أ.د. أحمد محمد وهبان

الهجمات الخاطفة.. تكتيك جديد للقاعدة (8)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

يعتقد مسؤولو الاستخبارات الاميركية ان القاعدة أخذت بتبني تكتيكات تؤكد على الهجوم الخاطف الذي ينطوي على احتماليات نجاح اكبر، وهو تحول في ستراتيجيتها السابقة التي طالما اقضّت مضجع وكالات التجسس المختلفة، والتي اعادت تنظيم نفسها في السنوات الاخيرة، ما يعني التوقف عن الهجمات الواسعة المشابهة لهجمات الحادي عشر من ايلول، 2001.
وينظر الى هذا التحول على انه تخلِّ نوعيِّ عن شبكات الارهاب التي ركّزت على العمليات العالية التنظيم التي تشتمل على ضربات متزامنة على اهداف مختلفة، وعلى عناصر الفرق التي تنسق عملها عبر الحدود الدولية.
اقنعت العمليات الاخيرة، بضمنها محاولة تفجير الطائرة المتجهة الى ديترويت يوم عيد الميلاد، المحللين الاميركيين المختصين في مجال مقارعة الارهاب ان القاعدة اصبحت اكثر انتهازية، وتستعمل عناصر اقل عددا، كما انها قللت كثيرا من جهودها في التخطيط والتحضير للهجمات الجديدة.
فقد عبّر مسؤولون اميركيون، في مقابلات صحفية وفي شهاداتهم امام الكونغرس، عن قلقهم من انه على الرغم من ان هذا النمط من الهجمات يُعد اكثر اعتدالا ومن الراجح ان لا يؤدي الى سقوط ضحايا كثيرين، الا ان افشالها امر في غاية الصعوبة. وقال غاري ريد، نائب مساعد وزير الدفاع الاميركي لشؤون العمليات الخاصة ومكافحة الارهاب، في شهادة ادلى بها امام الكونغرس في الاسبوع الماضي: “ان اكثر ما يثير المخاوف.. هو مقدار الكثافة وربما الكفاءة التي تنطوي عليها العمليات. انها تخترق قدراتنا على اكتشافها ومن ثم اجراء اللازم بشأنها، وكلما زادوا من كثافة العملية كلما زادت صعوبة اكتشافها من قبلنا.”
واضاف المسؤولون الاميركيون ان القاعدة ربما تكون لجأت الى تبني هذه الطريقة على مضض، بعد ان اضعفتها حملات القصف الجوي على قواعدها في الباكستان، وبعد ان ساءها عدم قدرتها على تنظيم ضربة لاحقة لهجمات الحادي عشر من ايلول تكون بنفس الشدة. وأكد هؤلاء المسؤولون على انه اذا كانت الشكوك راودت القاعدة حول انحطاط طموحاتها، فانها قد تكون تشجعت برد فعل الولايات المتحدة حول مؤامرة يوم عيد الميلاد، وان كانت قد احبطت. وقال احد كبار مسؤولي مكافحة الارهاب ان الدرس الذي اخذته القاعدة ربما يكون: “يا الهي، لم تنفجر القنبلة، لكن –مع ذلك– فقدَ الاميركيون عقولهم.” ووصف هذا المسؤول الاخفاقات السياسية للرئيس اوباما، كما وجه اصابع الاتهام الى مختلف وكالات الاستخبارات في الولايات المتحدة.
على ان المسؤولين أكدوا انهم لا يعتقدون ان القاعدة تخلت عن جهودها في تنظيم هجمات واسعة النطاق. لكن احد كبار مسؤولي مقارعة الارهاب الاميركيين قال ان المجاميع المرتبطة بالقاعدة تتحرك “بعيدا عما اعتادت ان تقوم به، وهي مؤامرات معقدة وطموحة ومتعددة المستويات.” وبدلا من ذلك، تظهر هذه الشبكة قدرتها على ارسال عملائها الى البلدان الاخرى بسرعة ويسر تام.
وقد رشح مؤخرا دليل جديد على هذا المنهج من خلال اطلاق نسخة مطولة عن شريط الفيديو الذي سجله الطبيب الاردني قبيل تنفيذه العملية الانتحارية في معسكر تابع لوكالة الاستخبارات الاميركية في ولاية خوست بافغانستان. وكان هذا المفجّر، واسمه همام خليل ابو ملال البلوي، قد ارسل الى الباكستان من قبل الاستخبارات الاردنية كمخبر، لكنه كان يعمل مع القاعدة.
وقال البلوي انه العناصر المحلية (للقاعدة) شكلت مجلسا للشورى حال وصوله هناك من اجل وضع خطة للاستفادة منه. وكانت الخطة المبدئية تكمن في اختطاف ضابط استخبارات اردني. لكن عندما عَلم البلوي باستدعائه الى اجتماع مع عناصر الاستخبارات الاميركية، قام مجلس الشورى بوضع خطة اكثر ايلاما. وقال في هذا الشريط: “خططنا للقيام بامر ما، لكننا حصلنا على هدية اكبر.”
قبل ذلك، اخبر البلوي عناصر الاستخبارات الاميركية انه قادر على التنسيق مع الرجل الثاني في القاعدة، ايمن الظواهري. لكن البلوي قام بتفجير نفسه، في الثلاثين من كانون الاول، لدى وصوله الى المعسكر الاميركي ما ادى الى مقتل سبعة من موظفي الوكالة ومتعاقديها، بالاضافة الى ضابط استخبارات اردني. وعبّر المسؤولون الاميركيون عن احباطهم حول مقدار التفاصيل التي توفرت لدى البلوي عن حضور السي آي ايه في الاجتماع، وكذلك حول السرعة والمهارة التي تمتع بها شيوخه، والتي مكنتهم من ارتجال خطة جديدة.
وبالمثل، تظهر عملية يوم عيد الميلاد السرعة التي عمل بها عناصر القاعدة في اليمن للتحضير لعملية تستغل وصول الشاب النجيري، عمر فاروق عبد المطلب، بين ظهرانيها حاملا تأشيرة دخول الى الولايات المتحدة، في شهر آب. وما هي الا أشهر معدودة حتى كان هذا الشاب على متن الطائرة المتجهة الى الولايات المتحدة مجهزا بقنبلة في ملابسه الداخلية.
يقول بروس ريدل، وهو احد مخضرمي وكالة الاستخبارات الاميركية، والخبير في مجال مكافحة الارهاب، ان القاعدة تخاطر ايضا باستخدام العناصر التي لم تحصل على التدريب الكافي. فقد اخفق فاروق في التعامل مع القنبلة التي حملها، ومن ثم استطاع بقية المسافرين التغلب عليه ومنعه من اشعال فتيلها. ويضيف ريدل: “يبدو انه اصيب بالذعر،” مشيرا الى انه سبق وان استخدمت قنبلة مماثلة بنجاح في هجوم على امير سعودي في العام الماضي.
ويقول المسؤولون الاميريكون انهم لم يشهدوا مؤامرة واسعة النطاق منذ العام 2006، حينما افشلت السلطات البريطانية خطة لتفجير عشر طائرات متجهة الى الولايات المتحدة وكندا باستخدام متفجرات سائلة.
بيد ان اكثر دليل على الظاهرة الجديدة يتمثل في حالة نجيب الله زازي، وهو مواطن افغاني اقر بالذنب في الشهر الماضي عن تهمة تدريب الانتحاريين في الباكستان للقيام بعمليات في نظام الانفاق بمدينة نيويورك. يقول المسؤول الاميركي في مكافحة الارهاب: “كان زازي رجلا خطيرا، وربما استطاع قتل الكثير من الناس. لكنه لا يعكس القاعدة ايام مجدها.”
تناضل وكالات الاستخبارات الاميركية المختلفة من اجل البقاء جنبا الى جنب في مواجهة هذا التحدي المتنامي. ويتوقع مركز مكافحة الارهاب القومي ان يوظف خمسين من المحللين هذا العام يركزون حصريا على تعقب التهديدات الناشئة، الامر الذي تم التغاضي عنه في الماضي عندما كان الجهود مركزة على محاولة اكتشاف ومنع المؤامرات التي يقصد منها اسقاط عدد كبير من الضحايا.
تميل العمليات الصغرى الى عدم تضمين اهداف متعددة او اشراك فرق من الارهابيين في تنفيذها. ويقول المسؤول في مكافحة الارهاب: “لكنها تتضمن بالفعل شيئا يصعب اختراقه. شاب واحد لا يمتلك سجلا في الارهاب، تم تجهيزه بقنبلة، لهو امر يصعب التوصل اليه، اكثر بكثير من حالة خمس وعشرين من الشبان في لندن يقومون بتصنيع متفجرات بيروكسيد الهيدروجين.”

الجيش الاميركي بين قتال الافغان والتواصل معهم (8)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

حضر اهالي قرية مرجه في افغانستان مراسم جنازة في نفس الوقت الذي كانت فيه قوات المارينز تخوض معركة مع مقاتلي حركة طالبان. تزداد تكلفة الحرب في افغانستان، مع كل تعقيداتها السياسية والثقافية، الا ان هناك امر واحد واضح للعيان: التنقل بين القتال والتواصل قد يؤدي الى مشاهد تدور لها الاذهان. بعض هذه المشاهد تبرز الصعوبات التي تواجه سياسة مقارعة الارهاب التي تخلط بين العنف غير المتكافيء ومحاولة التصرف بلطف. غير انها تظهر في نفس الوقت ان الجهود المبذولة لاتباع هذه السياسة في المناطق البعيدة عن كابول، في المناطق النائية، قد اضحت جزءا مركزيا في كيفية ادارة الحرب، حتى وان كانت فضائل تلك السياسة محط نقاش هاديء.
احد الامثلة على هذا حدث في منتصف شهر شباط، حينما انعزلت سرية كيلو، التابعة الى اللواء الثالث من الفرقة السادسة مارينز، بمفردها في منطقة زراعية شمالي مرجه، وهي منطقة تضم عدة قرى صغيرة موزعة بين الحقول الزراعية. وكان القتال على الطريقة القديمة بين سرية كيلو والمسلحين المحليين ومقاتلي طالبان قد استنزف وقتا طويلا من كل اليوم على مدى ايام عدة. ولجأ كلا الجانبين الى المواجهة بالبنادق والاسلحة الآلية عبر حقول المزارعين. كما استعملت قوات المارينز قنابل الهاون من عيار 60 ملم وطلبت مساعدة الطائرات السمتية الهجومية، وفي بعض الاحيان استعملت الهجمات الصاروخية، لدفع المسلحين الى الوراء والاستمرار في تنفيذ المهمات المدرجة على لائحتهم: الاستيلاء على جسر في بازار، واختيار موقع لاقامة معسكر كبير للشرطة الافغانية، وتطهير الشوارع من الالغام، وغيرها. وكان كل يوم –في الاساس– عبارة عن قتال بالاسلحة الخفيفة تتخلله انفجارات كبيرة ناتجة عن الاسلحة الثقيلة المساندة.
هبط الكولونيل براين كريستماس، آمر اللواء، قبل شروق الشمس في احد الايام، بالطائرة السمتية في مجمع عسكري صغير اتخذته سرية كيلو مقرا لها. واراد ان يزور احد الرجال المسنين الافغان والذي كان قد تعرض لخسارة كبيرة قبل بضعة ايام: فقد كانت عائلته داخل بناية قـُصفت بالخطأ بصاروخ ارض ارض. قتل في هذا الحادث اثنا عشر مدنيا، خمسة منهم اطفال، كما فقد رجل واحد، يعتقد انه دفن تحت الانقاض.
ارسلت دورية راجلة بصحبة الكولونيل لزيارة البيت المهدّم عند الفجر. وهذا يعني ان عليهم المرور من خلال العديد من المناطق المفتوحة التي يراقبها القناصين وحملة الاسلحة النارية الآلية من المتمردين، والذين اطلقوا النار في كل يوم على دوريات جنود المارينز، واجبروها على خوض معارك حامية الوطيس وهي تهرع طلبا لملاذ يحميها من تلك الهجمات. لكن دورية الكولونيل سارت هذا الصباح لمسافة حوالي كيلومترين بدون ان تتعرض لاطلاق النار. لقد بدا ان هناك شيء ما مختلف. ثم توقعت الدورية انها ستتعرض الى فخ عند عودتها، لكنها اكملت مسيرها في طريق العودة بعد سويعات بدون ان يطلق النار عليها احد. لكن ما ان دخل قائد السرية الى آخر مجموعة من الابنية المجاورة الى مقر السرية تعرضت مؤخرة الدورية الى نيران البنادق من مسافة بعيدة في الحقول. لكن كان ذلك مجرد جهد بلا فائدة، حيث اصطف جنود المارينز باتجاه مصدر النيران وقيّموا الموقف، ثم قرروا عدم الرد على تلك الاطلاقات وانسلوا في طريقهم الى القرية حاملين خططهم لهذا اليوم.
ثم حدث شيء خلاف المعتاد. فقد تجمع عدد كبير من الرجال الافغان حول قبر حُفر حديثا. لمح الرجال قوات المارينز باعين غائمة، ما اثار التساؤلات لدى الكولونيل كريستماس. وسرعان ما دُعي الى منزل، حيث تحدث الى العائلة لفترة وجيزة ليستشعر ما كان يحدث في المقبرة. لم تتطابق القصص التي سمعها في البداية مع بعضها البعض. قال اهالي القرية ان المراسم كانت لدفن طفل، كان قد اصيب عند تواجده في منطقة حدث فيها تبادل لاطلاق النار في اليوم السابق. لم تكن تلك القصة مقنعة. لقد كانت الحفرة بطول سبعة اقدام وبعرض يزيد على عرض رجل بالغ، فلماذا تـُحفر مثل تلك الحفرة ليدفن فيها طفل؟ وبينما كانت بقية افراد المارينز واقفين في الخلف كان هناك جنود افغان يخالطون الاهالي. تطورت القصة اكثر. حسنا، ربما كانت الضحية في الواقع شخصا بالغا. وربما كان قد اصيب بطلق ناري في القتال. ثم اتخذت قصة الاهالي شكلها النهائي. نعم، لقد اصيب رجل في القتال الكثيف في اليوم السابق، لكنه لم يكن متمردا. لقد كان مجرد متفرج. وحينما سُئل القرويون عن تفاصيل مثل اين كان واقفا، وفي أي وقت حدث ذلك، ثار جنون الاهالي. تعجب جنود المارينز، هل كانوا يحضرون جنازة احد عناصر طالبان؟ وهل كانت تلك الجنازة هي السبب في عدم تعرضهم الى فخ خلال هذا النهار، لان الكثير من الرجال الذين طالما نصبوا لهم الفخاخ على مدى اسبوع كانوا حاضرين هذا المأتم، مستقطعين وقتا لممارسة طقوس الدفن؟
غير ان الكولونيل اختار ان يستغل مراسم الجنازة على انها فرصة، متبعا احد اعراف سياسة مقارعة الارهاب. كان هناك عدد قليل من الرجال الافغان الذين يرغبون في التعامل مع قوات المارينز في الايام الاولى. بدا ان القرية كانت مهجورة. اقترب من المقبرة، فدُعي الى الجلوس، ومن ثم خاطب الرجال. قال: “اشاطركم الحزن لفقدان احد ابنائكم. هذه خسائر بلا ضرورة في وقت الحرب.” ثم اضاف: “السبيل الوحيد لكي ننجح يكمن في يعمل كل من الجيش الوطني الافغاني وقوات المارينز وانتم مع بعض.”
طلب الكولونيل كريستماس من اهالي القرية ان يعزلوا عناصر طالبان عن مجتمعهم، وقال انه ما ان ينقشع القتال حتى تبدأ التنمية. فقد تم تخصيص الملايين من الدولارات لانشاء المشاريع وتوفير فرص العمل. ومع تحسن الوضع الامني سوف يرتفع المستوى المعيشي المحلي. وبدون ان يوجه الاتهام الى أي من الشباب قبالته بانهم مقاتلون، المح الى انه على من كان يقاتل قواته ان يلقي بالسلاح ويمضوا في طريقهم الى الحياة الجديدة.
وقال: “قولوا للشباب الافغان الذين غررت بهم حركة طالبان للتحدث بلغة السلاح ان يضعوه جانبا وان يعودوا الى ديارهم. سوف لن يحدث شيء لهم.” قاطعه احد الرجال الافغان المسنين قائلا: “ليس بمقدورنا ان نقاتل طالبان. ليس لدينا شيء، هذه مهمتكم.” كما اشتكى الرجل من قيام المارينز بتفتيش المنازل، وقال: “هذا العمل يحط من قدرنا.”
قال الكولونيل ان تفتيش المنازل كان جزءا من عمليات التمشيط في عموم منطقة مرجه، لكن تم ايقافها. وفي موضوع عمليات التمشيط الاولية، كان لدى الرجل المسن طلبا: فقد مات رجل من اهالي القرية واعتقل رجل اخر، واسمه عبد الغني، من قبل قوات المارينز ولم يره احد من ايام عدة. فما الذي سيتم فعله في هذا الشأن؟
كانت قوات المارينز قد وجدت عبد الغني في منزل على مقربة من المقبرة في اليوم الاول من الهجوم. احتوى المنزل على عدد من المواد التي يعتبرها المارينز مكونات لصناعة القنابل: اكوام من قدور الطبخ الجديدة، قابلوات كهربائية، واكوام من السماد الكيمياوي. اقتيد عبد الغني خارج المنزل، وعلى الرغم من عدم معرفة اهالي القرية بما كان يحصل، تم احتجازه في المقر المؤقت القريب منهم. التفت الكولونيل نحو الكابتن جوشوا بيغرز، وهو آمر سرية كيلو، والذي كان على مقربة منه، وبعد تبادل حديث قصير، واجه الكولونيل الجمع الصغير، وقال: “سوف ارى ما يمكنني فعله. امهلوني ساعتين او ثلاثة.” ثم ابتعد الكابتن بيغرز قليلا وتحدث عبر جهاز الراديو قائلا: “انا اجيز اطلاق سراح الشخص المعتقل.”
اذا كانت سياسة مقارعة الارهاب قائمة على اساس قوية، وان كان لها فرصة في النجاح في افغانستان، وهما العاملين اللذين مازالا محط نقاش بين قادة الجيش، فان السعي لاستمالة المشاعر بين المدنيين الافغان ربما سوف يكون اكثر اهمية على المدى الطويل من الفعالية النسبية للمهارات المادية لدى كل من الفريقين. وكانت سلسلة من الحاميات الحديثة التشكيل قد نظرت بتمعن في تجهيزات حركة طالبان، وتكتياتها ومهارات الرمي عند افرادها، بضمنها شروعهم في استعمال القناصين في محافظة هلماند. من الواضح ان المهارات القتالية والوسائل القتالية امران لهما تأثير في نتائج الجهود الاميركية والافغانية في مواجهة حركة طالبان. غير ان الكفاح الاكثر هدوءا والاقل اثارة، من طرق عدة، لاحداث التغيير في الرأي العام، لهو امر يعسر على القياس، كما ان ادوات القياس (مثل عدد الناخبين المسجلين، عدد الرجال المشاركين في المجالس المحلية، الخ) تبدو منفصلة عن الطريقة التي يصنع فيها اهالي القرى الافغان قرارتهم ويسيرون فيها شؤونهم.
ان قرار اطلاق سراح المعتقل عبد الغني انما هو نوع من القرارات التي يصعب تقييمها واستخلاص العبر منها. كم من القرارات المماثلة سوف يؤثر على مجريات الحرب؟ لا احد يمكنه ان يجيب بثقة. لكن عدد كبير من الضباط في ارض المعركة يرون ان هناك امكانية للحصول على مكاسب تفوق المخاطر الناجمة عنه.
بعد دقائق قليلة، اقترب الكابتن بيغرز من الكولونيل وتكلم معه بصوت خفيض. حرك الكولونيل رأسه بالموافقة، وقال محدثا الجمع: “سوف آتيكم بعبد الغني في غضون عشرة دقائق، واسلمكم اياه. اريد ان اريكم اني اثق بكم، وان عليكم ان تثقوا بي.”
وما هي الا هنيهة حتى برز اثنان من عناصر المارينز من خلف زاوية البناية، وكان عبد الغني بينهما، يمشي وئيدا غير واثق مما سيحل به. تطلع الى المنظر امام عينيه، جمع من الرجال المحليين جالسين في مأتم برفقة دورية من المارينز. طلب الكولونيل كريستماس الاذن من الرجال المسنين ثم اقترب من الرجل الذي يوشك ان يطلق سراحه. قال الكولونيل: “اهتم لامر عائلتك وساعد الجيش الافغاني وقوات المارينز.” قام مترجم بنقل عبارات الكولونيل الى اللغة البشتونية. هز عبد الغني رأسه بالموافقة. قال الكولونيل: “ليكن الله معك. وليساعدك في اتخاذ قرارات صائبة.” مشى عبد الغني ببطء بعيدا عن قوات المارينز باتجاه حافة المقبرة والقبر الذي تم حفره حديثا، بينما كان رجال القرية يتحركون نحوه. وسرعان ما تداوله الرجال بالتصافح والعناق.
هل كان عبد الغني صانع قنابل؟ ام انه كان سيء الحظ وضبط في عملية تمشيط سريعة؟ لم تكن الدلائل يقينية. لم يعلم رجال المارينز على وجه التأكيد. من المؤكد انه كانت هناك قنابل في المنطقة، وانها صنعت باستعمال المكونات التي عثروا عليها في منزله. (بعد ايام قليلة، وبعد ان فتح الطريق الى شمال مرجه، انفجرت قنبلة مخبأة في الطريق على قافلة الكولونيل، كما عثر على قنابل اخرى قبل انفجارها.)
لكن ذلك لا يهم. لقد تم اتخاذ القرار. في هذا اليوم، وبعد ايام عديدة من القتال المكثف والهجمات الصاروخية الضالة، فان اطلاق سراح عبد الغني قدم فرصة لبادرة حسن نية فورية. وبموجب الافكار التي تحرك مقترحات مقارعة الارهاب الغربية في هذه اللحظة، ينظر اليه على انه اكثر قيمة ان اطلق سراحه في اثناء مراسم جنازة، وان كان محتملا ان يتحول الى مقاتل لدى طالبان، مما لو كان سوف يرسل الى السجن

الصين تقطف ثمار الحرب في العراق (7)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

