر لتمويل الحربين. منها 802 مليار للعمليات في العراق و 455.4مليار للعمليات في افغانستان، و28.6 مليار لتعزيز الأمن، و8.6 مليار للرعاية الصحية للمحاربين القدماء المصابين في الحربين.

والإنفاق العسكري وما ترتب عليه كان العامل الأساسي وراء الأزمة الإقتصادية التي ضربت أمريكا. لقد كتب جوزيف ستيجلتس الحاصل علي جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2000 وليندا بالمز الأستاذة بجامعة هارفارد مقالا في واشنطن بوست يوم 5 سبتمبر 2010 قالا فيه أن تقديراتهم السابقة للحرب والتي وصلت إلي 3 تريليون دولار تقل عن الحقيقة بعد اضافة بنود أخري كانت غائبة وقد تزيد عن 6 تريليونات.[17]

ما يهمنا هو معرفة حجم العتاد المدمر من خلال أرقام المخصصات السنوية التي أقرها الكونجرس والخاصة ببند استبدال وتجديد المعدات المدمرة والمعطوبة.

– باستعراض الميزانيات السنوية للوقوف علي القيمة المالية لاستبدال وتجديد المعدات التي خسرها الجيش الأمريكي في الحربين تبين الآتي:

2004 تم تخصيص 7.2 مليار دولار لعملية تعويض واصلاح المعدات

2005 تخصيص 18 مليار

2006 تخصيص 22.9 مليار

2007 تخصيص 45.4 مليار

2008 تخصيص 61.5 مليار

2009 تخصيص 32 مليار

2010 تخصيص 28 مليار

2011 تخصيص 21.4 مليار

ولوحظ زيادة كبيرة في الإنفاق خلال الأعوام 2006و2007 و2008 بسبب زيادة وصول عمليات المقاومة في العراق إلي ذروتها في تدمير المعدات العسكرية.

– وبجمع هذه المبالغ يصل إجمالي ما تم انفاقه علي عمليات الاستبدال والإصلاح يبلغ 236.4 مليار دولار. فإذا كانت تكلفة 20% من المعدات تساوي 30 مليار فإن هذا يعني ان الجيش الامريكي جدد معداته التي خسرها في العراق وفي أفغانستان ست مرات تقريبا،0 أي استنفد ترسانته العسكرية بنسبة 120% تقريبا.

– يضاف إلي ما سبق أن إجمالي التمويل الإضافي الذي طلبته وزارة الدفاع لنقل المعدات المعطوبة من الميدان إلي الولايات المتحدة بلغ 151 مليار دولار.[18]

– ولتوضيح الصورة أكثر، ففي تقرير لمكتب الميزانية بالكونجرس ولمواجهة تدمير وإعطاب المعدات تم شراء المعدات الآتية خلال الفترة من 2005 إلي 2007

1300 مدرعة سترايكر بينما مجموع ما يملكه الجيش الأمريكي 1400

27300 همفي ومجموع ما يملكه الجيش 107700

21300 عربة تكتيكية متوسطة ومجموع الترسانة 25500

3100 شاحنة تكتيكية ثقيلة والمجموع 14400

1000 نظام Palletized Loading والمجموع 4000

1500 Line-Haul Truks والمجموع 8900

– وفي عام 2009 قال الجيش أنه يعاني من عجز قدره 10 آلاف وحدة من الآليات من جميع الأنواع رغم أنه اشتري 21 ألف وحدة وأرسلها إلي منطقة القتال.

– في فبراير 2006 طلب الجيش 9 مليار دولار لاستبدال وإصلاح منظومات الأسلحة من الدبابات والمروحيات والمدرعات التي دمرتها الحرب. وبعدها بخمسة شهور فقط قال الجنرال بيتر شوميكر قائد أركان القوات الأميركية أن الجيش يحتاج الي 17.1 مليار في ميزانية عام 2007 لتعويض المعدات المدمرة.[19]

– وفي أبلغ تعبير عن حجم الخسائر في المعدات، ما حدث في يوليو 2006 عندما أرسل النواب الديمقراطيون خطابا إلي الرئيس بوش قالوا فيه إن ثلثي الألوية المقاتلة في الجيش غير مستعدة للقتال بسبب النقص في المعدات.[20]

ثانياً: الخسائر البشرية في القوات المقاتلة

1- الجنود القتلي

– وفقا للإحصاءات الرسمية للبنتاجون فان عدد القتلي العسكريين الأمريكيين حتي 8 نوفمبر 2010 بلغ 5798 قتيلا منهم 4409 قتيلا في العراق و1389 قتيلا في أفغانستان.

– ذكرت وزارة شئون المحاربين القدماء أن عدد القتلي من الجنود الأمريكيين منذ حرب الخليج وحتي 2007 بلغ 73 ألف قتيل. وقالت إن عدد المصابين في العمليات الحربية 1.6مليون مصاب. وقد قامت الوزارة بحذف هذه الإحصاءات فيما بعد لإخفاء حجم الخسارة البشرية. ولكن الإعلام الأمريكي المعارض للحرب اهتم بهذه الأرقام بالتعليق والتحليل.[21]

وإذا علمنا أن عدد الجنود القتلي في حرب الخليج رسميا (1990 – 1991) كان 383 وعدد المصابين 467 حسب إحصاءات وزارة الدفاع.[22] وإذا أضفنا لهم المصابين بما سمي مرض حرب الخليج بسبب التطعيم ضد الجمرة الخبيثة والمصابين بأمراض ما بعد الحرب، ثم بإجراء عملية طرح بين الأرقام فإن عدد العسكريين الامريكيين القتلي في العراق وفي أفغانستان يبلغ 72.617 ألف قتيل، وعدد المصابين يزيد عن مليون مصاب أي نصف قوات الجيش الأمريكي التي تم نشرها في البلدين.

2 – الجنود المصابون

2- أ – المصابون جراء العمليات القتالية

– وفقا للإحصاءات الرسمية للبنتاجون في 8 نوفمبر 2010 فإن عدد المصابين في الحربين 41,030 ألف مصاب، منهم 31,935 ألف في العراق، و9,095 آلاف في أفغانستان.

ووفقا لتقديرات موقع antiwar.com يبلغ عدد المصابين في العمليات العسكرية 100 ألف جندي وضابط أمريكي.

– عدد المصابين من المحاربين القدماء في العراق وأفغانستان، الذين تلقوا علاجا علي نفقة وزارة المحاربين القدماء بلغ 600 ألف شخص.[23] وهذا الرقم يختلف عن المصابين في الخدمة الذين تلقوا العلاج في المستشفيات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع.

– عدد الجنود الذين خرجوا من الخدمة وأصيبوا بالعجز والاعاقة وتقاضوا إعانة بسبب العجز من وزارة المحاربين القدماء بلغ 500 ألف جندي وضابط مصاب.[24]

– أكد تقرير لوزارة شؤون المحاربين القدامي أن أكثر من 58 ألفا من الجنود الذين خدموا في العراق وأفغانستان فقدوا السمع تماما، وأن ما يقرب من سبعين ألفا من الجنود مصابون بطنين في الأذن يترتب عليه متاعب عصبية وفقدان السمع تدريجيا.[25]

2- ب – إصابات الدماغ

– عدد الجنود الذين أنهوا خدمتهم في العراق وفي أفغانستان وأصيبوا بالاكتئاب وضغوط ما بعد الصدمة وإصابات المخ الإرتجاجية بلغ 630 ألف جندي حتي 2007 . ذلك بناء علي دراسة لمؤسسة راند بعنوان “الجراح غير المنظورة للحرب” أو ” Invisible Wounds of War” حول الإصابات غير المنظورة للجنود والتي لاتكتشفها أجهزة الأشعة رغم خطورتها، والناتجة عن تفجير المركبات علي الطرق بالعبوات الناسفة والقذائف. أكدت الدراسة أن من بين 1.64 مليون عسكري تم نشرهم في العراق وأفغانستان منذ بداية الحرب وحتي اكتوبر 2007 أصيب 300 ألف عسكري بما يسمي ضغوط ما بعد الصدمة والاكتئاب الشديد، وإصيب 320 ألف عسكري بإصابات المخ الإرتجاجية.[26]

ويترتب علي هذه الإصابات فقدان الذاكرة والإنتحار وسلوكيات عدوانية وممارسات غير طبيعية تجاه أسرهم وأطفالهم ومجتمعاتهم.

وإذا اخذنا هذه النسبة وعممناها علي عدد القوات التي تم نشرها حتي 2010 والتي بلغت 2.4 مليون عسكري أمريكي فان نسبة المصابين بأمراض الدماغ ستصل إلي 830 ألفاً تقريبا.

أجريت دراسات عديدة حول إصابات الدماغ. منها واحدة بجهد مشترك بين منظمتي ProPublica and NPR وقد توصلت إلي أن إصابات الدماغ أكبر خطر يواجه المجتمع الأمريكي. حيث أنها تصيب الجنود بفقدان الذاكرة، وعدم القدرة علي قيادة السيارة والعجز عن قراءة فقرة في كتاب أو جريدة ويفقدون القدرة علي التركيز. وقالت الدراسة التي صدرت بعنوان” Brain Injuries Remain Undiagnosed in Thousands of Soldiers ” أن الطابع الغالب علي هؤلاء الجنود أنهم يشكلون خطرا علي المجتمع، حيث أن كثيرين منهم يسيرون في الشوارع الأمريكية يكلمون أنفسهم، ولذلك أطلق عليهم معدو الدراسة مصطلحاً غريباً حيث أسموهم ” walkie talkies” .[27]

2- ج – الإنتحار

من الظواهر التي لفتت الإنتباه انتشار الانتحار وسط الجنود الأمريكيين أثناء الخدمة وبعد الخروج منها.

– أكدت فصلية الكونجرس Congressional Quarterly أن افراد الجيش الأمريكي الذين انتحروا في عام 2009 زاد علي عدد الجنود الذين قتلوا نتيجة العمليات الحربية في كل من أفغانستان والعراق.[28]

– في جلسة خصصت لمناقشة الموضوع اعترف الجنرال بيتر شياريلي، نائب رئيس هيئة الأركان أمام قادة الجيش في البنتاجون بزيادة حالات الإنتحار وقال: “نحن نشهد زيادة مزعجة حقا في زيادة الإنتحار ولكن لانفهم سببها ونبذل أقصي جهد لدراستها والسيطرة عليها.[29]

– قالت السناتور باتي موراي إن عدد محاولات الانتحار للمحاربين المتقاعدين من حربي العراق وأفغانستان نحو 12 ألف حالة سنويا. وانتقدت موراي وزارة شئون المحاربين القدماء واتهمتها بإخفاء الأرقام الحقيقية. وقالت إن هؤلاء المرضي قنابل موقوتة تمشي في الشوارع لعقود قادمة. واعترف غوردون مانسفيلد نائب وزير شؤون المحاربين القدامي خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ وقال إن الوزارة عينت 17 ألف موظف في قطاع الصحة العقلية لمواجهة تضخم عدد المحاربين المرضي.[30]

– لم يقتصر الانتحار علي من ذهبوا ألي العراق وأفغانستان، بل امتد إلي القواعد العسكرية في الولايات المتحدة. لقد شهدت قاعدة فورت هود في وسط تكساس وهي أكبر قاعدة أمريكية في العالم ومنها يتم إرسال الجنود إلي العراق وأفغانستان انتحار 11 عسكريا خلال عام 2009 .

وهي ذات القاعدة التي شهدت قيام الضابط الأمريكي من أصل عربي نضال مالك حسن بفتح النار علي الجنود الأمريكيين وقتل 13وإصابة 31 عسكريا أمريكيا آخرين.[31]

– كشفت دراسات ميدانية ارتفاع نسب وفاة الجنود الذين حاربوا في العراق وأفغانستان نتيجة ارتكاب حوادث السيارات والدراجات النارية جراء الأمراض النفسية والاكتئاب. كمثال: قالت وزارة الصحة العامة أن أكثر من 1000 محارب من كاليفورنيا تحت سن 35 عاما قتلوا في الحوادث بسبب سلوكياتهم العدوانية وميولهم الانتحارية، خلال الفترة من 2005 الي 2008. [32]

وعلق السيناتور الديمقراطي بوب فيلنر رئيس لجنة شؤون المحاربين القدامي في مجلس النواب بقوله إن هذه الأرقام مفزعة حقا وتهدد البلاد كلها.

وتعددت الدراسات الميدانية عن الخطر الذي يشكله الجنود المرضي نفسيا في المجتمع الأمريكي، والتركيز علي السلوكيات العدوانية للمحاربين القدماء تجاه أنفسهم وأسرهم وفي الشارع. منها دراسة لمنظمتين غير حزبيتين هما باي سيتزن و نيو أمريكا ميديا كشفت عن قنابل بشرية تسير في الشوارع الأمريكية.[33]

هذه الظاهرة تجعلنا نتساءل: لماذا ينهار البنيان النفسي لهؤلاء الجنود ويتقوض بالهزيمة؟

ذلك لأن ممارساتهم في المدنيين، مفزعة مخالفة للفطرة الإنسانية. ونشوة النصر تقوي تماسك المرء قليلا، أما مع طول المدة ومع الهزيمة والعار فتقصم القشة ظهر البعير وينتهي التحمل وكبت التأنيب.

ولأنهم -وبشهادة حارس جوانتاناموا الذي أسلم وعقدت معه لقاءات في شتي الوسائل الإعلامية – لا يبيتون ليلهم إلا مع الأفلام الجنسية في وحداتهم، وهذا له دلالات علي هذه الأنفس الهشة العابدة للذة التي ليست صاحبة قضية، ومن ثم لا مقاومة لديها ولا صمود معنوي تفيء إليه وينهي جزعها وقلقها ويبرد ألمها ويضيء غايتها.

كما أن هؤلاء يوقعون عقودا ليست للفداء، بل من مضمونها وبمقتضاها أنهم يعملون في الجيش لكي يعيشوا ويرتزقوا، ويؤدون واجبهم لينالوا ثمرته نقدا، وهذا يدخل المرء في حيرة ومقارنة وتقييم لأدائه وممارساته بشكل يحطم راحة البال، لأن الغايات الكبري والتفاصيل فجة ودموية وغير منصفة، والإنسان مهما كان يبقي لديه حوار بين “النجدين” الخير والشر.

2- د – إدمان تعاطي الخمور والمخدرات

– أكدت دراسة أجرتها مجلة “الطب العسكري” في 2007 سقوط ثلث القوات العائدة من العراق وأفغانستان في مستنقع إدمان الخمور.[34]

– قالت دراسة للإدارة الصحية للمحاربين القدماء أجريت في 2009 أن 27 ألفا من المحاربين العائدين من العراق وأفغانستان يعالجون من الإفراط في تعاطي المخدرات، و 16,200ألفا يعالجون من إدمان الخمر حيث يترددون علي مستشفيات المحاربين القدماء. [35]

– أشار تقرير لجنة منع الإنتحار التي شكلها الجيش ولجنة تعزيز الصحة والحد من المخاطر لعام 2010 الي أن 16,997ألف جريمة ارتكبت داخل الجيش بسبب المخدرات والكحول خلال عام 2009. وأكد التقرير أن التحقيقات في 64,022 ألف جريمة قتل داخل الجيش خلال الفترة من 2001 إلي 2009 أكدت أنها مرتبطة بالمخدرات.[36]

3 – الهروب من الخدمة

هرب آلاف الجنود من الجيش إلي كندا بسبب الرعب الذي شاهدوه أو سمعوا عنه في العراق وفي أفغانستان. في احصاءات البنتاجون بلغ عدد الهاربين 40 ألف هارب من كل أفرع الجيش. وجاء حصرالرقم من خلال القضايا التي أقيمت علي الجنود الهاربين.[37]

وطلب هؤلاء الفارون في كندا اللجوء السياسي، وانضموا إلي المجموعات الرافضة للحرب. لكن الحكومة الكندية الحالية تعارض منحهم اللجوء بسبب تحالفها مع أمريكا في الحرب.[38]

ثالثاً – الخسائر البشرية في المتعاقدين

– وفقا للأرقام المعلنة بلغ عدد القتلي المدنيين الأمريكيين من مقاولين ومهندسين خلال الفترة من 2001 الي 2010 في العراق وأفغانستان نحو 2008 قتيلا، منهم 1487 في العراق، و521 في أفغانستان ، يضاف إليهم 44 قتلوا في الكويت. ومصدر الأرقام وزارة العمل الأمريكية التي استقتها من واقع سجلات وزارة الدفاع بشأن عدد الأسر التي طلبت التأمين. وهناك تشكيك وانتقادات من قبل المنظمات الأمريكية تجاه الأرقام المعلنة وتأكيدات بأن العدد أكبر من ذلك بكثير.

– وفقا لدراسة متخصصة فإن عدد المصابين من الأمريكيين المتعاقدين في العراق بلغ 44152 شخصا منهم 16 ألفا إصاباتهم خطيرة، بواقع 36023 في العراق، و8129 في أفغانستان. [39]

– ومن المعروف أن وزارة الدفاع وحدها توظف 250 ألفا من هؤلاء المرتزقة في منطقة العمليات وفقا لتقرير صدر في يوليو 2010 من خدمة أبحاث الكونجرس. وبسبب هذا العدد الضخم للمتعاقدين والمرتزقة الذي يفوق عدد القوات المقاتلة بمقدار الضعف أشارت الإحصاءات إلي ان عدد القتلي منهم تفوق علي عدد القتلي العسكريين منذ بداية العام الجاري 2010.وموضوع المرتزقة وما ارتكبوه من جرائم يحتاج إلي بحث مستفيض مستقل.

– لم يصدر الجيش الأمريكي إحصاءات كاملة عن الإصابات في أفراد شركات الأمن الخاصة ولا عدد الهجمات التي تتعرض لها القوافل التي يحرسونها. تقول فيكتوريا واين التي كانت مساعدة رئيس إدارة إعادة البناء بقوات سلاح المهندسين الأمريكي “أن الجيش كان يحذف الأرقام التي كانت تكتبها. وأضافت فيكتوريا واين التي عملت في العراق عامين ونصف أنها عندما احتجت علي إخفاء أرقام القتلي والمصابين بأعداد كبيرة قيل لها إنها أخبار سيئة يفضل عدم نشرها. ووفقا لبيانات ” إدارة إعادة البناء” أن شركة “آرمور جروب” البريطانية نظمت 1184 قافلة في 2006 ، وبلغ مجموع ما ضرب منها450 قافلة معظمها بعبوات ناسفة علي الطرق بالإضافة إلي المورتر والأسلحة الخفيفة، وتعرضت قوافل الشركة إلي 293 هجوما في الشهور الأربعة الأولي من عام 2007.[40]

ومع تفاقم الخسائر وعجز الجيش الأمريكي عن فتح جبهة قتال ثالثة رفض العسكريون الاستجابة للقيادة السياسية بالنزول علي الأرض في باكستان وقرروا التخلي عن العمليات القتالية لإدارة المخابرات المركزية الأمريكية لتحارب وحدها.

