أ.د. أحمد محمد وهبان

جان جاك روسو

كاتب الموضوع الأصلي: فهد البلوي 4.8

صورة

جان جاك روسو (28 يونيو 1712-2 يوليو 1778) فيلسوف سويسري، كان أهم كاتب في عصر العقل. وهو فترة من التاريخ الأوروبي، امتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلاديين. ساعدت فلسفة روسو في تشكيل الأحداث السياسية، التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب والسياسة.

حياته المبكرة

وُلد روسو في مدينة جنيف بسويسرا. وكانت أسرته من أصل بروتستانتي فرنسي، وقد عاش في جنيف لمدة سبعين عاما تقريبا. توفيت أمه عقب ولادته مباشرة، تاركة الطفل لينشأ في كنف والده، الذي عُرف بميله إلى الخصام والمشاجرة. ونتيجة لإحدى المشاجرات عام 1722م، اضطر والد روسو إلى الفرار من جنيف. فتولى عم الصبي مسؤولية تربيته.
وفي عام 1728م، هرب روسو من جنيف، وبدأ حياة من الضياع، ومن التجربة والفشل في أعمال كثيرة. كانت الموسيقى تستهويه دوماً، وظل لسنوات مترددًا بين احتراف الكتابة أو الموسيقى.
وبعد وقت قصير من رحيله عن جنيف، وهو في الخامسة عشرة من عمره، التقى روسو بالسيدة لويز دي وارنز، وكانت أرملة موسرة. وتحت تأثيرها، انضم روسو إلى الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. ومع أن روسو كان أصغر من السيدة دي وارنز باثني عشر أو ثلاثة عشر عامًا، إلا أنه استقر معها بالقرب من مدينة شامبيري، في دوقية سافوي. وقد وصف سعادته بعلاقتهما في سيرته الذاتية الشهيرة اعترافات التي كتبت في عام 1765 أو 1766م – 1770م، ونُشرت عامي 1782م و 1788م، ولكن العلاقة لم تدم، فقد هجرها روسو أخيرًا عام 1740م

وفي عام 1741م أو 1742م، كان روسو في باريس يجري وراء الشهرة والثروة، وقد سعى إلى احتراف الموسيقى. وكان أمله يكمن في وضع نظام جديد للعلامات والرموز الموسيقية قد كان ابتكره. وقدم المشروع إلى أكاديمية العلوم، ولكنه أثار قدرًا ضئيلاً من الاهتمام. في باريس، اتَّصل روسو بـالفلاسفة وهي جماعة من مشاهير كتاب وفلاسفة العصر. وحصل على التشجيع المادي من مشاهير الرأسماليين. ومن خلال رعايتهم، خدم روسو أمينًا للسفير الفرنسي في البندقية خلال عامي 1743، 1744م.
كانت نقطة التحول في حياة روسو عام 1749م، حين قرأ عن مسابقة، تكفَّلت برعايتها أكاديمية ديجون، التي عرضت جائزة مالية لأحسن مقال عن الموضوع، وهو ما إذا كان إحياء النشاط في العلوم والفنون من شأنه الإسهام في تطهير السلوك الأخلاقي. وما أن قرأ روسو عن المسابقة حتى أدرك المجرى الذي ستتّجه إليه حياته. وهو معارضة النظام الاجتماعي القائم، والمضيّ فيما بقي من حياته في بيان الاتجاهات الجديدة للتنمية الاجتماعية. وقدم روسو مقاله إلى الأكاديمية تحت عنوان: بحث علمي في العلوم والفنون عام 1750 أو 1751م، حمل فيه على العلوم والفنون لإفسادها الإنسانية. ففاز بالجائزة، كما نال الشهرة التي ظل ينشُدها منذ أمد بعيد.

المنزل الذي كان يسكنه مع زوجته في السابق
[عدل]حياته المتأخرة

عندما تحول روسو إلى الداخلية الكاثوليكي، خسر حقوق المواطنة في جنيف. ولكي يستعيد هذه الحقوق تحول مرة أخرى عام 1754م إلى المذهب البروتستانتي. وفي عام 1757م اختلف مع الفلاسفة؛ لأنه استشعر منهم الاضطهاد.
[عدل]أعماله

تتسم آخر أعمال روسو بالإحساس بالذنب وبلغة العواطف. وهي تعكس محاولته للتغلب على إحساس عميق بالنقص، ولاكتشاف هويته في عالم كان يبدو رافضًا له. حاول روسو في ثلاث محاورات صدرت أيضًا تحت عنوان قاضي جان جاك روسو كُتبت في المدة بين عامي 1772 – 1776م، ونُشرت عام 1782م، حاول الرد على اتهامات نقاده، ومن يعتقد أنهم كانوا يضطهدونه. أما عملُه الأخير، الذي اتسم بالجمال والهدوء، فكان بعنوان أحلام اليقظة للمتجول الوحيد (كُتبت بين عامي 1776 و1778م، ونُشرت عام 1782م). كذلك، كتب روسو شعرًا ومسرحيات نظمًا ونثرًا. كما أن له أعمالاً موسيقية من بينها مقالات كثيرة في الموسيقى ومسرحية غنائية (أوبرا) ذات شأن تسمى عرّاف القرية، ومعجم الموسيقى (1767م)، ومجموعة من الأغنيات الشعبية بعنوان العزاء لتعاسات حياتي (1781م). وفضلاً عن ذلك، كتب روسو في علم النبات، وهو علم ظل لسنوات كثيرة تتوق نفسه إليه.
[عدل]أفكاره

قام روسو بانتقاد المجتمع في رسائل عديدة. ففي رسالته تحت عنوان: “بحث في منشأ وأسس عدم المساواة” (1755م)، هاجم المجتمع والملكية الخاصة باعتبارهما من أسباب الظلم وعدم المساواة. وكتابه “هلويز الجديد” (1761م) مزيج من الرواية الرومانسية والعمل الذي ينتقد بشدة زيف المبادئ الأخلاقية التي رآها روسو في مجتمعه. وفي كتابه “العقد الاجتماعي” (1762م)، وهو علامة بارزة في تاريخ العلوم السياسية، قام روسو بطرح آرائه فيما يتعلق بالحكم وحقوق المواطنين. وفي روايته الطويلة “إميل” (1762م) أعلن روسو أن الأطفال، ينبغي تعليمهم بأناة وتفاهم. وأوصى روسو بأن يتجاوب المعلم مع اهتمامات الطفل. وحذر من العقاب الصارم ومن الدروس المملة، على أنه أحس أيضًا بوجوب الإمساك بزمام الأمور لأفكار وسلوك الأطفال.
كان روسو يعتقد أن الناس ليسوا مخلوقات اجتماعية بطبيعتهم، معلنًا أن من يعيشون منهم على الفطرة معزولين عن المجتمع، يكونون رقيقي القلب، خالين من أية بواعث أو قوى تدفعهم إلى إيذاء بعضهم بعضًا. ولكنهم ما إن يعيشوا معًا في مجتمع واحد حتى يصيروا أشرارًا. فالمجتمع يُفسد الأفراد من خلال إبراز ما لديهم من ميل إلى العدوان والأنانية.
لم يكن روسو ينصح الناس بالعودة إلى حالة من الفطرة. بل كان يعتقد أن الناس بوسعهم أن يكونوا أقرب ما يكونون إلى مزايا هذه الحالة، إذا عاشوا في مجتمع زراعي بسيط، حيث يمكن أن تكون الرغبات محدودة، والدوافع الجنسية والأنانية محكومة، والطاقات كلها موجهة نحو الانهماك في الحياة الجماعية. وفي كتاباته السياسية، رسم روسو الخطوط العريضة للنظم التي كان يعتقد، أنها لازمة لإقامة ديمقراطية يشارك فيها كافة المواطنين. يعتقد روسو أن القوانين يتعيّن عليها أن تعبر عن الإرادة العامة للشعب. وأي نوع من الحكم يمكن أن يكتسب الصفة الشرعية مادام النظام الاجتماعي القائم إجماعيًا. واستنادًا إلى ما يراه روسو، فإن أشكال كافة الحكم تتجه في آخر الأمر إلى الضعف والذبول. ولا يمكن كبح التدهور إلا من خلال الإمساك بزمام المعايير الأخلاقية، ومن خلال إسقاط جماعات المصالح الخاصة. وقد تأثر روبسْبيير وغيره من زعماء الثورة الفرنسية بأفكار روسو بشأن الدولة، كما أن هذه الأفكار كانت مبعث إلهام لكثير من الاشتراكيين وبعض الشيوعيين.
[عدل]نفوذه الأدبي

مهد روسو لقيام الرومانسية، وهي حركة سيطرت على الفنون في الفترة من أواخر القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلاديين؛ فلقد ضرب روسو، سواء في كتاباته أو في حياته الشخصية، المثل على روح الرومانسية، من خلال تغليبه المشاعر والعواطف على العقل والتفكير، والنزوة والعفوية على الانضباط الذاتي. وأدخل روسو في الرواية الفرنسية الحب الحقيقي المضطرم بالوجدان، كما سعى إلى استخدام الصور الوصفية للطبيعة على نطاق واسع، وابتكر أسلوبًا نثريا غنائيًا بليغًا. وكان من شأن اعترافاته أن قدمت نمطًا من السير الذاتية التي تحوي أسرارًا شخصية.
jl
[عدل]من روائع روسو الشهيرة

الحرية صفة اساسية للإنسان، وحق غير قابل للتفويت، فادا تخلى الإنسان عن حريته فقد تخلى عن إنسانيته وعن حقاقه كإنسان*
والحرية تعني تمتع الفرد بجميع حقوقه السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية في اطار قانوني*

مملكة بلجيكا

كاتب الموضوع الأصلي: صالح الجربوع1

صورة

بلجيكا هي دولة في أوروبا الغربية. وهو عضو مؤسس في الاتحاد الأوروبي، وتستضيف مقر الاتحاد الأوروبي، فضلا عن تلك المنظمات الرئيسية عدة الدولية الأخرى مثل منظمة حلف شمال الأطلسي. [7] بلجيكا تغطي مساحة 30528 كيلومتر مربع (11787 ميل مربع)، وعليه السكان من نحو 10.8 مليون نسمة. على جانبي الحدود الثقافية بين أوروبا الجرمانية واللاتينية، وبلجيكا هي موطن لمجموعتين اللغوية الرئيسية، والهولندية المتكلمين، الفلمنكية في الغالب، والناطقين بالفرنسية، الولونيين معظمها، بالإضافة إلى مجموعة صغيرة من المتحدثين بالألمانية. بلجيكا اثنين من أكبر مناطق هي المنطقة الناطقة باللغة الهولندية الفلاندر في الشمال والمنطقة الناطقة بالفرنسية جنوب والونيا. منطقة بروكسل العاصمة، ثنائية اللغة رسميا، هو جيب معظمهم من الناطقين باللغة الفرنسية في المنطقة الفلمنكية. [8] مجتمع صغير الناطقة بالألمانية موجود في والونيا الشرقية. ترد تنوع [9] بلجيكا اللغوية وذات السياسية والصراعات الثقافية في التاريخ السياسي ونظام معقد من الحكومة.

تاريخيا، كانت معروفة بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ والبلدان المنخفضة، والتي تستخدم لتغطية مساحة أكبر قليلا من المجموعة الحالية للدول البنلوكس. وكانت المنطقة التي تسمى في Bélgica اللاتينية بسبب مقاطعة Bélgica غليا الرومانية التي شملت أكثر أو أقل نفس المنطقة. من نهاية العصور الوسطى حتى القرن 17، وكان مركز مزدهر للتجارة والثقافة. من القرن 16 حتى الثورة البلجيكية في عام 1830، عندما انفصلت بلجيكا عن هولندا، وخاض العديد من المعارك بين القوى الاوروبية في مجال بلجيكا، الامر الذي أدى إلى ان يطلق عليها اسم ساحة أوروبا، [12] تعزيز سمعة من قبل كل العالم الحروب.

على استقلالها، وبلجيكا وشارك بحماس في الثورة الصناعية [13] [14]، وخلال القرن 20، يمتلك عددا من المستعمرات في أفريقيا. اتسمت [15] النصف الثاني من القرن 20 قبل ارتفاع من تأجيج الصراعات الطائفية بين الناطقين بالفرنسية والفلمنجيون من قبل الاختلافات الثقافية من ناحية والتطور الاقتصادي غير المتكافئة من فلاندرز والونيا من ناحية أخرى. وتسببت هذه الصراعات التي لا تزال نشطة إصلاحات بعيدة المدى للدولة البلجيكية الوحدوي سابقا في الدولة الاتحادية التي قد تؤدي إلى تقسيم البلاد.

في بلجيكا وهناك حوالي 2 700 000 نسمة من أصل أجنبي، على بعد حوالى 22 ٪ من مجموع السكان. [1] 56 ٪ (1 313 000) [1] من هذه البلجيكيين الجديدة هي من أصل أوروبي، و 44 ٪ (950 000) [1] هي من بقية العالم.

صورة

صورة

الجغرافيا
بلجيكا تشترك في الحدود مع فرنسا (620 كم)، ألمانيا (167 كم)، لوكسمبورغ (148 كم) وهولندا (450 كلم). مساحتها الإجمالية، بما في ذلك مجال المياه السطحية، هي 33990 كيلومترا مربعا، مساحة الأرض وحدها 30528 km2. بلجيكا ثلاث مناطق جغرافية رئيسية هي : السهل الساحلي في الشمال الغربي والهضبة الوسطى على حد سواء تنتمي إلى حوض الأنجلو البلجيكي، والمرتفعات آردن في الجنوب الشرقي هي جزء من الحزام Hercynian الثورة الجبلية. حوض باريس تصل إلى منطقة صغيرة في الطرف الجنوبي الرابعة في بلجيكا، لورين البلجيكي.

السهل الساحلي يتكون أساسا من الكثبان الرملية والأراضي المستصلحة. مزيد من الأكاذيب الداخلية على نحو سلس، منظر للطبيعة يرتفع ببطء المروية عن طريق المجاري المائية العديدة، مع الوديان الخصبة والسهول الرملية في شمال شرق Campine (Kempen). التلال والهضاب حرجية كثيفة من آردن أكثر الوعرة والصخرية مع الكهوف والأودية الصغيرة. تمتد غربا إلى فرنسا، يتم توصيل eastwardly هذا المجال إلى ايفيل في ألمانيا من هضبة الفينات السامي، الذي دي الإشارات Botrange أشكال أعلى نقطة في البلاد في 694 متر (2277 قدم).

السكانالكثافة السكانية هي أحد الأعلى في أوروبا. ديمغرافياً يوجد بالبلاد ثلاث مجموعات: الفلاندر، الوالون والألمان. المجموعة الأخيرة أُضيفت إلى بلجيكا بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى عام 1918م. يتكون سكان بلجيكا من عنصرين، الوالون أو الوالس ويعيشون في جنوب بلجيكا ويتكلمون اللغة الفرنسية، والعنصر الثاني الفلامان أو الفلامنج وينحدثون اللغة الهولندية، وهؤلاء يعيشون في النطاق الشمالي من بلجيكا، لذا ففي الدولة ثلاث لغات معترف بهم حيث أن هناك أقلية ألمانية في الشرق، وسكان بلجيكا حوالي عشرة ملايين وربع مليون، وهي من أكثر مناطق أوروبا ازدحاماً، وتزداد الكثافة في وسط بلجيكا وفي شمالها.

