أ.د. أحمد محمد وهبان

شهيد من شهداء الإسلام ( الشيخ سيد قطب ) رحمه الله

كاتب الموضوع الأصلي: محمد صابان 32

سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي (9 أكتوبر 1906م – 29 أغسطس 1966م) كاتب وأديب ومنظر إسلامي مصري وعضو سابق في مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين ورئيس سابق لقسم نشر الدعوة في الجماعة ورئيس تحرير جريدة الإخوان المسلمين.

ولد في قرية موشا وهي إحدى قرى محافظة أسيوط بها تلقى تعليمه الأولي وحفظ القرآن الكريم ثم التحق بمدرسة المعلمين الأولية عبد العزيز بالقاهرة ونال شهادتها والتحق بدار العلوم وتخرج عام 1352 هـ 1933 م. عمل بوزارة المعارف بوظائف تربوية وإدارية وابتعثته الوزارة إلى أمريكا لمدة عامين وعاد عام 1370 هـ – 1950 م. انضم إلى حزب الوفد المصري لسنوات وتركه على أثر خلاف في عام 1361 هـ – 1942 م وفي عام 1370 هـ – 1950 م انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين وخاض معهم محنتهم التي بدأت منذ عام 1954 م إلى عام 1966 م وحوكم بتهمة التآمر على نظام الحكم وصدر الحكم بإعدامه وأعدم عام 1385 هـ – 1966 م.
سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي (9 أكتوبر 1906م – 29 أغسطس 1966م) كاتب وأديب ومنظر إسلامي مصري وعضو سابق في مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين ورئيس سابق لقسم نشر الدعوة في الجماعة ورئيس تحرير جريدة الإخوان المسلمين.
سيد قطب بمراحل عديدة في حياته من حيث الطفولة ثم أدب بحت في مدرسة العقاد ثم ضياع فكري ثم توجه للأدب الإسلامي إلى أن صار رائد الفكر الحركي الإسلامي وهذه المرحلة هي التي يعرف الناس اليوم بها سيد.
يعتبر سيد قطب من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الحركات الإسلامية التي وجدت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، له العديد من المؤلفات والكتابات حول الحضارة الإسلامية، والفكر الإسلامي. هو الابن الأول لأمه بعد أخت تكبره بثلاث سنوات وأخ من أبيه غير شقيق يكبره بجيل كامل. وكانت أمه تريد منه أن يكون متعلمًا مثل أخواله كما كان أبوه عضوًا في لجنة الحزب الوطني وعميدًا لعائلته التي كانت ظاهرة الامتياز في القرية، يضاف إلى ذلك أنه كان دَيِّنًا في سلوكه.
لما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها زادت الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية سوءًا وفسادًا وكانت جماعة الإخوان المسلمين هي أوضح الجماعات حركة وانتشارًا حتى وصلت لمعاقل حزب الوفد كالجامعة والوظائف والريف وأخذت تجذب بدعوتها المثقفين. في 23 أغسطس عام 1952م عاد سيد من الولايات المتحدة إلى مصر للعمل في مكتب وزير المعارف. وقامت الوزارة على نقله أكثر من مرة الأمر الذي لم يرق لسيد فقدم استقالته من الوزارة في تاريخ 18 أكتوبر عام 1952م. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ازدادت الأحوال المعيشية والسياسية سوءًا ولعبت حركة الإخوان المسلمين دورًا بارزًا في عجلة الإصلاح والتوعية. واستقطبت حركة الإخوان المسلمين المثقفين وكان لسيد قطب مشروع إسلامي يعتقد فيه بأنه:
«لا بد وأن توجد طليعة إسلامية تقود البشرية إلى الخلاص.»
ولذلك كانت بداية العلاقة بين سيد قطب والإخوان المسلمين هو كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام وفي الطبعة الأولى كتب في الإهداء:
«الفتية الذين ألمحهم في خيالي قادمين يردون هذا الدين جديدًا كما بدأ يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون.»
وفهم الإخوان المسلمون أن هذا الإهداء يعنيهم هم فأصبحوا يهتمون بأمره ويعتبرونه صديقاً لهم إلى أن انضم فيما بعد إلى الحركة وأصبح مسؤولًا للقسم الدعوي فيها.

في يوم 30 يوليو 1965م ألقت الشرطة المصرية القبض على شقيق سيد محمد قطب وقام سيد بإرسال رسالة احتجاج للمباحث العامة في تاريخ 9 أغسطس 1965م. أدت تلك الرسالة إلى إلقاء القبض على سيد والكثير من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وحُكم عليه بالإعدام مع 6 آخرين وتم تنفيذ الحكم في فجر الاثنين 13 جمادى الآخرة 1386 هـ الموافق 29 أغسطس 1966م.
«سأله أحد إخوانه: لماذا كنت صريحا في المحكمة التي تمتلك رقبتك ؟ قال: ”لأن التورية لا تجوز في العقيدة، وليس للقائد أن يأخذ بالرخص“. ولما سمع الحكم عليه بالإعدام قال:”الحمد لله. لقد عملت خمسة عشر عاما لنيل الشهادة“[بحاجة لمصدر]»
أثناء محاكمة سيد قطب طلب القاضي – الذي عينته الثورة – من سيد أن يذكر الحقيقة فكشف سيد قطب عن ظهره وصدره اللذان تظهر عليهما آثار السياط وعصيان الحراس وقال للقاضي:
«أتريد الحقيقة؟.. هذه هى الحقيقة..»
وبعدها أصبحت جلسات المحاكمة مثار السخرية بين الجمهور

غويانا

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله العرفج 704

غويانا أو رسميًا جمهورية غويانا التعاونية وسابقًا غويانا البريطانية، هي دولة ذات سيادة على الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية ولكنها ثقافيًا جزء من منطقة البحر الكاريبي الناطقة باللغة الإنجليزية. كانت غويانا مستعمرة هولندية و بريطانية (لأكثر من 200 سنة). هي الدولة الوحيدة من دول الكومنولث في البر الرئيسي لأمريكا الجنوبية كما أنها أيضًا عضو في مجموعة الكاريبي التي يقع مقر أمانتها في عاصمة غويانا جورج تاون. غويانا هي واحدة من الدول القليلة جدًا في الكاريبي والتي ليست جزيرة. حققت غويانا استقلالها عن المملكة المتحدة في 26 مايو 1966، وأصبحت جمهورية في 23 فبراير 1970.
تاريخيًا، تتألف المنطقة المعروفة باسم “غويانا” من مساحة كبيرة من الأرض إلى الشمال من نهر الأمازون وشرقي نهر أورينوكو وتعرف باسم “أرض المياه الكثيرة”. تتألف غويانا التاريخية من ثلاث مستعمرات هولندية: ايسيكويبو وديميرارا وبيربيس. يحد غويانا الحديثة إلى الشرق سورينام وإلى الجنوب والجنوب الغربي البرازيل وإلى الغرب فنزويلا ومن الشمال المحيط الأطلسي.
تبلغ مساحتها 215,000 كم2 وهي بالتالي ثالث أصغر دولة ثالثة مستقلة في البر الرئيسي لأمريكا الجنوبية (بعد أوروغواي وسورينام). يبلغ عدد سكانها حوالي 770,000 (بيانات 2002) والتي يشكل الهنود الشرقيون غالبيتها (43.5%) ومن أصل أفريقي (30.2%).

الموقع :

تطل غويانا على الساحل الشمالي الشرقي لأمريكا الجنوبية المشرف على المحيط الأطلنطي ، وتحدها جمهورية فنزويلا من الغرب ، وسورينام من الشرق ، والبرازيل من الجنوب ، وتقع في حيز النطاق الاستوائي . الأرض تقسم أرض جويانا إلى نطاقات ثلاثة ، فالقسم الأول من أرضها والمطل على الساحل سهلي منخفض ، يصل في يعض مناطقة إلى ما دون مستوي البحر ، ُثم تبدأ الأرض في الارتفاع التدريجي نحو الجنوب الغربي ، ويغطي هذا القسم بالغابات الأستوائية الكثيفة ، وتبلغ أرض جويانا أقصي ارتفاع لها في الجنوب الغربي ، وهنا ينتقل النطاق النباتي إلى حشائش السافانا ، وبها عدة أنهار قصيرة تصرف مياهها في المحيط الأطلنطي .
المناخ :

استوائي ترتفع حرارته معظم شهور السنة ، ويلطف الماء من حدة حرارة السواحل ، والأمطار غزيرة وتسقط في فصلين ، الأول من إبريل إلى أغسطس ، والثاني من نوفمبر إلى يناير . السكان يتكون سكان جويانا من الهنود والباكستانيين ، وهؤلاء حوالي 55% من جملة سكان البلاد ، ويشكل الأفريقيون ثلث السكان ، وهناك أكثر من 30 ألفاً من الهنود الامريكين ، وهم البقية الباقية من سكان البلاد الاصليين وحوالي 2000 من الأوروبيين ، ويوجد حوالي 10000 من أصل صيني ، والأقلية الباقية خليط من العناصر السابقة . وتعدد العناصر بجويانا سبب التوتر والقلاقل العديدة التي تشهدها البلاد ، وتستعمل اللغتان الإنجليزية والهندية ( الآسيوية ) والبعض يستعمل اللغتين الصينية والبرتغالية .

الفرق بين مبادئ الفكر الليبرالي والفكر الاسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الداود 20

في القرن السابع عشر ولد مفهوم يسمى بمفهوم الليبرالية ومن أوائل من نادى بهذا المفهوم هو (جون لوك) حيث نادى بالحقوق الطبيعية للإنسان وهي : حق الانسان في التفكير والتعبير والقرار السياسي, ومن أوائل المفكرين العرب الذين اعتنقوا الاتجاه الليبرالي هو ( مصطفى السيد ) وقد ألف كتابا لاقى رواجا كبيرا تحت عنوان الشخصية المصرية

قبل البدء وجب إيضاح الفرق بين مبادئ الفكر الاسلامي والليبرالي بالنسبة لمبدأ الولاء والسيادة والأصالة وبناء عليه سأقوم بشرح بعض النقاط التي اساسها جوهر هذه المبادئ:

الولاء في الاتجاه الليبرالي : هو القومية والوطن

الولاء في الاتجا الاسلامي : هو اولا الدين ثم القومية والوطن

السيادة في الاتجاه الليبرالي : هي للأمة والمجتمع من خلال الانتخاب وصناديق الاقتراع

السيادة في الاتجاه الاسلامي : السيادة لله وبتبع الصيغة الشرعية يمكن جعل الحرية للمجتمع في مجال الانتخاب

الاصالة في الاتجاه الليبرالي : ان الحرية هي المبدأ الاول

الاصالة في الاتجاة الاسلامي : هي الاستخلاف وان الانسان لم يولد حراً إنما ولد خليفة يجري على وفق القانون الذي استُخلف عليه ( إني جاعلٌ في الارض خليفة )

ونلاحظ ان بين الاتجاهين تغاير واضح ولست في مقام محاكمة الاتجاه الليبرالي وإنما اريد المقارنة بين ما يطرحه بعض الليبراليين وما يطرحه الاتجاه الاسلامي في مفردات ثلاث وهي ( الحقيقة المطلقة والحرية والقداسة )

الحقيقة المطلقة في الفكر الليبرالي

يقول الليبراليون : انه قبل قرون كان مصدر المعرفة الوحيد هو المسجد والمنبر فلذاك كان يعتقد المجتمع ان الحقيقة حكر على رجال الدين ولكن في زماننا وبعد تعدد وسائل الاتصال تعددت مصادر المعرفة وتنوعت روافدها فتبين بذلك امران الاول ان الحقيقة ليست حكرا على فئة معينة وهم العلماء بل الحقيقة ميسورة ومنتشرة لكل افراد المجتمع , الامر الثاني ان الحقيقة نسبية فلا توجد لدينا حقيقة مطلقة فكل فرد ينال من الحقيقة نصيبا بقمدار عقليته وثقافته وعلى هذا الاساس يمكن قبول كل الاديان وكل المذاهب فلا يوجد دين لديه حقيقة مطلقة بل جميع الاديان والمذاهب نالت من الحقيقة نصيبا وبذلك يمكن تحقيق الوحدة الدينية بين جميع الاديان والمذاهب بناء على مسلك النسبية ! ويستشهد الليبرالون بالقرآن في قوله تعالي ( وإنا أو اياكم على هدىً او في ضلال مبين ) بإعتبار ان الآية تعني انه لا يوجد هناك حقيقة مطلقة!