الصين تقطف ثمار الحرب في العراق

عن: الاسوشيتد برس
ترجمة: علاء غزالة

محافظة واسط – يعمل فريق من المهندسين والعمال الصينيين من شركة الواحة النفطية، وقد لوثت بقع من الزيت بذلاتهم البرتقالية، بالتعاون مع نظرائهم العراقيين تحت الشمس الحارقة من اجل تحضير الارض الجرداء في جنوبي شرقي بغداد للبنية التحتية اللازمة لاستخلاص ونقل السائل اللزج الذي يقبع فيه مستقبل العراق: النفط.
ينتصب علم احمر عند مدخل الشركة، وهي الفرع العراقي للشركة المملوكة للحكومة الصينية، والمسماة المجموعة الصينية الوطنية للبترول، ويَعد ممثلوها من الصينيين كل من يتمكن من استطلاع وجوههم: “سوف نحاول بكل ما اوتينا من قوة من اجل انجاح المشروع.”
بات هناك شعور عام متزايد في عراق ما بعد الحرب يتجاوز التأمل في الكيفية التي تدفع بها تلك البلاد التي تمتلك ثالث اكبر احتياطي نفطي معروف في العالم من اجل ان رفع انتاجها. انه ايضا شهادة على المدى الذي تصل اليه الصين لتأمين النفط الذي تمس حاجتها اليه لتغذية اقتصادها المتسارع في الوقت الذي لا يسد انتاجها من النفط الخام سوى جزءا بسيطا من الطلب عليه.
تقول امريتا سَن، المحللة النفطية لبنك باركليز كابيتول العالمي: “الامن النفطي، بالنسبة للصين، غالبا ما يكون بتجنب انقطاع التجهيز وتخفيف آثار التقلبات الشديدة في اسعار النفط. لقد اضحى العراق هدفا واضحا لتأمين براميل النفط من اجل الاستهلاك المستقبلي.”
وتبرز الصين اليوم على انها اكبر المستفيدين اقتصاديا من الغزو الاميركي للعراق عام 2003، وهي التي كانت اكثر منتقديه صراحة، وذلك بعد ان اقتنصت خمسة عقود سخية. ففي حين سَكنتْ اهتمامات الشركات الغربية في مزادات النفط العراقية الاخيرة الى حد كبير، حصلت الصين على ثلاثة عقود، غير مبالية بالمخاطر الامنية وعدم الاستقرار السياسي في تلك البلاد من اجل النفط الواعد.
لقد ترك السباق من اجل الحصول على النفط اثرا بارزا لخطى الصين في عدد من البلدان التي بدأ غيرها في التواري عنها، سواء بسبب العنف، ام خرقها لحقوق الانسان، ام لفرض العقوبات عليها.
وبنظرة اكثر شمولا الى منطقة الشرق الاوسط نجد ان الصين قد ساعدت السودان في توسيع صناعتها النفطية، وهي الامة التي يرأسها رجل مطلوب للقضاء الدولي بتهمة ارتكاب جرائم حرب. كما انها وقعّت صفقات مع ايران، الدولة التي يحتمل ان تواجه حكومتها المتشددة عقوبات دولية للمرة الرابعة بسبب الجدل حول برنامجها النووي. وكانت ايران رفضت الاتهامات الاميركية بانها تطمح الى انتاج اسلحة نووية.
ونتيجة لهذه الجهود فان نصف النفط الذي تستهلكه الصين يأتي من هذه المنطقة. كما انها تفوقت على الولايات المتحدة في تعاملها مع كبرى بلدان منظمة الاوبك، المملكة العربية السعودية، حتى اضحت الصين اكبر مستوردي النفط من تلك الدولة. يذكر ان السعودية قامت بانشاء منشأة مشتركة كبرى لتكرير النفط في الصين.
لكن العراق، على كل حال، يجسد افضل آمال بكين في عالم تتزايد فيه صعوبة الحصول على مصادر للنفط الخام الرخيص يعتمد عليها. وبينما يحمل التعامل مع ايران بين طياته عواقب سياسية للصين، فان العراق يمثل مخاطرة محسوبة.
ان تطبيق العقوبات على ايران يحد من الاستثمار في تلك البلاد الى حد كبير، ويمنع الشركات الغربية الكبرى من متابعة المشاريع هناك بفاعلية. وقد تؤدي جولة جديدة من العقوبات التي تنظر فيها الامم المتحدة الى توسيع هذه المحددات. ومع ذلك، فان ايران هي ثالث اكبر مورد نفطي للصين.
يقول صامويل سيزوك، المحلل النفطي في كلوبل انسايت ميد ايست: “العراق في غاية الاهمية لستراتيجة نمو الشركات الصينية، خصوصا مع ترجيح ان تواجه ايران حالة الجمود لسنوات قادمة.”
ينتج العراق، هذا البلد الذي عانى من سنوات من الاهمال والحرب والتخريب وقلة الاستثمار، حوالي 2.4 مليون برميل يوميا، وهو يقل كثيرا عن مستويات الانتاج في فترة ما قبل الغزو عام 2003. لكن المسؤولين العراقيين يقولون ان العقود التي احيلت اثناء مزادين لاستثمار حقول النفط والغاز اجريا في العام الماضي يُتوقع ان ترفع الانتاج الى اثني عشر مليون برميل في اليوم خلال مدة سبع سنين. على ان المحللين يقولون ان هذه التقديرات طموحة جدا. وفي اية حال، فان الانتاج سوف يزيد، وسوف تعلب الصين دورا فيه وتجني ثمار ذلك.
وبينما تشترط عقود الانتاج هذه، والتي يبلغ امدها عشرون عاما، على الشركات ان تستحصل سعرا ثابتا عن كل برميل تنتجه، فانها تتيح خيار الدفع بالنفط الخام. يُمكّن هذا الاجراء الشركات من الحصول على تجهيز مستقر وطويل الاجل من النفط. كما يمكن تمديد العقود لخمس سنوات اخرى.
ان حاجات الصين للطاقة واضحة للعيان بقدر التحديات التي تواجهها. فبينما كان العالم يعاني من اسوأ ركود اقتصادي في فترة ستة عقود، فان الاقتصاد الصيني نما بنسبة 8.7 بالمئة في عام 2009. ويتوقع صندوق النقد الدولي ان تصل نسبة النمو الى عشرة بالمئة هذا العام.
وتوصل تقرير صدر عن معهد بلاتس، وهو الفرع المتخصص بمعلومات الطاقة في مؤسسة مكغرو-هيل، ان الطلب الصيني على النفط وصل الى 8.43 مليون برميل يوميا في شهر نيسان، وهو ما يمثل ارتفاعا بنسبة 12.7 بالمئة عن مستويات نسيان من عام 2009. ويشكل طلب الصين الحالي للنفط ضعف ما يمكنها انتاجه محليا.
ذهبت اربعة صفقات نفطية منحتها الحكومة المركزية العراقية الى الصين، من بين اثني عشر صفقة عقدت منذ عام 2003. لكن حكومة اقليم كردستان في الشمال، والتي وقعت اكثر من عشرين عقدا مع الشركات الاجنبية، لم تمنح الا عقدا واحدا للصين.
ان عمال النفط الصينيين العاملين مع شركة الواحة، والذين يتصببون عراقا تحت شمس العراق اللاهبة وهم يقومون بحفر الابار ويمهدون الارض لبناء البنية التحتية في محافظة واسط الامنة نسبيا، هم اولى علامات هذا التعاون الجديد.
وكانت الشركة قد بدأت في النتقيب جنوبي شرقي بغداد قرب الحدود الايرانية في العام الماضي، لكنها واجهت مشاكل مع الفلاحين بعد تعرض محاصليهم الى الدمار. ومن ثم تدخـّل المسؤولين العراقيين بسرعة والتقوا مع رؤوساء العشائر المحليين من اجل تهدئة التوترات.
تظهر تلك الحادثة عزم العراقيين على عدم ازعاج الشركات النفطية العاملة في البلاد. كما انها تفصح عن تواجد المنقبين الصينيين المتزايد في صناعة كانت حكرا على الشركات الغربية الكبرى في الماضي. غير ان تلك الشركات لم تتمكن من تقديم عروضها بالقوة التي توقعها الكثيرون، مركزين نظرهم على الحقول في الاماكن المستقرة نسبيا، حيث يكون النفط سهلا الانتاج كذلك.
ليس لدى الصينيون مثل هذه المخاوف. عيّن مسؤولو شركاتها ثلاثمئة وخمسين من الموظفين لحماية البنية التحتية النفطية، بينما يقدم العشرات غيرهم خدمات اسنادية اخرى. يقول مايو يوليانغ، مدير الانتاج الصيني في شركة الواحة: “اعتقد ان البيئتين السياسية والاجتماعية جيدتان، كما ان الوضع الامني لم يكن على درجة السوء التي كنا نتوقعها.”

أذربيجان

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمران 1

أذربيجان (بالأذرية:Azərbaycan) أو رسمياً جمهورية أذربيجان (بالأذرية:Azərbaycan Respublikası) هي واحدة من ست دول تركية مستقلة في منطقة القوقاز في أوراسيا. تقع في مفترق الطرق بين أوروبا الشرقية وآسيا الغربية، [3] ويحدها بحر قزوين إلى الشرق وروسيا من الشمال وجورجيا إلى الشمال الغربي وأرمينيا إلى الغرب وإيران في الجنوب.
يحد مكتنف ناخيتشيفان أرمينيا في الشمال والشرق وإيران إلى الجنوب والغرب بينما تحد تركيا بحدود قصيرة في الشمال الغربي. تحاط الوصائد كاركي ويوخاري أوسكيبارا وبروخودارلي وسوفولو بأرمينيا والتي تسيطر عليها منذ حرب ناغورني كاراباخ. أما منطقة ناغورني كاراباخ ذات الأغلبية الأرمنية في الجنوب الغربي من أذربيجان أعلنت نفسها مستقلة من أذربيجان في عام 1991 لكن هذا الاستقلال لم يتم الاعتراف به دبلوماسياً من جانب أي دولة ولا تزال تعتبر جزءا من أذربيجان بحكم القانون تحتله القوات الأرمينية.[4][5][6][7]
تمتلك أذربيجان علاقات دبلوماسية مع 158 دولة حتى الآن وتحمل عضوية 38 منظمة دولية.[8] تحمل صفة مراقب في حركة عدم الانحياز ومنظمة التجارة العالمية ومراسل في الاتحاد الدولي للاتصالات.[8] توجد جاليات أذربيجانية في 42 بلداً [9] كما توجد العشرات من مراكز الأقليات العرقية داخل أذربيجان بما في ذلك (المجتمع الثقافي الألماني “كارل هاوس” والمركز الثقافي السلافي والمجتمع الأذربيجاني الإسرائيلي والمركز الثقافي الكردي ورابطة تاليش الدولية والمركز الليزغيني الوطني “سمور” والمجتمع الأذربيجاني التتري ومجتمع تتار القرم… الخ) . في 9 مايو 2006 انتخبت أذربيجان لعضوية مجلس حقوق الإنسان المنشأ حديثاً من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبدأت فترة ولاية المجلس في 19 يونيو 2006. أذربيجان دولة ذات غالبية عرقية تركية [12][13] ودينية شيعية.[14] الدولة رسمياً علمانية وجمهورية موحدة مع تراث ثقافي وتاريخي قديم. كانت أذربيجان أول محاولة لاقامة جمهورية ديمقراطية وعلمانية في العالم الإسلامي.[15][16]
أذربيجان هي أحد الأعضاء المؤسسين لمجموعة غوام ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وانضمت إلى رابطة الدول المستقلة في أيلول / سبتمبر 1993.[17] يوجد مبعوث خاص للمفوضية الأوروبية في البلد، التي هي أيضاً عضو في الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجلس أوروبا وبرنامج الشراكة من أجل السلام لمنظمة حلف شمال الأطلسي.
أصل التسمية
أذربيجان واحدة من الدول التركية الست المستقلة عام 1991.
يُرجع البعض اسم أذربيجان إلى القائد العسكري أتروبيتس، [18][19] الذي كان قائدا في جيش الاسكندر المقدوني، وبعد أن ضم الأسكندر المنطقة إلى إمبراطوريته جعله الإسكندر حاكما عليها فسميت باسمه.[20][21][22][23][24][25][26] بينما يرجع البعض الأخر أصل الاسم إلى الديانة الزرادشتية القديمة. في فراواردين يشت الأفستي (“ترنيمة إلى الملائكة الحامية”) هناك ذكر ل”أتريباتاه فرافاشيم أتريباتاه يازامايدي أشاونو” والتي تترجم حرفياً من الفارسية القديمة “نعبد فرافاشي من أتاري-باتا المقدسة”.[27] حكم الأتروبات المنطقة الأتروباتية (في الوقت الحاضر أذربيجان الإيرانية). الاسم “أتروبات” في حد ذاته هو الترجمة الحرفية اليونانية للفارسية القديمة وربما الميدية لـ “محمية بالنار (المقدسة)”. يذكر الاسم اليوناني من قبل ديودوروس سيكولوس وسترابون، وذكرت باسم أدورباداجان في النصوص الجغرافية البهلوية شهرستانيا إي إيرانشهر.[28] تترجم الكلمة على حد سواء “خزنة” أو “خازن” النار في الفارسية الحديثة.[29]
[التاريخ
مقال تفصيلي :تاريخ أذربيجان
العصور القديمة
نقوش ما قبل التاريخ في غوبوستان حيث تعود لعشرة آلاف عام قبل الميلاد. تصنف على قائمة اليونسكو للتراث العالمي على أنها ذات قيمة عالمية لا تقدر بثمن.
أقدم الدلائل على وجود مستوطنات بشرية في إقليم أذربيجان تعود إلى العصر الحجري المتأخر وترتبط بثقافة غوروكاي في كهف أزيخ، حيث أدرجت الأدلة الأثرية أذربيجان على خريطة مواقع تطور رجل أوروبا.[30] العصر الحجري القديم الأعلى وثقافات أواخر العصر البرونزي تظهر في كهوف تاجيلار ودامسيلي وزار ويتق-ييري وفي مقابر ليلاتيبي وسارايتيبي. خضعت هذه المنطقة نحو 550 سنة قبل الميلاد للأخمينيين مما أدى إلى انتشار الديانة الزرادشتية. في وقت لاحق أصبحت جزءاً من إمبراطورية الإسكندر الأكبر وخليفتها الإمبراطورية السلوقية. بينما أنشأ ألبان القوقاز والذين هم السكان الأصليون للمنطقة مملكة مستقلة في حوالي القرن الرابع قبل الميلاد. شملت أولى المستوطنات الإيرانية السكيثيين في القرن التاسع قبل الميلاد.[31] بعد السكيثيين، هيمن الميديون على المنطقة جنوب الأراس.[26] شكل الميديون امبراطورية شاسعة بين 900-700 قبل الميلاد والتي دمجت في الامبراطورية الأخمينية حوالي 550 قبل الميلاد. خلال هذه الفترة انتشرت الديانة الزرادشتية في القوقاز وأتروباتين. تكلم الأذريون القدامى اللغة الأذرية القديمة التي تنتمي إلى الفرع الإيراني من اللغات الهندوأوروبية.[32]
العصور الوسطى
برج مايدن في باكو القديمة. من المواقع على قائمة اليونسكو للتراث العالمي وبني في القرنين الحادي عشر والثاني عشر.
في 252 م حول الساسانيون ألبانيا القوقازية إلى دولة تابعة بينما اعتنق الملك أرناير المسيحية رسمياً كدين الدولة في القرن الرابع. على الرغم من الفتوحات العديدة من طرف الساسانيين والبيزنطيين ظلت ألبانيا كياناً في المنطقة حتى القرن التاسع. طردت الخلافة الأموية الإسلامية كلاً من الساسانيين والبيزنطيين من منطقة القوقاز وحولت ألبانيا إلى دولة تابعة بعد مقاومة مسيحية قادها الأمير جافانشير والتي قمعت في 667. ملأت فراغ السلطة الذي خلفه تراجع الخلافة العباسية سلالات محلية عديدة مثل المسافرين والساجدين والرواديين والشداديين والبويهيين. في بداية القرن الحادي عشر، سيطر على الأرض بشكل تدريجي موجات قبائل الأوغوز الأتراك قادمين من آسيا الوسطى. كانت أولى هذه السلالات التركية الغزنويون والذين دخلوا المنطقة التي تعرف الآن باسم أذربيجان عام 1030.
بوابة مزخرفة في قصر شرواني.
لم تنتشر اللغة الأذرية بشكل كامل في أذربيجان حتى أواخر القرن التاسع عشر حيث كان بالإمكان العثور على المتحدثين بالإيرانية القديمة فقط في مناطق صغيرة معزولة في الجبال أو المناطق النائية الأخرى (مثل قرى هرزند وغلين غويا وشهرود في خلخل وأنرجان). محلياً، حكم ممتلكات الإمبراطورية السلجوقية اللاحقة الأتابكة الذين كانوا من الناحية العملية تابعين للسلاطين السلاجقة لكنهم أحياناً بحكم الواقع حكموا أنفسهم. تحت حكم الأتراك السلاجقة، قدم الشعراء المحليون مثل نظامي الكنجوي وخاقاني دفعة للأدب الفارسي في أراضي أذربيجان في الوقت الحاضر. كان حكم الدولة التالية من الجلائريين قصيراً وسقطت تحت غزوات تيمورلنك. أصبحت السلالة المحلية من الشرونشاهيين دولة تابعة لإمبراطورية تيمورلنك وساعدوه في حربه مع حاكم القبيلة الذهبية طخطميش. بعد وفاة تيمور برزت دولتان مستقلتان متنافستان: قراقويونلو وآق قويونلو. عاد الشرونشاهيون وحافظوا على درجة عالية من الحكم الذاتي كحكام محليين وتابعين من 861 حتى 1539. خلال اضطهادهم على يد الصفويين، فرضت تلك السلالة الإسلام الشيعي على السكان السنة سابقاً حيث كانت في حرب ضد الدولة العثمانية السنية.
[الفترة الحديثة
الخانات الأذرية في القرن الثامن عشر
بعد الصفويين، حكم المنطقة الأسر الحاكمة الإيرانية افشار وزند ولفترة وجيزة من قبل القاجار. مع ذلك، وتحت السيادة الفارسية [33] برزت خانات ذاتية الحكم [34][35][36][37][38] بحكم الأمر الواقع في المنطقة وخصوصاً بعد انهيار سلالة زند وفي بداية عهد قاجار. اختتمت الحملة الروسية القصيرة والناجحة عام 1812 بمعاهدة غلستان، والتي أنهى فيها الشاه مطالبته ببعض خانات القوقاز التي احتلتها روسيا بحكم كونها مستقلة عملياً لفترة طويلة قبل احتلالها من قبل الروس.[39] مارست الخانات السيطرة على طرق التجارة العالمية بين آسيا الوسطى والغرب.[40] وبعد انخراطها في حرب مستمرة وضمت في نهاية المطاف إلى الإمبراطورية الروسية في 1813 في أعقاب الحربين الروسية الفارسية. أما المنطقة إلى الشمال من نهر أراس والتي هي جزء من جمهورية أذربيجان المعاصرة كانت من الأراضي الإيرانية حتى احتلتها روسيا.[41][42][43][44][45] بموجب معاهدة تركمنجاي اعترفت الدولة الفارسية بالسيادة الروسية على خانات ايريوان وخانات نخجوان وما تبقى من خانات لنكران.
[جمهورية أذربيجان الديمقراطية
محمد أمين رسول زاده أحد المؤسسين والمتحدث باسم جمهورية أذربيجان الديمقراطية.
بعد انهيار الإمبراطورية الروسية خلال الحرب العالمية الأولى، أصبحت أذربيجان جنباً إلى جنب مع أرمينيا وجورجيا جزءاً من الجمهورية القوقازية الاتحادية الديمقراطية. عندما أعلن حل تلك الجمهورية في مايو 1918، أعلنت أذربيجان استقلالا باسم جمهورية أذربيجان الديمقراطية وأذربيجان. كانت تلك الجمهورية أول جمهورية برلمانية حديثة في العالم الإسلامي.[46] من بين الإنجازات الهامة للبرلمان منح المرأة حق التصويت، مما يجعل من أذربيجان الأمة الإسلامية الأولى التي تمنح المرأة حقوقاً سياسية مساوية للرجل. كما سبقت في هذا الإنجاز المملكة المتحدة والولايات المتحدة. من الإنجازات الأخرى لهذه الجمهورية أيضاً إنشاء جامعة باكو الحكومية التي كانت أول جامعة حديثة تأسست في الشرق الإسلامي.[47] بحلول آذار / مارس 1920، كان من الواضح أن روسيا السوفياتية ستهاجم باكو حيث قال فلاديمير لينين أن هناك ما يبرر الغزو السوفياتي حيث أن روسيا السوفييتية لا تستطيع البقاء على قيد الحياة بدون نفط باكو.[48][49]
خريطة لأذربيجان في مؤتمر باريس للسلام 1919.
استمر استقلال أذربيجان 23 شهراً فقط عندما غزاها الجيش الأحمر السوفياتي البلشفي وأسس جمهورية أذربيجان السوفيتية الاشتراكية في 28 أبريل 1920. على الرغم من أن جيش جمهورية أذربيجان الديمقراطية حديث التأسيس أرهق في إخماد تمرد أرمني في كاراباخ، إلا أن الأذريين لم يستسلموا بسهولة للغزو السوفييتي. قتل نحو 20,000 جندي أذربيجاني خلال ذلك الغزو السوفييتي الناجح.[50] استمرت الجمهورية الديمقراطية لعامين اثنين فقط، إلا أن الحكومات الائتلافية حققت نجاحات على صعيد بناء الدولة والتعليم وإنشاء جيش، والاستقلال المالي والاقتصادي وتحقيق الاعتراف الدولي بالجمهورية بحكم الأمر الواقع بانتظار الحق القانوني حيث أسست علاقات دبلوماسية مع عدد من الدول، كما أعدت دستورها المبني على تساوي الحقوق.
أذربيجان السوفييتية
في 13 أكتوبر 1921، وقعت الجمهوريات السوفيتية روسيا وأرمينيا وأذربيجان وجورجيا اتفاقا مع تركيا يعرف باسم معاهدة كارس. كما تم منح أرمينيا منطقة زانجيزور ووافقت تركيا على إعادة غيومري (المعروفة آنذاك باسم أكسندروبول). في 12 مارس 1922 وتحت ضغوط شديدة من موسكو قام قادة أذربيجان وأرمينيا وجورجيا بتشكيل الاتحاد المعروف باسم جمهورية ما وراء القوقاز السوفيتية الاشتراكية. كانت هذه أول محاولة اتحادية للجمهوريات السوفياتية وسبقت اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. تتألف مجلس الاتجاد من ممثلين عن الجمهوريات الثلاث وهم ناريمان ناريمانوف (أذربيجان) وبوليكارب مديفاني (جورجيا) وألكسندر فيودوروفيتش مياسنيكيان (أرمينيا). كان السكرتير الأول للحزب الشيوعي في القوقاز سيرغو أوردجونيكيدزه. في عام 1936 تم حل جمهورية القوقاز وتشكلت جمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفياتية وأصبحت واحدة من الدول الأعضاء المكونة للاتحاد السوفياتي. بين 1926-1939 نمت نسبة العرقية الروسية في أذربيجان من 9.5 ٪ إلى 16.5 ٪.[51] خلال الحرب العالمية الثانية، لعبت أذربيجان دوراً حاسماً في سياسة الطاقة الاستراتيجية للاتحاد السوفياتي حيث قدمت باكو معظم نفط الاتحاد السوفياتي على الجبهة الشرقية. بموجب مرسوم صادر عن مجلس السوفيات الأعلى للاتحاد السوفياتي في شباط / فبراير 1942، منح أكثر من 500 عامل وموظف في صناعة النفط في أذربيجان ميداليات لالتزامهم في العمل. استهدفت العملية إيديلفايس التي قام بها الفيرماخت الألماني باكو نظراً لأهميتها بوصفها مصدر طاقة الاتحاد السوفييتي.[52] حارب نحو 800,000 من الأذربيجانيين في صفوف الجيش السوفياتي قتل نصفهم في الحرب، كما منح الفريق غازي أصلانوف وسام بطل الاتحاد السوفيتي مرتين.
استعادة الاستقلال
أعلام أذربيجان تلوح في ساحة أزادليغ بعد أن حظرت منذ عام 1920.
في أعقاب سياسة المصارحة التي بدأها ميخائيل غورباتشوف ظهرت الاضطرابات الأهلية والصراعات العرقية في مناطق مختلفة من الاتحاد السوفياتي بما في ذلك ناغورني كاراباخ وهي إقليم في جمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفياتية. الاضطرابات في أذربيجان وكرد فعل على اللامبالاة من جانب موسكو حول الصراع الساخن فعلاً أدى ذلك إلى دعوات للاستقلال والانفصال والتي بلغت ذروتها في يناير الأسود في باكو. في هذا الوقت، تم تعيين أياز مطلبوف سكرتيراً أول للحزب الشيوعي في أذربيجان. في وقت لاحق في عام 1990، ألغى المجلس الأعلى لجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفياتية عبارة “الاشتراكية السوفياتية” من التسمية، واعتمد إعلان سيادة جمهورية أذربيجان واستعادة علم جمهورية أذربيجان الديمقراطية بوصفه علماً للدولة. يوم 8 سبتمبر 1991 انتخب أياز مطلبوف رئيساً في الانتخابات العامة التي كان فيها المرشح الوحيد. يوم 18 أكتوبر 1991، اعتمد المجلس الأعلى لأذربيجان إعلان الاستقلال الذي أكده استفتاء شعبي على الدستور في ديسمبر 1991 عندما تم حل الاتحاد السوفياتي رسمياً. طغت في السنوات الأولى من الاستقلال الحرب في ناغورني كاراباخ مع أرمينيا المجاورة. بحلول نهاية الأعمال العدائية في عام 1994، فقدت أذربيجان السيطرة على ما يصل إلى 16 ٪ من أراضيها، بما في ذلك ناغورني كاراباخ نفسها.[53][54] قتل ما يقدر بنحو 30,000 شخصاً وشرد أكثر من مليون آخرين.[55]
الأذريون في ساحة أزادليغ بعد أحداث يناير الأسود.
صدرت أربعة قرارات أممية عن مجلس الأمن (822 و 853 و 874 و 884) دعت إلى “الانسحاب لقوات الاحتلال من المناطق المحتلة في جمهورية أذربيجان”.[56] في عام 1993 أطيح بالرئيس المنتخب ديمقراطياً أبو الفضل إلجي بيك عبر تمرد عسكري بقيادة العقيد سورات حسينوف مما أدى إلى صعود الزعيم السابق لأذربيجان السوفياتية حيدر علييف إلى السلطة. في عام 1994 حاول سورات حسينوف والذي كان حينها رئيساً للوزراء القيام بانقلاب آخر ضد حيدر علييف، لكن ألقي القبض على حسينوف ووجهت إليه تهمة الخيانة. في عام 1995 تم تفادي آخر محاولة انقلاب ضد علييف من قبل قائد الوحدة الخاصة أومون ميليتسيا روفشان يافادوف مما أسفر عن مقتل الأخير وتفكيك الوحدة الأذربيجانية أومون. خلال فترة رئاسته استطاع علييف الحد من البطالة في البلاد وكبح جماح الجماعات الإجرامية وإنشاء المؤسسات الأساسية لأي دولة مستقلة وجلب السلام والاستقرار والاستثمارات الأجنبية الكبرى. في الوقت نفسه انتشر الفساد في البلاد في الإدارة البيروقراطية. في أكتوبر 1998 أعيد انتخاب علييف لولاية ثانية. على الرغم من تحسن الاقتصاد وخصوصاً مع استغلال حقل نفط أذري-جيراق-غونشلي وحقل شاه دنيز للغاز، أصبحت رئاسة علييف لا تحظى بشعبية بسبب تزوير الأصوات الانتخابية والفساد المستشري والاعتراض على نظامه الاستبدادي. انتخب إلهام علييف في 26 مارس 2005 رئيساً للبلاد. في 20 مايو 2010 اعتمد البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ “ضرورة استراتيجية الاتحاد الأوروبي لجنوب القوقاز” على أساس التقرير الذي أعده يفغيني كيريلوف عضو البرلمان عن بلغاريا.[57][58] ينص القرار على وجه الخصوص أنه يجب “تطهير المناطق الأذرية المحتلة حول ناغورني كاراباخ في أقرب وقت ممكن”.[59][60][61]
الجغرافيا