اللغةاللغات الرسمية هي الهولندية، الفرنسية والألمانية. 59% من البلجيكيين هم من الناطقين بالأولى، 40% بالثانية بينما هناك اليوم حوالي 1% من الناطقين بالألمانية في بلجيكا.
الديانةالكاثوليكية هي الطائفة الرئيسية في البلاد، وبحسب إحصائية حكومية أجريت عام 2006، فأن 47 % من البلجيكيين يعتبرون أنفسهم كاثوليك ممارسين، و 57.3 % يقولون بأنهم ينتمون للكنيسة الكاثوليكية. وتعتبر نسبة 15 % من مجموع السكان نفسها مسيحية دون تحديد الطائفة الدينية. الديانات الأخرى الممثلة في البلاد هي : الإسلام (400.000 شخص)، البروتستانتينية (140.000 شخص)، أرثوذكسية (70.000 شخص)، يهود (55.000 شخص)، الانغليكانية (11.000). وهناك أعداد قليلة من أتباع المذاهب المسيحية الحديثة والديانات الآسيوية المختلفة. هناك نسبة 8.8 % من اللادينيين، ونسبة 8.5 % تنتمي لمجموعات فلسفية لا دينية.]
الأعياد والعطلات الرسميةالعطل الدينية هي رأس السنة الميلادية (الأول من كانون الثاني/يناير)، عيد الفصح، عيد الصعود، عيد العنصرة، عيد الظهور، عيد جميع القديسين (تشرين الثاني/1 نوفمبر) وليلة وعيد الميلاد (24-26 كانون الأول/ديسمبر). العطل الوطنية هي عيد العمال (1 أيار/مايو)، يوم الجالية الفلاندرية (11 تموز/يوليو)، اليوم الوطني (21 تموز/يوليو)، يوم الجالية الوالونية (27 أيلول/سبتمبر)و يوم الهدنة (تشرين الثاني/11 نوفمبر).

التاريخ
تعتبر الثورة البلجيكية عام 1830 والتي أدت للاستقلال البلاد هي نقطة بداية تاريخ بلجيكا، قبل ذلك كانت الدولة جزءاً من هولندا. ضمنت دول أوروبا الكبرى استقلال ووحدة الأراضي البلجيكية عام 1839. شهدت البلاد منذ الاستقلال وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 نهضة اقتصادية. احتلها الألمان في الحرب العالمية وبقت تحت سيطرتهم حتى عام 1918. آلت ملكية أراضي ذات أغلبية ألمانية إلى بلجيكا بعد انتهاء الحرب وخسارة ألمانيا فيها. كمعظم دول أوروبا في هذه الحقبة، سجل اليمينيون عام 1936 انتصارات بالانتخابات البرلمانية. احتل الألمان البلاد عام 1940 في بداية الحرب العالمية الثانية وبقيت تحت سيطرتهم لحين تحريرها عام 1944 من قبل البريطانيين. اعتبر الملك ليوبولد الثالث (.Leopold III)، الذي حكم بين عامي 1934 – 1944، متعاوناً مع النازيين ابان الحرب. أُجبر عام 1944 على التنحي لصالح أخيه كارل (Karl). الشعب البلجيكي صوت على اعادة تنصيبه ملكاً عام 1950 ولكنه تنازل عام 1951 هذه المرة لصالح ابنه بودوان الأول (.Baudoin I). شكل التنوع الثقافي واللغوي المشكلة الأولى لبلجيكا على مدى تاريخها الحديث، حيث يوجد مجموعتان أساسيتان: الوالونيون (ذي الثقافة الفرنسية) والفلاميون (ذي الثقافة الهولندية). تم عام 1922 معاملتهما بالمثل وتعميم تعليمهم على أراضي المملكة. أُدخلت تعديلات عدة على قوانين اللغة والثقافة والقوانين الإدارية في العقود التي تلت الحرب العالمية إلى أن تم إعلان بلجيكا دولة اتحادية عام 1993، تستطيع بذلك كل ولاية تحديد قوانينها الداخلية بنفسها. كانت بلجيكا إحدى الدول المؤسسة للمجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1957 وشكلت مع هولندا واللوكسمبورغ اتحاداً جمركياً عام 1948 ثم اتحاداً اقتصادياً عام 1958. المملكة هي اليوم إحدى دول الاتحاد الأوروبي.

السياسةملوك بلجيكا

ليوبولد الأول . ليوبولد الثاني . ألبير الأول
ليوبولد الثالث . بودوان الأول . ألبير الثاني

بلجيكا دولة دستورية. ونظامها ملكي شعبي وهي دولة ديمقراطية برلمانية.

يتألف البرلمان الاتحادي من مجلسين: مجلس الشيوخ ومجلس النواب. ويتكون من 40 شخص يتم انتخابهم مباشرة و 21 شخص يتم تعيينهم من برلمانات الثلاث اقسام الجغرافية، و 10 أعضاء محاييدين بالإضافة لإبن الملك. ويتم انتخاب 150 ممثلا للبرلمان في ظل نظام الاقتراع النسبي المكون من 11 دائرة انتخابية. وتعتبر بلجيكا واحدة من البلدان القليلة التي يكون التصويت فيها إلزامي ولذلك فإن نسبة التصويت في بلجيكا هي واحدة من أعلى معدلات الإقبال في العالم.

!
النظام السياسي بلجيكا هي دولة اتحادية، تجمع بين التنوع الثقافي القائم في البلاد، وبالأخص الجزء الفلاميني (ذو الثقافة الهولندية) والجزء الوالوني (ذو الثقافة الفرنسية). الحكومة الفيدرالية مسؤولة عن السياسة الخارجية، الدعم التنموي، الاقتصاد ،الدفاع، الشرطة، الطاقة، المواصلات والاتصالات. بينما تكون الحكومات الإقليمية مسؤولة عن اللغة، الثقافة والتعليم. رأس الدولة هو الملك أو الملكة، الذي يتمتع بصفات فخرية فقط. رئيس الحكومة هو رئيس الوزراء.

القصور الملكية في بروكسل السياسة الخارجيةاتبعت بلجيكا دوماً سياسة موالية للغرب. لها مع كل من فرنسا وهولندا وألمانيا علاقات خاصة، بسبب التنوع الثقافي في البلاد المرتبط بهؤلاء الدول. كانت المملكة عضواً مؤسساً وطرفاً مهماً في بحلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949، الاتحاد الأوروبي عام 1993 وأخيراً في الوحدة النقدية الأوروبية التي دخلت حيز التنفيذ بداية عام 2002. كما يقع مقر حلف شمال الأطلسي (الناتو)، اللجنة الأوروبية، مجلس الاتحاد الأوروبي (مجلس الوزراء)، اللجنة الاجتماعية والاقتصادية الأوروبية، البرلمان الأوروبي واتحاد البنلوكس في العاصمة البلجيكية بروكسل. كما كان لها دور استعماري كباقي دول اوروبا في افريقيا خصوصا في الكونغو حيث اسهموا في تقسيم البلاد واعدام الزعيمي الوطني باتريس لومومبا.

التقسيمات الإداريةبلجيكا مُقسمة بين الجاليات الثلاث الفلامينيون، الوالينيون والناطقين بالألمانية إلى ثلاث أقاليم: فلاندرز، والونيا وإقليم بروكسل العاصمة.

أهم المدنالعاصمة بروكسل هي أكبر المدن (959,318)،تليها أنتويرب (445,570)، جنت (224,685)،شارلوروا (200,233) ولييج (184,550)

محاضره رقم8

كاتب الموضوع الأصلي: فهد النفيعي 381

يتبع
ديكتاتورية البروليتارية : هي فترة انتقالية “مؤقتة”سيتم خلالها تصفية “التخلص” الطبقة البرجوازية والملكية الخاصة والوصول بها إلى المرحلة العليا للشيوعية (<لا طبقات برجوازية بل طبقة واحدة وهي البروليتاريا > و <لا ملكية خاصة “تموت السلطة موت تلقائي وتحل محلها إدارة الأشياء بمعنى كل شئ يدير حاله” وإنما ملكية عامة ملكية الدولة )
*السلطة السياسية ترتبط وجوداً وعدماً بالملكية الخاصة ولكن في هذه الديكتاتورية لا توجد .
* شعار الشيوعية في مرحلة الشيوعية : من كل ع قدر طاقته ولكن في حدود حاجته .
* الثورة الشيوعية “الثورة البلشفية ” عام 1917 م وتعرف بثورة أكتوبر حسب التقويم الروسي , قاد هذه الثورة لينين “قلب الثورة ” وستالين “يد الثورة الباطشة ” وتروتسكي “من أعظم مفكري الثورة “.
* أول دستور في هذه الثورة كان عام 1924 م
وفي هذا الدستور تم تغيير روسيا إلى الاتحاد السوفيتي وكانت مرحلة للديكتاتورية البروليتاريا وتزول بعدها .
# الماركسيه تستخدم كمرادف الشيوعيه واحيانا تستخدم الاشتراكيه ماهو الفرق؟
الماركسيه فلسفه شامله
الشيوعيه الوجه الاقتصادي للماركسيه
الاشتراكيه تطبيق مخفف من الشيوعيه يسمح بقدر خفيف محدود للملكيه الخاصه محدود للملكيه الخاصه
# الماركسية في المجال السياسي :
التطبيق أراد التأكيد على هيمنة الطبقة الكادحة على السلطة .
قام هذا النظام السياسي على :
1- نظام الحزب الواحد
2- الرجل الواحد
3- الفكر الواحد
4- العقيدة الواحدة
5- الرأي الواحد
6- الإعلام الموجه
*الحزب الواحد “الحزب الشيوعي ” : أ- احتكر الحياة السياسية فلم يسمح بإنشاء أحزاب أخرى ب- هيمن على كافة مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسات السياسية .
*الرجل الواحد الزعيم الرجل الذي لا يخطأ لا أحد يشير إلى خطأ الزعيم وهو ديكتاتور يقوم حكمه على الإرهاب والقمع والتنكير فلا مجال للمعارضين إلا إحدى ظلمتين ظلمة القبر أو ظلمة السجن .
المعارضة =الخيانة
فالمعارض عدو الشعب – عدو الثورة والثورة مستمرة ومن حقها أن تزيل أي شئ يعارضها .
وهذا المبدأ يقوم على الخوف وليس على مبدا الشرف

المنظومة الإجتماعية والتغير

كاتب الموضوع الأصلي: فراس الشويرخ 8-4-1

المنظومة الاجتماعية.. والتغير
(دوام الحال من المحال)، من الأقوال الحكيمة التي تدل على أن الإنسان استوعب كثيراً من علل الكون وأحكامه. ونحن إذا تأملنا جميع ما حولنا فإنا نجده يخضع للتغيير، ويجسد لنا حقيقة هذه المقولة. إن كل شيء يتغير ولا يبقى على حال واحدة، إلا الله سبحانه، فالإنسان الذي هو أرقى المخلوقات وأبدعها صورة خضع -ومازال- لهذا التغيير فإذا كان نموه الجسدي قد يخضع للتغير، فإن مزاجه النفسي وتطوره العقلي أيضاً خضع له، فلا يعقل أن يعيش إنسان في عمر زمني واحد، ولا يعقل كذلك أن يبقى على حالة مزاجية واحدة، فهذا ضرب من المستحيل.
وإذا كان الإنسان الفرد يشكل وحدة داخل منظومة اجتماعية كبيرة يخضع للتغير، فإن المجتمع هو الآخر يخضع لهذا التغيير.
على أننا ينبغي أن نفهم أن التغير هذا له وجهان، فإما يكون التغير إلى الأحسن وهذا ما نجده لماذا نخاف التغيير ونرفضه ثم نعمل به في تعاليم ديننا التي غيرت المجتمع الجاهلي إلى الأرقى والأحسن، وأوصلته إلى الصراط المستقيم، وإما أن يكون تغيراً إلى الأسوأ وهذا ما نجده في بعض ما نقلناه من أساليب لا تناسبنا.
علينا أن نتمسك بالتغير الذي يرقى بنا إلى الأعلى، وليس التغير الذي يهبط بنا إلى الأسفل، ونحن إذا فهمنا التغير على هذا النحو فلا شك أننا سنتقدم إلى القمة دائماً. ومن الخطأ أن نجعل مفهوم التغيير هو تغيير سلوكنا وأخلاقنا وآدابنا، خاصة أنه ليس الإنسان وحده أو مجتمعه الذي يتغير فحسب، بل أيضاً جميع ما حولنا من ظواهر كونية طبيعية، فالليل والنهار يتعاقبان، والصيف والشتاء يتعاقبان، والربيع والخريف كذلك.. ولولا التغير هذا الذي يعد قانوناً إلهياً ما كان هذا التعاقب وأصبحت الحياة لا تطاق.
فإذا كان التغير شمل جميع ما حولنا فلماذا ينكر البعض وجوده، ولعلنا قابلنا فئات من المجتمع لا يؤمنون بهذا التغيير إذا كانوا هم أنفسهم معرضين له، فالبعض ينكر هذا التغير ويلفظه شكلاً ومضموناً.
وإذا فهمنا أن التغير سنة كونية، فلن يتمرد أحد على تغير حاله، كما أننا لو فهمنا أن ديننا نفسه دائماً ما يدعو إلى التغير إلى الأحسن، وهذه سنة الله في خلقه.
وأعتقد أننا في مجتمعنا أحسسنا بقيمة هذا التغيير الذي -لاشك أنه مكنّنا من استيعاب متغيرات العصر، سواء أكان هذا على المستوى المعنوي كالتدين والتحضر والعلم، أو كان على المستوى المادي كالتقدم في بناء المنشآت التعليمية والصحية والصناعية والتجارية.. إلخ.
وهذا التقدم بلاشك ثمرة من ثمار التغير الذي ننشده ونتمناه.
فلماذا إذن نخاف التغيير ونرفضه ثم نتراجع ونعمل بهذا التراجع، وهذا أمر طبيعي مع وجود أول تغيير إلا أن البعض يستمر مستميتاً أن لا تحدث مثل تلك التغيرات المستحقة والواجبة المطلوبة.