الحقيقة المطلقة في الفكر الاسلامي

الفكر الاسلامي يقسم نسبية الحقيقة لقسمان:

النسبية الواقعية : ان ترى ان الواقع ليس واحدا انما متعددا, وهو امر غير مقبول . فلا يمكن ان يكون الواقع متعددا بتعدد العقول والثقافات ! فلو قلنا بكروية الارض كواقع فلا يمكن ان نقول ان هناك ثقافات اخرى تقول انها مسطحة فالواقع ثابت هنا ولا يقبل التعددية فالنسبة الواقعية عقلا يرفضها الاتجاه الاسلامي الذي يعتبر ان الواقع لا يتعدد ولا يتجزأ بتعدد العقول والثقافات وبالتالي فهو يرفض النسبية الواقعية جملة وتفصيلا

النسبة الايدراكية: وهي تعني ان الواقع لا يتغير إنما يتغير إدراك الواقع لدى الانسان فإدراكنا متفاوت ونسبي بالبعض يمكن ان يدرك الواقع بنسبة معينة حسب مدى استيعابه وهنا يمكن تنطبيق النسبة الادراكية على الحقائق العلمية كالموت مثلا فهو لا يقبل نسبة ادراكية عالية فأما ان نقول ان فلان مات او لم يمت , فلا يمكن تأويل الادراك النسبي هنا ان فلان لم يمت كليا او مات وربما يعود بعد دقايق!

فبعض المعارف بسيطة كالموت كما اشرت وبعض المعارض مشككة كمعرفة الله فمن الناس من يدرك ان الله وحده لا شريك له فقط لان عقله لا يمكن إدراك امثر من هذه النسبة في المعرفة ومن الناس من يعرف ان الله له صفحات ثبوتية وجمالية وكمالية وأحدية .. الخ, ومن الناس من يعرف سر الذات الإلهية كمحمد وآل محمد (ص) فأغلب الحقائق الدينية هي حقائق بسيطة كنبوبة النبي محمد فإما ان يوحى إليه او لا يوحى وهي حقيقة بسيطة وليس لها درجات, او كأصول الدين فإما ان تكون خمسة او لا تكون, إذاً اغلب المعارف الدينية بسيطة ولا تحتاج لنسبة كبيرة من الادراك.

الحرية بين الفكر الليبرالي والفكر الاسلامي

إذا ما قلنا ان الفكر الليبرالي قائم على الايمان والاعتقاد بالتعددية الدينية والحرية المطلقة للفرد في الاختيار والتفكير والقرار والسلوك فهل يسمح للفكر الاسلامي بالانتشار ؟ أذا قال لا فقد نقض نفسه بنفسه لانه يؤمن بالحرية الدينية واذا قال نعم فيلزم من ذلك الصراع والفوضى لانه لا يمكن اجتماع الفكرين في مقام التطبيق فالليبالي يرى السيادة للقومية والمجتمع والاسلامي يرى السيادة لله وحده ويرى الاصالة للحرية والاسلامي يراها في الاستخلاف إذاً لا بد من التضحية بأحدهما, من هنا يؤمن الاتجاه الاسلامي بضرورة سيطرة الاتجاه الديني الذي تنبثق عقيده في النظام والسيادة والولاء والاصالة من الفكر السماوي فان الله الخالق للإنسان وهو الاعرف بمصلحته من العقل الوضعي ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة )

الحرية المطلقة:

لا يوجد حرية مطلقة ! فعندما يقول ان الحرية مقيدة بعدم سلب الحرية عن الآخر فالسلام يقول انها اكثر من ذلك لان الفكر الاسلامي يقسم القيم لنوعان قيم خادمة وقيم مخدومة

القيم المخدومة : هي قيم مطلقة لا تتغير مثل العدالة والانصاف وحفظ النظام لانها القيم الاولى للمصلحة الاجتماعية العامة

القيم الخادمة : وهنا يفصل الفكر الاسلامي انها قيم لا قيمة لها بالضرورة امام المصلحة الاجتماعية العامة مثل التسامح احترام الآخر التواضع الكرم والبخل فمتى ما كانت لهذه الامور تأثير مباشر على المصلحة العامة فيمكن اعتبارها قيمة مخدومة وليست خادمة فالحرية تكون قيمة إذا ساهمت في المصلحة العامة وإلا لا قيمة لها

مثال:

الدول المتحضرة أجمعت على محاربة المخدرات فكرا ترويجا تناولا.. الخ , لو إنسانا او مجتمعا أصر على تناول المخدرات او على ترويج المخدرات بإسم الحرية على انه لا يؤذي احد وإنما سؤذي نفسه فهل يمكن القبول بذلك؟ فليست الحرية هنا مبرر لتعاطي المخدرات لان هذا يهدم المصلحة العامة ولا يخدمها فالحرية هنا ليست قيمة مظلقة ولا يمكن لها ان تكون كذلك لا عقلا ولا منطقا.

القديس أوغسطين وفكره السياسي

كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني

الاسم / راشد سعد القحطاني
الرقم الجامعي / 430106599
المادة / فكر غربي 2 (320)

تمهيــــــد:

عند الحديث عن تاريخ البرابرة والشخصيات الثقافية الأمازيغية يتبادر إلى أذهاننا شخصية القديس الجزائري أوغسطينيوس أو أوغسطين الذي يعد أكبر مثقف أمازيغي عبقري في التاريخ القديم إلى جانب الملك المغربي يوبا الثاني، ولاسيما أنه المؤسس الفعلي لفن السيرة الذهنية والكتابة الأوطوبيوغرافية، ويعتبر كذلك من رواد الفكر اللاهوتي، وصاحب نظريات فلسفية ودينية مازالت تدرس إلى يومنا هذا في علم اللاهوت الغربي.
ويعد كذلك من بين ثلاثة وثلاثين دكتورا الذين يحسبون على الكنيسة المسيحية الغربية. ويحتفل الكاثوليكيون في 28 غشت بعيد موته تكريما له وتبجيلا ، زد على ذلك أنه من المنظرين اللاهوتيين الذين لهم أهمية كبرى داخل المؤسسة الكنسية بعد القديس پول ؛ لكونه حاول تطوير الفكر الديني الكاثوليكي.
وقد ارتبط أوغسطين أيضا بالمقاومة الدينية على غرار المناضل الأمازيغي دوناتوس، بيد أن هذه المقاومة الأوغسطينية لم تظهر إلا مع مرحلة الغزو الوندالي الهمجي بعد أن كان حليفا للرومان بمثابة أب للكنيسة اللاتينية وحليف للقوات الرومانية في التنكيل بالمعارضين والمتمردين و الثوار الأمازيغيين من أجل إرضاء حكومة روما العنصرية.
وسنتعرض في هذه الحلقة لشخصية أوغسطين قصد معرفة التطورات التي مرت منها مقاومته الدينية والثقافية، وتحديد الأفكار التي تتضمنها مؤلفاته التي كتبت في سياق الصراع الأمازيغي ضد الرومان والوندال.

1- من هـــو أغسطينوس؟

ولد القديس والكاتب الأمازيغي الكبير أوريليوس أغسطينوس أو أغسطين أو أوغستان (Saint.Augustin) في 13نوفمبرمن سنة 354م من أم بربرية مسيحية اسمها مونيكا، وأب وثني روماني عبارة عن موثق بسيط كان يسمى پاتريسيوس في مدينة تاگيسته (سوق الهراس) بالجزائر (نوميديا). وقد دافع أوغسطين كثيرا عن هويته الأمازيغية وكنعانيته السامية في رسالة له إلى أهل روما، وكان يقول:” إذا سألتم سكان البوادي عندنا في نوميديا، قالوا: نحن كنعانيون”، ويعني هذا أن لغة أوغسطين هي النوميدية المتأثرة باللغة الفينيقية الكنعانية أو هي الأمازيغية النوبية ذات الجذور الكنعانية. بيد أن ثقافته لاتينية ، ولايتقن من الإغريقية إلا النزر القليل.
وتلقى أوغسطين تعليمه في تاگيسته و مودوروس منذ السادسة عشرة من عمره، وسافر إلى قرطاج ليستكمل دراساته . وبعد ذلك، انتقل إلى إيطاليا في مرحلة الغزو اللاتيني لشمال أفريقيا للتعلم والدراسة في روما وميلانو. وقبل سفره كان متأثرا بالأفلاطونية المحدثة.
وقد مارس أوغسطين مهنة التعليم، و كان يعطي دروسا في البلاغة في مدينة قرطاج و مدن إيطاليا، وانتقل حيال مدينة عنابة سنة 388م التي أقام فيها ديرا للتعبد والاعتكاف الديني ليتقلد عدة مناصب دينية إلى أن عين في منصب أسقف مدينة عنابة سنة 395 م ، وصار بعد ذلك أبا للكنيسة اللاتينية. وقد توفي أوغستان في29/08/ 430 م بمدينة عنابة (Hippone).
وتشبع أوغسطين بالمعتقد المسيحي تأثرا بأمه القديسة مونيكا، وتأثرا كذلك بأسقف ميلانو القديس أومبرواز Ambroise وذلك سنة386م.
هذا، وقد دافع أوغسطين كثيرا عن مبادئ المسيحية الكاثوليكية الرسمية التابعة للكنيسة الرومانية، ووقف في وجه الحركة الدوناتية ذات الملامح الثورية الشعبية. وكان” خطيبا وكاتبا من طراز عال، فلم يتح للمسيحية أن رزقت زعيما في مرتبته قط”.[ii]
ويعرف على أوغيسطينيوس أنه في بداية حياته كان ماجنا متهتكا وشابا عربيدا. إلا أنه تاب بعد ذلك وأصبح متدينا وزاهدا متقشفا. وبالتالي، كان القديس أوغسطين” ثاقب الذهن، واسع الفكر، غزير العلم، ارتوى من مبادئ الديانة المسيحية، فأصبح من أكبر القسيسين ورجالات الكنيسة الكاثوليكية. وقد كرس حياته الصالحة في مقاومة الزنادقة ومكافحة المذاهب الأخرى التي من شأنها أن تقف حجر عثرة في سبيل تقدم الديانة المسيحية؛ وكان يستعمل سائر الوسائل لمحاربة المذهب الدوناتي(donatisme ) الذي كان يرمي الكاثوليكيين بتسرب الضعف إلى عقيدتهم الدينية كما كان يحارب المذهب المانكي Manichéisme ) ) والمذهب الآري الذي سينتحله، فيما بعد، القائد جنسريق، ملك الوندال.”[iii]
وعلى الرغم من ثقافة أوغسطين اللاتينية ، فإنه كان يقدم قداسه ومواعظه باللغة المحلية أو اللغة الفينيقية ؛ لأن الأمازيغيين في شمال أفريقيا كانوا يجهلون اللغة اللاتينية لكونها لغة المثقفين الذين درسوا بروما وأصبحوا من مؤيدي الحكومة الرومانية، بل كانوا يرفضونها؛ لأنها لغة المستعمر، والهدف من نشرها في الأوساط الأمازيغية هو العمل على نشر سياسة الرومنة والترومن. وفي هذا يقول الأستاذ الحسن السايح:” ورغم هذا التأثير الروماني فقد ظل الشعب المغربي يتكلم الفينيقية ويحدثنا القديس(أوغسطونيوس) وهو أحد رجال الدين المغاربة، أنه كان يستحيل عليه أن يلقي قداسه باللغة اللاتينية لأن معظم الناس الذين يستمعون إليه لايعرفون حرفا واحدا من اللاتينية، وإنما كانوا يعرفون اللغة الفينيقية، التي كانت منتشرة انتشارا واسعا، حتى إن العرب الذين جاؤوا المغرب وجدوا الناس يتكلمون اللغة الفينيقية، وهي لغة سامية أخت العربية، بل إنها لهجة من اللهجات العربية فكان الانتقال منها إلى لغة أخرى كالانتقال من اللهجة المغربية إلى المشرقية.”[iv]
وكان أوغسطينيوس شخصا مثقفا وفيلسوفا لاهوتيا موسوعيا لم يستطع أحد أن يصل إلى مستوى هذا العالم إبان العصر القديم حيث امتلك ثقافة لاتينية عميقة وواسعة المدارك ومتنوعة المستويات والمفاصل، وعد في المجال الديني ضمن آباء الكنيسة. ولا يمكن أن نضع إلى جانب أوغستان الجزائري إلا شخص واحد يقترب منه فكريا وهو المثقف المغربي الكبير يوبا الثاني الذي نهل من معارف عدة، وتمكن من لغات مختلفة، وتبحر في الكثير من المعارف العلمية والأدبية والفنية والسياسية والإدارية.
ومن جهة أخرى، ترك لنا أوغسطين نظرية فلسفية دينية متكاملة مازالت تدرس وتناقش إلى يومنا هذا في الملتقيات اللاهوتية والفكرية، وتنسب إليه تحت اسم” الأوغسطينية” Augustinienne.
وثمة عوامل عدة تحكمت في توجيه شخصية أوغسطين، ويمكن إجمالها في: خطابة شيشرون، وقراءة الإنجيل و الاطلاع على تأويلاته وفحص لغة كتابته وخاصة الإنجيل الإفريقي، والانسياق وراء العقيدة الثنائية التي تسمى بالمانيكية، كما تأثر كثيرا بفلسفة أفلاطون والفلسفة الأفلوطينية المحدثة.
ومن مرتكزات نظرية أوغسطين: الإيمان الروحي، والحب، والعقل، والحكم العادل، والقدر الإلهي، والإرادة، والخير، و التذكر بدل الجهل والنسيان، والحرب العادلة، والخطيئة الأصلية، والطبيعة، والتعويض، والتجسيد الحلولي ، والملكية الخاصة.