رابعا: الطائرات بدون طيار وتخلي الجيش عن القتال

في بداية أكتوبر 2010 حدث تحول استراتيجي كبير حظي بتعليقات واسعة من وسائل الإعلام الأمريكية ولم يعره الإعلام العربي اهتماما؛ إذ تخلي الجيش عن أسطول الطائرات بدون طيار في أفغانستان وسلمه إلي المخابرات المركزية الأمريكية، وترك لها العمليات العسكرية ضد القاعدة ومجموعات قبلية تراها أمريكا معادية. الأمر الذي اعتبرته الصحف الأمريكية تحولا خطيرا وتخليا من الجيش عن دوره القتالي لجهاز مدني وتوريط أمريكا في توسيع دائرة القتل الألكتروني، وتحول الـ CIA من مكافحة الإرهاب إلي مكافحة “المتمردين”.

حظي هذا التحول العسكري بموافقة قادة الجيش في مقدمتهم وزير الدفاع روبرت غيتس الذي كان المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية كما أيده رئيس هيئة الأركان المشتركة، الأدميرال مايك مولين، والقائد الجديد لقوات التحالف في أفغانستان ، الجنرال ديفيد بتريوس.[41]
2 من الأعضاء مٌعجبين بهذه المشاركة: 3z000z-24, النسرالعربي

وقال مدير وكالة الإستخبارات المركزية ليون بانيتا في كلمة له في مؤسسة أبحاث في لوس أنجليس أن برنامج الطائرات بدون طيار الأسلوب الوحيد المتاح أمامنا.

يقول بيتر سينغر مدير دراسات الدفاع في معهد بروكينغز ومؤلف كتاب Wired for War :”اننا وصلنا إلي نقطة تحول في تاريخ الحرب ، وربما في تاريخ الإنسانية.. لم يكن هناك سوي حفنة من الطائرات بدون طيار عندما غزت الولايات المتحدة العراق في 2003 ، واليوم هناك أكثر من 7000 طائرة من هذا النوع وفي القريب سيقومون بانتاج عشرات الآلاف منها.[42]

وهذه الطائرات المبرمجة لا يستطيع الأمريكيون استخدامها إلا بموافقة بعض الحكومات الضعيفة؛ لذا يضغطون ويرهبون بعض الحكام لإجبارهم علي قبول قواعد لإدارة هذه الطائرات التي تقتل الأبرياء وتنشر الارهاب وتتسبب في القلاقل الداخلية.

الخلاصة

إن الحقائق والأرقام الموثقة تؤكد أن الجيش الأمريكي الآن ينزف، وأمنية قادة البنتاجون والجنود هي العودة إلي الساحل الأمريكي والانكفاء علي الذات.

ولتقريب الصورة، يمكن أن نشبه ما حدث للجيش الأمريكي في الحربين بأسلحته المتطورة كثور قوي بقرون طويلة يستطيع أن يقضي علي من يقف أمامه، وفي المقابل تقف المقاومة في العراق وفي أفغانستان كمصارع الثيران الرشيق، الذي يتلاعب بالثور الهائج، ويدور حوله ولا يقف أمامه، ويصوب السهم تلو الآخر بمهارة تجاه نقاط ضعفه، حتي أسقطه أرضا في النهاية وقرونه القوية التي نطح بها الجدران والبيوت لازالت فوق رأسه.

إن قرون الثور القوية الفتاكة لازالت موجودة ولكنها فوق رأس جسد كسيح راقد علي الأرض ينزف الدم ينتظر الموت. قد يحاول إثبات أنه لازال حيا، ولكن بعد فوات الأوان، فالسكين قد قطعت الوتين.

العالم من حولنا يتغير ويشهد انهيار الإمبراطورية الأمريكية وكل دولة تبحث لها عن مكان في ظل نظام عالمي يتشكل، وأصبحت حالة التمرد علي الهيمنة الأمريكية والغربية ظاهرة جلية لكل ذي عينين.

أنظروا كيف تتلاعب كوريا الشمالية بأمريكا؟

أنظروا كيف تتحرك دول أمريكا اللاتينية وروسيا والصين والهند علي الساحة الدولية.

أنظروا كيف أن الخصمين اللدودين: بريطانيا وفرنسا ولأول مرة في التاريخ يشكلان حلفا عسكريا جديدا رغم وجود الناتو.

إن الأوربيين هم أول من يعرف أن الناتو قد انتهي في أفغانستان، وأن أمريكا غابت عنها الشمس بغير رجعة.

ولكن ثمة ملاحظة تتعلق بإصرار أمريكا والغرب علي الإستمرار في أفغانستان 4 سنوات أخري رغم كل هذه الخسائر.

من خلال تصريحات قادة الغرب أنفسهم فإنها محاولة يائسة من السياسيين لايجاد مخرج بأي شكل وصيغة تحفظ ماء الوجه وتخفف من وقع الخسارة، فهم يتخوفون من لحظة الخروج الذليل من أفغانستان وما تمثله، فهذه اللحظة هي الإعلان النهائي لهزيمة الغرب كله الذي يقاتل هناك وعودة طالبان للحكم، وهذا يعني بزوغ فجر عالمي جديد، وعالم إسلامي مختلف.

جان جاك روسو

كاتب الموضوع الأصلي: سعود القريني 333

هو كاتب وفيلسوف جنيفي، يعد من أهم كتاب عصر العقل، وهي فترة من التاريخ الأوروبي، امتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلاديين. ساعدت فلسفة روسو في تشكيل الأحداث السياسية، التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب والسياسة.
محتويات
1 حياته المبكرة
2 علامة في تاريخ حياة روسو
3 أعماله
4 في التربية
5 أفكاره
6 نفوذه الأدبي
7 من روائع روسو الشهيرة
8 حياته المتأخرة
9 أنظر أيضا
حياته المبكرة

وُلد روسو في مدينة جنيف بسويسرا. وكانت أسرته من أصل بروتستانتي فرنسي، وقد عاش في جنيف لمدة سبعين عاما تقريبا. توفيت أمه عقب ولادته مباشرة، تاركة الطفل لينشأ في كنف والده، الذي عُرف بميله إلى الخصام والمشاجرة. ونتيجة لإحدى المشاجرات عام 1722م، اضطر والد روسو إلى الفرار من جنيف. فتولى عم الصبي مسؤولية تربيته.
وفي عام 1728م، هرب روسو من جنيف، وبدأ حياة من الضياع، ومن التجربة والفشل في أعمال كثيرة. كانت الموسيقى تستهويه دوماً، وظل لسنوات مترددًا بين احتراف الكتابة أو الموسيقى.
وبعد وقت قصير من رحيله عن جنيف، وهو في الخامسة عشرة من عمره، التقى روسو بالسيدة لويز دي وارنز، وكانت أرملة موسرة. وتحت تأثيرها، انضم روسو إلى الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. ومع أن روسو كان أصغر من السيدة دي وارنز باثني عشر أو ثلاثة عشر عامًا، إلا أنه استقر معها بالقرب من مدينة شامبيري، في دوقية سافوي. وقد وصف سعادته بعلاقتهما في سيرته الذاتية الشهيرة اعترافات التي كتبت في عام 1765 أو 1766م – 1770م، ونُشرت عامي 1782م و 1788م، ولكن العلاقة لم تدم، فقد هجرها روسو أخيرًا عام 1740م
وفي عام 1741م أو 1742م، كان روسو في باريس يجري وراء الشهرة والثروة، وقد سعى إلى احتراف الموسيقى. وكان أمله يكمن في وضع نظام جديد للعلامات والرموز الموسيقية قد كان ابتكره. وقدم المشروع إلى أكاديمية العلوم، ولكنه أثار قدرًا ضئيلاً من الاهتمام. في باريس، اتَّصل روسو بـالفلاسفة وهي جماعة من مشاهير كتاب وفلاسفة العصر. وحصل على التشجيع المادي من مشاهير الرأسماليين. ومن خلال رعايتهم، خدم روسو أمينًا للسفير الفرنسي في البندقية خلال عامي 1743، 1744م.
علامة في تاريخ حياة روسو

كانت نقطة التحول في حياة روسو عام 1749م، حين قرأ عن مسابقة، تكفـَّلت برعايتها أكاديمية ديجون، التي عرضت جائزة مالية لأحسن مقال عن موضوع ” هل إحياء النشاط في العلوم والفنون سيؤدي إلى الإسهام في تطهير السلوك الأخلاقي ؟ “. وما أن قرأ روسو عن المسابقة حتى أدرك المجرى الذي ستتّجه إليه حياته. وهو معارضة النظام الاجتماعي القائم الذي كان يشعر بالاستياء منه كثيرا، ما بين طبقة غنية تهتم بالبذخ والمظاهر والتفاخر، وطبقة كبيرة من الفقراء المعدمين، وقرر أن يمضي فيما بقي من حياته في بيان الاتجاهات الجديدة للتنمية الاجتماعية. وقدم روسو مقاله إلى الأكاديمية تحت عنوان: بحث علمي في العلوم والفنون عام 1750 /1751 م، حمل فيه على العلوم والفنون لإفسادها الإنسانية. ففاز بالجائزة، كما نال الشهرة التي ظل ينشُدها منذ أمد بعيد ولكنه كان يفضل الانعزال والتفكير.
في عام 1755م نشر روسو في إطار مسابقة أخرى تحت رعاية نفس الأكادمية مقالته المعروفة بالخطاب الثاني تحت عنوان “خطاب حول مصدر وأسس اللاعدالة بين الناس” والذي أتم به شهرته وأحدث على غرار الخطاب الأول جدلاً واسعاً، وانصب عليه عداء الحاكم وطبقة اللأثرياء.
بدعوةٍ من السيدة لويز دي إبيني، “فر” روسو باريس واستقر بمونمورانسي من سنة 1756م إلى سنة 1762م.

المنزل الذي كان يسكنه مع زوجته في السابق
أعماله

تتسم آخر أعمال روسو بالإحساس بالذنب وبلغة العواطف. وهي تعكس محاولته للتغلب على إحساس عميق بالنقص، ولاكتشاف هويته في عالم كان يبدو رافضًا له. حاول روسو في ثلاث محاورات صدرت أيضًا تحت عنوان قاضي جان جاك روسو كُتبت في المدة بين عامي 1772 – 1776م، ونُشرت عام 1782م، حاول الرد على اتهامات نقاده، ومن يعتقد أنهم كانوا يضطهدونه. أما عملُه الأخير، الذي اتسم بالجمال والهدوء، فكان بعنوان أحلام اليقظة للمتجول الوحيد (كُتبت بين عامي 1776 و1778م، ونُشرت عام 1782م). كذلك، كتب روسو شعرًا ومسرحيات نظمًا ونثرًا. كما أن له أعمالاً موسيقية من بينها مقالات كثيرة في الموسيقى والمسرحية الغنائية (أوبرا) ذات شأن تسمى عرّاف القرية، ومعجم الموسيقى (1767م)، ومجموعة من الأغنيات الشعبية بعنوان العزاء لتعاسات حياتي (1781م). وفضلاً عن ذلك، كتب روسو في علم النبات، وهو علم ظل لسنوات كثيرة تتوق نفسه إليه.
في التربية

كتب روسو كتابا رئيسيا في التربية اسمه “إميل أوعن التربية” على هيئة قصة طفل. وتبدأ القصة بنشأة الطفل إميل وتنتهي بزواجه وهو في سن 25 سنة. يربى النشئ على طبيعته بدون إجباره على حفظ العلوم والثقافات، بذلك يتعلم النشئ من طبيعة ميوله وبالتجربة الشخصية.
واهم ما يصبوا إليه روسو أن ينشأ في الطفل الشعور الاجتماعي. وكما يؤكد روسو على استقلالية النشئ، فيجب أن يكون هذا مقترنا بتوجيه خفي بحيث تتفق ميول النشئ مع ما يريده المعلم. ففي كتاب “إميل أوعن التربية” يقول روسو:” اتبعوا مع النشئ الطريقة العكسية، وهي أن يشعر النشئ بأنه هو صاحب الاختيار. فلا توجد استجابة وتكريس إلا بالشعور بأن المرء حرا فيما يتعلمه. هذا هو التكريس الحقيقي”.
و يرى روسو أن النشئ الذي ينشأ على تلك الطريقة الحرة هو الأصلح لمجتمعه.
انتشرت طريقة روسو في تربية النشئ سريعا في مختلف الدول الأوروبية، وهي تعتبر حتى يومنا هذا الطريقة الأساسية لطرق التعليم الحديثة.
أفكاره

قام روسو بانتقاد المجتمع في رسائل عديدة. ففي رسالته تحت عنوان: “بحث في منشأ وأسس عدم المساواة” (1755م)، هاجم المجتمع والملكية الخاصة باعتبارهما من أسباب الظلم وعدم المساواة. وكتابه “هلويز الجديد” (1761م) مزيج من الرواية الرومانسية والعمل الذي ينتقد بشدة زيف المبادئ الأخلاقية التي رآها روسو في مجتمعه. وفي كتابه “العقد الاجتماعي” (1762م)، وهو علامة بارزة في تاريخ العلوم السياسية، قام روسو بطرح آرائه فيما يتعلق بالحكم وحقوق المواطنين. وفي روايته الطويلة “إميل” (1762م) أعلن روسو أن الأطفال، ينبغي تعليمهم بأناة وتفاهم. وأوصى روسو بأن يتجاوب المعلم مع اهتمامات الطفل. وحذر من العقاب الصارم ومن الدروس المملة، على أنه أحس أيضًا بوجوب الإمساك بزمام الأمور لأفكار وسلوك الأطفال.
كان روسو يعتقد أن الناس ليسوا مخلوقات اجتماعية بطبيعتهم، معلنًا أن من يعيشون منهم على الفطرة معزولين عن المجتمع، يكونون رقيقي القلب، خالين من أية بواعث أو قوى تدفعهم إلى إيذاء بعضهم بعضًا. ولكنهم ما إن يعيشوا معًا في مجتمع واحد حتى يصيروا أشرارًا. فالمجتمع يُفسد الأفراد من خلال إبراز ما لديهم من ميل إلى العدوان والأنانية.
لم يكن روسو ينصح الناس بالعودة إلى حالة من الفطرة. بل كان يعتقد أن الناس بوسعهم أن يكونوا أقرب ما يكونون إلى مزايا هذه الحالة، إذا عاشوا في مجتمع زراعي بسيط، حيث يمكن أن تكون الرغبات محدودة، والدوافع الجنسية والأنانية محكومة، والطاقات كلها موجهة نحو الانهماك في الحياة الجماعية. وفي كتاباته السياسية، رسم روسو الخطوط العريضة للنظم التي كان يعتقد، أنها لازمة لإقامة ديمقراطية يشارك فيها كافة المواطنين. يعتقد روسو أن القوانين يتعيّن عليها أن تعبر عن الإرادة العامة للشعب. وأي نوع من الحكم يمكن أن يكتسب الصفة الشرعية مادام النظام الاجتماعي القائم إجماعيًا. واستنادًا إلى ما يراه روسو، فإن أشكال كافة الحكم تتجه في آخر الأمر إلى الضعف والذبول. ولا يمكن كبح التدهور إلا من خلال الإمساك بزمام المعايير الأخلاقية، ومن خلال إسقاط جماعات المصالح الخاصة. وقد تأثر روبسْبيير وغيره من زعماء الثورة الفرنسية بأفكار روسو بشأن الدولة، كما أن هذه الأفكار كانت مبعث إلهام لكثير من الاشتراكيين وبعض الشيوعيين.
وكان جان جاك روسو طرفا في الصراع بين القدماء والمعاصرين، وهو جدال أدبي وفني احتدم في فرنسا، ونجد موقف روسو في خطابه “خطاب إلى السيد دو أليمبرت”.
نفوذه الأدبي

مهد روسو لقيام الرومانسية، وهي حركة سيطرت على الفنون في الفترة من أواخر القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلاديين؛ فلقد ضرب روسو، سواء في كتاباته أو في حياته الشخصية، المثل على روح الرومانسية، من خلال تغليبه المشاعر والعواطف على العقل والتفكير، والنزوة والعفوية على الانضباط الذاتي. وأدخل روسو في الرواية الفرنسية الحب الحقيقي المضطرم بالوجدان، كما سعى إلى استخدام الصور الوصفية للطبيعة على نطاق واسع، وابتكر أسلوبًا نثريا غنائيًا بليغًا. وكان من شأن اعترافاته أن قدمت نمطًا من السير الذاتية التي تحوي أسرارًا شخصية.
من روائع روسو الشهيرة

الحرية صفة أساسية للإنسان، وحق غير قابل للتفويت، فإذا تخلى الإنسان عن حريته فقد تخلى عن إنسانيته وعن حقوقه كإنسان.
والحرية تعني تمتع الفرد بجميع حقوقه السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية في اطار قانوني.
الإنسان ولد طيبا بطبعه ولكن المجتمع هو الذي يفسده.
وكان يحث على الاعتماد على الضمير للتفرقة بين الطيب والخبيث في المعاملات، وكان يرى أن الأديان جميعها تعمل على توجيه الناس إلى ما فيه خير المجتمع.
يحث روسو على الاهتمام بالطفل والنشأ واحترامهم واتاحة الفرصة لهم للتعلم بالتجربة، والتقليل من منعهم عمل هذا أو ترك هذا. وكان يقول أن التلميذ يتعلم من زملائه أكثر مما يتعلمه من المدرسة.وكتب كتابا في التربية يسمى “إميل”، يعد مرجعا هاما إلى يومنا هذا لكل من يقوم بالتدريس. ما لبث أن صدر هذا الكتاب في سويسرا حتى انتشر سريعا في مختلف الدول الأوروبية للاعتماد علية في طرق التربية والتدريس، وكان عاملا مؤثرا على النهضة في هذا المجال.
حياته المتأخرة

عندما تحول روسو إلى الداخلية الكاثوليكي، خسر حقوق المواطنة في جنيف. ولكي يستعيد هذه الحقوق تحول مرة أخرى عام 1754م إلى المذهب البروتستانتي. وفي عام 1757م اختلف مع الفلاسفة؛ لأنه استشعر منهم الاضطهاد.عام 1757 زار المغرب كمساعد لسفير البندقية وأبدى إعجابه به وتغنى بجمال فتاة مغربية أغرم بها كان اسمها حميدة.

