أ.د. أحمد محمد وهبان

أسطورة الملك آرثر

كاتب الموضوع الأصلي: ياسر العبيدي5

تعد أسطورة الملك آرثر Arthurian legend واحدة من سلسلة الأساطير الكلتية Celtic التي ارتبطت بأبناء شعب ويلز الذين غزتهم قبائل الأنكلو سكسون، وأخرجتهم من إنكلترة، ثم غزاهم فيما بعد النورمنديون. وتدور الأسطورة حول شخصية الملك آرثر وفرسانه.

قصة الأسطورة

آرثر هو ابن أُثر بيندراغون Uther Pendragon ملك بريطانية، والدته ايغرين Igraine التي كانت زوجة غورلويس أوف كورنويل Gorlois of Cornwall والتي استمالها أُثر بوساطة السحر. توّج آرثر ملكاً بعد وفاة أبيه، حين كان في الخامسة عشرة من العمر. وكان يملك سيفاً سحرياً يدعى اكسكاليبور Excalibur يقال إن سيدة البحيرة Lady of the Lake أعطته إياه، وبسيفه هذا غزا كلاً من اسكتلندة وإيرلندة وإيسلندة واسكندنافية وبلاد الغال وجزر الأوركني Orkney، تزوج فيما بعد من سيدة نبيلة تدعى غوانهامارا Guanhamara أو (جنيفر Guinevere) وكان بلاطه في كاميلوت Camelot. ويقال إن أخته مورغان لو فاي Morgan le Fay كانت من ألد أعدائه، وظهرت في الأسطورة ساحرة شريرة تخطط مع حبيبها للاستيلاء على العرش، وظهرت أحياناً أخرى ملكة محبة للخير وتطابقت صورتها أحياناً أخرى مع سيدة البحيرة.

طلب الامبراطور الروماني لوسيوس Lucius of Rome من الملك آرثر أداء ما وجب عليه للامبراطورية، ولكن آرثر رفض وأعلن الحرب على الامبراطور الروماني وترك زوجته والمملكة تحت رعاية ابن أخيه مودرد Modred. وحين كان آرثر على وشك الدخول إلى رومة لمواجهة الامبراطور، علم أن مودرد استولى على العرش وسجن زوجته. عاد آرثر إلى بلاده فتراجع مودرد إلى كورنويل حيث لقي حتفه هو وكل فرسانه في المعركة التي واجه بها الملك آرثر ولكن ليس قبل أن يجرح الملك جرحاً بليغاً، أُخذ بعدها إلى جزيرة أفالون Avalon لتشفى جراحه ويعود يوماً ما إلى شعبه، ويقال إن زوجته أصبحت راهبة هناك.

أما فرسان الملك آرثر فهم عدة من أهمهم: سير تريسترام Sir Tristram الذي تورط بعلاقة حب غير شرعية ومأساوية مع الملكة إيسولد Isolde زوجة عمه الملك مارك، وسير لونسيلوت Sir Launcelot الذي تورط أيضاً بعلاقة حب غير شرعية مع غوانهامار زوجة الملك آرثر نفسه. وهناك عدد آخر من الفرسان ذوي الأهمية في الأسطورة مثل: سير بيلياس Sir Pelleas الذي وقع في حب فتاة فظة القلب تدعى ايتار Ettarre، وسير غاوين Sir Gawain ابن أخ الملك آرثر الذي كانت له مواقف بطولية وفروسية، وسير بالين Sir Balin وسير بالان Sir Balan الأخوين اللذين قتل أحدهما الآخر، وسير غالاهاد Sir Galahadابن لونسيلوت الذي انتقلت إليه مهمة البحث عن الكأس المقدسة، وسير بيرشيفال Sir Percivale، وسير غاريث Sir Gareth، وسيرجيرينت Sir Geraint وسير بيديفر Sir Bedivere، وغيرهم من فرسان المائدة المستديرة ولكن تظل شخصية الملك آرثر محور الأسطورة.

لشخصية الملك آرثر عدة جوانب:

الجانب التاريخي الذي ظهر في كثير من كتب التاريخ اللاتينية والفرنسية والإنكليزية التي أبرزت الملك آرثر شخصية تاريخية حقيقية وقائداً عسكرياً دافع عن الشعب البريطاني إزاء هجمات الأنكلوسكسون.

ظهرت الإشارات الأولى إلى اسم الملك آرثر في كتب المؤرخ البريطاني غيلداس Gildas عام 540م ثم ورد في قصيدة بعنوان Gododdin عام 600م.

ورد ذكر الملك آرثر مطولاً في كتاب بعنوان «تاريخ بريطانية» Historia Britonum عام 800م يذكر فيه الكاتب نينّيوس Nennius كيف دافع الملك آرثر عن شعبه وحارب الأنغلوسكسون في اثنتي عشرة معركة وانتصر عليهم. ثم جاء ذكر الملك آرثر في حوليات تاريخ ويلز Annales Cambriae عام 1000م. تذكر هذه السلسلة أن الملك آرثر حارب عام 518 في معركة جبل بادون Mount Badon وهو يحمل صليب السيد المسيح على كتفيه وأنه سقط في معركة كاملان Camlan عام 539م.

أما الجانب الأسطوري فقد ظهر حين تطورت قصة الملك آرثر ونُسجت حوله أساطير عدة أضافت إليه صفات بطولية وسمات إلهية.

ظهر هذا الجانب للملك آرثر في كتاب آخر بعنوان «تاريخ بريطانية» Historia Regum Britanniae عام 1135 للكاتب الويلزي جيفري أف مونموث Geoffrey of Monmouth الذي جمع معلوماته من كتّاب وشعراء قدامى ومن التراث الويلزي وبمساعدة خياله أضاف إلى صورة الملك آرثر، القائد التاريخي البطل، صفات الأسطورة والفروسية والمغامرة حتى بات من الصعب تمييز الجزء الواقعي من الأسطورة من الجزء الخيالي أو التراثي.

أما صورة الملك آرثر الفارس فقد نمت بنمو الفروسية في العصور الوسطى فجاءت الأسطورة لتبرز روح الفروسية ومثلها ومنجزاتها. وضع الكاتب النورمندي ويس Wace مؤلفاً بالفرنسية بعنوان «رواية بروت» Roman de Brut عام 1155م مزج فيه الأسطورة التي اقتبسها من كتاب مونموث بالفروسية. ومنه اقتبس الكاتب الإنكليزي لايمون Layamon وأضاف إلى شخصية الملك آرثر صفات أخرى كالبطولة والقومية والسحر في كتاب بعنوان «بروت» Brut عام 1200م.

ثم تطورت الأسطورة فيما بعد في مؤلفات عدد كبير من كتاب القرون الوسطى وكان أكثرها أهمية مؤلف الكاتب توماس مالوري Thomas Malory الذي ظهر عام 1480 بعنوان «موت آرثر» Morte d’Arthur وهي النسخة المعتمدة للأسطورة باللغة الإنكليزية التي استند إليها كثير من الكتاب الذين أتوا بعده.

وامتزجت الأسطورة فيما بعد بالشعور الوطني البريطاني، في العهد الاليزابيثي خاصة، بسبب تنامي هذا الشعور حينذاك وأصبحت مادة إلهام غنية لكثير من الشعراء وكتاب المسرح. قدمت مسرحية بعنوان «سوء حظ آرثر» The Misfortunes of Arthur للكاتب توماس هيوز Thomas Hughes بحضور الملكة إليزابيث عام 1588. وفي عصر عودة الملكية في إنكلترة كتب جون درايدن John Dryden عام 1691 أوبرا بعنوان «الملك آرثر» King Arthur. وفي العصر الفكتوري كتب ألفرد تنيسون Alfred Tennyson قصيدة بعنوان «أنشودة الملك» Idylls of the King.

وعموماً، تعد أسطورة الملك آرثر من أكثر الأساطير شعبية حتى اليوم، فهي ما تزال تظهر في الأفلام السينمائية وفي كتب الأطفال، وهناك مقولة خرافية تقول إن الملك آرثر لم يمت وإنه سيعود يوماً ليحكم بريطانية.

مشكلات الحدود بالوطن العربى –::::::◄

كاتب الموضوع الأصلي: ياسر العبيدي5

مشكلات
الحدود بالوطن العربي :-

قدرت الحدود السياسية البرية للدول
العربية بحوالي 34.492كم ، وقد كان ظهورها في منطقة أفريقيا العربية أقدم
من ظهورها في غيرها من المناطق العربية الأخرى ، ويبلغ متوسط عمر الحدود
العربية المرسومة حوالي 70 عاماً فقط . ويمثل ترسيم الحدود أهمية كبيرة لدى
رجال القانون والعسكريين والسياسيين والمؤرخين فضلاً عن الجغرافيين وغيرهم
. فهي بالنسبة للرجال القانون تفصل بين نظامين قانونيين لهما سيادتهما ،
وفي أنها في نظر العسكريين منطقة الدفاع الأساسية ومن الناحية السياسية فإن
الحدود هي تعيين للمدى الذي يمكن أن تبلغه السلطة السيادية ، واهتمام
الجغرافيين والمؤرخين بموضوع الحدود في أساسه راجعاً لحاجة أكاديمية ، بل
ويساهم الجغرافي عملياً في حل مشاكل الحدود السياسية .

ويعد الخطر كل الخطر من حدود الدول
العربية في أنها قد تم رسمها بفعل السياسة ، وفي أغلب الأحيان لا تكون
متطابقة مع منطق الجغرافيا أو وثائق التاريخ ، ومن هنا يبدو أن الحدود في
الوطن العربي خططت وفق الصراعات والمصالح الأجنبية الاستعمارية في كثير من
الأحيان .

ونتيجة الخلافات الحدودية في الوطن
العربي ، أصبحت النزاعات والصدمات المسلحة ، في سبيل الحصول على مكاسب
إقليمية أو اقتصادية ، فالصدمات العسكرية بين العراق وإيران ، وغزو العراق
للكويت ، واحتلال ليبيا لشمال تشاد ، والمعارك في الصحراء الغربية لم تسفر
إلا عن خسائر هائلة في الموارد الاقتصادية والبشرية ، وتعتبر مشاكل الحدود
هذه هي أهم العوامل على الإطلاق في زعزعة الصف العربي ووحدته بل أن إذكاء
هذه المشاكل الحدودية بين الدول العربية بين الحين والحين تعد أهم عراقيل
التكتل الإقتصادى العربى بكل ضروريات وجوده وتفعيله ، ليس الأمر عند هذا ،
ولكن سببت مشاكل الحدود بين الدول الغربية وجاراتها مشاكل حدودية أخرى تمثل
تهديداً قائماً وصراعات لا تنتهي أيضاً .

وفيما يلي سوف يتم تقسيم المشاكل
الحدودية بالوطن العربي إلى قسمين ، الأول خاص بمشاكل الحدود بين الدول
العربية فيما بينها ، والثاني خاص بمشاكل الحدود بين الدول العربية
وجاراتها الأخرى :

أولاً : مشاكل الحدود
بين الدول العربية بعضها البعض :-

1-مشاكل الحدود
بين السعودية وجيرانها :-

تشترك السعودية مع سبع دول في حدودها
السياسية وهذا في حد ذاته من الميزات للحدود السعودية ولما تتمتع به
الأراضي المقدسة من تقدير ورغبة في قلوب كافة الدول العربية ، والحدود بين
السعودية وكافة دول الجوار ممتازة فيما عدا حدودها مع اليمن والعراق إذ
يصيبها شئ من التوتر .

-حدود السعودية
– اليمن :- يعود النزاع الحدودي بينهما منذ 1925 ، عندما
اليمن الأدارسة من عسير بنية ضم هذا الإقليم إليها وذلك بمساعدة الإيطاليين
وتحريض اليمن لأهل عسير بالثورة ضد السعودية .

كان ذلك أحد الأسباب الأساسية لبدء
النزاع بين البلدين ، إلى جانب الاستعمار البريطاني لجنوب اليمن كان دافعاً
أخر لحكومة اليمن في تعويض نفوذها هناك بالاتجاه شمالاً ومحاولة ضم عسير
وبالتالي تعزيز صورة نظام الحكم داخلياً وخارجياً.ولكن هذه الحدود بين
السعودية واليمن قدتم الاتفاق عليها مؤخراً وإنهاء النزاع تماماً في
اتفاقية بجدة عام 2000 ـ حدود السعودية ـ العراق: تعود بوادر الصراع
الحدودي بين البلدين عقب الحرب العالمية الأولي ، فلم يكن معروفاً من قبل
ذلك حدوداً سياسية في شبه الجزيرة العربية أو في العراق أو في الشام ..
وتعد أسباب المشاكل الحدودية ، في عمليات انتقال القبائل بحثاً عن الكلأ
والماء دون اعتبارات للحدود الجديدة بين البلدين ، كما أن قيام بعض القبائل
على طرفي مناطق التخوم بتغيير ولاءها السياسي لأي الدولتين حسب مصالحها ،
كما ساهمة بريطانيا في تفعيل هذه المشكلة ، لستمرار نفوذها في المنطقة .
ففي العشرينات والثلاثينيات من القرن العشرين حاولت بريطانيا إحاطة الدولة
السعودية الناشئة بطوق من الإمارات الهاشمية الخاضعة لها في الشمال ، ومن
جهة ثانية حاولت بريطانيا إظهار مدى حاجة العراق إليها ،كما أن غارات
الأخوان التابعيين للسعودية وبعض القبائل الأخرى أضافت كثيراً إلى حدت
النزاع ، كما أن الحكم الهاشمي في العراق كان ميالاً في البداية للضغط على
أطراف الدولة السعودية لاعتبارات سياسية خاصة بالحجاز وسقوطه في يد القوات
السعودية .. في المقابل سعت السعودية دائماً لتأمين أطراف حدودها رداً على
محاولات تهديد أمنها وسلامتها الإقليمية ، ولذلك سعت الدولتان لاستقطاب
الولاء القبلي والعشائري في مناطق النزاع ولكن هذا النزاع السعودي العراقي
انتهت نتائجه بصورة طيبة للغاية ، فقد توصل الطرفان في اتفاقية المحمرة
والعقير عام 1922م إلى إيقاف غارات القبائل وحماية طرق قوافل الحجاج وتعيين
خط الحدود بين البلدين وإنشاء المنطقة المحايدة ، أما إتفاق جدة 1975 ،
فقد اتفق الطرفان على ترسيم الحدود واقتسام المنطقة المحايدة ومنذ 1922 – 1990 ظلت الحدود بين البلدين هادئة ولكن الحشد
العسكري العراقي على الحدود السعودية أعاد التوتر من جديد .

2- مشاكل الحدود
بين العراق – الكويت :-

تعد هذه المشكلة أخطر المشكلات
الحدودية بين دولتين عربيتين أدت إلى انقسام الصف العربي صف مؤيد للعراق
وآخر معارض له ، ولكي نتفهم أبعاد هذه المشكلة بصورة أكثر وضحاً ، فلابد أن
نعرف عن الكويت أنه ، يقع على رأس الخليج العربي الذي يخرج منه خليج
الكويت أيضاً ، الذي هو نتاج حركات القشرة الأرضية كمصب لنهر قديم حولتة
حركات القشرة الأرضية إلي هذا الخليج الذي اكتسب أسمه من الكويت وقد حمى
هذا الخليج سواحل الكويت من أنواء الخليج العربي وعواصفه العاتية ، لهذا
كان ملجأ للسفن عندما أتيحت الفرصة لمعرفة مزاياه بداية الثامن عشر . وتعد
الكويت نهاية الطريق البحري للمحيط الهندي وخليج عمان ـ الذي يلتقي مع طرق
القوافل عبر الرافدين وغرباً إلى ساحل البحر المتوسط – أي أنها مركز الاتقاء بين الطريق البحر والبري ،
لهذا ازدهرت بها تجارة الصادر والوارد على حساب ميناء البصرة ، كما أن
ميناء الكويت يقع في نطاق شاطئ اللؤلؤ العظيم ، عندما كان اللؤلؤ تجارة
رابحة فحرصت السلطات التركية على بسط سيادتهم عليها .

كما أن موقع الكويت أهلها لتكون
مركزاً دولياً للبريد بين أوروبا وساحل البحر المتوسط وبين موانئ المحيط
الهندي .

كما سلطت عليها الدول الأوروبية
الضوء لاختيارها نهاية لسكة حديد بغداد ، ذلك عن الكويت في القرنين الثامن
عشر والتاسع عشر أما في القرن العشرين فقد اكتشف نفطها عام 1938 في حقل
البرقان ثم توالت الاكتشافات حتى أصبحت الكويت ذات احتياطي ضخم بالإضافة
إلى أنها تنتج ما يزيد 1.5 مليون برميل يومياً .

تتركز أسباب الصراع بين البلدين في
رغبة العراق في ضم الكويت ، فضيق المنفذ البحري العراقي على الخليج العربي
والموقع المميز مع الموارد البترولية الصخرة للكويت تشكل أسباباً أساسية
لبدء الصراع الذي قام على كثير من الحجج والادعاءات القانونية والسياسية ،
فالعراق يؤكد أن الكويت كانت جزءً من ولاية البصرة العثمانية . وعليه فإن
له الحق في وراثة الدولة العثمانية في الكويت ، واستند العراق أيضاً على
الاستفزازات المزعومة التي يقوم بها الكويت فيما يخص بتروله ومراكزه
الحدودية ، وعلى الجانب الكويتي فقد أكدت أنها لم تكن تحت الحكم العثماني
أساساً ، ثم أن العراق لم يكن دولة مستقلة في ذلك الوقت حتى يرث النفوذ
العثماني في الكويت وتؤكد بعض المصادر أن حاكم الكويت في نهاية القرن
التاسع عشر فرض رسوماً على السلع العثمانية المارة بأراضيه ورفض قبول لقب
قائمقام التركي ، كما اعتمد الكويت بتأكيد استقلالها وسيادتها على الخطابات
المتبادلة بين البلدين عام 1932 بشأن اعتراف العراق بالكويت .

وفي عام 1961 تم انسحاب القوات
البريطانية من الكويت ونعت اتفاقية الحماية البريطانية (1899) للكويت في 19
يونيو ، وذلك كان دافعاً للعراق في التفكير وعزمه ضم الكويت ، أدى ذلك إلى
إنزال القوات البريطانية في الكويت وبعدها دخلت القوات العربية وقبلت
الكويت عضواً كاملاً بجامعة الدول العربية ، ثم انسحبت القوات العربية عام
1963 وقد كثفت الكويت نشاطها الدبلوماسي بعد انتهاء أزمتها هذه مع العراق
أدى ذلك إلى اعتراف كثير من دول العالم بها ، ثم انضمامها إلى منظمة الأمم
المتحدة 1963 ، وأخيراً اعتراف العراق بسيادة الكويت على كافة أراضيها وفي
إطار حدودها الراهنة في اتفاقية 4 تشرين الأول 1963 بعد زوال حكم عبد
الحكيم القاسم في العراق ، وبالنسبة للصراع الأخير الخاص بغزو العراق في
أغسطس 1990 للكويت زعم العراق أن هناك ثورة داخلية في الكويت ضد نظام الحكم
طلبت مساعدته ، ثم أعلن بعد فترة قصيرة استعداده للانسحاب ثم أعلن ضم
الكويت إلى العراق تحت مسمى المحافظة التاسعة عشر ، كان نتيجة ذلك تحطيم
قدرة الجيش العراقي والكوارث البيئية الهائلة التي سببها إشعال أبار النفط
الكويتي ، سقوط عشرات الآلاف من القتلى العراقيين والكويتيين وتدمير هائل
للبنية التحتية بالعراق والكويت ، والأهم من ذلك تنظيم الصف العربي الذي لم
يلتئم بعد بالإضافة إلى تغلغل النفوذ الأمريكي البريطاني بالمنطقة .

3- مشكلة الحدود
بين الجزائر والمغرب :-

نتجت هذه المشكلة من جراء الخلافات
بين الإدارات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر والمغرب ، حيث الغموض في
حدود الأجزاء الجنوبية بين البلدين ، وبعد استقلال الجزائر عام 1962 ، تقدم
المغرب بالمطالبة بإقليم تندوف جنوب غرب الجزائر ، بل والزحف ناحيتها ،
فقامت حرب قصيرة بينهما (1963 – 1964) بهدف طمع المغرب في الاستيلاء على
تندوف وفجيج الغنيتان بتكوينات الحديد العالي الجودة ، إلى جانب تحويل
المغرب لأنظار القوى السياسية والشعبية في البلاد إلى خارجها وزيادة رفعة
البلاد والفصل بين الجزائر وموريتانيا ، وأكدت مصادر أخرى أن احتواء
المنطقة على كميات كبيرة من البترول والغاز دفع المغرب للمجازفة بإشعال
الصراع طمعاً في الاستفادة اقتصادياً ولو بشكل جزئي إذا تم التوصل إلى
تسوية تقسيمية بين البلدين بخصوص الإقليم ، واستند المغرب في ادعائه بحق
السيادة على تندوف وما جاورها بكونها خاضعة لسيطرته التاريخية في قرون
ماضية ، فيما شددت الجزائر على حقوقها وسيادتها على الإقليم بموجب ما ورثته
عن الإدارة الفرنسية الاستعمارية ، وبالوساطة من منظمة الوحدة الإفريقية
تم توقيع معاهدة للتضامن والتعاون في أفران عام 1969 وتراجع المغرب عن
ادعاءاته .