2- مـــؤلفاتـــــه:

ألف أوغيسطينوس أكثر من مائتي كتاب باللاتينية ، وتصنف كتبه وردوده ضمن إطار الثورات الدينية والأدبية التي كانت تشتعل في نوميديا بالخصوص بين الدوناتية والكنيسة الأفريقية المسيحية. وكان المناضل الأمازيغي دوناتوس هو الذي يقود الحركة الدوناتية ، ومن المعلوم أن هذه الحركة ذات طابع ديني شعبي ثوري راديكالي تتشكل من الفقراء والمعدمين والبؤساء والثوار المحليين والعبيد الضعفاء، تدافع عن هوية الساكنة واستقلال دولة تامازغا، وتحارب الرومان وتطالب السكان المحليين بطردهم بالقوة من شمال أفريقيا .
أما الكنيسة الكاثوليكية الأمازيغية التي يتزعمها أوغستان فقد استهدفت نشر العقيدة المسيحية كما هو متعارف عليها في الكنيسة المركزية الرومانية ، بيد أن هذه الكنيسة كانت في خدمة الإمبراطور الروماني قسطنطين، تهادن الحكومة الرومانية في حالات السلم والحرب، وتعطي المشروعية الدينية للمعمرين الأجانب والمرابين وأصحاب النفوذ، وتبرر استغلال الإقطاع الروماني لساكنة نوميديا بصفة خاصة وشمال أفريقيا بصفة عامة.
وعليه، لابد من وضع مؤلفات أوغيسطينوس ضمن هذا السياق التاريخي الذي ينحصر في الصراع الأمازيغي ضد الرومان والوندال، وضمن الصراع الديني والاجتماعي والعسكري الذي كانت تخوضه الكنيسة الكاثوليكية ضد المذهب الدوناتي وحركة الدوارين الاجتماعية . وكانت لا تناصر في ذلك سوى القوات الرومانية وتؤيد كل القرارات التي تصدرها الحكومة اللاتينية لإبادة المعارضين الأمازيغيين.
وجل الكتب التي ألفها القديس أوغسطينيوس كانت باللغة اللاتينية، لكن قداسه الديني كان يقدمه باللغة الفينيقية أو اللغة المحلية التي كان يفهمها الشعب الأمازيغي؛ لأن اللاتينية كانت مقتصرة على كبار المثقفين والموظفين الإداريين التابعية لحكومة روما، وفي هذا يقول القديس أوغسطين:” إن الدولة الرومانية التي تعرف كيف تحكم الشعوب؛ لم تفرض على المغلوبة منها سيطرتها فحسب، بل لغتها أيضا”.[v]
وعلى أي حال، فالقديس أوغسطين عميق التفكير، ورجل دبلوماسي في تعامله مع الرومان، كثير الجدال والمناظرة، وهو كذلك:” فيلسوف قبل كل شيء، رجل يحلل الآراء ويرى كل ماتحوي ومبدأها الأول ومداها ونتائجها النهائية. وهو فوق ذلك خطيب عظيم مؤرخ أو بالأحرى فيلسوف للتاريخ في كتابه” مدينة الله”، وهو أخيرا شاعر للقلب والوجدان الممتع في” اعترافاته” الخالدة. وربما كان هذا الرجل أغرب رجل في العالم القديم كله.”.[vi]
ومن أهم كتب أوغسطين: اعترافاتي، ومدينة الله، والثالوث المقدس، والنعمة.

أ- اعترافات أوغسطينوس:

ومن أهم مؤلفات القديس أوغستان سيرته “اعترافاتي” Mes confessions التي أصبحت بمثابة البداية الحقيقية للكتابة الأوطبيوغرافية في الفكر الإنساني. ويعني هذا أن هذا المؤلف هو أول كتاب وصل إلينا في باب السيرة الذاتية الروحية ذات الطابع الديني الذي يشتبك بالطابع التاريخي ، حيث يقدم فيه الكاتب اعترافاته بكل صدق وصراحة، ويفصل حياته الغريبة ويوضح انسياقه وراء الأهواء والشهوات، ولاسيما في قرطاج حيث ولع بالمسرح والحب والجنس، ويبين لنا كيف تعرف الله وكيف انتقل بعد ذلك إلى الفكر المسيحي. كما يكشف لنا عن تصوره وموقفه من الصراع العقائدي والاجتماعي والتاريخي الذي كان يعيش فيه أوغسطين إبان مرحلة الصراع الأمازيغي / الروماني.
ويدعو الكاتب في الأخير في هذا المؤلف الديني إلى سلام الروح ومحبة الإله والارتماء في أحضان الرب من أجل الاستراحة النورانية.
وتعني الاعترافات في المفهوم المسيحي بوح الإنسان واعترافه للراهب بأخطائه وذنوبه قصد الحصول على العفو. ويسير الكتاب في هذا المنحى الاعترافي المسيحي، فيعترف أوغسطين بكل جرأة بأخطائه ومجونه من أجل الظفر بالتوبة والغفران الرباني.
ومن المعروف أن هذا الكتاب كتب بين391 و400م في حياة الكاتب أوغسطين ، بينما كتاب ” مدينة الله ” و”الثالوث المقدس” لم يكتبا ويستكملا إلا بعد وفاته وبالضبط في 400 م.
وإذا أراد الدارسون التأريخ للسيرة الذاتية في الغرب يبدأون بالقديس أوغسطين ليتبع بجان جاك روسو بكتابه” اعترافات روسو”، على الرغم من أن أوغسطين مفكر عبقري أمازيغي لايمت بصلة كبيرة إلى الهوية الأورپية من حيث اللغة والهوية والشعور والوجدان. ومهما حاول الرومان رومنة المثقفين الأمازيغيين وتجنيسهم، فقد ظل هؤلاء متشبثين بهويتهم الأصلية والدفاع عن وطنهم كما فعل أوغسطين لما مات شهيدا من أجل حرية مدينته عنابة.
والدليل على ريادة سيرة أوغسطين ومكانتها في الأدب الإنساني والعالمي ما قاله الدكتور إحسان عباس في كتابه” فن السيرة”:” وفي السير الذاتية بالغرب معالم كبيرة كان لكل معلم منها أثره في كتابة السيرة الذاتية وطريقتها، وفي طليعة تلك السير” اعترافات القديس أوغسطيس” فإنها فتحت أمام الكتاب مجالا جديدا من الصراحة الاعترافية، وشجعت الميل إلى تعرية النفس، في حالات كثيرة تلتبس بالآثام، أو يثقل فيها عناء الضمير.”.[vii]
ومن أهم مميزات كتاب” اعترافاتي” أنه كتب بطريقة شاعرية روحانية وجدانية يستقطر فيها الكاتب دموع المعاصي و الذنوب ليعوضها براحة التوبة والغفران مقابلا بين الحياة والموت والدنيا والآخرة.

ب- مدينة الله:

يشتمل كتاب” مدينة الله “La cité de Dieu على اثنين وعشرين فصلا أراد فيها صاحبها أن يبين فضل الآخرة على الحياة الدنيا ضمن منظور عقدي مسيحي. كما يؤول فيه كتاب الإنجيل من خلال اجتهاداته وتجاربه الدينية والروحانية متأثرا في ذلك بالفلسفة الأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة و العقيدة المانيكية.
هذا، ويحوي المؤلف آراء عميقة وحصيفة في مجال فلسفة التاريخ وتأريخ اللاهوت وتفسير الإنجيل وتأويله. وقد انتشرت آراؤه الدينية والفلسفية بين المفكرين واللاهوتيين المسيحيين فيما بعد، وعرفت تصوراته الدينية وتفسيراته المذهبية بالنظرية( الأوغسطينية).
وسيهتم المسيحيون فيما بعد بأفكار أوغسطين التي طرحها في كتابه “مدينة الله” وخاصة فكرة الخطيئة، وفكرة الحكم الحر، ولاهوتية التاريخ.
ولابد أن نذكر أن أوغسطين قد حارب الدوناتية والمانكية والآرية والپيلاجية واليهودية وكل الدعوات الوثنية والدينية المنحرفة، وحاول في كتاباته جاهدا التوفيق بين العقل والإيمان.

ج- الثالوث الأقدس trinité:

يلاحظ على هذا الكتاب أنه لم يجمع ويستكمل إلا بعد وفاة القديس أوغسطين وذلك في سنة 400م ، ويعالج المعتقد المسيحي الذي يتمثل في الثالوث أو التثليث أو الثالوث الأقدس ضمن التصور المسيحي الكاثوليكي. أي إن الكتاب يدرس التصور المسيحي الذي يشخص الرب في ثلاثة أشخاص أو أقانيم (الأب، والابن، والروح المقدسة) متميزة ومختلفة ومتساوية ومنصهرة في بوتقة طبيعية واحدة ( الحلولية)غير منقسمة (وحدة الوجود).

3- مظاهر مقاومة أغوسيطينيوس:

يمكن الحديث عن مرحلتين في حياة أوغسطينيوس على مستوى المقاومة، وهما: مرحلة الاحتلال الروماني ومرحلة الغزو الوندالي.

أ‌- مرحلة الاحتلال الروماني:

كان أوغسطينوس في هذه المرحلة الأولى مهادنا للرومان وخائنا للقضية الأمازيغية وخادما للكنسية المسيحية الرسمية الموجودة بروما ومواليا للإمبراطور الروماني قسطنطين.
و قد حارب القديس أوغسطينوس المذهب الدوناتي وكل أتباعه الثوريين، كما وقف في وجه حركة الدوارين بالقوة والصرامة وذلك بتشريد المنشقين عن السلطة الرومانية المركزية وكل المتمردين عن النظام الإمبراطوري اللاتيني بالاعتماد على سياسة القمع والتقتيل والتنكيل. وساهم كذلك في إعداد محاكم التفتيش الدينية إرضاء للحكومة الرومانية وطمعا في الغنائم المادية والامتيازات المعنوية لتصفية الدوناتيين والقضاء على المنشقين عن الكنيسة المسيحية الكاثوليكية المركزية أو الإفريقية.
ومن المعلوم ، أن الأمازيغيين رفضوا المسيحية الرومانية التي كان يدعو إليها قسطنطينوس الأول؛ لأنهم وجدوها عقيدة لاتخدم سوى الأقوياء من الحكام الرومان، وتقدم المشروعية الدينية للمستغلين الغزاة الأجانب لاسترقاق العبيد وتسخيرهم في الأعمال الشاقة من أجل مصالحهم ومآرب الإمبراطور والحكومة الرومانية، ومن أجل سعادة الشعب الإيطالي الذي كان يعيش في الترف وبحبوحة العيش على حساب الأمازيغيين الأفارقة الذين كان الجوع ينخر بطونهم ولم يجدوا ما يعيلون به أولادهم وأسرهم. هذا ما دفع الأمازيغيين للانتقال إلى المذهب الدوناتي الثوري الاجتماعي الذي كان يدافع عن الطبقات الفقيرة.
ويقول الأستاذ محمد شفيق في هذا الصدد:” ولما انقلب الوضع الديني في روما نفسها، إذ تخلى الإمبراطور قونسطانتينوس الأولConstantinus1 عن الوثنية، سنة313م، واتخذ المسيحية دينا للدولة، لم يلبث أن ظهر من بين النصارى الأمازيغيين ثلة من الزعماء الروحيين أعلنوا انشقاقهم عن الكنيسة الرسمية؛ فسموا بـــ” الدوناتيينDonatistes ” نسبة إلى دوناتوس Donatus أحد منشطي حركتهم، وانتشرت دعوتهم في البوادي خاصة، واستمرت تنفخ في النفوس روح المقاومة المعنوية للرومان ثم للبيزنطيين بعدهم، إلى أن جاء الإسلام، وذلك رغم مالقيه المنشقون من أنواع التنكيل والتشريد، ورغم مساندة القديس أوغوسطينوس الأمازيغي الأصل للكنيسة الرومانية الرسمية.”[viii]
ويتبين لنا مما سبق أن صراع أوغسطينوس مع الدوناتيين والدوارين لم يكن في الحقيقة صراعا دينيا كما يبدو ذلك على مستوى السطح، بل كان صراعا سياسيا واجتماعيا بين أنصار الرومنة والتطبيع مع الرومان و يتزعمهم في ذلك القديس أوغسطين، وأنصار الثورة الراديكالية الذين يدافعون عن المصالح الأمازيغية ويحاربون الإمبراطورية اللاتينية وعملائها المهادنين الخونة وكل الجواسيس الذين يسخرون من أجل خدمة النظام الروماني و دعم قواته المتوحشة، ويمثل هذا التيار الثوري القائد الديني القديس دوناتوس.