الأصولية بين تغير الواقع السياسي وتدمير المجتمع

كاتب الموضوع الأصلي: فراس الشويرخ 8-4-1

الأصولية بين تغير الواقع السياسي وتدمير المجتمع
التعصب الديني ظاهرة عالمية لا تقتصر على المعتقدين في الإسلام وحدهم. إن المنصف لا يمكن أن يعزل الظاهرة الأصولية الإسلامية عن الأصولية المسيحية واليهودية وحتى الأديان غير السماوية الأخرى. إن الأصولية ظاهرة تجتاح كل العالم. ومع هذا فإن الراصد الواعي لرموز الأصولية الإسلامية، وليس الشباب المغرر بهم، يجدها لا تعتمد برامج سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تطالب المجتمع بتطبيقها. أو تطالب أن تنفذها بالوكالة عن المجتمع. كما أنها تحشد كامل قوتها لمسح الرأي المخالف من الوجود ولا تقبل المختلف عنها في أي حال من الأحوال لتتحرك بحرية تامة في فضاء الإسلام الرحب لوحدها فقط. فهي تريد أن تكون الصوت الأوحد في العالم الإسلامي واحتكار الحقيقة لكي تكون لها الهيمنة وحدها في النهاية.
لقد أخذت الأصولية الإسلامية على نفسها مهمة هداية البشر بالعنف تجاوزت حتى الشعوب الإسلامية لاعتقادها الجازم بأن كل الناس على خطأ، فالإيمان ما يعتقدونه وحدهم وما يعتقده غيرهم إلحاد، فالفتوى واجتهاد والعلماء الربانيون حصرا عليهم ومن خالفهم حتى في الفروع والقضايا المعزولة في زوايا التاريخ الإسلامي عصاة أو ملحدون يجب تأديبهم وحملهم على ما يؤمنون به ويعتقدونه. ولابد من ردهم إلى طريقهم وإلا حلت بهم مصائب القتل والتكفير والتفجير والتخويف. فالمختلف معهم، وهم كل قوى المجتمع، يجب تصفيتهم بأداة الانتحار من خلال تفجير الشباب لأنفسهم، وإذا صدر منهم فتوى فعلى كل المؤمنين بهم، أي أتباعهم من الشباب، الطاعة والتنفيذ بصرف النظر عن من هو المستهدف مسلما كان أم كافرا. وهؤلاء الرموز لازالوا في أشد اندفاعهم وكأن النصر قاب قوسين أو أدنى. رغم أن عنف التيارات الساخطة على مجتمعاتها لم يستطع أن يغير الواقع منذ سنين في الجزائر وفي مصر وفي بلدان أخرى.
إن ما كابدته المملكة مهبط الهداية الإنسانية خلال العام الماضي من قتل وتخويف وتدمير. يجعل كل مسلم يحاسب عاطفته الأصولية تريد احتكار الحقيقة في عالمنا تجاه هؤلاء النوع من الناس في السابق ويقف منهم موقف الحذر والريبة. إن المسؤولية الجنائية والدينية يتحملها من تصدى لفتوى المغرر بهم والمغسولة أدمغتهم بثمن الجنة وصداق الحورية. إن المرجعية بالفتوى مسؤولون عن دماء المسلمين وأموالهم وتخويفهم كل ذلك في عهدتهم. أقول لمن نفذ وصاياهم وفتواهم كيف تواجهون ربكم في الدماء البريئة المنثورة والأجساد الممزقة والعظام المكسورة والممتلكات المدمرة. كيف تواجهون ربكم بالثكالى والأرامل والأيتام. كيف تواجهون ربكم بتخويف المسلمين الآمنين. ورغم فظاعة ما يرتكبون في حق مجتمعاتهم فإن ذلك لا يعفي التخصصات السياسية والاجتماعية من استنتاج أسباب الظاهرة. فالأسباب الظاهرة أسباب دينية لاستقطاب أكثر ما يمكن من الأتباع. أما السبب الآخر فهو سبب مستتر. فعندما يأتي متخاصمان إلى قسم الشرطة فإن السبب الحقيقي غير المدون في محاضر القسم. فهناك تراكمات مستترة دفعت السبب الظاهر لمسرح الحدث. إن الأصولية في المجتمعات الإسلامية في جانب العنف منها ردة فعل على فشل ثلاث قوى تتعامل مع الأصولية:
1- فشل الأنظمة السياسية الإسلامية وبعض الأنظمة العربية بالذات. التي لم تستجب للتحولات الاجتماعية الكبيرة في شعوبها ففيها الفساد والرشوة وفقر الفقر جنبا إلى جنب مع الغناء الفاحش والطبقية. مع تغييب كامل لمعظم فئات المجتمع وانتهاك سياسات متعددة ومزدوجة مثل: اقتصار الدين على الشعارات والقول ومخالفته في الممارسة العملية سواء على مستوى السلوك الاجتماعي أو المستوى الشخصي. واستبعاد حقوق قوى شعوبها في مراقبة المال العام والمشاركة السياسية وبناء محاضن الضبط الاجتماعي من مؤسسات مدنية وأطر وأنظمة قانونية وغيرها مما تمكن كل الحاملين للهوية الوطنية أن يكونوا شركاء في الوطن. إن المصارحة الصادقة تدفع إلى المخاطرة في الأنظمة العربية. مع إيمان كل الشرفاء والغيارى على أوطانهم وأنظمتهم وشعوبهم والحكماء وأهل الرأي الذين يميزون المصالح الوطنية بدون نظارة طبية. بأن الصمت أو المجاملة أو المداهنة، على الأصح، في ظل الأوضاع الراهنة هي ضد الوطنية. إن قدرات البلدان العربية لم تتحول إلى آليات لنهوض الاقتصادي والاجتماعي وتوفير البنية الأساسية للبناء والتقدم والازدهار ليصبح جزءا حيويا وعضويا من الاقتصادي الوطني.
2- فشل الكوادر والأطر المثقفة أو ما تسميها الأصولية (بالعلمانية)، من تأخذ مكانها المأمول منها وتسد الفراغ في السياسة والاقتصاد والقضايا الاجتماعية. وتأخذ بنفسها ريادة المجتمع وتكون بمثابة الرقيب والمرشد معا للنظام ولكافة قوى المجتمع بما فيها الأصولية نفسها. فتأخذ بنفسها صيانة المجتمع في معتقداته وأفكاره والمحافظة على السمت العام ومزاج المجتمع المسلم من أن تخدشه الحضارة الغربية أو تزهق روحه الجريمة المصدرة من الخارج. وبهذا لا يعطى المثقف الأصولي حق القيام بالعنف نيابة عن قوى المجتمع وأهل العلم والرأي فيه. وتكون في عهدة المثقف تثقيف قوى المجتمع بما فيها الأنظمة والأصولية بالمكتسبات المادية الغربية بما يفيد المجتمعات الإسلامية بالتصنيع والإدارة وكل ما يعزز المجتمع ويقويه اقتصادياً وصناعياً وعسكرياً وبكل الأسباب المادية.. مع إعطاء العلماء المتنورين مكانتهم ومرجعيتهم بمسائل الشرع وتمكينهم من نشر روحانية الثقافة الإسلامية وتاريخها المجيد الذي جعل لها مكانة مرموقة تحت الشمس في أوج مراحل تاريخها. وتطهير التاريخ الإسلامي من الاختلافات المذهبية والفرق الهدامة وتشعب السبل والرجوع للفرقانين: القرآن والسنة. فالدين الإسلامي واسع في مجال حرية الرأي والحوار والتسامح ويعطي عموم المسلمين التفكير بحرية دون أن تفضي هذه الحرية الفكرية إلى تعدد المذاهب والنحل والطوائف التي من حتمية وجودها تفرقة المسلمين وتشتتهم. فالتعدد في الاجتهاد لا يكون بالدين على الجملة ولكن في قضايا فردية وحصراً على الفروع، كما يحصل بين الصحابة رضوان الله عليهم. فاجتهاداتهم في القضايا الزمنية متعددة ومتباينة أثناء الحوار والنقاش والجدل. ويتفقون في الأغلب على واقع التطبيق. ويعترفون للمختلفين في حق الاختلاف. فقد كان يسود بينهم التسامح والمحبة والرأفة والرحمة والتعاون ولهذا كانوا سادة الدنيا.

المقاومة بأدوات سياسية

كاتب الموضوع الأصلي: فراس الشويرخ 8-4-1

المقاومة بأدوات سياسية
* ليس صحيحاً أن القمة العربية القادمة في الخرطوم.. ستدعم استمرار “حماس” في التعامل كحكومة بنفس أساليبها السابقة كمقاومة.
* وليس صحيحاًَ أن “حماس” نفسها تستطيع أن تتقلد مسؤولية حكومة فلسطينية دون أن تقبل بالالتزامات والمواثيق التي التزمت بها السلطة الفلسطينية وتعمل على تبنيها والعمل من خلالها..
* وليس صحيحاً أيضاً أن الشعب الفلسطيني.. مستعد لتقديم المزيد من التضحيات دون هدف مرسوم، يوصله في النهاية إلى تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة.
* إن الدعم العربي المتوقع.. مطلوب.. وضروري لحماس التي تأتي إلى السلطة وتتعامل معها بمسؤولية كافية.. تتقدم فيها المصلحة العليا لشعب فلسطين بعيداً عن المزايدة أو الشعارات أو الضوضاء الإعلامية التي قد تعطّل الكثير من الخطوات وتُفسد الكثير والكثير من الإنجازات المتحققة..
* وبالتأكيد فإن جولة خالد مشعل وزياراته لعدد من دول العالم مفيدة للغاية، لأنها وضعت “حماس” في المناخ الدولي الصحيح لكيفية التعامل مع المسؤولية.. بعيداً عن العواطف والأماني والأحلام..
* وبالتأكيد أيضاً -وبعيداً عن التصريحات الإعلامية التي صدرت من مسؤولي “حماس” -خلال هذه الجولة- فإن التعاطي مع المسؤولية سيكون أكثر واقعية وأبعد عن الانفعال.. وقريباً -إلى حد كبير- من التكيّف الطبيعي مع مقتضيات العمل السياسي الناضج..
* لكل ذلك، فإن العرب، كل العرب.. سيكونون مع “حماس” بالقدر الذي تكون فيه قد انتقلت إلى مرحلة العمل السياسي بعقلية السلطة وليس بمشاعر المقاوم للاحتلال فقط..
* ذلك أن الإمكانية كبيرة أمام “حماس” لكي تحقق نجاحاً كبيراً على الساحة السياسية.. إذا هي مارست المقاومة السياسية ولعبت أوراقها بمهارة ولم تعزل نفسها عن الأسرة الدولية..
* عندها فقط تكون قد لعبت دورين متكاملين في مرحلتين مختلفين، دور المقاومة المسلحة التي جاءت بها إلى السلطة ثم دور المقاومة السياسية التي توفرت لها شروطها عند تسلم مقاليد الحكم وذلك ما نتمنى ونرجو.

الثورات الشعبية في العالم العربي .. رؤية شرعية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الغامدي 8

الثورات الشعبية في العالم العربي .. رؤية شرعية

د. محمد المصلح *

كشفت الثورات الشعبية العربية المتتابعة الراهنة بدءا من الثورة الشعبية التونسية الباسلة.. ظاهرة جديدة في المشهد العربي ملفتة ومبشرة للغاية.. تتمثل هذه الظاهرة في كون هذه الثورات في الأصل ما هي إلا انتفاضات شبابية تمتاز بمجموعة من الصفات المشتركة المبهرة والتي هي ــــ في تقديرنا ــــ سر قوتها وفاعليتها، رغم وجود فروق فيما بين هذه الثورات يميز بعضها عن بعض.. من أبرز تلك الصفات المشتركة التي تمتاز بها هذه الثورات: أنها في الأساس حركات شبابية مستقلة وراقية، وذات روح معنوية عالية ومتقدة، وتتبنى استراتيجيات جديدة وفاعلة، وبعقلية حرة وواعية بامتياز.

إن هذه الظاهرة لجديرة بالدراسة المعمقة حيث إنها ذات دلالات كبيرة تستوجب التوقف عندها وتحليلها واستخلاص النتائج والدروس والعبر منها، ومن ثم إعادة مراجعة قراءة كامل المشهد العربي بتحولاته المتسارعة ومستقبله القريب والبعيد ومن جميع جوانبه في ضوء تلك النتائج، بما في ذلك مراجعة النظرة التقليدية السائدة عن شبابنا بشكل خاص وعن الشعوب العربية بشكل عام.

ومن المفارقة الملفتة في هذا السياق، والتي تستدعي الأسف الشديد في ذات الوقت، أن كثيرا من مواقف الرموز والنخب الدينية والفكرية والمجتمعية ــ والتي يفترض في الأصل أن تقوم بالتشجيع والتوجيه والترشيد والتنظير والإسناد والتأييد لشباب الثورات ومسيراتهم المباركة ــ لا ترقى ألبتة إلى مستوى تلك المواصفات الحيوية التي جسدها شباب الثورات الراهنة في مسيراتهم.. بل الأدهى من ذلك والأمرّ؛ أن من بين مواقف هؤلاء الرموز ما قد يُربك بعض أولئك الشباب ومناصريهم، ويضعف من معنوياتهم، ويشوّش عليهم مسيراتهم.. الأمر الذي قد يُنذر بأن تؤتى هذه الثورات من مثل تلك المواقف بأكثر مما قد تؤتى من المواجهات المباشرة لها من قبل النظم التي يثورون ضدها.

هذه المفارقة المؤسفة تفرض على كل صاحب قلم حر ومتجرد أن يسند الثورات الشعبية العربية الراهنة بكل ما أوتي من حجة وبيان، وينتصر لها، ويصد عنها أي تشويش قد يربكها أو يهدد مستقبلها.. وهذه محاولة لتقديم سند شرعي سياسي لهذه الثورات.

التكييف الشرعي للثورات الشعبية الراهنة:

يُجمع شباب الانتفاضات الشعبية العربية على أن الهدف الأساس لانتفاضاتهم ما هو إلا إسقاط النظم الحاكمة المستبدة والمتفرعنة والفاسدة والمستذلة لشعوبها، وذلك عبر الثورة الشاملة ضد تلك النظم.. كما يجمعون على أنهم ما ثاروا إلا لاسترجاع حرية الشعوب وكرامتها التي سحقتها النظم المستكبرة والجائرة سحقا طوال تاريخ هذه النظم القمعية التي امتدت لعقود.. والمطلب هذا مطلب إنساني يوحّد كل الثوّار الأحرار ومناصريهم بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والسياسية، وذلك ما تعكسه بوضوح شعارات هذه الثورات ومسيراتها.. والإجماع على هذا المطلب هو ــــ كما نعتقد ــــ من أهم مكامن القوة والأمل والاستبشار بالثورات الراهنة.

فما التكييف الشرعي لهذا المطلب السامي؟ وما التكييف الشرعي لتحقيقه عبر الثورة؟
التكييف الشرعي لهذا المطلب هو أنه من أولويات الدين الحنيف، بل هو متطلب سابق لإقامة الدين؛ حيث إن الدين لا يمكن أن يقام في مجتمع مسحوق ومهدور الكرامة وفاقد للحرية.. وهذا سر اشتمال القرآن المكي ــ مع تركيزه على بناء العقيدة ــ على آيات تتعلق بكرامة الإنسان وحريته وحقوقه الأساسية كإنسان، من مثل قول الله تعالى: “وإذا الموؤودة سئلت، بأي ذنب قتلت”، مما يدل على أن احترام النفس البشرية والمحافظة على كرامة الإنسان وتحقيق حريته يقترن في القرآن مع أولويات الدين نفسه (1).. ويعضد ذلك اهتمام القرآن الملفت بقصة مواجهة موسى وهارون عليهما السلام لفرعون الطاغية الظالم المستكبر المتألّه، وتحقيقهما لإرادة الله في تخليص شعب مصر المستضعف حينذاك من استعباد فرعون لكامل الشعب؛ وهي عبرة لكل شعب مستضعف يواجه الشخصية الفرعونية المتكررة عبر التاريخ (2).
كما أن الدين الحنيف يتوق إلى نصرة المظلوم كمبدأ عام، أيا كان هذا المظلوم، ويحث أتباعه أن يقفوا مع كل دعوة أو حركة ضد الظالمين أيا كانوا.. فهذا رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم يقول عن حلف الفضول الذي تعاهد فيه عشائر من قريش قبل الإسلام على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، ويقفوا ضد من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته: “لقد حضرتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحبُّ لو أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت”.. وهذا الموقف القيمي المبدئي من رسول الإسلام عليه السلام له دلالاته القوية في هذا السياق.
ثم إن قيام الشباب بهذه الحركات الشجاعة في سبيل تحقيق هذا المطلب السامي يدل على تعافي أولئك الشباب من داء الوهن الذي أصاب الأمة في مرحلتها الغثائية التي حذّر منها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت” (3). فقد كسر هؤلاء الشباب جدار الخوف، ورُبط على قلوبهم فقاموا في وجه الظالمين، وثبتوا على موقفهم ثباتا مشهودا رغم كل محاولات التشويش عليهم، والبطش بهم، والالتفاف على حركاتهم.. والثبات على هذا الموقف هو من أهم عوامل النجاح في الثورات.