جون لوك

كاتب الموضوع الأصلي: سعود القريني 333

هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في عام 1632 في رنجتون Wringiton في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك اخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).
وفي عام 1667 أصبح طبيباً خاصاً لأسرة أنتوني آشلي كوبر (1621-1683) الذي صار فيما بعد الإيرل الأول لشافتسبري، ووزيراً للعدل، ولعب دوراً خطيراً في الأحداث السياسية العظيمة التي وقعت في إنجلترا ما بين ســنة 1660 وسنة 1680. لعبت علاقة لوك باللورد آشلي دوراً كبيراً في نظرياته السياسية الليبرالية. وكان اللورد آشلي يتمتع بنفوذ كبير في إنجلترا إذ كان يمثل المصالح السياسية لرؤوس الأموال التجارية في لندن، وتحت تأثير اللورد آشلي كتب لوك في عام 1667 مقالاً خاصاً بالتسامح (On Toleration) راجع فيه أفكاره القديمة الخاصة بإمكانية تنظيم الدولة لكل شؤون الكنيسة.
اعتقد الكثيرون لمدة طويلة ان لوك كتب أشهر مقالتين سياسيتين نشرتا في عام 1690 بعنوان “مقالتان عن الحكومة” (Two Treatises on Government) تأييداً لثورة 1688 الكبرى. وهناك وجهة نظر تقول إن المقالتين موجهتان ضد فيلمر (Filmer) وليس ضد هوبز كما كان يظن البعض. وهاجر لوك إلى هولندا عام 1683 بسبب ملاحقة الشرطة له، وذلك لاتصالاته الوثيقة باللورد آشلي، الذي كان معارضاً للقصر وبقي هناك حتى عام 1689، وفي هولندا كتب لوك عدة مقالات منها: مقال خاص بالفهم البشري (Essay Concerning Human Understanding) وبعض الأفكار عن التربية وأخرى عن التسامح. وعندما جاءت الثورة الكبرى، استطاع لوك العودة إلى إنجلترا. وقد رفضت الجامعات القديمة فلسفته الحسية وآراءَه الليبرالية. ومع ذلك فقد عاصر شهرته الكبرى التي انتشرت في أنحاء العالم. وتوفي عام 1704. كان لجون لوك دور كبير غير مباشر في الثورة الأمريكية إذ أن كتابه ((رسالتان في الحكم)) كان محط إعجاب الأمريكيين وكانت من ضمن آرائه في الكتاب أن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية ويجب على الشعب تغيير الحكومة أو تبديلها في حالة عدم حفظها لحقوق الشعب وحريته، وقد ساهمت آرائه في زيادة وعي الأمريكيين الذين اعتنقوا آرائه وقرروا تنفيذها.ومن أشهر عباراته الفلسفية”الأفكار الجديدة هي موضع شك دائماً…. وتتم مقاومتها غالباً… لسبب أنها لم تصبح شائعة بعد”

نشأته

جون لوك
ولد جون لوك أثراً في رنجتون بالقرب من برستول، في نفس العام الذي ولد فيه سبينوزا. ونشأ وترعرع في إنجلترا التي قامت فيها ثورة دامية وقتلت مليكها، وأصبح الصوت المنادي بثورة سلمية وعصر يسوده الاعتدال والتسامح، ومثل التسوية الإنجليزية في أحكم صورة وأفضلها. كان أبوه محامياً بيوريتانياً ناصر مع شيء من التضحية قضية البرلمان، وشرح لابنه نظريتي سيادة الشعب والحكومة النيابية، وبقي لوك مخلصاً لهذه الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً بفضل أبيه في تعويده على الرصانة الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً ليدي ماشام عن والد لوك أنه:- سلك معه في صغره نهجاً تحدث عنها الابن فيما بعد في استحسان بالغ. ذلك أنه كان قاسياً عليه بإبقائه في رعب شديد منه، وعلى أبعد منه، حين كان صبياً. ولكنه كان يخفف من هذه القسوة شيئاً فشيئاً حتى استوى جون رجلاً، آنس منه رشداً ومقدرة فعاش مع صديقاً حميماً(104).[2] درس جون لوك في أكسفورد الأرسطوطاليسية والهندسة والبلاغة واليونانية والمنطق وعلم الأخلاق. ثم أصبح محاميا في مدينة أكسفورد. وجدير بالذكر كانت هناك في ذلك الوقت منافسة كبيرة بين أكسفورد وكمبردج. كان يسيطر على أكسفورد أتباع أرسطو، بينما أتباع أفلاطون كانوا يسيطرون على كمبردج، مع العلم أن الصراع بين الأرسطوطاليسية والأفلاطونية اخترق كل تاريخ الفلسفة. لكن البروفيسور روجيه وولهاوس، أحد كبار المختصين بالفكر الحديث عموما وفلسفة جون لوك على وجه الخصوص، يرى أن الفلسفة الحديثة أي فلسفة فرانسيس بيكون وتوماس هوبز ورينيه ديكارت كانت قد نقدت بشدة فلسفة أرسطو وأفلاطون وفتحت مجالاً جديداً كلياً للمعرفة. وبالتالي فقد استفاد من ذلك كله جون لوك وبنى عليه نظرياته الفلسفية والسياسية.وفي مدرسة وستمنستر أرهق باللاتينية واليونانية والعبرية والعربية، ومن الجائز أنه لم يسمح له بشهود إعدام تشارلز الأول ملك إنجلترا (1649) في ساحة قصر هويتهول القريب من المدرسة، ولكن هذه الحادثة تركت أثراً في فلسفته. وعوقت اضطرابات الحرب الأهلية التحاقه بكلية كريست في أكسفورد حتى بلغ العشرين من عمره. وهناك درس أرسطو مصوغاً في قوالب سكولاسية باللاتينية، كما درس مزيداً من اليونانية، وبعض الهندسة والبلاغة، وكثيراً من المنطق وعلم الأخلاق، لفظ معظمها فيما بعد، على انها عتيقة مهجورة موضوعاً. غير مستساغة ولا مقبولة شكلاً. وبعد حصوله على درجة الماجستير (1658) بقي بكليته باحثاً في الدراسة العليا، يدرس ويحاضر. ووقع لبعض الوقت في غرام “سلبني عقلي(105)”،ثم استرد عقله وخسر عشيقته. ولم يتزوج لوك قط، مثله في ذلك مثل كل فلاسفة هذا العصر تقريباً- مالبرانش،بل،فونتنل،هوبز،سبينوزا،ليبتنز. ونصحوه بالالتحاق بإحدى وظائف الكنيسة، ولكنه تردد وقال: “إذا رقيت إلى مكان قد لا أستطيع أن أملأ فراغه فإن الهبوط منه لن يكون إلا سقوطاً مروعاً يسمع له دوي شديد(106)”.[3] درس لوك الطب وقرأ ديكارت وولع بالفلسفة وأحس بسحرها. ثم عمل كطبيب خاص لأنطوني آشيلي كوبر والذي أصبح أرل شافتسبري الأول وعضو الوزارة أيام شارل الثاني. حافظ جون لوك في نفس الوقت على منصبه كباحث ومدرس ومحاضر في أكسفورد ولكن مع ذلك وجد نفسه غارقا في خضم السياسة الإنكليزية. ويروي ول ديورانت أن الطبيب لوك أنقذ حياة شافتسبري حيث أجرى له عملية بارعة لاستئصال ورم خبيث وساعد في المفاوضات لإتمام زواج ابن شافتسبري، وسهر على زوجة ابنه أثناء الوضع، وأشرف على تعليم حفيده، خليفته في الفلسفة. ويذكر هذا الحفيد، أرل شافتسبري الثالث أن:
“مستر لوك حظي بتقدير كبير لدى جدي، حتى وأنه وقد عرف بالتجربة أنه عظيم في الطب، رأى أن هذا جانب صغير من جوانب عظمته، وشجعه على الاتجاه بأفكاره إلى منحى آخر، ولم يسمح له بمزاولة الطب إلا في أسرته أو من قبيل العطف أو الرحمة بصديق حميم. وهيأه لدراسة المسائل الدينية والمدنية التي تهم البلاد، وكل ما يتصل بمهمة الوزير في الدولة. وقد أحرز في هذا نجاحاً كبيراً حدا بجدي إلى أن يتخذ منه صديقاً يسأله المشورة في أية قضية من هذا النوع.” أحس جون لوك بالخطر لما أثارته قصة القبض على صاحبه شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا من شبهات الملكيين حول أصدقائه. فلجأ لوك كذلك إلى هولندا. واختبأ هناك واتخذ لنفسه اسما آخر، وبعد سنة أرسل له الملك جيمس الثاني عرضا بالعفو ولكنه آثر البقاء في هولندا.
عاش لوك في أمستردام وروتردام وأوترخت ست سنوات ونشأت بينه وبين بعض العلماء الهولنديين علاقة صداقة، مثل جين لي كلرك وفيليب فان لمبروخ وكذلك مع اللاجئين الإنكليز في هولندا ولاقى كل تشجيع وترحيب لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وحسب ديورانت كتب لوك هناك كتب “بحث في العقل الإنساني” والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني. وفي 1679 عاد لوك إلى إنجلترا وإلى شافتسبري، ولكن الأرل زج بنفسه أكثر فأكثر في غمار الثورة، فآوى لوك إلى أكسفورد حيث أستأنف الدرس والبحث. وأثار القبض على شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا شبهات الملكيين حول أصدقائه. وانبث الجواسيس في أكسفورد للقبض على لوك متلبساً بما يمكن أن يكون أساساً لتقديمه إلى المحاكمة(109). فلما أحس بالخطر وتنبأ باعتلاء عدوه جيمس الثاني عرش إنجلترا، فإنه كذلك لجأ إلى هولندا (1683). على أن ثورة دوق مونموث القصيرة الأجل التي ماتت في مهدها (1681) استنفرت الملك جيمس الثاني إلى أن يطلب من الحكومة الهولندية تسليم خمسة وثمانين لاجئاً إنجليزياً بتهمة اشتراكهم في المؤامرة لقلب عرش الملك الجديد. وكان من بينهم لوك، فاختبأ وأتخذ اسماً زائفاً. وبعد سنة أرسل إليه جيمس عرضاً بالعفو عنه ولكنه آثر البقاء في هولندا. وأقام في أوترخت وأمستردام وروتردام، حيث لم يستمتع بصداقة الإنجليز اللاجئين فحسب، بل سعد كذلك بصداقة العلماء الهولنديين مثل جين لي كلرك وفيليپ ڤان لمبروخ، وكلاهما من زعماء اللاهوت الإرميني المتحرر. وفي هذا الوسط وجد لوك تشجيعاً كبيراً لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وهناك كتب “بحث في العقل الإنساني”، والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني.
تجارته للعبيد في 1671 كان أكبر المستثمرين في تجارة العبيد الإنجليزية في ” الشركة الأفريقية الملكية ” التي كانت تتاجر في العبيد من غرب أفريقيا وكانت تهجر بين 90000 – 100000 أفريقى كعبد. و يقول مارتن كوهين : كان لوك رجل من ستة رجال مسئولين عن ايجاد وحكم المستعمرات الجديدة في أمريكا وقوانينها الجائرة والعبودية الظالمة فيها. لذا يرى البعض كلماته عن الملكية غير المحدودة كمسوغ لإحلال السكان الأصليين لأمريكا. و يرى مفكرون أن معارضته للأرستقراطية والعبودية في أشهر كتاباته تتعارض مع سيرته الذاتية وتجارته الواسعة في العبيد واستعبادهم وأنها محض نفاق.
وفي 1687 اشترك في مؤامرة لإحلال وليم الثالث محل جيمس الثاني على عرش إنجلترا(110). فلما نجحت حملة نائب الملك في هذه المغامرة أبحر لوك إلى إنجلترا (1689) على نفس السفينة التي أقلت الملكة المقبلة ماري(111). وقبل مغادرة هولندا كتب باللاتينية إلى لمبروخ رسالة تفيض بأحر العواطف. مما يدحض أو يصبح ما ظن من أن اعتداله المألوف نبع من برودة طبعه: إني إذا أرحل عنكم، أكاد أشعر إني أفارق بلادي وعشيرتي وأهلي فإن كل شيء يتعلق بالقرابة والسنة الحسنة والحب والشفقة- كل ما يربط الناس بعضهم ببعض بوشائج قوى من رابطة الدم- وجدته بينكم موفوراً. إني أترك ورائي أصدقاء لا سبيل إلى نسيانهم أبداً. ولن أودع الرغبة في سنوح الفرصة لأستمتع ثانية بالرفقة الحقه لأصدقاء، لم اشعر وأنا بينهم بأي حنين أو رغبة، حيث كنت بعيداً عن ارتباطاتي الخاصة، وأعاني من أشياء كثيرة، أما أنت يا أفضل الرجال وأعزهم وأنبلهم، فإني حين أفكر في علمك وحكمتك وشفقتك وصراحتك وإخلاصك ورقتك ودماثة خلقك، يتضح لي إني وجدت في صداقتك أنت وحدك ما يجعلني أبتهج دوماً لأني أرغمت على قضاء هذا العديد من السنين في رحابك. – لوك وفي إنجلترا التي تولى فيها أصدقاء لوك مقاليد الحكم، تقل الفيلسوف عدة مناصب رسمية. ففي 1690 كان مفوض الاستئناف، وفيما بين 1696- 1700 كان مفوض التجارة والزراعة، وكان صديقاً حميماً لجون سومرز النائب العام، وشارل مونتاگو إرل هاليفاكس الأول، واسحاق نيوتن الذي ساعده لوك في إصلاح العملة. وبعد 1691 قضى معظم وقته في أوتس مور في أسكس مع سير فرانسيس ماشام وقرينته ليدي داماريس ماشام إحدى بنات رالف كودورث. وظل في هذا الركن الهادئ يكتب وينقح ما كتب حتى وافته المنية وفي 1661 مات والده بالسل، تاركاً له ثروة ضئيلة ورئتين ضعيفتين. ودرس الطب ولكنه لم يحصل على درجة فيه إلا في 1674. وفي الوقت نفسه قرأ ديكارت، وأحس بسحر الفلسفة حين تحدثت في جلاء ووضوح. وساعد روبرت بويل في تجاربه المعملية، وملأه الإعجاب بالمنهج العلمي. وفي 1667 تلقى دعوة للحضور والإقامة في قصر إكستر ليكون طبيباً خاصاً لأنطوني آشيلي كوبر. ولمدة عامين (1673- 1675) اشتغل لوك سكرتيراً لمجلس التجارة والزراعة (المستعمرات) الذي كان يرأسه شافتسبري. وساعده على وضع دستور لكارولينا التي أسسها شافتسبري وكان أكبر ملاك الأرض فيها. ولم تطبق هذه “النظم الأساسية” في المستعمرة بصفة عامة، ولكن حرية الضمير التي تضمنتها هذه النظم لقيت قبولاً حسناً إلى حد كبير لدى المستوطنين الجدد(108).
ولما تخلى شافتسبري عن مهامه السياسية 1675 جال ولك ودرس في فرنسا حيث التقى هناك بفرانسوا برنييه الذي أظهره على فلسفة جاسندي التي وجد فيها رفضاً معقولاً “للأفكار الفطرية” وهي مقارنة عقل الطفل الذي لم يولد باللوح النظيف الخالي من أي شيء، والجملة المأثورة التي نقلت فيما بعد عبر القنال الإنجليزي: “ليس ثمة شيء موجود في العقل إلا كان موجوداً أولاً في الحواس”. عندما عاد لوك من هولندا كان يناهز السادسة والخمسين من العمر. يقول المؤرخ والفيلسوف ديورانت في كتابه الرائع “قصة الحضارة”: كان لوك قد بلغ السادسة والخمسين من العمر حيث عاد من منفاه. ولم يكن قد نشر سوى بعض مقالات قليلة الشأن، وخلاصة بالفرنسية “للمقال” في المكتبة العالمية التي كان يصدرها لي كلارك ولم يكن يعرف عن اشتغاله بالفلسفة إلا نفر قليل من أصدقائه. وما هي إلا سنة واحدة، هي “سنة العجائب”، حتى دفع إلى المطبعة ثلاثة كتب سمت به إلى مصاف الشخصيات البارزة الكبرى في عالم الفكر في أوروبا. وظهرت “رسالة عن التسامح” في مارس 1689، في هولندا، ثم ترجمت إلى الإنجليزية في الخريف. وأعقبتها في 1690 “رسالة ثانية عن التسامح”. وفي فبراير 1690 أصدر مقاليه عن “الحكم المدني”، وهما حجر الزاوية في النظرية الحديثة للديمقراطية في إنكلترا وأمريكا، وبعد شهر واحد أخرج كتابه “بحث في العقل الإنساني”، وهو أعظم المؤلفات أثراً في علم النفس الحديث. وعلى الرغم من إتمامه هذا الكتاب الأخير قبل مغادرته هولندا فإنه عجل بطبع مقالي “الحكم المدني” قبله، لأنه كان تواقا إلى تزويد الثورة الجليلة بأساس فلسفي.
فلسفته

جون لوك
لقد كان لوك فيلسوف تجريبي حسي ومن أكبر أعمال لوك هو مقال عن الفهم الإنساني الذي يشرح فيه نظريته حول الوظائف التي يؤديها العقل (الذهن) عند التعرف على العالم. اشتهر جون لوك زعيم الحسيين بعبارته المشهورة:”إذا سألك سائل:متى بدأت تفكر؟فيجب أن تكون الإجابة:عندما بدأت أحس”.لقد سلم لوك بعجز العقل البشري وقصوره عن معالجة ما يتجاوز حدوده وإمكانياته وقد وضح ذلك في معظم كتبه ولا سيما كتابه (مقال في الفهم الإنساني)وكتابه (عن العقل البشري)وخلاصتهما أن العقيدة السائدة قبل لوك هي أن العقل البشري يشتمل على بعض الأفكار الفطرية الموروثة منذ الولادة دون أن يكتسبها العقل من التجارب التي تمر به أثناء الحياة ولقد بلغ من رسوخ هذا المذهب في نفوس أنه لم يكن يستهدف حتى لمجرد البحث والجدل.وكان ديكارت من أشد المدافعيين عن صحته وتبوته، أما لوك فيقابل هذا التسليم الأعمى بوجود الآراء الفطرية بأشد الإنكار.ويقول في ذلك “انها ((أى الأفكار الفطرية))ليست مطبوعة على العقل بطبيعتها، لأنها ليست معرفة بالنسبة للأطفال والبلهاء وغيرهم.