ب- مرحلة الغزو الوندالي:

لم تظهر مقاومة أوغيسطينوس إلا في مرحلة الغزو الوندالي أثناء محاصرة بونيفاص قائد الوندال المتوحشين الهمج الذين قصدوا مدينة عنابة لمحاصرتها وتطويقها والتنكيل بأهلها وتدمير عمرانها وتخريب آثارها وقتل ساكنتها . وقد دافع عنها أوغستان دفاع الأبطال حتى توفي شهيدا سنة 430 م. وبعد ذلك، سقطت المدينة في قبضة الأعداء. ويقول الدكتور عز الدين المناصرة في هذا الصدد:” جاء الفاندال(يقصد الوندال) بقيادة جنسريق سنة 429م واحتلوا الجزائر بعد أن قاوم القديس أوغسطين مقاومة باسلة دفاعا عن مدينة بونة ( عنابة) التي كانت آخر معقل روماني يسقط في يد قبائل الفاندال ثم سقطت قرطاجنة حيث أصبحت عاصمة لهم واستمرت دولة الفاندال من 431م- 534م. وهم منحدرون من السلالة السلافية، قدموا من جنوب ألمانيا. ومن اسمهم جاءت تسمية الأندلس( فاندولوسيا). وقد سيطر الفاندال على تونس ونوميديا وتبسة والمغرب الأقصى.”[ix]
وقد تعاطف حتى الذين اعتنقوا الأريوسية من هؤلاء الوندال مع ضحايا عنابة، واستنكروا وحشية التنكيل والقهر والبطش اللاإنساني ضد ساكنة الجزائر. ولكن في التاريخ البشري لا تنفع ساعات الحسرة والندم.

خاتمـــــة:

يمكن القول في الأخير: إن مقاومة أوغسطين كانت ذات طبيعة دينية شأن دوناتوس وذات طبيعة ثقافية أيضا على غرار مقاومة يوبا الثاني. وعلى الرغم من سلبيته تجاه القضية الأمازيغية في مرحلته الأولى في ظل الحكم الروماني، إلا أنه استطاع أن يغير موقفه الديني ليكون إيجابيا لصالح الأمازيغيين حينما قاوم الوندال المتوحشين دفاعا عن الجزائر بصفة عامة وعنابة بصفة خاصة من أجل الاستقلال وحرية البلاد. ورفض أوغسطين استقبال المتغطرسين الغزاة الذين لاهدف لهم سوى سفك الدماء واستغلال ثروات الشعوب المستسلمة والمغلوبة على أمرها.
ومن أهم تجليات مقاومته الثقافية والتي شرفت الأمازيغيين إلى يومنا هذا ، أنه المؤسس الحقيقي للأوطبيوغرافيا( فن السيرة الذاتية) ، ومجدد الفكر المسيحي الكاثوليكي وصاحب نظريات فلسفية ولاهوتية تركت تأثيرها في الكثير من المفكرين والفلاسفة وعلماء اللاهوت قديما وحديثا من پول أوروز Paul Oroseإلى پول ريكور Ricoeurمرورا بپاسكال Pascal وكالڤان Calvinومارتن لوثر Luther وتوماس الأكويني Thomas d Aquin ويوحنا أريندت Hannah Arindt وأدولف ڤون هارناك Adolf von Harnack وأنسيلم دو كانتوربيري Anselme De Cantorbéry.
وعلى أي، فقد كانت لأفكار أوغسطين في الحقيقة تأثير كبير على المثقفين والمفكرين في العصور الوسطى وعلى الپروتستانتية الدينية والمذهب الكنسي الجانسيني. كما كان لها تأثير فعال على التيارات الحديثة والمعاصرة التي تدعو إلى الحرية والطبيعة الإنسانية.

" نسبية الحقيقة " في الفكر الليبرالي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الداود 20

ومبدأ ” نسبية الحقيقة ” في الفكر الليبرالي، قائمٌ على أساسها العَام الذي هو (الحرية)، فإنَّ إشكالية هذا الفكر قبول التلوُّن والتعدد الصوري، فهو قائم على عدم الجزم والقطع، وهذه مهمة الفيلسوف الليبرالي في حل المشكلات، يقول (رسل): « إن الفيلسوف الليبرالي لا يقول: هذا حق، بل يقول في مثل هذه الظروف: يبدو لي أن هذا الرأي أصح من غيره » .

ويعتقد الليبراليون أن توسيعَ الخلاف، والتعدديةُ في الآراءِ والأفكار ظاهرةٌ إيجابيةٌ تنمِّي الفِكَر، وتقوِّي الرأي، وتُظهر الإبداع. ومن لوازم حريةِ الفكر عندهم: اعتقاد عدم امتلاك (الحرية المطلقة)؛ لأن دعوى امتلاكِ هذه الحقائق يمنع من التفكير الحُر، فالإيمانُ المطلق الذي لا يعتريهِ أدنى شَكٍ لا يتوافق مع الفكر الليبرالي الذي لا يبني عقيدةً محددةً يقينية؛ لأن ذلك يُناقض حريةَ الفِكر والمناقشة حَسْبَ وجهةِ نظرهم .
يقول الكاتب يوسف أبا الخيل متحدثاً عن (مُسلَّمة) تفرضها الضرورة المنطقية: « ألا وهي مفهوم أو فلسفة (نسبية الحقيقة) التي تعني أن الحقيقة بما هي (كل مطلق متعال) فالفرد إزاءها لا يملك فيما يملكه من معارف ومعتقدات ومشارب وآراء واتجاهات فكرية إلا جزءاً من هذه الحقيقة الكلية التي تتعدد جزئياتها ومفرداتها بتعدد زوايا النظر للموضوع المراد بحثه، هذا الجزء من الحقيقة الذي يملكه الفرد قد يماثل أو يقل أو يزيد عما يملكه الآخر المختلف، ولكنه في النهاية يظل جزءاً يزيده ويثريه ولا يلغيه » .

ويقول محمد بن علي المحمود: « رفع الوصاية عن الفرد، ومنحه حريته، وتهيئة البيئة الحرة التي تطلق مكنونات طاقته الخلاقة من عقالها، كل ذلك تمنحه الليبرالية للمجتمع الليبرالي، مجتمعات وأفرادا » .
* أقوال بعض الكتَّاب الليبراليين حول ” نسبية الحقيقة “.

يقول تركي الحمد: « لن تكون متقدماً أو صاحب أمل في التقدم؛ إذا قبلت الرأي على أنه حقيقة، والحقيقة على أنها مطلقة وليست نسبية » (من هنا يبدأ التغيير، تركي الحمد، ص 347).

ويقول الكاتب يوسف أبا الخيل في سياق حديثه عن السبيلِ الأمثل لمكافحةِ ما سمَّاهُ بـ” الرؤية الحادة الإقصائية “: «.. ولذا فمن أجل حصره في زاوية التعرية لأهدافه وما يتطلع إليه من إجهاض لأية بارقة أمل من التطور، فلا يجب إشعاره أننا نسعى لإحلال صوت إقصائي آخر بديل له، بل بدلاً من ذلك يجب أن تكون آلية الحراك التي نبشر بها تحمل مزيداً من إفساح المجال لكافة الآراء بما فيها صوت ذلك التيار ما دام ملتزماً بشروط الاجتماع البشري، التي يأتي على رأسها الإيمان بأن للآخرين ذات الحق التي له في إبداء الآراء والتماهي مع يترتب عليها من معتقدات، وما دام ملتزماً بإعطاء الفرصة للآخرين – وإن لم يكن مقتنعاً بذلك – ليدلوا بدلوهم في الشأن الاجتماعي كافة، وإشعاره أن زمن احتكار الحقيقة – بما فيها الحقيقة الدينية – قد ولى زمانه وليس ثمة طريق آخر إلا مشاركة الآخرين وفقاً لنسبية الحقيقة التي يمسك كل طرف بجزء من خيطها.. » .

ويقول أبا الخيل حول التسَامح بين الثقافتين الأوروبية والعربية: « تباين التأصيل الفلسفي لمفهوم التسامح بين الثقافتين الغربية والعربية كان له أثره الكبير على الواقع السوسيولوجي والأبستومولوجي بين الثقافتين، ومن ثم امتد أثره إلى جميع مناحي الحياة الأخرى لكل جانب.
فبفضلها استطاعت أوروبا أن تخرج من آحاديتها المظلمة وما ترتب عليها من أوضاع خاصة تلك الحروب الدينية المرعبة في القرنين السادس عشر والسابع عشر التي تسببت فيها الأورثوذكسية الكاثوليكية التي قامت على تسنين عقيدة واحدة لا يسمح لأحد كائنا من كان بالاتصال بالله تعالى خارج تعاليم أساقفتها إلى فضاء فلسفة عصر التنوير التي دشنت تأصيل مبدأ نسبية الحقيقة التي يقر فيها الفرد أنه لا يملك (إن ملك) إلا جزءا بسيطا من الحقيقة يماثل ربما ما يملكه الفرد الآخر أو يزيد أو ينقص ولكنه يظل نسبياً ومن ثم فقبول هذا الآخر لم يعد مجرد زخرف من القول أو مجرد مفردة كرم يتفضل بها فرد على آخر » .

ويقول: « هذه النظرة الإقصائية تأتي بلا شك نتيجة حتمية لتربية طويلة على اعتبار قول وحيد ووسمه بالطابع الشمولي القاطع بحقيقته ويقينيته بلا اعتبار لأية أقوال أو مذاهب أخرى في المسألة المطروحة للبحث إلا باعتبارها ضالة عن الطريق السوي أو مبتدعة في حال التلطف مع أصحابها، لو أننا أشعنا في مرافئ ثقافتنا على اختلاف أنواعها مبدأ نسبية الحقيقة في الأقوال والأعمال والتخريجات والتفسيرات لما كانت هذه حال قطاع كبير ممن يقتاتون على ثقافتنا ويدعون الأحقية بتمثيلها » .

ويقول منتقداً (الثوابت) تحت مسمَّى (النظام المعرفي) داعياً إلى استحضار الشَكِّ أمام العقل الناقد بدعوى (نسبية الحقيقة): « يعرف النظام المعرفي (الإيبيستيمولوجيا) بأنه الطريقة أو الآلية أو النظام التي يستقي بها مجتمع ما أو لنقل ثقافة ما النظرة للكون والحياة والعلاقات الفيزيقية والميتافيزيقة بشكل عام.