أما التكييف الشرعي للثورة كوسيلة لتحقيق هذا المطلب المشروع، فيمكن تحديده في النقاط المركزة التالية:
1. الثورة وسيلة فعّالة متاحة للشعوب المستضعفة للتصدي للنظم المستكبرة والمستعبدة للشعوب.. والثورة بذلك تكون سببا في تحقيق إرادة الله في التمكين للمستضعفين وقطع دابر المستكبرين؛ “ونريد أن نمن على اللذين استُضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونُمكّن لهم في الأرض…” (4).
2. الثورة وسيلة فعّالة متاحة للشعوب لتغيير منكر عظيم، ألا وهو الظلم والاستبداد، والذي تترتب عليه مناكر كبيرة كثيرة ومستمرة طوال تاريخ النظم المستبدة المراد إسقاطها.. وهذا واجب عيني على كل فرد من أفراد الشعوب كل بحسب استطاعته، للحديث: “من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان” (5).
بل إن الثورة تكاد تكون الوسيلة الفعّالة الوحيدة المتاحة للشعوب لتحقيق مطلبها المشروع، ولاسيما بعد أن فشلت الوسائل الأخرى في تغيير هذه النظم أو إصلاح ما أفسدته، وبعد أن عجزت أحزاب المعارضة في تحقيق الإصلاح المنشود من خلال الأدوات السياسية الأخرى المعهودة؛ نظرا لاستخدام النظم المستبدة لطرق ملتوية للحيلولة دون تحقيق هذه الأحزاب لأهدافها.. بالإضافة إلى أن النظم تستند ــ في حال استقرارها ــ إلى قوى الاستكبار العالمي المهيمنة على الأمة ضد أي حراك إصلاحي نوعي وفق الآليات المعهودة.
3. الثورة وسيلة فعّالة متاحة للشعوب لمواجهة الحكام الجائرين بكلمة الحق، ولأمرهم ونهيهم، وتأطيرهم على الحق أطرا.. وهذا يعد من فروض الكفاية التي ما لم يقم بها البعض بشكل واف لا يسقط الإثم عن المجتمع بكامله.. بل إن هذا من أفضل الجهاد، لحديث: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر” (6) ، والتفريط فيه يُنذر بعقاب للمجتمع بأسره، وبفتنة كبرى تعمه، للحديث: “لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم” (7) ، أي كما لعن بني إسرائيل.. ومن لم ينكر على الحكام الظلمة بأي شكل من الأشكال فهو آثم، لحديث: “إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برىء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع” (8). والذي يموت في سبيل تحقيق هذا الفرض الكفائي يستحق رتبة “سيد الشهداء”، كما وعد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث: “سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله” (9).
والثورة بلا شك أوقع وأقوى وأجدى من المواجهات الفردية للحاكم المستبد الجائر، ذلك أنه في حال المواجهات الفردية يسهل على الحاكم الظالم أن يبطش ويقمع وينكّل بمن ينهاه عن الظلم، أو يسفه به ولا يلقي له بالا، ومن ثم يستمر في ظلمه، ولا يرتدع، ويصر على طغيانه، أما في حال الثورة الشعبية فإنه يصعب عليه البطش بالشعب كله، ولاسيما حينما تنجح الثورة في كسب الرأي العام العالمي.
4. الثورة وسيلة فعّالة متاحة للشعوب للدفاع عن أعراضها وأموالها من النظم الفاسدة التي تنتهك فيها الأعراض، ويعتدى فيها على الحرمات، وتستباح فيها الممتلكات، وينهب فيها المال العام نهبا.. ومما تقرره الشريعة أن الدفاع عن الأعراض والأموال حق مشروع، والذين يموتون وهم يدافعون عن أعراضهم أو أموالهم فهم شهداء، لحديث: “من مات دون عرضه فهو شهيد، ومن مات دون ماله فهو شهيد” (10).
شبهة ورد

إنه لمن المستغرب بحق، بل من المستنكر جدا، في ضوء التكييف الشرعي السابق، أن تصدر أقوال منسوبة إلى رموز شرعية أو إلى مؤسسات دينية تصف هذه الثورات بأنها دعوات للفتنة، وأن الفتاوى والتصريحات التي تحث على الاستمرار في الثورات هي دعوات للفتنة كذلك!! ومن العجب أن تتطابق أقوال هؤلاء إلى حد كبير مع ما تطلقه النظم الفاسدة والجائرة نفسها من أوصاف على الثورات ضدها!!.. وبلا شك فإن هذه الأقوال مردودة وباطلة.. ذلك أن الفتنة لا تطلق على حال ــ كالحال في الثورات الشعبية العربية الراهنة ــ يتميز فيه الحق من الباطل، والظالمون عن المظلومين بشكل لا لبس فيه.. إذ في هذا الحال يكون هناك موقفان لا ثالث لهما:
1. إما الوقوف مع الحق ومناصرة المظلومين على قدر الاستطاعة.. وهذا هو الواجب.
2. وإما اتباع الباطل والركون إلى الظالمين.. وهذا هو المحظور.
فهنا؛ لا يوجد موقف محايد، فالحياد يكون بلا ريب لصالح الباطل والنظم الظالمة.. والحياد هنا يعد نوعا من السكوت عن الحق، والساكت عن الحق شيطان أخرس.. كما أنه نوع من الخذلان للمظلومين الذي جاء فيه الوعيد “لعن الله من رأى مظلوما فلم ينصره‏” (11)، “ولأنتقمنَّ ممن رأى مظلوما فقدر أن ينصره فلم يفعل” (12).. وهو كذلك نوع من الركون إلى الظالمين الذي جاء فيه الوعيد الشديد “ولا تركنوا إلى اللذين ظلموا فتمسكم النار” (13).
ولو سلمنا جدلا بأن في الثورة فتنة؛ فإن في بقاء النظم المستبدة الجائرة فتنة أشد وأفحش وأدوم كما سبق وبيناه.. ولا سيما وأن هذه النظم فاسدة إلى النخاع وخائنة لشعوبها وأمتها وفاقدة للشرعية في الأصل حيث إنها لم تأت بإرادة حقيقية من الشعوب.. وهنا تنطبق القاعدة: “تدرأ المفسدة الأشد بارتكاب المفسدة الأقل”.
وفي الحقيقة أن وصف الثورة بأنها فتنة، فيه تعام مستهجن عن الفتنة الكبرى المتحققة بالفعل ببقاء النظم المستبدة الجائرة، والمفاسد الكثيرة المترتبة عليه.. ونسبة هذا الموقف من الثورة إلى الدين فيه جناية كبرى على الدين، وتنفير شديد منه، ومن رموزه.
البعد الاستراتيجي للثورة
نقطة الارتكاز الاستراتيجية في الثورات الشبابية الراهنة هي الإصرار الملفت في كل ثورة على إسقاط النظام الفاسد المستبد، واعتبار ذلك هو الهدف الاستراتيجي للثورة الذي لا محيد عنه. وهناك ثبات مشهود على هذا الموقف في كل ثورة من قبل شباب الثورة بالأخص، رغم كل محاولات الالتفاف على الثورات وإفسادها من قبل زبانية هذه النظم وأقطابها ومرتزقيها والمتنفعين من بقائها وفسادها.
ومن الإنصاف أن نسجل هنا ما نلحظه من تفوق نوعي ــ ومبشر أيضا ــ لموقف شباب الثورات في هذا الصدد تحديدا على كثير من مواقف رموز المعارضة بشكل خاص والنخب بشكل عام.. فنحن نلحظ بإعجاب واستبشار أن هؤلاء الشباب يُلحّون على هذا الهدف الاستراتيجي منذ اندلاع كل ثورة، ويركزون عليه، ولا يقبلون المساومة عليه، ولا ينخدعون بأي محاولة لإشغالهم عن تحقيقه، ويرفضون أي حوار مع أي طرف قبل تحقيق هدفهم الاستراتيجي هذا.. ولا يؤثر في موقف الشباب هذا أي من التغييرات الجزئية والشكلية التي تقوم بها النظم تحت شعار ظاهره الإصلاح التدريجي وباطنه محاولة الالتفاف على الثورات واحتوائها.
بل إن هؤلاء الشباب لا يقرون أساسا بشرعية النظم المستبدة الفاسدة، ولا أي من أقطابها، ولا مؤسساتها، ولا يحتكمون إلى الدساتير التي أسقطت الثورات شرعيتها.. فهم لا يستندون إلا إلى الشرعية الثورية.. وهذا يجعل مواقفهم متسقة.
أما مواقف كثير من رموز المعارضة والنخب فلا تخلو من اضطراب، بل وتتعارض مع روح الثورات؛ ذلك أنهم ما زالوا يفكرون بالعقلية التقليدية الهرمة فيما يبدو.. ويتخذون بعض المواقف المستنزفة للوقت والجهد بلا طائل، بل تعود سلبا على مسيرات الثورات.. وما الموقف من الحوار مع عمر سليمان على سبيل المثال ــ والذي هو أحد أقطاب النظام المصري المستبد الفاسد، وهو الرجل المفضل للعدو الصهيوني كبديل عن الرئيس المخلوع الموالي لهم ــ عنا ببعيد.. وبمثل هذه المواقف المضطربة والمشوشة؛ لا يرقى هؤلاء الرموز ــــ وللأسف ــــ إلى مستوى البعد الاستراتيجي للثورات الراهنة، فضلا عن أن يمثلونها.
نصائح للحفاظ على مكتسبات الثورة
هذه المفارقة بين مواقف شباب الثورات المتسقة والواعية ومواقف كثير من الرموز المضطربة والمنذرة بإرباك الثورات تجعلنا نوصي بما يلي:
1. ضرورة أن تبقى حركات الشباب الثورية مستقلة، وألا يقبلوا وصاية عليهم، أو تمثيلا لهم من خارجهم ممن لم يتمثل روح الثورة، أو ممن يريدون أن يركبوا الموجة ويحققوا مآرب شخصية خاصة، أو ممن “يُحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا”.
2. ضرورة التركيز على البعد الاستراتيجي في الثورات، والإسراع في تبني استراتيجيات فعّالة لمرحلة الحسم فيها وتحقيق الهدف الاستراتيجي للثورات، ألا وهو إسقاط النظم الفاسدة بشكل كامل، وتفويت أي محاولة لاغتيال الثورات، أو الالتفاف عليها.
3. ضرورة أن تبقى الثورات بقيادة الشباب إلى أن تنتهي مرحلة الحسم ويتحقق الهدف الاستراتيجي.. فلكل مرحلة رجالها.
4. ضرورة التخلي عن منطق المعارضة المؤطرة بأيدلوجيات وأجندات حزبية، إذ لم يعد هذا المنطق ملائما للمرحلة، ويتعارض مع ثقافة الثورة، ومنطق الثورة الذي يقوم على أساس بناء جديد بالكامل يسهم فيه كل الشعب في جو من الحرية الكاملة، ولاسيما وأن شرعية المعارضة الأيدلوجية ترتكز على وجود النظام الذي تعارضه، فحينما يسقط النظام بالثورة الشعبية غير المؤدلجة لا تبقى للمعارضة الأيدلوجية أي شرعية بعد ذلك لعدم بقاء النظام الذي تعارضه.
5. ضرورة أن تصطف أحزاب المعارضة وراء شباب الثورات في سبيل تحقيق الهدف الاستراتيجي لها المجمع عليه، وتخلع ثيابها وأجنداتها وأيدلوجياتها المميزة لها عن غيرها من أفراد الشعب، وتترك لشباب الثورات أمر القيادة في هذه المرحلة، إن كانت صادقة في تغليب مصلحة أوطانهم على كل شيء.
6. ضرورة تركيز وسائل الإعلام الحرة على إبراز مواقف الشباب الذين يمثلون الثورة، تجنبا لإرباكها بسبب مواقف غيرهم الذين لا يتمثلون روح الثورة.
7. ضرورة الحذر الشديد من اقتطاف ثمرات الثورات من قبل أصحاب أجندات لا تحقق مصالح الشعوب المتوافق عليها، كما اقتطفت ثمرات حركات التحرر من الاستعمار عبر التاريخ.. والحكيم من يعتبر بالتاريخ.
8. ضرورة إيجاد كيان فعّال مستقل يوحّد الثوار، وينسق جهودهم، ويحافظ على مكاسب ثورتهم، ويرسم الاستراتيجيات والخطط المناسبة لكل مرحلة من مراحل الثورة.
_________
* أكاديمي قطري

الهوامش:
(1) انظر المحكم في العقيدة، ص 164.
(2) انظر المصدر السابق، ص 175.
(3) رواه أبو داود وغيره.
(4) سورة القصص: 5 ـ 6.
(5) رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا.
(6) رواه أبو داود والترمذي.
(7) رواه أبو داود.
(8) رواه مسلم.
(9) رواه الطبراني.
(10) رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي.
(11) ذكره السيوطي في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنه.
(12) حديث قدسي، قال الهيتمي في مجمع الزوائد: “رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه من لم أعرفهم”.
(13) سورة هود: الآية 103

تاريـخ الدبلوماســـية

كاتب الموضوع الأصلي: ياسر العبيدي5

– أصل كلمة الدبلوماسية.

هي كلمة يونانية اشتقت من كلمة دبلوم او دبلون ومعناها طبق أو طوى أو ثنى فلقد كانت تختم جميع جوازات السفر ورخص المرور على طرق الامبراطورية الرومانية، و قوائم المسافرين والبضائع على صفائح معدنية ذات وجهين مطبقين ومخيطين سوياً بطريقة خاصة وكانت تذاكر المرور هذه تسمى (دبلومات ) و اتسعت كلمة دبلوما حتى شملت وثائق رسمية غير معدنية التي تمنح المزايا أو تحتوي على اتفاقات مع جماعات أو قبائل أجنبية .

*قال شيشرون عن الدبلوماسية عام ( 106- 43 ق.م ) استخدم كلمة دبلوما بمعنى التوصية الرسمية التي تعطي للأفراد الذين يأتون الى البلاد الرومانية وكانوا يحملونها معهم ليسمح لهم بالمرور وليكونوا موضع رعاية خاصة.

*انتقلت الدبلوماسية اليونانية الى اللاتينية والى اللغات الأوروبية

ثم الى اللغة العربية.

1- الدبلوماسية في اللاتينية : تعني الشهادة الرسمية او الوثيقة التي تتضمن صفة المبعوث والمهمة الموفد بها ، والتوصيات الصادرة بشأنه من الحاكم يقصد تقديمه و حسن استقباله أو تسير انتقاله بين الاقاليم المختلفة وكانت هذه الشهادات او الوثائق عبارة عن أوراق تمسكها قطع من الحديد ( تسمى دبلوما ) .

2- أما المعنى الثاني : الذي استعمله الرومان لكلمة دبلوماسية والذي كان يفيد عن طباع المبعوث أو السفير و قصدت باللاتينية ( بمعنى الرجل المنافق ذي الوجهين ) .

*الدبلوماسية بالمفهوم الفرنسي: – تعني مبعوث او مفوض أي الشخص الذي يرسل في مهمة ( اما كلمة سفير فتشتق من كليتيه ،أي تابع ، خادم وهو لقب يمنح فقط لممثلي الملوك) .

إن الاسبان كانوا أول من استخدم كلمة سفارة او سفير بعد نقلها عن التعبير الكنسي بمعنى الخادم او السفارة

*فاتسع مفهوم الدبلوماسية فيما بعد وأصبحت تستعمل في عدة معان : –

أ‌- معنى المهنة .

ب‌- معنى المفاوضات

ت‌- ومعنى الدهاء و الكياسة.

ث‌- ومعنى السياسة الخارجية .

*الدبلوماسية في اللغة العربية فكانت كلمة ( كتاب) للتعبير عن الوثيقة التي يتبادلها أصحاب السلطة بينهم والتي تمنح حاملها مزايا الحماية والامان.

و كلمة سفارة تستخدم عند العرب بمعنى الرسالة أي التوجه والانطلاق الى القوم ، بغية التفاوض وتشتق كلمة ( سفارة من سفر) أو ( أسفر بين القوم إذا أصلح ) و ( كلمة سفير هو يمشي بين القوم في الصلح أو بين رجلين ) .