المنطقة الجبلية الشمالية في أذربيجان قرب قوصار
جيميغايا في ناخيتشيفان.
تقع أذربيجان في منطقة جنوب القوقاز في أوراسيا وتمتد على غرب آسيا وشرق أوروبا. تهيمن ثلاث سمات رئيسية على جغرافية أذربيجان: بحر قزوين الذي يشكل الحدود الساحلية الطبيعية إلى الشرق، وجبال القوقاز الكبرى إلى الشمال، والسهول الواسعة في وسط البلاد.
يبلغ إجمالي طول الحدود البرية لأذربيجان نحو 2,648 كم (1645 ميل) ومنها 1,007 مع أرمينيا و 756 مع ايران و 480 مع جورجيا و 390 مع روسيا و 15 مع تركيا.[62] تمتد السواحل على طول 800 كم (497 ميل)، حيث يبلغ طول أكبر قسم أذربيجاني على بحر قزوين 456 كم (283 ميل).[62] يبلغ طول أراضي أذربيجان نحو 400 كم (249 ميل) من الشمال إلى الجنوب و 500 كم (311 ميل) من الغرب إلى الشرق.
سلاسل الجبال الثلاثة جبال القوقاز الكبرى والصغرى وجبال تاليش وتغطي معا حوالي 40 ٪ من البلاد.[63] أعلى قمة في أذربيجان هي جبل بازاردوزو (4466 م) بينما أدنى نقطة تقع في بحر قزوين (-28 م). تتمركز تقريباً نصف جميع البراكين الطينية في العالم في أذربيجان.
مصادر المياه الرئيسية هي المياه السطحية. مع ذلك، 24 نهراً فقط من الأنهار البالغ عددها 8350 أطول من 100 كم (62 ميل).[63] تصب جميع الأنهار في بحر قزوين في شرق البلاد.[63] أكبر بحيرة هي ساريسو (67 كم2) وأطول نهر هو نهر كورا (1,515 كم) العابر للحدود. تمتلك أذربيجان أربع جزر رئيسية في بحر قزوين وتصل مساحتها الكلية إلى أكثر من ثلاثين كيلومتراً مربعاً.

نزح سلاح الدمار الشامل (6)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

يمثل وقف انتشار الأسلحة وتخفيض جميع أسلحة الدمار الشامل وإزالتها في نهاية المطاف أهدافاً رئيسية للأمم المتحدة. وظلت الأمم المتحدة منتدى دائماً لإجراء المفاوضات، ووضع التوصيات وبدء الدراسات في مجال نزع السلاح. وهي تدعم المفاوضات المتعددة الأطراف في مؤتمر نزع السلاح وفي الهيئات الدولية الأخرى. وقد أسفرت هذه المفاوضات عن اتفاقات يذكر منها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (1968)، ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (1996)، والمعاهدات المنشئة للمناطق الخالية من الأسلحة النووية.

وهناك معاهدات أخرى تحظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائية (1992) والأسلحة البكتريولوجية (1972) وتحظر وضع الأسلحة النووية في قاع البحار والمحيطات (1971) وفي الفضاء الخارجي (1967)؛ وتحظر أو تقيد أنواعاً أخرى من الأسلحة. وبحلول شباط/فبراير 2005، أصبح 144 بلداً أطرافاً في اتفاقية أوتاوا التي تحظر استعمال الألغام الأرضية. وتشجع الأمم المتحدة جميع الدول على التقيد بهذه الاتفاقية وغيرها من المعاهدات التي تحظر الأسلحة الحربية المدمرة. وتدعم الأمم المتحدة أيضاً الجهود الرامية إلى منع الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة ومكافحته والقضاء عليه – باعتبارها الأسلحة المستخدمة في الغالبية العظمى للصراعات في جميع أنحاء العالم. وأسهم سجل الأمم المتحدة للأسلحة التقليدية ونظام توحيد إعداد التقارير بشأن النفقات العسكرية في تعزيز شفافية المسائل العسكرية.

وتكفل الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي يوجد مقرها في فيينا، عن طريق مجموعة من اتفاقات الضمانات، عدم تحويل المواد والمعدات النووية الموجهة للاستخدامات السلمية إلى أغراض عسكرية. وفي لاهاي، تقوم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بجمع المعلومات عن المرافق الكيميائية في شتى أنحاء العالم وتجري عمليات تفتيش روتينية لضمان التقيد باتفاقية الأسلحة الكيميائية

هل البطالة مؤشّرٌ له معنى في مجتمعاتنا؟ (5)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

تتبجّح بعض الحكومات العربيّة بأنّ الأزمة العالمية لم تضرب اقتصاداتها، لأنّ معدّلات البطالة لم تتغيّر فيها بشكلٍ كبير. لكن هل البطالة مؤشّر حقيقي لقياس الآثار الاجتماعية، ليس فقط للأزمة العالميّة، بل للتحوّلات الكبيرة التي تشهدها البلدان العربيّة؟

يقاس هذا المؤشّرعبر استقصاءات تجريها غالباً مؤسّسات إحصاء رسميّة، حسب تعريفٍ بالحدّ الأدنى وضعته منظّمة العمل الدولية. فمعدّل البطالة يتحدّد بنسبة من أجابوا في الاستقصاء المذكور أنّهم لم يعملوا ولو ساعة واحدة في الأسبوع الذي سبق لحظة سؤالهم، على مجمل السكّان الراغبين بالعمل (الناشطين اقتصادياً).

شقّا هذه النسبة يطرحان في بلداننا عدداً من الأشكاليّات. فمن ناحية بسط الكسر (شقّه الأعلى) لا يُقصد بـ”العمل” هنا، كما عند نشوء مفهوم البطالة في أوروبا في القرن التاسع عشر، عملاً مستمرّاً بأجر يتبع عقداً بين طرفين. فهذه الصفة لا تشمل إلاّ العاملين في القطاع الحكومي، وجزءاً ضئيلاً عندنا من العاملين في القطاع الخاص النظّامي (المسجّل كشركات). فمعظم المشتغلين في بلداننا هم غير نظاميّين، أعَمِلوا في القطّاع الخاص النظامي أو غير النظامي [1]. جزءٌ من هذا الوضع يأتي حتماً نتيجة أهميّة القطاع الزراعي؛ لكنّه فيما عدا هذا القطاع، حوالى نصف المشتغلين “يعملون لحسابهم الخاص self-employed”، أي أصحاب أعمال صغيرة، كسائق سيارة أجرة مثلاً، والباقون أجراء بدون عقود أو يعملون دون أجر في مؤسّسات عائليّة.

من ناحية أخرى، لا يعني العمل لساعة واحدة في أسبوعٍ مضى أنّ الشخص يحصل على كرامة العمل ويخرج – هو وعائلته – من الفقر. فحسب الزمن الذي يجري فيه الاستقصاء، يمكنه أن يشمل أو لا المشتغلين الموسميين في الزراعة أو السياحة مثلاً [2].

إلاّ أنّ إشكاليّات أكبر يطرحها قاسم الكسر (أي شقّه الأسفل)، ونادراً ما تتمّ مناقشتها. فمن هم السكّان المعنيّون، أهم فقط مواطنو الدولة المعنيّة (المقيمون دون أن يهاجروا) أم مجمل المقيمين بمعزلٍ عن جنسيّاتهم. السؤال له أهميّة كبرى ليس فقط في الدول العربيّة النفطيّة (حيث يشكّل السكّان غير المواطنين نسبةً كبيرة، وحتّى الأغلبيّة في أغلب الأحيان) بل أيضاً في الدول الأخرى (حيث تصل أعداد غير المواطنين إلى نسبٍ مرموقة، كما حال الفلسطينيين في لبنان والأردن، والعراقيين في سورية والأردن، وجنسيّات أخرى في مصر… هذا عدا انتشار عمالة الأجنبيّات في المنازل). فماذا يحصل لغير المواطن عندما يفقد عمله؟ أيصبح عاطلاً بانتظار عملٍ آخر، أم يطرد من البلاد أم ماذا؟ وعلى الأقلّ، هل هو في شقّي المؤشّر أم لا يُحسَب؟

الرغبة في العمل أو النشاط الاقتصادي أو المشاركة في قوّة العمل (وكلّها ردائف تتعلّق بمجمل المشتغلين والمتعطّلين في فئة السكّان العمريّة بين 15 و65 سنة) تطرح إشكاليّات أخرى، حيث تعدّ البلدان العربية أدنى نسب المشاركة في قوّة العمل في العالم. ويأتي هذا أساساً من تدنّي نسبة مشاركة المرأة، لأسبابٍ تتعلّق بالسياسات الاجتماعية للحكومات [3]. ولكنّ ضعف المشاركة يرتبط أيضاً بكون أنّ معظم العاطلين في بلداننا هم عاطلون منذ زمنٍ طويل، ما يعني أنّ هناك نسبةً كبيرة خارج قوّة العمل تتشكّل من “المحبَطين” (discouraged workers حسب تعابير منظّمة العمل الدولية) الذين ذهبوا بعيداً عن النشاط الاقتصادي لطول انتظارهم ولزحمة سوق العمل أساساً بالباحثين عن فرصة.

لكن حتّى مع معدّلات المشاركة الضعيفة هذه، لا تتزايد قوّة العمل السنوية في معظم البلدان العربية بحسب المعطيات الديموغرافيّة. فمن المفترض أن يؤدّي التكاثر السكّاني الكبير في العقود السابقة، إلى زيادة كبيرة اليوم في أعداد الشباب الذين يصلون إلى عمر العمل (الوافدين الجدد). ومع ذلك لا تتزايد قوّة العمل كما هو متوقّع؛ إذ أنّ الكثيرين يهاجرون، وفي بعض البلدان لأعدادٍ تصل سنويّاً إلى مستويات توازي أعداد القادمين الجدد السنويين إلى سوق العمل.

من هنا، وبدلاً من مساءلة الحكومات العربيّة عن معدّلات البطالة، يجب مساءلتها عن مؤشّراتٍ أخرى لها دلالة أكبر عن الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

كم ازدادت قوّة العمل كلّ سنة وكيف تقارن هذه الزيادة بعدد الوافدين الجدد الديموغرافي؟ كم حجم الهجرة السنويّة إلى خارج البلاد، وما هي نوعيّة تأهيل المهاجرين؟ كم حجم الهجرة الداخلة إلى البلد وما وضعيّة هذه الهجرة في سوق العمل؟ وما هي حقوق العمّال المهاجرين؟ كم فرصة عمل تمّ خلقها كلّ عام ؟ وفي كلّ قطاعٍ اقتصادي (خاصّةً الصناعة)؟ كم فرصة عمل مع عقدٍ نظاميّ يتمّ خلقها كلّ سنة، وما هي حقوق هؤلاء فيما يتعلّق بالتأمينات الصحيّة وضمان التقاعد؟ وكم عدد العاملين لحسابهم الخاص الذين يتمّ تنظيمهم كلّ عام وإدراجهم في أنظمة الحماية الاجتماعيّة؟ كم عدد العاطلين منذ زمنٍ طويل الذين يعاد ضمّهم إلى سوق العمل كل عام؟

الأجوبة على هذه الأسئلة لا تتطلّب حقيقةً جهداً إحصائيّاً. بل أوّلاً وأساساً وعياً اجتماعيّاً وإعادة مراجعة لقوانين العمل وأنظمة المعيشة والصحّة والتقاعد انطلاقاً من واقع البلدان.

ضرورة تجديد حقوق الإنسان (4)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

القضايا التي حظيت بمثل الاهتمام الذي حظيت به قضية حقوق الإنسان، فمنذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 والقضية تمثل انشغالا حاضرا في الأوساط الأكاديمية والأدبيات السياسية لأغلب الأحزاب والمنظمات الأهلية، فضلا عن كونها موضوع شد وجذب لا ينقطع على مستوى الساحة الدولية.
لكن ثمة مفارقة كبيرة في ما يتعلق بحقوق الإنسان، هي أنه لا أحد يجرؤ على المجاهرة برفض فكرتها، لكن الجميع يعتدي -أو هو مستعد للاعتداء- عليها. وإذا كانت أنظمة العالم الثالث قد اعتدت دائما على حقوق الإنسان لأنها أصلا لا تهتم باحترامها فإن حكومات البلدان “المتحضرة” إنما ظلت تبدى عناية خاصة باحترام تلك الحقوق لأنها ببساطة لم تكن تجد ضرورة للاعتداء عليها.
من ثم فإن هذا الإجماع الصوري حول شعارات حقوق الإنسان لا يعكس حقيقة الموقف على أرض الواقع، فهناك تراجع ملحوظ في احترام حقوق الإنسان على أكثر من صعيد، والتناقض بين الشعار والممارسة لدى أدعياء الفكرة حمل الكثيرين على التساؤل عن مدى مصداقية المشروع أصلا، في ما يكتفي آخرون بالتأكيد على أنه أضحى بحاجة إلى مراجعة شاملة تستعيد له وظيفته الأصلية وتجعله في مستوى التحديات المستجدة.
من درع يحمى الضعفاء إلى سيف بيد المتسلطين


الانحراف والقصور والتراجع كانت سمات طبعت مراحل معينة من مسيرة حقوق الإنسان، لكن الوضع لم يكن في أي وقت أسوأ مما هو عليه الآن، فقد أفرغت حقوق الإنسان من مضمونها التحرري الأصلي وكادت تفقد غطاءها الأخلاقي

يقولون إن الضعيف هو وحده الذي يهتم عادة بالحقوق لأنها وسيلته لحماية نفسه، أما القوي فحسبه القوة وسيلة لضمان مصالحه، وهذا القول صحيح إلى حد كبير، ومقتضاه أن سيادة مفاهيم الشرعية ودولة القانون تمثل في المقام الأول انتصارا لقوة الحق في وجه التعسف القائم على منطق القوة.

وقد كان الأمر على هذا النحو في بدايات ظهور فكرة حقوق الإنسان، حيث جاء الجيل الأول من الحقوق الأساسية التي أقرتها الإعلانات الصادرة عن الثورتين الفرنسية والأميركية أواخر القرن الثامن عشر ليمثل انتصارا للإنسان/المواطن في مواجهة طغيان السلطة المطلقة للدولة، ثم توالت أجيال حقوق الإنسان منذ ذلك التاريخ في صورة مكاسب تنتزع ممن كانوا يملكون كل شيء ليشاركهم الاستمتاع به من لم يكونوا يملكون أي شيء.
يمكن القول إن فكرة حقوق الإنسان بدأت بسيطة في عرضها، وكانت أهدافها واضحة وتتمثل في إعادة الاعتبار إلى مبدأ التساوي في الكرامة الإنسانية عبر إعادة توزيع السلطة والاعتبار الاجتماعي.. وإلى حد ما الثروة.
بطبيعة الحال، لم تجر الأمور دائما على هذا السنن الواضح، فالانحراف والقصور والتراجع كانت سمات طبعت مراحل معينة من مسيرة حقوق الإنسان، لكن الوضع لم يكن في أي وقت أسوأ مما هو عليه الآن، فقد أفرغت حقوق الإنسان تدريجيا من مضمونها التحرري الأصلي وكادت تفقد غطاءها الأخلاقي لأنها تحولت إلى شعار في يد القوى المتنفذة ذات النزعة الاستعلائية والتراث الاستعماري، تستغله متى شاءت لابتزاز خصومها السياسيين على أن تتناساه عندما يتعلق الأمر بحلفائها أو أصدقائها.
ثم إن هذه القوى نفسها ما فتئت تروج مفهوما مجتزأ وناقصا لحقوق الإنسان يختزلها في الحقوق السياسية والمدنية ذات الطبيعة الفردية؛ وانطلاقا من نظرة إيديولوجية محافظة، تقيم تعارضا جوهريا بين قيمة الحرية وفكرة العدالة، أهملت هذه القوى باستمرار مسألة العدالة الاجتماعية التي هي شرط ضروري للتمتع بكل حقوق الإنسان الأساسية.
غير أن القوى الغربية لم تعد تكتفي بالانتقاء في فهم حقوق مواطنيها والاعتداء على حقوق الشعوب الأخرى والتعامل المزدوج مع ملفات خرق حقوق الإنسان خارج حدودها، بل غدت تمارس أخطر أنواع الاعتداء على حقوق الإنسان على أراضيها نفسها وضد مواطنيها.

أزمة الخطاب والمحتوى
تنقل المصادر أنه خلال المداولات التي مهدت للمصادقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 التفت أحد المندوبين إلى بعض زملائه المشاركين في المؤتمر قائلا “إنني أوافق على كل بنود هذا الإعلان بشرط واحد، ألا تسألوني لم وافقت عليها أو كيف أفهمها”.

تلك الملاحظة العارضة كشفت في وقت مبكر وجود ثغرة كبيرة في بناء مشروع حقوق الإنسان، وهي أن الإجماع المبدئي الذي حظي به الإعلان العالمي لا يمكن أن يخفي الخلاف النظري العميق حول بعض المنطلقات الفلسفية التي يستند إليها والتهرب الواضح من القبول بمدلول محدد يمكن إلزام كل الأطراف به.
وهذه الفجوة بين الاحتفاء السياسي الدولي بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وارتياب البعض في أسسه الفلسفية وإعراض الكثيرين أو تقاعسهم عمليا عن الالتزام بمقتضياته تعكس أزمة الخطاب والمحتوى التي يعانى منها مشروع حقوق الإنسان، وتتجسد في غياب توافق كاف حول مبررات شرعية حقوق الإنسان من جهة وغياب فهم محدد لمضمون هذه الحقوق من جهة أخرى.
من الواضح أن إعلان 1948 ينطلق من فكرة العالمية باعتبارها أحد المقومات الأساسية لمفهوم حقوق الإنسان، ويبدو أن الفهم السائد لمبدأ العالمية ينتمي إلى تيار العقلانية الأخلاقية المتأثر، ولو بدرجات متفاوتة، بالأطروحات التقليدية لمدرسة القانون الطبيعي، ونتج عن ذلك تبني مفهوم مجرد لحقوق الإنسان باعتبارها حقوقا أخلاقية مطلقة زمانا ومكانا، ومستقلة عن الأوضاع القانونية الخاصة مثلما هي مستقلة عن الظروف الاجتماعية التاريخية.
واضح أيضا أنه رغم التجاذب الإيديولوجي القائم لحظة صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإن رؤية إيديولوجية معينة انتصرت في النهاية، وهي رؤية ليبرالية محافظة تهتم بالحقوق التي تمثل حصانات أكثر مما تهتم بالحقوق كضمانات، ورغم محاولة استكمال هذا النقص من خلال عهود دولية صدرت لاحقا فإن الخلل الأصلي ظل قائما ولم يفتأ أثره يتفاقم خصوصا منذ اكتسحت العالم موجة العولمة الليبرالية الجديدة.