واتفق الطرفان على إنشاء منطقة
منزوعة السلاح على الحدود في تندوف ، كما اتفقت الدولتان في مايو 1970 على
أن تعترف المغرب بخط الحدود الذي يمر إلى المغرب من كولمب بيشار ، وبذلك
أصبحت منطقة الحديد الخام في جبل قارا وتندوف في الجزائر بشرط مشاركة
المغرب والجزائر في استغلال حديد تندوف من خلال شركة مشتركة .

إلا أن العلاقات عادت للتوتر مرة
أخرى بعد استيلاء المغرب على الصحراء الغربية عام 1975 ، بخصوص هذه المنطقة
.

4- مشكلة الحدود
بين اليمن – عمان :-

تكمن المشكلة في أن الحدود عشوائية
ولم يراعى في وضعها أسس وقواعد الجغرافيا السياسية ، وبدأ التوتر أثر حصول
جنوب اليمن على استقلاله والاختلاف في الأنظمة السياسية في كلا الجانبين ،
وربما كانت السياسات الراد يكالبه في علاقات اليمن الجنوبي في السبعينيات
مع عمان أثراً في زيادة التوتر على حدود البلدين ، حيث مساعدة اليمن
الجنوبي الثورة في منطقة ظفار العمانية وزعزعة أمن عمان ، نتج عن ذلك
صدامات مسلحة في السبعينيات ، واستعانت عمان بقوات إيرانية ومساعدات عربية
مقابل الدعم السوفيتي لليمن ومنطقة ظفارة إلا أن عام 1982 وقع البلدان
اتفاقية لتحسين العلاقات وتطبيع الوضع على الحدود ، وأعلن مؤخراً أن قضية
ترسيم الحدود وتسوية المشاكل بين البلدين وصلت لمرحلة متقدمة .

ثانيا : مشاكل
الحدود بين الدول العربية وجيرانها :-

1- مشكلة
الحدود بين سوريا –
تركيا :-
أساس الخلاف حول إقليم الإسكندرونه وكميات
المياه المتدفقة عبر نهر الفرات التي تنبع من تركيا ، ففي أعقاب الحرب
العالمية الأولى أعطت فرنسا إقليم الاسكندرونة لتركيا بحجة أن أغلب سكانه
أتراك ، وهدفت فرنسا بذلك ضمان موقف تركيا بجانبها كمقدمة للحرب العالمية
الثانية ، تأزم الموقف بين الأطراف الثلاثة خاصة بعد حشد تركيا قواتها عام
1957 على الحدود وزاد من الأزق إنشاء سد أتاتورك الهائل على نهر الفرات
وخفض نصيب سوريا من المياه : وتتركز المطالبة السورية بإقليم الأسكندرونة
على اتفاقية سايكس –
بيكو (1916)التي وضعت البلاد السورية تحت الانتداب الفرنسي بما فيها
الأسكندرونة ، فيما تعتمد الحجج التركية على الاتفاق الفرنسي التركي عام
1921 بقيام إدارة خاصة للإقليم ولم يكن للطرفين أي اعتراض قبل ذلك على كون
الإقليم جزءاً من سوريا ، وكانت عصبة الأمم قد قررت بقاء الإقليم تحت
الإدارة الفرنسية ثم سمحت فرنسا لتركيا بالسيطرة عليه .
واستمر التوتر بين البلدين لسنوات طويلة
بلا اشتباكات مسلحة حيث انشغال سوريا بالصراع العربي الإسرائيلي وأزمة
لبنان ، لكن سوريا قدمت احتجاجات قوية بخصوص الممارسات التركية عبر الحدود
وتقليص المياه عبر نهر الفرات .
2- مشكلة الحدود بين
الصومال –أثيوبيا :-
تكمن المشكلة في اقتصاع إقليمي هود
وأوجادين بمساحة 650.000كم2 من صوماليا الكبرى وضمها لاثيوبيا بفعل
الإستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي عند تقسيمه للصومال بين عامي 1885 – 1900 بحيث وصل الأمر لفصل أراضي القبيلة
الواحدة تبع ذلك حرب عصابات بين الطرفين ومساندة حركات المتمردين كلاً ضد
الطرف الأخر ، تصعد النزاع وتوج بالحرب في لإقليم اوجادين في صيف 1977 حيث
طمحت الصومال في جمع أوصالها التاريخية وعودة اوجادين الإقليمي الرعوي
السكاني المهم للصومال .. فقد اعتمد الصومال في حججه على أن شعب الإقليم من
الصوماليين وأن المنطقة تقع تحت التأثير الصومالي تجارياً وثقافياً ولم
تعيد يوماً الحدود حركتهم أما أثيوبيا فاعتمدت في حججها على اعتراف
بريطانيا بحق أثيوبيا في السيادة على الإقليم منذ 1897 ، واتفاقياتها مع
إيطاليا عام 1908 بحق أثيوبيا في إقليمي اوجادين وهود .
ورغم اتفاقية أكرا 1965 بعدم الاعتداء
للطرفين إلا أنه نشبت الحرب عام 1977 واستمر التوتر حتى قيام الحرب الأهلية
الصومالية عام 1990 .
2- مشكلة
الحدود بين السودان –أثيوبيا :-
بفعل تقسيم الاستعمار البريطاني الإيطالي
الحدود بدون مراعاة الظروف المحلية للمنطقة إلى حد تقسيم أراضي القبيلة
الواحدة في مناطق بارو وأنوك .. وقام النزاع بدعم أثيوبيا الحركات
الانفصالية جنوب السودان ثم دعم السودان لحركات تحرير إريتريا إلى جانب
تسلم الأثيوبيين داخل السودان للزراعة بها متجاوزين الحدود السياسية .
والحقيقة لا يرغب الطرفان في النزاع
لظروفهما الداخلية ولكن يهبط الطرفان إلى تصحيح الأخطاء الناجمة عن سوء
تخطيط الحدود بينهما فيما يخص بريقع وجمبيلا والبارو دون المساس باتفاقية
الحدودين أثيوبيا وبريطانيا عام 1902 . إلا أن عام 1972 تبادل الطرفان
المذكرات واتفقا على حل مشاكل الحدود بينهما ، أما مسائل الاستيطان
والزراعة بين البلدين تركت بدون ترتيبات رسمية بعد .
3- مشكلة
الحدود بين موريتانيا –
السنغال :-
يرجع أساس الخلاف بينهما إلى المرسوم
الفرنسي (1932) الذي جعل من الضفة الشمالية لنهر السنغال حدوداً بين
البلدين ، وطبيعة هذا النهر وفيضانه تغير من ملك الحدود وغموضها . وكان
نتيجة المناوشات السياسية بين البلدين التي عزتها العناصر الأجنبية مضاعفة
حدة المشكلة بترحيل متبادل لذوى الطرفين في نهاية التسعينيات وزيادة حدة
التوتر أيضاً ، ورغم الهدوء الحاصل ، فإن مسألة حل المشكلة بتأمين حقوق
موريتانيا في نهر السنغال بما لا يضر السنغال من الأمور الهامة مستقبلاً .
5- مشكلة الحدود بين
ليبيا – تشاد :-
ترجع المشكلة الحدودية بين البلدين إلى
سيطرة ليبيا على إقليم أوزو وأجزاء أخرى شمال تشاد ، إذ تذكر بعض المصادر
بأن فرنسا قامت باقتطاع إقليم أوزو من ليبيا وإلحاقه بتشاد .
ويعد هذا الإقليم غني بخام الحديد
واليورانيوم ، مما جعله هدفاً مغرياً لليبيا وتشاد ثم لإيطاليا وفرنسا خلال
الحقبة الاستعمارية ، اعتمدت ليبيا في ادائها بالسيادة على أوزو على خط
الحدود في اتفاقية عام 1935 بين إيطاليا وفرنسا ، بتخلي الأخيرة عن أجزاء
واسعة من تبستي لإيطاليا مقابل كسب إيطاليا في جانبها في القضايا الأوروبية
، وبعد الاستقلال تمسكت ليبيا بالإقليم ، وتؤكد بعض المصادر أن الادعاء
الليبي بملكية أوزو لها صفة قانونية قوية بموجب الاتفاقيات المعقودة ، ترتب
على هذه المشكلات بين ليبيا وتشاد احتلال ليبيا لإقليم أوزو وأجزاء أخرى
شمال تشاد ، وقطع العلاقات بين البلدين عام 1978 وتورط ليبيا في حرب أهلية
مع تشاد ، وفي أغسطس عام 1984 تدخلت الجزائر لانهاء الصراع سلمياً أو عن
طريق محكمة العدل الدولية . ولكن هذه المشكلات وغيرها كانت مما بعد الأيدي
الاستعمارية وأغراضها الخاصة . والتي لم تنتهي نتائج ما صنعته من آثام منذ
قرون عديدة بعد .

أثر انهيار الأخلاق في انهيار الحضارات

كاتب الموضوع الأصلي: محمدالبداح(9 11)

مما لا شك فيه أن حضارات الأمم تبني بالأخلاق والقيم وأن انهيارها مرتبط بالانحلال والانحراف عن منهج الله الواحد الأحد.
يقول ابن خلدون: “إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طريقها، وهذا ما حدث في الأندلس وأدى فيما أدى إلى ضياعه”.
وأدرك هذه الحقيقة أيضًا أحد كتاب النصارى واسمه “كوندي” حيث قال: “العرب هووا عندما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب يميل إلى الخفة والمرح والاسترسال بالشهوات”، وصدق الله العظيم القائل: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)[الإسراء:16].

مما سبق يتبين لنا أن أهم عوامل سقوط بلاد الأندلس هو العامل الأخلاقي، وسقوط الأندلس بدأت معالمه ومظاهره قبل سقوط غرناطة بوقت مبكر، و ذلك بعد أن قام على أنقاض الدولة الأموية بالأندلس العديد من الدويلات الإسلامية المتناحرة المتنازعة التي صورها الشاعر بقوله:
مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

ومما ينبغي التنبه له أن الضعف التدريجي للمسلمين في الأندلس الذي أدى إلى خروجهم من تلك الديار لم ينشأ من فراغ كما لم يكن وليد يوم وليلة، بل كان نتيجة لعدة عوامل وأسباب يمكن إجمالها فيما يلي:
(1) انحراف كثير من مسلمي الأندلس عن منهج الله.
(2) موالاة العدو النصراني والتخلي عن الجهاد.
(3) التفرق والتشرذم.
(4) تكالب القوي النصرانية عليهم.

ويعتبر الضعف الخلقي عند المسلمين في الأندلس قبل سقوطها أحد النتائج التي تمخضت عن الانحراف عن منهج الله، وقد كان لهذا الضعف مظاهر وصور منها:
(1) الأنانية وحب الذات.
(2) التشبه بالعدو وتقليده.
(3) انتشار المجون والخلاعة بين المسلمين.

**1- الأنانية وحب الذات:***
بعد أن قامت دولة ملوك الطوائف بعد الدولة الأموية في الأندلس تنافس أولئك على السلطة وانتشر بينهم العداء المستحكم والخصام الدائم، فالكثير منهم لا هم له إلا تحقيق مصلحته الذاتية وإشباع أنانيته ووجوده في السلطة ولو على حساب المسلمين!!
وقد أدرك هذه الحقيقة الكثير من المؤرخين لهذه المرحلة منهم : أبو حيان الأندلسي حيث قال: “دهرنا هذا قد غربل أهليه أشد غربلة، فسفسف أخلاقهم، وسفه أحلامهم، وخبث ضمائرهم…”.
يقول المراكشى :
وصار الأمر فى غـاية الأخلوقة (الأضحوكة) والفضيحة، أربعة كلهم يتسمى بـأمير المؤمنين فـى رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخًا
فى مثلها.
وقال ابن حزم: “اللهم إننا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم وبعمارة قصور يتركونها عما قريب، عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم…”
وقال في موضع آخر عنهم: “والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم بادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنوهم من حرم المسلمين وأبنائهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعًا فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس”.

**2- التشبه بالعدو وتقليده:***
للمسلمين شخصيتهم المستقلة التي تميزوا بها عن غيرهم من الشعوب والأمم، وقد ظل مسلموا الأندلسي خلال القرون الثلاثة الأولى لوجودهم في الأندلس محافظين على شخصيتهم تلك التي تأصلت فيها الأخلاق والقيم النبيلة ، ولكنهم بعد أن دب الضعف إليهم وعصفت بهم الفتن، وضعف الوازع الديني عند بعضهم بدأوا بالتخلي عن بعض تلك الأخلاق والتأثر بأخلاق وعادات غريبة عليهم وعلى مجتمعهم.
ذكر ابن الخطيب أن جند مسلمي الأندلس تشبهوا بالنصارى في زيهم وأسلحتهم ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن بعض مسلمي الأندلس قلد النصارى في الاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم الشركية، وهناك فئة أخرى كانت تحضر مجالسهم وتشاركهم أفراحهم من هؤلاء منذر ابن يحيى أمير سرقسطة فقد بالغ في التشبه بالنصارى وموالاتهم حيث كان يحضر عقود المصاهرة التي كانت تتم بين أبنائهم.
ولا شك أن لذلك أثرًا في كسر الحاجر النفسي بين المسلمين وأعدائهم، فزالت مهابة المسلمين عند النصارى حينما تخلوا عن أصالتهم وأخلاقهم الإسلامية حيث أصبحوا حقيرين في عين عدوهم وأقل من أن يهتم بهم.

**3- الخلاعة والمجون:***
وكان ذلك من أعظم الأسباب أثرًا في انهيار الدولية الإسلامية في الأندلس، حيث كان شرب الخمور والاستغراق في الملذات والإكثار من الجواري والنساء كان ذلك قاسمًا مشتركًا بين كثير من ملوك الطوائف، وغرقوا في مستنقع الفواحش والرذيلة، ويبدو هذا جليًّا لكل من طالع أخبارهم، واستغل هذا الأمر بعض ا لوزراء والموظفين الذين رغبوا أن يستبدوا بالحكم والسلطان.
قال أحد شعراء تلك الفترة عن الخمر:
فجل حياتي من سكرها.. .. ..جرت مني الخمرة مجرى الدم
وكان أهل تلك الفترة يتفاخرون بكثرة آلات الطرب والغناء، حيث يقولون عند فلان عودان أو ثلاثة وأربعة وأكثر من ذلك.
وامتد ذلك ليصل إلى حد الاستخفاف بالدين عند بعض الناس، فقد ذكر ابن حزم أن إبراهيم بن سيار النظام كبير المعتزلة في الأندلس تعلق بحب غلام نصراني فألف له كتابًا في تفضيل التلثيث على التوحيد تقربًا إليه!!

مما سبق ذكره نقول ختاماً :
إن قصة خروجنا من الأندلس لم تكن قصة عدو قوي انتصر علينا بقدر ما كانت قصة هزيمتنا أمام أنفسنا ‏.‏‏.‏ قصة ضياعنا وأكلنا بعضنا بعضا كما تأكل الحيوانات المنقرضة بعضها بعضا
كان الترامي في أحضان العدو ممكنا ‏.‏‏.‏ وكان التنازل له عن الأرض ممكنا ‏.‏‏.‏ وكان الخلاف بين بعضهم وبعض لدرجة الاستنجاد بالعدو ممكنا ‏.‏‏.‏ أجل ‏.‏‏.‏ كان كل هذا ممكنا إلا شيئا واحدا ‏.‏‏.‏ إلا العودة إلى الإسلام الصحيح الخالي من حب السلطة واستعباد الدنيا ‏.‏‏.‏‏.‏ والأمر بالاعتصام بحبل الله وحده وعدم التفرقة ‏.‏‏.‏ كل شيء كان ممكنا – في عرفهم – إلا هذا ‏.‏

ما أشبه الليلة بالبارحة ، فحالنا في هذه الأيام من جهة استعلاء عدونا علينا ، وتمكنه منا إنما هو منا ، ” قل هو من عند أنفسكم ” ، فقد بعدنا وبعدنا جداً عن ديننا وانتشرت رذائل الأخلاق بيننا وتشبهنا بل ووالينا أعداءنا وتفرقنا شذر مذر ، ويوم أن نعود إلى ديننا سيعود لنا عزنا ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر
1 – كتاب دراسة لسقوط ثلاثين دولة
2 – مجلة البيان عدد رقم 48

السومريون

كاتب الموضوع الأصلي: محمدالبداح(9 11)

بدأ فجر الحضارة في العراق بحدود عام 5000 ق.م. وانتهى بالحقبة الزمنية التي ابتدع فيها آبناء (وادي الرافدين) الكتابة لأول مرة في تاريخ الإنسانية في الربع الأخير من الألف الرابع قبل الميلاد. نشوء الحضارة الناضجة في بلاد الرافدين قد سار بخطوات ثابتة وعلى مراحل وبأطوار متعاقبة. عرفت تلك الأطوار في العراق للمختصين المحدثين بأسماء المدن والقرى والمواقع التي ظهرت فيها لأول مرة, ومدن الطور الأقدم هي (حسونة) ثم (سامراء) و (حلف) و (العبيد) و (الوركاء) و أخيرا (جمدة نصر). شهد (وادي الرافدين) خلال هذه الأطوار اتساع الزراعة و بداية الحياة الحضرية و نشوء أولى المدن. وعرف بناة الحضارة أيضا فن التعدين وابتدعوا دولاب الخزاف وصنعوا الآجر المفخور والعربة ذات العجلة وكذلك المحراث فضلا عن السفن الشراعية. وعرف في أوائل تلك الأطوار أيضا فن النحت, وظهرت كذلك المباني العامة كالمعابد حيث كثرت وازدادت أهميتها منذ طور (العبيد). وعرف طور الوركاء (3500 ق.م.) بالعهد الشبيه بالكتابي, ومن المعروف أن الكتابة قد أرسيت قواعدها تماما خلال الطور الذي أعقبه وهو (جمدة نصر) في حدود سنة 3000 ق.م.

قامت حضارات العالم في عهود تاريخية متقاربة والتي اعتمدت الزراعة فالحضارة الفرعونية حلت بين 3100 – 2770 ق.م اما حضارة الصين فقد حلت بين 2765-1122 ق.م. تطورت من عصر البرونز ثم إلي عصر الكتابة. اما حضارات (وادي الرافدين) التي عرفت في المدونات التاريخية الاوربية Mesopotamia وتعني باليونانية بلاد ما بين النهرين (الدجلة والفرات) قامت عليها حضارات عديدة طبعت آثارها الرائعة على مجرى الحضارة والتاريخ كان اولها الحضارة السومرية التي قامت بين 3700 إلى 2350 ق.م، ثم تلتها حضارة اكد بين 2350 إلى 2200 ق.م ثم حلت حضارة الانبعاث السومري ومملكة سومر وأكد المشتركة بين 2133 إلى 2003 ق.م، حتى أسقطها العيلاميون من ايران عام 2003 ق م. ثم اسقط الكاشيون الدولة البابلية الأولى عام 1594 ق.م. بقيت تحت سيطرة الكاشيين من 1595 إلى 1153 ق.م، وكانوا متأثرين بشريعة حمواربي حتى ازاحهم الآشوريون.

وفي القرن الثاني عشر قبل الميلاد كان وادي الرافدين مقسوما بين الآشوريين في الشمال والكاشيين في الجنوب. من 625 إلى 539 ق.م، قامت الحضارة الكلدانية (البابلية الثانية) من 539 إلى 321 ق.م، احتل الملك كورش الإخميني مدينة بابل واتخذها عاصمة ملكه، واستمر الفرس يسيطرون على وادي الرافدين حتى هزمهم الإسكندر المقدوني الكبير عام 321 ق.م. من 321 إلى 141 ق.م، سيطر السلوقيون المقدونيون وهم سلالة الإسكندر المقدوني ثم شهد وادي الرافدين في عهد المقدونيون الكثير من الحروب ثم استولى البارثينييون Parthians عام 141 ق.م. هذه مقدمة لابد منها لفهم التسلسل التاريخي الذي على وادي الرافدين.