ولكل ثقافة معينة نظام معرفي خاص بها، وتكاد أن توصف به الحضارة المؤسسة على تلك الثقافة، فيقال مثلاً للحضارة العربية بأنها (حضارة النص) بينما توصف الحضارة اليونانية بأنها (حضارة العقل) وهكذا، وعلى ذلك فإذا كانت الحضارة الإسلامية تتميز بأنها حضارة نص فذلك يعني أنها تعتمد في نظرتها للكون والحياة والعلاقات الإنسانية والاجتماعية على ما توفره النصوص الثقافية بشكل عام سواء الدينية منها أو ما أضيف إليها من مراكمات إنتاجية (تفسيرية وتأولية واجتهادية عامة)، وبالتالي فإن نظامها المعرفي يوفر نظرة نقلية تجاه مكونات الحياة، لكنه قد لا يلقي بالاً لما قد توجبه موجبات العقل تجاه موضوع معين إذا كان يستشف منها (نظرياً على الأقل) اختلافها مع النظرة التي تُستشف من النصوص.
في الحضارة اليونانية كان النظام المعرفي السائد فيها هو النظام البرهاني القائم على فحص مكونات الأمر المعروض للبحث، ومن ثم الحكم عليه أو فيه من زاوية عقلانية بحتة تعتمد النظر والتأمل ومقارنة الأشياء ببعضها وإعطاء رأي غير قاطع فيها باعتبار أن الفكر البشري قائم على الترجيح بين البدائل المتاحة مما يعطي فرصة مستمرة لعرض البديل المقترح على مشرحة النقد المستمرة بحيث يتم الاستغناء عنه عند ما يتقادم به الزمن، ويصبح غير قادر على مسايرة العصر، ميزة النظام المعرفي البرهاني أنه غير متقيد بمقيد ميتافيزيقي فهو يعمل وفق معطيات العقل، وبالتالي ففيه فرصة للخطأ والصواب، وبالتالي تتوفر المراجعة المستمرة التي تعتمد على نظام التغذية المرتدة للمعلومات (back Feed ) ».

ثم يقول: «.. العنف ومن ثم التطرف ينتج غالباً من اعتقاد المجتمع عموماً (وهو ما يربى أفراده عليه بالطبع) بأنه مالك خطام الحقيقة المطلقة في نظرته للناس والكون والحياة عموماً، ومن ثم فلا يجد سبيلاً لأداء مهمته في الحياة سوى إجبار الناس المخالفين على عدم إهلاك أنفسهم وردهم لحياض الحقيقة المطلقة » .
ويقول كذلك: « إنَّ السلوك الثقافي المعاش يظل مشدوداً إلى التصنيف الثنائي المفصول بين حدوده بشكل حاد وكامل، سلوك يعتمد على تصنيف الرؤى والمعتقدات، بل وحتى وجهات النظر العابرة التي تتصل بالواقع المعاش سياسياً واقتصادياً واجتماعياً إلى ثنائية الحق والباطل، فالحق ما نحمله وندين به، والباطل ما يدين به أو يعتقد به مخالفنا، وتبعاً لذلك يتم تصنيف الناس إلى متبعين ومبتدعين، وإلى ملتزمين وغير ملتزمين، وإلى ضُلاَّل ومؤمنين، وإلى عقائد صحيحة وعقائد ضالة، ليصل الإنسان المبرمج على ثقافة القطع في الحلقة الأخيرة من سلسلة العنف والإقصاء إلى تصنيف الناس إلى مسلمين وكفار، ومن ثم الوصول إلى ما يترتب على تلك الحلقة الأخيرة من ضرورة التخلص من شوائب الكفر والضلال بما فيها ممثلوه ليبقى الإسلام الخالص المتماهي معه من قبل من تبرمجوا على تلك الثقافة حاضراً وفق رؤية خاصة وتخريج خاص للإسلام، لا على أنه الإسلام نفسه كما أنزله الله تعالى على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام » .
ثم يستكمل أبا الخيل حديثَه داعياً إلى نشر ثقافة الشك، فيقول: « لذا لا بد للإنسان – ولا يتأتى ذلك له للأسف غالباً إلا في العيش في جو ثقافي فلسفي – أن يشك ولو مرة واحدة، وهذا الشك لا أعني به الشك المدمر، أو الشك الدوغمائي بطبيعته، أو الشك لمجرد الشك، بل إنه شك يجد له جذوراً من داخل المنظومة الإسلامية نفسها، إذ نجد أبا حامد الغزالي يقول وهو في أوج مرحلة من حياته الفلسفية: “من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر يبقى في العمى والضلال” كما كان يقول: “الشك أولى مراتب اليقين” إنه شك يأتي بالذات من مراعاة نسبية الحقيقة على المستوى الاجتماعي والثقافي بوجه عام، شك يعطي دفعاً للشاك أن لا يتحمس أو يتمعر وجهه أو تنتفخ أوداجه عندما يتعايش مع من يخالفه توجهاته، إذ إن هذا الشك يتيح لذلك الإنسان الشاك استحضار تساؤلات من قبيل: ولماذا لا تكون وجهة نظر فلان هي الصواب؟ أو لماذا لا تكون تلك الرؤية أو ذلك التأويل أو التفسير أو التخريج لذلك الفرد أو الجماعة أو الفرقة تحمل على الأقل شيئاً من الصحة في باطنها؟ ولماذا مثلاً لا تكون الرؤية التي أحملها أو تلك التي حُمِّلتها ليست قاطعة ويشوبها الشك وعدم اليقين؟ في مثل ذلك الجو الثقافي المشبع والمربى على نسبية الحقيقة – النظرية على الأقل – لا يملك الإنسان إلا أن يكون متسامحاً مع غيره؛ لأنه لا يحمل اليقين على قطعية ما تناهى إليه نظره، وما برمجته عليه ثقافته طوال عمره » .

ويقول عبدالله بن بجاد العتيبي مقرراً ذات المبدأ: « إذًا فلا بد كمنطلق لعملية التنوير والإصلاح أن يدخل الشك في آلية العقل العربي الإسلامي الحالي أن يشك في قضية جوهرية “هل هو قادر على العمل الآن؟ هل آلياته ومناهجه ومنظومته المعرفية صالحة للتعامل مع الزمن الراهن » .

أما إبراهيم البليهي فيرى أنَّ (نسبية الحقيقة) هي من الأمور البدهية، فيقول: « من البدهي أنه لا يوجد إنسان يمتلك كل الحقائق امتلاكاً كاملاً، وإنما يتمسك كل فرد بما يظنه كذلك فينتقي من النصوص والبراهين والمواقف والأحداث ما يُقنع به ذاته ويستمر على انتقائيته، حتى تضطره المواقف المغايرة الضاغطة في أن يعيد فحص أفكاره، فإذا وضع كل طرف أفكاره تحت مجاهر التحليل اقترب الجميع من لب الحقيقة تحت أضواء المكاشفة الاضطرارية المتبادلة » .

ويقول الكاتب يوسف أبا الخيل: « فإن المتعصب عندما يقوم بإدراك موضوع ما (رؤية عقدية مثلا) إدراكاً إيجابياً متعاطفاً معها فإنه لا يأخذها على أنها مجرد أحد المعطيات النسبية للحياة الإنسانية، أو أنها مجرد رأي ينضاف إلى آراء أخرى عديدة لكل منها الحق في خوض غمار تأويله الخاص لذلك الموضوع المثار، لا بل إنه حينما يدركها إدراكاً إيجابياً محباً فسينظر إليها باعتبارها حقيقة وحيدة كاملة ناصعة البيان دامغة الحجة لا تضاهيها حقيقة أخرى في تماهيها مع المطلق، أما عندما يدركها في جانبها السلبي (رؤى الآخرين المخالفة) فسيراها ثاويةً في أقصى يسار الحقيقة عارية من كل ما يمت إليها بصلة، متفاصلة مع كل ما يتصل بالخير أو الجمال أو الفاعلية أو الإبداع الإنساني مفاصلة نهائية لا رجعة فيها، ويترتب على تلك النظرة (اللاواعية) أنه سيعتبر كل من يشاركه الإدراك بجانبيه (الإيجابي تجاه رؤيته المذهبية والسلبي تجاه رؤى الآخرين) فهو السعيد سعادة لن يشقى بعدها أبدا، بنفس الوقت الذي يرى فيه كل من لا يشاركه إدراكه ذلك على أنه هالك لا محالة » .

ويقول – أيضاً -: « يأتي التعصب الديني كما المذهبي على رأس الأسباب التي تهوي بالإنسان سريعاً إلى مرحلة الوحشية البشرية التي تحدث عنها هوبز، إذ أن هذا التعصب يتخلق بداية في رحم آحادية الفكر الناتج من انعدام التعددية الفكرية والدينية، مما يؤدي إلى قناعة الإنسان بأن دينه أو مذهبه هو الوحيد المتوافر على كلية الحقيقة وما سواه من الأديان أو المذاهب فلا تمتلك ذرة يقين أو حقيقة، وهذه هي البذرة الأولى للعنف، أما سقيا هذه البذرة فيأتي من اليقين التام الذي يتوافر عليه الإنسان الآحادي جراء انعدام فضيلة “نسبية الحقيقة” بأن عليه واجب إدخال الآخرين في حمى يقين دينه أو مذهبه، ولكن لأن من يخالفونه دينه أو مذهبه كُثُر ولا طاقة له بالتالي بهدايتهم ولأن معظمهم مرتدون عن الإسلام في نظره فلا عذر له عند ربه سوى إزهاق أرواحهم لزفهم إلى نار جهنم وبئس المصير » .
ويقول محمد المحمود: « تحرير وعي الأفراد ومن ثم إرادتهم كفيل بتحرير وعي الإنسان- المجتمعي. فضلا عن كوننا لا نمتلك تغيير المجتمعي إلا من خلال الفردي، أي خضوع لشروط الواقع، وخضوعا لشرط الصوابية النسبية التي نرتادها » .

نشأة الدولة و نظامها عند أرسطو

كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني

الاسم / راشد سعد القحطاني
الرقم الجامعي / 430106599
المادة / فكر غربي 2 (320)

نشأة الدولة و نظامها عند أرسطو

نشأة الدولة عند أرسطو

على الرغم من أن أرسطو كان تلميذ أفلاطون النجيب إلى أنه أختلف معه في أسباب نشأة الدول حيث أرجعها أفلاطون إلى حاجة الأفراد إلى إشباع رغبات مادية من خلال التجمع مع بعضهم البعض ليشكلوا الدولة وهي وحدة مثالية مجردة ليس للأفراد فيها وجود مستقل أما أرسطو فأرجع نشأة الدولة إلى الأسرة التي تمثل الوحدة الإجتماعية الأولى،وبالإعتماد على التطور التاريخي بدءا من كون الإنسان كائن إجتماعي يجتمع مع المرأة وينتج النسل الذي يكون الأسرة ومنها العائلة ثم العشيرة والقبيلة ومنها إلى قرية فتكبر وتشكل الدولة و هذا هو تفسير نظرية التطور العائلي وليس نظرية العقد الإجتماعي حيث لا يوجد عقد في نظرية التطور العائلي بل هو شيء طبيعي من حيث التطور والإرتقاء، ويعتمد أرسطو في ذلك على أن الإنسان كائن سياسي حيث أنه يملك العقل الذي يساعده في التفكير وهذا مايميزه عن غيره من الكائنات التي يشترك معها في الغريزة و التكاثر,ونستنتج من ذلك فإن الدولة أسمى من الفرد والعائلة وأن الإنسان هو أول الحيونات وسيدها وذلك بإتباع القوانين التي من خلال الإلتزام بها يحقق الفضيلة والعدالة أما من دون القونين فيصبح الإنسان آخر الكائنات بل وأكثر فسادا وإفتراسا .

ويتفق أرسطو و أفلا طون من حيث أن هدف الدولة هو التربية الخلقية للصغار وتعليم الفضيلة و إشاعة العلم وتوفير حياة كريمة وجيدة للمواطنين وذلك من خلال العدل في المجتمع ويكون ذلك في حالة السلم أما حالات العدوان و الحروب والإحتلال لقيام الدول إستنكرها وإستهجنها ولكنه أباح ذلك لليونانيون الذين كان يعتبرهم هم الوحدون الأسياد الذين لهم الحق في السيطرة والتملك أما البقية من غير الونانيون فهم عبيد لايحق لهم شيء فهم كالدواب لاعقل لهم وعليهم الطاعة والخضوع للأوامر ولا فضيلة لهم وإن تحل البعض منهم بصفات حميدة فيكون مصدر ذلك روح أسيادهم .