تحولت حقوق الإنسان من رسالة تحريرية إلى مشروع إيدولوجي لفرض خصوصيات ثقافة معينة، كما تم توظيفها على نطاق واسع لخدمة سياسات الهيمنة الجديدة للقوى الغربية

غلبة مرجعية معينة لفكرة حقوق الإنسان وانتصار نظرة إيديولوجية محددة رجحت فهما غير متوازن للحقوق، أمران كان لهما الأثر البالغ -إلى جانب اختطاف شعار حقوق الإنسان على يد بعض القوى الدولية- في التنفير من الفكرة وإفراغها من محتواها، بتأثير النتائج السلبية العديدة التي ترتبت على ذلك ومنها:

▪ التشبث بوهم وجود أساس فلسفي مطلق لحقوق الإنسان واجب الناس -من كل الأمم والملل والثقافات- أن يؤمنوا به لا أن يحاولوا أن يفهموه. ومنذ سنوات طويلة انتقد المفكر الحقوقي الإيطالي نوربرتو بوبيو هذه النزعة التي تحاول عبثا أن تقيم شرعية حقوق الإنسان على أساس فلسفي مطلق لا يستطيع أحد أن يقاومه ويتعين على الجميع الإذعان له، معتبرا أن “الأساس المطلق يمثل في عالم الأفكار نظير السلطة المطلقة في عالم الأفعال -كما عند هوبز-، ففي مواجهة الأساس المطلق ينكسر العقل مثلما تنكسر الإرادة في مواجهة السلطة المطلقة”.
وقد فاته أن يذكر أن العقل أكثر عنادا من الإرادة، ولذلك لم تخضع كثير من الثقافات لرؤية المدرسة الطبيعية ذات الجذور اللاهوتية المسيحية.. والذي حصل هو أن بعضها تمرد على فكرة حقوق الإنسان نفسها.
▪ تحولت حقوق الإنسان، في كثير من الأحيان، من رسالة تحريرية إلى مشروع إيديولوجي لفرض خصوصيات ثقافة معينة، كما تم توظيفها على نطاق واسع لخدمة سياسات الهيمنة الجديدة للقوى الغربية التي سعت إلى تأبيد نفوذها الاستعماري عبر استغلال شعار حقوق الإنسان.
▪ الانطلاق من مفهوم مجرد لحقوق الإنسان باعتبارها حقوقا أخلاقية مطلقة نتج عنه إغفال العناية بتوفير الشروط القانونية والمادية الضرورية للاستمتاع الفعلي بالحقوق الأساسية التي أقرها الإعلان العالمي والعهود الدولية المنبثقة عنه، ومن ثم بقيت هذه الحقوق في أغلب الحالات حبرا على ورق.
▪ غلبة المقاربة الليبرالية أدت تدريجيا إلى تكريس نظرة انتقائية وغير متوازنة لحقوق الإنسان حيث تم التركيز في أحسن الأحوال على الجيلين الأول والثاني من حقوق الإنسان، وهي حقوق سلبية وفردية في الغالب، في المقابل تم تجاهل الحقوق الإيجابية أي تلك التي ترتب على الدولة التزامات تجاه أصحاب الحقوق، مثل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
الحاجة إلى تحرير حقوق الإنسان
تجاوز هذه الأزمة يتطلب أول ما يتطلب تخليص مشروع حقوق الإنسان مما علق به من معوقات وتحريره من إسار الخصوصيات الثقافية ومن الارتهان للسياسات الاستعمارية، وهي مهمة ليست يسيرة بالتأكيد، ولكنها أيضا غير مستحيلة.
لقد بات من الضروري فك الارتباط بين فكرة حقوق الإنسان ومشروع الهيمنة الثقافية الغربية، فالالتباس الحاصل في أذهان البعض أدى إلى خلط يسيء إلى فكرة حقوق الإنسان بقدر ما يمكن القيم الثقافية الغربية -وكثير منها ليس إيجابيا- أن تتسلل تحت شعار حقوق الإنسان لتغزو فضاءات ثقافية مغايرة متسببة في احتكاكات لا ضرورة لها.
وليس من العسير -على خلاف ما يظن البعض- إدراك وجود تمايز بين حقوق الإنسان والثقافة الغربية، صحيح أن حقوق الإنسان كما نعرفها اليوم نشأت وتبلورت في سياق الثقافة الغربية التي أسهمت إسهاما لا ينكر في بعث الاهتمام بالقيم المؤسسة لحقوق الإنسان، بعد أن كاد الاستبداد السياسي والانحطاط الاجتماعي والثقافي يطمسان معالم الكرامة الإنسانية لأغلبية الأفراد في مجتمعات عديدة.
لكن حقوق الإنسان ليست بدعة غربية ولا فكرة مسيحية، كما أنها ليست بالضرورة مشروعا علمانيا، فحقوق الإنسان -التي تعنى في جوهرها اعتبار الكرامة الإنسانية- فطرة إنسانية أصيلة وفكرة مشتركة ضربت فيها كل الثقافات بسهم وأضافت إليها كل الأمم التي علا لها شأن عبر أطوار الحضارة. والقول بالتماهي بين حقوق الإنسان والثقافة الغربية فيه أيضا تجاهل لحقيقة أن حقوق الإنسان لم تكن دائما في وئام مع القيم الثقافية الغربية، فقد أدى تقدم حقوق الإنسان في المجتمع الغربي إلى إحداث قطيعة تامة مع قيم وممارسات عديدة كانت إلى ذلك الحين تمثل مكونات أساسية للثقافة الغربية.
لا يكفى إقرار هذا التمييز، بل لا بد أيضا من العمل على تحرير حقوق الإنسان من براثن التوظيف الإيديولوجي الذي تمارسه بعض القطاعات السياسية والفكرية في الغرب، فقد دارت علاقة الغرب بالشعوب والثقافات الأخرى، في أغلب أطوارها، حول محور “مهمة أوروبا الرسالية” المتمثلة في “تحضير” الشعوب المغايرة الموصوفة تارة بالتخلف وأحيانا بالتوحش والبربرية.
وانتظمت هذه المهمة زمنا باسم رسالة الخلاص المسيحي إلى أن استعار الغرب المشروع الإنساني للحداثة المستنيرة التي تقدم حقوق الإنسان على أنها إحدى ثمارها. وليس في هذه النزعة التبشيرية في حد ذاتها ما يعيب إذا التزمت ببعض الضوابط الأخلاقية (هل التزمت بها دائما؟)، لكن المشكلة هنا أن هذا الإفراط في التوظيف الإيديولوجي لحقوق الإنسان أصبح يمثل حاجزا بينها وبين مجتمعات عديدة ربما كانت ستنظر إليها بإيجابية أكبر لو لم تكن قد ربطتها بالمشروع الاستعماري الغربي.
أخيرا، يتعين تحرير حقوق الإنسان من النظرة الانتقائية التجزيئية التي تقيم تعارضا لا أساس له بين فئات الحقوق، تقدم الحرية على العدالة والاستقلالية على التضامن، فتحمل بذلك آخرين على اقتراح عدالة زائفة في مقابل الحرية ووصاية غبية في مقابل الاستقلالية.


تحقيق مصداقية حقوق الإنسان واستعادة دورها التحريري أمور يتطلب جهدا تجديديا جرئيا يتجاوز التعارضات التقليدية بين المجرد والمادي، بين العقلانية الأخلاقية والوضعية القانونية

نحو تجديد حقوق الإنسان
مثلما أن هناك ضرورة لتحرير حقوق الإنسان فثمة أيضا حاجة لتجديدها، حتى تتكيف مع الحاجات الطارئة وتستجيب للظروف المستجدة، وأحسب أن هذا التجديد ينبغي أن يطال خطاب حقوق الإنسان ومضمونها والمنطلقات التي تقوم عليها. وبالطبع، لا يتسع المقام لبسط كل هذه المهام، لكن الإشارة إلى بعضها قد تكون مفيدة.

صياغة مفهوم جديد لحقوق الإنسان ينطلق من منظور التعددية الثقافية مطلب لم يعد يحتمل التأجيل إذا كان يراد لها أن تستعيد وظيفتها التحريرية، ويمكن أن تعتمد هذه الصياغة على جملة منطلقات يقترحها المفكر البرتغالي بوافنتورا دي سوسا سانتوس ومنها:
▪ ضرورة تجاوز الجدل العقيم حول التعارض بين العالمية والنسبية الثقافية، وإقامة حوار جاد ومفتوح بين مختلف الثقافات وصولا إلى تحديد قواسم مشتركة ومعايير جامعة.
▪ أن كل الثقافات تمتلك تصورا حول مسألة الكرامة الإنسانية، وإن كانت لا تقوم جميعا حول فكرة حقوق الإنسان، وهذا الاختلاف في التصورات لا يعنى بالضرورة استحالة التواصل بين الثقافات وتأثر بعضها بتجارب بعض وانشغالاته وتطلعاته.
▪ تعدد الثقافات دليل واضح على أنه ليست هناك ثقافة كاملة وإنما توجد ثقافات تتكامل في ما بينها، وكل ثقافة تزيد كمالا بقدر ما يزيد وعيها بنواقصها عبر الحوار والتبادل مع غيرها.
▪ لا توجد ثقافة كاملة التجانس، فكل الثقافات تحتوى في داخلها على مدارس متعددة في ما يتعلق بتصور الكرامة الإنسانية، وهذه المدارس تتفاوت في اكتمال تصوراتها وفى قدرتها على الانفتاح واستعدادها للحوار والتواصل مع الآخر.
▪ كل ثقافة لها طرقها في تحقيق الاندماج وتنظيم التمايز، ولذلك ليس من السليم النظر إلى كل مظاهر المساواة باعتبارها دليلا على تماثل حقيقي، كما أن الاختلافات لا تنطوي بالضرورة على وجود تفاوت في الواقع.
تحقيق مصداقية حقوق الإنسان واستعادة دورها التحريري أمور تتطلب جهدا تجديديا جريئا يتجاوز التعارضات التقليدية بين المجرد والمادي، بين العقلانية الأخلاقية والوضعية القانونية وبين العالمية المطلقة والنزعة المحلية القائمة على النسبية الثقافية.
تلك هي نقطة البدء الضرورية لتجديد حقوق الإنسان التي غدت بحاجة إلى التجديد على أكثر من صعيد، حتى يتسنى للإنسان -حيث يكون- تحقيق مقتضيات كرامته متحررا من جور الاستبداد المحلي ومن استغلال الطغيان الأجنبي

علم السياسة ومقدّماته اليونانية ـــ د.خلف الجراد (3)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

يظنّ كثيرون ـ خطأً ـ أنّ السياسة هي فن المراوغة، والحيلة، والدهاء, أو القدرة على المناورة والتلاعب, وعدم كشف الحقائق والأوراق .. وغير ذلك من فنون وتكتيكات معروفة.‏

والحقيقة أن ما أشرنا إليه من أشكال وأساليب ليست هي السياسة بدلالاتها الجوهرية, بل أنها بعض الوسائل المتّبعة في الوصول إلى الأهداف، والغايات، والاستراتيجيات السياسيّة.‏

ومن الأمور المؤسفة أن السياسة ـ كعلم إنساني شديد الأهمية والتأثير ـ تعرضت إلى أضخم، وأخطر، وأسوأ ألوان التشويه والانحراف على مدى آلاف السنين من تاريخ الحضارة البشرية وتكوينات المجتمع المدني, إلى درجة أن العُرف الشائع عن السياسة أنها فنٌّ، وليست نسقاً معرفياً وعلماً قائماً بحدّ ذاته, له مكوّناته، وبنيته، وطرائقه البحثية والاختبارية, ونظرياته, وتطبيقاته العملية في هذه البيئة المجتمعية أو تلك.‏

وقد يكون من الضروري, بل من الواجب الحتمي أن تعنى دورية متخصصة بشؤون الفكر السياسي ـ مثل مجلّتنا هذه ـ بالتعريفات، والمصطلحات، وتحديد المعاني والدلالات السياسية, حيث يمكنها من خلال ذلك كلّه تكوين رأي عام مستنير, يدرك أبعاد المفاهيم والألفاظ المتداولة في الفكر السياسي, ويتمكن من استخدامها الصحيح والعلمي بأماكنها المناسبة, دون شطط، أو مبالغة، أو فجاجة وجهالة.‏

أولاً: معاني كلمة «سياسة»:‏

جاء في «لسان العرب» لابن منظور أن «السَّوْس» تعني الرياسة, حيث يقال ساسوهم سَوْساً, وإذا رأّسوه قيل: سوَّسوه، وأساسوه. وساسَ الأمرَ سياسةً: قام به. ويقال: سُوِّسَ فلانٌ أمَر بني فلان, أي: كُلِّف سياستَهم. وقال الجوهريُّ: سُسْت الرعيةَ سياسةً.‏

ويقال: فلان مُجرَّبٌ قد ساسَ وسيسَ عليه, أي: أَمَر وأُمِّرَ عليه.‏

والسياسة: القيام على الشيء بما يُصلحه(1). والمقصود بالأمر في التراث السياسي العربي هو: أمر الناس وشؤونهم. وقد شاعت لفظة «أمر» لتدلّ ـ بصفة عامة ـ على الحكم، والسلطان، والدولة.‏

وقد تطوّر المعنى الاصطلاحي لكلمة «سياسة» في الاستعمال إلى السياسة الإلهية, والسياسة الخاصة, والسياسة العامة(2).‏

وعرفت السياسة المدنية بأنها «علم بمصالح جماعة متشاركة في المدنيّة.. سميت بها لحصول السياسة المدنية, أي: مالكية الأمور المنسوبة إلى البلدة بسببها, وفي بعض الكتب يسمّى: علم السياسة, والحكمة السياسية, والحكمة المدنية, وسياسة الملك, وفائدتها أن تعلِّم كيفية المشاركة التي بين أشخاص الناس, ليتعاونوا على مصالح الأبدان, ومصالح بقاء النوع»(3).‏

وذكر الدكتور جميل صليبا في معجمه الفلسفي أن السياسة مصدر ساس, وهي تنظيم أمور الدولة, وتدبير شؤونها. وقد تكون شرعية، أو تكون مدنية. فإذا كانت شرعية جاءت أحكامها مستمدّة من الدين, وإذا كانت مدنيّة كانت قسماً من الحكمة العملية, وهي الحكمة السياسية, أو علم السياسة.‏

وأضاف: موضوع علم السياسة عند قدماء الفلاسفة هو البحث في أنواع الدول والحكومات, وعلاقتها بعضها ببعض, والكلام على المراتب المدنية وأحكامها, والاجتماعات الإنسانية الفاضلة والرديئة, ووجوه استبقاء كل منها, وعلّة زواله, وكيفية رعاية مصالح الخلق، وعمارة المدن وغيرها.‏

أما الفرق بين السياسة النظرية والسياسة العملية, فإن الأولى تعنى بدراسة الظواهر السياسية المتعلقة بأحوال الدول والحكومات, وهي مختلفة عن الظواهر الاقتصادية, والإدارية, والقضائية, والثقافية, على حين أن الثانية تعنى بأساليب ممارسة الحكم في الدولة لرعاية مصالح الناس اليومية، وتدبير شؤونهم وأحوالهم.‏

ويطلق على كل عمل مبني على تخطيط سابق كسياسة التنمية الاجتماعية, أو سياسة التنمية الاقتصادية, أو سياسة التعليم, أو سياسة الصحة, وغيرها.‏

والسياسي: هو المنسوب إلى السياسة, نقول: هذا أمرٌ سياسي, وهو الأمر المدني المشترك بين المواطنين الخاضعين لقوانين واحدة. ومنه الاقتصاد السياسي, والحقوق السياسية, والسلطات السياسية.‏

وإذا أطلق لفظ السياسي على من يتولى الحكم في الدولة دلَّ على نوعين من الرجال: أحدهما رجل الدولة, هو الذي يقيم الحكم على سنن العدل والاستقامة, والثاني رجل الحكم الماهر في الانتفاع بالظروف المحيطة به لتحقيق مآربه السياسية(4).‏

وقد عرَّف «معجم ليتره» السياسة عام 1870 بقوله: «السياسة علم حكم الدول».‏

وعرفها «معجم روبير» عام 1962 بقوله: «السياسة فن حكم المجتمعات الإنسانية».‏

إن التقريب بين هذين التعريفين اللذين يفصل بينهما قرن من الزمان أمر هام.إنهما كليهما يجعلان الحكم موضوع السياسة. ولكن التعريف الحديث يشمل حكم الدول، وحكم المجتمعات الإنسانية، الأخرى فكلمة الحكم تعني عندئذ, في كل جماعة من الجماعات, السلطة المنظمة، ومؤسسات القيادة والإكراه. إن الاختصاصيين يتجادلون في هذا، فبعضهم ما يزال يرى أن السياسة هي علم الدولة من حيث إن الدولة هي السلطة المنظمة في الجماعة القومية. ولكن أكثر الباحثين يرون أن السياسة هي علم السلطة المنظمة في الجماعات الإنسانية كافة(5).‏

وليس لهذا الجدال من شأن، ذلك أن الذين يعرِّفون السياسة بأنها علم السلطة عامة يعترفون هم أنفسهم بأن السلطة تبلغ في الدولة أكمل صورة, وأتم تنظيم, وأن من الواجب أن تُدرس في هذا الإطار خاصة.‏

أما في الجماعات الأخرى فهي جنين. ومع ذلك فإن تعريف السياسة بأنها «علم السلطة» يتفوق على التعريف الآخر تفوقاً أساسياً؛ لأنه وحده يسمح بالتحقق من صحة فرضيته الأساسية. فحين ندرس السلطة في جميع الجماعات دراسة مقارنة, نستطيع أن نكشف الفروق بين السلطة في الدولة والسلطة في الجماعات الأخرى إذا كان في هذه الجماعات الأخرى سلطة.‏

أما إذا اقتصرنا على دراسة السلطة في إطار الدولة وحده, دون مقارنة بينهما وبين السلطة في غير ذلك, لم نستطع أن نتحقق من صدق الفرضية؛ التي نكون قد فرضناها عن وجود فرق في الطبيعة بين الشيئين.‏

ويقترح بعضهم أن نفرق بين الجماعات الصغيرة والجماعات الكبيرة.‏

إن التنافس على السلطة في الجماعات الصغيرة إنما يقوم بين أفراد. والسلطة نفسها في هذه الجماعات الصغيرة ضعيفة التنظيم, تشبه أن تقوم على ذلك التفريق البدئي بين «الحاكمين» و«المحكومين», بين الزعماء والأعضاء. أما في الجماعات الكبيرة فإن الصراع السياسي يتناول طوائف اجتماعية , وفئات وسيطة تنشأ في داخل المجتمع الكلي , كما يتناول أفراداً. والسلطة في هذه الجماعات الكبيرة: تنظيم محكم البنيان بعضه فوق بعض درجات. إن من علماء الاجتماع من يقصرون السياسة على دراسة هذه السلطة المعقدة التي تعمل في الجماعات الكبيرة, ويبعدون منها تحليل الزعامة في الجماعات الصغيرة.‏

والواقع أن الظاهرتين أوثق ارتباطاً من أن تستطاع دراسة كل منهما على حدة. إن هناك, في مجالس الوزراء, وفي لجان الإدارة, وفي مجالس قيادة الأحزاب, وفي كل مستوى من مستويات حكم الجماعات الكبيرة , فئات صغيرة لا يمكن أن يُشكَّ في أن السلطة فيها سياسية. وإنما ينبغي أن نميز بين مستويين من التحليل, أولهما: التحليل « الميكرو سياسي» الذي يجب أن يتم على مستوى العلاقات بين الأفراد, وهي علاقات قائمة على الاتصال الشخصي, وثانيهما: التحليل «الماكرو سياسي» الذي يجب أن يتم على مستوى المجموعات الكبرى؛ التي لا وجود فيها للاتصال الشخصي, وإنما حَّلت فيها محل الاتصال الشخصي صلاتٌ بالوساطة, أو علاقات إدارية أو اتصالات مسرحية مصطنعة (مصافحة الوزير, الخطاب الذي يذيعه رئيس الدولة بالتلفزيون), فيجب أن يتم البحث على هذين المستويين في آن واحد معاً. ثم إن الانتقال من أحد هذين المستويين إلى المستوى الآخر يثير مشكلة هامة.‏

ويختلف التعريفان اللذان جاء بهما ليتره وروبير في نقطة أخرى؛ فالأول يعد السياسة علماً, والثاني لا يعدها إلا «فناً». وقد يخيل إلينا من النظرة الأولى أن عكس هذا أقرب إلى طبيعة الأمور. فالعلم السياسي في أيامنا هذه علم تعترف به جامعات العالم كلها تقريباً. إن له كراسي وأساتذة وطلاباً وأموالاًَ ترصد للبحث. وفي كل عام تُطبع عدة آلاف من الكتب أو المقالات فيه. على حين أن الناس لم يكادوا يبدؤون الكلام فيه منذ قرن: بين عامي 1859 و1872 فقط إنما أبدل جانه عنوان كتابه الضخم «تاريخ الفلسفة السياسية في علاقاتها بالأخلاق» فأحلَّ « العلم السياسي» محل « الفلسفة السياسية». وما من مؤسسة جامعية كانت تعترف بهذا العلم الذي لم يكن له مكان في هيكل المعرفة، فكأن تطور التسمية سار في عكس اتجاه التطور العلمي.‏

ومع ذلك كان التطوران متطابقين. لقد وضع ليتره تعريفه في نهاية ذلك القرن التاسع عشر؛ الذي كان الناس فيه يعتقدون بأن العلم سيتيح دراسة جميع العلاقات الإنسانية, لا الظاهرات المادية أو البيولوجية فحسب؛ في ذلك العهد الذي كان الناس فيه ينتظرون قيام «العصر الوضعي» الذي بشر به أوغوست كونت . فإذا بتطور العلوم الاجتماعية نفسها يؤدي اليوم إلى الحدِّ من تلك المطامح. إن ما نملكه اليوم من الوفرة والإتقان. ولكننا ندرك اليوم, في الوقت نفسه, الحدود التي يقف عندها استعمال هذه الأدوات، وهي حدود ضيقة. صحيح أن السياسة في عام 1964 أقرب إلى العلم منها في زمان ليتره. ففي وسع رجال الدولة في هذه الأيام أن يستعملوا إحصاءات كثيرة, ودراسات تسبر الرأي العام, وأن ينتفعوا بطرائق شتى في قيادة الجماهير, وأن يستخدموا آلات حاسبة ألكترونية, وما إلى ذلك, بل إن رجال الدولة ليستعملون اليوم هذه الأمور كلها فعلاً. ولكننا نعلم اليوم أن قطاع هذه «السياسة العلم» أصغر من قطاع «السياسة الفن» التي تستند إلى أمور غير دقيقة، ولا يمكن حسابها, أمور حدسية لا عقلية.‏

وعبث أن نؤمِّل أن يغطي القطاعُ الأولُ القطاع الثاني في يوم من الأيام تغطية كاملة, وأن تصبح السياسة علمية كلها . إن القرارات السياسية لا تعتمد على معلومات موضوعية فحسب, بل تعتمد أيضاً على أحكام تعميمية بصدد الإنسان والمجتمع. وليس يبدل من الأمر شيئاً أن لا تكون هذه الأحكام التقييمية مستقلة عن أوضاع أصحابها, وأن تكون تعبيراً عن طبقتهم الاجتماعية، أو مصالحهم الشخصية. إن الحرية ليست أبداً حرية اختيار لا تحدده أسباب: إن الحرية هي حرية اختيار تحدده أسبابٌ عاشها صاحبها. ولأن يكون هنالك مسافة بين الأهداف التي تنادي بها والأهداف التي ترمي إليها فعلاً, ولأن تغطي هذه الأهداف الثانية بتلك الأهداف الأولى تمويهاً , فليس ينفي هذا أن الاختيار السياسي إنما تحدده غاية. والعلم السياسي هام جداً؛ لأنه يفضح التغطيات ويكشف عن التمويهات، ويستطيع أن يوضِّح الأسباب الحقيقية التي حددت الاختيار،. لكنه لا يستطيع هو أن يختار.‏

وبمقدار ما تعتمد السياسة هذا الاعتماد على اختيار والتزام, تصبح مفاهيمها نسبية, فهذه المفاهيم تعرَّف على أساس مذاهب تقييمية معينة, فلا تعني في كل منها عين ما تعنيه في سائرها. إنك تستطيع أن تصوِّر وجه السياسة الماركسي, أو وجهها اللبرالي, أو وجهها المحافظ, أو وجهها الفاشستي, إلخ. ولكن ليس للسياسة وجه «موضوعي» تماماً؛ لأنه ليس هنالك سياسة موضوعية تماماًَ. إن في وسع العلم السياسي أن يفصل العناصر الموضوعية عن العناصر التي ليست موضوعية, وأن ينقد بذلك كل مذهب من المذاهب. وفي وسع العلم السياسي أن يحدد درجات ارتباط المذاهب المختلفة بعصر معيَّن, وأن يحدد تطورها. وفي وسعه أيضاً إذا هو قابل هذه المذاهب بعضها ببعض, أن يكمل بعضها ببعض، وأن ينقد بعضها ببعض: كما يستطيع المرء أن يقرِّب بين عدد من الصور الفوتوغرافية المأخوذة لشيء واحد من جهات مختلفة؛ بغية الحصول على تصور أكمل لهذا الشيء؛ الذي تظل رؤيته المباشرة مستحيلة.‏