الاهوار الغنية بالحياة جنوب وادي الرافدين انعشت واغنت التاريخ بل اولدت التاريخ بعد ان لم يكن هناك تاريخ فقبل (السومرين) لم يكن هناك تاريخ وباستنباط (السومرين) الكتابة ولد التاريخ المدون. السومريون اقاموا اول حضارة في التاريخ. السومريون عاشوا في اهوار العراق حيث كان القصب عماد حياتهم بنوا بيوتهم به واول من استنبطوا المشحوف العريق. اشاد السومريون في عصر فجر السلالات بين (3000 ق.م- 2400 ق.م) عصر فجر السلالات لأنه شهد ظهور اولى السلالات السومرية الحاكمة المتمثلة بدويلات المدن السومرية واستطاعوا في هذا العصر اقامة مجتمع زراعي متطور ظهر فيه اصناف من الحرفيين والصناع، بالاضافة الى الفلاح هناك النجار والحداد والبناء والحائك والسلال والملاح والصائغ وغيرهم من اصحاب الحرف وبدأ الشاعر ينظم الشعر بعد شرب الراح من رحيق التمر.

واستطاع السومريون تحقيق الكثير من المنجزات في اقدم انظمة الحكم و ايتكروا اقدم طرق الكتابة في المسمارية التي دونت على الواح الطين الطري بقلم القصب المثلث الرأس ثم يفخروه ليغدوا مقاوما للظروف المناخية عكس المدونات الفرعونية التي دونت على البردي الذي يبلى من الزمن وابدعوا في فنون العمارة ومهروا في مختلف مجالات الشعر والادب وكانوا يروون القصص البطولية والملاحم القديمة وكانوا يعتقدون بوجود الالهة وانشأوا اقدم المدارس التعليمية التي سموها (بيت الطين) وقد سموها بهذا الاسم نسبة لألواح الطين التي كانوا يكتبون عليها. (السومرين) شيدوا القرى والمدن والمعابد وشقوا القنوات والترع من نهري دجلة والفرات لسقي الاراضي الزراعية. ثم اقاموا علاقات تجارية مع المناطق المجاورة لهم خاصة الخليج العربي حيث كانوا يصدرون اليها منتجاتهم الزراعية كالحبوب والدهون والجلود ويستوردون المعادن كالنحاس والاحجار الثمينة. وكان السومريون اول من استخدم الكتابة لتدوين شؤون حياتهم اليومية كمصروفات وواردات الدولة والمعابد وعقود البيع والشراء والمراسلات. كان للكتابة اهمية كبيرة بوصفها من المنجزات الحضارية المهمة في تأريخ الانسان.

والسومريون اقدم الشعوب المتحضرة التي سكنت جنوب وادي الرافدين. وكانوا اصحاب حضارة عريقة لم تقتصر اهميتها على العراق فقط بل انتشر تأثيرها في اجزاء واسعة من الوطن والشرق الاوسط القديم. وهم امتداد للأقوام التي سكنت العراق في عصور ماقبل التأريخ وعرفوا بالسومريين لأنهم سكنوا بلاد سومر. وتمتاز هذه المنطقة بارضها الرسوبية الخصبة ووفرة مياه الارواء من النهرين العظيمين دجلة والفرات مما ساعد على قيام الزراعة .واعتمدوا في غذائهم على صيد الاسماك والطيور التي تتوفر بكثرة في منطقة. كانوا يهتمون بانجاز الاصلاحات الاجتماعية واهتموا بالقانون ونشر العدل بين المواطنين واهتموا بتنظيم المحاكم و اقاموا شبكة واسعة من قنوات الري واهتموا بالتجارة مع الدول الاخرى مما ادى الى الازدهار الاقتصادي للبلاد. وقد حكمت بلادهم عدد من السلالات التي تعاقبت على الحكم وهي اربع سلالات :اولا:سلالة كيش الاولى وتقع في محافظة بابل حاليا وثانيا:سلالة الوركاء الاولى وثالثا:سلالة اور الاولى ورابعا سلالة لكش.

منذ أوائل الألف الخامس ق . م ، شهد (دلتا الرافدين) قفزة نوعية هامة في تأريخ البشرية، بعد الانتقال من القرى الزراعية إلى حياة المدن . ففي هذا السهل قامت المدن الأولى كـ (أريدو) و (أور) و (الوركاء). حيث كانت بدايات التخطيط للسيطرة على الفيضانات، عندما كان وادي الرافدين غنيا بالمياه بإنشاء السدود وحفر القنوات والجداول لأول مرة في التاريخ اذ كانت القنوات معجزة من معجزات الري لذا اجمع المؤرخون على أن السومريين هم بناة أقدم حضارة في التأريخ. أكدت هذه الحقيقة جميع التنقيبات الأثرية في حدود 3200 ق م كما ابتكر السومريون الكتابة فقامت في بلاد سومر أولى المدارس في التأريخ. عرف تاريخ سومر من الألواح الطينينة المدونة بالمسمارية. كانت بداية السومريين في 5000 ق.م ابتكروا الكتابة علي مخطوطات ألواح الطين ظلت الكتابة السومرية لغة الإتصالات بين دول الشرق الأوسط حين ذاك. خلال قرون نمت الدولة وتطورت الفنون والعمارة والعلوم. الحاكم السومري الملك (إيتانا (Etana ملك (مدينة كش) كان أول من وحد بلاد سومر عام 2800 ق.م بعده ظهر (ميسكياجاشر) ملك مدينة أوروك (وركاء) جنوب (مدينة كش), فسيطر علي منطقة تمتد من البحر الأبيض المتوسط حتي جبال زاكروس. ثم خلفه ابنه إنمركار عام 2750 ق.م. واستولى على مدينة أراتا بشمال شرق بلاد الرافدين. في عام 2700 ق.م. سيطر إنمبارجاسي Enmebaragesi ملك دولة إتانا بكش علي بلاد سومر وانتصر علي دولة عيلام Elam. وأقام معبدا للإله إنليل بمدينة نيبور التي أصبحت المركز الديني والحضاري لسومر.

وفي عام 2670 ق.م. إنتهى حكم إتانا بكش بعد ان اسقطه ميزنباد ملك مدينة أور التي جعلها عاصمة بلاد سومر. بعد موته بسطت مدينة أرك نفوذها فظهرت ملحمة كلكاماش 2700 ق.م. – 2650 ق.م الملحمة الشهيرة،. قبل القرن 25 ق.م قامت الإمبراطورية السومرية بقيادة لوكلالمند بمدينة أدب (2525 ق.م. – 2500 ق.م. امتدت من جبال طوروس حتي جبال زاكروس ومن الخليج الفارسي وحتي البحر الأبيض المتوسط. عاشت سومر فترة إضطرابات داخلية حتى القرن 23 ق.م. حتى إجتاحها الملك السامي سركون الأول (2335 ق.م. -2279 ق.م.) وأسس عاصمتة الجديدة آجاد بأقصى شمال بلاد سومر، كانت أيامه أقوى الملوك والعاصمة اول مدينة تشاد في التاريخ آنذك. اندمج الغزاة وأهل شمال يلاد سومر وانصهروا مكونين شعب آكاد وأصبحت تعرف ببلاد سومر وآكاد. في حدود سنة 3200 ق. م. ابتكر السومريون الكتابة ونشروها في عدة بلدان شرق أوسطية. وقامت في بلاد سومر أولى المدارس في التاريخ.

السومريون اول من اوجدوا عصرا لم يكن قائما قبلهم منذ ان تطور الانسان من الشمبنزي الى (لانسان المستخدم يده) في التقاط الاشياء ثم (الانسان المنتصب) الذي بدأ دماغة في التطور الى الانسان العاقل العصر السومري هو نهاية لعصر الكهوف او العصر الحجري فهم اول من انشأؤا في (عصر فجر السلألآت) المدينة ثم تطورت الى المدينة الدولة، فطوروا النظام الآداري والسياسي. السومريون هم اول من اسنبط الكتابة في التاريخ بالكتابة المسمارية وكان ذلك طفرة تاريخية فيما يقرب من 3200 ق م. كانت تكتب باقلأم مثلثة الرأس من القصب ومدببة وعلى ألواح من الطين اسماها المؤرخون بالكتابة المسمارية لان حروفها تشبه المسامير، كانوا يدونونها على الطين ثم يفخرونها ثم اخذ الخط المسماري بعدئذ البابليون والأشوريون والفرس. السومريون دونوا سجلاتهم الرسمية وتواريخ الملوك والأمراء وشؤون الحياة اليومية والمعاملات التجارية والأحوال الشخصية وواردات المعابد والمراسلات والأدب والنصوص المسمارية القديمة. فك المنقبون رموز الخط المسماري في القرن التاسع عشر وبذلك تمكنوا قراءة الألواح والنصوص السومرية ويتواجد الآن 130.000 لوح طيني في المتحف البريطاني.

السومريون أول من انشأ المدرسة وأسموها ببيت الألواح، في الفترة 2300 ق. م سجل الشعراء والعلماء السومريون تاريخهم في وادي الرافدين فكتبوا قصصا عن بداية الخليقة وعن جنة أرضية بدائية وعن طوفان مروع غمر هذه الجنة ودمرها. فتناقل البابليون والعبرانيون قصة (الطوفان نوح). العصر السومري يعرف بـ (عصر فجر السلالات) في العراق فيما يقرب من عام 2800 ق .م. واستمر لمدة ستة قرون والذي يعرف أيضا بالعصر السومري القديم أو بـعصر المدينه الدولة، ثم توحدت هذه الدويلات لتغدو مملكة كبيرة واحدة. يقسم الآثاريون هذه الحقبة من تاريخ وادي الرافدين إلى ثلاثة عصور هي على التوالي هي (عصر فجر السلالات) الأول 2800 -2700 ق.م. ثم (عصر فجر السلالات) الثاني 2700-2600 ق.م. ثم (عصر فجر السلالات) الثالث 2600 – 2400 ق.م. يتفق اغلب الآثاريون أن السومريين هم سكان وادي الرافدين الأصليون، كان العصر يعرف بـ (عصر حضارة العبيد) في وسط وجنوب وادي الرافدين كانت أراضيهم تمتد جنوبا إلى جزيرة (دلمون – البحرين) قبل أن ترتفع مناسيب الخليج العربي ليصل إلى حدوده الحالية. السومريين, هم أصحاب أقدم حضارة أصيلة متطوّرة في العالم, من اللغات التي تعرف بـ (التجميعية Agglutinative). من خصائصها أنه كثيرا ما تدمج مفردتينن لتصبحا كلمة واحدة يستند معناها إلى معاني الكلمات الداخلة في تركيبها, مثل (لوكال) أي الملك المكونة من (لو) أي الرجل و (كال) أي العظيم, و (إي- كال) تعني القصر أو الهيكل مكونة من كلمة (إي) اي البيت و(كال) العظيم. لكل من الاطوار الثلاثة التي مر السومريون بها لها خصائصها المميزة. في هذه الاطوار تقدم فن العمارة خاصة في بناء القصور والمعابد فظهرت العقود لأول مرة في البناء وكذلك القبوات كوسيلة في التسقيف.

تقدم فن التعدين وسبك المعادن, قطع فن النحت شأوا بعيدا من التقدم. تقدمت الكتابة وانتشر استخدامها في العصر السومري فدونت بها في عصر فجر السلالات السجلات الرسمية وأعمال الملوك والأمراء وعلاقتهم بغيرهم من الحكام. وكذلك شؤون الناس العامة كالمعاملات التجارية والأحوال الشخصية والمراسلات والآداب والأساطير فضلا عن الشؤون الدينية والعبادات. الآثار المكتشفة فيما يقرب عام 4000 ق.م كان للسومريين على الدوام المتقدمين على سكان المدن وفلاحي الأرض، بدأوا يصنعون النحاس لصناعة الأدوات واتقنوا التعامل بالذهب والفضة وأنواع من الحجارة الكريمة كالياقوت والزمرد وفي صنع الحلي والعقود.

تقدمت العلوم السومرية في جميع أنواعها والصناعات تقدما عظيما في عصورهم، علا عندهم شأن الطلب حتى ذاعت شهرتهم الى الممالك المجاورة وارتقوا بعلم الحساب حتى كانوا يعلمون الطلاب جداول الضرب والجذور التربيعية والتكعيبية ومنذ 2400 ق.م عرف السومريون حساب المضلعات بدقة وحساب وتر المثلث القائم الزاوية، كانوا يضعون المسائل الحسابية ليحلها التلاميذ، برعوا في الفلك حددوا ايام السنة الشمسية والقمرية واشهرها وتقسيم مدار الفلك الى اثني عشر برجا وطريقة التقسيم الستيني للأوقات الساعات والدقائق والثواني. في الصناعات بروعوا ففي فنون الخزفيات اروع انتاج للسومريون ة انية عليها نقوش بديعة ملونة بالوان مختلفة. برعوا في النحت وبلغ اوجه في الزمن كانت التماثيل تزين الهياكل والمعابد خاصة.

في الصناعات المعدنية برع السومريون منذ بداية 4000 ق في التعامل مع القصدير والنحاس وخليطهما البرونز، وجدت في مقابرهم كميات كبيرة من الذهب والفضة وأنواع الحجارة الكريمة كالياقوت والزمرد وفي صنع الحلي والعقود. منها حلي بديعة الصنع والزخرف ومنها اوان واسلحة وزخارف وتماثيل رائعة الصنع. صناعة النسيج كانت واسعة الانتشار يشرف عليها مراقبون يعينهم الملك وكان فيهم النجارون المهرة الذين برعوا حتى في الحفر على الخشب وترصيص الفسيفساء كان السومريون بحارة ماهرون جابوا البحار وصلوا في اسفارهم البحرية التجارية مصر دائرين حول شبه الجزيرة العربية والى شواطئ الهند. السومريين اول من زاولوا الزراعة المروية بمهارة وانتظام ظهر عندهم المحراث تجره الثيران منذ أقدم العصور. في المجالات الاخرى كان السومريين كهرة في ادارة الجيش والحياة الاجتماعية والآداب. الديانة السومرية من الدراسة التاريخية للأديان أوجدت الكهنة الحكام الذين انقلبوا ملوكا وخلفهم مختصون بالدين.

اللغة السومرية اندثرت في عهد الدولة العمورية لكنها ظلت اللغة الدينية للبلاد وظلت ديانتهم وآلهتمهم هي الأساس للعبادات والعقائد مع اضافة شعائر وآلهة جديدة، تأثرت بها جميع الشعوب المجاورة كالأشوريين والحثيين والميتانيين ، كما انتقلت بعض تعاليمها الى مصر أيضا. بنى السومريون (الزقورات) كـ (معبد اور) يرتفع الى 22 م سطح قاعدته 61 × 45 م له ثلاثة مصاعد كان يضم المئات من الكهنة والكتاب والعمال. كان الكهنة يعلمون الناس العلوم ويلقنونهم الأساطير والدين. انتهى عهد فجر السلالات بظهور سرجون الأكدي 2371-2316 ق.م. بتوحيد (وادي الرافدين) في مملكة واحدة. كان سرجون من الأكديين فرع من الأقوام التي نزحت من شبه الجزيرة إلى (وادي الرافدين) في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد. وليس من المستبعد أن الأكديين قد عاشوا جنبا إلى جنب مع السومريين منذ أقدم العصور عرف القسم الأوسط والجنوبي من (وادي الرافدين) منذ ذلك الزمن باسم بلاد (سومر وأكد). المقال الثاني اللاحق من حضارات (وادي الرافدين) سيكون التعريف بالحضارة الاكدية.