جون لوك

كاتب الموضوع الأصلي: سعود القريني 333

هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في عام 1632 في رنجتون Wringiton في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك اخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).
وفي عام 1667 أصبح طبيباً خاصاً لأسرة أنتوني آشلي كوبر (1621-1683) الذي صار فيما بعد الإيرل الأول لشافتسبري، ووزيراً للعدل، ولعب دوراً خطيراً في الأحداث السياسية العظيمة التي وقعت في إنجلترا ما بين ســنة 1660 وسنة 1680. لعبت علاقة لوك باللورد آشلي دوراً كبيراً في نظرياته السياسية الليبرالية. وكان اللورد آشلي يتمتع بنفوذ كبير في إنجلترا إذ كان يمثل المصالح السياسية لرؤوس الأموال التجارية في لندن، وتحت تأثير اللورد آشلي كتب لوك في عام 1667 مقالاً خاصاً بالتسامح (On Toleration) راجع فيه أفكاره القديمة الخاصة بإمكانية تنظيم الدولة لكل شؤون الكنيسة.
اعتقد الكثيرون لمدة طويلة ان لوك كتب أشهر مقالتين سياسيتين نشرتا في عام 1690 بعنوان “مقالتان عن الحكومة” (Two Treatises on Government) تأييداً لثورة 1688 الكبرى. وهناك وجهة نظر تقول إن المقالتين موجهتان ضد فيلمر (Filmer) وليس ضد هوبز كما كان يظن البعض. وهاجر لوك إلى هولندا عام 1683 بسبب ملاحقة الشرطة له، وذلك لاتصالاته الوثيقة باللورد آشلي، الذي كان معارضاً للقصر وبقي هناك حتى عام 1689، وفي هولندا كتب لوك عدة مقالات منها: مقال خاص بالفهم البشري (Essay Concerning Human Understanding) وبعض الأفكار عن التربية وأخرى عن التسامح. وعندما جاءت الثورة الكبرى، استطاع لوك العودة إلى إنجلترا. وقد رفضت الجامعات القديمة فلسفته الحسية وآراءَه الليبرالية. ومع ذلك فقد عاصر شهرته الكبرى التي انتشرت في أنحاء العالم. وتوفي عام 1704. كان لجون لوك دور كبير غير مباشر في الثورة الأمريكية إذ أن كتابه ((رسالتان في الحكم)) كان محط إعجاب الأمريكيين وكانت من ضمن آرائه في الكتاب أن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية ويجب على الشعب تغيير الحكومة أو تبديلها في حالة عدم حفظها لحقوق الشعب وحريته، وقد ساهمت آرائه في زيادة وعي الأمريكيين الذين اعتنقوا آرائه وقرروا تنفيذها.ومن أشهر عباراته الفلسفية”الأفكار الجديدة هي موضع شك دائماً…. وتتم مقاومتها غالباً… لسبب أنها لم تصبح شائعة بعد”

نشأته

جون لوك
ولد جون لوك أثراً في رنجتون بالقرب من برستول، في نفس العام الذي ولد فيه سبينوزا. ونشأ وترعرع في إنجلترا التي قامت فيها ثورة دامية وقتلت مليكها، وأصبح الصوت المنادي بثورة سلمية وعصر يسوده الاعتدال والتسامح، ومثل التسوية الإنجليزية في أحكم صورة وأفضلها. كان أبوه محامياً بيوريتانياً ناصر مع شيء من التضحية قضية البرلمان، وشرح لابنه نظريتي سيادة الشعب والحكومة النيابية، وبقي لوك مخلصاً لهذه الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً بفضل أبيه في تعويده على الرصانة الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً ليدي ماشام عن والد لوك أنه:- سلك معه في صغره نهجاً تحدث عنها الابن فيما بعد في استحسان بالغ. ذلك أنه كان قاسياً عليه بإبقائه في رعب شديد منه، وعلى أبعد منه، حين كان صبياً. ولكنه كان يخفف من هذه القسوة شيئاً فشيئاً حتى استوى جون رجلاً، آنس منه رشداً ومقدرة فعاش مع صديقاً حميماً(104).[2] درس جون لوك في أكسفورد الأرسطوطاليسية والهندسة والبلاغة واليونانية والمنطق وعلم الأخلاق. ثم أصبح محاميا في مدينة أكسفورد. وجدير بالذكر كانت هناك في ذلك الوقت منافسة كبيرة بين أكسفورد وكمبردج. كان يسيطر على أكسفورد أتباع أرسطو، بينما أتباع أفلاطون كانوا يسيطرون على كمبردج، مع العلم أن الصراع بين الأرسطوطاليسية والأفلاطونية اخترق كل تاريخ الفلسفة. لكن البروفيسور روجيه وولهاوس، أحد كبار المختصين بالفكر الحديث عموما وفلسفة جون لوك على وجه الخصوص، يرى أن الفلسفة الحديثة أي فلسفة فرانسيس بيكون وتوماس هوبز ورينيه ديكارت كانت قد نقدت بشدة فلسفة أرسطو وأفلاطون وفتحت مجالاً جديداً كلياً للمعرفة. وبالتالي فقد استفاد من ذلك كله جون لوك وبنى عليه نظرياته الفلسفية والسياسية.وفي مدرسة وستمنستر أرهق باللاتينية واليونانية والعبرية والعربية، ومن الجائز أنه لم يسمح له بشهود إعدام تشارلز الأول ملك إنجلترا (1649) في ساحة قصر هويتهول القريب من المدرسة، ولكن هذه الحادثة تركت أثراً في فلسفته. وعوقت اضطرابات الحرب الأهلية التحاقه بكلية كريست في أكسفورد حتى بلغ العشرين من عمره. وهناك درس أرسطو مصوغاً في قوالب سكولاسية باللاتينية، كما درس مزيداً من اليونانية، وبعض الهندسة والبلاغة، وكثيراً من المنطق وعلم الأخلاق، لفظ معظمها فيما بعد، على انها عتيقة مهجورة موضوعاً. غير مستساغة ولا مقبولة شكلاً. وبعد حصوله على درجة الماجستير (1658) بقي بكليته باحثاً في الدراسة العليا، يدرس ويحاضر. ووقع لبعض الوقت في غرام “سلبني عقلي(105)”،ثم استرد عقله وخسر عشيقته. ولم يتزوج لوك قط، مثله في ذلك مثل كل فلاسفة هذا العصر تقريباً- مالبرانش،بل،فونتنل،هوبز،سبينوزا،ليبتنز. ونصحوه بالالتحاق بإحدى وظائف الكنيسة، ولكنه تردد وقال: “إذا رقيت إلى مكان قد لا أستطيع أن أملأ فراغه فإن الهبوط منه لن يكون إلا سقوطاً مروعاً يسمع له دوي شديد(106)”.[3] درس لوك الطب وقرأ ديكارت وولع بالفلسفة وأحس بسحرها. ثم عمل كطبيب خاص لأنطوني آشيلي كوبر والذي أصبح أرل شافتسبري الأول وعضو الوزارة أيام شارل الثاني. حافظ جون لوك في نفس الوقت على منصبه كباحث ومدرس ومحاضر في أكسفورد ولكن مع ذلك وجد نفسه غارقا في خضم السياسة الإنكليزية. ويروي ول ديورانت أن الطبيب لوك أنقذ حياة شافتسبري حيث أجرى له عملية بارعة لاستئصال ورم خبيث وساعد في المفاوضات لإتمام زواج ابن شافتسبري، وسهر على زوجة ابنه أثناء الوضع، وأشرف على تعليم حفيده، خليفته في الفلسفة. ويذكر هذا الحفيد، أرل شافتسبري الثالث أن:
“مستر لوك حظي بتقدير كبير لدى جدي، حتى وأنه وقد عرف بالتجربة أنه عظيم في الطب، رأى أن هذا جانب صغير من جوانب عظمته، وشجعه على الاتجاه بأفكاره إلى منحى آخر، ولم يسمح له بمزاولة الطب إلا في أسرته أو من قبيل العطف أو الرحمة بصديق حميم. وهيأه لدراسة المسائل الدينية والمدنية التي تهم البلاد، وكل ما يتصل بمهمة الوزير في الدولة. وقد أحرز في هذا نجاحاً كبيراً حدا بجدي إلى أن يتخذ منه صديقاً يسأله المشورة في أية قضية من هذا النوع.” أحس جون لوك بالخطر لما أثارته قصة القبض على صاحبه شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا من شبهات الملكيين حول أصدقائه. فلجأ لوك كذلك إلى هولندا. واختبأ هناك واتخذ لنفسه اسما آخر، وبعد سنة أرسل له الملك جيمس الثاني عرضا بالعفو ولكنه آثر البقاء في هولندا.
عاش لوك في أمستردام وروتردام وأوترخت ست سنوات ونشأت بينه وبين بعض العلماء الهولنديين علاقة صداقة، مثل جين لي كلرك وفيليب فان لمبروخ وكذلك مع اللاجئين الإنكليز في هولندا ولاقى كل تشجيع وترحيب لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وحسب ديورانت كتب لوك هناك كتب “بحث في العقل الإنساني” والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني. وفي 1679 عاد لوك إلى إنجلترا وإلى شافتسبري، ولكن الأرل زج بنفسه أكثر فأكثر في غمار الثورة، فآوى لوك إلى أكسفورد حيث أستأنف الدرس والبحث. وأثار القبض على شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا شبهات الملكيين حول أصدقائه. وانبث الجواسيس في أكسفورد للقبض على لوك متلبساً بما يمكن أن يكون أساساً لتقديمه إلى المحاكمة(109). فلما أحس بالخطر وتنبأ باعتلاء عدوه جيمس الثاني عرش إنجلترا، فإنه كذلك لجأ إلى هولندا (1683). على أن ثورة دوق مونموث القصيرة الأجل التي ماتت في مهدها (1681) استنفرت الملك جيمس الثاني إلى أن يطلب من الحكومة الهولندية تسليم خمسة وثمانين لاجئاً إنجليزياً بتهمة اشتراكهم في المؤامرة لقلب عرش الملك الجديد. وكان من بينهم لوك، فاختبأ وأتخذ اسماً زائفاً. وبعد سنة أرسل إليه جيمس عرضاً بالعفو عنه ولكنه آثر البقاء في هولندا. وأقام في أوترخت وأمستردام وروتردام، حيث لم يستمتع بصداقة الإنجليز اللاجئين فحسب، بل سعد كذلك بصداقة العلماء الهولنديين مثل جين لي كلرك وفيليپ ڤان لمبروخ، وكلاهما من زعماء اللاهوت الإرميني المتحرر. وفي هذا الوسط وجد لوك تشجيعاً كبيراً لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وهناك كتب “بحث في العقل الإنساني”، والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني.
تجارته للعبيد في 1671 كان أكبر المستثمرين في تجارة العبيد الإنجليزية في ” الشركة الأفريقية الملكية ” التي كانت تتاجر في العبيد من غرب أفريقيا وكانت تهجر بين 90000 – 100000 أفريقى كعبد. و يقول مارتن كوهين : كان لوك رجل من ستة رجال مسئولين عن ايجاد وحكم المستعمرات الجديدة في أمريكا وقوانينها الجائرة والعبودية الظالمة فيها. لذا يرى البعض كلماته عن الملكية غير المحدودة كمسوغ لإحلال السكان الأصليين لأمريكا. و يرى مفكرون أن معارضته للأرستقراطية والعبودية في أشهر كتاباته تتعارض مع سيرته الذاتية وتجارته الواسعة في العبيد واستعبادهم وأنها محض نفاق.
وفي 1687 اشترك في مؤامرة لإحلال وليم الثالث محل جيمس الثاني على عرش إنجلترا(110). فلما نجحت حملة نائب الملك في هذه المغامرة أبحر لوك إلى إنجلترا (1689) على نفس السفينة التي أقلت الملكة المقبلة ماري(111). وقبل مغادرة هولندا كتب باللاتينية إلى لمبروخ رسالة تفيض بأحر العواطف. مما يدحض أو يصبح ما ظن من أن اعتداله المألوف نبع من برودة طبعه: إني إذا أرحل عنكم، أكاد أشعر إني أفارق بلادي وعشيرتي وأهلي فإن كل شيء يتعلق بالقرابة والسنة الحسنة والحب والشفقة- كل ما يربط الناس بعضهم ببعض بوشائج قوى من رابطة الدم- وجدته بينكم موفوراً. إني أترك ورائي أصدقاء لا سبيل إلى نسيانهم أبداً. ولن أودع الرغبة في سنوح الفرصة لأستمتع ثانية بالرفقة الحقه لأصدقاء، لم اشعر وأنا بينهم بأي حنين أو رغبة، حيث كنت بعيداً عن ارتباطاتي الخاصة، وأعاني من أشياء كثيرة، أما أنت يا أفضل الرجال وأعزهم وأنبلهم، فإني حين أفكر في علمك وحكمتك وشفقتك وصراحتك وإخلاصك ورقتك ودماثة خلقك، يتضح لي إني وجدت في صداقتك أنت وحدك ما يجعلني أبتهج دوماً لأني أرغمت على قضاء هذا العديد من السنين في رحابك. – لوك وفي إنجلترا التي تولى فيها أصدقاء لوك مقاليد الحكم، تقل الفيلسوف عدة مناصب رسمية. ففي 1690 كان مفوض الاستئناف، وفيما بين 1696- 1700 كان مفوض التجارة والزراعة، وكان صديقاً حميماً لجون سومرز النائب العام، وشارل مونتاگو إرل هاليفاكس الأول، واسحاق نيوتن الذي ساعده لوك في إصلاح العملة. وبعد 1691 قضى معظم وقته في أوتس مور في أسكس مع سير فرانسيس ماشام وقرينته ليدي داماريس ماشام إحدى بنات رالف كودورث. وظل في هذا الركن الهادئ يكتب وينقح ما كتب حتى وافته المنية وفي 1661 مات والده بالسل، تاركاً له ثروة ضئيلة ورئتين ضعيفتين. ودرس الطب ولكنه لم يحصل على درجة فيه إلا في 1674. وفي الوقت نفسه قرأ ديكارت، وأحس بسحر الفلسفة حين تحدثت في جلاء ووضوح. وساعد روبرت بويل في تجاربه المعملية، وملأه الإعجاب بالمنهج العلمي. وفي 1667 تلقى دعوة للحضور والإقامة في قصر إكستر ليكون طبيباً خاصاً لأنطوني آشيلي كوبر. ولمدة عامين (1673- 1675) اشتغل لوك سكرتيراً لمجلس التجارة والزراعة (المستعمرات) الذي كان يرأسه شافتسبري. وساعده على وضع دستور لكارولينا التي أسسها شافتسبري وكان أكبر ملاك الأرض فيها. ولم تطبق هذه “النظم الأساسية” في المستعمرة بصفة عامة، ولكن حرية الضمير التي تضمنتها هذه النظم لقيت قبولاً حسناً إلى حد كبير لدى المستوطنين الجدد(108).
ولما تخلى شافتسبري عن مهامه السياسية 1675 جال ولك ودرس في فرنسا حيث التقى هناك بفرانسوا برنييه الذي أظهره على فلسفة جاسندي التي وجد فيها رفضاً معقولاً “للأفكار الفطرية” وهي مقارنة عقل الطفل الذي لم يولد باللوح النظيف الخالي من أي شيء، والجملة المأثورة التي نقلت فيما بعد عبر القنال الإنجليزي: “ليس ثمة شيء موجود في العقل إلا كان موجوداً أولاً في الحواس”. عندما عاد لوك من هولندا كان يناهز السادسة والخمسين من العمر. يقول المؤرخ والفيلسوف ديورانت في كتابه الرائع “قصة الحضارة”: كان لوك قد بلغ السادسة والخمسين من العمر حيث عاد من منفاه. ولم يكن قد نشر سوى بعض مقالات قليلة الشأن، وخلاصة بالفرنسية “للمقال” في المكتبة العالمية التي كان يصدرها لي كلارك ولم يكن يعرف عن اشتغاله بالفلسفة إلا نفر قليل من أصدقائه. وما هي إلا سنة واحدة، هي “سنة العجائب”، حتى دفع إلى المطبعة ثلاثة كتب سمت به إلى مصاف الشخصيات البارزة الكبرى في عالم الفكر في أوروبا. وظهرت “رسالة عن التسامح” في مارس 1689، في هولندا، ثم ترجمت إلى الإنجليزية في الخريف. وأعقبتها في 1690 “رسالة ثانية عن التسامح”. وفي فبراير 1690 أصدر مقاليه عن “الحكم المدني”، وهما حجر الزاوية في النظرية الحديثة للديمقراطية في إنكلترا وأمريكا، وبعد شهر واحد أخرج كتابه “بحث في العقل الإنساني”، وهو أعظم المؤلفات أثراً في علم النفس الحديث. وعلى الرغم من إتمامه هذا الكتاب الأخير قبل مغادرته هولندا فإنه عجل بطبع مقالي “الحكم المدني” قبله، لأنه كان تواقا إلى تزويد الثورة الجليلة بأساس فلسفي.
فلسفته

جون لوك
لقد كان لوك فيلسوف تجريبي حسي ومن أكبر أعمال لوك هو مقال عن الفهم الإنساني الذي يشرح فيه نظريته حول الوظائف التي يؤديها العقل (الذهن) عند التعرف على العالم. اشتهر جون لوك زعيم الحسيين بعبارته المشهورة:”إذا سألك سائل:متى بدأت تفكر؟فيجب أن تكون الإجابة:عندما بدأت أحس”.لقد سلم لوك بعجز العقل البشري وقصوره عن معالجة ما يتجاوز حدوده وإمكانياته وقد وضح ذلك في معظم كتبه ولا سيما كتابه (مقال في الفهم الإنساني)وكتابه (عن العقل البشري)وخلاصتهما أن العقيدة السائدة قبل لوك هي أن العقل البشري يشتمل على بعض الأفكار الفطرية الموروثة منذ الولادة دون أن يكتسبها العقل من التجارب التي تمر به أثناء الحياة ولقد بلغ من رسوخ هذا المذهب في نفوس أنه لم يكن يستهدف حتى لمجرد البحث والجدل.وكان ديكارت من أشد المدافعيين عن صحته وتبوته، أما لوك فيقابل هذا التسليم الأعمى بوجود الآراء الفطرية بأشد الإنكار.ويقول في ذلك “انها ((أى الأفكار الفطرية))ليست مطبوعة على العقل بطبيعتها، لأنها ليست معرفة بالنسبة للأطفال والبلهاء وغيرهم.