وقد رأى أرسطو أن رب العائلة سواء كان زوجا أو أبا أو سيدا أو مالكا هو الذي يأمر دون المرأة وكلما كان الشخص أكبر وأكمل فإنه يأمر الأصغر والأنقص وهو بذلك يخالف أستاذه أفلاطون الذي دعا إلى المساوة بين الرجل والمرأة في المجال السياسي و العسكري أما أرسطو رأى أن الرجال قوامون على النساء وأن الرجل يجب أن يعامل زوجته كما يعامل القاضي المواطنين في الحكومة الجمهورية وأن يعامل أولاده كم يعامل القاضي المواطنين في الحكومة الملكية من خلال المحبة والإحترام،وأرجع أرسطو أن الإختلاف بين الرجل والمرأة وبين السيد والعبد في أنه طبيعي حيث أنه يولد البعض حرا والبعض الآخر مسخر للطاعة فتنشأ من ذلك الطبقية .

نظام الدولة لدى أرسطو

كان أرسطو كغيره من فلاسفة اليونان يعتقد أن النظام السليم والراقي يتحقق من خلال دولة المدينة التي يجب أن تتوفر على العناصر التالية حتى تحقق المطلوب منها 1-توفير كافة المواد الغذائية 2-توفر أدوات وآلات الفنون 3-توفير السلاح والعتاد العسكري للدفاع 4- وجود إحتياطات من الثروات والعناصر المختلفة للحالات الطارئة في الحروب 5-وجود العنصر الديني من خلال الكهنة 6-وجود مرافق عامة 7-وجود رجال للقضاة.

ويجب أن يكون للمدينة موقع إستراتيجي من حيث أن يكون ملائما للصحة على أن يستقبل أشعة الشمس من الشرق ويكون له منفذ على الجنوب لأن برده أيسر وأن تكون المدينة منظمة من الداخل حتى يؤدي السكان وظائفهم بسهولة وأن تكون محصنة ومحمية من الإعتداءات الخاريجية و يجب العمل على تطوير وسائل الدفاع بإستمرار ويشترط أن لا تكون المدينة كبيرة وعدد سكانها كبير بحيث يصعب تنظيمها وأن لاتكون صغيرة وعدد سكانها قليل فلا يمكن لها عند ذلك أداء مهامها وواجباتها بل يجب أن تكون متوسطة وأن يكون هناك تناسب بين مساحتها وسكانها حتى يعرف السكان بعضهم من خلال الصدقات والأخوة وأيضا حتى لايختل نظامها ،وللمحافظة على عدد سكان أي مدينة من التزايد كان الإغريق يعتمدون على تحديد النسل من خلال الإجهاض وإعدام المشوهين والضعاف من الأطفال .

وكان يرى أرسطو أن نظام دولة المدينة هو أرقى النظم السياسية لأنه يحقق السعادة للمواطنين وآمالهم وطموحاتهم أما نظام الإمبراطوريات نظام فاسد لأنه يضم وحدات وعناصر متجانسة لايجمعها مبدأ أو هدف واحد ، و من خلال دولة المدينة أيدا أرسطو نظام التمييز القانوني والإجتماعي الذي كان سائدا عند الإغريق في وقته فكان هناك أجانب ومواطنين فالأجانب لا يشاركون في الحياة السياسية ولا يملكون حق المواطنة أما المواطنين فكان عددهم محدود ولكي يشاركوا في العملية السياسية وجب توفر فيهم الشروط التالية:

1-أن يكونوا ذكور بلغوا سنا معينا وليسو من الإناث، وكان السن عامل مهم حيث كبار السن يتولون الحكم والشباب يطيعوا حتى ينضجوا.
2-أن يحملوا الجنسية الأثينية بحيث يكونوا من أبويين وجدين من أثينا.
3-أن يكون المواطن حرا وليس عبدا لأن العبيد مسخرين لفلاحة الأرض.
4-أن يكون المواطن من أصحاب الأملاك بحيث يكون في سعة من العيش لايحتاج من خلالها للعمل اليدوي ويتفرغ للعلم والفضيلة ومن جهة أخرى أن لايملك كثير من المال بحيث يلهيه عن الواجب العام، و لهذا لم يكن التجار والصناع من المواطنين.

نظم الحكم عند أرسطو

كان لأرسطو عقلية تحليلية ساعدته على تقسيم نظم الحكم إلى ثمانية عشر نظاما مختلفا وساعده أيضا كتابه الدساتير الذي ضم 158دستور دولة مختلفة ،وأعتمد في تقسيماته على معيارين 1-معيار عددي أي أن السلطة قد تكون في يد فرد واحد أو أقلية محدودة أو الأغلبية 2-معيار كيفي وهو من حيث كيفية الحكم فإذا كان الحكم بالقوانين وللصالح العام فهوا حكم صالح أما إذا كان الحكم دون قوانين ولخدمة مصالح شخصية فهوا حكم فاسد.

وقد جمع أرسطو المعيارين العددي والكيفي فتوصل إلى ستة أنظمة من الحكم ثلاثة صالحة وثلاثة فاسدة وهي:

1-الأنظمة الصالحة:
أ-النظام الملكي ويكون الحكم فيه فردي وفقا للقانون وللصالح العام.
ب-النظام الأرستقراطي ويكون الحكم فيه للأقلية المتميزة وفقا للقانون وللصالح العام.
ج-النظام المختلط أو الدستوري والحكم فيه للأغلبية وهو النظام المثالي لأرسطو.

2-الأنظمة الفاسدة:
أ-النظام الإستبدادي ويكون الحكم فيه فردي ودون التقيد بالقوانين ولخدمة المصالح الشخصية.
ب-النظام الأوليجاركي ويكون الحكم فيه للأقلية الغنية ودون التقيد بالقوانين ولخدمة المصالح الشخصية.
ج-النظام الديمقراطي وهو حكم الأغلبية الفقيرة ضدّ الطبقة الغنية.

ويجدر الذكر أنه يمكن أن يختلط أكثر من نظام حكم ويكونوا نظام جديد وتختلف درجة صلاحيته أو فساده من خلال مدى قربه أو بعده عن الأنظمة الستة من حيث الصلاح أو الفساد أو قد يجمع الصفتين معا فيكون النظام الجديد صالح في بعض عناصره وفاسد في البعض الآخر وهذا هو الغالب في الأنظمة، ويتم التفريق بين النظام الصالح والفاسد على أساس أخلاقي من خلال التحلي بالفضيلة والعدالة قدر الإمكان في الحكم.

وقد وجد أرسطو أن نظام الحكم الأمثل هو النظام الدستوري الذي يجمع بين النظامين الديمقراطي والأوليجاراكي لأنه وجد أن النظام الملكي ليس نظام طيب لأنه لايمكن الضمان أن الفرد الحاكم سوف يحكم بالعدل والفضيلة بدلا من الطيش والهوى والمصالح الشخصية ولأنه أيضا نظام وراثي فقد يحكم فرد جاهل أو مجنون الدولة، أما النظام الأرستقراطي ففيه نفس المشكل من حيث أن الأقلية الحاكمة قد تحكم وفقا للأهواء والمصالح الشخصية بدلا من المصلحة العامة فكان النظام الدستوري الأفضل للحكم ولتحقيق ذلك وجب إتباع الوسائل التالية:

1-الأخذ بالحل الوسط في المبادئ المتعارضة في النظامين المكونين.
2-الجمع بين وسائل النظامين لإختيار الحكام.
3-مشاركة الأغنياء والفقراء في الجمعية العمومية لمناقشة شؤون الدولة المختلفة.

وأخيرا فإن نظام أرسطو المثالي هو دمج عناصر من النظامين الديمقراطي والأوليجاركي لتكوين النظام المختلط الدستوري الذي يحفظ التوازن ويحقق الإنسجام بين المبادئ المتعارضة بأخذ الحل الوسط بينهما والحل الوسط يأتي عن طريق الطبقة المتوسطة
الصالحة التي لم يفسدها الغنى الفاحش أو يحطمها الفقر المطقع .

وقد نبه أرسطو أن النظام المثالي يختلف من دولة إلى أخرى بإختلاف البيئة والظروف الجغرافية والإقتصادية والإجتماعية وطبيعة الشعب وأخلاقه فقد يكون لدولة نظام مثالي ولكنه لا يصلح لغيرها لظروف خاصة بها .

وقد صدقت مقولة كارل بوير عن نظام أرسطو المختلط وهي أن نظامه يجمع مثالية أفلاطون وأفكار ديمقراطية وملكية موزونة.

معاهدة لوزان . 1923

كاتب الموضوع الأصلي: محمد صابان 32

معاهدة لوزان وتعرف أحيانا باسم “معاهدة لوزان الثانية” (تم توقيعها في 24 يوليو/تموز 1923) كانت معاهدة سلام وقعت في لوزان، سويسرا تم على اثرها تسوية وضع الأناضول وتراقيا الشرقية (القسم الأوروبي من تركيا حاليا) في الدولة العثمانية وذلك بابطال معاهدة سيفر التي وقعتها الدولة العثمانية كنتيجة لحرب الاستقلال التركية بين قوات حلفاء الحرب العالمية الأولى والجمعية الوطنية العليا في تركيا (الحركة القومية التركية) بقيادة مصطفى كمال أتاتورك. قادت المعاهدة إلى اعتراف دولي بجمهورية تركيا التي ورثت محل الإمبراطورية العثمانية.

حددت المعاهدة حدود عدة بلدان مثل اليونان وبلغاريا وتركيا والمشرق العربي. تنازلت فيها تركيا عن مطالبها بجزر دوديكانيسيا (الفقرة 15) وقبرص (الفقرة 20) ومصر والسودان (الفقرة 17) والعراق وسوريا (الفقرة 3)، كما تنازلت تركيا عن امتيازاتها في ليبيا التي حددت في الفقرة 10 من معاهدة أوشي بين الدولة العثمانية ومملكة إيطاليا في 1912 (كامل الفقرة 22 في معاهدة لوزان 1923). في المقابل، أعيد ترسيم الحدود مع سوريا بما يشمل ضم أراض واسعة وتضم من الغرب إلى الشرق مدن ومناطق مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش واورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر.

ألف المؤرخ والكاتب التركي “قدير مصراوغلو” كتاباً بعنوان “معاهدة لوزان، انتصار أم خدمة؟!” ينتقد فيه المعاهدة والقائمين عليها من الطرف التركي حيث يقول إن الاتراك (في توقيع معاهدة لوزان) تخلوا عن قيادة المسلمين ورضوا بقطعة صغيرة من الأرض.

مجالات الليبرالية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الداود 20

تعددت مجالات الليبرالية بحسب النشاط الإنساني . وذلك أن الليبرالية مفهوم شمولي يتعلق بإدارة الإنسان وحريته في تحقيق هذه الإرادة فكل نشاط بشري يمكن أن تكون الليبرالية داخلة فيه من هذه الزاوية ، وبهذا الاعتبار.
” إن خصوصية الليبرالي عامة أنه يرى في الحرية أصل الإنسانية الحقّة وباعثة التاريخ. وخير دواء لكل نقص أو تعثر أو انكسار “