مفهوم الدولة عند ابن خلدون

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

أن منطق الدولة جاء نتيجة تطور المجتمعات وقوانينها.. وبعد أن اتخذته الشعوب، باعتباره السبيل القانوني، والشرعي، من حيث التولية بصيغة الحكم .. على مجاميع من البشر.. والاشتراط في ذلك.. هو العدل.. والمساواة بين الناس في الحكم والمعاملة، فاذا اخل، هذا .. الحاكم ، بالشروط المتفق عليها، بينه، وبينهم: في هذه الحالة يحق لهم.. عزله.. او اختيار بديل اخر عنه.. وهناك نظرية اخرى طرقها( جوميلوتز) يقول ان الدولة .. تكونت في رأيه بين حاكم ومحكوم نتيجة النزاع بين البشر، على البقاء.. فالنتيجة .. تمت الغلبة لاحد الاطراف.. وهناك نظرية تقول وتؤكد الدولة جاء نتيجة : النزاع و(جوميلوتز) يؤكد عملية النزاع بين البشر، في سبيل البقاء.. في الحياة عبر التاريخ وهذا الكلام، غير منطقي.. لان عملية النزاع هذه والسيطرة على مجاميع من البشر او النزاع في سبيل البقاء رغم القانون الموضوعي في عملية التوازن في الطبيعة والمجتمع.. فهي تبقى عملية مصادفة في زمان ومكان ( محددين) ولكننا ننطلق من مفهوم الدولة بشكلها الشرعي والقانوني والضروري لا الصدفي رغم عمليته القانونية والفلسفية.. فالدولة بدأت منذ ان بدأ وجود الانسان على هذه الارض واصبح بشكل وحدات بشرية، تعيش على الزراعة والرعي ونظرية( جوميلوتز) ليست جديدة، فهي مستمدة من نظرية ابن خلدون، بشكل او بآخر.. وبالتالي ..فالدولة كتكوين وكيان.. تتشكل من قوانين وانظمة واساليب لتنفيذ هذه القوانين والانظمة واساليب مختلفة تخضع لمنطق سلطوي.. فجاء (اوينهايمر) ليقول ان الدولة، تأسست نتيجة الصراع. التاريخي بين( البدو والحضر) وهذا يعني، انها بدأت بعد الزراعة.. والزراعة كانت هي الطفرة النوعية لتطور الانسان من ناحية استكشاف الحاجات الملحة في الحياة.
فالدساتير كانت هي القوانين.. والبنى التي تؤكد مسؤولية الحكومة باعتبارها السلطة التنفيذية، التي تميزت بتطبيق القوانين، فالسلطة التنفيذية موجودة في كل الوحدات البشرية، التي تاخذ العقل منهجا وهي تختلف من وحدة بشرية الى وحدة بشرية اخرى.. وهكذا كان، الاختلاف، في الصيغ والقوانين من سلطة تنفيذية الى اخرى.. ان وجود الدولة، كهيكل.. يعني وجود الحكومة كسلطة تنفيذية ، وادارية .. وهي التي تعبر عن منهج الدولة السياسي، والاجتماعي والثقافي.. فالسلطة هي التي تبعث النظام الذي يتحدد، بالطاعة لاعضاء الوحدة البشرية واسباب الطاعة هي من الاسباب الطبيعية والتكوينية.. لقد كانت القوانين التكوينية.. للقرن الثامن.. قوانين قلقة ومضطربة
. وكان ابن خلدون قد عاش هذا القرن، بكل مساوئه التي عمت هذا القرن، والتي كانت النعمة الكبرى على الاسلام والمسلمين وغير المسلمين من الاديان الاخرى، من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، والثقافية.. وصادف ان الاضطرابات التي حصلت في هذا القرن، واكدت سقوط الدولة العباسية، بعد ان سقطت شرعيتها ، وقوانينها نتيجة الاجتياح المغولي لهذه الدولة.. وتوالت الغزوات في هذا القرن.. فقد اجتاح التتر، بقيادة القائد التتري( تيمورلنك) الشرق، والبلاد الاسلامية وعاث بها فساداً، اضافة الى النعرات الدينية والعرقية التي شهدها هذا القرن. ان النمط في الصياغات السلطوية والذي توضح في هذا القرن، هو المكون الكبير، الذي تراجع نتيجة التشبث الفوضوي، الذي احدثه العدوان والفوضى القانونية وصارت في هياكل الدولة هي القوانين المفككة، التي لاتصلح ان تكون من المرويات التاريخية الدقيقة. ان موضوعية الدولة والسلطة عند ابن خلدون تتحد بالتفاصيل الدقيقة والكبيرة، وهي تؤشر المنعطف الخطير في الصياغات المروية، ان المادة التاريخية.. هي ليست صفة قدرية، بل هي منطق قانوني واجتماعي عند( ابن خلدون) وفي نظريته بشكل خاص ان المسلك الذي سلكه( ابن خلدون ) في نظريته الاجتماعية تؤكده الحساسية التاريخية.. بقوانينها الاجتماعية.. وان المشروع المعياري، عند ابن خلدون في نظريته الاجتماعية.. وهو يتشكل بوجوده الجوهري كفهوم متناقض مع الانماط المروية.. وهي تتخلى عن نمطها العلمي، والاجتماعي، والتاريخي ان الضرورة التاريخية، هي التي تقدم معنى اجتماعياً، وفهماً دقيقاً للحدث،من خلال مركزية القوانين الاجتماعية.
فكان سقوط الدولة العباسية.. هي مرحلة المخاض، داخل الحلقات الاجتماعية وهي الفترة العصبية، التي تنذر بالفصل التاريخي، والاجتماعي، والدستوري والقانوني.. والمرارة التي تسكن الواقع الاجتماعي الفعلي.. فكانت الهزيمة والغربة، التي استوطنت المجتمع بعد ان ضاعت دولة الاسلام فاجتاح المجتمع، تصور من نمط الغثيان، والتشبث بالاقدار، والنعي المستمر، لغربة الاسلام، والقضاء على هويته.. وهو المعنى المتطرف في الحبكات، الاجتماعية الفاشلة ، فالهزيمة تعني، نهاية الحياة، فكان الاسلام معنا حياة وتوق، وتماسكا، في القضية النظرية والاجتماعية الفاعلة بالحدث الاجتماعي من الناحية التاريخية .. فالشاطبي في كتابة (الاعتصام) يؤكد حالة الخنوع والذلة، والهوان للاسلام.. فالحقيقة ان الخلل الاجتماعي يحدث للامم الحية، التي تقبل التحديات بقوة. والاحداث التاريخية تبرهن ان الابداع في الامم الحية، لايمكن القضاء عليه وهكذا فالمعنى التاريخي هو عنصر من التعارضات المنطقية اذا اردنا ان نفهم المنطق التاريخي، والاجتماعي واصوله..فالاتجاهات المتعارضة هي في الاصل فقرات متوافقة.. وتصالح بين السلطات التنفيذية والتشريعية.. فالنظرية الخلدونية هي معنى اجتماعية منسجم اجتماعياً منسجماً مع، فقراته المتعارضة..(فالشاطبي) ابدع ولكن باتجاه معاكس.. وان الدليل على صيغة التلاحم الاجتماعي في النظرية الخلدونية تؤكد وجود النص القانوني للسلطة النظرية الاجتماعية، وعبر الممكنات الوجودية المتولدة وان ادراك هذا التعارض، قد اعطانا وظيفة قانونية تشهد على ذلك التوافق، بين ظاهر النظرية وباطنها فالنظرية الخلدونية تنطوي على رؤية دقيقة لحركة الواقع.. الاجتماعي من الناحية التاريخية.
ان الشاطبي( غرب ) الاسلام وتمسك بغربته، نتيجة تشخيصه للبدع.. والفتن والابتعاد عن روح الاسلام وتعاليمه الشرعية والقانونية السمحاء.. كذلك اخرج(الحنبلي) كتابا في دمشق اسمه(الاسلام) ودفنه الى الابد في غربته وان النظرية الخلدونية كانت تعي هذه المسالة الخطيرة، وتعمل على تجاوزها، من خلال الصراع الفكري والاجتماعي، والاقتراب، من حقائق الفوضوية ومعالجتها وابراز معالمها الجمالية، وهي المحور الرئيسي لعمليات الصراع هذه.. وهي صفة التلاحم من الناحية الاجتماعية لتأكيد هذه الفروض النظرية.. عبر التنوع في صنع الوحدات الاجتماعية والوصول الى نتائج مهمة لمعالجتها.. فتم التركيز على قطب المعالجة السريعة في عمليات التوتر الاجتماعي، لانها هي القطب الرئيسي للنهوض بالمجتمع، وبواقعه العلمي.. وايجاد منطق، من التجانس، والكشف عن البنية، الفكرية والاجتماعية، والثقافية، واعطاء حلول تؤسس بموجبه، منطقاً ابداعياً، ينهض بالمجتمع نهضة وظيفية ابداعية اساسها التعدد في العمليات الابداعية.. وفي هذا المجال يؤكد (بوتول) بأن ابن خلدون قد تاثر بهذه المروريات التاريخية،والاجتماعية، واصبحت نظريته تشاؤمية فطغت عليها الكآبة والانحطاط فقد نسي(بوتول) ان نظرية ابن خلدون، تاخذ مداها في الاتساع والانكماش لانها مرنة.. وان انساق النظرية من القوة والاتساع، في المفاهيم العلمية بقيت حية، لحد الان وانها تتجه ، بمرور الزمن الى بنيتها المتميزة وهذه الرؤية عبر عنها ابن خلدون، في عدة محاور متنوعة، وضرورية كشفت قدرة وعناصر النظرية وتصديها الى الهيمنة القانونية، في اطارها الموضوعي لانها تستند الى اساس متناقض ومتفاعل في آن واحد.. وتظل عناصر النظرية موجودة ومتواجدة في كل مستويات التنوع في البنية الاجتماعية.. وراح( كرامر) ينظر في عملية التشاؤم الخلدونية ووصفها بانها تشبه عملية التشاؤم عند( المعري) وهذه غربة جديدة يؤكدها( كرامر) وبقي الوضع التاريخي والاجتماعي ليعيش عصر الغربة في الاسلام ودولته حتى وصل التنظير في هذا الموضوع في حده المروع.. ويتهم من دعا الى عصر الغربة في الاسلام ودولته.. ويتهم من دعا الى الرجوع الى التعاليم الاسلامية، والسنة النبوية.. وهو الحل الامثل.. وهو الانقاذ للاسلام.. وهناك نظرية طرحت موضوعاً دقيقاً، عن التشاؤم فتم تشبيه( ابن تيمية) بانه ينحا المنحى المثالي في عملية التشاؤم وان ابن خلدون بوصفه المتشائم الواقعي.. والرجلان عاشا في نفس الفترة التاريخية.. فكانا من اعظم مفكري الاسلام واتخذ منهجاً واحداً في اكتساب المعارف.. وان العمل الفكري والاجتماعي ينطوي على قيم واعتبارات داخلية، وهي التي تشكل عمليات التلاحم، داخل النظرية. فابن خلدون كان يرفض طريقته المعتزلة في العمليات العقلية المجردة.. فالمقياس العقلي المجرد ليس قانونا لتمحيص الصيغ الخبرية.. وان الوعي المتلاحم داخل البنية، لن يتحقق في البنية العامة مالم يصل الى منطق واع من الادراك الموضوعي لخواص النمو البنائي للمجتمع.. وان البنية الواعية هي المعيار الجمالي، داخل النظرية، وداخل الابنية المرتبطة، بالموازنة النظرية.. ويؤكد هذه الخاصية الجدلية ..( توينبي) في ان صاحب النظرية الاجتماعية ابن خلدون، كان قد خضع لعمليات الانسحاب. والرجوع، والاعتزال قبل الشروع، بكتابة( المقدمة .. فهو قد دخل المعترك السياسي، فخرج مفكراً ، وصاحب نظرية اجتماعية. يقول( توينبي) انه حدث هذا التحول في فترة الانعزال ثم عاد الى المسرح الاجتماعي ثانية.
فالنظرية ترتبط ارتباطاً كلياً وجدلياً، بسياستها وسياقها الذي وضعت من اجله.. والممارسة هي عملية التقدم، وهي التي تستقي اهدافها في اطار علاقتها بحركة الواقع ومنطلقاته وعلى ضوء هذا المنظور العلمي.. فصاحب النظرية يستقي مقدرته من مخاض الاضداد، داخل الاطار الجدلي للنظرية.. فهو الذي يوازن بين الحدين بالبصيرة العلمية، وفي حدودها.. الفكرية والتي ترتبط بالمرحلة التاريخية وربما تناقضها، بعد أن يشتد الصراع الاجتماعي وانعكاسه، على منطلقات النظرية.. الرئيسية .. والنتيجة الحتمية هو ايجاد الموازنة بين الحالات المتناقضة وهو الصراع النفسي داخل الشخصية الاجتماعية، وهو الذي يؤدي الى منعطف جديد في عملية الصراع بعد ان تم خلق، نواة جديدة لعمليات الصراع.. والذي تنتهي عنده الهياكل للسلطة والدولة.. وهذا رأي احد المفكرين بعد ان تحقق في المجتمع العدالة وكذلك عند اخوان الصفاء في رسائلهم .. وهكذا تكون الدولة في رأي ابن خلدون هي عبارة عن مستوى، تطبيقي للنظرية.. الاجتماعية وهي السياق المنظم في التجربة الخلاقة، التي تعد الانتقال من الاستقراء الى الاستنباط لان الدولة هي التصور الفعلي والعقلي عند ابن خلدون .. وهي النتائج لتركيبة فكرية ناضجة…وهي التي تهدف الى ربط النتائج النظرية، بالمبادئ لانها التركيبة الفكرية الشاملة.
أوراق حول منزلة الفلسفة عند ابن خلدون
السياسة عند فيلسوف الاجتماع ابن خلدون:
ولا بد لنا هنا أن نُعرِّج على رأي فيلسوف الاجتماع، بل مؤسس علم
الاجتماع في الحقيقة: عبد الرحمن بن خلدون (ت808هـ)، الذي أثبته في
مقدمته، وهو أثر الدِّين عند العرب في إقامة المُلك وتثبيته، مع سوء رأيه
في العرب، وأنهم أقرب إلى التَّوحش منهم إلى العمران والحضارة ومع
هذا قرَّر: أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصفة دينية، من نبوة أو ولاية
(لله) أو أثر عظيم من الدِّين على الجملة.
قال: (والسبب في ذلك: أنهم لخُلُق التَّوحش الذي فيهم، أصعبُ الأمم انقيادًا
بعضهم لبعض للغلظة والأَنَفَة، وبُعد الهمَّة والمنافسة في الرِّياسة؛ فقلَّما
تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدِّين بالنبوة أو الولاية (أي الولاية لله بالتقوى)،
كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خُلُق الكِبر والمنافسة منهم، فسهُل
انقيادهم واجتماعهم، وذلك بما يشملهم من الدِّين المُذْهِب للغِلظة والأَنَفَة، والوازع عن التَّحاسد والتَّنافس. فإذا كان فيهم النَّبي أو الوَلِي الذي يبعثهم
على القيام بأمر الله، ويُذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها،
ويؤلِّف كلمتهم لإظهار الحق، تمَّ اجتماعهم، وحصل لهم التَّغلب والمُلك. وهم مع ذلك أسرع الناس قَبولا للحق والهُدى لسلامة طباعهم من عِوَج
المَلَكات، وبراءتها من ذميم الأخلاق، إلا ما كان من خُلُق التَّوحش القريب

المعاناة، المُتهيِّئ لقَبول الخير، ببقائه على الفطرة الأولى، وبُعده عمَّا ينطبع
في النفوس من قبيح العوائد وسوء المَلَكات فإن كل مولود يولد على الفطرةكما ورد في الحديث
كما عقد ابن خلدون فصلا أكَّد فيه: أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها
قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها. قال: (والسبب في ذلك
-كما قدمناه: أن الصبغة الدِّينية تذهب بالتَّنافس والتَّحاسد الذي في أهل
العصبية، وتُفرد الوجهة إلى الحق. فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم: لم
يقف لهم شيء؛ لأن الوجهة واحدة، والمطلوب متساوٍ عندهم، وهم
مستميتون عليه، وأهل الدَّولة التي هم طالبوها -إن كانوا أضعافهم- فأغراضهم متباينة بالباطل، وتخاذلهم لِتَقيَّة الموت حاصل، فلا يُقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم، بل يغلبون عليهم، ويُعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذُّل كما قدمناه.
وهذا كما وقع للعرب صدر الإسلام في الفتوحات. فكانت جيوش المسلمين بالقادسية واليرموك بضعة وثلاثين ألفا في كل معسكر، وجموع فارس مائة وعشرين ألفا بالقادسية، وجموع هِرَقل -على ما قاله الواقدي- أربعمائة ألف! فلم يقف للعرب أحد من الجانبين، وهزموهم وغلبوهم على ما بأيديهم.
واعتبرْ ذلك أيضا في دولة لَمْتُونة ودولة الموحدين. فقد كان بالمغرب من القبائل كثير ممَّن يقاومهم في العدد والعصبية أو يَشِف عليهم، إلا أن الاجتماع الدِّيني (عند الموحدين) ضاعف قوة عصبيتهم بالاستبصار والاستماتة كما قلناه، فلم يقف لهم شيء
شغل ابن خلدون بالسياسة الواقعية، ولم يحلق وراء الطوبويات كجمهورية أفلاطون أو مدينة الفارابي، وعني باكتشاف القوانين الطبيعية التي تحكم الأمم والمجتمعات، والتي سماها (طبائع العمران)، فهو أبو علم (العمران السياسي) أو علم (الاجتماع السياسي)، وهو باعتراف الغربيين أنفسهم أول من كتب في هذا العلم، حتى ذكر الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه (تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز) أنه سمع العلماء في فرنسا حين إقامته في النصف الأول من القرن التاسع عشر يدعون ابن خلدون (منتسكيو الشرق أو الإسلام) ويسمون منتسكيو (ابن خلدون الفرنج)، ولا غرو أن أُطلق عليه: رائد علم الاجتماع السياسي الحديث”
1-تصنيف السلطة الاجتماعية عند ابن خلدون كان اللقاء مع المفكر اللبناني صاحب كتاب “صدام الهمجيات” جيلبير الأشقر في إطار الأيام الدراسية: “ابن خلدون والفلسفة” يومي 16- 17 أفريل 2009 الذي نظمته وحدة البحث في تاريخ الفلسفة والعلوم العربية والإسلامية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية (9 أفريل تونس) بالتعاون مع المركز القومي للبحث العلمي بباريس والمهداة إلى فقيد الفكر الأممي المناهض للامبريالية والمناصر للقضايا العربية: جورج لابيكا، وقد تناول أستاذ دراسات النمو والعلاقات الدولية بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن الإشكال التالي: على أي أساس يقوم ابن خلدون بتصنيف السلطة الاجتماعية؟
هذه الورقة مستلهمة من خلال كتاب طريف الخالدي حول تاريخ الفكر العربي في الحقبة الكلاسيكية وتعمل جاهدة على انجاز المقارنة بين فكرة فيبر وفكر ابن خلدون.
الغاية ليست إظهار ابن خلدون على أنه يعرف كل شيء بل الإشارة إلى اعتراف فيبر بمجهودات ابن خلدون والتعامل مع ابن خلدون من وجهة نظر علم الاجتماع الفيبري. كيف يمكن التمييز بين الاجتماعية والسياسية بالمعنى الفيبري وبالمعنى الخلدوني؟
السلطة مبنية عند ابن خلدون على الغلبة والغلبة في العربية هو الهيمنة وصنف أول من الغلبة هي الرئاسة والغلبة إنما تكون بالعصبية الذي يسمح بالرئاسة التي تترجم chef. ان الملك صنف آخر من الرئاسة ونمط آخر من الغلبة وهي السؤدد وصاحبه متبوع وليس عليهم قهر في أحكامه والقهر هو الذي يميز الملك عن الرئاسة. في حين أن القهر هو الجزم بالقوة ونجد فيه الوصف الفيبري للسياسة بالمعنى الحديث بأنها مبنية على القوة بالدرجة الأولى أي الاجتماع السياسي.
يصنف الملك إلى النظام الملكي والملك بالمعنى العام أي السلطة والحكم بشكل عام Pouvoir يستعمل جورج لابيكا Souveraineté السيادة التي تعني الملك في المعنى الوسيط. لكن الملك الذي يبنى على القهر لا يدوم.
Domination هي هيمنة تقليدية وكاريزماتية وقانونية نجدها عند ابن خلدون، ان الهيمنة التي مصدرها الدين والنبوة وهو مماثل لمفهوم السلطة السلطة الكاريزماتية (النبي هو كاريزم). أما الهيمنة التقليدية فتحدث عندما يتحول الملك إلى تقليد نجده عند ابن خلدون بقوله إذا استقرت الدولة استغنت عن العصبية وتصبح بالوراثة. تحول الملك إلى ملك مبني على الزمن والعادة. في حين أن الهينة القانونية الشرعية والعقلانية، اذ يؤكد ابن خلدون إلى تأكيد ضرورة بناء الحكم على القوانين عندما يصرح:” فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة في ذلك كما أن الشأن في الفرس وغيرهم”.
يميز ابن خلدون بين قوانين العقلاء وقوانين ترجع إلى الله التي يسميها السياسة الدينية ولكن السياسة العقلية هي مبنية على قوانين الغاية منها المصلحة العامة. كما تفوق السياسة الدينية على السياسة العقلية في علاقة بالآخرة بينما في مجال الدنيا فالتفوق يكون إلى السياسة الدينية.
النوع الآخر من الملك هو الخلافة وهنا يحيل إلى نوعين من القوانين: القانون العقلي الذي يستند إلى المصلحة العامة والشرع الذي يستند إلى النجاة في الآخرة
أنماط العمل أربعة وأنماط الهيمنة ثلاث فقط وهذا خلل في حد ذاته. أشار الخالدي خطأ شائع من قبل الباحثين حول التناقض بين الخلافة والملك، لكن الملك الذي يناقض الخلافة هو الجبروتية والكسروية بينما الملك الذي هو خلافة فهو الحكم الصالح.
حتى فكرة وجوب النبوات فهي غير برهانية في السياسة وقد تتم من دون ذلك لأن أهل المجوس لهم أنظمة سياسية ناجحة. النظرة الخلدونية العلمية هي نظرة تنسيبية تاريخية للملك.
أبو بكر الطرطوشي هو الذي ميز بين السياسة الاصطلاحية والسياسة النبوية ,الأولى في نجاح الحكم هو السياسة وليس الشريعة والإيمان دون حنكة سياسية تؤدي إلى ضياع الدول والحنكة السياسية دون إيمان يمكن أن تحفظ الدول. “الجور المرتب أفضل من العدل المهلك” الأمم التي استطاعت أن تقيم الحكم على أصول صحيحة.
ابن خلدون تجرأ على تفسير الدين بالسياسة والتاريخ، زمن الطرطوشي فيه أكبر من حرية الفكر والتعبير أكثر من زمن ابن خلدون حسب عبد العالي والتي تسمح بفهم علماني للسياسة ونظرة تاريخية للمجتمع. ان الرغبة في الإصلاح عند ابن خلدون ليست ناتجة عن فقدانه للإيمان الديني بل متأتية من إيمانه العميق بصدقية النص الديني.
ظهور الكاريزم ضرورة تاريخية من أجل التغيير في طريقة بناء الدول من قدوم العصبيات من البادية والسيطرة على الحكم في المدينة إلى الاعتماد على دعوة دينية تتشكل كإيديولوجية تأسيس الدولة على الفكرة والهيمنة الأيديولوجية.
الحالة الوحيدة تتعالى على الواقع من أجل التي يقترب فيها فيبر من ابن خلدون حسب رأي الأستاذ صالح مصباح هي السلطة الكاريزماتية ومفهوم الكاريزما هي قضية المهدي المنتظر وخاصة الحاجة إلى المهدي ولذلك يعظم ويركز على الانتظار والتوقع والهالة.
يمكن مناقشة هذه الورقة بالتساؤل عن جدوى منهج تبرير الفكر الحديث بالبحث عن ما يتطابق معه في النصوص القديمة، إذ أن الانطلاق من نظرية ماكس فيبر حول الأسس الثلاث للسلطة( التقليدية والكاريزماتية والقانونية) ومحاولة البحث في مقدمة ابن خلدون عما يشبهها هو نوع من الإسقاط التاريخي والوله بالذات وقد يعبر عن نوع من العجز عن الإبداع لدي العقل العربي والشعور بالتبعية للثقافة الغربية.
زد على ذلك أن البحث في علاقة الدين بالسياسة عند ابن خلدون والتصريح بأن ابن خلدون كانت له مثل الطرطوشي جرأة قراءة الدين من وجهة نظر سياسية وأن قوله بأن الدعوة السياسية ولا تقوم إلا بدعوة دينية وأن الدعوة الدينية لا تقوم إلا بالعصبية هو رأي يغلب الاجتماعي الطبيعي على الإلهي والشريعة ويجعل المقدس مجال صراع وتجاذب من طرف رجال السياسة، وهو أيضا توصيف يجعل من ابن خلدون واحد من الذين خاضوا في تجربة الإصلاح الديني عند العرب والمسلمين، فإلي أي حد يمكن أن نعتبر ابن خلدون مصلحا دينيا؟ وفيم يتمثل هذا الإصلاح؟ وعلى ماذا يقوم؟
2- مدني وسياسي:العمل القيم الثاني أنجزه رئيس قسم الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس الأستاذ صالح مصباح وكان بعنوان رئيسي: مدني وسياسي في المقدمة وبعنوان فرعي: ابن خلدون والفكر السياسي في العصر الوسيط.
يمر معظم الباحثين في الدراسات الخلدونية سريعا على المقدمة السادسة التي تتحدث عن تعريف الإنسان على أنه “مدني بالطبع” وكأن هذا الأمر بديهي ولا يثير أي إشكال، لكن إذا كانت كلمة مدني تعني سياسي والإنسان حيواني سياسيun animal politique في المدونة القديمة فإنها لا تعني نفس الشيء في الفلسفة السياسية العربية والحديثة. فأين موطن البداهة
والإشكال في ذلك؟ ولماذا يجب أن نتوقف عند هذا التعريف البديهي
للإنسان ونفكر فيه؟ وما المقصود بالسياسة في المدونة القديمة والوسيطة؟ وما الذي يميز النظرة الخلدونية؟
إن هذه الإشكاليات أثاراتها ترجمة الشدادي لمصطلح ابن خلدون مدني إلى
اللغة الفرنسية بسياسي وليس مدني وهو ما يفرز ابتعادا عن المعنى الأصلي واقترابا من معنى جديد حديث.
السياسة في التصور الخلدوني وخاصة في المقدمة تعني فن تدبير الشأن الإنساني أي الحكم فحسب وليست لها علاقة بتدبير الصنائع والمنزل والمدينة، كما أن كلمة مدني وكلمة سياسي كان مصيرها الانتقال إلى كائن اجتماعيun animal sociable.
تمثل المدينة تجمع اجتماعي والسياسة تلحق فيما بعد، إن المرة الوحيدة التي تم فيها الجمع بين السياسة والمدنية في الفلسفة العربية كانت مع مفهومي العلم المدني والسياسة المدنية هي عند الفارابي ولكن ما قام به ابن خلدون هو رفض هذه المدونة القديمة.