*تعريف الدبلوماسية :-

1- تعريف معاوية بن أبي سفيان يقول : ” لو ان بيني و بين الناس شعرة لما قطعتها إن أرخوها شددتها وإن شددتها أرخيتها”.

2- تعريف ارنست ساتو: “ان الدبلوماسية هي استعمال الذكاء والكياسة في إدارة العلاقات الرسمية بين حكومات الدول المستقلة.

3- تعريف شارل كالفو: الدبلوماسية هي علم العلاقات القائمة بين الدول كما تنشأ عن مصالحها المتبادلة و عن مبادئ القانون الدولي، و نصوص المعاهدات و الاتفاقات و معرفة القواعد والتقاليد التي تنشأ وهي علم العلاقات أو فن المفاوضات أو فن القيادة و التوجيه.

4- تعريف هارولد نيكلسون : يقول أن الدبلوماسية هي إدارة العلاقات الدولية عن طريق المفاوضات او طريقة معالجة وإدارة هذه العلاقات بواسطة السفراء والممثلين الدبلوماسيين فهي عمل وفن الدبلوماسيين .

5- يقول الدكتور عدنان البكري: ان الدبلوماسية هي عملية سياسية تستخدمها الدولة في تنفيذ سياستها الخارجية في تعاملها مع الدول والأشخاص الدوليين الآخرين وإدارة علاقاتها الرسمية بعضها مع بعض ضمن النظام الدولي.

6- يقول مأمون الحموي: إن الدبلوماسية هي ممارسة عملية لتسيير شؤون الدولة الخارجية وهي علم وفن علم ما تتطلبه من دراسة عميقة للعلاقات القائمة بين الدول ومصالحها المتبادلة ومنطوق تواريخها ومواثيق معاهدتها من الوثائق الدولية، في الماضي والحاضر وهي فن لأنه يرتكز على مواهب خاصة عمادها اللباقة والفراسة وقوة الملاحظة.

*الدبلوماسية و القانون الدبلوماسي: –

يقول براديه فودريه : ان القانون الدبلوماسي هو ذلك الفرع من القانون الدولي الذي يتناول بصفة خاصة تنسيق العلاقات الخارجية للدول.

يقول جينيه :ان القانون الدبلوماسي هو فرع من القانون العام الذي يهتم بصورة خاصة بممارسة وتقنين العلاقات الخارجية للدول، و صيغ تمثيلها في الخارج وإدارة الشؤون الدولية وطريقة قيادة المفاضات.

*الدبلوماسية – و التاريخ الدبلوماسي: –

في التاريخ الدبلوماسي : يقول الدكتور أبو هيف هو دراسة تاريخ الدبلوماسية في ماضيها تتبع المراحل المختلفة التي مرت بها في مجال العلاقات البشرية ومصائر الشعوب و عن طريق هذا التاريخ يمكن معرفة مجريات السياسة الدولية في الماضي و اتجاهها، و دوافع الحرب عن طريق المفاوضات و المعاهدات ان تعيد تنظيم المجتمع الذي يعيش فيه .

*الدبلوماسية القديمة – أهمها :-

1- الدبلوماسية البدائية ( القبلية)- الفئة الأولى تقول أن: –

أ‌- يقول بلاغا : يرجح تاريخ الدبلوماسية الى الكرسي البابوي حيث كانت الخطوة الاولى للدبلوماسية في ايطاليا قد خطتها الدبلوماسية البابوية، ودبلوماسية المدن الايطالية ( و خاصة دبلوماسية البندقية) .

ب‌- يقول موات: ان الدبلوماسية بدأت عام 1451 في نهاية حروب المئة عام .

ت‌- يقول هل : ان الدبلوماسية بدأت مع القرن العشرين أي مع مرحلة الدبلوماسية العلنية .

*الفئة الثانية تقول نشأة الدبلوماسية بنشأة المجتمع وتطوره:-

1- يقول نيوملن: ان التاريخ يذكر ان القبائل البدائية والجماعات البشرية الاولى قد عرفت الحرب والسلم وإجراء الصلح ، و مراسم الاحتفالات الدينية والسياسية والاتصالات التجارية و هذه الجماعات كانت لها مراسم خاصة عند وفاة الزعيم و عند تولي زعيم جديد للسلطة.

2- يقول دوليل : بأن الدبلوماسية ظهرت أثارها على الألواح الآشورية وفي التاريخ الصيني والهندي والاغريقي و الروماني ولكن لا صلة مباشرة بين النظام الحديث وبين ارسال الكنيسة الرومانية الوسطى للمبعوثين.

*تطور العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع القبلي أدى الى بروز بعض القواعد و الأغراض أهمها: –

1- كانت البعثات الدبلوماسية تنشأ عن الاعلان عن تولي زعيم جديد للسلطة او تتويج احد الملوك أو وفاة آخر أو إجراء انتخاب لاختيار زعيم أو رئيس .

2- كان ارسال البعثات والسفراء يجري بهدف القيام بالاتصال والتباحث من أجل المصاهرة والزواج .

3- كانت الدعوة الى عقد الاجتماعات التي تضم القبائل القريبة والبعيدة تهدف إلى بحث عدة شؤون منها الصيد و الأعياد والشعائر الدينية.

4- كانت غاية البعثات تطوير العلاقات الودية ونبذ الحروب و الدعوة للمفاوضات و عقد الصلح والاحتفال بإرساء قواعد السلام.

5- كانت هذه البعثات تشجع على قيام جماعات سياسية من أجل التحالف والمساندة كوسيلة لرعاية السلام(مثل حلف الفضول ” حلف الطيبين” ) .

*حلف الفضول: كانت القبائل العربية في العصر الجاهلي تعقد حلف لنصرة المظلوم إذا ظلم و هو عقد لحماية زائري مكة والحج اليها .

6- كان البعثات الدبلوماسية تقوم بدور في اعلان الحرب أو التهديد بها و الأخطار التي تترتب على وقوعها.

7- مبدأ تبادل الرسل والمبعوثين المؤقتين إقرار مبدأ الحصانات والامتيازات .

8- في بعض المجتمعات البدائية كانت تلقى عمل السفارة على النساء.

*الدبلوماسية في حضارة الشرق الأوسط القديمة: ( حضارة الفراعنة، و حضارة الرافدين) .

كانت الدبلوماسية والعلاقات الدولية في هذه المرحلة ناشطة في الشرق الاوسط حيث قامت في هذه المنطقة مدينات امتدت من أرض ما بين النهرين دجلة، والفرات الى وادي النيل، محاطة بمدن صغيرة ودويلات مدنية أكبرها امبراطورية الكلدانيين او البابليين أو امبراطورية الفراعنة وكانت العلاقات الدولية تتميز بسمات المجتمع الآسيوي التي شكلت قاسماً مشتركاً لحضارات واسعة تمتد من مصر الى سورياو بلاد فارس حتى الهند الصينية و كانت السلطة مركزة بشكل قوي لإدارة شؤون الحكم وكان الحاكم أو الملك يجسد الدولة فكانت الدبلوماسية والعلاقات الدولية تنفذ لخدمة السياسة الخارجية التي تحدد أهدافها الأباطرة والملوك كما ان جميع المشكلات العامة و الخاصة كانت تحل (عادة بالحرب) أو (بالسلم) ، ضمن اتفاق او تعاهد يجري بعد التفاوض عن طريق مبعوثين او رسل ، مثالاً على ذلك : –

1- مصر كانت تتبع قواعد تقوم على انتهاج سياسية خارجية قائمة على مبدأ التوازن القوي و سياسة تقديم المعونات المالية و الهدايا الى الملوك المجاورين بالإضافة الى المصاهرة و الزواج.

2- كما اكتشف مجموعة من الرسال الدبلوماسية بلغ عددها 360 لوحاً من الصلصال وهي عبارة عن المراسلات الدبلوماسية المتبادلة بين فراعنة الأسرة الثامنة عشرة التي حكمت مصر في القرنين الخامس عشر والرابع عشر وملوك بابل والحثيين وسوريا وفلسطين معظمها كان مكتوباً باللغة البابلية لغة العصر الدبلوماسية.

3- هذا ما تؤكده معاهدة قادش بين الفراعنة والحثيين سنة 1279 ق.م التي أتت نتيجة في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية، وأهم مبادئ هذه المعاهدة : –

أ‌- اهمية المبعوثين والرسل والاعتراف بمركزهم في تحقيق السياسة الخارجية .

ب‌- التأكيد على اقامة علاقات ودية واشاعة السلام القائم على ضمان حرمانه أراضي الدولتين وتحديد التحالف و الدفاع المشترك .

ت‌- مبدأ رعاية الآلهة للعهد كقسم وتحريم النكث بالعهد .

ث‌- مبدأ تسليم المجرمين والعفو عنهم إنما دون تمييز بين المجرم العادي و المجرم السياسي.

*و تبرز أهمية هذه المعاهدة ( قادش) في تاريخ العلاقات الدولية في ثلاثة أمور: –

1- هذه المعاهدة تعتبر أقدم وثيقة مكتوبة حتى الآن في تاريخ القانون الدولي .

2- هذه المعاهدة بقيت حتى العصور الوسطى ( النموذج المتبع) في صياغة المعاهدات لما تضمنته من مقدمات ومتن و ختام .

3- هذه المعاهدة ترسم لنا صورة صادقة وأمنية عن اوضاع الممالك في الشرق القديم وعن كيفية انصهار الدولة بشخص الحاكم او الملك.

*الدبلوماسية في حضارة الشرق القديم الهند الصينية : –

الدبلوماسية في الصين القديمة، اتبعت قواعد ومبادئ ارتبطت بنظرتهم الفلسفية و أسبغت عليها هالة من القدسية النابعة من الديانة البوذية والبراهمية، دعا كونفوشيوس الفيلسوف في القرن السادس قبل الميلاد الى اختيار مبعوثين دبلوماسيين يتحلون بالفضيلة ويختارون بناء على الكفاية و ذلك ليتمثل دولهم في الخارج سواء على المستوى الدولي ام جماعة الدول.

و فضل الفيلسوف كوانج شينغ ، اللجوء الى استخدام السلمية على الوسائل الحربية و دعا الى أن تخصص الدولة ثلثي ميزانيتها للانفاق على الاتصالات والبعثات الدبلوماسية واتبعت قواعد الاسبقية، ومراسم الاستقبال واستقصاء مبعوثيها للمعلومات بشكل سري.

*اما الدبلوماسية في الهند القديمة : يمكن الرجوع اليها من خلال كتب الهنود المقدسة خاصة الفيدا والمانوا ،أو قانون مانو الذي يتضمن بعض القواعد الخاصة بالسياسة الخارجية والسفراء و شؤون الحكم وهذه القواعد عن العلاقات الدبلوماسية في حضارة الشرق القديم ، اهمها : –

1- في اختيار السفراء و صفاتهم: – يجب على السفراء ان يلموا بكل القواعد الدينية التي تقدم الكثير من المعلومات للسفراء بشأن التجسس والقضايا النفسية و مسألة النسب الى جانب الاستقامة والمعرفة التاريخية والجغرافية والتمتع بالشجاعة و الفصاحة .

2- تقوم العلاقات الخارجية على عاتق السفير حتى ان الحرب اعتبرت المهمة الأولى للدبلوماسية و عول عليها اكثر من السلم( و في المادة 65 من قانون مانو) بأن الحرب و السلام يعتمدان على السفير).

3- و في مجال التفاوض: يجب على السفيران يفطن الى أهداف الملك الاجنبي من خلال بعض الإشارات و الحركات المتعلقة بالحاكم أو بمبعوثيه السريين كما يجب أن يعرف مشاريعه عن طريق اتصاله بمستشاريه الطامعين او الناقمين هذا الى جانب حنكته في المحافات (و الحصول على المعلومات).

ويقول نيكولسون: بأن قوانين مانو (تمشل مجموعة كاملة لأحكام دبلوماسية نجدها في الحروب تنهي عن قتل اللاجئين من غير المحاربين و حتى عندما يكونوا المحاربين على درجة متساوية من التسلح فيجب على المنتصرين أخذ جرحى الأعداء للعناية بهم.

تقول المادة “66” ما يلي: ا السفير هو الذي يقرب بين الأعداء ويوقع بين الحلفاء .

*الدبلوماسية في عهد الاغريق: –

يقول نيكلسون ان الاغريق طوروا نظماً دقيقاً للاتصال الدبلوماسي. بحيث:-

1- بحيث عرفوا مبدأ التسوية بالتراضي او المصالحة التي تشير الى وقف الأعمال العدواني .

2- لقد عرفوا الاتفاق أي الهدنة المحلية المؤقتة.

3- تبنوا نظام الاتفاقات العلنية وحتى المعاهدات الى جانب التحالفات والهدنة المقدسة التي تعقد في فترة الألعاب الأولمبية و كان عقد الصلح والسلم بالنسبة للإغريق أقرب الاستخدامات والأسماء الى القلوب .

*و قد تميزت أساليب الدبلوماسية وممارستها في عهد الاغريق بثلاث مراحل:-

1- مرحلة المنادين او حملة الاعلام البيضاء قد أسبغت على هؤلاء سلطات شبه دينية و وضعوا تحت حماية الإله هرمس الذي يمثل السحر و الحيلة والخداع ويقوم بدور الوسيط بين العالم العلوي والعالم السفلي حيث كان الدبلوماسي المنادي يستخدم كرسول لاعلان رغبة السيد أو الملك حول موضوع معين والتفاوض بشأن بعض الأمور .

2- مرحلة الخطباء: و هي مستوى أعلى من مستوى المنادي و كان يتم اختيار المبعوثين من بين الخطباء والفلاسفة والحكماء وهي مرحلة الدبلوماسي الخطيب.

3- مرحلة ازدهار حضارة الدولة المدنية وتقدم وسائل الاتصال حيث اعتمدت على أسس ثابتة في مجال السلم و الحرب( ومبدأ الحصانات).

أ‌- في زمن السلم قامت العلاقات الدبلوماسية على التعاهد والتحكيم وايفاد الممثلين الدبلوماسيين مثلاً نصت المعاهدة المبرمة بين طيبة و اثينا على ان تقوم مدينة لاميا بدور الحاكم بينهما في حال نشأ خلاف حول تفسير المعاهدة.

ب‌- في زمن الحرب : فقد خضعت العلاقات بين المدن الاغريقية لقواعد خاصة اهمها: –

1- لا تبدأ الحرب إلا بعد الاعلان والحرب لتسوية الخلافات الدولية و كان الاغريق قبل الحرب يلجأون الى المفاوضات الدبلوماسية الفردية وعقد المؤتمرات التي كان يطلق عليها الامفكتونية ويقول نيكلسون :”أن الاغريق قد اوجدوا نظاماً خاصاً للعلاقات الدبلوماسية الدائمة و ان أعضاء البعثات الدبلوماسية منحوا حصانات معينة و كان لهم اعتبار عظيم وانهم اعترفوا بأن العلاقات بين الدول لا يمكن توجيهها فقط عن طريق المكر، والشدة ( فثمة قانون ضمني معين كان فوق المصالح الوطنية المباشرة أو المنافع غير الدائمة.

2- تكون حرمة المعابد و الملاعب مصونة و خاصة كانت بعض المعابد تستخدم لحفظ الوثائق ومحفوظات الدولة كمعبد مترون.

3- لا يعتدى على الجرحى والأسرى: حيث حكموا على صور الوحشية التي ترتكب بحق الجرحى و الموتى في المعركة انها بمثابة امور تليق بالبرابرة .

*العوامل التي أدت الى تأخر استتباب الاستقرار في العلاقات الدبلوماسية بين الدول المدنية الاغريقية خاصة في مجال التمثيل الدبلوماسي اهمها: –

1- ان المدن اليونانية لم يعترف بعضها للبعض بالمساواة في السيادة.