وراء جميع المذاهب التقييمية وجميع الأحكام الخاصة, نجد موقفين أساسيين على وجه العموم . فالناس منذ أن فكروا في السياسة يترجحون بين تأويلين متعارضين تعارضاً تاماً. فبعضهم يرى أن السياسة صراع وكفاح, فالسلطة تتيح للأفراد والفئات التي تملكها أن تؤمن سيطرتها على المجتمع، وأن تستفيد من هذه السيطرة. وبعضهم يرى أن السياسة جهد يُبذل في سبيل إقرار الأمن والعدالة, فالسلطة تؤمن المصلحة العامة والخير المشترك وتحميهما من ضغط المطامع الخاصة. الأولون يرون أن وظيفة السياسة هي الإبقاء على امتيازات تتمتع بها أقلية، وتُحرم منها الأكثرية. والآخرون يرون أن السياسة وسيلة لتحقيق تكامل جميع الأفراد في الجماعة, وخلق «المدينة العادلة» التي سبق أن تحدث عنها أرسطو.‏

والانتماء إلى هذا الرأي أو ذاك يحدده الوضع الاجتماعي بعض التحديد. فالأفراد والطبقات المُضْطَّهَدَة المحرومة الفقيرة البائسة لا يمكن أن ترى أن السلطة تكفل الأمن والنظام حقاً, وإنما ترى أن السلطة تخلق صورة كاريكاتورية للأمن والنظام, تتقنع بها سيطرة أصحاب الامتيازات: فالسياسة في رأيها صراع. والأفراد والطبقات المترفة الغنية الراقية ترى أن المجتمع منسجم، وأن السلطة تحقق أمناً ونظاماً صادقين، فالسياسة عندها اندماج وتكامل. وكثيراً ما يستطيع أصحاب الرأي الأخير أن يقنعوا أصحاب الرأي الأول بأن الصراعات السياسية سيئة مؤذية خبيثة, وأن المشتركين فيها لا يهدفون إلى غير المصالح الأنانية بأساليب مشبوهة. وبذلك يستطيع أصحاب الرأي الأخير أن يخرجوا خصومهم من المعركة، فيكفلوا لأنفسهم ربحاً عظيماً. إن كل « إبعاد عن السياسة» ينفع النظام القائم, ويشجع الجمود , ويقوِّي نزعة المحافظة.‏

على أن هذين الموقفين لا يعبّران طبعاً إلا عن جزء من الواقع. فالمحافظون, حتى أكثرهم تفاؤلاً, لا يستطيعون أن ينكروا أن السياسة ـ ولو كان هدفها تحقيق التكامل الاجتماعي ـ قلَّما تبلغ هذا الهدف على نحو مرض. إن هؤلاء المعياريين المثاليين يصفون السياسة بما يجب أن تكون. أما خصومهم فهم أقرب إلى الواقعية يصفون السياسة بما هي، لكنهم لا يستطيعون هم أنفسهم أن ينكروا أن الصورة التي يرسمونها مسرفة في حلكتها. فالحكام ـ حتى أكثرهم اضطهاداً، وأقلهم عدلاً ـ يحققون وظائف ذات نفع عام, في الميادين التقنية على الأقل, ولو لم يكن ذلك إلا تنظيم مرور السيارات, وتشغيل مصلحة البريد، والهاتف، والبرق, وتأمين الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية وغيرها، لكفى.‏

ونقول على وجه العموم: إن ماهية السياسة، وطبيعتها الخاصة، ودلالتها الحقيقية هي أنها دائماً ـ وفي كل مكان ـ ذات وجهين. إن صورة «جانوس» ـ في الأساطير الإغريقية ـ تظهره كإلهٍ ذي وجهين, هي التي تمثل الدولة حقاً: إن صورة «جانوس» هذه تعبّر عن الواقع السياسي العميق. فالدولة ـ والسلطة القائمة في أي مجتمع بوجه عام ـ تقوم في كل زمان ومكان بوظيفتين في آن واحد, فهي أداة سيطرة بعض الطبقات على الطبقات الأخرى, تستعمله الطبقات الأولى لتحقيق منافعها على حساب منافع الطبقات الأخرى, وهي في الوقت نفسه أداة لإقرار نوع من النظام الاجتماعي, وتأمين نوع من تكامل الأفراد في الجماعة لمصلحة المجموع. وتختلف نسبة هذين العنصرين باختلاف العصور والظروف والبلاد, لكنهما يوجدان معاً في جميع الأحوال. ثم أن العلاقات بين الصراع والتكامل معقدة. إن كل إنكار للنظام الاجتماعي القائم هو صورةٌ ومشروعٌ لنظام اجتماعي أعلى وأصدق. إن في كل صراع صبوة إلى تكامل وجهداً من أجل تحقيق حلم التكامل. وكثير من الناس يرون أن الصراع والتكامل ليس وجهين متعارضين, بل هما عملية كلية واحدة, فالصراع يؤدي بطبيعته إلى تكامل, والتعارضات تتجه بتطورها نفسه إلى زوالها وإلى قيام « المدينة» التي يتحقق فيها الانسجام.‏

إن الليبراليّين الكلاسيكيين يرون أن التكامل يولِّده الصراع أثناء تطوره: فالظاهرتان متصاحبتان. فالتنافس يؤدي إلى انتشار الإنتاج على أوسع مدى, وإلى توزيع الثمرات على أحسن وجه: إنه يؤدي في كل لحظة إلى أفضل اقتصاد ممكن. والتنافس السياسي يؤدي إلى نتائج مماثلة، فبفضل هذا التنافس السياسي يصل إلى الحكم أفضل الناس وأكثرهم كفاءة وأحسنهم, فيحكمون لتحقيق مصلحة المجموع. إن الانسجام السياسي, الذي لا يعكره إلا أناس شاذون، منحرفون مرضى, يوازي «الانسجامات الاقتصادية». ويرى الماركسيون من جهتهم أن الصراع هو محِّرك تطور المجتمعات, وهو يؤدي حتماً إلى زوال التعارضات وقيام مجتمع بلا نزاعات. ولكن هذا التكامل لا يظهر إلا في خاتمة المطاف من تطور طويل, لا يظهر إلا في مستقبل بعيد. ففي كل مرحلة من المراحل يتحقق تكامل جزئي, يتحقق«مركب» مايلبث أن يصبح مصدراً جديداً لتناقض وتعارض. والانسجام السياسي يتطور على نحو إيقاعي إلى أن يبلغ من التاريخ خاتمة المطاف(6).‏

من ناحية أخرى, فقد عرَّفت «الموسوعة الفلسفية» الروسية السياسة: بأنها المشاركة في شؤون الدولة وتوجيهها. حيث تتضمن السياسة مشكلات بنية الدولة وإدارة البلاد والمجتمع والطبقات, ومسائل الصراع الحزبي.. إلخ. فالمصالح الأساسية للطبقات الاجتماعية المختلفة (والمتصارعة) والعلاقات الناشئة بين الطبقات المتناحرة تنعكس بصورة وأوضاع مواقف مباشرة وغير مباشرة في السياسة. كذلك تعبّر السياسة عن العلاقات بين الأمم والدول (السياسة الخارجية). وتنشأ العلاقات بين الطبقات, وبالتالي بين سياساتها عن وضعها الاقتصادي وأفكارها السياسية.‏

وفي حين أنّ المؤسسات القائمة على أساسها تشكل «البنية الفوقية», لكن ذلك لا يعني أن السياسة هي نتيجة سلبية أو حتمية للاقتصاد. لأن السياسة كي تكون قوة تحول كبيرة ينبغي أن تعكس بطريقة صحيحة وموضوعية حاجات الحياة المادية للمجتمع. ويقوم علم السياسة الحقيقي على قوانين التطور الاجتماعي؛ التي تتلاءم مع مصالح المجتمع(7) .‏

وبدورها ركّزت «الموسوعة السياسية»(8), التي أعدّها مجموعة من الباحثين والمتخصصين العرب على حقيقة أن السياسة تشكّل مركز الحياة العامة للمجتمعات البشرية, ولهذا كثرت فيها التعريفات والاجتهادات, حيث أصبح نشوء السياسة ممكناً بعدما تخطى الإنسان مرحلة العيش البدائي, وبعدما أدرك ضرورة الحياة الاجتماعية.‏

فالسياسة ـ بحسب الموسوعة ـ هي فن ممارسة القيادة والحكم وعلم السلطة أو الدولة , وأوجه العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وفي تعريف أكثر دقّة وشمولاً يمكن القول بأن السياسة هي النشاط الاجتماعي, الفريد من نوعه؛ الذي ينظم الحياة العامة, ويضمن الأمن، ويقيم التوازن والوفاق ـ من خلال الشرعية والسيادة ـ بين الأفراد والجماعات المتنافسة والمتصارعة في وحدة الحكم المستقلّة،على أساس علاقات القوة , والذي يحدّد أوجه المشاركة في السلطة بنسبة الإسهام والأهمية في تحقيق الحفاظ على النظام الاجتماعي، وسير المجتمع.‏

وفي تعريف آخر (للموسوعة السياسية): السياسة هي النشاط الاجتماعي المدعوم بالقوة المستندة إلى مفهوم ما للحقّ أو للعدالة لضمان الأمن الخارجي والسلم الاجتماعي الداخلي للوحدة السياسية, ولضبط الصراعات والتعدد في المصالح ووجهات النظر للحيلولة دون الإخلال بتماسك الوحدة السياسية, باستخدام أقل حد ممكن من العنف. وفي تعريف ثالث: هي علم دراسة المصالح المتضاربة وانعكاسها على تكوين السلطة والحفاظ على امتيازات الطبقة الحاكمة.‏

وفي تعريف رابع هي الجهد لإقامة النظام والعدل, وتغليب الصالح العام، والمصالحة الاجتماعية المشتركة في وجه ضغوط المصالح الفئوية.‏

مع الإشارة هنا إلى تعريف السياسة بطريقة نقدية أو ساخرة, كقول دزرائيلي: «إن السياسة هي فن حكم البشر عن طريق خداعهم», أو القول بأنها «فن تأجيل تأزم المشكلات والمعضلات», إلى القول بأن «السياسة هي صراع أقليات منظمة», إلى قول نابليون بونابرت: «بأن السياسة هي تنظيم الجماهير المستعدة للتضحية في سبيل المُثل».‏

وتضيف «الموسوعة السياسية»: مهما يكن من أمر تنوّع تعريفات السياسة، فإن المؤكد هو أنها من حيث كونها الوسيلة الاجتماعية الوحيدة للتنسيق والتوفيق بين المطالب السياسية والاجتماعية اللامتناهية للفئات والجماعات الاجتماعية، وبين الموارد المتناهية والمحدودة للمجتمع عن طريق الكوابح وتنمية مشاعر التضامن الاجتماعي، وحفظ السلم والاستقرار, فإنها شكلت, ـ تاريخياً ـ الأرضية الأساسية الضرورية للتمدن، والحياة الاجتماعية المتقدمة.‏

لقد لامست السياسة جميع الجوانب الأخرى للحياة الاجتماعية, وأقامت المناخ الملائم للحفاظ عليها، وتنميتها, ومن هنا جاء قول الفيلسوف اليوناني، ورائد علم السياسة أرسطو, بأن: السياسة هي علم السيادة و« سيدة العلوم» . فهي «سيّدة» كممارسة أنها تعنى بالمسائل الحيوية في المجتمع, مثل تحديد حقوق المواطن، وواجباته الاجتماعية, ووجهة الثقافة وقضايا السلم والحرب.. إلخ. وهي «سيدة العلوم» كدراسة وأفكار تعنى بتوضيح المفاهيم (العدل, الحرية, الحق…), وتحديد الغايات والوسائل والخيارات, ومقارنة البدائل.. وبالتالي تؤثر بشكل مباشر، أو غير مباشر في اعتماد الخيارات، والحكم عليها.‏

أما بشأن العلاقة بين الممارسة والفكر, تقول « الموسوعة السياسية»: إنّ التفريق بين الممارسة والنظرية, بين العمل والفكر في السياسة مسألة لا تخلو من الصعوبة والتصنّع بدرجة أكبر مما يبدو للوهلة الأولى. فالسياسي يحمل ـ بطريقة أو بأخرى، وبدرجة أو بأخرى ـ نظرة أو مفاهيم أو نظرية سياسية تحدّد له ملامح مسار عمله السياسي. كذلك فإن عالم السياسة يستند في جهوده ونظراته إلى الأعمال السياسية السابقة, ويقدّم خطة عمل مقبلة مستمدة من الواقع السياسي، ومتوجهة إليه في آنٍ معاً.‏

وقد سعى عدد من العلماء والفلاسفة والدارسين للسياسة نحو إقامة أنظمة سياسية مثالية (جمهورية أفلاطون, المدينة الفاضلة..إلخ), وتركوا أعمق الأثر في تاريخ الفكر السياسي، وبالتالي في التاريخ السياسي, مثل أرسطو, أو جمعوا بين الممارسة والفكر السياسي مثل العلاّمة العربي، وعالم الاجتماع والسياسة الأشهر عبد الرحمن بن خلدون، رائد فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع السياسي, أو عملوا مستشارين للحكام مثل ماكيا فيللي ـ صاحب كتاب «الأمير»ـ وغيرهم. وقد ذهب أفلاطون في جمهوريته ـ كتاب الجمهورية ـ إلى أنه من الضرورة بمكان كبير أن تنشأ مؤسسة عليا خاصة لتدريس علم السياسة وتدريب رجال الدولة؛ لأن قيادة الدولة هي العلم الأعلى، والمسألة الأهم في المجتمع. أما أرسطو فقد ذهب إلى القول بضرورة إيجاد علم السياسة, نظراً لأن ذلك شرط من شروط إصلاح النظام.‏

ويرى بعضهم أن السياسة هي فن القيادة أكثر مما هي «علم الحكم». فالسياسة قائمة قبل انبثاق العلوم, وأهم الساسة في التاريخ لم يتعاطوا السياسة (وحتى عن غيرها من العلوم الاجتماعية) صفة «العلم» لصعوبة تطبيق الطرق العلمية على أبحاثها، ونظرياتها، وأفكارها في الاختبار، والسيطرة، والقدرة على التنبؤ, إضافة إلى عدم وجود إجماع بين العلماء بشأن القوانين والاستنتاجات الخاصة بهذا العلم. وعلى الرغم من أنّ العملية السياسيّة ـ الاجتماعية متطورة ومتغيرة أبداً, ومن تضمّن السياسة اعتبارات وعناصر غير عقلانية تماماً, واحتوائها لعوامل قيمية ـ معنوية (العدل ,الحرية, الحق, الواجب,) وحدسية, فإن علوم السياسة الحديثة تستخدم الوسائل والعلوم الإحصائية والاختبارية، والمعلوماتية، والنفسية، والمقارنة، والتاريخية.. للتحقق من الملاحظات والاستنتاجات وقياس اتجاهات الرأي العام, وبعض علاقات وبُنى الاجتماع السياسي. وبالطبع فإن استخدام مثل هذه المناهج العلمية لم يحوّل السياسة إلى علم «موضوعي» تماماً, ومع ذلك فإن السياسة, كما يشير موريس دوفيرجيه, علم معترف به في معظم الجامعات كعلم مستقل، له أساتذته، وكتبه، ومناهجه المقررة, وعشرات الكتب والمؤلفات السنوية المندرجة تحت تصنيفه.‏

ويتصل علم السياسة بالعلوم الطبيعية (الإنسان حيوان يعيش في محيط جغرافي، ويعتمد في بقائه على الموارد الطبيعية ومشتقاتها) وبالعلوم الاجتماعية؛ لأن السياسة هي جزء من حياة الإنسان الاجتماعية متفاعلة مع الأجزاء الأخرى, وبعلم التاريخ؛ لأن التاريخ هو من وجهة معيّنة سجل الأحداث السياسية وتطور المؤسسات والفلسفات السياسية.«فالسياسة هي ثمرة التاريخ», والتاريخ هو جذر علوم السياسة. كما أن السياسة متصلة أيضاً بعلم الأخلاق والفلسفة, لأن هناك منحىً نمطياً وقيمياً وأخلاقياً في الاتحاد السوفييتي السابق، وبلدان المنظومة الاشتراكية) «الاقتصاد السياسي», لأن الاقتصاد يشكّل لبّ نشاط الدولة (قوانين الملكية, والنقود, والضرائب، والتجارة, والأجور, والنقابات, والخدمات العامة, ومشاريع التنمية, والضمانات الاجتماعية, والإنفاق العام..إلخ). كذلك فإنّ الاتجاهات الأكاديمية المعاصرة تشدّد على أهمية علم النفس الفردي والجمعي والسلوكي في فهم وإدراك اتجاهات الأفراد، والجماعات، والمجتمعات, بغية التنبؤ بردود أفعالهم إزاء هذه المسألة السياسية أو تلك, وعلى أهمية علم الاجتماع، وارتباطه العضوي والمباشر بعلم السياسة إلى درجة نشوء علم الاجتماع السياسي(9).‏

ثانياً: نشأة علم السياسة ومصادر الفكر السياسي:‏

هناك شبه إجماع بين مؤرّخي الفكر السياسي على أن الحضارة اليونانية الكلاسيكية هي المصدر الأساسي الأعظم للفكر السياسي الحديث في النطاق الثقافي المتوسطي ـ الأوروبي. ويشير بعضهم إلى نصوص «الكتاب المقدّس» والقرآن بوصفها تشكّل أيضاً مصدراً مُعيّناً للفكر السياسي ذي النشأة الدينية.‏

وتُعَدّ الحاضرة , المدينة (polis) المنبع السياسي الأصيل لأهم الإنجازات المرموقة فيما سُمّي «المعجزة اليونانية», أي: لمجمل الابتكارات المؤسساتية والأدبية والفنية والعلمية , النظرية و التقنية. فعندما تكونت الحاضرة خلال القرن الرابع قبل الميلاد, كانت الهيئات السياسية ـ الاجتماعية التقليدية, في حضارة الإيلياد, هي الممالك من الطراز الإقطاعي؛ الذي تسود فيه العائلات الكبرى, حيث تمارس سلطانها السياسي والديني والحقوقي والاقتصاد على شعب صغير من الفلاحين، والأقنان، والمزارعين، والحرفيين، والصيادين, وعلى «الأراضي البربرية» (البكر, البعل, البور), وعلى إمبراطوريات واسعة يحكمها طاغية يفرض هيمنة مطلقة، ويعتمد على طبقات مغلقة من العسكريين والكهنة، ومن التقنيين ـ الإداريين.‏

وفي هذا التاريخ, أي في أثناء عصر اليونان «الإقطاعي», نشبت نزاعات عنيفة بين العائلات الكبرى من جهة, وبين هذه العائلات وسكان الأرياف والمدن, المتزايدة الأعداد والنشاط, من جهة أخرى. وصارت هذه النزاعات شديدة العنف في عدد من الأقاليم, بحيث إن الأطراف المتنازعة توافقت على تشكيل «هيئة تحكيم» من مجموعة أشخاص معروفين بحكمتهم، وتجربتهم، ونزاهتهم لوضع قواعد «اللعبة» الاجتماعية، ومعايير الأحكام والتعويضات وغيرها.‏

هكذا كانت الأحوال في أثينا, حيث توالى دراكون وسولون, قرابة العام 600 قبل الميلاد, على القيام بإعلان الأسس الناظمة للعلاقات بين أعضاء المجتمع. وكان هؤلاء «المُشرِّعون» لا يهدفون إلى وضع دستور بقدر ما كانوا ينشدون تعيين أحكام أساسية يعرفها الجميع، ويقبلون بها, حيث تحدِّد بدقة مساهمة كل فرد في الدفاع عن المدينة، وفي إدارة شؤونها المشتركة, وتحدِّد الجهات/المراتب التي يعود إليها أمر إصدار الأحكام الملزمة للمجتمع, وأمر حل النزاعات الخاصة، ومعاقبة مرتكبي الجرائم والجنح المختلفة.‏

على هذا النحو حلّت نصوص بيّنة وعامة محلّ أعراف كانت تترك غالباً لتأويل محاكم تنعقد في السر: إنها القوانين . ومما يلاحظ أن العمل الأساسي الذي قام به دراكون, يتمثل بتشدده بأن يعلن القضاة ـ علانية ـ المسوغات والحجج التي تضفي الشرعية على الأحكام الصادرة عنهم.‏

وفي منتصف القرن الرابع قبل الميلاد, عندما أراد المؤرخ هيرودوتس تفسير انتصار اليونان على القبائل الهمجية خلال الحربين الميديّتين, أظهر تفوق المواطنين المحاربين؛ الذين لا سيد آخر لهم سوى القانون والذين يأمرون أنفسهم بأنفسهم, على محاربي الإمبراطورية الفارسية, الذين كانوا يخضعون لسلطة رجل واحد, وليس لهم من دوافع أخرى سوى المصلحة والخوف.‏

ويرى دارسو الفكر السياسي أن القانون من حيث هو أساس للتنظيم السياسي والاجتماعي, المنظور إليه كنص وضعه شخصٌ أو أشخاص يرشدهم التفكير والتروي, إنّما يسلِّم به أولئك الذين سيصبحون من رعاياه, فهو موضوع احترام لا يستبعد حصول تعديلات تُراقَب بكلّ دقّة, وهو ربما يكون أهم ابتكار سياسي في اليونان الكلاسيكية, فالقانون هو الذي يمنح الروح للحاضرة, سواء أكانت حاضرة ديمقراطية , أم أوليغارشية أو ملكيّة(10).‏

– إن كلمة «سياسة» (بوليتيك) مشتقة من الكلمات اليونانية: «بوليس, بوليتايا, بوليتيكا, وبوليتيكية»:‏

– بوليس: البلدة, المدينة, المقاطعة, أو: أيضاً تجمع السكان الذين يؤلفون المدينة.‏

– بوليتايا (politeia): الدولة, الدستور, النظام السياسي, الجمهورية , المواطنية (ب�تيك) مشتقة من الكلمات اليونانية: «بوليس, بوليتايا, بوليتيكا, وبوليتيكية»:‏

– بوليس: البلدة, المدينة, المقاطعة, أو: أيضاً تجمع السكان الذين يؤلفون المدينة.‏

– بوليتايا (politeia): الدولة, الدستور, النظام السياسي, الجمهورية , المواطنية (بمعنى حقوق المواطنين).‏

– بوليتيكا: جمع بوليتيكوس: الأمور السياسية, الأمور الم�اعية: الريف المجاور, الموشّى بالقرى والمزارع: مرفأ, هو البيريه. وإن هذا المجموع هو الذي شكل أثينا (Attique) القديمة بمعناها التاريخي. فالصيغة والبنية السياسية الموحدة لهذه المدينة, تكونت مثل أية مقاطعة سويسرية من مجموعة مركبة ومتداخلة.‏

ولا شك في أن وجود البلدة ضروري. فهي ـ كما يقول «موريس ديفورني»ـ «عضلة القلب», ولكنها ليست المدينة كلّها(11).‏

فبالنسبة للمفهوم نفسه, فهنالك علاقة بين المدينة القديمة (Cite) ـ أي الحاضرة ـ والدولة العصرية.‏