ماهو وضع ابن خلدون في الفلسفة العربية والفلسفة العالمية من جهة التناول للمسألة السياسية ؟
ابن خلدون هو أرسطي في تفكيره السياسي وبعيدا كل البعد عن المثالية الأفلاطونية وغير أرسطي في نفس الوقت،فهو أرسطي لاحتفاظه بمفهوم المدينة ولاعتباره الإنسان مدني بالطبع في المرة الأولى دون مناقشة ذلك ولكنه عندما يتكلم عن كتاب السياسة لأرسطو فهو في الحقيقة يتحدث عن كتاب سر الأسرار المنسوب إلى أرسطو خطا وليس عن كتاب السياسة المعروف والمتداول.
السياسة عند العرب هي سياسة طوباوية تهتم بما ينبعي أن يكون وتغطي الواقع التاريخي بطبقة من التأويلات المضللة وابن خلدون يحاول أن يؤسس السياسة بمعنى الحكم المرتبط بالوازع والسلطان والتي يستمدها من ثلاث مصادر:
المصدر الأول هو علم الفقه الإسلامي وخاصة من نظرية الماوردي في الأحكام السلطانية وقد وضح هذه الفكرة المستشرق هنري لاوست بطريقة جيدة.
المصدر الثاني الذي استلهم منه ابن خلدون هو نصائح الملوك ومرايا الأمراء وخاصة ما نجده عند الطرطوشي من آداب ووصايا ومواعظ موجهة إلى تربية الحكام وتوجيههم ، وآيتنا في ذلك أنه يورد رسالة كاملة لأبي طه إلى ابنه حسين تضمنت نصائح حول المكارم الخلقية والسياسة الحكيمة التي ينبغي التقيد بها نقلها عن الطبري وقد اعتبر ذلك أحسن ما وقف عليه من السياسة.
التقليد الثالث هو التجربة التاريخية وحركة التاريخ والتقلبات السياسية والسيرة الذاتية وعلاقته برجال الحكم في حياته وما حصل له معهم من تقريب وإبعاد ومن استشارة واهتداء إلى عقاب واستغناء.
من هذا المنطلق يفيد مفهوم السياسة عند بن خلدون فن الحكم وأما المفهوم القديم Polisفيعني تدبير المدن ومفهوم مدني بعيد كل البعد عن مفهوم سياسي وقريب من مفهوم اجتماعي.
من المعلوم أن ابن خلدون هبط من السماء إلى الأرض وحاول دحض الفلسفة السياسية المثالية وينتج خطاب علمي حول مجال السياسة سمي عند البعض علم السياسة وعند ابن خلدون نفسه علم العمران البشري وإقصائه للفلسفة الكلاسيكية هو إقصاء للسياسة المعيارية التي تطلب السعادة في الدنيا والآخرة لتجاوز ربط النبوة والسياسة في عيون الحكمة والكتاب العاشر من الشفاء ويحتفظ بالسياسة بالمعنى التوصيفي غير المعياري والذي يمكن أن نسميه الواقعية السياسية إلا باستثناء السياسة النبوية وذلك لانبهار الناس بالنبي.
السياسة المعيارية التوصيفية الخلدونية تتلاءم مع الاستبداد السياسي وذلك لغياب مفهوم الحرية في الفكر السياسي في الفلسفة العربية القائم على باراديغم الخضوع والطاعة والشوكة والغلبة والطاعة والعصبية.
لم يقترح ابن خلدون فلسفة سياسية جديدة بل اقترح نظرة واقعية براغماتية تعتمد على علم الفقه والسياسة الاصطلاحية والعرفية التي نقلها عن الفرس والساسانيين والهنود والتي ترجمها ابن المقفع وعبد الحميد الكاتب وتنبه إلى أهمية دراسة قوانين العمران البشري من أجل تفسير ما يحدث من تبدل وتغير في الحياة السياسية.
هكذا كان موقف ابن خلدون من الفلسفة حازما ومستبصرا يرفض الميتافيزيقا من أجل بناء العلم والفلسفة الطبيعية التجريبية ولذلك لم ينقد حكماء الإغريق ولم يبطل تعاليمهم بل عظمهم ومجدهم ولكنه حمل بشدة على الفلاسفة العرب واعتبرهم من أصحاب الأقاويل المغشوشة المقصرين عن فهم الحكمة والشريعة والطبيعة والمجتمع.
ننتهي إلى القول بأن ثراء تجربة ابن خلدون السياسية تعود إلى تأليفه بين هذه المصادر الثلاثة والتي أدت به إلى استنتاج غياب الخصومة بين العلم والدين.
في الواقع يمكن مناقشة هذه المداخلة بالتأكيد أن تعريف الإنسان على أنه كائن اجتماعي هو تعريف لا ينتقل من الحد الأول: الإنسان مدني بالطبع إلى الحد الثاني: الإنسان حيوان سياسي بل يؤلف بين الحدين مع أي أن الاجتماعية تضم المدنية والسياسة في الآن نفسه ، كما أن المدونة الإغريقية عرفت مصطلح السياسة وأرسطو نفسه عرف الإنسان على أنه حيوان سياسي والمدونة الحديثة ركزت جميع جهودها تقريبا على التمدين والمواطنية .
فالي أي مدى يصح ذلك وهل يمكن اعتبار ابن خلدون هو المؤسس الفعلي لما سيسمى بعد ذلك بالعلمانية؟
شهدت المداخلات الأخرى محاولة تأصيلية مستحدثة من قبل رئيس وحدة البحث الأستاذ مقداد عرفة منسية بعنوان “مزاج الدولة” وتتمثل خطة بحثه في قراءة السياسة عند ابن خلدون على ضوء مفهوم المزاج المأخوذ من سجل طبي طبيعي وقد جاءت ورقته المتأنية كتحدي كلامي مرتكزا على عدة منطقية لنظرية فلسفية سياسية لها قاع طبيعي وتقف فوق أرضية دينية وقد حاول الأستاذ تبرير أطروحته بالاستناد إلى تحليل منطقي للغة ابن خلدون العلمية ساعده في ذلك العمل الذي قامت به الأستاذة سلوى الشطي حول التناسب والعلية والذي أخضعت بعض نصوص المقدمة إلى أسلوب التقليد التحليلي في قراءة النصوص الفلسفية وخاصة ذلك الذي نجده عند كواين وهو ما مكنها من الاستنتاج أن مقدمات ابن خلدون غير معرفة وغير بديهية وليست كلية وأن خطابه غير برهاني وبالتالي غير علمي من الناحية المنطقية أي أن النتائج لا تكون لازمة لزوما ضروريا عن المقدمات وأن بعض المقدمات غير مثبتة بالتجربة وتتناقض أحيانا مع الواقع وبالتالي هناك مقدمات أخرى لنتائج حاصلة وهناك نتائج أخرى لمقدمات حاصلة.
بقيت مداخلة افتتاحية قدمها المغربي الأستاذ عبد العالي العمراني بعنوان: “شكوك ابن خلدون على نظرية العقل للفلاسفة” والتي نذكر أهم ما جاء فيها وهو تأكيده على أهمية التمييز الخلدوني بين العلماء والعلماء الأولياء والأنبياء وكذلك التفطن إلى منزلة الحس الباطني والقوى الواهمة والذاكرة والمتخيلة في ربط نظرية النبوة بنظرية الحكمة المتعالية واللافت للنظر أن الباحث انتهى إلى الإقرار بأن غربلة ابن خلدون للطبيعة والفيزياء هو تجسيد للتحدي الذي رفعه السحرة في وجه الأنبياء وتبرير للتصوف والميتافيزيقا وحركة الارتقاء الفكري التي يقوم بها الحكيم نحو العقل الروحاني.
غير أن الإشكال لا يتعلق بالتمفصل بين المدني والسياسي بقدر ماهو إشكال يطرح ضمن تمفصل أول بين الفرداني والجماعاتي وضمن تمفصل ثاني بين الطبيعي والاصطناعي وتمفصل ثالث بين القوة ( السيف والحرب والغلبة) والحق( القلم والتمدن والشرع).
في البداية هل يصح القول من الناحية المنطقية بأن خطاب ابن خلدون في المقدمة غير برهاني وجدلي؟ ألسنا نحاول الانتقال من إثباتات واقعية إلى أحكام قيمة؟ وأليس الأنسب هو إخضاع النص الخلدوني للتحليل المنطقي الذي عاصره ونقصد المنطق الاسمي الذي حاول تأسيسه ابن تيمية والغزالي؟ وماذا استفاد ابن خلدون في إعادة تعريفه لمفهوم السياسة من العلوم الدينية وخاصة الفقه؟ وهل انتهى به الأمر إلى الفصل بين الملك والخلافة أم إلى التمييز الوظيفي بينهما بحيث يكون الملك للدنيا والخلافة للآخرة؟ هل برر ابن خلدون واقع الخضوع والهرمية الاجتماعية وكان فكره السياسي مشرعنا للاستبداد وهل خلت المقدمة من أية إشارة إلى فكرة الحرية والديمقراطية كما بين رزونتال؟ هل السبب هو استلاف العدة التنظيمية القانونية من الفقه؟ وهل كل فقه سياسي وكل سياسة فقهية هي مانعة لقيام الديمقراطية؟ وهل يساعد علم الفقه السياسة على أن تكون علما واقعيا ذرائعيا أم أنه يجعله في تبعية ووصاية دائمة للاهوت؟ أليس ما يوجد في الفصل الخاص بعلم الفقه في المقدمة بذورا تنويرية نقدية للمدونة الفقهية القديمة ودعوة إلى بناء علم أصول فقه جديد يكون خير سند لعلم السياسة بالمعنى الواقعي والبراغماتي؟
ألم يكتف بنقل مفهوم التدبير الإلهي للكون الذي ذكره ابن باجة إلى تدبير الإنسان للشأن الدنيوي ؟ لماذا ختم ابن خلدون فصله الشهير حول إبطال الفلسفة وفساد منتحلها بتأكيده على ضرورة التسلح بالعلوم النقلية من أجل حسن الاستفادة من العلوم العقلية لما صرح بما يلي: ” هذه هي ثمرة هذه الصناعة مع الاطلاع على مذاهب أهل العلم وآرائهم ومضارها ما علمت. فليكن الناظر فيها متحرزا جهده من معاطبها وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه. ولا يكبن أحد عليها وهو خلو من علوم الملة فقل أن يسلم لذلك من معاطبها.”؟
ماذا نفعل لابن خلدون ومقدمته؟ هل نكتب لها مقدمة جديدة أم نكتب خاتمتها ونحفر قبر أهم نص عربي سجل اسمه من ذهب في رواق الفكر العالمي؟ وهل نفكك قلاع الاستبداد السياسي والديني ونقتلع جذور الخضوع ونشيد قصر الحرية بمجرد مغادرتنا لابن خلدون وطي مقاله غير البرهاني؟ أليس الأحق هو أن نبطل إبطال ابن خلدون للفلسفة و نصلح ما أفسده منتحلوها ؟ ما حاجتنا إلى تصور ابن خلدون للسياسة الاستخلافية؟ هل يعني ذلك أن السياسة لا يقع تصحيحها إلا بالواقع وأن الحكمة لا يتم تسديدها سوى بالشريعة وأن العقل لا يتقوم إلا بالعودة إلى عالم التجربة وأن الإنسانية لا يحسن معادها إلا متى دبرت معاشها؟
ملاحظة:
ما دونته هو ما استطعت أن أنقله من المداخلات وربما فاتني بعض الأفكار لثراء الأوراق المقدمة وجدة المقاربات التي أنجزت لذلك أطلب المعذرة من الأصدقاء الأساتذة الأجلاء إن سهوت عن جوانب من تحليلاتهم واستخلاصاتهم ويمكنهم تسديد تغطيتي والرد على مناقشتي.
كاتب فلسفي

المراجع :
منطق ابن خلدون .. الدكتور على الوردي ص101.
مقدمة ابن خلدون ص20.
. تاريخ ابن خلدون المجلد السادس ص205
أطروحة دكتوراه مقدمة من قبل الباحث شفيق إبراهيم صالح الجبوري، والتي نال عنها درجة الدكتوراه في فلسفة علم الاجتماع، من مجلس كلية الآداب – جامعة بغداد، وبتاريخ 5-7-2000.
تم هذا العرض أيضا من قبل الباحث في مجلة شؤون اجتماعية الإماراتية، العدد74، صيف 2002، السنة 19

ابن خلدون في علم الاجتماع

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

صدر مؤخرا عن مركز الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية كتاب “نصوص مختارة من مقدمة ابن خلدون” اختارها وقدم لها وعلق عليها د.محمد العبدة.
يبدأ الكتاب بعرض آراء المفكرين في المقدمة التي وضعها ابن خلدون: يقول المرصفي: “أحد أكابر عقلاء الأمة، وقدوة سائر الأمم في إخراج التاريخ عن كونه قصصا وأحاديث إلى جعله أكبر مرب للعقول”.
أما في رأي توينبي: “ابن خلدون قد ألهم وصاغ فلسفة للتاريخ هي بلا ريب أعظم عمل من نوعه..”.
يقول المؤلف د.العبدة في مقدمة كتابه: عاش ابن خلدون في زمن حافل بالتغيرات، فدولة الموحدين القوية في المغرب الأقصى قد انتهت والمسلمون في الأندلس يستشعر الناظر إليهم بعلامات استيلاء الأسبان على بلادهم، فقد أبصر ابن خلدون في رحلته إلى الأندلس عجز المسلمين هناك عن الدفاع عن أنفسهم، وأنهم فقدوا البأس بسبب انغماسهم في الترف. وهجمات “تيمورلنك” تخرب المشرق الإسلامي، عند هذه المنعطفات التاريخية كتب ابن خلدون في أسباب التقدم وأساب التدهور.
ويضيف المؤلف: كان مما شجعني على اختيار نصوص من المقدمة والتعليق عليها ما رأيت من إعراض بعض من ينتسبون للدعوة الإسلامية في هذا العصر عن دراسة التاريخ وشئون الاجتماع الإنساني، وهذا مما جعلهم ضعيفي القدرة على التحليل والمقارنة ومعرفة الواقع، والذي لا يعرف الماضي لا يعرف الحاضر.
إن بعض الدعوات أو الحركات الإسلامية قدمت تضحيات كبيرة عندما كان الأمر متعلقا بالدفاع والجهاد، ولكن عندما تصل الأمور إلى إنشاء دول، وإلى السياسة والعلاقات الداخلية والخارجية، وإلى المفاوضات والمداخلات، وعندما تصل الأمور إلى قطف ثمرة التضحيات، نرى هذه الحركات تقع في أخطاء كبيرة ويصيبها الإخفاق الذريع، وذلك لأسباب منها مثلا: ضحالة التجربة السياسية، فكما قيل: “إن أردت أن تفكر سياسيا بشكل جيد فعليك أن تقرأ تاريخيا بشكل جيد”.
إن قراءة المقدمة مدخل لفهم ما يجري حولنا، ومعرفة أسباب التقدم والنهوض، والتعود على التفكير السليم، ومعرفة العلل والأسباب.
الفصل الأول من “مقدمة ابن خلدون” يحمل عنوان “مدخل إلى المقدمة” وفيه يقول المؤلف أن ابن خلدون قسم أعماله التاريخية إلى مقدمة وثلاثة كتب: مقدمة في فضل علم التاريخ، والكتاب الأول في العمران، والكتاب الثاني في أخبار العرب وأجيالهم ومن عاصرهم من الأمم الأخرى، والكتاب الثالث في تاريخ البربر.
والكتابان الثاني والثالث هو ما يسمى بـ”كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”.
فضل العثمانيين
لم يتنبه المسلمون بعد ابن خلدون لأهمية المقدمة، فالضعف العلمي والثقافي الذي خيم قرونا بعد ذلك لا يتيح لاكتشاف مثل هذا العمل.
وفي العصر الحديث كان الأتراك العثمانيون سبّاقين لمعرفة أهمية المقدمة، فإن الفتوحات الإسلامية في أوروبا التي قادها السلاطين في أوائل الدولة أدّت إلى ظهور طبقة من المؤرخين الذين اطّلعوا على التاريخ الإسلامي بشكل عام، ومن الطبيعي أن يقرءوا المقدمة .
ثم إن توالي المحن على الدولة العثمانية في عصورها الأخيرة مع ضعفها من الداخل جعل هؤلاء المؤرخين يهتمون كثيرا بالمقدمة.
من هو؟
إن عبقرية ابن خلدون تكمن في التنبه للشأن العمراني وقوانين التاريخ وصياغة كل ذلك في نظرية متماسكة واضحة المعالم.
لقد درس ابن خلدون وقرأ على علماء عصره أكثر العلوم المعروفة يومها مثل التفسير والحديث والفقه وأصوله واللغة العربية واطّلع على كثير من العلوم الأخرى، كالجغرافيا والهندسة والحساب، وقرأ المنطق، وهو مطلع على أثر الفلسفة، على مقلّديها المهزومين كابن سينا والفارابي.
اسمه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون وهو مؤرخ شهير ورائد علم الاجتماع الحديث الذي ترك تراثا مازال تأثيره ممتدا حتى اليوم .
ولد في تونس عام 1332 وعاش في أقطار (شمال إفريقيا) وكانت أسرة ابن خلدون والتي تنحدر من أصول عربية كما ذكر في كتاباته أسرة ذات نفوذ في إشبيلية في الأندلس. هاجر بنو خلدون إلى تونس التي كانت تحت حكم الحفصيين.
يعد من كبار العلماء الذين انجتبهم شمال افريقيا، اذ قدم نظريات كثيرة جديدة في علمي الاجتماع والتاريخ، وقد عمل ابن خلدون في مجال القضاء أكثر من مرة ، وحاول تحقيق العدالة الاجتماعية في الأحكام التي أصدرها. وافته المنية في رمضان عام 1406 هـ.
وصفه صديقه لسان الدين بن الخطيب في كتابه “الإحاطة” فقال:
“كان فاضلا، حسن الخلق، ظاهر الحياء، وقور المجلس، عالي الهمة، صعب المقادة، طامحا لقنن الرئاسة، كثير الحفظ جواد اليد..”.
فناء الدول
تحت عنوان “أسباب فناء الدول”يكتب ابن خلدون ” الأمة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء، والسبب في ذلك – والله أعلم – ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا مُلك أمرها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها، وعالة عليهم، فيقصر الأمل ويضعف التناسل.
فإذا ذهب الأمل بالتكاسل، وذهب ما يدعو إليه من الأحوال، وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم، تناقص عمرانهم، وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم، وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم، بما خضد الغلب من شوكتهم فأصبحوا مُغلّبين لكل متغلب، وطُعمة لكل آكل، سواء كانوا حصلوا على غايتهم من الملك أو لم يحصلوا.
وفيه – والله اعلم – سر آخر، وهو أن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خُلق له، والرئيس إذا غُلب على رياسته، وكُبح عن غاية عزه تكاسل حتى شِبَعِ بطنه وريِّ كبده، وهذا موجود في أخلاق الأناسي، ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة، وإنها لا تسافد أي تتناسل إذا كانت في ملكة الآدميين.