2- ان العلاقات الدبلوماسية بين هذه الدول المدنية كانت في الواقع علاقات داخلية بين مدن ترتبط بروابط الدم واللغة و الدين والجوار أكثر مما كانت علاقات دولية.

3- لم تكن لتلك الدول المدنية القوة التي تمكنها من فرض نظمها على غيرها أو ضم الدول اليها، ولم تبرز هذه القوة إلا إبان عصر الاسكندر المقدوني حيث بلغ مبدأ القوة اليها، و الاخضاع على مبدأ الاقناع والتفاوض أي ( الأسلوب الدبلوماسي).

*تميز الأسلوب والممارسة الدبلوماسية عند الاغريق بعدة خصائص هي: –

1- عدم وجود ممثلين دائمين ، فقد كانت مجالس الشعب او جمعية المدنية هي التي تقوم بتفويض السفراء المؤقتين بمهامهم وتسلمهم خطابات الاعتماد و تقوم باستقبالهم .

2- كانت الديمقراطية الاغريقية تضع مبعوثيها موضع الشك دائماً و لذلك كانت السفارة تتكون غالباً من أكثر من مبعوث واحد بحيث تمثل جميع الأحزاب ومختلف وجهات النظر أي كانت البعثة بشكل عام(جماعية ).

3- كان السفراء يحملون تصريحات بالسفر و الانتقال عبر البلدان كما كانت الدولة تكفل لهم نفقات الاقامة والسفر والمعاملات بسخاء.

4- كان للسفراء حصانات و امتيازات لا يخضعون لسلطة القضاء المدني والجنائي المحلي في البلد الموفد اليه وخاصة ان المبعوث كان يتمتع بحماية الآلهة و كثيراً ما كانت الحرب تعلن بسبب انتهاك حرمة سفيرها او الاعتداء عليه ، *مثال أعلنت الحرب على تساليا لأن سفراء قد اعتقلوا أو سجنوا في تساليا .

5- كان يحرم على السفراء قبول الهدايا مدة القيام بمهامهم .

6- إذا نجح السفير في مهمته وعاد الى وطنه و وافقت الجمعية الوطنية على ما قام به منح حديقة من الزيتون و دعي الى وليمة تقام خصيصاً له دار البلدية وكان موضع حفاوة و تبجيل، اما إذا اخفق فكان يتعرض لأقصى العقوبات الجنائية و كان عليه ان يعيد النفقات التي اقتضتها مهمته .

7- من أبرز ماعرفه اليونان في تاريخ العلاقات الدولية هو نظام القناصل و هكذا يلاحظ ان الاغريق قد مارسوا الدبلوماسية وضرورة اتباع هذه القواعد التي تنظم العمل الدبلوماسي.

*الدبلوماسية في عهد الرومان : –

1- ورث الرومان عن الاغريق بعضاً من التقاليد والقواعد الدبلوماسية .

2- في عهد الرومان وصلت العلاقات الدبلوماسية الى مرحلة متقدمة من التطور والانتظام من خلال المؤتمرات و الاتحادات التعاضدية وقد سار تطور العلاقات الدولية ضمن اطار ( خدمة الاهداف الخارجية لروما ) التي ارتكزت على مبدأ السيطرة و خضوع الشعوب الأخرى و كيفية استيعابها وصهرها في البوتقة الرومانية.

3- لجأت روما الى رفض فكرة المفاوضة والدخول في معاهدات و تحالفات بين روما و غيرها من المدن ، و الشعوب المغلوبة على أمرها، و هذه المعاهدات أبقت لتلك المدن والشعوب نوعاً من الحكم الذاتي.

و كان أفضل ما ابتدعته الرومان مبدأ ( سحق خصمهم العنيد والصفح عمن يخضع لهم ).

*آثار العقلية الرومانية القانونية و غلبتها على الأسلوب الدبلوماسي في النقاط واهمها : –

1- عرف الرومان المعاهدات و صياغتها وأشكالها حيث أقروا مبدأ احترام العهود وقدسية المواثيق كأساس لاستقرار العلاقات الدولية.

2- في العصر الاول لسيادة روما برزت العقلية القانونية من خلال تلاشي العادات الدينية وتلاشي القانون المقدس و مسألة القسم في تنفيذ المعاهدة امام قانون الشعوب وأصبح يحكم علاقات روما بغير مواطنيها من الشعوب الصديقة و الاجانب المتحالفين معها.

3- مع تطور الامبراطورية الرومانية نشأ قانون الأجانب الذي يطبق على سكان الأقاليم المفتوحة حديثاً من غير الارقاء الذين لم يكتسبوا بعد حق المواطنية الرومانية .

ويقول نيكولسون :” إن نظام الرومان الدبلوماسي لم يكن يتسق مع الاعتراف بمبدأ المساواة القانونية ذات السيادة .

و هكذا نلاحظ بأن الرومان كانوا يفضلون استعمال القوة على استعمال الأساليب الدبلوماسية ( اي انها كانت علاقة استعمارية).

*تميزت الممارسة والأسلوب الدبلوماسي الروماني و هذه الخصائص تركزت في الأمور التالية: –

1- كان اهتمام الرومان يتركز على الشكل قبل المضمون في اجراءات عقد و تسجيل المعاهدات فمثلاً انصرف اهتمام الرومان الى النظر بصحة اعلان الحرب بالشروط المرسومة قبل بدئها و كذلك بما يتعلق بعقد الصلح طبقاً لمراسم معينة.

2- كان مجلس الشيوخ الروماني هو الذي يدير الخارجية ثم أصبح للاباطرة من تدبير هذه السياسة و لكن بعد استشارة هذا المجلس.

3- كان مجلس الشيوخ يقوم بقبول سفراء الدول الأجنبية و الاستماع الى مطالبهم و قبولها أو رفضها.

4- في عصر الرومان أصبح تكوين البعثة الدبلوماسية بمثابة لجنة تمثل مجلس الشيوخ يتراوح عددها بين شخصين او عشرة أشخاص و ان السفراء عادة من درجة الشيوخ او من الفرسان البارزين أو البعثات الدبلوماسية الهامة، فكانت تتكون من عدد من القناصل او الفرسان يرأسهم أحد أعضاء ديوان الخارجية .

5- عند عودة السفراء من مهمتهم يقدمون إلى مجلس الشيوخ تقريراً مفصلاً يصوت عليه المجلس بالموافقة او الرفض.

6- كانت تجري مراسم واجراءات متعددة لاستقبال السفراء.

7- عندما يقترف السفراء الأجانب عملاً مخالفاً للقانون يبعث بهم الى دولتهم لتقوم سلطاتهم بمحاكمتهم و معاقبتهم.

8- كان الممثلون الدبلوماسيون لدى روما يتمتعون بالحصانة الشخصية حتى وقت الحرب.

*بعد انهيار الامبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي أصبحت منقسمة الى قسمين: –

1- الدولة الرومانية العربية وعاصمتها (ميلانو) والتي سقطت على أيدي القبائل الجرمانية أفقدها هيبتها القديمة ولم تعد سوى مقر للبابوية حتى قيام دولة الفرنجة في بلاد الغال( فرنسا) و ظهور شارلمان سنة 800 م الذي اعاد لروما مجدها الروحي القديم.

2- الدول الرومانية الشرقية: التي تأسست في بيزنطة و أدت لقيام روما جديدة ( هي القسطنطينية ) واستمرت هذه الدولة كقوة جبارة حتى عصر شارلمان و ظهور الإسلام، والدولة الإسلامية.

*الدبلوماسية في عهد البيزنطيين: –

1- كانت الدبلوماسية البيزنطية أكثر مهارة في استخدام الدبلوماسية وممارستها.

2- اتبع البيزنطيون أسلوب من التفاوض في استخدام الدبلوماسية في علاقاتهم مع الأمم الأخرى بدهاء تام.

3- بعد ان وجدوا أباطرة بيزنطة ان فض الخلافات بحد السيف وحده لا يكفي .

*ابتكروا ثلاثة أساليب رئيسية هي : –

1- سياسة اضعاف للشعوب والقبائل البرابرة من خلال نشر التفرقة وإثارة التنافس بينهم و ايقاع الخصومات و ذلك بهدف تقوية وحدتهم الداخلية.

2- شراء صداقة الشعوب والقبائل المجاورة بطريق الرشوة و الهدايا ، أي التملق و المساعدات المالية.

3- ادخال أكبر عدد ممكن في الديانة المسيحية كما حصل مع العرب في جنوب الجزيرة أيام دولة الحميريين اليهودية، حيث قامت قامت أول سفارة مسيحية في العصر الحميري في عدن سنة 365 م و قد تم كل ذلك كان بمساعدة أبرهة نائب ملك الحبشة.

– لقد استخدم البيزنطيون عنصر التحري، و جميع المعلومات المتعلقة بأسرار الدولة التي يبعث اليها البيزنطيون بمبعوث حيث يجب عليه ان يتعرف على مواطن الضعف فيها و اطماع حاكميها و كيفية استغلال كل ذلك لصالح دولته البيزنطية عن طريق المراقبة وجمع المعلومات.

*تميزت الممارسة والأسلوب الدبلوماسي عند البيزنطيين بخصائص وسمات أهمها: –

1- اعتمد البيزنطيون على فن المفاوضة وممارسة الدبلوماسية بأشكال و صيغ معينة.

و اعتمدوا أسلوب الدبولماسي المراقب بدل الدبلوماسي الخطيب وهذا الأسلوب يستند الى شخصية الدبلوماسي المحترف ذي الخبرة و الدراية .

و يقول نيكلسون ان البيزنطيين في تقاليدهم الدبلوماسية سبقوا غرب أوروبا بخمسة قرون على أساس المساواة في السيادة و قواعد حسن الجوار، وتبين أشكال العلاقات الدبلوماسية لتصبح وسيلة تحقيق التضامن بين الأسر الأوروبية.

2- أنشأ البيزنطيون في القسطنطينية ديواناً خاصاً للشؤون الخارجية قام بتدريب المفاوضين المحترفين الذين يقومون بأعمال السفارة لدى الدول الأجنبية وأنشأ الى جانب ذلك ديوان الأجانب او حسب تعبيرهم ( ديوان البرابرة) وهو يختص بمصالح المبعوثين الأجانب وشؤونهم و كان من تعليمات ديوان الشؤون الخارجية لسفراء بيزنطة ان يراعوا قواعد الذوق و اللياقة في بعثاتهم ، ومعاملاتهم مع الاجانب والمجاملة في أحاديثهم و ان لا ينتقدوا البلد الموفدين اليه في شيء بل عليهم امتداحه قدر المستطاع.

3- أهداف السفارات البيزنطية هو ان تقوم باعداد تقارير عن الاوضاع الداخلية في البلاد الموفد اليها فكانوا يسكنون في مبان خاصة و يكرمونهم ويراقبونهم ويحيطيونهم بحرس الشرف.

4- الاهتمام الزائد بالمراسم و إجراءات الضيافة وحسن الضيافة والاستقبال كما في روما ومن هذه المراسم احتفاظ البيزنطيين لسفراء العرب بمكان الصدارة بين جميع الدبلوماسيين الموفدين اليها ، و هو احترام بيزنطة الكبير لسفارات بغداد والقاهرة وقرطبة و تفضل سفراء العرب المشرف قبل عرب المغرب، حتى اعتبر ان العرب المشرق و خاصة بغداد الأفضلية على سفراء قرطبة .

الحاكم الصالح

كاتب الموضوع الأصلي: ياسر العبيدي5

وصفوا لي حاكماً

لم يَقترفْ , منذُ زمانٍ ,

فِتنةً أو مذبحهْ !

لمْ يُكَذِّبْ !

لمْ يَخُنْ!

لم يُطلقِ النَّار على مَنْ ذمَّهُ !

لم يَنْثُرِ المال على من مَدَحَهْ !

لم يضع فوق فَمٍ دبّابةً!

لم يَزرعْ تحتَ ضميرٍ كاسِحَهْ!

لمْ يَجُرْ!

لمْ يَضطَرِبْ !

لمْ يختبئْ منْ شعبهِ

خلفَ جبالِ ألا سلحهْ !

هُوَ شَعبيٌّ

ومأواهُ بسيطٌ

مِثْلُ مَأوى الطَّبقاتِ الكادِحَةْ !

***

زُرتُ مأواهُ البسيطَ البارِحةْ

… وَقَرأتُ الفاتِحَةْ !

معاهدة فرساي

كاتب الموضوع الأصلي: ياسر العبيدي5

معاهدة فرساي كانت إحدى أكثر الوثائق التي وقعها ممثلوا ما يسمى بالدول المتمدنة إجحافا وظلما.. وقد أدي هذا الظلم الذي وقع علي الشعب الألماني إلي قيام حرب عالمية أخرى، وجعل قيام هذه الحرب أمرا لا مفر منه.

يجب علينا أولا أن نعي حقيقة الظروف التي أحاطت بتوقيع الهدنة في 11 تشرين ثاني 1918.. فالقيادة الألمانية العليا لم تطلب هذه الهدنة لأن قواتها كانت في خطر من انهزامها، بل إن القوات الألمانية لم تكن قد لاقت أي هزيمة علي أراضي المعارك.. ولكن القيادة العليا الألمانية طلبت الهدنة حتى تستطيع الوقوف في وجه قيام ثورة شيوعية في البلاد.. ذلك أن روزا لوكسمبورغ وتنظيمها الذي يسيطر عليه اليهود، كانوا يخططون للقيام بنسخة ثانية مما قام به لينين في روسيا قبل عام.

أما الأحداث التي جعلت القيادة العليا الألمانية تتحقق من الخطر في الجبهة الداخلية فهي كما يلي:

تمكنت خلايا روزا لوكسمبورغ الثورية من التغلغل في الأسطول البحري الألمانيّ، واشتد نشاطهم عام 1918، فنشروا شائعات بأن القيادة الألمانية قرّرت التضحية بالسفن الحربية وبملاحيها، في معركة مشتركة ضد الأساطيل الأمريكية والبريطانية معا، وروجوا الإشاعات بأن هذه العملية تهدف إلي تعطيل وشل القوات الحليفة، بشكل يسمح لأسياد الحرب الألمان باحتلال الشواطئ البريطانية بدون مقاومة.. وعملت الخلايا الشيوعية هذه علي تغذية الشائعات والتحريض علي العصيان هامسة بأن هذا الهجوم سينتهي بالفشل حتما، لأن العلماء البريطانيون استطاعوا تحضير سلاح كيميائي سري جديد، يمّكن الحلفاء من حرق السفن المعادية وإحاطتها باللهب، فتؤدي النيران والحرارة والنقص في الأوكسجين إلي قتل كلّ كائن حيّ.. ثم بدأ المخربون يؤكدون بأن الوسيلة الوحيدة للخلاص من خطر داهم كهذا، هو بالثورة لإنهاء الحرب.. وفي 3 تشرين الثاني 1918، أعلن جنود البحرية الألمانية العصيان.. وتلي ذلك يوم 7 تشرين الثاني فرار وحدة كبيرة من الغواصات في طريقها إلي الجبهة الغربية، فلقد أخبروا أنهم سيعملون كرأس حربة في الهجوم المزعوم لاحتلال بريطانيا.

وفي هذا الوقت، كانت الاضطرابات قد سببت تعطيل عدد كبير من المراكز الصناعية الألمانية، كما أن المخربين كانوا ينشرون روح الانهزامية، فتدهورت الأحوال لدرجة تنازل القيصر عن العرش في 9 تشرين الثاني.