جون لوك

كاتب الموضوع الأصلي: سعود القريني 333

هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في عام 1632 في رنجتون Wringiton في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك اخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).
وفي عام 1667 أصبح طبيباً خاصاً لأسرة أنتوني آشلي كوبر (1621-1683) الذي صار فيما بعد الإيرل الأول لشافتسبري، ووزيراً للعدل، ولعب دوراً خطيراً في الأحداث السياسية العظيمة التي وقعت في إنجلترا ما بين ســنة 1660 وسنة 1680. لعبت علاقة لوك باللورد آشلي دوراً كبيراً في نظرياته السياسية الليبرالية. وكان اللورد آشلي يتمتع بنفوذ كبير في إنجلترا إذ كان يمثل المصالح السياسية لرؤوس الأموال التجارية في لندن، وتحت تأثير اللورد آشلي كتب لوك في عام 1667 مقالاً خاصاً بالتسامح (On Toleration) راجع فيه أفكاره القديمة الخاصة بإمكانية تنظيم الدولة لكل شؤون الكنيسة.
اعتقد الكثيرون لمدة طويلة ان لوك كتب أشهر مقالتين سياسيتين نشرتا في عام 1690 بعنوان “مقالتان عن الحكومة” (Two Treatises on Government) تأييداً لثورة 1688 الكبرى. وهناك وجهة نظر تقول إن المقالتين موجهتان ضد فيلمر (Filmer) وليس ضد هوبز كما كان يظن البعض. وهاجر لوك إلى هولندا عام 1683 بسبب ملاحقة الشرطة له، وذلك لاتصالاته الوثيقة باللورد آشلي، الذي كان معارضاً للقصر وبقي هناك حتى عام 1689، وفي هولندا كتب لوك عدة مقالات منها: مقال خاص بالفهم البشري (Essay Concerning Human Understanding) وبعض الأفكار عن التربية وأخرى عن التسامح. وعندما جاءت الثورة الكبرى، استطاع لوك العودة إلى إنجلترا. وقد رفضت الجامعات القديمة فلسفته الحسية وآراءَه الليبرالية. ومع ذلك فقد عاصر شهرته الكبرى التي انتشرت في أنحاء العالم. وتوفي عام 1704. كان لجون لوك دور كبير غير مباشر في الثورة الأمريكية إذ أن كتابه ((رسالتان في الحكم)) كان محط إعجاب الأمريكيين وكانت من ضمن آرائه في الكتاب أن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية ويجب على الشعب تغيير الحكومة أو تبديلها في حالة عدم حفظها لحقوق الشعب وحريته، وقد ساهمت آرائه في زيادة وعي الأمريكيين الذين اعتنقوا آرائه وقرروا تنفيذها.ومن أشهر عباراته الفلسفية”الأفكار الجديدة هي موضع شك دائماً…. وتتم مقاومتها غالباً… لسبب أنها لم تصبح شائعة بعد”

نشأته

جون لوك
ولد جون لوك أثراً في رنجتون بالقرب من برستول، في نفس العام الذي ولد فيه سبينوزا. ونشأ وترعرع في إنجلترا التي قامت فيها ثورة دامية وقتلت مليكها، وأصبح الصوت المنادي بثورة سلمية وعصر يسوده الاعتدال والتسامح، ومثل التسوية الإنجليزية في أحكم صورة وأفضلها. كان أبوه محامياً بيوريتانياً ناصر مع شيء من التضحية قضية البرلمان، وشرح لابنه نظريتي سيادة الشعب والحكومة النيابية، وبقي لوك مخلصاً لهذه الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً بفضل أبيه في تعويده على الرصانة الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً ليدي ماشام عن والد لوك أنه:- سلك معه في صغره نهجاً تحدث عنها الابن فيما بعد في استحسان بالغ. ذلك أنه كان قاسياً عليه بإبقائه في رعب شديد منه، وعلى أبعد منه، حين كان صبياً. ولكنه كان يخفف من هذه القسوة شيئاً فشيئاً حتى استوى جون رجلاً، آنس منه رشداً ومقدرة فعاش مع صديقاً حميماً(104).[2] درس جون لوك في أكسفورد الأرسطوطاليسية والهندسة والبلاغة واليونانية والمنطق وعلم الأخلاق. ثم أصبح محاميا في مدينة أكسفورد. وجدير بالذكر كانت هناك في ذلك الوقت منافسة كبيرة بين أكسفورد وكمبردج. كان يسيطر على أكسفورد أتباع أرسطو، بينما أتباع أفلاطون كانوا يسيطرون على كمبردج، مع العلم أن الصراع بين الأرسطوطاليسية والأفلاطونية اخترق كل تاريخ الفلسفة. لكن البروفيسور روجيه وولهاوس، أحد كبار المختصين بالفكر الحديث عموما وفلسفة جون لوك على وجه الخصوص، يرى أن الفلسفة الحديثة أي فلسفة فرانسيس بيكون وتوماس هوبز ورينيه ديكارت كانت قد نقدت بشدة فلسفة أرسطو وأفلاطون وفتحت مجالاً جديداً كلياً للمعرفة. وبالتالي فقد استفاد من ذلك كله جون لوك وبنى عليه نظرياته الفلسفية والسياسية.وفي مدرسة وستمنستر أرهق باللاتينية واليونانية والعبرية والعربية، ومن الجائز أنه لم يسمح له بشهود إعدام تشارلز الأول ملك إنجلترا (1649) في ساحة قصر هويتهول القريب من المدرسة، ولكن هذه الحادثة تركت أثراً في فلسفته. وعوقت اضطرابات الحرب الأهلية التحاقه بكلية كريست في أكسفورد حتى بلغ العشرين من عمره. وهناك درس أرسطو مصوغاً في قوالب سكولاسية باللاتينية، كما درس مزيداً من اليونانية، وبعض الهندسة والبلاغة، وكثيراً من المنطق وعلم الأخلاق، لفظ معظمها فيما بعد، على انها عتيقة مهجورة موضوعاً. غير مستساغة ولا مقبولة شكلاً. وبعد حصوله على درجة الماجستير (1658) بقي بكليته باحثاً في الدراسة العليا، يدرس ويحاضر. ووقع لبعض الوقت في غرام “سلبني عقلي(105)”،ثم استرد عقله وخسر عشيقته. ولم يتزوج لوك قط، مثله في ذلك مثل كل فلاسفة هذا العصر تقريباً- مالبرانش،بل،فونتنل،هوبز،سبينوزا،ليبتنز. ونصحوه بالالتحاق بإحدى وظائف الكنيسة، ولكنه تردد وقال: “إذا رقيت إلى مكان قد لا أستطيع أن أملأ فراغه فإن الهبوط منه لن يكون إلا سقوطاً مروعاً يسمع له دوي شديد(106)”.[3] درس لوك الطب وقرأ ديكارت وولع بالفلسفة وأحس بسحرها. ثم عمل كطبيب خاص لأنطوني آشيلي كوبر والذي أصبح أرل شافتسبري الأول وعضو الوزارة أيام شارل الثاني. حافظ جون لوك في نفس الوقت على منصبه كباحث ومدرس ومحاضر في أكسفورد ولكن مع ذلك وجد نفسه غارقا في خضم السياسة الإنكليزية. ويروي ول ديورانت أن الطبيب لوك أنقذ حياة شافتسبري حيث أجرى له عملية بارعة لاستئصال ورم خبيث وساعد في المفاوضات لإتمام زواج ابن شافتسبري، وسهر على زوجة ابنه أثناء الوضع، وأشرف على تعليم حفيده، خليفته في الفلسفة. ويذكر هذا الحفيد، أرل شافتسبري الثالث أن:
“مستر لوك حظي بتقدير كبير لدى جدي، حتى وأنه وقد عرف بالتجربة أنه عظيم في الطب، رأى أن هذا جانب صغير من جوانب عظمته، وشجعه على الاتجاه بأفكاره إلى منحى آخر، ولم يسمح له بمزاولة الطب إلا في أسرته أو من قبيل العطف أو الرحمة بصديق حميم. وهيأه لدراسة المسائل الدينية والمدنية التي تهم البلاد، وكل ما يتصل بمهمة الوزير في الدولة. وقد أحرز في هذا نجاحاً كبيراً حدا بجدي إلى أن يتخذ منه صديقاً يسأله المشورة في أية قضية من هذا النوع.” أحس جون لوك بالخطر لما أثارته قصة القبض على صاحبه شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا من شبهات الملكيين حول أصدقائه. فلجأ لوك كذلك إلى هولندا. واختبأ هناك واتخذ لنفسه اسما آخر، وبعد سنة أرسل له الملك جيمس الثاني عرضا بالعفو ولكنه آثر البقاء في هولندا.
عاش لوك في أمستردام وروتردام وأوترخت ست سنوات ونشأت بينه وبين بعض العلماء الهولنديين علاقة صداقة، مثل جين لي كلرك وفيليب فان لمبروخ وكذلك مع اللاجئين الإنكليز في هولندا ولاقى كل تشجيع وترحيب لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وحسب ديورانت كتب لوك هناك كتب “بحث في العقل الإنساني” والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني. وفي 1679 عاد لوك إلى إنجلترا وإلى شافتسبري، ولكن الأرل زج بنفسه أكثر فأكثر في غمار الثورة، فآوى لوك إلى أكسفورد حيث أستأنف الدرس والبحث. وأثار القبض على شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا شبهات الملكيين حول أصدقائه. وانبث الجواسيس في أكسفورد للقبض على لوك متلبساً بما يمكن أن يكون أساساً لتقديمه إلى المحاكمة(109). فلما أحس بالخطر وتنبأ باعتلاء عدوه جيمس الثاني عرش إنجلترا، فإنه كذلك لجأ إلى هولندا (1683). على أن ثورة دوق مونموث القصيرة الأجل التي ماتت في مهدها (1681) استنفرت الملك جيمس الثاني إلى أن يطلب من الحكومة الهولندية تسليم خمسة وثمانين لاجئاً إنجليزياً بتهمة اشتراكهم في المؤامرة لقلب عرش الملك الجديد. وكان من بينهم لوك، فاختبأ وأتخذ اسماً زائفاً. وبعد سنة أرسل إليه جيمس عرضاً بالعفو عنه ولكنه آثر البقاء في هولندا. وأقام في أوترخت وأمستردام وروتردام، حيث لم يستمتع بصداقة الإنجليز اللاجئين فحسب، بل سعد كذلك بصداقة العلماء الهولنديين مثل جين لي كلرك وفيليپ ڤان لمبروخ، وكلاهما من زعماء اللاهوت الإرميني المتحرر. وفي هذا الوسط وجد لوك تشجيعاً كبيراً لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وهناك كتب “بحث في العقل الإنساني”، والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني.
تجارته للعبيد في 1671 كان أكبر المستثمرين في تجارة العبيد الإنجليزية في ” الشركة الأفريقية الملكية ” التي كانت تتاجر في العبيد من غرب أفريقيا وكانت تهجر بين 90000 – 100000 أفريقى كعبد. و يقول مارتن كوهين : كان لوك رجل من ستة رجال مسئولين عن ايجاد وحكم المستعمرات الجديدة في أمريكا وقوانينها الجائرة والعبودية الظالمة فيها. لذا يرى البعض كلماته عن الملكية غير المحدودة كمسوغ لإحلال السكان الأصليين لأمريكا. و يرى مفكرون أن معارضته للأرستقراطية والعبودية في أشهر كتاباته تتعارض مع سيرته الذاتية وتجارته الواسعة في العبيد واستعبادهم وأنها محض نفاق.
وفي 1687 اشترك في مؤامرة لإحلال وليم الثالث محل جيمس الثاني على عرش إنجلترا(110). فلما نجحت حملة نائب الملك في هذه المغامرة أبحر لوك إلى إنجلترا (1689) على نفس السفينة التي أقلت الملكة المقبلة ماري(111). وقبل مغادرة هولندا كتب باللاتينية إلى لمبروخ رسالة تفيض بأحر العواطف. مما يدحض أو يصبح ما ظن من أن اعتداله المألوف نبع من برودة طبعه: إني إذا أرحل عنكم، أكاد أشعر إني أفارق بلادي وعشيرتي وأهلي فإن كل شيء يتعلق بالقرابة والسنة الحسنة والحب والشفقة- كل ما يربط الناس بعضهم ببعض بوشائج قوى من رابطة الدم- وجدته بينكم موفوراً. إني أترك ورائي أصدقاء لا سبيل إلى نسيانهم أبداً. ولن أودع الرغبة في سنوح الفرصة لأستمتع ثانية بالرفقة الحقه لأصدقاء، لم اشعر وأنا بينهم بأي حنين أو رغبة، حيث كنت بعيداً عن ارتباطاتي الخاصة، وأعاني من أشياء كثيرة، أما أنت يا أفضل الرجال وأعزهم وأنبلهم، فإني حين أفكر في علمك وحكمتك وشفقتك وصراحتك وإخلاصك ورقتك ودماثة خلقك، يتضح لي إني وجدت في صداقتك أنت وحدك ما يجعلني أبتهج دوماً لأني أرغمت على قضاء هذا العديد من السنين في رحابك. – لوك وفي إنجلترا التي تولى فيها أصدقاء لوك مقاليد الحكم، تقل الفيلسوف عدة مناصب رسمية. ففي 1690 كان مفوض الاستئناف، وفيما بين 1696- 1700 كان مفوض التجارة والزراعة، وكان صديقاً حميماً لجون سومرز النائب العام، وشارل مونتاگو إرل هاليفاكس الأول، واسحاق نيوتن الذي ساعده لوك في إصلاح العملة. وبعد 1691 قضى معظم وقته في أوتس مور في أسكس مع سير فرانسيس ماشام وقرينته ليدي داماريس ماشام إحدى بنات رالف كودورث. وظل في هذا الركن الهادئ يكتب وينقح ما كتب حتى وافته المنية وفي 1661 مات والده بالسل، تاركاً له ثروة ضئيلة ورئتين ضعيفتين. ودرس الطب ولكنه لم يحصل على درجة فيه إلا في 1674. وفي الوقت نفسه قرأ ديكارت، وأحس بسحر الفلسفة حين تحدثت في جلاء ووضوح. وساعد روبرت بويل في تجاربه المعملية، وملأه الإعجاب بالمنهج العلمي. وفي 1667 تلقى دعوة للحضور والإقامة في قصر إكستر ليكون طبيباً خاصاً لأنطوني آشيلي كوبر. ولمدة عامين (1673- 1675) اشتغل لوك سكرتيراً لمجلس التجارة والزراعة (المستعمرات) الذي كان يرأسه شافتسبري. وساعده على وضع دستور لكارولينا التي أسسها شافتسبري وكان أكبر ملاك الأرض فيها. ولم تطبق هذه “النظم الأساسية” في المستعمرة بصفة عامة، ولكن حرية الضمير التي تضمنتها هذه النظم لقيت قبولاً حسناً إلى حد كبير لدى المستوطنين الجدد(108).
ولما تخلى شافتسبري عن مهامه السياسية 1675 جال ولك ودرس في فرنسا حيث التقى هناك بفرانسوا برنييه الذي أظهره على فلسفة جاسندي التي وجد فيها رفضاً معقولاً “للأفكار الفطرية” وهي مقارنة عقل الطفل الذي لم يولد باللوح النظيف الخالي من أي شيء، والجملة المأثورة التي نقلت فيما بعد عبر القنال الإنجليزي: “ليس ثمة شيء موجود في العقل إلا كان موجوداً أولاً في الحواس”. عندما عاد لوك من هولندا كان يناهز السادسة والخمسين من العمر. يقول المؤرخ والفيلسوف ديورانت في كتابه الرائع “قصة الحضارة”: كان لوك قد بلغ السادسة والخمسين من العمر حيث عاد من منفاه. ولم يكن قد نشر سوى بعض مقالات قليلة الشأن، وخلاصة بالفرنسية “للمقال” في المكتبة العالمية التي كان يصدرها لي كلارك ولم يكن يعرف عن اشتغاله بالفلسفة إلا نفر قليل من أصدقائه. وما هي إلا سنة واحدة، هي “سنة العجائب”، حتى دفع إلى المطبعة ثلاثة كتب سمت به إلى مصاف الشخصيات البارزة الكبرى في عالم الفكر في أوروبا. وظهرت “رسالة عن التسامح” في مارس 1689، في هولندا، ثم ترجمت إلى الإنجليزية في الخريف. وأعقبتها في 1690 “رسالة ثانية عن التسامح”. وفي فبراير 1690 أصدر مقاليه عن “الحكم المدني”، وهما حجر الزاوية في النظرية الحديثة للديمقراطية في إنكلترا وأمريكا، وبعد شهر واحد أخرج كتابه “بحث في العقل الإنساني”، وهو أعظم المؤلفات أثراً في علم النفس الحديث. وعلى الرغم من إتمامه هذا الكتاب الأخير قبل مغادرته هولندا فإنه عجل بطبع مقالي “الحكم المدني” قبله، لأنه كان تواقا إلى تزويد الثورة الجليلة بأساس فلسفي.
فلسفته

جون لوك
لقد كان لوك فيلسوف تجريبي حسي ومن أكبر أعمال لوك هو مقال عن الفهم الإنساني الذي يشرح فيه نظريته حول الوظائف التي يؤديها العقل (الذهن) عند التعرف على العالم. اشتهر جون لوك زعيم الحسيين بعبارته المشهورة:”إذا سألك سائل:متى بدأت تفكر؟فيجب أن تكون الإجابة:عندما بدأت أحس”.لقد سلم لوك بعجز العقل البشري وقصوره عن معالجة ما يتجاوز حدوده وإمكانياته وقد وضح ذلك في معظم كتبه ولا سيما كتابه (مقال في الفهم الإنساني)وكتابه (عن العقل البشري)وخلاصتهما أن العقيدة السائدة قبل لوك هي أن العقل البشري يشتمل على بعض الأفكار الفطرية الموروثة منذ الولادة دون أن يكتسبها العقل من التجارب التي تمر به أثناء الحياة ولقد بلغ من رسوخ هذا المذهب في نفوس أنه لم يكن يستهدف حتى لمجرد البحث والجدل.وكان ديكارت من أشد المدافعيين عن صحته وتبوته، أما لوك فيقابل هذا التسليم الأعمى بوجود الآراء الفطرية بأشد الإنكار.ويقول في ذلك “انها ((أى الأفكار الفطرية))ليست مطبوعة على العقل بطبيعتها، لأنها ليست معرفة بالنسبة للأطفال والبلهاء وغيرهم.