الدولة عند ابن خلدون
الدولة عند ابن خلدون من المحاور الأساسية في حديثه عن العمران البشري، لأن الغاية التي يسعى لها البدو أو هم منساقون إليها “بالطبع” هي التحضر.
ومما كتبه في هذا نقرأ لابن خلدون تحت عنوان “الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق”: وذلك لأن الملك إنما يحصل بالتغلُّب، والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة، وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه، قال تعالى: “لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم” وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس ونشأ الخلاف، فإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقلّ الخلاف وحسُنَ التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة.
ويقول أيضا: والسبب في ذلك كما قدّمناه أن الصبغة الدينية تُذهب التنافس والتحاسد، وتُفرِد الوجهة إلى الحق، فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شئ – أي يكون النصر حليفهم، ولا يستطيع أحد الوقوف في وجوههم -، لأن الوجهة واحدة، والمطلوب متساو عندهم، وهم مستميتون عليه، وأهل الدولة التي هم طالبوها وإن كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل، وتخاذلهم لتقية الموت حاصل، فلا يقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم، بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذل.
وهذا كما وقع للعرب صدر الإسلام في الفتوحات فكانت جيوش المسلمين بالقادسية واليرموك بضعا وثلاثين ألفا في كل معسكر، وجموع فارس مئة وعشرين بالقادسية، وجموع هرقل على ما قاله الواقدي أربعمئة ألف، فلم يقف للعرب أحد من الجانبين، وهزموهم وغلبوهم على ما بأيديهم.
هل تصلح للتجارة؟
تحت عنوان: “أي أصناف الناس يحترف بالتجارة؟ وأيهم ينبغي له اجتناب حرفها؟” يقول ابن خلدون:
معنى التجارة تنمية المال بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأغلى من ثمن الشراء، إما بانتظار حوالة الأسواق أو نقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى، أو بيعها بالغلاء على الآجال، وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال يسير، إلا أن المال إذا كان كثيرا عظم الربح.
وأهل النَّصفة قليل فلابد من الغش والتطفيف المجحف بالبضائع، ومن المَطل في الأثمان المجحف بالربح.
كأنه يقول: إن واقع التجار والتجارة به كثير من الغش وتأجيل إعطاء الحقوق، فالذي يريد دخول هذا المجال لابد أن يكون على أهبة الاستعداد لمثل هذه الأحوال في السوق، لأن المنصفين قلة، وهذا صحيح وهو وصف لواقع دول لا هي تتبع الشريعة بحذافيرها كي ينصف المظلوم من الظالم، ولا هي تسير على قانون يسري على الجميع كما هو الحال في الغرب الآن حيث تزدهر التجارة والصناعة.
ويضيف ابن خلدون: يعاني التاجر من ذلك أحوالا صعبة، ولذلك على المشتغل بالتجارة أن يكون جريئا على الخصومة، بصيرا بالحسبان، شديد المماحكة، مقداما على الحكام، وإلا فلابد له من جاه يدّرع به، يوقع له الهيبة عند الباعة، ويحمل الحكام على إنصافه من معامليه، وأما من كان فاقدا للجراءة والإقدام من نفسه، فاقد الجاه من الحكام، فينبغي له أن يجتنب الاحتراف بالتجارة، لأنه يعرِّض ماله للضياع والذهاب، ويصير مأكلة للباعة ولا يكاد ينتصف منهم.
طرق التعليم
في الفصل السادس والأخير تحت عنوان “العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه” تكلم ابن خلدون في هذا الباب عن أنواع العلوم وخاصة العلوم الإسلامية من تفسير وحديث وفقه وأصول فقه،ونقرأ من هذا الباب تحت عنوان “وجه الصواب في تعليم العلوم وطريقة إفادته”: “..ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم ألا يخلط على المتعلم علمان معا، فإنه حينئذ قلّ أن يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر، فيستغلقان معا ويستصعبان ويعود منهما بالخيبة، وإذا تفرغ الفكر لتعليم ما هو بسبيله مقتصرا عليه، فربما كان ذلك أجدر بتحصيله”.
انتقادات هامة
العرب من أكثر المصطلحات التي ثار حولها الجدل عند دارسي لغة المقدمة فقد استعمله ابن خلدون تارة بمعنى “البدو” وتارة بشكل غامض، فالذين قرأوا المقدمة بعجلة وسطحية ظنوا أن المقصود العرب بشكل عام أو الجنس العربي، فصبوا جام غضبهم عليه، واتهموه بالشعبوية، أو بمداهنة حكامه السابقين من البربر، ثم جاءت دراسات تقول: إنه يقصد البدو، والدليل قوله: “وأما من كان معاشهم في الإبل فهم أكثر ظعنا، وأبعد في القفر مجالا، فكانوا لذلك أشد الناس توحشا، وهؤلاء هم العرب، وفي معناهم ظعون البربر وزناتة بالمغرب، والأكراد والتركمان والترك بالمشرق، إلا أن العرب أبعد نجعة وأشد بداوة، لأنهم مختصون بالقيام على الإبل فقط”.
يقول المؤلف: إن استعمال ابن خلدون لكلمة “العرب” يشوبه شئ من الغموض وشئ من التشاؤم، ولقد عاش فترة طويلة مع القبائل العربية والبربرية ودرس طباعهم وطريقة تفكيرهم، وشاهد الغارات المتكررة من عرب بني هلال وسليم على الدول التي ما إن تنشأ حتى تزول، فكان هذا سببا لأن يفكر طويلا في هذه الظاهرة: لماذا يعيش هؤلاء على السلب والنهب؟ وإذا استقروا فكيف يتصرفون؟ ومع أن تحليلاته صحيحة في الجملة، إلا أنه في قضية خطيرة مثل هذه كان الواجب أن يوضح مقصده، ويزيل الالتباس بين كلمتي البدو والعرب، ولعل طريقته في التعميم إذا اقتنع بقضية ما هي التي أدت به إلى هذا الغموض.
ومن ضمن المصطلحات أيضا الحضارة: يستعملها ابن خلدون مشتقة من الحضر أي سكان المدن، كما قال الشاعر:
ومن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا؟
فالحضارة عنده هي غاية التفنن في المأكل والمشرب وإحكام المباني والفرش، والترف بشكل عام، فهي أسلوب حياة أهل الحضر المترفين، وهذا لا يكون إلا في دولة، فالحضارة عندئذ مفسدة للعمران، مؤدية بالدولة إلى الضعف والزوال.
العصبية: وهي محور نظرية ابن خلدون في قيام الدول وسقوطها، ويعني بها “اتفاق الأهواء على المطالبة” فهو لا يعني الأقارب بالنسب فقط، بل أي ولاء وتحالف، ويمكن اعتبار الحزب أو الجماعة أو أي تكتل قوي في العصر الحديث عصبية إذا كانت تسعى للمطالبة بأهداف واضحة.
والدعوة الدينية لابد لها من عصبية في رأي ابن خلدون، كما أن العصبية إذا التحمت مع الدين فلا يقف أمامها شئ.
وإذا كانت الصورة عند ابن خلدون هي القبائل والعشائر فإن المهم عنده هو الألفة والصحبة الطويلة التي تدعو إلى التناصر، ونظريته هذه صحيحة من ناحية التكتل القبلي أو الولائي أو الحزبي في العصر الحديث، ولكن أن تكون نظرية عامة في قيام الدول فهذا لا يُسلم له، لأنه لا يمكن أن يكون هناك تكتل ديني أو عقائدي لا يبنى على القبائل والعشائر، وإن كانت جزءا منه.
ولذلك قام بمحاولات تعسفية حتى يطبق نظرته على كل حادثة، وإذ لم تنطبق أتى بالأعذار، فالدولة الإسلامية لم تقم على العصبية، وإنما قامت على وحدة العقيدة، وإن استفادت من نمط الاجتماع العربي يومها، والعصبية مذمومة في الشرع إذا كانت على الحق والباطل كما جاء في الحديث: “من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردى فهو ينزع بذنبه”.
ووجه المؤلف د. محمد العبدة في ختام مؤلفه نقد لابن خلدون قائلا”..عندما شبّه الدولة بالكائن الحي لم يلاحظ الفرق بين الكائن الشخصي والكائن السياسي الاجتماعي، فالكائن السياسي يمكن أن يتواصل ولو انحلت بعض أجزائه، وعندما قرر أن العصبية هي بانية الدولة وحاميتها اعتبر هذا ظاهرة طبيعية مع أنه ذكر أن هناك دول لم تقم على العصبية، وأنها عمّرت طويلا.
إنه شديد الواقعية إلى درجة التشاؤم أو الرضا بالواقع، فهو يلح على المبادئ الأخلاقية للحكام ولا يقدم المبادئ والتفاصيل التي يجب أن يسير عليها الحكم، لم يقارن بين ما جاء به الإسلام من مبادئ الحكم وبين ما حصل في الواقع. إنه يفسر ما يرى، ولا يقول ما ينبغي أن نفعل، فكل من يفرض سلطته يعطيه ابن خلدون صفة الشرعية”.

السيادة العربية عند ابن خلدون

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

جل الدساتير العربية تنص موادها على أن السيادة ملك للشعب وتجعلها ركيزة أساسية تبني عليها نظمها القانونية، لكن ما يحز في نفس المواطن العربي -حسب المؤلف– هو ذاك التباعد الشاسع الذي يعيشه بين واقعه اليومي من قهر واستبداد وبين ما يمنحه القانون من مكانة مرموقة. لماذا هذا الخلل؟ ما القول وما الفعل؟

يساير الدكتور أحمد خروع ابن خلدون في تمييزه الملك عن الرئاسة التي هي عصبة صغرى في حين يسمي الملك عصبة كبرى تجتمع فيها العصبيات القبلية وتنصهر، وهو اليد القاهرة التي ليس لها يد قاهرة أخرى، “فالحاكمية” التي كثيرا ما تحدّث بشأنها الإمام أبو الأعلى المودودي –مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان- هي الوعاء الأكبر الذي يكون فيه الملك لله.

أما السيادة فهي المصطلح الذي يوظف لتمييز السلطة العليا المطلقة عن المقيدة، وهي في الحقيقة أمر يكشف عمق النظرية العربية الإسلامية واكتمالها، فهي كما يصفها “نظرية تحمل سلفية الطبري وواقعية المسعودي ونظرية الماوردي وتجمعهم في نسق واحد”.

ويرى المؤلف أن عجزنا عن بناء دولة القانون والسيادة ليس راجعا كما يحلو للبعض ترويجه إلى نقص في النظرية، وإنما إلى انتفاء الهمم لدينا في الوقت الحاضر وفشل القيادات. ويقر بأن الدولة العربية حقيقة موجودة، وأن النظرية العربية الإسلامية للدولة أيضا موجودة، لكن التطبيق على أرض الواقع -أهم دعائم النظرية- يبقى غائبا.

إن السمة الشمولية للدولة الإسلامية وكونها دينا ودولة في آن واحد هو ما يخلط الأمور على الدارسين الغربيين ويثير مخاوفهم بدون مبرر، ويدفعهم إلى نعت الدولة الإسلامية بالدولة المناقضة لمفهوم الدولة الحديثة التي هي أولا وقبل كل شيء دولة القانون.

دولة القانون
يرى المؤلف أن المفهوم المطلق لفكرة دولة القانون ممزوج بالمثالية لأنها بكل بساطة تهدف إلى تحقيق الفضيلة أو المدينة الفاضلة، وهذا أمر صعب المنال.
وحكم القانون الذي يحقق العدل والرخاء والاستقرار والأمن هو الحكم الراشد، وهو المصطلح الذي راج مؤخرا في الأوساط الدولية وبصفة خاصة في أروقة الأمم المتحدة، وهذا الحكم نادر الوجود كندرة الخلافة الراشدة في النظام الإسلامي.

لأجل ذلك يجب الاكتفاء بالحد الأدنى المعقول والمقبول في تحديد مفهوم دولة القانون التي تسعى لإرساء قواعده، وتكون المشروعية الدستورية والتعددية السياسية والفصل بين السلطان وحرية التعبير أركانا لها.

ويلمح المؤلف إلى أن الغرب يوهم غيره في خطبه السياسية والأكاديمية بأنه حليف دولة القانون ومؤمن بها، ويسعى إلى تكريسها لأجل التعايش الاجتماعي، وهو في الحقيقة لا يولي اهتمامه في معاملاته إلا لشيء واحد، ألا وهو المصلحة المادية بما لها من معنى ضيق وأناني، إذ تلك هي القاعدة الأساسية للعبة السياسية كما نص عليها فقهاؤهم، وكما قال أحدهم وهو الزعيم تشرشل “أنا مستعد للتحالف مع الشيطان لهزم الخصم”.

إن فشل التجارب السابقة للدول العربية في إرساء دولة القانون أحدث في الصف العربي والإسلامي جرحا كبيرا لا يعرف وقت التئامه، ففي الجزائر مثلا تبنت الحركات الإسلامية المتطرفة حسب وصف المؤلف، شعار “لا ميثاق لا دستور، قال الله قال الرسول” للتعبير عن رفضها للنظام الذي لا يحتكم إلى القانون لا إلى الشرع، وهذا في حد ذاته شيء طبيعي يصدر عن المجتمعات الإسلامية كمحاولة للدفاع عن النفس والتشبث بالهوية والأصالة في مواجهة حملة التغريب، وعليه فإن التطرف السياسي والديني إنما مصدره تطرف آخر يقابله، هو تطرف السلطة.

ومن هنا يرى المؤلف أن الشغل الشاغل الذي يجب أن يتصدر قائمة انشغالات رجالات الفكر والسياسة والفقه وغيرهم هو الاجتهاد في توفير الأدوات الفكرية والنظرية للإجابة بفعالية ونجاعة على الإشكالات المطروحة في واقع المواطن العربي، وترشيد العقل العربي، وتبني منهجية عقلانية مستنيرة تكون هي العماد لانطلاقة جديدة نحو ترسيخ دولة القانون.

الدولة العربية الإسلامية الحالية التي هي في غالبها دول وطنية وضعية في هيكلها ومظهرها دينية في بعدها وبنيتها، متناقضة بين خطابها وممارساتها، فهي تطمح لأن تكون دولة الإنتاج والمردودية الرأسمالية وفي نفس الوقت تنص دساتيرها على أن الإسلام هو دين الدولة. هي ببساطة تريد أن تظفر كما يقول المثل الشعبي “بالزبدة وثمنها”.

إن حل المسألة يكمن في معرفة الإسلام معرفة حقيقية وتعريفه تعريفا جامعا مانعا كدين ودنيا وعقيدة وشريعة وكلمة وثقافة وديانة وحضارة، فالشمولية التي تميز بها الإسلام حقيقة تاريخية تجلت في مظاهر سياسية واجتماعية متعددة عبر التاريخ. والمطلوب منا اليوم هو التفكير في الممكن الأمثل الذي نستطيع تحقيقه والذي يتوافق مع معطيات العصر دون التخلي عن قيمنا ومبادئنا.
ويخلص المؤلف إلى أن الهدف من إرساء قواعد دولة القانون هو دعم ركائز الأمن والاستقرار والطمأنينة والسلم في المجتمع، مما يسمح للمواطنين بإنتاج معاشهم وإشباع حاجياتهم الدنيوية من أجل التفرغ لحمد الله على نعمه وعبادته من أجل كسب رضاه وعفوه في الآخرة.

ولهذا فإن الإنسان المسلم لا يكاد يفقه قول أولئك الذين بهرهم الغرب بعبقريته التكنولوجية والذين أصبحوا يعتقدون بأنه يستحيل على المسلم بلوغ ما بلغه الغرب من تطور إلا إذا وضعنا الإسلام جانبا وتخلصنا من قيوده أو سياجه الدوغماتي (المتحجر) كما ينعته المفكر الجزائري محمد أركون في كتابه “إسلام اليوم

مبادئ أساسية في التربية عند ابن خلدون

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

ترتكز التربية عند ابن خلدون على أسس علمية تنطلق من المبادئ التالية:
المبدأ الأول:
الفكر الإنساني هو الفارق الأساس بين الإنسان والحيوان، لأنه مصدر قوة هذا الإنسان؛ التي تسمح له بتحصيل معاشه في إطار اجتماعيته ببني جلدته،ومصدر تفكره وتفكيره في ذاته وعالمه الخارجي بما فيه عالم الغيب، ومصدر تفوقه على الحيوانات وتسخيرها لصالحه. فقد قال العلامة ابن خلدون: (الفكر الإنساني، الذي تميز به البشر عن الحيوانات واهتدى به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والنظر في معبوده، وما جاءت به الرسل من عنده؛ فصار جميع الحيوانات في طاعته وملك قدرته وفضله به على كثير خلقه )[1]. فهذا الفكر هو منبع العلوم والصنائع من حيث أن
الإنسان يديم التفكير في نفسه ومحيطه وعالمه الدنيوي والأخروي لاستخلاص الحقائق والقوانين عن الظواهر الكونية التي تشكل الأرضية الصلبة للعلم والصنائع؛ فـ ( عن هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدمناه من الصنائع )[2] و ( يكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات، فيرجع إلى من سبقه بعلم، أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك، أو أخذه ممن تقدمه من الأنبياء الذين يبلغونه لمن تلقاه؛ فيلقن ذلك عنهم ويحرص على أخذه وعلمه. ثم إن فكره ونظره يتوجه إلى واحد واحد من الحقائق، وينظر ما يعرض له لذاته واحدا بعد الآخر، ويتمرن على ذلك حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة له، فيكون حينئذ علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علما مخصوصا. وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل ذلك، فيفزعون إلى أهل معرفته ويجيء التعليم من هذا )[3].