وقد وضع «ريمون بوانكاريه» كتاباً مُبسَّطاً للجميع, سماه «ما تتطلبه المدينة». وكان يعني به متطلبات الدولة الفرنسية, وليس حاجات باريس .‏

إن العلاقة اللغوية بين المدينة والدولة, متحققة باللاتينية, من خلال كلمة «رسبو بليكا» (Respallica) وكلمة «تابوليتيكا», أي: «الأمور المدنية», وما تزال أصداء تلك العلاقة اللغوية موجودة في التعابير التي كانت متداولة في القرن الثامن عشر, مثل «القَسَم المدني» و«الروح المدنية» و« السياسة المدنية».‏

وقد اقترن تعبير «رسبوبليكا» مع الوقت بكلمة الدولة، حيث أصبحت «الحقوق العامة» تعود إلى «وضع الجمهورية» , أما «الحقوق الخاصة», فإنها تعود إلى «منفعة الأشخاص».‏

ومنذ القرن الثالث عشر للميلاد استعملت كلمة «سياسية» (بوليتيك) بالفرنسية بمعناها اللاتيني. وفي كتاب «جميع الأشياء» يشير «برونيتولاتيني» (Brunetto latini) إلى أن «بوليتيك ـ هي حكومة المدن, التي هي أسمى علم وأنبل الدوائر الموجودة على الأرض, وأن السياسة «بوليتيك» تشمل عامة , جميع الفنون التي تشبع حاجات المجتمع الإنساني»(12).‏

وإذا كنا نتفق على حقيقة أن الإنسان كائن سياسي, يتميز عن سائر الكائنات الأخرى بالتنظيم السياسي الإرادي, وإذا ما سلّمنا بالقول: إن علم السياسة يعنى «التفكير بالظواهر السياسية التي يثيرها تجمع الكائنات البشرية في المدينة , فإن ذلك يعني أن علم السياسة قديم قدم الفكر الإنساني, وندين له ببعض الروائع الخالدة التي أنتجتها الروح الإنسانية».(13)‏

وكانت نشأته الأولى في مواطن الحضارات الأولى التي شيّدها الإنسان, وفي الحواضر التي ازدهرت في «…أوائل الحضارات المدائنية التي ترعرعت في وادي النيل, وعلى ضفاف دجلة والفرات, وعلى شواطئ الأندوس. فقد خلفت لنا هذه الحضارات أقدم التشريعات القانونية, التي تدل على وجود عقول مفكّرة عنيت بوضع نظريات حول ما كانوا يقومون به».(14)‏

وشأنه شأن العلوم الأخرى, فقد كانت نشأته المبكرة أسطورية, ثم تقدّم الإنسان من المعرفة الأسطورية إلى المعرفة العلمية.‏

ويذكّرنا تقدّم الإنسان هذا من التصورات السياسية الأسطورية الأولى إلى الأفكار السياسية المنهجية المنتظمة بالقانون، الذي صاغه «أوغست كونت» (Auguste Comte)(1798-1857) حول الأطوار الثلاثة لتاريخ الفكر الإنساني: الطور اللاهوتي, والطور الميتافيزيقي, والطور العقلاني الوضعي. حيث حاول الإنسان في المرحلة الأولى (اللاهوتية) أن يعزو الظواهر المختلفة إلى قوى تفوق الطبيعة، أو إلى الله. وعلى أساس ذلك عمل بعض علماء السياسة على تقسيم نمو الفكر السياسي, انطلاقاً من طوره التيولوجي أو اللاهوتي, وهو الطور الذي سادت فيه أفكار سياسية تعود بالدولة لأصل ديني, وتتحدث عن حقوق الملوك الإلهية, وإن طوره الميتافيزيقي هو الذي يغلب فيه البحث عن أهل الدولة وغايتها, دون الاهتمام بعلاقة هذا الأصل بتدبير شؤون الدولة. فطبقاً للمفهوم الميتافيزيقي, فإن أساس كل الظواهر متوضعٌ في الجواهر الميتافيزيقية المجردة, وليس في أصولها المادية ـ الواقعية الملموسة. أما الطور الإيجابي (الوضعي) فهو الذي يتجه فيه البحث السياسي نحو توضيح العلاقة بين الأصول، والمبادئ، والسلوك السياسي, ويحاول الفكر السياسي فيه أن يضع قواعد علمية للسيرة السياسية.‏

ولكن هذه الأطوار لا تتعاقب في تاريخ الفكر السياسي وفقاً لحركة تسلسلية منطقية مطردة. وهي متداخلة في مختلف الثقافات والأزمنة إلى حد يجعل من الصعب العثور على طور ناصع في أي عصر من العصور. ففي عصرنا الراهن, الموسوم بعصر العلم، نلمس حالات كثيرة من التداخل بين التفكير السياسي الأسطوري (الخرافي, غير المنطقي, غير الواقعي) والتفكير السياسي العلمي. وهي أحوال وأنماط متداخلة أيضاً في الإنسان الواحد في أوقات وأوضاع متعددة, بحيث تلتبس الأسطورة والعقيدة والنظرية السياسية حتى في العالم السياسي نفسه.(15)‏

ولكن بالرغم من هذا التداخل والالتباس, فإنّ الوجهة التي غلبت على التفكير السياسي، الإنساني هي وجهة منهجية علمية, تسمح بوصف حركته التاريخية بأنها حركة تطور من الأسطورة السياسية إلى النظرية العلمية السياسية.‏

وفي هذا السياق يؤكد الدكتور حسن صعب: أن العالم السياسي هو عنوان هذا التطور لا القائد السياسي، ولا الرسول السياسي؛ لأن وظيفة الأولى استخراج النظريات السياسية من الوقائع والأحداث السياسية. فهو ملتزم بالحقيقة وحدها, ومقيد بالمنهج الذي يوصل إليها. وأما القائد أو الرسول السياسي, فإن وظيفته الرئيسية وظيفة عملية تطبيقية. وتتداخل في فكرة السياسي عناصر أسطورية وغيبية وعقلانية. ومهما بلغ تفكيره من المنهجية, واتسعت معرفته النظرية بالسياسة, فإن سلوكه السياسي وليد التفاعل بين فكرة السياسي وواقعه السياسي, أي بين معرفته السياسية وتجربته السياسية(16).‏

لكنّ الوقائع الحاصلة تقدّم بدورها أمثلة ملموسة وكثيرة على عدم دقّة هذا الاستنتاج المتسرع. ومن هذه الأمثلة نشير إلى لينين, وستالين, وماوتسي, تونغ, وتيتو, وكاسترو, وغاندي, ونهرو, وجمال عبد الناصر, والقذافي, وحافظ الأسد.. وغيرهم من القادة والزعماء السياسيين؛ الذين جمعوا بين القيادة، والزعامة السياسية، والتفكير النظري السياسي والاستراتيجي. حتى إن نظريات سياسية صنّفت بأسمائهم, حيث وضعوا أسسها، وجرّبوها, ثم أعادوا النظر ببعض عناصرها ومكوّناتها, وصولاًَ إلى طرْحها بصورها وأشكالها وملامحها شبه النهائية, تاركين لعلماء السياسة والمفكرين والباحثين مجالات دراستها، وتحليل مفرداتها، وأنساقها، وتأطيرها وفق النظريات السياسية المعروفة، ومنهجياتها العلمية اللازمة.‏

وبمناسبة الحديث على الأسطورة السياسية من حيث إنها تشكل النقيض للفكر العلمي السياسي, فإننا نشير إلى رأي المفكر الفرنسي جورج سوريل (George Sorel) (1857-1922), الذي يرى أن الأسطورة ضرورة من ضرورات العقيدة السياسية والفعالية السياسية. ففي كتابه «أفكار حول العنف» يؤكد سوريل أن العالم الحديث بحاجة إلى الأساطير, ولاسيما الأساطير الثورية؛ التي تقابل الأساطير الليبرالية حول التقدم، والحرية، والمساواة. حيث يُعرِّف الأسطورة بأنها «مجموعة متماسكة من الصور المحرّكة». فهي إذاً وسائل للتأثير على الحاضر, ولاستفزاز النضالي السياسي, وهي «نظام من الصور يحرض على النضال والقتال..», وهو نظام كلّي إيماني يأخذ بنفس الإنسان، وإن لم يكن نظاماً عقلانياً(17).‏

أما عالم السياسة مكييفر فيعطي في كتابه «تكوين الدولة» معنىً أوسع للأسطورة السياسية, حيث يقول:«إن الأوامر الاجتماعية، والبناء الاجتماعي,بل إن الكينونة الاجتماعية بحد ذاتها لا بدّ أن تستند إلى الأسطورة.. والتغيرات الحاصلة في بنية المجتمع تستوحى من تغييرات أسطورية، وتوحي بمثل هذه التغيّرات. فالمجتمع يتنفس الأسطورة كما يتنفس الهواء.. وتتخذ الأسطورة في المجتمعات المختلفة أشكالاً لا حصر لها, ولكن قوام كل المركبات الأسطورية مهما اختلفت أشكالها, أسطورة القدرة, أو أسطورة السياسة»(18).‏

وعودة إلى نشأة علم السياسة, فإن تطوّره المنهجي يشير إلى ارتباطه بالمدينة اليونانية, وأنّ اليونان هم آباؤه ومؤسسوه الأوائل؛ لأنهم كانوا أول من نظَّم المعرفة السياسية بشكل منهجي, كما كانوا أول من منهجَ المعرفة الإنسانية في أوروبا والشرق الأدنى, إن لم يكن في العالم كلّه.‏

والحقيقة أن الحضارة الإغريقية هي أم الحضارة الأوروبية وأصلها , وقد أضفت عليها طابعها الغالب, وهو طابع العلم. على أن اليونان القديمة (أو الحضارة الإغريقية) هي إلى حدٍ ما ابنة حضارات الشرق الأدنى القديمة(19).‏

ولكنها ـ كما يقول الدكتور حسن صعب ـ الابنة التي بزّت الأم في منهجية المعارف المقتبسة, وفي مقدمتها المعرفة السياسية. فصحيحٌ أن حضارات الشرق الأدنى أعرق من حضارة اليونان في أساطيرها، وحِكَمِها، وتشريعاتها القانوني

علم السياسة ومقدّماته اليونانية ـــ د.خلف الجراد (3)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

يظنّ كثيرون ـ خطأً ـ أنّ السياسة هي فن المراوغة، والحيلة، والدهاء, أو القدرة على المناورة والتلاعب, وعدم كشف الحقائق والأوراق .. وغير ذلك من فنون وتكتيكات معروفة.‏

والحقيقة أن ما أشرنا إليه من أشكال وأساليب ليست هي السياسة بدلالاتها الجوهرية, بل أنها بعض الوسائل المتّبعة في الوصول إلى الأهداف، والغايات، والاستراتيجيات السياسيّة.‏

ومن الأمور المؤسفة أن السياسة ـ كعلم إنساني شديد الأهمية والتأثير ـ تعرضت إلى أضخم، وأخطر، وأسوأ ألوان التشويه والانحراف على مدى آلاف السنين من تاريخ الحضارة البشرية وتكوينات المجتمع المدني, إلى درجة أن العُرف الشائع عن السياسة أنها فنٌّ، وليست نسقاً معرفياً وعلماً قائماً بحدّ ذاته, له مكوّناته، وبنيته، وطرائقه البحثية والاختبارية, ونظرياته, وتطبيقاته العملية في هذه البيئة المجتمعية أو تلك.‏

وقد يكون من الضروري, بل من الواجب الحتمي أن تعنى دورية متخصصة بشؤون الفكر السياسي ـ مثل مجلّتنا هذه ـ بالتعريفات، والمصطلحات، وتحديد المعاني والدلالات السياسية, حيث يمكنها من خلال ذلك كلّه تكوين رأي عام مستنير, يدرك أبعاد المفاهيم والألفاظ المتداولة في الفكر السياسي, ويتمكن من استخدامها الصحيح والعلمي بأماكنها المناسبة, دون شطط، أو مبالغة، أو فجاجة وجهالة.‏

أولاً: معاني كلمة «سياسة»:‏

جاء في «لسان العرب» لابن منظور أن «السَّوْس» تعني الرياسة, حيث يقال ساسوهم سَوْساً, وإذا رأّسوه قيل: سوَّسوه، وأساسوه. وساسَ الأمرَ سياسةً: قام به. ويقال: سُوِّسَ فلانٌ أمَر بني فلان, أي: كُلِّف سياستَهم. وقال الجوهريُّ: سُسْت الرعيةَ سياسةً.‏

ويقال: فلان مُجرَّبٌ قد ساسَ وسيسَ عليه, أي: أَمَر وأُمِّرَ عليه.‏

والسياسة: القيام على الشيء بما يُصلحه(1). والمقصود بالأمر في التراث السياسي العربي هو: أمر الناس وشؤونهم. وقد شاعت لفظة «أمر» لتدلّ ـ بصفة عامة ـ على الحكم، والسلطان، والدولة.‏

وقد تطوّر المعنى الاصطلاحي لكلمة «سياسة» في الاستعمال إلى السياسة الإلهية, والسياسة الخاصة, والسياسة العامة(2).‏

وعرفت السياسة المدنية بأنها «علم بمصالح جماعة متشاركة في المدنيّة.. سميت بها لحصول السياسة المدنية, أي: مالكية الأمور المنسوبة إلى البلدة بسببها, وفي بعض الكتب يسمّى: علم السياسة, والحكمة السياسية, والحكمة المدنية, وسياسة الملك, وفائدتها أن تعلِّم كيفية المشاركة التي بين أشخاص الناس, ليتعاونوا على مصالح الأبدان, ومصالح بقاء النوع»(3).‏

وذكر الدكتور جميل صليبا في معجمه الفلسفي أن السياسة مصدر ساس, وهي تنظيم أمور الدولة, وتدبير شؤونها. وقد تكون شرعية، أو تكون مدنية. فإذا كانت شرعية جاءت أحكامها مستمدّة من الدين, وإذا كانت مدنيّة كانت قسماً من الحكمة العملية, وهي الحكمة السياسية, أو علم السياسة.‏

وأضاف: موضوع علم السياسة عند قدماء الفلاسفة هو البحث في أنواع الدول والحكومات, وعلاقتها بعضها ببعض, والكلام على المراتب المدنية وأحكامها, والاجتماعات الإنسانية الفاضلة والرديئة, ووجوه استبقاء كل منها, وعلّة زواله, وكيفية رعاية مصالح الخلق، وعمارة المدن وغيرها.‏

أما الفرق بين السياسة النظرية والسياسة العملية, فإن الأولى تعنى بدراسة الظواهر السياسية المتعلقة بأحوال الدول والحكومات, وهي مختلفة عن الظواهر الاقتصادية, والإدارية, والقضائية, والثقافية, على حين أن الثانية تعنى بأساليب ممارسة الحكم في الدولة لرعاية مصالح الناس اليومية، وتدبير شؤونهم وأحوالهم.‏

ويطلق على كل عمل مبني على تخطيط سابق كسياسة التنمية الاجتماعية, أو سياسة التنمية الاقتصادية, أو سياسة التعليم, أو سياسة الصحة, وغيرها.‏

والسياسي: هو المنسوب إلى السياسة, نقول: هذا أمرٌ سياسي, وهو الأمر المدني المشترك بين المواطنين الخاضعين لقوانين واحدة. ومنه الاقتصاد السياسي, والحقوق السياسية, والسلطات السياسية.‏

وإذا أطلق لفظ السياسي على من يتولى الحكم في الدولة دلَّ على نوعين من الرجال: أحدهما رجل الدولة, هو الذي يقيم الحكم على سنن العدل والاستقامة, والثاني رجل الحكم الماهر في الانتفاع بالظروف المحيطة به لتحقيق مآربه السياسية(4).‏

وقد عرَّف «معجم ليتره» السياسة عام 1870 بقوله: «السياسة علم حكم الدول».‏

وعرفها «معجم روبير» عام 1962 بقوله: «السياسة فن حكم المجتمعات الإنسانية».‏

إن التقريب بين هذين التعريفين اللذين يفصل بينهما قرن من الزمان أمر هام.إنهما كليهما يجعلان الحكم موضوع السياسة. ولكن التعريف الحديث يشمل حكم الدول، وحكم المجتمعات الإنسانية، الأخرى فكلمة الحكم تعني عندئذ, في كل جماعة من الجماعات, السلطة المنظمة، ومؤسسات القيادة والإكراه. إن الاختصاصيين يتجادلون في هذا، فبعضهم ما يزال يرى أن السياسة هي علم الدولة من حيث إن الدولة هي السلطة المنظمة في الجماعة القومية. ولكن أكثر الباحثين يرون أن السياسة هي علم السلطة المنظمة في الجماعات الإنسانية كافة(5).‏

وليس لهذا الجدال من شأن، ذلك أن الذين يعرِّفون السياسة بأنها علم السلطة عامة يعترفون هم أنفسهم بأن السلطة تبلغ في الدولة أكمل صورة, وأتم تنظيم, وأن من الواجب أن تُدرس في هذا الإطار خاصة.‏

أما في الجماعات الأخرى فهي جنين. ومع ذلك فإن تعريف السياسة بأنها «علم السلطة» يتفوق على التعريف الآخر تفوقاً أساسياً؛ لأنه وحده يسمح بالتحقق من صحة فرضيته الأساسية. فحين ندرس السلطة في جميع الجماعات دراسة مقارنة, نستطيع أن نكشف الفروق بين السلطة في الدولة والسلطة في الجماعات الأخرى إذا كان في هذه الجماعات الأخرى سلطة.‏

أما إذا اقتصرنا على دراسة السلطة في إطار الدولة وحده, دون مقارنة بينهما وبين السلطة في غير ذلك, لم نستطع أن نتحقق من صدق الفرضية؛ التي نكون قد فرضناها عن وجود فرق في الطبيعة بين الشيئين.‏

ويقترح بعضهم أن نفرق بين الجماعات الصغيرة والجماعات الكبيرة.‏

إن التنافس على السلطة في الجماعات الصغيرة إنما يقوم بين أفراد. والسلطة نفسها في هذه الجماعات الصغيرة ضعيفة التنظيم, تشبه أن تقوم على ذلك التفريق البدئي بين «الحاكمين» و«المحكومين», بين الزعماء والأعضاء. أما في الجماعات الكبيرة فإن الصراع السياسي يتناول طوائف اجتماعية , وفئات وسيطة تنشأ في داخل المجتمع الكلي , كما يتناول أفراداً. والسلطة في هذه الجماعات الكبيرة: تنظيم محكم البنيان بعضه فوق بعض درجات. إن من علماء الاجتماع من يقصرون السياسة على دراسة هذه السلطة المعقدة التي تعمل في الجماعات الكبيرة, ويبعدون منها تحليل الزعامة في الجماعات الصغيرة.‏

والواقع أن الظاهرتين أوثق ارتباطاً من أن تستطاع دراسة كل منهما على حدة. إن هناك, في مجالس الوزراء, وفي لجان الإدارة, وفي مجالس قيادة الأحزاب, وفي كل مستوى من مستويات حكم الجماعات الكبيرة , فئات صغيرة لا يمكن أن يُشكَّ في أن السلطة فيها سياسية. وإنما ينبغي أن نميز بين مستويين من التحليل, أولهما: التحليل « الميكرو سياسي» الذي يجب أن يتم على مستوى العلاقات بين الأفراد, وهي علاقات قائمة على الاتصال الشخصي, وثانيهما: التحليل «الماكرو سياسي» الذي يجب أن يتم على مستوى المجموعات الكبرى؛ التي لا وجود فيها للاتصال الشخصي, وإنما حَّلت فيها محل الاتصال الشخصي صلاتٌ بالوساطة, أو علاقات إدارية أو اتصالات مسرحية مصطنعة (مصافحة الوزير, الخطاب الذي يذيعه رئيس الدولة بالتلفزيون), فيجب أن يتم البحث على هذين المستويين في آن واحد معاً. ثم إن الانتقال من أحد هذين المستويين إلى المستوى الآخر يثير مشكلة هامة.‏

ويختلف التعريفان اللذان جاء بهما ليتره وروبير في نقطة أخرى؛ فالأول يعد السياسة علماً, والثاني لا يعدها إلا «فناً». وقد يخيل إلينا من النظرة الأولى أن عكس هذا أقرب إلى طبيعة الأمور. فالعلم السياسي في أيامنا هذه علم تعترف به جامعات العالم كلها تقريباً. إن له كراسي وأساتذة وطلاباً وأموالاًَ ترصد للبحث. وفي كل عام تُطبع عدة آلاف من الكتب أو المقالات فيه. على حين أن الناس لم يكادوا يبدؤون الكلام فيه منذ قرن: بين عامي 1859 و1872 فقط إنما أبدل جانه عنوان كتابه الضخم «تاريخ الفلسفة السياسية في علاقاتها بالأخلاق» فأحلَّ « العلم السياسي» محل « الفلسفة السياسية». وما من مؤسسة جامعية كانت تعترف بهذا العلم الذي لم يكن له مكان في هيكل المعرفة، فكأن تطور التسمية سار في عكس اتجاه التطور العلمي.‏

ومع ذلك كان التطوران متطابقين. لقد وضع ليتره تعريفه في نهاية ذلك القرن التاسع عشر؛ الذي كان الناس فيه يعتقدون بأن العلم سيتيح دراسة جميع العلاقات الإنسانية, لا الظاهرات المادية أو البيولوجية فحسب؛ في ذلك العهد الذي كان الناس فيه ينتظرون قيام «العصر الوضعي» الذي بشر به أوغوست كونت . فإذا بتطور العلوم الاجتماعية نفسها يؤدي اليوم إلى الحدِّ من تلك المطامح. إن ما نملكه اليوم من الوفرة والإتقان. ولكننا ندرك اليوم, في الوقت نفسه, الحدود التي يقف عندها استعمال هذه الأدوات، وهي حدود ضيقة. صحيح أن السياسة في عام 1964 أقرب إلى العلم منها في زمان ليتره. ففي وسع رجال الدولة في هذه الأيام أن يستعملوا إحصاءات كثيرة, ودراسات تسبر الرأي العام, وأن ينتفعوا بطرائق شتى في قيادة الجماهير, وأن يستخدموا آلات حاسبة ألكترونية, وما إلى ذلك, بل إن رجال الدولة ليستعملون اليوم هذه الأمور كلها فعلاً. ولكننا نعلم اليوم أن قطاع هذه «السياسة العلم» أصغر من قطاع «السياسة الفن» التي تستند إلى أمور غير دقيقة، ولا يمكن حسابها, أمور حدسية لا عقلية.‏

وعبث أن نؤمِّل أن يغطي القطاعُ الأولُ القطاع الثاني في يوم من الأيام تغطية كاملة, وأن تصبح السياسة علمية كلها . إن القرارات السياسية لا تعتمد على معلومات موضوعية فحسب, بل تعتمد أيضاً على أحكام تعميمية بصدد الإنسان والمجتمع. وليس يبدل من الأمر شيئاً أن لا تكون هذه الأحكام التقييمية مستقلة عن أوضاع أصحابها, وأن تكون تعبيراً عن طبقتهم الاجتماعية، أو مصالحهم الشخصية. إن الحرية ليست أبداً حرية اختيار لا تحدده أسباب: إن الحرية هي حرية اختيار تحدده أسبابٌ عاشها صاحبها. ولأن يكون هنالك مسافة بين الأهداف التي تنادي بها والأهداف التي ترمي إليها فعلاً, ولأن تغطي هذه الأهداف الثانية بتلك الأهداف الأولى تمويهاً , فليس ينفي هذا أن الاختيار السياسي إنما تحدده غاية. والعلم السياسي هام جداً؛ لأنه يفضح التغطيات ويكشف عن التمويهات، ويستطيع أن يوضِّح الأسباب الحقيقية التي حددت الاختيار،. لكنه لا يستطيع هو أن يختار.‏