جون لوك

كاتب الموضوع الأصلي: سعود القريني 333

هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في عام 1632 في رنجتون Wringiton في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك اخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).
وفي عام 1667 أصبح طبيباً خاصاً لأسرة أنتوني آشلي كوبر (1621-1683) الذي صار فيما بعد الإيرل الأول لشافتسبري، ووزيراً للعدل، ولعب دوراً خطيراً في الأحداث السياسية العظيمة التي وقعت في إنجلترا ما بين ســنة 1660 وسنة 1680. لعبت علاقة لوك باللورد آشلي دوراً كبيراً في نظرياته السياسية الليبرالية. وكان اللورد آشلي يتمتع بنفوذ كبير في إنجلترا إذ كان يمثل المصالح السياسية لرؤوس الأموال التجارية في لندن، وتحت تأثير اللورد آشلي كتب لوك في عام 1667 مقالاً خاصاً بالتسامح (On Toleration) راجع فيه أفكاره القديمة الخاصة بإمكانية تنظيم الدولة لكل شؤون الكنيسة.
اعتقد الكثيرون لمدة طويلة ان لوك كتب أشهر مقالتين سياسيتين نشرتا في عام 1690 بعنوان “مقالتان عن الحكومة” (Two Treatises on Government) تأييداً لثورة 1688 الكبرى. وهناك وجهة نظر تقول إن المقالتين موجهتان ضد فيلمر (Filmer) وليس ضد هوبز كما كان يظن البعض. وهاجر لوك إلى هولندا عام 1683 بسبب ملاحقة الشرطة له، وذلك لاتصالاته الوثيقة باللورد آشلي، الذي كان معارضاً للقصر وبقي هناك حتى عام 1689، وفي هولندا كتب لوك عدة مقالات منها: مقال خاص بالفهم البشري (Essay Concerning Human Understanding) وبعض الأفكار عن التربية وأخرى عن التسامح. وعندما جاءت الثورة الكبرى، استطاع لوك العودة إلى إنجلترا. وقد رفضت الجامعات القديمة فلسفته الحسية وآراءَه الليبرالية. ومع ذلك فقد عاصر شهرته الكبرى التي انتشرت في أنحاء العالم. وتوفي عام 1704. كان لجون لوك دور كبير غير مباشر في الثورة الأمريكية إذ أن كتابه ((رسالتان في الحكم)) كان محط إعجاب الأمريكيين وكانت من ضمن آرائه في الكتاب أن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية ويجب على الشعب تغيير الحكومة أو تبديلها في حالة عدم حفظها لحقوق الشعب وحريته، وقد ساهمت آرائه في زيادة وعي الأمريكيين الذين اعتنقوا آرائه وقرروا تنفيذها.ومن أشهر عباراته الفلسفية”الأفكار الجديدة هي موضع شك دائماً…. وتتم مقاومتها غالباً… لسبب أنها لم تصبح شائعة بعد”

نشأته

جون لوك
ولد جون لوك أثراً في رنجتون بالقرب من برستول، في نفس العام الذي ولد فيه سبينوزا. ونشأ وترعرع في إنجلترا التي قامت فيها ثورة دامية وقتلت مليكها، وأصبح الصوت المنادي بثورة سلمية وعصر يسوده الاعتدال والتسامح، ومثل التسوية الإنجليزية في أحكم صورة وأفضلها. كان أبوه محامياً بيوريتانياً ناصر مع شيء من التضحية قضية البرلمان، وشرح لابنه نظريتي سيادة الشعب والحكومة النيابية، وبقي لوك مخلصاً لهذه الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً بفضل أبيه في تعويده على الرصانة الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً ليدي ماشام عن والد لوك أنه:- سلك معه في صغره نهجاً تحدث عنها الابن فيما بعد في استحسان بالغ. ذلك أنه كان قاسياً عليه بإبقائه في رعب شديد منه، وعلى أبعد منه، حين كان صبياً. ولكنه كان يخفف من هذه القسوة شيئاً فشيئاً حتى استوى جون رجلاً، آنس منه رشداً ومقدرة فعاش مع صديقاً حميماً(104).[2] درس جون لوك في أكسفورد الأرسطوطاليسية والهندسة والبلاغة واليونانية والمنطق وعلم الأخلاق. ثم أصبح محاميا في مدينة أكسفورد. وجدير بالذكر كانت هناك في ذلك الوقت منافسة كبيرة بين أكسفورد وكمبردج. كان يسيطر على أكسفورد أتباع أرسطو، بينما أتباع أفلاطون كانوا يسيطرون على كمبردج، مع العلم أن الصراع بين الأرسطوطاليسية والأفلاطونية اخترق كل تاريخ الفلسفة. لكن البروفيسور روجيه وولهاوس، أحد كبار المختصين بالفكر الحديث عموما وفلسفة جون لوك على وجه الخصوص، يرى أن الفلسفة الحديثة أي فلسفة فرانسيس بيكون وتوماس هوبز ورينيه ديكارت كانت قد نقدت بشدة فلسفة أرسطو وأفلاطون وفتحت مجالاً جديداً كلياً للمعرفة. وبالتالي فقد استفاد من ذلك كله جون لوك وبنى عليه نظرياته الفلسفية والسياسية.وفي مدرسة وستمنستر أرهق باللاتينية واليونانية والعبرية والعربية، ومن الجائز أنه لم يسمح له بشهود إعدام تشارلز الأول ملك إنجلترا (1649) في ساحة قصر هويتهول القريب من المدرسة، ولكن هذه الحادثة تركت أثراً في فلسفته. وعوقت اضطرابات الحرب الأهلية التحاقه بكلية كريست في أكسفورد حتى بلغ العشرين من عمره. وهناك درس أرسطو مصوغاً في قوالب سكولاسية باللاتينية، كما درس مزيداً من اليونانية، وبعض الهندسة والبلاغة، وكثيراً من المنطق وعلم الأخلاق، لفظ معظمها فيما بعد، على انها عتيقة مهجورة موضوعاً. غير مستساغة ولا مقبولة شكلاً. وبعد حصوله على درجة الماجستير (1658) بقي بكليته باحثاً في الدراسة العليا، يدرس ويحاضر. ووقع لبعض الوقت في غرام “سلبني عقلي(105)”،ثم استرد عقله وخسر عشيقته. ولم يتزوج لوك قط، مثله في ذلك مثل كل فلاسفة هذا العصر تقريباً- مالبرانش،بل،فونتنل،هوبز،سبينوزا،ليبتنز. ونصحوه بالالتحاق بإحدى وظائف الكنيسة، ولكنه تردد وقال: “إذا رقيت إلى مكان قد لا أستطيع أن أملأ فراغه فإن الهبوط منه لن يكون إلا سقوطاً مروعاً يسمع له دوي شديد(106)”.[3] درس لوك الطب وقرأ ديكارت وولع بالفلسفة وأحس بسحرها. ثم عمل كطبيب خاص لأنطوني آشيلي كوبر والذي أصبح أرل شافتسبري الأول وعضو الوزارة أيام شارل الثاني. حافظ جون لوك في نفس الوقت على منصبه كباحث ومدرس ومحاضر في أكسفورد ولكن مع ذلك وجد نفسه غارقا في خضم السياسة الإنكليزية. ويروي ول ديورانت أن الطبيب لوك أنقذ حياة شافتسبري حيث أجرى له عملية بارعة لاستئصال ورم خبيث وساعد في المفاوضات لإتمام زواج ابن شافتسبري، وسهر على زوجة ابنه أثناء الوضع، وأشرف على تعليم حفيده، خليفته في الفلسفة. ويذكر هذا الحفيد، أرل شافتسبري الثالث أن:
“مستر لوك حظي بتقدير كبير لدى جدي، حتى وأنه وقد عرف بالتجربة أنه عظيم في الطب، رأى أن هذا جانب صغير من جوانب عظمته، وشجعه على الاتجاه بأفكاره إلى منحى آخر، ولم يسمح له بمزاولة الطب إلا في أسرته أو من قبيل العطف أو الرحمة بصديق حميم. وهيأه لدراسة المسائل الدينية والمدنية التي تهم البلاد، وكل ما يتصل بمهمة الوزير في الدولة. وقد أحرز في هذا نجاحاً كبيراً حدا بجدي إلى أن يتخذ منه صديقاً يسأله المشورة في أية قضية من هذا النوع.” أحس جون لوك بالخطر لما أثارته قصة القبض على صاحبه شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا من شبهات الملكيين حول أصدقائه. فلجأ لوك كذلك إلى هولندا. واختبأ هناك واتخذ لنفسه اسما آخر، وبعد سنة أرسل له الملك جيمس الثاني عرضا بالعفو ولكنه آثر البقاء في هولندا.
عاش لوك في أمستردام وروتردام وأوترخت ست سنوات ونشأت بينه وبين بعض العلماء الهولنديين علاقة صداقة، مثل جين لي كلرك وفيليب فان لمبروخ وكذلك مع اللاجئين الإنكليز في هولندا ولاقى كل تشجيع وترحيب لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وحسب ديورانت كتب لوك هناك كتب “بحث في العقل الإنساني” والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني. وفي 1679 عاد لوك إلى إنجلترا وإلى شافتسبري، ولكن الأرل زج بنفسه أكثر فأكثر في غمار الثورة، فآوى لوك إلى أكسفورد حيث أستأنف الدرس والبحث. وأثار القبض على شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا شبهات الملكيين حول أصدقائه. وانبث الجواسيس في أكسفورد للقبض على لوك متلبساً بما يمكن أن يكون أساساً لتقديمه إلى المحاكمة(109). فلما أحس بالخطر وتنبأ باعتلاء عدوه جيمس الثاني عرش إنجلترا، فإنه كذلك لجأ إلى هولندا (1683). على أن ثورة دوق مونموث القصيرة الأجل التي ماتت في مهدها (1681) استنفرت الملك جيمس الثاني إلى أن يطلب من الحكومة الهولندية تسليم خمسة وثمانين لاجئاً إنجليزياً بتهمة اشتراكهم في المؤامرة لقلب عرش الملك الجديد. وكان من بينهم لوك، فاختبأ وأتخذ اسماً زائفاً. وبعد سنة أرسل إليه جيمس عرضاً بالعفو عنه ولكنه آثر البقاء في هولندا. وأقام في أوترخت وأمستردام وروتردام، حيث لم يستمتع بصداقة الإنجليز اللاجئين فحسب، بل سعد كذلك بصداقة العلماء الهولنديين مثل جين لي كلرك وفيليپ ڤان لمبروخ، وكلاهما من زعماء اللاهوت الإرميني المتحرر. وفي هذا الوسط وجد لوك تشجيعاً كبيراً لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وهناك كتب “بحث في العقل الإنساني”، والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني.
تجارته للعبيد في 1671 كان أكبر المستثمرين في تجارة العبيد الإنجليزية في ” الشركة الأفريقية الملكية ” التي كانت تتاجر في العبيد من غرب أفريقيا وكانت تهجر بين 90000 – 100000 أفريقى كعبد. و يقول مارتن كوهين : كان لوك رجل من ستة رجال مسئولين عن ايجاد وحكم المستعمرات الجديدة في أمريكا وقوانينها الجائرة والعبودية الظالمة فيها. لذا يرى البعض كلماته عن الملكية غير المحدودة كمسوغ لإحلال السكان الأصليين لأمريكا. و يرى مفكرون أن معارضته للأرستقراطية والعبودية في أشهر كتاباته تتعارض مع سيرته الذاتية وتجارته الواسعة في العبيد واستعبادهم وأنها محض نفاق.
وفي 1687 اشترك في مؤامرة لإحلال وليم الثالث محل جيمس الثاني على عرش إنجلترا(110). فلما نجحت حملة نائب الملك في هذه المغامرة أبحر لوك إلى إنجلترا (1689) على نفس السفينة التي أقلت الملكة المقبلة ماري(111). وقبل مغادرة هولندا كتب باللاتينية إلى لمبروخ رسالة تفيض بأحر العواطف. مما يدحض أو يصبح ما ظن من أن اعتداله المألوف نبع من برودة طبعه: إني إذا أرحل عنكم، أكاد أشعر إني أفارق بلادي وعشيرتي وأهلي فإن كل شيء يتعلق بالقرابة والسنة الحسنة والحب والشفقة- كل ما يربط الناس بعضهم ببعض بوشائج قوى من رابطة الدم- وجدته بينكم موفوراً. إني أترك ورائي أصدقاء لا سبيل إلى نسيانهم أبداً. ولن أودع الرغبة في سنوح الفرصة لأستمتع ثانية بالرفقة الحقه لأصدقاء، لم اشعر وأنا بينهم بأي حنين أو رغبة، حيث كنت بعيداً عن ارتباطاتي الخاصة، وأعاني من أشياء كثيرة، أما أنت يا أفضل الرجال وأعزهم وأنبلهم، فإني حين أفكر في علمك وحكمتك وشفقتك وصراحتك وإخلاصك ورقتك ودماثة خلقك، يتضح لي إني وجدت في صداقتك أنت وحدك ما يجعلني أبتهج دوماً لأني أرغمت على قضاء هذا العديد من السنين في رحابك. – لوك وفي إنجلترا التي تولى فيها أصدقاء لوك مقاليد الحكم، تقل الفيلسوف عدة مناصب رسمية. ففي 1690 كان مفوض الاستئناف، وفيما بين 1696- 1700 كان مفوض التجارة والزراعة، وكان صديقاً حميماً لجون سومرز النائب العام، وشارل مونتاگو إرل هاليفاكس الأول، واسحاق نيوتن الذي ساعده لوك في إصلاح العملة. وبعد 1691 قضى معظم وقته في أوتس مور في أسكس مع سير فرانسيس ماشام وقرينته ليدي داماريس ماشام إحدى بنات رالف كودورث. وظل في هذا الركن الهادئ يكتب وينقح ما كتب حتى وافته المنية وفي 1661 مات والده بالسل، تاركاً له ثروة ضئيلة ورئتين ضعيفتين. ودرس الطب ولكنه لم يحصل على درجة فيه إلا في 1674. وفي الوقت نفسه قرأ ديكارت، وأحس بسحر الفلسفة حين تحدثت في جلاء ووضوح. وساعد روبرت بويل في تجاربه المعملية، وملأه الإعجاب بالمنهج العلمي. وفي 1667 تلقى دعوة للحضور والإقامة في قصر إكستر ليكون طبيباً خاصاً لأنطوني آشيلي كوبر. ولمدة عامين (1673- 1675) اشتغل لوك سكرتيراً لمجلس التجارة والزراعة (المستعمرات) الذي كان يرأسه شافتسبري. وساعده على وضع دستور لكارولينا التي أسسها شافتسبري وكان أكبر ملاك الأرض فيها. ولم تطبق هذه “النظم الأساسية” في المستعمرة بصفة عامة، ولكن حرية الضمير التي تضمنتها هذه النظم لقيت قبولاً حسناً إلى حد كبير لدى المستوطنين الجدد(108).
ولما تخلى شافتسبري عن مهامه السياسية 1675 جال ولك ودرس في فرنسا حيث التقى هناك بفرانسوا برنييه الذي أظهره على فلسفة جاسندي التي وجد فيها رفضاً معقولاً “للأفكار الفطرية” وهي مقارنة عقل الطفل الذي لم يولد باللوح النظيف الخالي من أي شيء، والجملة المأثورة التي نقلت فيما بعد عبر القنال الإنجليزي: “ليس ثمة شيء موجود في العقل إلا كان موجوداً أولاً في الحواس”. عندما عاد لوك من هولندا كان يناهز السادسة والخمسين من العمر. يقول المؤرخ والفيلسوف ديورانت في كتابه الرائع “قصة الحضارة”: كان لوك قد بلغ السادسة والخمسين من العمر حيث عاد من منفاه. ولم يكن قد نشر سوى بعض مقالات قليلة الشأن، وخلاصة بالفرنسية “للمقال” في المكتبة العالمية التي كان يصدرها لي كلارك ولم يكن يعرف عن اشتغاله بالفلسفة إلا نفر قليل من أصدقائه. وما هي إلا سنة واحدة، هي “سنة العجائب”، حتى دفع إلى المطبعة ثلاثة كتب سمت به إلى مصاف الشخصيات البارزة الكبرى في عالم الفكر في أوروبا. وظهرت “رسالة عن التسامح” في مارس 1689، في هولندا، ثم ترجمت إلى الإنجليزية في الخريف. وأعقبتها في 1690 “رسالة ثانية عن التسامح”. وفي فبراير 1690 أصدر مقاليه عن “الحكم المدني”، وهما حجر الزاوية في النظرية الحديثة للديمقراطية في إنكلترا وأمريكا، وبعد شهر واحد أخرج كتابه “بحث في العقل الإنساني”، وهو أعظم المؤلفات أثراً في علم النفس الحديث. وعلى الرغم من إتمامه هذا الكتاب الأخير قبل مغادرته هولندا فإنه عجل بطبع مقالي “الحكم المدني” قبله، لأنه كان تواقا إلى تزويد الثورة الجليلة بأساس فلسفي.
فلسفته

جون لوك
لقد كان لوك فيلسوف تجريبي حسي ومن أكبر أعمال لوك هو مقال عن الفهم الإنساني الذي يشرح فيه نظريته حول الوظائف التي يؤديها العقل (الذهن) عند التعرف على العالم. اشتهر جون لوك زعيم الحسيين بعبارته المشهورة:”إذا سألك سائل:متى بدأت تفكر؟فيجب أن تكون الإجابة:عندما بدأت أحس”.لقد سلم لوك بعجز العقل البشري وقصوره عن معالجة ما يتجاوز حدوده وإمكانياته وقد وضح ذلك في معظم كتبه ولا سيما كتابه (مقال في الفهم الإنساني)وكتابه (عن العقل البشري)وخلاصتهما أن العقيدة السائدة قبل لوك هي أن العقل البشري يشتمل على بعض الأفكار الفطرية الموروثة منذ الولادة دون أن يكتسبها العقل من التجارب التي تمر به أثناء الحياة ولقد بلغ من رسوخ هذا المذهب في نفوس أنه لم يكن يستهدف حتى لمجرد البحث والجدل.وكان ديكارت من أشد المدافعيين عن صحته وتبوته، أما لوك فيقابل هذا التسليم الأعمى بوجود الآراء الفطرية بأشد الإنكار.ويقول في ذلك “انها ((أى الأفكار الفطرية))ليست مطبوعة على العقل بطبيعتها، لأنها ليست معرفة بالنسبة للأطفال والبلهاء وغيرهم.