بعد تنازل القيصر شكل الحزب الديمقراطي الاجتماعي حكومة جمهورية، ووقعت الهدنة في 11 تشرين ثاني 1918.. ولكن الاضطرابات لم تتوقف، بل ازدادت عنفا ضد الاشتراكيين هذه المرة، وذلك عن طريق الخلايا الشيوعية المنظمة Spartacus Bund.. ثم لعبت روزا لوكسمبورغ ورقتها الكبرى، حين اشترطت علي الحكومة الجمهورية تسريح الجيش الألماني، مقابل إنهاء الاضطرابات.. وقد منع هذه العمل القيادة الألمانية العليا من استعمال جيشها المنظّم لمنع قيام الثورة التي أعلنت في كانون الثاني 1919.

بعد انهيار الثورة اليهودية التي قامت بها روزا لوكسمبورغ، أخذ الشعب الآري الألماني علي نفسه أن ينتقم من الشعب اليهوديّ، فقتل الآلاف من اليهود، وقبض علي الرجال والنساء والأطفال ليلا وأعدموا.. أما روزا ومساعدها كارل ليبكنيشت، فقد القي القبض عليهما ثم أطلق ضابط ألماني النار علي رأسيهما، وكأنه يقتل كلابا مسعورة.

ولكي يزيدوا الحقد ويضرموا نار العداوة ضد اليهود، عمد هؤلاء إلي تحميل اليهود المسؤولية عن الهزيمة العسكرية، كما أذاعوا أن اليهود هم المسئولون عن بنود معاهدة فرساي الظالمة.. ومن ناحية ثانية ضاعفت الدعاية الاتجاه الوطني الاشتراكي في ألمانيا، بتصوير بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة علي أنها دول رأسمالية أنانية، واقعة تحت تأثير الممولين العالميين.. وهكذا مهدوا الطريق لظهور هتلر.

بعد توقيع المعاهدة مباشرة، أعلن لينين أن واجبهم الأول يقضي بإنشاء العالم الشيوعي الذي يسيطر علي دول العالم بأجمعها، والذي تقع حدوده بين خطي العرض 35 و 36 من النصف الشمالي للكرة الأرضية.. وأعلن أنه سيسعى للعمل الثوري ضمن هذه الحدود وأن أهم الدول هي أسبانيا وإيطاليا واليونان، وبعض المناطق في آسيا الصغرى، وتشمل فلسطين كما تضم بعض مناطق الصين والمنطقة التي تضم حدود كل من كندا والولايات المتحدة.

تسمي خطة لينين هذه في الأوساط العسكرية “خطة الثيران الشمالية”، لأن هذه الحيوانات الشمالية استطاعت أن تبقي علي وجه الحياة، لأنها كانت تدافع عن نفسها بوقوفها بشكل دائرة، موجهة قرونها الحادة إلي الدببة والذئاب التي تهاجمها.. ويعلل بعد ذلك لينين تخليه عن روزا لوكسمبورغ، بأنه استطاع أن ينظم القوات السوفياتية ليقف في وجه الهجوم العدواني الذي قامت به الدول الرأسمالية بين عامي 1919 و 1921.. وأعلم لينين في المؤتمر الأممي الثالث عام 1912، أن أسبانيا ستكون البلد الثاني لنشر الحكم العمالي، ولام زورا لوكسمبورغ علي إضرامها نار العداوة ضد السامية في ألمانيا.. عندئذ أرسل المؤتمر كارل راديكس ليقود حملة شيوعية في ألمانيا، وصدرت إليه التعليمات بالبدء بتنظيم وتدريب الحزب المذكور، ولكنه حُذر من اتخاذ خطوات ثورية حتى تأتيه الأوامر من الكومنتيرن (الاتحاد العالمي للأحزاب الشيوعية).

***

وقد سيطر الممولون الدوليون علي مؤتمر السلام، الذي انتهي بمعاهدة فرساي.. والبرهان علي ذلك واضح، في أن رئيس الوفد الأمريكي كان بول واربورغ ذاته، الذي أشرنا إليه بصورة كافية في فصل سابق، فهو الممثل الرئيسي لمجموعة المرابين العالميين في أمريكا.. ولم يكن رئيس الوفد الألماني سوي شقيقة ماكس واربورغ.

ويقول الكونت دي سانت أولاير: “إن الذين يبحثون عن الحقيقة في غير الوثائق، يعرفون أن الرئيس نيلسون، الذي تم انتخابه كرئيس للجمهورية بعد أن موّله البنك الأكبر في نيويورك (كوهن ـ لوب) كان يسير تحت إرشادات وأوامر هذا البنك”.

أما الدكتور ديلون فيوضح أنّ “اليهود هم الذين وجهوا مؤتمر السلام هذا التوجيه، واختاروا فرساي في باريس ليحققوا برنامجهم بدقة، والذي نفذ حرفيا”.

وبالنسبة لمسودة الانتداب البريطاني علي فلسطين، فإن تخطيطها كان على يد البروفسور فيلكس فرانكفورتر، الصهيوني الأميركي البارز، الذي أصبح فيما بعد المستشار الأوّل في البيت الأبيض، في عهد الرئيس روزفلت.. وساعده في ذلك كل من السير هربرت صاموئيل والدكتور فيويل والمستر ساشار والمستر لاندمان والمستر بن كوهن والسيد لوسيان وولف ـ الذي كان تأثيره كبيرا جدا علي المستر دافيد لويد جورج، ويقال إنه كان يملك جميع أسرار شؤون بريطانيا الخارجية.

وعندما بدأت المحادثات التمهيدية للمؤتمر، كان المستشار الخاص للسيد كليمانصو ـ رئيس وزراء فرنسا ـ هو المسيو مانديل.. ولم يكن هذا في الحقيقة إلا اسما مستعارا لأحد أفراد آل روتشيلد.. وكان هناك أيضا المستر هنري مورغنزاو ـ أحد أفراد الوفد الأمريكي ـ وهو نفسه والد الرجل الذي أصبح فيما بعد السكرتير المالي للرئيس روزفلت.. وحضر أيضا تلك المحادثات المستر أوسكارلا ستراوس، الذي عرف بتنبيه الشديد لمخطط الممولين، والذي كان له دور بارز في تكوين عصبة الأمم.

وبشأن هذه المعاهدة أيضا، يقول السيد لوسيان وولف في الصفحة 408 من “دراسات عن تاريخ اليهود”: “وهناك مجموعة صغيرة أخري من اليهود البارزين تظهر تواقيعهم علي معاهدة السلام، فقد وقع معاهدة فرساي عن فرنسا لويز كلوتز ـ الذي تورط فيما بعد بقضية مالية واختفي عن الأنظار ـ وعن إيطاليا البارون سومينو، ومستر أدوين مونتاغ عن الهند”.

وننقل فيما يلي أقوال بعض كبار المفكرين في الغرب، التي تشكل بحد ذاتها بيانا لا يحتاج إلي تفسير:

يذكر المؤرخ والدبلوماسي الإنكليزي الشهير هارولد نيكلسون في مؤلفه الضخم “صنع السلام 1919 ـ 1944” صفحة 244 أن لوسيان وولف طلب منه شخصيا أن يتبني رأيه، وهو أن اليهود يجب أن يتمتعوا بحماية عالمية، وأن يتمتعوا في الوقت نفسه بكل حقوق المواطن في أية دولة.

ويقول الكاتب الفرنسي جورج باتو، في كتابه “المشكلة اليهودية” ص38: “إن المسؤولية تقع علي عاتق اليهود الذين أحاطوا بلويد جورج وويلسون وكليمانصو”.

***

وننتقل الآن إلي هنغاريا، ونحن نتحدث عن نهاية الحرب العالمية الأولي، فنجد أن بيلاكون اغتصب السلطة في ربيع 1919، ثم حاول تطبيق آراء لوسيان وولف.. ولكن حكمه الديكتاتوري لم يدم أكثر من ثلاثة أشهر، قتل خلالها عشرات الآلاف من المسيحيين وأجلوا عن ممتلكاتهم.. وشملت الضحايا جميع الناس من عمال وجنود وتجار وملاك أراضي.. ولم يفرق بين الرجل والمرأة أو بين رجل الدين والرجل العادي.. وفي هذا الصدد تقول مجلة نيو انترناشيونال في كتابها السنوي عام 1919 “تألفت حكومة بيلاكون في أكثريتها من اليهود، الذين استلموا أيضا مراكز إدارية.. وقد اتحد الشيوعيون مع الاشتراكيين، الذين كانوا أكثر شبها بأحزاب العمال ومجموعات اتحادات العمال.. ومع هذا فإن بيلاكون لم يختر مساعديه من هؤلاء، ولكنه اختارهم من بين اليهود، مؤلفا بذلك حكما بيروقراطيا يهوديا”.

ويسجل التاريخ أنه بعد ثلاثة أشهر من التخريب والاغتصاب والقتل الجماعيّ، عُزل بيلاكون.. ولكنه بدلا من أن يعاقب، فإنه أدخل إلي مستشفي للأمراض العقلية.. وبعد ذلك تم إخلاء سبيله على يد تلك المجموعة القوية التي كان يعمل لمصلحتها.. ثم عاد بيلاكون إلي روسيا، ليستلم رئاسة منظمة تشيكيا الإرهابية، والتي عملت علي إرهاب الأوكرانيين وإخضاعهم لستالين، عندما أمر ببدء البرنامج الزراعي الجماعي.. وكان من نتيجة هذا الإرهاب أن مات خمسة ملايين من العمال جوعا، لعدم تنفيذهم القانون الزراعيّ، كما دفع بأكثر من خمسة ملايين أيضا للعمل الإجباري في سيبيريا.. ولما أراد ستالين أن يحوّل أسبانيا إلي بلد تحكمه الديكتاتورية الشيوعية في عام 1936، وقع اختياره علي بيلاكون لينظم (حكم الإرهاب) في أسبانيا.

***

ونعود إلي مؤتمر فرساي، لنري مشاهد أخري من سيطرة الممولين، الدوليين وذلك بحادثة معروفة جرت خلال المحادثات التمهيدية للمؤتمر.. فالظاهر أن هذه المحادثات بدأت تميل إلي سياسة لا يرضي عنها الممولون، لأن برقية مكونة من ألفي كلمة أرسلها يعقوب شيف من نيويورك إلي الرئيس ويلسون، الذي كان يحضر المؤتمر في باريس، وقد تضمنت هذه البرقية تعليمات للرئيس بشأن ما سيفعله بكل من قضية فلسطين ومصير الانتداب فيها، وبشأن التعويضات الألمانية وقضية سيليسيا العليا ومنطقة السار وممر دانزينغ.. وأرخت البرقية بتاريخ 28 أيار 1919، وقد أرسلها شيف باسم اتحاد الأمم المتحررة.

بعد استلام البرقية، غيّر الرئيس ويلسون موقفه فجأة، وأخذت المفاوضات تجري مجرى آخر.. بهذا الصدد يقول الكونت دي سانت أولاير: “إن النصوص التي تضمنتها معاهدة فرساي فيما يتعلق بالقضايا الخمس الرئيسية، هي من وضع يعقوب شيف وأبناء جلدته”.

بعد أن دُفعت الدول الحليفة لجعل فلسطين محمية بريطانيا، أعلم الممولون الدوليون عملاءهم أن بنود المعاهدة ستكون قاسية جدا، بشكل لا يمكن أن يتحمله الشعب الألماني طويلا.. وكان هذا جزءا من المخطط الذي يرمي إلي زيادة حقد الشعب الألماني ضد الإنكليز والفرنسين والأميركيين واليهود، ليكونوا علي استعداد للحرب من جديد لاستعادة حقوقهم المشروعة.

وبعد توقيع معاهدة فرساي مباشرة، بدأت الحرب الرأسمالية المزيفة ضد البلاشقة.. وقد مكّنت هذه الحرب لينين من تخليه عن مساعدة الثورة الشيوعية في ألمانيا، وفي الدعوة إلي الصمود والالتحام للحفاظ علي المكاسب التي حققها في روسيا.. ومن ناحية ثانية فان هذه الحرب لم تكن أبدا ذات خطر علي ديكتاتورية لينين.. ولما انتهت عام 1921، كان من نتائجها الواضحة، الشهرة الواسعة التي نالها البلاشقة، في مقابل خسارة مماثلة للدول الرأسمالية.. وقد مهدت هذه النتيجة الطريق لعملاء الممولين الدوليين، كي يدخلوا الدول الشيوعية في عضوية عصبة الأمم تحت ستار السلام العالمي الدائم.

وكانت بريطانيا هي أول الدول التي حققت رغبات الممولين الدوليين واعترفت بالدول الشيوعية.. ثم تلتها فرنسا في 1924، وبعدها جاء دور الولايات المتحدة، فاعترف روزفلت بالدول الشيوعية في 1933.. وهكذا اعترفت عصبة الأمم بالدول السوفيتية الشيوعية.. ومنذ ذلك اليوم أصبحت عصبة الأمم ألعوبة في يد ستالين، وتمكن عملاؤه من صياغة سياستها والسيطرة علي نشاطاتها.. وما أن دخلت الدول الشيوعية في عصبة الأمم حتى أخذ أعضاء محفل الأكبر الماسوني دورهم فيها.

ونشير هنا إلي محرر جريدة التايمز الإنكليزية، وهو يكهام ستيد الذي كان من أكثر الناس إطلاعا علي الشؤون العالمية، والذي أشار في أكثر من مناسبة إلي تدخّل رجال المصارف والممولين الدوليين في الشؤون الدولية.. وقد كتب هذه العبارة المحددة عقب توقيع معاهدة فرساي مباشرة: “إنني ألح وأصرّ علي أنّ المحركين الأول، هم يعقوب شيف وواربوغ وغيرهم من أصحاب المصارف الدوليين، الذين كانوا يرغبون بشكل قوي في الحصول علي مساعدة البلاشقة اليهود، لتأمين ميادين عمل لليهود الألمان في روسيا”.

وننقل أيضا ما كتبه ليوماكس في عدد آب 1919 من الناشيونال ريفيو، حيث يقول: “ومهما تكن نوعية السلطة التي تحكم داوننغ ستريت [تحكم بريطانيا]، محافظة كانت أم متطرفة، تؤيد الائتلاف أو تقف في صف البلاشقة، إلا إنها في جميع الأحوال تقع في أيدي اليهود العالميين.. وهنا يمكن سر الأيادي الخفّية التي لم يكن قد ظهر لها أي تفسير واع”.

عندما زار ونستون تشرشل فلسطين في آذار 1921، طلب مقابلة وفد القادة المسلمين.. ولما قابلهم عرضوا له خشيتهم من الهدف الذي تعمل له الصهيونية السياسية، وهو الاستيلاء علي فلسطين واستغلال أراضيها لمصلحة اليهود، وبينوا له أن العرب يعيشون في تلك الأرض منذ أكثر من ألف سنة ((هذا أشبه بأن نقول إنّ المصريين يعيشون في مصر منذ ألف سنة!!!.. هذه أرض الفلسطينيين يعيشون فيها منذ القدم، وبقدوم العرب دخلوا الإسلام وتكلموا العربية، مثلهم مثل باقي دولنا))، وطلبوا منه استخدام نفوذه لرفع هذا الظلم.. وقد نقل عنه قوله: “أنتم تطلبون مني أن أتخلي عن وعد بلفور، وأن أوقف الهجرة اليهودية.. وهذا ليس في طاقتي، كما إنني لا أرغب فيه.. نحن نعتقد أنه لخير العالم واليهود والإمبراطورية البريطانية والعرب أنفسهم أيضا.. ونحن ننوي أن نحقق هذا الوعد”.

لا بد أن يكون تشرشل وهو ينطق بهذا الجواب، كان يفكر بذلك التهديد الذي أطلقه حاييم وايزمان ونشره رسميا في 1920، ويقول فيه: “سوف نستقر هنا في فلسطين شئتم ذلك أم أبيتم.. إن كل ما تستطيعون عمله هو تعجيل أو إبطاء هجرتنا، ولكنه مهما يكن فإنه من الأفضل لكم أن تساعدونا، لتتجنبوا تحويل قدراتنا البناءة إلي قدرات مدمرة، تدمر العالم”.