وبمقدار ما تعتمد السياسة هذا الاعتماد على اختيار والتزام, تصبح مفاهيمها نسبية, فهذه المفاهيم تعرَّف على أساس مذاهب تقييمية معينة, فلا تعني في كل منها عين ما تعنيه في سائرها. إنك تستطيع أن تصوِّر وجه السياسة الماركسي, أو وجهها اللبرالي, أو وجهها المحافظ, أو وجهها الفاشستي, إلخ. ولكن ليس للسياسة وجه «موضوعي» تماماً؛ لأنه ليس هنالك سياسة موضوعية تماماًَ. إن في وسع العلم السياسي أن يفصل العناصر الموضوعية عن العناصر التي ليست موضوعية, وأن ينقد بذلك كل مذهب من المذاهب. وفي وسع العلم السياسي أن يحدد درجات ارتباط المذاهب المختلفة بعصر معيَّن, وأن يحدد تطورها. وفي وسعه أيضاً إذا هو قابل هذه المذاهب بعضها ببعض, أن يكمل بعضها ببعض، وأن ينقد بعضها ببعض: كما يستطيع المرء أن يقرِّب بين عدد من الصور الفوتوغرافية المأخوذة لشيء واحد من جهات مختلفة؛ بغية الحصول على تصور أكمل لهذا الشيء؛ الذي تظل رؤيته المباشرة مستحيلة.‏

وراء جميع المذاهب التقييمية وجميع الأحكام الخاصة, نجد موقفين أساسيين على وجه العموم . فالناس منذ أن فكروا في السياسة يترجحون بين تأويلين متعارضين تعارضاً تاماً. فبعضهم يرى أن السياسة صراع وكفاح, فالسلطة تتيح للأفراد والفئات التي تملكها أن تؤمن سيطرتها على المجتمع، وأن تستفيد من هذه السيطرة. وبعضهم يرى أن السياسة جهد يُبذل في سبيل إقرار الأمن والعدالة, فالسلطة تؤمن المصلحة العامة والخير المشترك وتحميهما من ضغط المطامع الخاصة. الأولون يرون أن وظيفة السياسة هي الإبقاء على امتيازات تتمتع بها أقلية، وتُحرم منها الأكثرية. والآخرون يرون أن السياسة وسيلة لتحقيق تكامل جميع الأفراد في الجماعة, وخلق «المدينة العادلة» التي سبق أن تحدث عنها أرسطو.‏

والانتماء إلى هذا الرأي أو ذاك يحدده الوضع الاجتماعي بعض التحديد. فالأفراد والطبقات المُضْطَّهَدَة المحرومة الفقيرة البائسة لا يمكن أن ترى أن السلطة تكفل الأمن والنظام حقاً, وإنما ترى أن السلطة تخلق صورة كاريكاتورية للأمن والنظام, تتقنع بها سيطرة أصحاب الامتيازات: فالسياسة في رأيها صراع. والأفراد والطبقات المترفة الغنية الراقية ترى أن المجتمع منسجم، وأن السلطة تحقق أمناً ونظاماً صادقين، فالسياسة عندها اندماج وتكامل. وكثيراً ما يستطيع أصحاب الرأي الأخير أن يقنعوا أصحاب الرأي الأول بأن الصراعات السياسية سيئة مؤذية خبيثة, وأن المشتركين فيها لا يهدفون إلى غير المصالح الأنانية بأساليب مشبوهة. وبذلك يستطيع أصحاب الرأي الأخير أن يخرجوا خصومهم من المعركة، فيكفلوا لأنفسهم ربحاً عظيماً. إن كل « إبعاد عن السياسة» ينفع النظام القائم, ويشجع الجمود , ويقوِّي نزعة المحافظة.‏

على أن هذين الموقفين لا يعبّران طبعاً إلا عن جزء من الواقع. فالمحافظون, حتى أكثرهم تفاؤلاً, لا يستطيعون أن ينكروا أن السياسة ـ ولو كان هدفها تحقيق التكامل الاجتماعي ـ قلَّما تبلغ هذا الهدف على نحو مرض. إن هؤلاء المعياريين المثاليين يصفون السياسة بما يجب أن تكون. أما خصومهم فهم أقرب إلى الواقعية يصفون السياسة بما هي، لكنهم لا يستطيعون هم أنفسهم أن ينكروا أن الصورة التي يرسمونها مسرفة في حلكتها. فالحكام ـ حتى أكثرهم اضطهاداً، وأقلهم عدلاً ـ يحققون وظائف ذات نفع عام, في الميادين التقنية على الأقل, ولو لم يكن ذلك إلا تنظيم مرور السيارات, وتشغيل مصلحة البريد، والهاتف، والبرق, وتأمين الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية وغيرها، لكفى.‏

ونقول على وجه العموم: إن ماهية السياسة، وطبيعتها الخاصة، ودلالتها الحقيقية هي أنها دائماً ـ وفي كل مكان ـ ذات وجهين. إن صورة «جانوس» ـ في الأساطير الإغريقية ـ تظهره كإلهٍ ذي وجهين, هي التي تمثل الدولة حقاً: إن صورة «جانوس» هذه تعبّر عن الواقع السياسي العميق. فالدولة ـ والسلطة القائمة في أي مجتمع بوجه عام ـ تقوم في كل زمان ومكان بوظيفتين في آن واحد, فهي أداة سيطرة بعض الطبقات على الطبقات الأخرى, تستعمله الطبقات الأولى لتحقيق منافعها على حساب منافع الطبقات الأخرى, وهي في الوقت نفسه أداة لإقرار نوع من النظام الاجتماعي, وتأمين نوع من تكامل الأفراد في الجماعة لمصلحة المجموع. وتختلف نسبة هذين العنصرين باختلاف العصور والظروف والبلاد, لكنهما يوجدان معاً في جميع الأحوال. ثم أن العلاقات بين الصراع والتكامل معقدة. إن كل إنكار للنظام الاجتماعي القائم هو صورةٌ ومشروعٌ لنظام اجتماعي أعلى وأصدق. إن في كل صراع صبوة إلى تكامل وجهداً من أجل تحقيق حلم التكامل. وكثير من الناس يرون أن الصراع والتكامل ليس وجهين متعارضين, بل هما عملية كلية واحدة, فالصراع يؤدي بطبيعته إلى تكامل, والتعارضات تتجه بتطورها نفسه إلى زوالها وإلى قيام « المدينة» التي يتحقق فيها الانسجام.‏

إن الليبراليّين الكلاسيكيين يرون أن التكامل يولِّده الصراع أثناء تطوره: فالظاهرتان متصاحبتان. فالتنافس يؤدي إلى انتشار الإنتاج على أوسع مدى, وإلى توزيع الثمرات على أحسن وجه: إنه يؤدي في كل لحظة إلى أفضل اقتصاد ممكن. والتنافس السياسي يؤدي إلى نتائج مماثلة، فبفضل هذا التنافس السياسي يصل إلى الحكم أفضل الناس وأكثرهم كفاءة وأحسنهم, فيحكمون لتحقيق مصلحة المجموع. إن الانسجام السياسي, الذي لا يعكره إلا أناس شاذون، منحرفون مرضى, يوازي «الانسجامات الاقتصادية». ويرى الماركسيون من جهتهم أن الصراع هو محِّرك تطور المجتمعات, وهو يؤدي حتماً إلى زوال التعارضات وقيام مجتمع بلا نزاعات. ولكن هذا التكامل لا يظهر إلا في خاتمة المطاف من تطور طويل, لا يظهر إلا في مستقبل بعيد. ففي كل مرحلة من المراحل يتحقق تكامل جزئي, يتحقق«مركب» مايلبث أن يصبح مصدراً جديداً لتناقض وتعارض. والانسجام السياسي يتطور على نحو إيقاعي إلى أن يبلغ من التاريخ خاتمة المطاف(6).‏

من ناحية أخرى, فقد عرَّفت «الموسوعة الفلسفية» الروسية السياسة: بأنها المشاركة في شؤون الدولة وتوجيهها. حيث تتضمن السياسة مشكلات بنية الدولة وإدارة البلاد والمجتمع والطبقات, ومسائل الصراع الحزبي.. إلخ. فالمصالح الأساسية للطبقات الاجتماعية المختلفة (والمتصارعة) والعلاقات الناشئة بين الطبقات المتناحرة تنعكس بصورة وأوضاع مواقف مباشرة وغير مباشرة في السياسة. كذلك تعبّر السياسة عن العلاقات بين الأمم والدول (السياسة الخارجية). وتنشأ العلاقات بين الطبقات, وبالتالي بين سياساتها عن وضعها الاقتصادي وأفكارها السياسية.‏

وفي حين أنّ المؤسسات القائمة على أساسها تشكل «البنية الفوقية», لكن ذلك لا يعني أن السياسة هي نتيجة سلبية أو حتمية للاقتصاد. لأن السياسة كي تكون قوة تحول كبيرة ينبغي أن تعكس بطريقة صحيحة وموضوعية حاجات الحياة المادية للمجتمع. ويقوم علم السياسة الحقيقي على قوانين التطور الاجتماعي؛ التي تتلاءم مع مصالح المجتمع(7) .‏

وبدورها ركّزت «الموسوعة السياسية»(8), التي أعدّها مجموعة من الباحثين والمتخصصين العرب على حقيقة أن السياسة تشكّل مركز الحياة العامة للمجتمعات البشرية, ولهذا كثرت فيها التعريفات والاجتهادات, حيث أصبح نشوء السياسة ممكناً بعدما تخطى الإنسان مرحلة العيش البدائي, وبعدما أدرك ضرورة الحياة الاجتماعية.‏

فالسياسة ـ بحسب الموسوعة ـ هي فن ممارسة القيادة والحكم وعلم السلطة أو الدولة , وأوجه العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وفي تعريف أكثر دقّة وشمولاً يمكن القول بأن السياسة هي النشاط الاجتماعي, الفريد من نوعه؛ الذي ينظم الحياة العامة, ويضمن الأمن، ويقيم التوازن والوفاق ـ من خلال الشرعية والسيادة ـ بين الأفراد والجماعات المتنافسة والمتصارعة في وحدة الحكم المستقلّة،على أساس علاقات القوة , والذي يحدّد أوجه المشاركة في السلطة بنسبة الإسهام والأهمية في تحقيق الحفاظ على النظام الاجتماعي، وسير المجتمع.‏

وفي تعريف آخر (للموسوعة السياسية): السياسة هي النشاط الاجتماعي المدعوم بالقوة المستندة إلى مفهوم ما للحقّ أو للعدالة لضمان الأمن الخارجي والسلم الاجتماعي الداخلي للوحدة السياسية, ولضبط الصراعات والتعدد في المصالح ووجهات النظر للحيلولة دون الإخلال بتماسك الوحدة السياسية, باستخدام أقل حد ممكن من العنف. وفي تعريف ثالث: هي علم دراسة المصالح المتضاربة وانعكاسها على تكوين السلطة والحفاظ على امتيازات الطبقة الحاكمة.‏

وفي تعريف رابع هي الجهد لإقامة النظام والعدل, وتغليب الصالح العام، والمصالحة الاجتماعية المشتركة في وجه ضغوط المصالح الفئوية.‏

مع الإشارة هنا إلى تعريف السياسة بطريقة نقدية أو ساخرة, كقول دزرائيلي: «إن السياسة هي فن حكم البشر عن طريق خداعهم», أو القول بأنها «فن تأجيل تأزم المشكلات والمعضلات», إلى القول بأن «السياسة هي صراع أقليات منظمة», إلى قول نابليون بونابرت: «بأن السياسة هي تنظيم الجماهير المستعدة للتضحية في سبيل المُثل».‏

وتضيف «الموسوعة السياسية»: مهما يكن من أمر تنوّع تعريفات السياسة، فإن المؤكد هو أنها من حيث كونها الوسيلة الاجتماعية الوحيدة للتنسيق والتوفيق بين المطالب السياسية والاجتماعية اللامتناهية للفئات والجماعات الاجتماعية، وبين الموارد المتناهية والمحدودة للمجتمع عن طريق الكوابح وتنمية مشاعر التضامن الاجتماعي، وحفظ السلم والاستقرار, فإنها شكلت, ـ تاريخياً ـ الأرضية الأساسية الضرورية للتمدن، والحياة الاجتماعية المتقدمة.‏

لقد لامست السياسة جميع الجوانب الأخرى للحياة الاجتماعية, وأقامت المناخ الملائم للحفاظ عليها، وتنميتها, ومن هنا جاء قول الفيلسوف اليوناني، ورائد علم السياسة أرسطو, بأن: السياسة هي علم السيادة و« سيدة العلوم» . فهي «سيّدة» كممارسة أنها تعنى بالمسائل الحيوية في المجتمع, مثل تحديد حقوق المواطن، وواجباته الاجتماعية, ووجهة الثقافة وقضايا السلم والحرب.. إلخ. وهي «سيدة العلوم» كدراسة وأفكار تعنى بتوضيح المفاهيم (العدل, الحرية, الحق…), وتحديد الغايات والوسائل والخيارات, ومقارنة البدائل.. وبالتالي تؤثر بشكل مباشر، أو غير مباشر في اعتماد الخيارات، والحكم عليها.‏

أما بشأن العلاقة بين الممارسة والفكر, تقول « الموسوعة السياسية»: إنّ التفريق بين الممارسة والنظرية, بين العمل والفكر في السياسة مسألة لا تخلو من الصعوبة والتصنّع بدرجة أكبر مما يبدو للوهلة الأولى. فالسياسي يحمل ـ بطريقة أو بأخرى، وبدرجة أو بأخرى ـ نظرة أو مفاهيم أو نظرية سياسية تحدّد له ملامح مسار عمله السياسي. كذلك فإن عالم السياسة يستند في جهوده ونظراته إلى الأعمال السياسية السابقة, ويقدّم خطة عمل مقبلة مستمدة من الواقع السياسي، ومتوجهة إليه في آنٍ معاً.‏

وقد سعى عدد من العلماء والفلاسفة والدارسين للسياسة نحو إقامة أنظمة سياسية مثالية (جمهورية أفلاطون, المدينة الفاضلة..إلخ), وتركوا أعمق الأثر في تاريخ الفكر السياسي، وبالتالي في التاريخ السياسي, مثل أرسطو, أو جمعوا بين الممارسة والفكر السياسي مثل العلاّمة العربي، وعالم الاجتماع والسياسة الأشهر عبد الرحمن بن خلدون، رائد فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع السياسي, أو عملوا مستشارين للحكام مثل ماكيا فيللي ـ صاحب كتاب «الأمير»ـ وغيرهم. وقد ذهب أفلاطون في جمهوريته ـ كتاب الجمهورية ـ إلى أنه من الضرورة بمكان كبير أن تنشأ مؤسسة عليا خاصة لتدريس علم السياسة وتدريب رجال الدولة؛ لأن قيادة الدولة هي العلم الأعلى، والمسألة الأهم في المجتمع. أما أرسطو فقد ذهب إلى القول بضرورة إيجاد علم السياسة, نظراً لأن ذلك شرط من شروط إصلاح النظام.‏

ويرى بعضهم أن السياسة هي فن القيادة أكثر مما هي «علم الحكم». فالسياسة قائمة قبل انبثاق العلوم, وأهم الساسة في التاريخ لم يتعاطوا السياسة (وحتى عن غيرها من العلوم الاجتماعية) صفة «العلم» لصعوبة تطبيق الطرق العلمية على أبحاثها، ونظرياتها، وأفكارها في الاختبار، والسيطرة، والقدرة على التنبؤ, إضافة إلى عدم وجود إجماع بين العلماء بشأن القوانين والاستنتاجات الخاصة بهذا العلم. وعلى الرغم من أنّ العملية السياسيّة ـ الاجتماعية متطورة ومتغيرة أبداً, ومن تضمّن السياسة اعتبارات وعناصر غير عقلانية تماماً, واحتوائها لعوامل قيمية ـ معنوية (العدل ,الحرية, الحق, الواجب,) وحدسية, فإن علوم السياسة الحديثة تستخدم الوسائل والعلوم الإحصائية والاختبارية، والمعلوماتية، والنفسية، والمقارنة، والتاريخية.. للتحقق من الملاحظات والاستنتاجات وقياس اتجاهات الرأي العام, وبعض علاقات وبُنى الاجتماع السياسي. وبالطبع فإن استخدام مثل هذه المناهج العلمية لم يحوّل السياسة إلى علم «موضوعي» تماماً, ومع ذلك فإن السياسة, كما يشير موريس دوفيرجيه, علم معترف به في معظم الجامعات كعلم مستقل، له أساتذته، وكتبه، ومناهجه المقررة, وعشرات الكتب والمؤلفات السنوية المندرجة تحت تصنيفه.‏

ويتصل علم السياسة بالعلوم الطبيعية (الإنسان حيوان يعيش في محيط جغرافي، ويعتمد في بقائه على الموارد الطبيعية ومشتقاتها) وبالعلوم الاجتماعية؛ لأن السياسة هي جزء من حياة الإنسان الاجتماعية متفاعلة مع الأجزاء الأخرى, وبعلم التاريخ؛ لأن التاريخ هو من وجهة معيّنة سجل الأحداث السياسية وتطور المؤسسات والفلسفات السياسية.«فالسياسة هي ثمرة التاريخ», والتاريخ هو جذر علوم السياسة. كما أن السياسة متصلة أيضاً بعلم الأخلاق والفلسفة, لأن هناك منحىً نمطياً وقيمياً وأخلاقياً في الاتحاد السوفييتي السابق، وبلدان المنظومة الاشتراكية) «الاقتصاد السياسي», لأن الاقتصاد يشكّل لبّ نشاط الدولة (قوانين الملكية, والنقود, والضرائب، والتجارة, والأجور, والنقابات, والخدمات العامة, ومشاريع التنمية, والضمانات الاجتماعية, والإنفاق العام..إلخ). كذلك فإنّ الاتجاهات الأكاديمية المعاصرة تشدّد على أهمية علم النفس الفردي والجمعي والسلوكي في فهم وإدراك اتجاهات الأفراد، والجماعات، والمجتمعات, بغية التنبؤ بردود أفعالهم إزاء هذه المسألة السياسية أو تلك, وعلى أهمية علم الاجتماع، وارتباطه العضوي والمباشر بعلم السياسة إلى درجة نشوء علم الاجتماع السياسي(9).‏

ثانياً: نشأة علم السياسة ومصادر الفكر السياسي:‏

هناك شبه إجماع بين مؤرّخي الفكر السياسي على أن الحضارة اليونانية الكلاسيكية هي المصدر الأساسي الأعظم للفكر السياسي الحديث في النطاق الثقافي المتوسطي ـ الأوروبي. ويشير بعضهم إلى نصوص «الكتاب المقدّس» والقرآن بوصفها تشكّل أيضاً مصدراً مُعيّناً للفكر السياسي ذي النشأة الدينية.‏

وتُعَدّ الحاضرة , المدينة (polis) المنبع السياسي الأصيل لأهم الإنجازات المرموقة فيما سُمّي «المعجزة اليونانية», أي: لمجمل الابتكارات المؤسساتية والأدبية والفنية والعلمية , النظرية و التقنية. فعندما تكونت الحاضرة خلال القرن الرابع قبل الميلاد, كانت الهيئات السياسية ـ الاجتماعية التقليدية, في حضارة الإيلياد, هي الممالك من الطراز الإقطاعي؛ الذي تسود فيه العائلات الكبرى, حيث تمارس سلطانها السياسي والديني والحقوقي والاقتصاد على شعب صغير من الفلاحين، والأقنان، والمزارعين، والحرفيين، والصيادين, وعلى «الأراضي البربرية» (البكر, البعل, البور), وعلى إمبراطوريات واسعة يحكمها طاغية يفرض هيمنة مطلقة، ويعتمد على طبقات مغلقة من العسكريين والكهنة، ومن التقنيين ـ الإداريين.‏

وفي هذا التاريخ, أي في أثناء عصر اليونان «الإقطاعي», نشبت نزاعات عنيفة بين العائلات الكبرى من جهة, وبين هذه العائلات وسكان الأرياف والمدن, المتزايدة الأعداد والنشاط, من جهة أخرى. وصارت هذه النزاعات شديدة العنف في عدد من الأقاليم, بحيث إن الأطراف المتنازعة توافقت على تشكيل «هيئة تحكيم» من مجموعة أشخاص معروفين بحكمتهم، وتجربتهم، ونزاهتهم لوضع قواعد «اللعبة» الاجتماعية، ومعايير الأحكام والتعويضات وغيرها.‏

هكذا كانت الأحوال في أثينا, حيث توالى دراكون وسولون, قرابة العام 600 قبل الميلاد, على القيام بإعلان الأسس الناظمة للعلاقات بين أعضاء المجتمع. وكان هؤلاء «المُشرِّعون» لا يهدفون إلى وضع دستور بقدر ما كانوا ينشدون تعيين أحكام أساسية يعرفها الجميع، ويقبلون بها, حيث تحدِّد بدقة مساهمة كل فرد في الدفاع عن المدينة، وفي إدارة شؤونها المشتركة, وتحدِّد الجهات/المراتب التي يعود إليها أمر إصدار الأحكام الملزمة للمجتمع, وأمر حل النزاعات الخاصة، ومعاقبة مرتكبي الجرائم والجنح المختلفة.‏

على هذا النحو حلّت نصوص بيّنة وعامة محلّ أعراف كانت تترك غالباً لتأويل محاكم تنعقد في السر: إنها القوانين . ومما يلاحظ أن العمل الأساسي الذي قام به دراكون, يتمثل بتشدده بأن يعلن القضاة ـ علانية ـ المسوغات والحجج التي تضفي الشرعية على الأحكام الصادرة عنهم.‏

وفي منتصف القرن الرابع قبل الميلاد, عندما أراد المؤرخ هيرودوتس تفسير انتصار اليونان على القبائل الهمجية خلال الحربين الميديّتين, أظهر تفوق المواطنين المحاربين؛ الذين لا سيد آخر لهم سوى القانون والذين يأمرون أنفسهم بأنفسهم, على محاربي الإمبراطورية الفارسية, الذين كانوا يخضعون لسلطة رجل واحد, وليس لهم من دوافع أخرى سوى المصلحة والخوف.‏

ويرى دارسو الفكر السياسي أن القانون من حيث هو أساس للتنظيم السياسي والاجتماعي, المنظور إليه كنص وضعه شخصٌ أو أشخاص يرشدهم التفكير والتروي, إنّما يسلِّم به أولئك الذين سيصبحون من رعاياه, فهو موضوع احترام لا يستبعد حصول تعديلات تُراقَب بكلّ دقّة, وهو ربما يكون أهم ابتكار سياسي في اليونان الكلاسيكية, فالقانون هو الذي يمنح الروح للحاضرة, سواء أكانت حاضرة ديمقراطية , أم أوليغارشية أو ملكيّة(10).‏

– إن كلمة «سياسة» (بوليتيك) مشتقة من الكلمات اليونانية: «بوليس, بوليتايا, بوليتيكا, وبوليتيكية»:‏

– بوليس: البلدة, المدينة, المقاطعة, أو: أيضاً تجمع السكان الذين يؤلفون المدينة.‏

– بوليتايا (politeia): الدولة, الدستور, النظام السياسي, الجمهورية , المواطنية (ب�تيك) مشتقة من الكلمات اليونانية: «بوليس, بوليتايا, بوليتيكا, وبوليتيكية»:‏

– بوليس: البلدة, المدينة, المقاطعة, أو: أيضاً تجمع السكان الذين يؤلفون المدينة.‏

– بوليتايا (politeia): الدولة, الدستور, النظام السياسي, الجمهورية , المواطنية (بمعنى حقوق المواطنين).‏