وأبرز هذه المجالات شهرة : المجال السياسي ، والمجال الاقتصادي.
أولاً : ليبرالاية السياسة
في موسوعة لالاند الفلسفية: ” الليبرالية: مذهب سياسي يرى أن من المستحسن أن تزاد إلى أبعد حد ممكن استقلالية السلطة التشريعية والسلطة القضائية بالنسبة إلى السلطة الإجرائية التنفيذية ، وأن يعطى للمواطنين أكبر قد من الضمانات في مواجهة تعسف الحكم”.
ويقول منير البعلبكي : ” الليبرالية liberalism فلسفة سياسية ظهرت في أوربا في أوائل القرن التاسع عشر.. تعارض المؤسسات السياسية والدينية. التي تحد من الحرية الفردية ، وتنادي بأن الإنسان كائن خيّر عقلاني ، وتطالب بحقه في التعبير وتكافؤ الفرص والثقافة الواسعة.
وتعتبر الديمقراطية من النظم الليبرالية التي تسعى لإعطاء الفرد حقوقه وهي نوع من التطبيق العلمي للفكر الليبرالي. يقول الدكتور حازم البيلاوي : ” فنقطة البدء في الفكر الليبرالي هي ليس فقط أنها تدعو للديمقراطية بمعنى المشاركة في الحكم ، ولكن نقطة البدء هو أنه فكر فردي يرى أن المجتمع لا يعدو أن يكون مجموعة من الأفراد التي يسعى كل فرد فيها إلى تحقيق ذاته وأهدافه الخاصة.
وقد أعطت الديمقراطية كنظام سياسي جملة من الحريات السياسية مثل : حرية الترشيح ، وحرية التفكير والتعبير ، وحرية الاجتماع ، وحرية الاحتجاج ، كما أعطت جملة من الضمانات المانعة من الاعتداء على الأفراد وحرياتهم مثل : ضمان الاتهام ، وضمان التحقيق ، وضما التنفيذ، وضمان الدفاع”.
“وقد أدّت الثورات الليبرالية إلى قيام حكومات عديدة تستند إلى دستور قائم على موافقة المحكومين.وقد وضعت مثل هذه الحكومات الدستورية العديد من لوائح الحقوق التي أعلنت حقوق الأفراد في مجالات الرأي والصحافة والاجتماع والدين.كذلك حاولت لوائح الحقوق أن توفر ضمانات ضد سوء استعمال السلطة من قبل الشرطة والمحاكم”.
ومع ذلك فإن الليبرالية تطالب من الدول الديمقراطية مزيداً من الحريات تطالب بالتخفف من السلطة على الأفراد ليحصل بذلك الفرد على حريته.
ويرى سبنسر أن وظائف الدولة يجب أن تحصر في الشرطة والعدل والدفاع العسكري بمواجهة الأجنبي.
ويظهر من ذلك المطالبة بغياب الدولة إلا فيما يتعلق بالحماية العامة للمجتمع ، وهذا هو رأي الليبراليين الكلاسيكيين. وقد انقرض هذا الرأي في الليبرالية المعاصرة التي جنحت إلى اعتبار الحرية الفردية هدفاً ولو بتدخل الدولة . بينما كان المذهب الأساسي عند الكلاسيكيين المطالبة بغياب الدولة مهما تكن نتائجه على الفرد.
وقد اختلف الليبراليون الكلاسيكيون مع الديمقراطيين في من يملك حق التشريع العام ، فالديمقراطيون يرون أن الأكثرية هي التي تقرر وتشرع وتمسك بزمام السلطة. أما الليبراليون فقد اهتموا بحماية الفرد من الأذى، وأن هذا هو مهمة القانون بدل التشديد على حق الآخرين بسبب الأكثرية ، وهذه من نقاط التصادم بينهم”.
ولكن الليبرالية اختلفت في الواقع المعاصر عمّا كانت عليه سابقاً.
ويمكن أن نطلق على التوجه الجديد ( الليبرالية الجديدة ) وبرروا ذلك بأنه نتيجة لعدم مسايرة الليبرالية التقليدية للتطور الذي شهده العالم كان ذلك هو السبب في ولادة ليبرالية جديدة تتلاءم وظروف المجتمع الجديد ، وهي ليبرالية ما بعد الحرب العالمية الثانية.
والفرق بينهما فيما يتعلق بالسياسة هو :
أن دور الدولة في ظل النظرة الجديدة يجب أن يكون أكبر ، فلها مهمة أساسية هي تحديد الإطار القانوني للمؤسسات التي يدور فيها النشاط الاقتصادي ، وقد حدد منظرو الليبرالية الجديدة دور الدولة الذي يجب أن تقوم به بما يلي :-
1-أن تعمل كل جهدها ضد التضخم والانكماش.
2-أن تحد بشكل معتدل من سلطة الاحتكار وبشكل تتابعي.
3-أن تؤمم فقط الاحتكارات التي لا يمكن للقطاع الخاص.
4-أن تتحمل كافة الخدمات العامة.
5-أن تعطي الفرص والموارد بالتساوي.
6-أن تطبق التخطيط التأثيري من أجل التقليل من المخاطر التي قد تحدث.
7-أن تطبق التخطيط المركزي عندما يقتضي أن يكون هناك عمل تغير بنائي.
8-أن تتدخل عندما يكون هناك خلل في ميكانيكية السوق.

ثانياً : ليبرالية الاقتصاد
الليبرالية الاقتصادية: ” مذهب اقتصادي يرى أن الدولة لا ينبغي لها أن تتولى وظائف صناعية ، ولا وظائف تجارية ، وأنها لا يحقّ لها التدخل في العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والطبقات أو الأمم. بهذا المعنى يقال غالباً ليبرالية اقتصادية”.
ويلاحظ أن هذا التعريف واقع على الليبرالية الكلاسيكية قبل التحول الكبير الذي تم في الليبرالية الجديدة على نحو ما سيأتي.
ويقول البعلبكي ” ويطلق لفظ الليبرالية أيضاً على سياسة اقتصادية نشأت في القرن التاسع عشر متأثرة بآراء آدم سميث بخاصة ، وأكدت على حرية التجارة وحرية المنافسة ، وعارضت تدخل الدولة في الاقتصاد”.
والليبرالية الاقتصادية وثيقة الصلة بالليبرالية السياسية ، ويعتقد الليبراليون أن الحكومة التي تحكم بالحد الأدنى يكون حكمها هو الأفضل.. ويرون أن الاقتصاد ينظم نفسه بنفسه إذا ما ترك يعمل بمفرده حراً ، ويرون أن تنظيمات الحكومة ليست ضرورية.
وأبرز النظم الاقتصادية الليبرالية هو نظام ” الرأسمالية ” التي رتّب أفكاره عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث في كتابه ( ثروة الأمم ).
ويدخل في الحرية التي يطالب بها الليبراليون حرية حركة المال والتجارة ، وحرية العمل وحرية التعاقد ، وحرية ممارسة أي مهنة أو نشاط اقتصادي آخذاً من الشعار الشهير للثورة الفرنسية ” دعه يعمل دعه يمر.”
والذي يحكم قواعد اللعبة الاقتصادية وقيمها هو سوق العرض والطلب دون أي تقييد حكومي أو نقابة عمالية. فللعامل الحرية في العمل أو الترك كما لصاحب رأس المال الحرية المطلقة في توظيف العدد الذي يريد بالأجرة التي يريد.
ولكن سبق أن ذكرنا أن المفهوم الليبرالي تغير وبرزت الليبرالية الجديدة عل السطح بعد الحرب العالمية الثانية بسبب الأزمات الاقتصادية الخانقة والكساد وذلك لتمركز رأس المال وظهور الاحتكارات الصناعية الضخمة ، وانهيار قاعدة الصرف بالذهب وأزمة الثورات العمالية في ألمانيا مما جعل الحكومات تتدخل لإنعاش الاقتصاد فتغيرت الأيديولوجية الليبرالية إلى القول بأهمية تدخل الحكومة لتنظيم السوق.
وقد فصّل صاحب كتاب ” الليبرالية المتوحشة ” كيفية تدخل الدولة لإنعاش الاقتصاد وإصلاح السوق ، وبهذه المرحلة تغيب شمس الليبرالية الكلاسيكية حيث أبطل الواقع فكرة إصلاح السوق لنفسه لتبرز إلى السطح الليبرالية الجديدة بقوة.
وقد أطيل النفس في مراحل الاقتصاد الليبرالي في الكتاب سابق الذكر، ونقد فكر الليبرالية الجديدة واقعياً ببيان انحدار الازدهار الاقتصادي الذي حققته الرأسمالية بعد الحرب الكونية الثانية ، فبدأت معدلات النمو الاقتصادي في التراجع وارتفعت معدلات البطالة والطاقة المعطلة ، وانخفضت معدلات نمو الإنتاجية.

ولعل أبرز تطور جديد في الليبرالية المعاصرة هو ” ليبرالية العولمة ” ومن دلالتها الفكرية : العودة إلى الليبرالية الكلاسيكية كمفهوم ، وذلك أن من أبرز معالم العولمة : التخفيف من التدخل الحكومي في انتقال المال عبر الحدود والأسوار السياسية ، وذلك لتحقيق أعلى الأرباح ، فقد طبّقت الفلسفة الليبرالية عملياً عن طريق الشاويش السياسي الذي يحمي هذه الفكرة القديمة في الضمير الغربي.
لقد أصبح الاقتصاد وسيلة سياسية للسيطرة ، ونقل الثقافات الحضارية بين الأمم ، ولهذا فالأقوى اقتصادياً هو الأقوى سياسياًّ ولهذا اقتنعت الدول الغربية بهذه الفلسفة مع مشاهدتها لآثار الرأسمالية على الشعوب الفقيرة ، ومن خلال اللعبة الاقتصادية يمكن أن تسقط دول ، وتضعف أخرى.
وجذر العولمة الفكري هو انتفاء سيادة الدول على حدودها ومواطنيها فضلاً عن عدم سيطرتها عل النظام الاقتصادي الحر الذي كان يطالب به الليبراليون الكلاسيكيون.
يقول رئيس المصرف المركزي الألماني هناس تيتمار في فبراير من عام 1996م أمام المنتدى الاقتاصادي في دفوس ” إن غالبية السياسيين لا يزالون غير مدركين أنهم قد صاروا الآن يخضعون لرقابة أسواق المال ، لا ، بل إنهم صاروا يخضعون لسيطرتها وهيمنتها”([54])وسوف يكون قادة العالم في المرحلة القادمة ( العولمة ) هم أرباب المال ، وسدنة المؤسسات الاقتصادية الكبرى.
والعولمة مبنية على نظرية اقتصادية ينصح بها عدد من الخبراء والاستشاريين الاقتصاديين. ويقدمونها دون ملل للمسئولين عن إدارة دفة السياسة الاقتصادية على أنها أفضل نهج وهي (الليبرالية الجديدة new liberalisms) وشعار هذه النظرية (ما يفرزه السوق صالح ، أما تدخل الدولة فهو طالح )([55]).
وهذا صريح في إعادة ترميم الليبرالية الكلاسيكية والارتداد إليها بعد التغير الذي حصل بعد الحرب العالمية الثانية.

نشأة الليبرالية وتطورها

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الداود 20

نشأة الليبرالية وجذورها
نشأت الليبرالية في التغيرات الاجتماعية التي عصفت بأوربا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، وطبيعة التغير الاجتماعي والفكري يأتي بشكل متدرج بطيء.
وهي لم ” تتبلور كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع على يد مفكر واحد، بل أسهم عدة مفكرين في إعطائها شكلها الأساسي وطابعها المميز.
فالليبرالية ليست اللوكية ( نسبة إلى جون لوك 1632 – 1704 )، أو الروسووية ( نسبة إلى جان جاك روسو 1712-1778 ) أو الملّية ( نسبة إلى جون ستوارت ملْ 1806-1873 )، وإن كان كل واحد من هؤلاء أسهم إسهاماً بارزاً أو فعالاً في إعطائها كثيراً من ملامحها وخصائصها”

وقد حاول البعض تحديد بداية لبعض مجالاتها ففي موسوعة لا لاند الفلسفية “الليبرالي ( أول استعمال للفظة ) هو الحزب الأسباني الذي أراد نحو 1810م أن يدخل في أسبانيا من الطراز الإنكليزي.)
ويذكر الأستاذ وضاح نصر: ” أن الليبرالية في الفكر السياسي الغربي الحديث نشأت وتطورت في القرن السابع عشر، وذلك على الرغم من أن لفظتي ليبرالي وليبرالية لم تكونا متداولتين قبل القرن التاسع عشر.
قال منير البعلبكي :” الليبرالية(liberalism)فلسفة سياسية ظهرت في أوربا في أوائل القرن التاسع، ثم اتخذت منذ ذلك الحين أشكالاً مختلفة في أزمنة وأماكن مختلفة
والظاهر من تاريخ الليبرالية أنها كانت رد فعل لتسلط الكنيسة والإقطاع في العصور الوسطي بأوربا ، مما أدى إلى انتفاضة الشعوب ، وثورة الجماهير ، وبخاصة الطبقة الوسطي.والمناداة بالحرية والإخاء والمساواة، وقد ظهر ذلك في الثورة الفرنسية. وقد تبين فيما بعد أن هناك قوى شيطانية خفية حولت أهداف الثورة وغايتها.
وبهذا يتضح لنا أن الليبرالية في صورتها المعاصرة نشأت مع النهضة الأوربية ثم تطورت في عصور مختلفة إلى يومنا هذا.
ويرد بعض الباحثين جذور الليبرالية إلى ديمقراطيّ أثينا في القرن الخامس قبل المسيح، والرواقين في المراحل الأولى من المسيحية، ثم حرك الإصلاح البروتستانتية.
وقد ذكر البعلبكي أن في حركة الإصلا الديني توجهاً ليبرالياً فقال: ” كما يطلق لفظ الليبرالية كذلك على حركة في البروتستانتية المعاصرة تؤكد على الحرية العقلية .
يقول الدكتور علي بن عبد الرزاق الزبيدي: ” ومن الصعب تحديد تاريخ معين لنشأة الليبرالية فجذورها تمتد عميقة في التاريخ.
ويعتبر جون لوك من أوائل الفلاسفة الليبراليين وفلسفة تتعلق بالليبرالية السياسية.