جون لوك

كاتب الموضوع الأصلي: سعود القريني 333

هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في عام 1632 في رنجتون Wringiton في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك اخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).
وفي عام 1667 أصبح طبيباً خاصاً لأسرة أنتوني آشلي كوبر (1621-1683) الذي صار فيما بعد الإيرل الأول لشافتسبري، ووزيراً للعدل، ولعب دوراً خطيراً في الأحداث السياسية العظيمة التي وقعت في إنجلترا ما بين ســنة 1660 وسنة 1680. لعبت علاقة لوك باللورد آشلي دوراً كبيراً في نظرياته السياسية الليبرالية. وكان اللورد آشلي يتمتع بنفوذ كبير في إنجلترا إذ كان يمثل المصالح السياسية لرؤوس الأموال التجارية في لندن، وتحت تأثير اللورد آشلي كتب لوك في عام 1667 مقالاً خاصاً بالتسامح (On Toleration) راجع فيه أفكاره القديمة الخاصة بإمكانية تنظيم الدولة لكل شؤون الكنيسة.
اعتقد الكثيرون لمدة طويلة ان لوك كتب أشهر مقالتين سياسيتين نشرتا في عام 1690 بعنوان “مقالتان عن الحكومة” (Two Treatises on Government) تأييداً لثورة 1688 الكبرى. وهناك وجهة نظر تقول إن المقالتين موجهتان ضد فيلمر (Filmer) وليس ضد هوبز كما كان يظن البعض. وهاجر لوك إلى هولندا عام 1683 بسبب ملاحقة الشرطة له، وذلك لاتصالاته الوثيقة باللورد آشلي، الذي كان معارضاً للقصر وبقي هناك حتى عام 1689، وفي هولندا كتب لوك عدة مقالات منها: مقال خاص بالفهم البشري (Essay Concerning Human Understanding) وبعض الأفكار عن التربية وأخرى عن التسامح. وعندما جاءت الثورة الكبرى، استطاع لوك العودة إلى إنجلترا. وقد رفضت الجامعات القديمة فلسفته الحسية وآراءَه الليبرالية. ومع ذلك فقد عاصر شهرته الكبرى التي انتشرت في أنحاء العالم. وتوفي عام 1704. كان لجون لوك دور كبير غير مباشر في الثورة الأمريكية إذ أن كتابه ((رسالتان في الحكم)) كان محط إعجاب الأمريكيين وكانت من ضمن آرائه في الكتاب أن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية ويجب على الشعب تغيير الحكومة أو تبديلها في حالة عدم حفظها لحقوق الشعب وحريته، وقد ساهمت آرائه في زيادة وعي الأمريكيين الذين اعتنقوا آرائه وقرروا تنفيذها.ومن أشهر عباراته الفلسفية”الأفكار الجديدة هي موضع شك دائماً…. وتتم مقاومتها غالباً… لسبب أنها لم تصبح شائعة بعد”

نشأته

جون لوك
ولد جون لوك أثراً في رنجتون بالقرب من برستول، في نفس العام الذي ولد فيه سبينوزا. ونشأ وترعرع في إنجلترا التي قامت فيها ثورة دامية وقتلت مليكها، وأصبح الصوت المنادي بثورة سلمية وعصر يسوده الاعتدال والتسامح، ومثل التسوية الإنجليزية في أحكم صورة وأفضلها. كان أبوه محامياً بيوريتانياً ناصر مع شيء من التضحية قضية البرلمان، وشرح لابنه نظريتي سيادة الشعب والحكومة النيابية، وبقي لوك مخلصاً لهذه الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً بفضل أبيه في تعويده على الرصانة الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً ليدي ماشام عن والد لوك أنه:- سلك معه في صغره نهجاً تحدث عنها الابن فيما بعد في استحسان بالغ. ذلك أنه كان قاسياً عليه بإبقائه في رعب شديد منه، وعلى أبعد منه، حين كان صبياً. ولكنه كان يخفف من هذه القسوة شيئاً فشيئاً حتى استوى جون رجلاً، آنس منه رشداً ومقدرة فعاش مع صديقاً حميماً(104).[2] درس جون لوك في أكسفورد الأرسطوطاليسية والهندسة والبلاغة واليونانية والمنطق وعلم الأخلاق. ثم أصبح محاميا في مدينة أكسفورد. وجدير بالذكر كانت هناك في ذلك الوقت منافسة كبيرة بين أكسفورد وكمبردج. كان يسيطر على أكسفورد أتباع أرسطو، بينما أتباع أفلاطون كانوا يسيطرون على كمبردج، مع العلم أن الصراع بين الأرسطوطاليسية والأفلاطونية اخترق كل تاريخ الفلسفة. لكن البروفيسور روجيه وولهاوس، أحد كبار المختصين بالفكر الحديث عموما وفلسفة جون لوك على وجه الخصوص، يرى أن الفلسفة الحديثة أي فلسفة فرانسيس بيكون وتوماس هوبز ورينيه ديكارت كانت قد نقدت بشدة فلسفة أرسطو وأفلاطون وفتحت مجالاً جديداً كلياً للمعرفة. وبالتالي فقد استفاد من ذلك كله جون لوك وبنى عليه نظرياته الفلسفية والسياسية.وفي مدرسة وستمنستر أرهق باللاتينية واليونانية والعبرية والعربية، ومن الجائز أنه لم يسمح له بشهود إعدام تشارلز الأول ملك إنجلترا (1649) في ساحة قصر هويتهول القريب من المدرسة، ولكن هذه الحادثة تركت أثراً في فلسفته. وعوقت اضطرابات الحرب الأهلية التحاقه بكلية كريست في أكسفورد حتى بلغ العشرين من عمره. وهناك درس أرسطو مصوغاً في قوالب سكولاسية باللاتينية، كما درس مزيداً من اليونانية، وبعض الهندسة والبلاغة، وكثيراً من المنطق وعلم الأخلاق، لفظ معظمها فيما بعد، على انها عتيقة مهجورة موضوعاً. غير مستساغة ولا مقبولة شكلاً. وبعد حصوله على درجة الماجستير (1658) بقي بكليته باحثاً في الدراسة العليا، يدرس ويحاضر. ووقع لبعض الوقت في غرام “سلبني عقلي(105)”،ثم استرد عقله وخسر عشيقته. ولم يتزوج لوك قط، مثله في ذلك مثل كل فلاسفة هذا العصر تقريباً- مالبرانش،بل،فونتنل،هوبز،سبينوزا،ليبتنز. ونصحوه بالالتحاق بإحدى وظائف الكنيسة، ولكنه تردد وقال: “إذا رقيت إلى مكان قد لا أستطيع أن أملأ فراغه فإن الهبوط منه لن يكون إلا سقوطاً مروعاً يسمع له دوي شديد(106)”.[3] درس لوك الطب وقرأ ديكارت وولع بالفلسفة وأحس بسحرها. ثم عمل كطبيب خاص لأنطوني آشيلي كوبر والذي أصبح أرل شافتسبري الأول وعضو الوزارة أيام شارل الثاني. حافظ جون لوك في نفس الوقت على منصبه كباحث ومدرس ومحاضر في أكسفورد ولكن مع ذلك وجد نفسه غارقا في خضم السياسة الإنكليزية. ويروي ول ديورانت أن الطبيب لوك أنقذ حياة شافتسبري حيث أجرى له عملية بارعة لاستئصال ورم خبيث وساعد في المفاوضات لإتمام زواج ابن شافتسبري، وسهر على زوجة ابنه أثناء الوضع، وأشرف على تعليم حفيده، خليفته في الفلسفة. ويذكر هذا الحفيد، أرل شافتسبري الثالث أن:
“مستر لوك حظي بتقدير كبير لدى جدي، حتى وأنه وقد عرف بالتجربة أنه عظيم في الطب، رأى أن هذا جانب صغير من جوانب عظمته، وشجعه على الاتجاه بأفكاره إلى منحى آخر، ولم يسمح له بمزاولة الطب إلا في أسرته أو من قبيل العطف أو الرحمة بصديق حميم. وهيأه لدراسة المسائل الدينية والمدنية التي تهم البلاد، وكل ما يتصل بمهمة الوزير في الدولة. وقد أحرز في هذا نجاحاً كبيراً حدا بجدي إلى أن يتخذ منه صديقاً يسأله المشورة في أية قضية من هذا النوع.” أحس جون لوك بالخطر لما أثارته قصة القبض على صاحبه شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا من شبهات الملكيين حول أصدقائه. فلجأ لوك كذلك إلى هولندا. واختبأ هناك واتخذ لنفسه اسما آخر، وبعد سنة أرسل له الملك جيمس الثاني عرضا بالعفو ولكنه آثر البقاء في هولندا.
عاش لوك في أمستردام وروتردام وأوترخت ست سنوات ونشأت بينه وبين بعض العلماء الهولنديين علاقة صداقة، مثل جين لي كلرك وفيليب فان لمبروخ وكذلك مع اللاجئين الإنكليز في هولندا ولاقى كل تشجيع وترحيب لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وحسب ديورانت كتب لوك هناك كتب “بحث في العقل الإنساني” والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني. وفي 1679 عاد لوك إلى إنجلترا وإلى شافتسبري، ولكن الأرل زج بنفسه أكثر فأكثر في غمار الثورة، فآوى لوك إلى أكسفورد حيث أستأنف الدرس والبحث. وأثار القبض على شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا شبهات الملكيين حول أصدقائه. وانبث الجواسيس في أكسفورد للقبض على لوك متلبساً بما يمكن أن يكون أساساً لتقديمه إلى المحاكمة(109). فلما أحس بالخطر وتنبأ باعتلاء عدوه جيمس الثاني عرش إنجلترا، فإنه كذلك لجأ إلى هولندا (1683). على أن ثورة دوق مونموث القصيرة الأجل التي ماتت في مهدها (1681) استنفرت الملك جيمس الثاني إلى أن يطلب من الحكومة الهولندية تسليم خمسة وثمانين لاجئاً إنجليزياً بتهمة اشتراكهم في المؤامرة لقلب عرش الملك الجديد. وكان من بينهم لوك، فاختبأ وأتخذ اسماً زائفاً. وبعد سنة أرسل إليه جيمس عرضاً بالعفو عنه ولكنه آثر البقاء في هولندا. وأقام في أوترخت وأمستردام وروتردام، حيث لم يستمتع بصداقة الإنجليز اللاجئين فحسب، بل سعد كذلك بصداقة العلماء الهولنديين مثل جين لي كلرك وفيليپ ڤان لمبروخ، وكلاهما من زعماء اللاهوت الإرميني المتحرر. وفي هذا الوسط وجد لوك تشجيعاً كبيراً لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وهناك كتب “بحث في العقل الإنساني”، والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني.
تجارته للعبيد في 1671 كان أكبر المستثمرين في تجارة العبيد الإنجليزية في ” الشركة الأفريقية الملكية ” التي كانت تتاجر في العبيد من غرب أفريقيا وكانت تهجر بين 90000 – 100000 أفريقى كعبد. و يقول مارتن كوهين : كان لوك رجل من ستة رجال مسئولين عن ايجاد وحكم المستعمرات الجديدة في أمريكا وقوانينها الجائرة والعبودية الظالمة فيها. لذا يرى البعض كلماته عن الملكية غير المحدودة كمسوغ لإحلال السكان الأصليين لأمريكا. و يرى مفكرون أن معارضته للأرستقراطية والعبودية في أشهر كتاباته تتعارض مع سيرته الذاتية وتجارته الواسعة في العبيد واستعبادهم وأنها محض نفاق.
وفي 1687 اشترك في مؤامرة لإحلال وليم الثالث محل جيمس الثاني على عرش إنجلترا(110). فلما نجحت حملة نائب الملك في هذه المغامرة أبحر لوك إلى إنجلترا (1689) على نفس السفينة التي أقلت الملكة المقبلة ماري(111). وقبل مغادرة هولندا كتب باللاتينية إلى لمبروخ رسالة تفيض بأحر العواطف. مما يدحض أو يصبح ما ظن من أن اعتداله المألوف نبع من برودة طبعه: إني إذا أرحل عنكم، أكاد أشعر إني أفارق بلادي وعشيرتي وأهلي فإن كل شيء يتعلق بالقرابة والسنة الحسنة والحب والشفقة- كل ما يربط الناس بعضهم ببعض بوشائج قوى من رابطة الدم- وجدته بينكم موفوراً. إني أترك ورائي أصدقاء لا سبيل إلى نسيانهم أبداً. ولن أودع الرغبة في سنوح الفرصة لأستمتع ثانية بالرفقة الحقه لأصدقاء، لم اشعر وأنا بينهم بأي حنين أو رغبة، حيث كنت بعيداً عن ارتباطاتي الخاصة، وأعاني من أشياء كثيرة، أما أنت يا أفضل الرجال وأعزهم وأنبلهم، فإني حين أفكر في علمك وحكمتك وشفقتك وصراحتك وإخلاصك ورقتك ودماثة خلقك، يتضح لي إني وجدت في صداقتك أنت وحدك ما يجعلني أبتهج دوماً لأني أرغمت على قضاء هذا العديد من السنين في رحابك. – لوك وفي إنجلترا التي تولى فيها أصدقاء لوك مقاليد الحكم، تقل الفيلسوف عدة مناصب رسمية. ففي 1690 كان مفوض الاستئناف، وفيما بين 1696- 1700 كان مفوض التجارة والزراعة، وكان صديقاً حميماً لجون سومرز النائب العام، وشارل مونتاگو إرل هاليفاكس الأول، واسحاق نيوتن الذي ساعده لوك في إصلاح العملة. وبعد 1691 قضى معظم وقته في أوتس مور في أسكس مع سير فرانسيس ماشام وقرينته ليدي داماريس ماشام إحدى بنات رالف كودورث. وظل في هذا الركن الهادئ يكتب وينقح ما كتب حتى وافته المنية وفي 1661 مات والده بالسل، تاركاً له ثروة ضئيلة ورئتين ضعيفتين. ودرس الطب ولكنه لم يحصل على درجة فيه إلا في 1674. وفي الوقت نفسه قرأ ديكارت، وأحس بسحر الفلسفة حين تحدثت في جلاء ووضوح. وساعد روبرت بويل في تجاربه المعملية، وملأه الإعجاب بالمنهج العلمي. وفي 1667 تلقى دعوة للحضور والإقامة في قصر إكستر ليكون طبيباً خاصاً لأنطوني آشيلي كوبر. ولمدة عامين (1673- 1675) اشتغل لوك سكرتيراً لمجلس التجارة والزراعة (المستعمرات) الذي كان يرأسه شافتسبري. وساعده على وضع دستور لكارولينا التي أسسها شافتسبري وكان أكبر ملاك الأرض فيها. ولم تطبق هذه “النظم الأساسية” في المستعمرة بصفة عامة، ولكن حرية الضمير التي تضمنتها هذه النظم لقيت قبولاً حسناً إلى حد كبير لدى المستوطنين الجدد(108).
ولما تخلى شافتسبري عن مهامه السياسية 1675 جال ولك ودرس في فرنسا حيث التقى هناك بفرانسوا برنييه الذي أظهره على فلسفة جاسندي التي وجد فيها رفضاً معقولاً “للأفكار الفطرية” وهي مقارنة عقل الطفل الذي لم يولد باللوح النظيف الخالي من أي شيء، والجملة المأثورة التي نقلت فيما بعد عبر القنال الإنجليزي: “ليس ثمة شيء موجود في العقل إلا كان موجوداً أولاً في الحواس”. عندما عاد لوك من هولندا كان يناهز السادسة والخمسين من العمر. يقول المؤرخ والفيلسوف ديورانت في كتابه الرائع “قصة الحضارة”: كان لوك قد بلغ السادسة والخمسين من العمر حيث عاد من منفاه. ولم يكن قد نشر سوى بعض مقالات قليلة الشأن، وخلاصة بالفرنسية “للمقال” في المكتبة العالمية التي كان يصدرها لي كلارك ولم يكن يعرف عن اشتغاله بالفلسفة إلا نفر قليل من أصدقائه. وما هي إلا سنة واحدة، هي “سنة العجائب”، حتى دفع إلى المطبعة ثلاثة كتب سمت به إلى مصاف الشخصيات البارزة الكبرى في عالم الفكر في أوروبا. وظهرت “رسالة عن التسامح” في مارس 1689، في هولندا، ثم ترجمت إلى الإنجليزية في الخريف. وأعقبتها في 1690 “رسالة ثانية عن التسامح”. وفي فبراير 1690 أصدر مقاليه عن “الحكم المدني”، وهما حجر الزاوية في النظرية الحديثة للديمقراطية في إنكلترا وأمريكا، وبعد شهر واحد أخرج كتابه “بحث في العقل الإنساني”، وهو أعظم المؤلفات أثراً في علم النفس الحديث. وعلى الرغم من إتمامه هذا الكتاب الأخير قبل مغادرته هولندا فإنه عجل بطبع مقالي “الحكم المدني” قبله، لأنه كان تواقا إلى تزويد الثورة الجليلة بأساس فلسفي.
فلسفته

جون لوك
لقد كان لوك فيلسوف تجريبي حسي ومن أكبر أعمال لوك هو مقال عن الفهم الإنساني الذي يشرح فيه نظريته حول الوظائف التي يؤديها العقل (الذهن) عند التعرف على العالم. اشتهر جون لوك زعيم الحسيين بعبارته المشهورة:”إذا سألك سائل:متى بدأت تفكر؟فيجب أن تكون الإجابة:عندما بدأت أحس”.لقد سلم لوك بعجز العقل البشري وقصوره عن معالجة ما يتجاوز حدوده وإمكانياته وقد وضح ذلك في معظم كتبه ولا سيما كتابه (مقال في الفهم الإنساني)وكتابه (عن العقل البشري)وخلاصتهما أن العقيدة السائدة قبل لوك هي أن العقل البشري يشتمل على بعض الأفكار الفطرية الموروثة منذ الولادة دون أن يكتسبها العقل من التجارب التي تمر به أثناء الحياة ولقد بلغ من رسوخ هذا المذهب في نفوس أنه لم يكن يستهدف حتى لمجرد البحث والجدل.وكان ديكارت من أشد المدافعيين عن صحته وتبوته، أما لوك فيقابل هذا التسليم الأعمى بوجود الآراء الفطرية بأشد الإنكار.ويقول في ذلك “انها ((أى الأفكار الفطرية))ليست مطبوعة على العقل بطبيعتها، لأنها ليست معرفة بالنسبة للأطفال والبلهاء وغيرهم.