المبدأ الثاني:
العلم والتعليم والتعلم طبع إنساني، بمعنى أن التعليم والتعلم والعلم أمر طبيعي في البشر، ومن ثم لا توجد معرفة خارج المجتمع الإنساني ( فقد تبين بذلك أن العلم والتعليم طبيعي في البشر )[4] كما يقول ابن خلدون؛ وهو بذلك يسوق قانونا علميا أثبتته الدراسات الحديثة، حيث ما يصدر عن الحيوانات من أفعال وسلوكات هي غريزية بطبعها وليست ناتجة عن التعلم إلا ما شذ منها. فقد وجد العلماء أن الإنسان عندما يخرج عن الجماع الإنسانية وعن طبيعته يفقد تلك الخاصية التي تتعلق بإنسانيته. فالأطفال المتوحشون دليل قاطع على أن التعلم والعلم خصيصة إنسانية. وما يزكي هذه الخصيصة أنها قائمة على الفكر واللغة، وهما لا يوجدان
خارج المجتمع
المبدأ الثالث:-
ارتباط العلوم والإدراكات بالمحسوسات، بمعنى انبثاق التنظير من الواقع المحسوس أو المفترض. كما بين العلم الحديث الذي يرى فيها الموضوعات العلمية موضوعات منشأة عن الموضوعات المحسوسة. فـ ( العلم ينطلق من الواقعي ليبتعد عنه مادامت المعرفة ليست هي الملاحظة الحسية، بل هي خلق لكلام جديد وإضافة إلى الواقع الذي تنطلق منه. إن
المعرفة تحويل للواقع المعطى وتغيير له،والعلم يعمل على تنظيم المعطيات ولا يكتفي بتعدادها. إنه ينظمها ويرتبها ويقيم علاقات بين عناصرها بغية تحويلها إلى شيء قابل لأن يكون موضوع علم. إن المادة شيء والموضوع شيء آخر. إنه الشيء المستهدف، الشيء المبني انطلاقا من المادة، إنه الموضوع المعرفي )[5]. وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون عندما قال: ( النفس الناطقة للإنسان، إنما توجد فيه بالقوة. وأن خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولا؛ ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا؛ فتكون ذاتا روحانية وتستكمل حينئذ وجودها. فوجب لذلك أن يكون كل نوع من العلم والنظر يفيدها عقلا فريدا، والصنائع أبدا يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة. فلهذا كانت الحُنكة في التجربة تفيد عقلا، والملكات الصناعية تفيد عقلا
المبدأ الرابع:
التعليم/التربية عند ابن خلدون من الصنائع؛ بمعنى وجوب امتلاك كفاياتها النظرية والتطبيقية عبر التمرن والمراس والبحث والدراسة. وبذلك تنتفي العشوائية والارتجال عن فعل التربية والتعليم عند ابن خلدون؛ لما يتطلبه من المعرفة العلمية الدقيقة بما هي التربية والتعليم. فقد قال: ( ذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه، إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلا. وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي. لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها، مشتركا بين من شدا في ذلك الفن، وبين من هو مبتدئ فيه؛ وبين العامي الذي لم يُحصِّل علما، وبين العالم النحرير .
. وبما أن التعليم/التربية صناعة فلابد لها من معلم وأستاذ يعلمها ويمكن طالبها من كفاياتها وأسسها ومعارفها وتقنياتها، فقد قال ابن خلدون في شأنه: والملكات كلها جسمانية، سواء كانت في البدن أو في الدماغ، من الفكر وغيره، كالحساب. والجسمانيات كلها محسوسة، فتفتقر إلى التعليم. ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة يفتقر إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند كل أهل أفق وجيل. ويدل أيضا على أن تعليم العلم صناعة اختلاف الاصطلاحات فيه. فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به، شأن الصنائع كلها )[8]. والصناعة لابد لها من جانب نظري وآخر عملي، حيث ( أن الصناعة هي ملكة في أمر عملي فكري .
القانون الأول: تربوية عند ابن خلدون:بعدما قرر ابن خلدون تلك المبادئ الأساسية، وجدناه يذهب إلى قوانين تربوية بينت التربية الحديثة صلاحيتها، حيث يقرر هذا العلامة القوانين التالية:القانون الأول:الانتقال من المحسوس إلى المجرد، حتى تسنن الذاكرة طويلة المدى لمخزونها المعرفي الناتج عن المحسوس بارتباطات حسية، تشعل الذاكرة أثناء استدعاء واسترجاع وطلب المعلومة. بمعنى تسنين المعلومات والمعارف والمعطيات والحقائق العلمية في الذاكرة. حيث يقول في هذا المبدأ: ( والأحوال المحسوسة، نقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل؛ لأن المباشرة في الأحوال الجسمانية المحسوسة أتم فائدة،والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكرره مرة بعدأخرى، حتى ترسخ صورته. وعلى نسبة الأصل تكون الملكة. ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم. فالملكة الحاصلة عنه أكمل وأرسخ من الملكة الحاصلة على الخبر.
القانون الثاني:جودة نظام التعليم وجودة تكوين الأستاذ لهما دخل في جودة تعلم المتعلم، بمعنى تعلم المتعلم يتوقف على جودة التعليم وكفاءة الأستاذ، فهما مرتبطان ارتباط طرديا نزولا وصعودا؛ حيث يقول ابن خلدون: ( وعلى قدر جودة
التعليم وملكة المعلم يكون حذق المتعلم في الصناعة وحصول ملكته )[11]. فقد ( افترض ابن خلدون أن التعليم صناعة، نجاحها وفشلها، مرتبطان بالقائمين بها، وأن المعلمين هم سند هذه الصناعة. لذا لابد من أن تتوفر فيهم شروط وآداب وقوانين. ويستشهد ابن خلدون ببعض الذين ارتحلوا ممن يعرفهم لطلب العلم على المشاهير. فقد رجع بعضهم بعلم وفير ومفيد وبتعلم حسن ] ابن الطيب، وابن الحاجب [ ويعود الفضل لمن حذق منهم لتوفر معلمين ملمين مبرزين بصناعة التعليم. وهكذا فإن توفر المعلم القادر والحاذق ضرورة أولى في عملية التعليم. لأنه يكون قادرا على توفير الشروط الأساسية للمتعلم )[12]
.القانون الثالث:تقديم البسيط على المركب والمعقد، ورعايته حتى يكتمل! حيث يقول ابن خلدون: ( ثم إن الصنائع منها البسيط ومنها المركب. والبسيط هو الذي يختص بالضروريات، والمركب هو الذي يكون للكماليات. والمتقدم منها في التعليم هو البسيط، لبساطته أولا،ولأنه مختص بالضروري الذي تتوفر الدواعي على نقله، فيكون سابقا في التعليم ويكون تعليمه لذلك ناقصا. ولا يزال الفكر يخرج أصنافها ومركباتها من القوة إلى الفعل، بالاستنباط شيئا فشيئا على التدريج، حتى
تَكْمُلَ )[13].
وواقع العلوم والنظريات العلمية يقر بمتابعة دراسة الحقائق والمعلومات والأفكار والنظريات عبر الزمن لنقدها وتصحيحها وتطويرها. وما الإيبستيمولوجيا ” علم المعرفة/نقد العلوم ” سوى تطبيق لفكرة ابن خلدون في العلم.
القانون الرابع:التدرج في التعليم ذلك أن العلم لا يحصل دفعة واحدة، ( وإنما يحصل في أزمان وأجيال، إذ خروج الأشياء من القوة إلى الفعل لا يكون دفعة، لاسيما في الأمور الصناعية. فلابد له إذن من زمان )[14]. حيث يكون التدرج بالعلم مع الطالب متعلقا بالطالب واستعداداته من جهة، وبالموضوع ومتطلباته من جهة أخرى وفي آن واحد. فالطالب له مقدرات واستعدادات معينة على المعلم أن يعيها ويحسن التعامل معها، كما أن للموضوع أو الفن جزئيات واختلافات، على المعلم أن يراعيها أيضا، ويتدرج في عرضها وتقديمها للطالب على النحو الذي يناسب الطالب والموضوع معا. لأنه أدرك أن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيا ويكون المتعلم أول الأمر عاجزا عن الفهم بالجملة.
كما يقول: (أعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذاكان على التدريج شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً يلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ويقرّب له فى شرحها على سبيل الإجمال ويراعى فى ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتّى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة فى ذلك العلم إلا أنّها جزئية وضعيفة وغايتها أنّها هيّأتها لفهم الفن وتحصيل مسائله ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه فى التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ويستوفى الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي
إلى آخر الفن فتجود ملكته ثم يرجع به وقد شدّ فلا يترك عويصاً ولا مهماً ولا مغلقاً إلاّ وضحه وفتح له مقفلة فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته القانون الخامس:مدارسة المتن التعليمي بين الأستاذ والمتعلم؛ حتى يتمكن المتعلم من العلم، فقد رأى ابن خلدون غياب الأستاذ الحذق وفساد النظام التعليمي مدخلا إلى النتائج السلبية في حاصل التعليم الذي يعتمد أساسا على الحفظ فقط. فقد قال: ( وبقيت فاس وسائر أقطار التعليم المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان، ولم يتصلسند تعليم فيهم، فعَسُرَ عليهم حصول ملكة والحذق في العلوم. وأيسر طرق هذه الملكة قوة اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويُحصّْل مرامها. فتجد طالب العلم منهم، بعد ذهاب الكثير من الأعمار في ملازمة المجالس العلمية، سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضن، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة. فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم. ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصَّل، تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علَّمَ، وما أتاهمُ القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع سنده )[17
القانون السادس: في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته يشير ابن خلدون إلى أهمية مراعاة المقدرة العقلية للمتعلم من باب أنّ الاستعداد للتعلم عنده ضروري وهو يتم تدريجياً )[18] مما يوجب على الأستاذ المعرفة بمراحل النمو حيث يشير ( إلى ضرورة إدراك المربى لمراحل النمو عند تلاميذه بحيث لا يتحمل المتعلمون أعباء تزيد عن احتمال قدراتهم العقلية في الفهم والاستيعاب ولكل مرحلة سنيّة قدراتها كما نعلم ومراعاة هذه القدرات شرط أساسي ليس فقط فيمن يقوم بعملية التعليم وإنما ـ وهذا المهم ـ فيمن يضع المنهاج المدرسي ومفرداته في الكتب المدرسية المقرّرة؛ بحيث يتم التدرّج في تلقين العلوم من الأسهل إلى الأصعب ولعلّ أبن خلدون يوضح هذا أكثر في فقرة السابقة يقول فيها: ثلاث تكرارات. هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما ـ يخلق له ويتيسر عليه وقد شاهدنا كثيراً من المتعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته ويحضرون للمتعلم في أوّل تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلّها ويحسبون ذلك مراناً على التعليم وصواباً فيه ويكلفونه وعي ذلك وتحصيله ويخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها وقبل أن يستعد لفهمها.. إلى أن يقول : لا ينبغي للمعلّم أن يزيد متعلمه على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه بحسب طاقته وعلى نسبة قبوله للتعليم مبتدئاً كان أو منتهياً ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوّله إلى آخره ويحصّل أغراضه ويستولى منه على ملكة بها ينفذ في غيره لأنّ المتعلم إذا حصّل ملكة
ما فى علم من العلوم أستعد بها لقبول ما بقى )[19].وهناك أكثر من قانون تربوي ذكره الباحثون لم أجده في النسخة التي أملكها من المقدمة المشار إليها ضمن مراجع هذه الورقة. ولهذا فقد ( تضمنت مقدمة ابن خلدون نظريات أٌخرى فى التربية والتعليم تمثل فلسفة ابن خلدون التربوية يمكن أن نلخصها بما يلي:
أولاً : ـ يجب استيفاء الموضوع فى فصل واحد وعدم تقطيعه
إلى عناصر متناثرة فى فصول متفرقة لأن فى هذا مدعاة للنسيان؛ يقول ابن خلدون فى صفحة 332 من المقدمة ” وكذلك ينبغي لك أن لا تطوّل على المتعلّم فى الفن الواحد بتعريف المجالس وتقطيع ما بينها لأنه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض
ثانياً : ـ لا يجوز خلط علمين معاً فى موضوع واحد بمعنى
أنه يدعو إلى نوع من التخصص فى العمل التربوي وهى نظرية حديث .. يقول ابن خلدون ” أن لا يخلط على المتعلّم علمان معاً فإنه حينئذ قلّ أن يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهّم الآخر في ستغلقان معاًً
ثالثاً : ـ يرى ضرورة الابتعاد عن العنف و الشّدة وقد خصص
لذلك الفصل الثاني بعد الفصول الثلاثين الأولى ـ أنظر صفحة
335 من المقدمة ـ وجعله بعنوان ” فى أنّ الشّدة على
المتعلمين مضّرة بهم ” حيث يقول : ” إنّ رهاف الحد
بالتعليم مضّر بالمتعلم سيمّا فى أصاغر الولد
رابعاً : ـ وقد اهتم ابن خلدون بالناحية التطبيقية فى العملية التعليمية .. فليس المهم عند ابن خلدون معرفة القواعد و القوانين والاصطلاحات فى حد ذاتها وإنما المهم المقدرة على استخداماتها و الاستفادة منها علمياً فقد فرق بين صناعة اللغة التي تكون قواعدها وقوانينها واصطلاحاتها وبين ملكة اللغة والشخص الذي يستوعب هذه القواعد والمصطلحات بدون أن يطبقها يكون مثل الشخص الذي يتقن صناعة من الصناعات علمياً ولا يكون له أي دراية بهذه الصناعة عملياً )[20] .على سبيل الختم:تلكم كانت ملامح من الفكر التربوي لابن خلدون، في ذكرى وفاته الستمائة. حيث أتمنى أن أكون قد أثرت موضوعا للنقاش في ورقتي هذه لعلها تستفز الباحثين إلى مقاربة المسألة التعليمية عند ابن خلدون، من أجل بناء تربوي أصيل.

المراجع
ـ ابن خلدون، المقدمة، تحقيق درويش الجويدي، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، 1420/2000، ط2.ـ د. حنون مبارك، مدخل للسانيات سوسير، دار توبقال للنشر،الدار البيضاء، المغرب، 1987، ط.1.ـ د. عبد الأمير شمس الدين، الفكر التربوي عند ابن خلدون وابن الأزرق، موسوعة التربية والتعليم الإسلامية، دار اقرأ، بيروت، لبنان، 1406/1986، ط2.ـ أسامة فوزى، النظرية التربوية عند أبن خلدون: التعلّم بالتدريج ومراعاة المقدرة العقلية للمتعلم؛ ربط العلم بالعمل والاهتمام بالنواحي السلوكية، نشر في جريدة البيان
– دبي عام 1984،

الثورة الليبية

كاتب الموضوع الأصلي: هارون عزير

مع دخول الثورة الليبية الشعبية الباسلة أسبوعها الرابع على التوالي، مازال الشعب يضحي بالغالي والنفيس وبكل ما يملك، ويقدم روحه وحياته فداء لخلاص وطنه وتحريره،
أفادت وكالات أنباء بأن طائرات تابعة للعقيد معمر القذافي قد شنت غارات جوية عنيفة على رأس لانوف والبريقة شمالي ليبيا، في ذات الوقت الذي تشهد فيه “بن جواد” قتالا عنيفا للسيطرة عليها.

رأس لانوف
وأكدت الأخبار والتقارير الواردة عن “رأس لانوف” بأن مواقع الثوار استهدفتها غارات جوية من الميلشيات الأمنية الموالية للقذافي، وأن الثوار تراجعوا تحت ضغط القذائف ونيران القناصة لكنهم لا يزالون صامدون.
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسؤول في مستشفى المدينة أن أربعة أشخاص على الأقل قتلوا جراء هذا القصف، كما أصيب 35 شخصا بجروح.
وقالت مراسلة قناة الجزيرة الفضائية “إن القوات الموالية للقذافي قصفت مستودعات لتخزين النفط على بعد نحو عشرة كيلومترات غرب بلدة رأس لانوف”. وأضافت “أن الثوار يحاصرون مقاتلي القذافي المتحصنين تحت مستودعات النفط، وأن الطرفين يتبادلان القصف بالصواريخ وقذائف الهاون.”
فيما نقلت وكالة رويترز للأنباء عن مصدر من الثوار “أنه شاهد قوات القذافي تطلق صواريخ من ناقلات نفط على مواقع للثوار بالميناء”، مضيفاً “الطائرات تقصف أيضاً ويجري إطلاق صواريخ من البر” وأنه شاهد عددا من جثث القتلى في الشارع.
وعن المصادر ذاتها جاء تأكيد الثوار أن كل المنشآت النفطية في رأس لانوف والسدرة لا تزال تحت سيطرتهم، وذلك ردا على التلفزيون الليبي الرسمي الذي أعلن بوقت سابق اليوم أن قوات الجيش تمكنت من إخلاء ميناء ومطار السدرة من الثوار “ورفع الراية الخضراء عليهما”.
الزاوية
أما في مدينة “الزاوية” والتي تقع غرب ليبيا فقد تراجعت وتيرة المواجهات بين الجانبين في ظل تأكيد الثوار على بقاء المدينة المحاصرة تحت سيطرتهم.
وأفادت المصادر بأن قناصة تابعين لقوات القذافي يعتلون أسطح المباني العالية بالمدينة ويستغلون بعض المواطنين الذي جمعوهم من الضواحي دروعا بشرية وأجبروهم على ترديد هتافات موالية للقذافي.
وأضافت أن الثوار الذين استعادوا السيطرة على الميدان الرئيسي في الزاوية آثروا عدم التعامل مع قوات القذافي حرصا على حياة المدنيين.
سرت
وعن مدينة “سرت” الواقعة تحت سيطرة مرتزقة القذافي والتي تبعد 200 كلم غربي رأس لانوف أكدت وكالات أنباء ومصادر صحفية أن المدينة بدأت تعاني من نقص في مخزون الوقود لديها.

بن جواد
وعن “بن جواد” أفادت المصادر عن اعتزام الثوار استعادة السيطرة على تلك البلدة بعد معارك عنيفة جرت أمس، حيث قال مقاتلون إنهم تعرضوا خلالها للقصف من جهة البحر أيضا.
ويحتدم القتال بشأن بن جواد كونها تقع على الطريق المؤدي إلى الوادي الأحمر الذي تتمركز فيه كتائب القذافي الأمنية، والذي لا يبعد بدوره سوى 100 كلم شرقي سرت.
مصراتة
وفي “مصراتة” الساحلية -الواقعة عند الحافة الغربية لخليج السدرة على نحو 208 شرقي العاصمة طرابلس- قالت المصادر إن قوات القذافي ومرتزقته يحاولون اقتحام المدينة من ناحية القاعدة الجوية جنوبا.
وأضاف أن سكان المدينة خرجوا في مظاهرة واعتصموا بالمدينة لصد هذه المحاولة.
ردود أفعال دولية
“الناتو” يحذر من انهيار ليبيا..
وعلى الصعيد الدولي، أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أندرس فوغ راسموسن، أن ليبيا تواجه “خطر الانقسام وانهيار الدولة”.
وقال راسموسن في اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل اليوم, إن أي عمل عسكري للحلف في ليبيا يستدعي تفويضا واضحا ودعما إقليميا قويا.
وقال راسموسن إن أي عملية عسكرية يقوم بها الناتو تتطلب الحاجة الواضحة لقيام الحلف بهذا العمل, والأساس القانوني لذلك, وتوفر الدعم الإقليمي القوي.
الصليب يتوقع “حرب أهلية”
في هذه الأثناء أعلنت اللجنة الدولية للصليب أنها تستعد للأسوأ في ليبيا، مشيرة إلى أن هذا البلد ينزلق نحو حرب أهلية مع تزايد أعداد القتلى والجرحى.
وقال رئيس اللجنة جيكوب كيلينبرجر اليوم “في اعتقادي هناك الآن صراع مسلح غير دولي أو ما يمكن وصفه بأنه حرب أهلية” معبرا عن قلقه تجاه صعوبة الوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات القذافي.
وأشار إلى أن طرابلس أبلغتهم بأن “كل شيء تحت السيطرة وأن كل المستشفيات تعمل بكفاءة ولا توجد حاجة لمساعدة إنسانية خارجية” لكنه قال إن اللجنة تريد التأكد من هذا بنفسها.
وأوضح كيلينبرجر أنه ليس بمقدوره تقديم أرقام نهائية للخسائر البشرية في ليبيا أو أن يتحدث عن الزاوية التي شهدت معارك ضارية، لكنه قال إن الأطباء الليبيين لاحظوا زيادة كبيرة بأعداد المصابين وعثر على 22 جثة و44 مصابا على الأقل في مصراتة بعد غارات جوية الأيام الماضية، كما تلقى نحو 55 مصابا العلاج بمستشفى اجدابيا شرقي ليبيا هذا الأسبوع.
وأمريكا قلقة بشأن أسلحة القذافي الكيماوية
فيما قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إن بلادها “قلقة بشأن الأسلحة الكيماوية لدى القذافي وغيرها من المواد القذرة”.
وأعلنت كلينتون أنها ستلتقي المعارضة الليبية خلال زيارتها إلى مصر وتونس الأسبوع المقبل.
خبير عسكري يتوقع هزيمة الثوار
إلى ذلك، أعلن رئيس المخابرات القومية الأمريكية جيمس كلابر اليوم الخميس أن قوات الزعيم الليبي معمر القذافي ذات التسليح الأفضل ستنتصر على المعارضة المسلحة على المدى الطويل.
وقال كلابر أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ إن القوات الليبية المؤيدة للقذافي “ذات تسليح أفضل ولديها موارد أكثر في مجال الإمداد والتموين وعلى المدى الأطول سينتصر النظام”.
وفرنسا تعترف بالمجلس الانتقالي
لكن من ناحية أخرى، وفي إشارة تدل بوضوح على قراءة مختلفة لاتجاه الصراع، أصبحت فرنسا أول دولة في العالم تعترف بالمجلس الوطني الانتقالي الذي شكله المعارضون المناوئون لحكم العقيد الليبي معمر القذافي.
وأعلن قصر الأليزية الخميس الاعتراف بالمجلس بصفته الممثل الشرعي الوحيد للشعب الليبي، وأن فرنسا سترسل سفيرا لمدينة بنغازي في شرق ليبيا، مقر المجلس الانتقالي.
وقال علي العيساوي موفد المجلس في ختام لقاء مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إن “فرنسا تعترف بالمجلس الوطني الانتقالي باعتباره الممثل الشرعي للشعب الليبي”.
وأضاف العيساوي “على أساس هذا الاعتراف، سنفتح ممثلية دبلوماسية، ومن ثم سفارة في باريس، وسيتم إرسال سفير فرنسي إلى بنغازي” قائلا “إن هذا السفير سيقيم بشكل انتقالي في بنغازي قبل الانتقال إلى طرابلس”.
الغرب منقسم تجاه “التدخل الدولي”
ومع اقتراب الهجمات التي تشنها قوات القذافي من منشآت النفط تستعد الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لمعركة دبلوماسية صعبة في مجلس الأمن للحصول على إجماعٍ أو تأييدٍ واسع لقرار الحظر الجوي، وسط معارضة من روسيا. وقد يتمكن نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، زائر موسكو أمس، من تليينها. إلاّ أن الصين تحيط موقفها بالغموض نظراً إلى مصالحها في ليبيا. وهناك أيضاً تحفظات من ألمانيا ودول أخرى من الأعضاء غير الدائمين في المجلس.
وحذر وزير الدفاع روبرت جيتس مراراً من هذا الحظر، لأنه قد ينزلق عملياً ليتطلب مزيداً من التدخل المباشر. لكن أحداً، بمن في ذلك الأمين العام للأطلسي لا يريد الحديث عن تدخل، بل هناك حرص على إظهار الجهد الدولي بأنه لمساعدة الشعب الليبي.
وأتي تصريح لأحد الساسة الألمان ليشرح سبب المخاوف الغربية، إذ قال أنه لا بد من مشاركة دولة مسلمة في فرض الحظر الجوي. وهذا يحيلنا بدوره إلى معركةٍ دبلوماسية أخرى متوقعة بعد غدٍ السبت، في اجتماع وزراء الخارجية العرب، إذ أن دول مجلس التعاون الخليجي تؤيد الحظر.
الدول العربية تعارض الحظر
وفي ظل غياب واضح للدول العربية عن المشهد الليبي واتخاذ موقف سلبي تجاه ما يحدث، تبرز المعارضة العربية لفكرة “الحظر” من دول مثل الجزائر وسوريا والسودان، وحتى مصر تبدو مترددة، ربما لأن الأزمة دهمتها في خضم مرحلتها الانتقالية الصعبة، وأيضاً لأن ليبيا دولة مجاورة. ومن الواضح أن القذافي كثف أمس اتصالاته مع القاهرة وبعض دول مجلس الأمن، كما أنه لن يتأخر في استغلال الحظر الجوي ليصوّر نفسه أمام العرب والمسلمين كمقاتلٍ ضد ما يسميه الاستعمار الجديد.
:pirat:

الإمام العادل

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن بن خضير 1

عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية (717م -720م) ثامن الخلفاء الأمويين، خامس الخلفاء الراشدين من حيث المنظور السني، ويرجع نسبه من أمه إلى عمر بن الخطاب حيث كانت أمه هي أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وبذلك يصبح الخليفة عمر بن الخطاب جد الخليفة عمر بن عبد العزيز. ولد في المدينة المنورة وقد تلقى علومه وأصول الدين على يد صالح بن كيسان في المدينة المنورة واستفاد كثيراً من علماءها ثم استدعاه عمه الخليفة عبد الملك بن مروان إلى دمشق عاصمة الدولة الأموية وزوجه ابنته فاطمة وعينه أميراً على إمارة صغيرة بالقرب من حلب تسمى دير سمعان وظل والياً عليها حتى سنة 86 هـ.