يجب أن نتدبر أمر تهديد وايزمان هذا، ونفهم معه أيضا ذلك البيان الذي صدر عن أحد الممولين الدوليين، في اجتماع للصهاينة عقد في بودابست عام 1919.. فلقد نقل الكونت أولاير كلامه وهو يتحدث عن احتمالات قيام الحكومة العالمية، ويقول: “وفي سبيل الوصول إلي العالم الجديد [الذي ينتظره هؤلاء]، أعطت منظمتنا البرهان علي فعاليتها في عمليتي الثورة والبناء، وذلك بخلقها لعصبة الأمم، التي هي في الحقيقة من عملنا.. وستشكل الحركة البلشقية الدافع الأول، بينما تشكل عصبة الأمم الفرامل في الجهاز الذي سيحتوي معا علي القوة الدافعة والقوة الموجهة.. وماذا ستكون النهاية؟.. إنها محددة سلفا في مهمتنا”.. قيام الحكومة العالمية الواحدة.

وهناك شيء مهم وقع تحت يدي بعد ثماني سنوات من إنهائي لهذا الفصل، وذلك عن طريق المخابرات السرية الكندية، التي نقلت تقريرا عن المؤتمر الاستثنائي “للجنة الطوارئ لحاخامي أوروبا”، الذي عقد في بودايست في 12 كانون الثاني 1952..

وإنني أنقل ذلك التقرير، وهو عبارة عن الخطاب الحرفي للحاخام أيمانويل رابينوفيتش في المؤتمر المذكور:

“تحية لكم يا أبنائي.. لقد استدعيتم إلي هذا الاجتماع الخاص لإطلاعكم علي الخطوط الرئيسية لمنهاجنا الجديد، وهو المنهاج المتعلق بالحرب المقبلة كما تعلمون، والتي كان مخططنا الأصلي يقضي بإرجائها عشرين عاما، حتى نتمكن خلال ذلك من تدعيم مكاسبنا التي حصلنا عليها نتيجة للحرب العالمية الثانية.. ولكن ازدياد أعددنا في بعض المناطق الحيوية يسبب معارضة شديدة، لذلك صار لزاما علينا أن نستعمل جميع الوسائل التي في حوزتنا، لإشعال حرب عالمية ثالثة في مدة لا تتجاوز خمس سنوات.

يجب أن أبلغكم أن الهدف الذي لا زلنا نعمل من أجله منذ ثلاثة آلاف عام قد أصبح في متناول يدنا الآن.. أستطيع أن أعدكم أنه لن تمر عشر سنوات، حتى يأخذ شعبنا مكانه الحقيقي في العالم، ويصبح كل يهودي ملكا، وكل جوييم عبدا.. [تصفيق من الحضور].. إنكم لا تزالون تذكرون نجاح حملاتنا الدعائية التي طبقناها خلال الثلاثينيات، والتي أوجدت شعورا معاديا للأمريكيين في ألمانيا، وشعورا بالكره الشديد للألمان عند الأمريكيين.. وتعلمون أن هذه الحملة أعطت ثمارها بقيام الحرب العالمية الثانية.. أما الآن فهناك حملة مماثلة نشنّها بقوة عبر العالم.. فنحن نثير الآن حمّى الحرب عند الشعب الروسي، بخلق ميل معاد لأميركا، التي يجتاحها في الوقت نفسه شعور معاد للشيوعية.. هذه الحملة ستجبر الدول الصغيرة علي الاختيار بين أن تصبح شريكة لروسيا أو متحالفة مع الولايات المتحدة.. أما أكثر المشاكل التي نواجهها في الوقت الحالي، فهي إتارة الروح العسكرية عند الأمريكيين، الذين أخذوا يبدون كرها شديدا للحرب.. ومع أننا فشلنا في تحقيق خطتنا في تعميم التدريب العسكري علي كل الشعب الأمريكي، إلا إننا سنأخذ كل الاحتياطات للحصول علي موافقة الكونغرس علي مشروع بهذا الصدد بعد انتخابات 1952 مباشرة.. إن الشعب الروسي والشعوب الآسيوية هم تحت سيطرتنا، ولا يقفون حائلا ضد قيام الحرب.. ولكننا يجب أن ننتظر حتى يصبح الشعب الأمريكي هو أيضا مستعدا لمثل هذه الحرب.. ونحن نأمل بتحقيق هدفنا هذا باستعمال قضية العداء للسامية، بنفس الطريقة التي جعلت الأمريكيين يتحدون ضد الألمان أعداء السامية في الحرب العالمية الثانية.. ونحن ننتظر قيام موجات عداء للسامية في روسيا، بشكل يسبب تلاحم الشعب الأمريكي ضد القوة السوفياتية.. كما أننا سنقوم بنفس الوقت عن طريق الإغراء المالي، باستخدام عناصر مؤيدة للروس في عدائهم للسامية، ونبث هذه العناصر في المدن الأمريكية الكبرى.. وستخدم هذه العناصر غرضين نسعى لهما، وهما فضح المعادين لنا حتى نتمكن من إسكاتهم، وتوحيد الشعب الأمريكي في بُوتقة واحدة ضد الشعب الروسي.. وفي خلال خمس سنوات سيحقق منهاجنا هذا أغراضه، وتقوم الحرب العالمية الثالثة التي ستفوق في دمارها جميع الحروب السابقة.. وستكون إسرائيل، بالطبع، بلدا محايدا.. حتى إذا تم تدمير وإهلاك الطرفين المتحاربين، سنقوم نحن بعملية التحكيم والرقابة علي بقايا أشلاء جميع الدول.. وستكون هذه الحرب معركتنا الأخيرة في صراعنا التاريخيّ ضد الجوييم.. بعد ذلك سنكشف عن هويتنا لشعوب آسيا وأفريقيا.. وأستطيع أن أعلن لكم جازما، بأن الجيل الأبيض الذي ولد في الأيام التي نعيشها الآن سيكون آخر الأجيال البيضاء.. ذلك لأن لجنة التحكيم والرقابة ستمنع التزاوج بين البيض، بحجة نشر السلام والقضاء علي الخلافات بين الأجناس البشرية.. وبهذا يتم القضاء علي العنصر الأبيض، عدونا اللدود، ويصبح مجرد خيال وذكرى.. وسنعيش بعد ذلك في عهد السلام والرخاء الذي لن يقل عن عشرة آلاف من السنين.. وسنحكم العالم بأسره، لأنه سيكون من السهل علي عقولنا المحركة، السيطرة الدائمة علي العالم من الملونين ذوي البشرية السوداء”.

سؤال من أحد الحاخامين الحاضرين: “أرجو من الحاخام رابينوفتش أن يحدثنا عن مصير الأديان المختلفة بعد الحرب العالمية الثالثة؟”

رابينوفتش: “لن تكون هناك أديان بعد الحرب العالمية الثالثة، كما لن يكون هناك رجال دين.. فإن وجود الأديان ورجال الدين خطر دائم علينا، وهو كفيل بالقضاء علي سيادتنا المقبلة للعالم، لأن القوة الروحية التي تبعثها الأديان في نفوس المؤمنين بها ـ وخاصة الإيمان بحياة أخري بعد الموت ـ يجعلهم يقفون في وجهنا.. بيد أننا سنحتفظ من الأديان بالشعائر الخارجية فقط.. وسنحافظ على الدين اليهوديّ، وذلك لغاية واحدة، هي الحفاظ علي الرباط الذي يجمع أفراد شعبنا، دون أن يتزوجوا من غير سلالتهم أو أن يزوجوا بناتنا لأجنبي.. وقد نحتاج في سبيل هدفنا النهائي إلي تكرار نفس العملية المؤلمة التي قمنا بها أيام هتلر.. أي أننا قد ندبر وقوع بعض حوادث الاضطهاد ضد مجموعات أو أفراد من شعبنا.. أو بتعبير آخر سوف نضحي ببعض أبناء شعبنا، حتى نحصل بذلك علي الحجج الكافية التي تبرر محاكمة وقتل القادة في أميركا وروسيا كمجرمي حرب، وذلك بعد أن نكون قد فرضنا شروط السلام.. ونحن اليوم بحاجة إلي الإعداد لهذه المهمة وهذه التضحيات.. لقد تعود شعبنا على التضحية دائما.. ولن تكون خسارة بضعة آلاف من اليهود خسارة جسيمة، إذا قارناها بما سيحصل عليه شعبنا من السيطرة علي العالم وقيادته.

وحتى تستيقنوا من قدرتنا علي السيطرة علي العالم، انظروا إلي اختراعات الرجل الأبيض، كيف حولناها إلى سلاح خطير ضده.. فالراديو والمطبعة أصبحنا اليوم المعبر والمتحدث عن رغباتنا، كما أن معامل الصناعات الثقيلة ترسل الأسلحة إلي آسيا وأفريقيا لتحارب شعوبها الرجل الأبيض نفسه صانع هذه الأسلحة.. واعلموا أننا طورنا برنامج النقطة الرابعة في واشنطن، ليشمل التطوير الصناعي للمناطق المتخلفة من العالم، بحيث يصبح الرجل الأبيض تحت رحمة المجموعات الضخمة من الشعوب السوداء، التي ستفوقه تكنولوجيا بعد أن تدمر الحرب النووية وزراعته الصناعية.

وبهذه الرؤية للنصر النهائي يتوهج أمام أعينكم، عودوا إلي مناطقكم وباشروا العمل بجد ودون هوادة، حتى يحل أخيرا اليوم الذي ستكشف فيه إسرائيل عن مهمتها الحقيقية، وهي أن تكون النور الذي يضيء العالم” ـ [النوراني تعني حامل النور].

هذا الخطاب يؤكد أيضا استنتاجاتي ومعلوماتي السابقة التي أوردتها، وهي أن القوي الخفية هي التي أثارت العداء للسامية، وبنفس الوقت العداء للشيوعية، بشكل يخدم أهدافها.. كما أن الخطاب يبرهن علي أن النورانيين استعملوا الشيوعية والنازية والفاشية للوصول إلي طموحهم الخفيّ.. وهم، يستعملون الديمقراطية المسيحية ضد الشيوعية للوصول إلي المرحلة التالية من خطتهم البعيدة، وهي الحرب العالمية الثالثة.

***

ولقد استطاع الممولون الدوليون ـ باختفائهم وراء بنود معاهدة فرساي ـ التحكم بإعادة بناء الجيش الألماني، وإعادة تحسين اقتصاديات البلاد.. بعد ذلك دخلوا مع القيادة الألمانية العليا في اتفاقية Abmachungen، وبموجبهات تمّ الاتفاق علي أن يزود الروس الجنرالات الألمان سرا بجميع الأسلحة والذخائر اللازمة لبناء جيش حديث مؤلف من عدة ملايين.. واتفقوا علي أن يضع الديكتاتور السوفيتي تحت تصرفهم جميع التسهيلات، لتدريب جميع الضباط الألمان.

هذا وقد تم تحقيق بنود اتفاقية Abmachungen، بعد أن قام الممولون الدوليون بتمويل هذا المشروع الضخم.. هكذا استطاع هؤلاء أن يؤمّنوا بناء القوة العسكرية والاقتصادية في الدول الشيوعية والفاشية علي السواء.. واستطاعوا أن يهيئوا الظروف للقيادة الألمانية لكي تتخطي بنود معاهدة فرساي، وخصوصا القيود العسكرية المفروضة عليهم.

وعن طريق معامل السلاح والذخيرة الشيوعية وراء جبال الأورال، ثم تزويد المؤسسات الألمانية بكل ما تحتاجه.. وهذه المؤامرة لا يمكن إن تعني إلا النية المبيتة للممولين الدوليين بإضرام نار الحرب العالمية الثانية.. ولم تكن الدول المسماة بالحليفة بمعزل عما يجري وراء الستار، ولكنها كانت تعلمه أولا بأول.. وهذا لمسته بنفسي عندما حضرت مؤتمر نزع السلاح البحري في لندن عام 1930.. وهو برهان آخر علي صدق ديزرائيلي عندما قال: “الحكومات المنتخبة لا تحكم”.

والحقيقة أن هذه الفترة من التاريخ معقدة جدا وليس من السهل علي المواطن العادي أن يفهما.

فالشيوعية والنازية تجمع بينمها صفات مشتركة عديدة: فكلامها مبدأ إلحادي ينكر وجود القوّة الإلهية.. وكلاهما ينادي ويشجع الحرب والكراهية والقوة.. ومبادئهما مناهضة للمبادئ المسيحية في السلام والحب والتربية.. وهذا يجعل من قادة كلا المعتقدين العميقين في الإلحاد والمادة عملاء للشيطان.. وهم جميعا ينفذون المؤامرة الشيطانية في إبعاد البشر عن طاعة العلي القدير.. وكلا المعتقدين يستعمل أيضا شكلا من أشكال محافل الماسونية في الشرق الأكبر، لرد الناس عن أديانهم.

وتبين لنا الدراسة التحليلية للتاريخ بين عام 1914 و 1943، أن جماعة المرابين العالميين وجهوا جهودهم في هذه المرحلة لتحقيق الأهداف التالية:

1. إثارة الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي يسمح بخلق جو مناسب للعمل الثوري، يسمح لهم بالسيطرة الكاملة علي الإمبراطورية الروسية.

2. تغيير الرؤوس الحاكمة في أوروبا، قبل أن تبدأ أي مجموعة مجموعاتهم بالسيطرة، وإقامة الحكم المطلق.

3. إجبار حكومتي بريطانيا وفرنسا علي الموافقة علي إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

لقد أجبرت الحكومة البريطانية علي مساعدة الممولين الدوليين لتنفيذ مخططهم في إنجاح الثورة البلشقية، وذلك كي تحصل بريطانيا علي مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب.. ويمكننا أن نجزم بأن السفينة لويزيانا أغرقت لتبرر السياسة الأميركية تجاه الحرب، تماما كان حادث بيرل هاربر المبرر لدخولها في الحرب العالمية الثانية.. ((كشفت الوثائق التي أفرجت عنها بريطانيا في التسعينيات، أنّ البريطانيين هم الذين دفعوا اليابانيين للهجوم على أمريكا، وذلك باستخدام سفينة بحرية بريطانية ترفع علم أمريكا، استخدمت شفرة أمريكية يعلم البريطانيون أنّ اليابانيين قد حلّوا شفرتها، في تناقل رسائل كاذبة تؤكد عزم أمريكا على الهجوم على اليابان، ممّا دفع هؤلاء لأخذ زمام المبادرة.. ويقال إن الرئيس الأمريكيّ كان على علم مسبق بنية اليابان مهاجمة بيرل هاربور، ولكنّه تجاهل الأمر لرغبته في إيجاد مبرر لدخول الحرب!))

وجاء في النسخة الأصلية بشأن الانتداب البريطاني علي فلسطين ما يلي: “لتحويل فلسطين إلي وطن قومي لليهود”.. ولكن هذه العبارة تغيرت في اللحظة الأخيرة، لتكون “لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين”.. وقد تم هذا لإخفاء الطموح السرّيّ للصهيونية.

وكما أخفى الصهاينة طموحهم في الاستيلاء علي فلسطين كلها، أخفوا أيضا حقيقة الثروات المعدنية الطائلة الموجودة علي شواطئ البحر الميت، ولم يكشفوا عن ذلك إلا بعد إعلان الانتداب من قبل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.

وهكذا استعمل المرابون الدوليون الصهيونية، لكي يتحكموا بسيادة الدولة ذات المركز الجغرافي المتوسط، ليمدوا سيطرتهم علي بقية دول العالم، كما مدوا سيطرتهم علي الاتحاد السوفياتي.