جون لوك

كاتب الموضوع الأصلي: سعود القريني 333

هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في عام 1632 في رنجتون Wringiton في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك اخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).
وفي عام 1667 أصبح طبيباً خاصاً لأسرة أنتوني آشلي كوبر (1621-1683) الذي صار فيما بعد الإيرل الأول لشافتسبري، ووزيراً للعدل، ولعب دوراً خطيراً في الأحداث السياسية العظيمة التي وقعت في إنجلترا ما بين ســنة 1660 وسنة 1680. لعبت علاقة لوك باللورد آشلي دوراً كبيراً في نظرياته السياسية الليبرالية. وكان اللورد آشلي يتمتع بنفوذ كبير في إنجلترا إذ كان يمثل المصالح السياسية لرؤوس الأموال التجارية في لندن، وتحت تأثير اللورد آشلي كتب لوك في عام 1667 مقالاً خاصاً بالتسامح (On Toleration) راجع فيه أفكاره القديمة الخاصة بإمكانية تنظيم الدولة لكل شؤون الكنيسة.
اعتقد الكثيرون لمدة طويلة ان لوك كتب أشهر مقالتين سياسيتين نشرتا في عام 1690 بعنوان “مقالتان عن الحكومة” (Two Treatises on Government) تأييداً لثورة 1688 الكبرى. وهناك وجهة نظر تقول إن المقالتين موجهتان ضد فيلمر (Filmer) وليس ضد هوبز كما كان يظن البعض. وهاجر لوك إلى هولندا عام 1683 بسبب ملاحقة الشرطة له، وذلك لاتصالاته الوثيقة باللورد آشلي، الذي كان معارضاً للقصر وبقي هناك حتى عام 1689، وفي هولندا كتب لوك عدة مقالات منها: مقال خاص بالفهم البشري (Essay Concerning Human Understanding) وبعض الأفكار عن التربية وأخرى عن التسامح. وعندما جاءت الثورة الكبرى، استطاع لوك العودة إلى إنجلترا. وقد رفضت الجامعات القديمة فلسفته الحسية وآراءَه الليبرالية. ومع ذلك فقد عاصر شهرته الكبرى التي انتشرت في أنحاء العالم. وتوفي عام 1704. كان لجون لوك دور كبير غير مباشر في الثورة الأمريكية إذ أن كتابه ((رسالتان في الحكم)) كان محط إعجاب الأمريكيين وكانت من ضمن آرائه في الكتاب أن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية ويجب على الشعب تغيير الحكومة أو تبديلها في حالة عدم حفظها لحقوق الشعب وحريته، وقد ساهمت آرائه في زيادة وعي الأمريكيين الذين اعتنقوا آرائه وقرروا تنفيذها.ومن أشهر عباراته الفلسفية”الأفكار الجديدة هي موضع شك دائماً…. وتتم مقاومتها غالباً… لسبب أنها لم تصبح شائعة بعد”

نشأته

جون لوك
ولد جون لوك أثراً في رنجتون بالقرب من برستول، في نفس العام الذي ولد فيه سبينوزا. ونشأ وترعرع في إنجلترا التي قامت فيها ثورة دامية وقتلت مليكها، وأصبح الصوت المنادي بثورة سلمية وعصر يسوده الاعتدال والتسامح، ومثل التسوية الإنجليزية في أحكم صورة وأفضلها. كان أبوه محامياً بيوريتانياً ناصر مع شيء من التضحية قضية البرلمان، وشرح لابنه نظريتي سيادة الشعب والحكومة النيابية، وبقي لوك مخلصاً لهذه الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً بفضل أبيه في تعويده على الرصانة الدروس مؤمناً بها، شاكراً معترفاً ليدي ماشام عن والد لوك أنه:- سلك معه في صغره نهجاً تحدث عنها الابن فيما بعد في استحسان بالغ. ذلك أنه كان قاسياً عليه بإبقائه في رعب شديد منه، وعلى أبعد منه، حين كان صبياً. ولكنه كان يخفف من هذه القسوة شيئاً فشيئاً حتى استوى جون رجلاً، آنس منه رشداً ومقدرة فعاش مع صديقاً حميماً(104).[2] درس جون لوك في أكسفورد الأرسطوطاليسية والهندسة والبلاغة واليونانية والمنطق وعلم الأخلاق. ثم أصبح محاميا في مدينة أكسفورد. وجدير بالذكر كانت هناك في ذلك الوقت منافسة كبيرة بين أكسفورد وكمبردج. كان يسيطر على أكسفورد أتباع أرسطو، بينما أتباع أفلاطون كانوا يسيطرون على كمبردج، مع العلم أن الصراع بين الأرسطوطاليسية والأفلاطونية اخترق كل تاريخ الفلسفة. لكن البروفيسور روجيه وولهاوس، أحد كبار المختصين بالفكر الحديث عموما وفلسفة جون لوك على وجه الخصوص، يرى أن الفلسفة الحديثة أي فلسفة فرانسيس بيكون وتوماس هوبز ورينيه ديكارت كانت قد نقدت بشدة فلسفة أرسطو وأفلاطون وفتحت مجالاً جديداً كلياً للمعرفة. وبالتالي فقد استفاد من ذلك كله جون لوك وبنى عليه نظرياته الفلسفية والسياسية.وفي مدرسة وستمنستر أرهق باللاتينية واليونانية والعبرية والعربية، ومن الجائز أنه لم يسمح له بشهود إعدام تشارلز الأول ملك إنجلترا (1649) في ساحة قصر هويتهول القريب من المدرسة، ولكن هذه الحادثة تركت أثراً في فلسفته. وعوقت اضطرابات الحرب الأهلية التحاقه بكلية كريست في أكسفورد حتى بلغ العشرين من عمره. وهناك درس أرسطو مصوغاً في قوالب سكولاسية باللاتينية، كما درس مزيداً من اليونانية، وبعض الهندسة والبلاغة، وكثيراً من المنطق وعلم الأخلاق، لفظ معظمها فيما بعد، على انها عتيقة مهجورة موضوعاً. غير مستساغة ولا مقبولة شكلاً. وبعد حصوله على درجة الماجستير (1658) بقي بكليته باحثاً في الدراسة العليا، يدرس ويحاضر. ووقع لبعض الوقت في غرام “سلبني عقلي(105)”،ثم استرد عقله وخسر عشيقته. ولم يتزوج لوك قط، مثله في ذلك مثل كل فلاسفة هذا العصر تقريباً- مالبرانش،بل،فونتنل،هوبز،سبينوزا،ليبتنز. ونصحوه بالالتحاق بإحدى وظائف الكنيسة، ولكنه تردد وقال: “إذا رقيت إلى مكان قد لا أستطيع أن أملأ فراغه فإن الهبوط منه لن يكون إلا سقوطاً مروعاً يسمع له دوي شديد(106)”.[3] درس لوك الطب وقرأ ديكارت وولع بالفلسفة وأحس بسحرها. ثم عمل كطبيب خاص لأنطوني آشيلي كوبر والذي أصبح أرل شافتسبري الأول وعضو الوزارة أيام شارل الثاني. حافظ جون لوك في نفس الوقت على منصبه كباحث ومدرس ومحاضر في أكسفورد ولكن مع ذلك وجد نفسه غارقا في خضم السياسة الإنكليزية. ويروي ول ديورانت أن الطبيب لوك أنقذ حياة شافتسبري حيث أجرى له عملية بارعة لاستئصال ورم خبيث وساعد في المفاوضات لإتمام زواج ابن شافتسبري، وسهر على زوجة ابنه أثناء الوضع، وأشرف على تعليم حفيده، خليفته في الفلسفة. ويذكر هذا الحفيد، أرل شافتسبري الثالث أن:
“مستر لوك حظي بتقدير كبير لدى جدي، حتى وأنه وقد عرف بالتجربة أنه عظيم في الطب، رأى أن هذا جانب صغير من جوانب عظمته، وشجعه على الاتجاه بأفكاره إلى منحى آخر، ولم يسمح له بمزاولة الطب إلا في أسرته أو من قبيل العطف أو الرحمة بصديق حميم. وهيأه لدراسة المسائل الدينية والمدنية التي تهم البلاد، وكل ما يتصل بمهمة الوزير في الدولة. وقد أحرز في هذا نجاحاً كبيراً حدا بجدي إلى أن يتخذ منه صديقاً يسأله المشورة في أية قضية من هذا النوع.” أحس جون لوك بالخطر لما أثارته قصة القبض على صاحبه شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا من شبهات الملكيين حول أصدقائه. فلجأ لوك كذلك إلى هولندا. واختبأ هناك واتخذ لنفسه اسما آخر، وبعد سنة أرسل له الملك جيمس الثاني عرضا بالعفو ولكنه آثر البقاء في هولندا.
عاش لوك في أمستردام وروتردام وأوترخت ست سنوات ونشأت بينه وبين بعض العلماء الهولنديين علاقة صداقة، مثل جين لي كلرك وفيليب فان لمبروخ وكذلك مع اللاجئين الإنكليز في هولندا ولاقى كل تشجيع وترحيب لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وحسب ديورانت كتب لوك هناك كتب “بحث في العقل الإنساني” والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني. وفي 1679 عاد لوك إلى إنجلترا وإلى شافتسبري، ولكن الأرل زج بنفسه أكثر فأكثر في غمار الثورة، فآوى لوك إلى أكسفورد حيث أستأنف الدرس والبحث. وأثار القبض على شافتسبري وهربه من السجن ثم فراره إلى هولندا شبهات الملكيين حول أصدقائه. وانبث الجواسيس في أكسفورد للقبض على لوك متلبساً بما يمكن أن يكون أساساً لتقديمه إلى المحاكمة(109). فلما أحس بالخطر وتنبأ باعتلاء عدوه جيمس الثاني عرش إنجلترا، فإنه كذلك لجأ إلى هولندا (1683). على أن ثورة دوق مونموث القصيرة الأجل التي ماتت في مهدها (1681) استنفرت الملك جيمس الثاني إلى أن يطلب من الحكومة الهولندية تسليم خمسة وثمانين لاجئاً إنجليزياً بتهمة اشتراكهم في المؤامرة لقلب عرش الملك الجديد. وكان من بينهم لوك، فاختبأ وأتخذ اسماً زائفاً. وبعد سنة أرسل إليه جيمس عرضاً بالعفو عنه ولكنه آثر البقاء في هولندا. وأقام في أوترخت وأمستردام وروتردام، حيث لم يستمتع بصداقة الإنجليز اللاجئين فحسب، بل سعد كذلك بصداقة العلماء الهولنديين مثل جين لي كلرك وفيليپ ڤان لمبروخ، وكلاهما من زعماء اللاهوت الإرميني المتحرر. وفي هذا الوسط وجد لوك تشجيعاً كبيراً لآرائه في سيادة الشعب والحرية الدينية. وهناك كتب “بحث في العقل الإنساني”، والمسودات الأولى لأبحاثه في التعليم والتسامح الديني.
تجارته للعبيد في 1671 كان أكبر المستثمرين في تجارة العبيد الإنجليزية في ” الشركة الأفريقية الملكية ” التي كانت تتاجر في العبيد من غرب أفريقيا وكانت تهجر بين 90000 – 100000 أفريقى كعبد. و يقول مارتن كوهين : كان لوك رجل من ستة رجال مسئولين عن ايجاد وحكم المستعمرات الجديدة في أمريكا وقوانينها الجائرة والعبودية الظالمة فيها. لذا يرى البعض كلماته عن الملكية غير المحدودة كمسوغ لإحلال السكان الأصليين لأمريكا. و يرى مفكرون أن معارضته للأرستقراطية والعبودية في أشهر كتاباته تتعارض مع سيرته الذاتية وتجارته الواسعة في العبيد واستعبادهم وأنها محض نفاق.
وفي 1687 اشترك في مؤامرة لإحلال وليم الثالث محل جيمس الثاني على عرش إنجلترا(110). فلما نجحت حملة نائب الملك في هذه المغامرة أبحر لوك إلى إنجلترا (1689) على نفس السفينة التي أقلت الملكة المقبلة ماري(111). وقبل مغادرة هولندا كتب باللاتينية إلى لمبروخ رسالة تفيض بأحر العواطف. مما يدحض أو يصبح ما ظن من أن اعتداله المألوف نبع من برودة طبعه: إني إذا أرحل عنكم، أكاد أشعر إني أفارق بلادي وعشيرتي وأهلي فإن كل شيء يتعلق بالقرابة والسنة الحسنة والحب والشفقة- كل ما يربط الناس بعضهم ببعض بوشائج قوى من رابطة الدم- وجدته بينكم موفوراً. إني أترك ورائي أصدقاء لا سبيل إلى نسيانهم أبداً. ولن أودع الرغبة في سنوح الفرصة لأستمتع ثانية بالرفقة الحقه لأصدقاء، لم اشعر وأنا بينهم بأي حنين أو رغبة، حيث كنت بعيداً عن ارتباطاتي الخاصة، وأعاني من أشياء كثيرة، أما أنت يا أفضل الرجال وأعزهم وأنبلهم، فإني حين أفكر في علمك وحكمتك وشفقتك وصراحتك وإخلاصك ورقتك ودماثة خلقك، يتضح لي إني وجدت في صداقتك أنت وحدك ما يجعلني أبتهج دوماً لأني أرغمت على قضاء هذا العديد من السنين في رحابك. – لوك وفي إنجلترا التي تولى فيها أصدقاء لوك مقاليد الحكم، تقل الفيلسوف عدة مناصب رسمية. ففي 1690 كان مفوض الاستئناف، وفيما بين 1696- 1700 كان مفوض التجارة والزراعة، وكان صديقاً حميماً لجون سومرز النائب العام، وشارل مونتاگو إرل هاليفاكس الأول، واسحاق نيوتن الذي ساعده لوك في إصلاح العملة. وبعد 1691 قضى معظم وقته في أوتس مور في أسكس مع سير فرانسيس ماشام وقرينته ليدي داماريس ماشام إحدى بنات رالف كودورث. وظل في هذا الركن الهادئ يكتب وينقح ما كتب حتى وافته المنية وفي 1661 مات والده بالسل، تاركاً له ثروة ضئيلة ورئتين ضعيفتين. ودرس الطب ولكنه لم يحصل على درجة فيه إلا في 1674. وفي الوقت نفسه قرأ ديكارت، وأحس بسحر الفلسفة حين تحدثت في جلاء ووضوح. وساعد روبرت بويل في تجاربه المعملية، وملأه الإعجاب بالمنهج العلمي. وفي 1667 تلقى دعوة للحضور والإقامة في قصر إكستر ليكون طبيباً خاصاً لأنطوني آشيلي كوبر. ولمدة عامين (1673- 1675) اشتغل لوك سكرتيراً لمجلس التجارة والزراعة (المستعمرات) الذي كان يرأسه شافتسبري. وساعده على وضع دستور لكارولينا التي أسسها شافتسبري وكان أكبر ملاك الأرض فيها. ولم تطبق هذه “النظم الأساسية” في المستعمرة بصفة عامة، ولكن حرية الضمير التي تضمنتها هذه النظم لقيت قبولاً حسناً إلى حد كبير لدى المستوطنين الجدد(108).
ولما تخلى شافتسبري عن مهامه السياسية 1675 جال ولك ودرس في فرنسا حيث التقى هناك بفرانسوا برنييه الذي أظهره على فلسفة جاسندي التي وجد فيها رفضاً معقولاً “للأفكار الفطرية” وهي مقارنة عقل الطفل الذي لم يولد باللوح النظيف الخالي من أي شيء، والجملة المأثورة التي نقلت فيما بعد عبر القنال الإنجليزي: “ليس ثمة شيء موجود في العقل إلا كان موجوداً أولاً في الحواس”. عندما عاد لوك من هولندا كان يناهز السادسة والخمسين من العمر. يقول المؤرخ والفيلسوف ديورانت في كتابه الرائع “قصة الحضارة”: كان لوك قد بلغ السادسة والخمسين من العمر حيث عاد من منفاه. ولم يكن قد نشر سوى بعض مقالات قليلة الشأن، وخلاصة بالفرنسية “للمقال” في المكتبة العالمية التي كان يصدرها لي كلارك ولم يكن يعرف عن اشتغاله بالفلسفة إلا نفر قليل من أصدقائه. وما هي إلا سنة واحدة، هي “سنة العجائب”، حتى دفع إلى المطبعة ثلاثة كتب سمت به إلى مصاف الشخصيات البارزة الكبرى في عالم الفكر في أوروبا. وظهرت “رسالة عن التسامح” في مارس 1689، في هولندا، ثم ترجمت إلى الإنجليزية في الخريف. وأعقبتها في 1690 “رسالة ثانية عن التسامح”. وفي فبراير 1690 أصدر مقاليه عن “الحكم المدني”، وهما حجر الزاوية في النظرية الحديثة للديمقراطية في إنكلترا وأمريكا، وبعد شهر واحد أخرج كتابه “بحث في العقل الإنساني”، وهو أعظم المؤلفات أثراً في علم النفس الحديث. وعلى الرغم من إتمامه هذا الكتاب الأخير قبل مغادرته هولندا فإنه عجل بطبع مقالي “الحكم المدني” قبله، لأنه كان تواقا إلى تزويد الثورة الجليلة بأساس فلسفي.
فلسفته

جون لوك
لقد كان لوك فيلسوف تجريبي حسي ومن أكبر أعمال لوك هو مقال عن الفهم الإنساني الذي يشرح فيه نظريته حول الوظائف التي يؤديها العقل (الذهن) عند التعرف على العالم. اشتهر جون لوك زعيم الحسيين بعبارته المشهورة:”إذا سألك سائل:متى بدأت تفكر؟فيجب أن تكون الإجابة:عندما بدأت أحس”.لقد سلم لوك بعجز العقل البشري وقصوره عن معالجة ما يتجاوز حدوده وإمكانياته وقد وضح ذلك في معظم كتبه ولا سيما كتابه (مقال في الفهم الإنساني)وكتابه (عن العقل البشري)وخلاصتهما أن العقيدة السائدة قبل لوك هي أن العقل البشري يشتمل على بعض الأفكار الفطرية الموروثة منذ الولادة دون أن يكتسبها العقل من التجارب التي تمر به أثناء الحياة ولقد بلغ من رسوخ هذا المذهب في نفوس أنه لم يكن يستهدف حتى لمجرد البحث والجدل.وكان ديكارت من أشد المدافعيين عن صحته وتبوته، أما لوك فيقابل هذا التسليم الأعمى بوجود الآراء الفطرية بأشد الإنكار.ويقول في ذلك “انها ((أى الأفكار الفطرية))ليست مطبوعة على العقل بطبيعتها، لأنها ليست معرفة بالنسبة للأطفال والبلهاء وغيرهم.