مكانته العلميـة وولايته للمدينةلقب بخامس الخلفاء الراشدين لسيره في خلافته سيرة الخلفاء الراشدين. تولى الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك في دمشق سنة 99 هجرية وقد سمي الخليفة العادل لمكانته وعدله في الحكم. في ربيع الأول من عام 87هـ ولاّه الخليفة الوليد بن عبد الملك إمارة المدينة المنورة، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة 91 هـ وبذلك صار واليآ على الحجاز كلها واشترط عمر لتوليه الأماره ثلاثة شروط : الشرط الأول :أن يعمل في الناس بالحق والعدل ولا يظلم أحداً ولا يجور على أحد في أخذ مأعلى الناس من حقوق لبيت المال، ويترتب على ذلك أن يقل مايرفع للخليفة من الأموال من المدينة. الشرط الثاني : أن يسمح له بالحج في أول سنة لأن عمر كان في ذلك الوقت لم يحج. الشرط الثالث : أن يسمح له بالغاء أن يخرجه للناس في المدينة فوافق الوليد على هذه الشروط، وباشر عمر بن عبد العزيز عمله بالمدينة وفرح الناس به فرحآ شديدآ. من أبرز الأعمال التي قام بها في المدينة وهو عمل مجلس الشورى يتكون من عشر من فقهاء المدينة. ثم عينة الخليفة الأموى سليمان بن عبد الملك وزيراً في عهده.

قال عنه سفيان الثوري: كخامس الخلفاء الراشدين (الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان ،وعلي، وعمر بن عبد العزيز).

وعن شدة إتباعه للسنة قال حزم بن حزم:قال عمر:لو كان كل بدعة يميتها الله على يدي وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي، حتى يأتي آخر ذلك من نفسي، كان في الله يسيراً. أتفقت كلمة المترجمين على أنه ممن ائمة زمانه، فقد اطلق عليه كل من الإمامين :مالك وسفيان بن عيينه وصف إمام، وقال مجاهد:أتيناه نعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه ،وقال ميمون بن مهران :كان عمر بن عبد العزيز معلم العلماء، قال فيه الذهبي :كان إمامآ فقيهآ مجتهدآ، عارفآ بالسنن ،كبير الشأن حافظآ قانتآ لله أواهآ منيبآ يعد في حسن السيرة والقيام بالقسط مع جده لأمة عمر, وفي الزهد مع الحسن البصري وفي العلم مع الزهري ملحوظة.عندما كان يكتب للشعب كان يضئ شمعة من بيت المسلمين وعندما كان يكتب امور خاصة به كان يضيئ شمعة من ماله وذلك ىدل على امانة عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه في عهد الوليد بن عبد الملكلما ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة أمر عمر بن عبد العزيز على المدينة فظل واليا عليها من سنة 92هـ حتى 93 هـ

ولايته على المدينة المنورة وأعماله فيهالما قدم على المدينة والياً صلى الظهر ودعا بعشرة: عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسالماً وخارجة بن زيد بن ثابت وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن سليمان وعبد الله بن عامر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، ونكون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً يتعدى، أو بلغكم عن عامل ظلامة فأحرج بالله على من بلغه ذلك إلا أبلغني”. فجزوه خيراً وافترقوا.

بنى في مدة ولايته هذه المسجد النبوي ووسعه عن أمر الوليد له بذلك. اتسعت ولايته فصار والياً على الحجاز كلها، وراح ينشر بين الناس العدل والأمن، وراح يذيقهم حلاوة الرحمة، وسكينة النفس، نائياً بنفسه عن مظالم العهد وآثامه، متحدياً جباريه وطغاته، وعلى رأسهم الحجاج بن يوسف الثقفي،وكان عمر يمقته أشد المقت بسبب طغيانه وعَسْفه، وكان نائباً على الحج في إحدى السنين فأرسل عمر إلى الوليد يسأله أن يأمر الحجاج ألا يذهب إلى المدينة ولا يمر بها، رغم أنه يعرف ما للحجاج من مكانة في نفوس الخلفاء الأمويين…وأجاب الخليفة طلب عمر وكتب إلى الحجاج يقول:” إن عمر بن عبد العزيز كتب إليَّ يستعفيني من ممرك عليه بالمدينة، فلا عليك ألا تمر بمن يكرهك، فنح نفسك عن المدينة”. وشى به الحجاج وشاية إلى الوليد كانت سبباً في عزله، ولما عُزِل منها وخرج منها التفت إليها وبكى وقال لمولاه:” يا مزاحم نخشى أن نكون ممن نفت المدينة”. يعني أن المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد وينصع طيبها، ونزل بمكان قريب منها يُقال له السويداء حيناً، ثم قدم دمشق على بني عمه.

رفضه خلع سليمان من ولاية العهدإن الوليد بن عبد الملك عزم على أن يخلع أخاه سليمان من ولاية العهد، وأن يعهد إلى ولده، فأطاعه كثير من الأشراف طوعاً وكرهاً، فامتنع عمر بن عبد العزيز وقال:” لسليمان في أعناقنا بيعة “. وصمم، فعرفها له سليمان. وشكرا

في عهد سليمان بن عبد الملكقال سليمان بن عبد الملك لعمر بعد أن ولي:” يا أبا حفص ! إنا ولينا ما قد ترى، ولم يكن لنا بتدبيره علم، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به”. فأقيمت الصلوات في أوقاتها بعد ما كانت تصلى في آخر الوقت، مع أمور جليلة كان يسمع من عمر فيها.

قيل إن سليمان بن عبد الملك حج فرأى الخلائق بالموقف فقال لعمر: أما ترى هذا الخلق لا يحصي عددهم إلا الله ؟ قال: هؤلاء اليوم رعيتك، وهم غداً خصماؤك. فبكى بكاءً شديداً. اصطحبه الخليفة سليمان بن عبد الملك يوماً لزيارة بعض معسكرات الجيش وأمام معسكر يعج بالعتاد والرجال، سأله سليمان في زهوه:” ما تقول في هذا الذي ترى يا عمر؟” فقال :”أرى دنيا، يأكل بعضها بعضاً وأنت المسؤول عنها والمأخوذ بها” فقال له بعد أن بُهت:”ما أعجبك!!” فقال عمر:”بل ما أعجب من عرف الله فعصاه، وعرف الشيطان فاتبعه، وعرف الدنيا فركن إليها”.

كيف أختير للخلافةبويع بالخلافة بعد وفاة سليمان بن عبد الملك وهو لها كاره فأمر فنودي في الناس بالصلاة، فاجتمع الناس إلى المسجد، فلما اكتملت جموعهم، قام فيهم خطيبًا، فحمد الله ثم أثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال: أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر على غير رأي مني فيه ولا طلب له… ولا مشورة من المسلمين، وإني خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم خليفة ترضونه. فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، فَلِك أمرنا باليمن والبركة. فأخذ يحض الناس على التقوى ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الآخرة، ثم قال لهم: ” أيها الناس من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له على أحد، أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ” ثم نزل عن المنبر.

يقول التابعي العالم الجليل رجاء بن حيوة: ” لما تولى عمر بن عبدالعزيز الخلافة وقف بنا خطيبا فحمد الله ثم أثنى عليه، وقال في جملة ما قال : يا رب إني كنت أميرا فطمعت بالخلافة فنلتها، يا رب إني أطمع بالجنة اللهم بلغني الجنة. قال رجاء: فرتج المسجد بالبكاء فنظرت إلى جدران المسجد هل تبكي معنا” ما دار بينه وبين ابنه بعد توليه الخلافة

اتجه عمرإلى بيته وآوى إلى فراشه، فما كاد يسلم جنبه إلى مضجعه حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك وكان عمره آنذاك سبعة عشر عامًا، وقال: ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين؟ فرد عمر: أي بني أريد أن أغفو قليلا، فلم تبق في جسدي طاقة. قال عبد الملك: أتغفو قبل أن ترد المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: أي بني إني قد سهرت البارحة في عمك سليمان، وإني إذا حان الظهر صليت في الناس ورددت المظالم إلى أهلها إن شاء الله. فقال عبد الملك: ومن لك يا أمير المؤمنين بأن تعيش إلى الظهر؟! فقام عمر وقبَّل ابنه وضمه إليه، ثم قال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على دين

مبايعته بالخلافةبويع بالخلافة بعد وفاة الخليفة سليمان بن عبد الملك وهو لها كاره فأمر فنودي في الناس بالصلاة، فاجتمع الناس في مسجد بني أمية – المسجد الأموى بدمشق، فلما اكتملت جموعهم، قام فيهم خطيبًا، فحمد الله ثم أثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال: “أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر على غير رأي مني فيه ولا طلب له… ولا مشورة من المسلمين، وإني خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم خليفة ترضونه “. فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، فَولِ أمرنا باليمن والبركة. فأخذ يحض الناس على التقوى ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الآخرة، ثم قال لهم: ” أيها الناس من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له على أحد، أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ” ثم نزل عن المنبر وقد تمت البيعة للخلافة في دمشق سنة 99 هجرية في مسجد دمشق الكبير (الجامع الأموى).

يقول التابعي العالم الجليل رجاء بن حيوة: ” لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة وقف بنا خطيبا فحمد الله ثم أثنى عليه، وقال في جملة ما قال : يا رب إني كنت أميراً فطمعت بالخلافة فنلتها، يا رب إني أطمع بالجنة، اللهم بلغني الجنة. قال رجاء: فأرتج المسجد بالبكاء فنظرت إلى جدران المسجد هل تبكي معنا”

== ما دار بينه وبين إبنه بعد توليه الخلافة ==

اتجه عمر إلى بيته وآوى إلى فراشه، فما كاد يسلم جنبه إلى مضجعه حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك وكان عمره آنذاك سبعة عشر عامًا، وقال: ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين؟ فرد عمر: أي بني أريد أن أغفو قليلاً، فلم تبق في جسدي طاقة. قال عبد الملك : أتغفو قبل أن ترد المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين؟، فقال عمر: أي بني، إني قد سهرت البارحة في عمك سليمان، وإني إذا حان الظهر صليت في الناس ورددت المظالم إلى أهلها إن شاء الله. فقال عبد الملك : ومن لك يا أمير المؤمنين بأن تعيش إلى الظهر؟! فقام عمر وقبَّل ابنه وضمه إليه، ثم قال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني.

نماذج من عـدلهاشتهرت خلافة عمر بن عبد العزيز بأنها الفترة التي عم العدل والرخاء في أرجاء البلاد الإسلامية حتى أن الرجل كان ليخرج الزكاة من أمواله فيبحث عن الفقراء فلا يجد من في حاجة إليها. كان عمر قد جمع جماعة من الفقهاء والعلماء وقال لهم: ” إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم التي في أيدي أهل بيتي، فما ترون فيها؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين : إن ذلك أمرًا كان في غير ولايتك، وإن وزر هذه المظالم على من غصبها “، فلم يرتح عمر إلى قولهم وأخذ بقول جماعة آخرين منهم ابنه عبد الملك الذي قال له: أرى أن تردها إلى أصحابها ما دمت قد عرفت أمرها، وإنك إن لم تفعل كنت شريكا للذين أخذوها ظلما. فاستراح عمر لهذا الرأي وقام يرد المظالم إلى أهلها.

وعن عطاء بن أبي رباح قال: حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز :أنها دخلت عليه فإذا هو في مصلاه، سائلة دموعه، فقالت: يا أمير المؤمنين، ألشئ حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلّم فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، وذي العيال في اقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن لا تثبت لي حجة عن خصومته، فرحمت نفسي فبكيت. كان شديد المحاسبة لنفسه وَرِعًا تقيًا، كان يقسم تفاحًا أفاءه الله على المسلمين، فتناول ابن له صغير تفاحة، فأخذها من فمه، وأوجع فمه فبكى الطفل الصغير، وذهب لأمه فاطمة، فأرسلت من أشترى له تفاحًا. وعاد إلى البيت وما عاد معه بتفاحة واحدة، فقال لفاطمة: هل في البيت تفاح؟ إني أَشُمُ الرائحة، قالت: لا، وقصت عليه القصة –قصة ابنه- فَذَرفت عيناه الدموع وقال: والله لقد انتزعتها من فم ابني وكأنما أنتزعها من قلبي، لكني كرهت أن أضيع نفسي بتفاحة من فيْء المسلمين قبل أن يُقَسَّم الفَيءُ.

تواضعه وزهدهأشتهى عمر تفاحاً، فقال لو كان لنا شيء من التفاح، فإنه طيب الريح طيب الطعم فقام رجل من أهل بيته فأهدى إليه تفاحاً، فلما جاء به قال عمر: ما أطيب ريحه وأحسنه، أرفعه يا غلام فاقرئ فلاناً منا السلام وقل لهُ: إن هديتك قد وقعت منا بموقع بحيث تحب. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، ابن عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فقال : ويحك، إن الهدية كانت للنبي وهي لنا اليوم رشوة.

وعن بشير بن الحارث قال: أطرى رجل عمر بن عبد العزيز في وجهه، فقال له عمر: يا هذا لو عرفت من نفسي ما أعرف منها، ما نظرت في وجهي.

فما اطيبه ويا لشدة تواضعه

سياسته الداخليةوقبل أن يلي عمر بن عبد العزيز الخلافة تمرّس بالإدارة واليًا وحاكمًا، واقترب من صانعي القرار، ورأى عن كثب كيف تُدار الدولة، وخبر الأعوان والمساعدين؛ فلما تولى الخلافة كان لديه من عناصر الخبرة والتجربة ما يعينه على تحمل المسؤولية ومباشرة مهام الدولة، وأضاف إلى ذلك أن ترفَّع عن أبهة الحكم ومباهج السلطة، وحرص على المال العام، وحافظ على الجهد والوقت، ودقَّق في اختيار الولاة، وكانت لديه رغبة صادقة في تطبيق العدل.

وخلاصة القول أن عمر بن عبد العزيز رجل زهد وولاية ووجد نفسهُ فجأة خليفة؛ بل كان رجل دولة أستشعر الأمانة، وراقب الله فيما أُوكل إليه، وتحمل مسؤولية دولته الكبيرة بجدٍّ واجتهاد؛ فكان منه ما جعل الناس ينظرون إليه بإعجاب وتقدير.

وكان يختار ولاته بعد تدقيق شديد، ومعرفة كاملة بأخلاقهم وقدراتهم؛ فلا يلي عنده منصبًا إلا من رجحت كفته كفاءة وعلمًا وإيمانًا، وحسبك أن تستعرض أسماء من اختارهم لولاياته؛ فتجد فيهم العالم الفقيه، والسياسي البارع، والقائد الفاتح، من أمثال أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أمير المدينة وقاضيها، والجراح بن عبد الله الحكيمي، أمير البصرة، وكان قائدًا فاتحًا، وإداريًا عظيمًا، وعابدًا قائدًا، والسمح بن مالك أمير الأندلس، وكان قائدًا فذًا، استُشهد على أرض الأندلس، وكان باقي ولاته على هذه الدرجة من القدرة والكفاءة.

وكان عمر لا يكتفي بحسن الاختيار بعد دراسة وتجربة، بل كان يتابع ويراقب، لكن مراقبته لم تكن مراقبة المتهم، بل كان يراقب تطبيق السياسة العامة التي وضعها للدولة.

وإذا كان قد أخذ نفسه بالشدة والحياة الخشنة، فإنه لم يلزم بها ولاته، بل وسّع عليهم في العطاء، وفرض لهم رواتب جيدة تحميهم من الانشغال بطلب الرزق، وتصرفهم عن الانشغال بأحوال المسلمين، كما منعهم من الاشتغال بالتجارة، وأعطى لهم الحرية في إدارة شئون ولاتهم؛ فلا يشاورونه إلا في الأمور العظيمة، وكان يظهر ضيقه من الولاة إذا استوضحوه في الأمور الصغيرة، حيث كتب إليه أحد ولاته يستوضح منه أمرًا لا يحتاج إلى قرار من الخليفة، فضاق منه عمر، وكتب إليه: “أما بعد، فأراك لو أرسلتُ إليك أن اذبح شاة، ووزِّع لحمها على الفقراء، لأرسلت إلي تسألني: كبيرة أم صغيرة؟ فإن أجبتك أرسلت تسأل: بيضاء أم سوداء؟ إذا أرسلت إليك بأمر، فتبيَّن وجه الحق منه، ثم أمْضِه”. روي أن الرعية أشتكت عاملاً له فأرسل إليه خطابا قال له في ” يا أبن أخي تذكر طول سهر أهل النار في النار لاينامون ولا يستريحون ولا يقضي عليهم فيموتوا ولايخفف عنهم من عذابها ولا يكن آخر عهدك بالله الأنصراف إلي النار” فطوي هذا الوالي الأرض طيا حتي قدم عليه فقال ما أقدمك عليّ قال خلعت قلبي بخطابك والله لا ألي أمرة حتي اموت . و قد كان أول من أوقف عطايا بني أمية وأول من أوقف عطايا الشعراء.

آخر خطبةفي آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز من منبر الجامع الكبير في دمشق قال: إنكم لم تخلقوا عبثاً ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للفصل بين عباده، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم جنة عرضها السموات والأرض.ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين، وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، فتودعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، غنياً عما خلف، فقيراً إلى ما أسلف، فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقيته، وأني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه. ثم رفع طرف ردائه وبكى حتى شهق ثم نزل فما عاد إلى المنبر بعدها حتى توفي.

وفـاته وشكوك من مقتلهتوفي الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز سنة 101 للهجرة ودفن في منطقة دير سمعان من أعمال المعرة بالقرب من حلب في سوريا. وقد قال بعض المؤرخين ان عمر عبد العزيز قد قتل مسموما على ايدى بعض امراء بنى امية بعد أن اوقف عطياهم وصادر ممتلاكتهم واعطها لبيت مال المسلمين وهذا الرأي الارجح. استمرت خلافته فترة قصيرة جداً، فلم تطل مدة خلافته سوى عامين ونصف، ثم حضره أجله ولاقى ربه عادلاً في الرعية قائماً فيها بأمر الله.وعندما توفي لم يكن في سجنه رجل واحد. وفي عهده انتشر العلم وكثرت المساجد في ارجاء الدولة الأموية التي تعلم القرآن، وفي عهده القصير أوقف الحرب مع جيرانه ووسع العمل داخل دولته (البنية التحتية للدولة) كالشوارع والطرقات والممرات الآمنة ودور الطعام (التكايا) كما في دمشق وحلب والمدينة وحمص ومدن مصر والمدن الإسلامية في كل البقاع والمدارس ونسخ الكتب والترجمة والتعريب ونقل العلم وإلى غير ذلك من الأعمال الخيرة حتى دعاه المؤرخون بخامس الخلفاء الراشدين .[/size]