تطور الليبرالية :
أخذت الليبرالية أطواراً متعددة بحسب الزمان والمكان وتغيرت مفاهيمها في أطوارها المختلفة ، وهي تتفق في كل أطوارها على التأكيد على الحرية وإعطاء الفرد حريته وعدم التدخل فيها.
ويمكن أن نشير إلى طورين مهمين فيها:

أولاً : الليبرالية الكلاسيكية :
يعتبر جوك لوك ( 1704م ) أبرز فلاسفة الليبرالية الكلاسيكية، ونظريته تتعلق بالليبرالية السياسية، وتنطلق نظريته من فكرة العقد الاجتماعي في تصوره لوجود الدولة، وهذا في حد ذاته هدم لنظرية الحق الإلهي التي تتزعمها الكنيسة.
وقد تميز لوك عن غيره من فلاسفة العقد الاجتماعي بأن السلطة أو الحكومة مقيدة بقبول الأفراد لها ولذلك يمكن بسحب السلطة الثقة فيها([34]).
وهذه الليبرالية الإنكليزية هي التي شاعت في البلاد العربية أثناء عملية النقل الأعمى لما عند الأوربيين باسم الحضارة ومسايرة الركب في جيل النهضة كما يحلو لهم تسميته.
يقول القرضاوي : ” وهي التي يمكن أن يحددها بعضهم بـ” ليبرالية ألوكز” وهي التي أوضحها جوك لوك وطورها الاقتصاديون الكلاسيكيون ، وهي ليبرالية ترتكز على مفهوم التحرر من تدخل الدولة في تصرفات الأفراد،سواء كان هذا في السلوك الشخصي للفردأم في حقوقه الطبيعية أم في نشاطه الاقتصادي آخذاً بمبدأ دعه يعمل”([35]).
وقد أبرز آدم سميث (1790م) الليبرالية الاقتصادية وهي الحرية المطلقة في المال دون تقييد أو تدخل من الدولة.
وقد تكونت الديمقراطية والرأسماليّة من خلال هذه الليبرالية، فهي روح المذهبين وأساس تكوينها، وهي مستوحاة من شعار الثورة الفرنسية ” دعه يعمل ” وهذه في الحرية الاقتصادية ” دعه يمر ” في الحرية السياسية. وسيأتي التفصيل في مجالات الليبرالية.

ثانياً : الليبرالية المعاصرة :
” تعرضت الليبرالية في القرن العشرين لتغيّر ذي دلالة في توكيداتها. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأ العديد من الليبراليين يفكرون في شروط حرية انتهاز الفرص أكثر من التفكير في شروط من هذا القيد أو ذاك. وانتهوا إلى أن دور الحكومة ضروري على الأقل من أجل توفير الشروط التي يمكن فيها للأفراد أن يحققوا قدراتهم بوصفهم بشراً.
ويحبذ الليبراليون اليوم التنظيم النشط من قبل الحكومة للاقتصاد من أجل صالح المنفعة العامة. وفي الواقع، فإنهم يؤيدون برامج الحكومة لتوفير ضمان اقتصادي، وللتخفف من معاناة الإنسان.
وهذه البرامج تتضمن : التأمين ضد البطالة ، قوانين الحد الأدنى من الأجور ، ومعاشات كبار السن ، والتأمين الصحي.
ويؤمن الليبراليون المعاصرون بإعطاء الأهمية الأولى لحرية الفرد ، غير أنهم يتمسكون بأن على الحكومة أن تزيل بشكل فعال العقبات التي تواجه التمتع بتلك الحرية.
واليوم يطلق على أولئك الذي يؤيدون الأفكار الليبرالية القديمة : المحافظون([36]).
ونلاحظ أن أبرز نقطة في التمايز بين الطورين السابقين هو في مدى تخل الدولة في تنظيم الحريات ، ففي الليبرالية الكلايسيكية لا تتدخل الدولة في الحريات بل الواجب عليها حمايتها ليحقق الفرد حريته الخاصة بالطريقة التي يريد دون وصاية عليه ، أما في الليبرالية المعاصرة فقد تغير ذلك وطلبوا تدخل الدولة لتنظيم الحريات وإزالة العقبات التي تكون سبباً في عدم التمتع بتلك الحريات.
وهذه نقطة جوهرية تؤكد لنا أن الليبرالية اختلفت من عصر إلى عصر ، ومن فيلسوف إلى آخر ، ومن بلدٍ إلى بلدٍ ، وهذا يجعل مفهومها غامضاً كما تقدم.
وقد تعرف الليبرالية تطورات أخرى في المستقبل ، ولعل أبرز ما يتوقع في الليبرالية هو التطور نحو العولمة التي هي طور ليبرالي خطير وسيأتي الإشارة إليه في المبحث الرابع.

الليبرالية عند جون ستوارت مل

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الداود 20

يعتبر (ملْ) من أبرز المفكرين الغربيين الذين نظّروا للفلسفة الليبرالية من خلال كتابه (في الحرية – on librty) – والذي أصبح المصدر الأساسي لفكر الليبراليين العرب من أمثال أحمد لطفي السيد , وطه حسين , وحسين هيكل .
أخذ (مل)موضوع الليبرالية من الجهة التطبيقية والاجتماعية ولم يناقشها من الناحية الفلسفية المجردة فيقول :”لا يتناول هذا المقال ما يسمى حرية الإرادة , وهي التي تتعارض مع ما يدعى خطأ بفلسفة الضرورة , ولكنه بحث في الحرية المدنية الاجتماعية”.
وقد تحدث (مل) عن حركة الفكر وقال عن المعتقدات الدينية :”ولاأقول أن الاعتقاد بصدق العقيدة مدعاة للعصمة , بل إن ماأقوله إن ادعاء العصمة معناه إجبار الغير على قبول ما نراه في العقيدة دون أن نسمع رأيه فيها , ولا أستطيع أن أدعي العصمة حتى وإن كانت لحماية أعز معتقداتي”.
ويقيد مل الحرية حتى لاتصبح انفلاتية متناقضة فيقول :”كلما تعين ضرر واقع أو محتمل, إما للفرد وإما للعموم ينزع الفعل الذي يتسبب في الضرر من حيّز الحرية ليلحق بحيّز الأخلاق أو بحيّز القانون”.
ويقول :”إن ما يخص الفرد وحده هو من حقوقه , ومايخص المجتمع فهو حق للمجتمع”.
ويرى مل أن الدولة لابد أن يكون لها حَدّ معين تقف عنده لينمو رصيد الحرية عند الأفراد سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو غيره وأنه بدون ذلك سيتحول الأمر إلى استبداد حتى لو كان هناك حرية في مجال معين أو انتخاب تشريعي.
يقول مل :
“إذا كانت الطرق والسكك والبنوك ودور التأمين والشركات بالمساهمة والجامعات والجمعيات الخيرية كلها تابعة لإدارة الحكومة , وإذا أصبحت – زيادة على ماسبق – البلديات والجماعات المحلية مع مايترتب عنها اليوم من مسؤوليات , أقساماً متفرعة عن الإرادة المركزية, إذا كانت الحكومة هي التي تعيّن موظفي تلك المصالح وتكافؤهم بحيث يعود أملهم في تحسين معاشهم معقوداً عليها , إذا حصل كل هذا , حينئذ تصبح الحرية اسماً بلا مسمى , رغم المحافظة على حرية الصحافة وعلى انتخاب المجلس التشريعي بالاقتراع العام”.
ورغم أن الديمقراطية من إفرازات الليبرالية إلا أن (مل) ينتقد الديمقراطية لأنه يعتبرها هيمنة للأكثرية على حرية الأقلية ولو كان فرداً واحداً.
يقول ملْ:
“إن مشكلة الحرية تُطرح بإلحاح داخل الدولة الديمقراطية.. بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية بقدر ما ينقص ضمان الحرية الفردية”.
ويقول عن إنجلترا :”ليست هذه البلاد وطناً لحرية الفكر”.
وتوضيح ذلك :
أن من مقومات الليبرالية المهمة ضرورة الاعتراض والمغايرة لينمو بذلك الفكر الحر أما إذا كانت الأمور مسلمة لا تحتمل النقد يجمد الفكر ويضمحل الابتكار.
يقول :”عندما نقبل أن تكون المبادئ مسلمات لاتحتمل النقد , وأن تكون المسائل الكبرى التي تهم البشر موضحة بدون نقاش محدد , حينذاك يضمر النشاط الفكري الذي طبع الفترات الذهبية من تاريخ الإنسان”.
ويعتبر ذلك من أبرز صور الاستبداد لأن مخالفة الجمهور وحيوية النقاش وبلورة الشخصية الفردية هي أساس التطور والتقدم والتحديث , ومن لم يكن كذلك فلا تاريخ له بالمعنى الحقيقي .
يقول (مل):
“إن القسم الأكبر من الإنسانية لا يملك تاريخاً بالمعنى الحقيقي لأنه يئن تحت وطأة الاستبداد”.

الدين في كتاب ستوارت ملْ
يرى ملْ أن المجتمع الديني غير ليبرالي لأنه مجتمع في نظامه للحكم فردي استبدادي , ونظامه الاجتماعي العام مؤسس على الإجماع في الرأي وعلى تحريم النقد والنقاش المفتوح.
وهو ينتقد كل دين أو مجتمع متشدد في قوانينه الأخلاقية والدينية أي التي يضعها فوق النقاش . بما في ذلك المجتمع اليوناني في زمن نهضة العلوم , والإصلاح الديني (البروتستانت) والمجتمع الإنجليزي والأمريكي .
ويصرح ملْ بنقد الدين في اعتراضه على تحريم تجارة الخمر ,فيقول :”إن التحريم يمس حرية الفرد لأنه يفترض الفرد لا يعرف مصلحته”
وكذلك تحريم أكل لحم الخنـزير , فيقول :”إن للمسلمين الحق في تجنبهم لحم الخنـزير لأنهم يعافونه , لكنهم عندما يحتقرون غيرهم ممن لا يعافه ويأكله , فإنهم يمسون بحرية ذلك الغير”.
وهو يعارض فكرة الحسبة لأنه يعتبر ذلك وضعاً للنفس في موضع الإله , يقول :”إن الناس عندما ينهون غيرهم عن المنكر يعتقدون أن الله لا يكره فقط من يعصي أوامره , بل سيعاقب أيضاً من لم ينتقم في الحال من ذلك العاصي”.ومن الطريف أن ستوارت ملْ يعود إلى الاعتراف بأهمية الحسبة ويناقض نفسه لمّا طرح الأسئلة التالية : هل يجوز السماح ببيع السم أو التبغ أو الخمر ؟ هل يسمح للمرء أن يبيع نفسه لغيره ؟ هل يجب إجبار المرء على التعلم ؟ هل يجب تحديد النسل ؟ ولنقارن الآن بين قول ملْ الآتي وبين إنكاره مفهوم الحسبة بأنه اتهام للإنسان أنه لا يعرف مصلحته يقول :”في كل قضية من القضايا السابقة إن عدم تدخل الدولة قد يؤدي إلى أن يضر المرء نفسه بنفسه : أن يبقى جاهلاً أو أن يبذر ماله أو أن يسمم أقرباءه أو أن يبيع نفسه , ولكن إذا تدخلت الدولة ومنعت بعض الأنشطة , فسيكون المنع بالنسبة للرجل العاقل تجنياً على حقه في التصرف الحر”.

ويقول :” إذا كانت الدولة مسؤولة على تغذية الفقراء فلها الحق أن تحد النسل , أما إذا تركت الناس ينجبون كما شاؤوا فليس عليها أن تعيل الفقراء”
وهنا يناقض ملْ نفسه في عدة قضايا :
– في تدخل الدولة للمصلحة لأنه ليس كل إنسان يعرف مصلحة نفسه .
– في إبطال قاعدة أن الإنسان يعرف مصلحته ولا يحتاج إلى وصاية .
– في إنكار مبدأ الحسبة وتقييد الحريات المطلقة.