– بوليتيكا: جمع بوليتيكوس: الأمور السياسية, الأمور الم�اعية: الريف المجاور, الموشّى بالقرى والمزارع: مرفأ, هو البيريه. وإن هذا المجموع هو الذي شكل أثينا (Attique) القديمة بمعناها التاريخي. فالصيغة والبنية السياسية الموحدة لهذه المدينة, تكونت مثل أية مقاطعة سويسرية من مجموعة مركبة ومتداخلة.‏

ولا شك في أن وجود البلدة ضروري. فهي ـ كما يقول «موريس ديفورني»ـ «عضلة القلب», ولكنها ليست المدينة كلّها(11).‏

فبالنسبة للمفهوم نفسه, فهنالك علاقة بين المدينة القديمة (Cite) ـ أي الحاضرة ـ والدولة العصرية.‏

وقد وضع «ريمون بوانكاريه» كتاباً مُبسَّطاً للجميع, سماه «ما تتطلبه المدينة». وكان يعني به متطلبات الدولة الفرنسية, وليس حاجات باريس .‏

إن العلاقة اللغوية بين المدينة والدولة, متحققة باللاتينية, من خلال كلمة «رسبو بليكا» (Respallica) وكلمة «تابوليتيكا», أي: «الأمور المدنية», وما تزال أصداء تلك العلاقة اللغوية موجودة في التعابير التي كانت متداولة في القرن الثامن عشر, مثل «القَسَم المدني» و«الروح المدنية» و« السياسة المدنية».‏

وقد اقترن تعبير «رسبوبليكا» مع الوقت بكلمة الدولة، حيث أصبحت «الحقوق العامة» تعود إلى «وضع الجمهورية» , أما «الحقوق الخاصة», فإنها تعود إلى «منفعة الأشخاص».‏

ومنذ القرن الثالث عشر للميلاد استعملت كلمة «سياسية» (بوليتيك) بالفرنسية بمعناها اللاتيني. وفي كتاب «جميع الأشياء» يشير «برونيتولاتيني» (Brunetto latini) إلى أن «بوليتيك ـ هي حكومة المدن, التي هي أسمى علم وأنبل الدوائر الموجودة على الأرض, وأن السياسة «بوليتيك» تشمل عامة , جميع الفنون التي تشبع حاجات المجتمع الإنساني»(12).‏

وإذا كنا نتفق على حقيقة أن الإنسان كائن سياسي, يتميز عن سائر الكائنات الأخرى بالتنظيم السياسي الإرادي, وإذا ما سلّمنا بالقول: إن علم السياسة يعنى «التفكير بالظواهر السياسية التي يثيرها تجمع الكائنات البشرية في المدينة , فإن ذلك يعني أن علم السياسة قديم قدم الفكر الإنساني, وندين له ببعض الروائع الخالدة التي أنتجتها الروح الإنسانية».(13)‏

وكانت نشأته الأولى في مواطن الحضارات الأولى التي شيّدها الإنسان, وفي الحواضر التي ازدهرت في «…أوائل الحضارات المدائنية التي ترعرعت في وادي النيل, وعلى ضفاف دجلة والفرات, وعلى شواطئ الأندوس. فقد خلفت لنا هذه الحضارات أقدم التشريعات القانونية, التي تدل على وجود عقول مفكّرة عنيت بوضع نظريات حول ما كانوا يقومون به».(14)‏

وشأنه شأن العلوم الأخرى, فقد كانت نشأته المبكرة أسطورية, ثم تقدّم الإنسان من المعرفة الأسطورية إلى المعرفة العلمية.‏

ويذكّرنا تقدّم الإنسان هذا من التصورات السياسية الأسطورية الأولى إلى الأفكار السياسية المنهجية المنتظمة بالقانون، الذي صاغه «أوغست كونت» (Auguste Comte)(1798-1857) حول الأطوار الثلاثة لتاريخ الفكر الإنساني: الطور اللاهوتي, والطور الميتافيزيقي, والطور العقلاني الوضعي. حيث حاول الإنسان في المرحلة الأولى (اللاهوتية) أن يعزو الظواهر المختلفة إلى قوى تفوق الطبيعة، أو إلى الله. وعلى أساس ذلك عمل بعض علماء السياسة على تقسيم نمو الفكر السياسي, انطلاقاً من طوره التيولوجي أو اللاهوتي, وهو الطور الذي سادت فيه أفكار سياسية تعود بالدولة لأصل ديني, وتتحدث عن حقوق الملوك الإلهية, وإن طوره الميتافيزيقي هو الذي يغلب فيه البحث عن أهل الدولة وغايتها, دون الاهتمام بعلاقة هذا الأصل بتدبير شؤون الدولة. فطبقاً للمفهوم الميتافيزيقي, فإن أساس كل الظواهر متوضعٌ في الجواهر الميتافيزيقية المجردة, وليس في أصولها المادية ـ الواقعية الملموسة. أما الطور الإيجابي (الوضعي) فهو الذي يتجه فيه البحث السياسي نحو توضيح العلاقة بين الأصول، والمبادئ، والسلوك السياسي, ويحاول الفكر السياسي فيه أن يضع قواعد علمية للسيرة السياسية.‏

ولكن هذه الأطوار لا تتعاقب في تاريخ الفكر السياسي وفقاً لحركة تسلسلية منطقية مطردة. وهي متداخلة في مختلف الثقافات والأزمنة إلى حد يجعل من الصعب العثور على طور ناصع في أي عصر من العصور. ففي عصرنا الراهن, الموسوم بعصر العلم، نلمس حالات كثيرة من التداخل بين التفكير السياسي الأسطوري (الخرافي, غير المنطقي, غير الواقعي) والتفكير السياسي العلمي. وهي أحوال وأنماط متداخلة أيضاً في الإنسان الواحد في أوقات وأوضاع متعددة, بحيث تلتبس الأسطورة والعقيدة والنظرية السياسية حتى في العالم السياسي نفسه.(15)‏

ولكن بالرغم من هذا التداخل والالتباس, فإنّ الوجهة التي غلبت على التفكير السياسي، الإنساني هي وجهة منهجية علمية, تسمح بوصف حركته التاريخية بأنها حركة تطور من الأسطورة السياسية إلى النظرية العلمية السياسية.‏

وفي هذا السياق يؤكد الدكتور حسن صعب: أن العالم السياسي هو عنوان هذا التطور لا القائد السياسي، ولا الرسول السياسي؛ لأن وظيفة الأولى استخراج النظريات السياسية من الوقائع والأحداث السياسية. فهو ملتزم بالحقيقة وحدها, ومقيد بالمنهج الذي يوصل إليها. وأما القائد أو الرسول السياسي, فإن وظيفته الرئيسية وظيفة عملية تطبيقية. وتتداخل في فكرة السياسي عناصر أسطورية وغيبية وعقلانية. ومهما بلغ تفكيره من المنهجية, واتسعت معرفته النظرية بالسياسة, فإن سلوكه السياسي وليد التفاعل بين فكرة السياسي وواقعه السياسي, أي بين معرفته السياسية وتجربته السياسية(16).‏

لكنّ الوقائع الحاصلة تقدّم بدورها أمثلة ملموسة وكثيرة على عدم دقّة هذا الاستنتاج المتسرع. ومن هذه الأمثلة نشير إلى لينين, وستالين, وماوتسي, تونغ, وتيتو, وكاسترو, وغاندي, ونهرو, وجمال عبد الناصر, والقذافي, وحافظ الأسد.. وغيرهم من القادة والزعماء السياسيين؛ الذين جمعوا بين القيادة، والزعامة السياسية، والتفكير النظري السياسي والاستراتيجي. حتى إن نظريات سياسية صنّفت بأسمائهم, حيث وضعوا أسسها، وجرّبوها, ثم أعادوا النظر ببعض عناصرها ومكوّناتها, وصولاًَ إلى طرْحها بصورها وأشكالها وملامحها شبه النهائية, تاركين لعلماء السياسة والمفكرين والباحثين مجالات دراستها، وتحليل مفرداتها، وأنساقها، وتأطيرها وفق النظريات السياسية المعروفة، ومنهجياتها العلمية اللازمة.‏

وبمناسبة الحديث على الأسطورة السياسية من حيث إنها تشكل النقيض للفكر العلمي السياسي, فإننا نشير إلى رأي المفكر الفرنسي جورج سوريل (George Sorel) (1857-1922), الذي يرى أن الأسطورة ضرورة من ضرورات العقيدة السياسية والفعالية السياسية. ففي كتابه «أفكار حول العنف» يؤكد سوريل أن العالم الحديث بحاجة إلى الأساطير, ولاسيما الأساطير الثورية؛ التي تقابل الأساطير الليبرالية حول التقدم، والحرية، والمساواة. حيث يُعرِّف الأسطورة بأنها «مجموعة متماسكة من الصور المحرّكة». فهي إذاً وسائل للتأثير على الحاضر, ولاستفزاز النضالي السياسي, وهي «نظام من الصور يحرض على النضال والقتال..», وهو نظام كلّي إيماني يأخذ بنفس الإنسان، وإن لم يكن نظاماً عقلانياً(17).‏

أما عالم السياسة مكييفر فيعطي في كتابه «تكوين الدولة» معنىً أوسع للأسطورة السياسية, حيث يقول:«إن الأوامر الاجتماعية، والبناء الاجتماعي,بل إن الكينونة الاجتماعية بحد ذاتها لا بدّ أن تستند إلى الأسطورة.. والتغيرات الحاصلة في بنية المجتمع تستوحى من تغييرات أسطورية، وتوحي بمثل هذه التغيّرات. فالمجتمع يتنفس الأسطورة كما يتنفس الهواء.. وتتخذ الأسطورة في المجتمعات المختلفة أشكالاً لا حصر لها, ولكن قوام كل المركبات الأسطورية مهما اختلفت أشكالها, أسطورة القدرة, أو أسطورة السياسة»(18).‏

وعودة إلى نشأة علم السياسة, فإن تطوّره المنهجي يشير إلى ارتباطه بالمدينة اليونانية, وأنّ اليونان هم آباؤه ومؤسسوه الأوائل؛ لأنهم كانوا أول من نظَّم المعرفة السياسية بشكل منهجي, كما كانوا أول من منهجَ المعرفة الإنسانية في أوروبا والشرق الأدنى, إن لم يكن في العالم كلّه.‏

والحقيقة أن الحضارة الإغريقية هي أم الحضارة الأوروبية وأصلها , وقد أضفت عليها طابعها الغالب, وهو طابع العلم. على أن اليونان القديمة (أو الحضارة الإغريقية) هي إلى حدٍ ما ابنة حضارات الشرق الأدنى القديمة(19).‏

ولكنها ـ كما يقول الدكتور حسن صعب ـ الابنة التي بزّت الأم في منهجية المعارف المقتبسة, وفي مقدمتها المعرفة السياسية. فصحيحٌ أن حضارات الشرق الأدنى أعرق من حضارة اليونان في أساطيرها، وحِكَمِها، وتشريعاتها القانوني

الشرعية الدولية ومعتقل غوانتانامو ـــ(2)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

أثار تقرير لجنة حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عما يحدث في معتقل جوانتانامو حفيظة الرأي العام العالمي ومنهم فقهاء القانون الدولي، حيث تساءل العالم عن رأي القانون الدولي فيما حدث ويحدث من تجاوزات اهتز لها ومنها العالم.‏

فبادرت بعرض التقرير وما حدث على قواعد وإحكام الشرعية الدولية لكي نضع أمام الرأي العام العالمي والباحثين موقف الشرعية الدولية مما سلف، فكان هذا البحث الذي تناولت فيه أولاً: الشرعية الدولية من حيث الماهية وهي عبارة عن إسقاط أحكام وقواعد ومبادئ القانون الدولي على النظام الدولي والواقع الدولي والمصادر الشرعية الدولية والتي تكاد تنحصر فيما ورد في نص المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وهي مصادر القانون الدولي ذاتها، وطبقنا كل ما سلف على الواقع الدولي الراهن حتى نبين الطبيعة القانونية لهذا النظام.‏

وثانياً الشرعية الدولية والحرب ضد أفغانستان والذي تناولنا بالدراسة فيه عدم صحة إسناد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتنظيم القاعدة واستندنا في ذلك إلى العديد من الوقائع والأدلة المحققة والموثوق بها ومصادر معتمدة لا يدخل ولا يتسرب إليها الشك، وتبين من الدراسة أن أحداث (11/9) بالولايات المتحدة كانت داخلية الفاعل والمفعول به، فعلها من فعلها لتمرير المشروع الأمريكي للقرن القادم حتى إن البعض أطلق عليها (بيرل هاربير الجديدة) ثم القينا الضوء على الأسباب الحقيقية للحرب ضد أفغانستان السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وتناولنا بالدراسة القانونية القرارين الصادرين عن الأمم المتحدة بشأن الأحداث وهما القرار (1368) والقرار (1373) وبينا المثالب القانونية التي أصابتهما، وموقف وحكم الشرعية الدولية من الحرب ضد أفغانستان، وما ترتب عليها من تصرفات ونتائج وانتهينا إلى عدم شرعية ومشروعية الحرب ضد أفغانستان، وبيّنا أنها تمت خارج إطار الشرعية الدولية وخالفت وانتهكت العديد من مبادئ وأحكام القانون الدولي، ثم كان الفرع الثاني الذي يمثل ركيزة أساسية في هذا البحث لذلك فقد استأثر بعنوان البحث (الشرعية الدولية ومعتقل جوانتانامو، الذي وضحنا فيه موقف القانون الدولي الإنساني من المعتقل والمعتقلين وحقوق وواجبات الأسرى، كما وردت في اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 وانتهينا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحترم، ولم تضع أمامها القانون الدولي عامة في هذه الحرب وما تلاها من تصرفات غير شرعية.‏

أولاً: الشرعية الدولية‏

إن مصطلح الشرعية الدولية من أكثر المصطلحات انتشاراً على الساحة الدولية مما أثار حولـه الغموض، رغم أنه مصطلح علمي ثابت ومحدد المعنى في العلوم السياسية والقانون الدولي، وقد يختلف العلماء والمتخصصون حول بعض التفاصيل لتحديده، ولكنهم يتفقون في عناصره الرئيسية ومن ثم يصبح لازماً تحديد مفهومه وماهيته.‏

وللشرعية الدولية مصادر متعددة تبدأ بالقانون الدولي بفروعه المختلفة وقواعد وأحكام ومبادئ مروراً بقانون المنظمات الدولية وتشمل أيضاً مجموعة المعاهدات والاتفاقيات والعهود الدولية التي أقرها أشخاص القانون الدولي وآلياته ونستطيع حصرها فيما ورد بالمادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية ولحسن الدراسة والعرض أن نبين مدى العلاقة بين الشرعية الدولية والنظام الدولي الجديد وما تأثير تلك على ذلك.‏

1 ـ ماهية الشرعية الدولية‏

أحيط مصطلح الشرعية الدولية بالغموض والتزييف، وبات من أكثر المصطلحات على الصعيد الدولي ترديداً، فالكل بات يتحدث عن الشرعية الدولية، ويزعم السياسيون كافة في كل رجا من أرجاء المعمورة أن أقوالهم وأفعالهم مطابقة للشرعية الدولية وفي نطاقها، وتستظل بظلها(1).‏

وبالرغم من أن تعبير (الشرعية الدولية) مصطلح علمي محدد المعنى في العلوم السياسية وعلم القانون الدولي. ولكن يختلف الفقهاء حول بعض التفاصيل في تحديده، ولكنهم يتفقون في عناصره الرئيسية التي تجعل هذه الكلمة قابلة للاستخدام كمصطلح علمي وليس كمصطلح سياسي، يفسره كل سياسي طبقاً لمصالحه وهواه. حتى إن البعض وصف مصطلح الشرعية الدولية بأنه أحد أخبث أقنعة النظام الدولي الجديد وأكثرها فتنة للألباب(2).‏

ولكي يبقى السؤال ما هي الشرعية؟ وهل هي مجرد قرارات صادرة عن مجلس الأمن؟ أو هي مجمل البنية التشريعية والقانونية التي تقوم عليها الأمم المتحدة؟ ثم ما هي المرجعية التي يمكن الاستناد إليها لمعرفة مدى اتفاق تصرف دولي ما مع الشرعية الدولية؟‏

بداية يجب التفريق بين مفهوم الشرعية (Legitimacy) الذي يدور حول الأسس التي يتقبل فيها أفراد المجتمع النظام السياسي ويخضعون له طواعية، ومفهوم المشروعية‏

(Legality) بمعنى خضوع نشاط السلطات ونشاط الأشخاص للقانون، وبالتالي فقد تكون السلطة مشروعة، أي مطابقة لأحكام القوانين، ولكنها غير شرعية برفض الجماعة لها. بسبب عدم تلاؤمها مع قيمهم وتوقعاتهم. فالشرعية فكرة أو معتقد تتعلق بأساس السلطة وكيفية ممارساتها، بالتالي فهي مفهوم مصدره الدين أو الكاريزما أو التقاليد، بينما المشروعية مصدرها القانون(3).‏

كما أن هناك فرقاً بين القانونية (Legality) والشرعية (Legitimacy) فالقانونية هي صدور القرارات وفق القانون، وأما الشرعية ألا تمثل هذه القرارات تجاوزا من جانب السلطة لاختصاصاتها طبقاً للقوانين أي استخدام السلطات القانونية لتحقيق أهداف لا ينص عليها القانون(4).‏

إن مفهوم الشرعية الدولية ثابت عند الفقهاء في القانون الدولي، والعلاقات الدولية والعلوم السياسية، ومعروف لدى القوى الدولية. فقد عرفها بعضهم في كلمات قليلة أنها (أحكام القانون الدولي المعاصر التي يمثلها ميثاق الأمم المتحدة والنظام الذي يحكم العلاقات الدولية عقب الحرب العالمية الثانية.‏

وهي تلك المبادئ التي نص عليها الميثاق من عدم استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها في العلاقات بين الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول، والمساواة في السيادة بينها، وحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحرية، وواجب الدول في تنفيذ التزاماتها وفقاً للميثاق بحسن نية، وفي تسوية نزاعاتها بالطرق السلمية، وكل هذه المبادئ تضمنها تفصيلاً إعلان المبادئ الخاصة بالعلاقات الودية، والتعاون بين الدول وفقاً للقانون الدولي والمطابقة لميثاق الأمم المتحدة، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1970.‏

وهي تلك المنظومة التي شكلتها الأمم المتحدة على مدى ما يزيد على نصف قرن لتبني عليها النظام الدولي المعاصر، والتي من أهم لبناتها تصفية الاستعمار وتفعيل حق تقرير مصير الشعوب واستقلالها، الأمر الذي كرسه الإعلان رقم (1514) الصادر عن الجمعية العامة في 14 ديسمبر 1960.‏

كما أن الشرعية الدولية تشمل مجموعة المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، سواء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 أم العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام 1966، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966، واتفاقية إزالة كافة أشكال التمييز العنصري عام 1965، والإعلان الخاص بإزالة التمييز ضد المرأة عام 1967، واتفاقية تحريم وعقاب جريمة إبادة البشر عام 1948، واتفاقية تحريم التعذيب وغيره من ضروب المعاملة اللاإنسانية أو المهينة عام 1984، وغيرها من الاتفاقات والإعلانات الدولية الخاصة بحقوق الطفل واللاجئين والعمال.‏

وهي التي تشمل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، الأولى الخاصة بتحسين حالة الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان والثانية الخاصة بتحسين حال الجرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار، والثالثة المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب، والرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب.كما تشمل البروتوكولين الإضافيين إلى هذه الاتفاقات عام 1997، الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة ـ ومنها حرب التحرير ضد التسلط الاستعماري، والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية والثاني المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.‏

ومنها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998، والذي يعرف بنظام روما، الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية التي تختص بمحاكمة مرتكبي جريمة إبادة البشر والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان. وتشمل كذلك الاتفاقات الدولية التي تحظر استخدام أنواع معينة من الأسلحة، ومنها اتفاقية عام 1981 والبروتوكولات الأربعة الخاصة بالأسلحة الانشطارية والحارقة، والمخادعة وأسلحة الليزر، واتفاقية الألغام عام 1997، والاتفاقات الخاصة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وغيرها.‏

الشرعية الدولية إذن بناء متكامل، حاولت البشرية به أن تقيم العلاقات بين الدول على أسس سليمة لتحقيق السلام والتعاون فيما بينها بعد أن اكتوت بنار حربين عالميتين خلال جيل واحد. وهذا البناء المتكامل يقوم على أسس من مبادئ القانون الدولي، منها ما يمليه العرف ومنها ما تتضمه الاتفاقات الدولية، فالشرعية الدولية ليست مجرد شعار بل إنها مجموعة مبادئ ثابتة)(5).‏

وعرفها آخر بأنها (سيادة منطق العدل والحق بين أعضاء الجماعة الدولية وليست مرادفاً لشريعة القوة والغطرسة)(6) وقال عنها آخر إنها (تجسيد وترجمة لإرادة المجتمع الدولي)، ولذلك ليس لطرف أو لدولة أن تحدد هذه الشرعية. وهي المرجعية والإطار العام الذي بموجبه يتم الحكم على كافة أفعال وتصرفات أشخاص وآليات المجتمع الدولي،وبناء عليه أن ما يقوم به طرف قوي أو طرف ضعيف، متفق أو مخالف مع الشرعية الدولية ينبغي تقويمه وفقاً لقواعد وأسس هذه المرجعية الدولية. ومعنى ذلك أن الشرعية الدولية وإن تجاوزتها سلوكيات القوة للدول القوية، فلا يعني ذلك إلغاء الشرعية الدولية، أو تبديل مفهومها أو إضفاء الشرعية على تصرف يتناقض مع مبادئ وأسس الشرعية الدولية.‏

عموماً فالشرعية الدولية صفة لا تزول عن تصرف من التصرفات الدولية عن طريق معاهدة ما، أو وضع جديد يوصف بأنه يتناقض مع الشرعية الدولية، أي مع الأسس المقررة في القانون الدولي العام، ولا يغير من ذلك الاضطرار إلى التعامل مع التطبيقات الباطلة القائمة على أرض الواقع، وهذا معناه رغم التعامل مع وضع قائم ما غير شرعي، فإن ذلك لا يعني الاعتراف بمشروعيته.‏

فمصطلح الشرعية الدولية لا يتبدل مقصوده بكثرة استخدامه في غير موضعه فقد وضع ليسري على مر الدهور وكر العصور وأوضاع متشابهة ومتعددة ومختلفة، وأحداث وتطورات جارية، دون أن يفقد معناه ومغزاه، ولا تضيع معالمه وحدوده. فالشرعية الدولية لا يمكن تفصيلها كما تفصل الملابس لتناسب لقطة زمنية معينة أو عصر معين(7).‏

فلا يمكن لدولة ما أو مجموعة من الدول، أن تكون مرجعاً للشرعية الدولية مفهوماً وحدوداً، فالشرعية الدولية هي المرجعية للحكم على تصرفات سائر أشخاص وآليات النظام الدولي على مر الدهور وكر العصور، وهي بناء متكامل ثابت الحدود والأركان والمعالم.‏

رغم ذلك ذهب بعضهم إلى الخلط بين مصالح الدول الكبرى والشرعية الدولية، فهم يسوغون تصرفات الدول الكبرى على اعتبار أنها الشرعية الدولية، كما يفعل بعضهم الآخر في منطقتنا العربية من تسويغ تصرفات الولايات المتحدة الأمريكية، بزعم أنها القطب الأوحد وتقف وحدها على قمة النظام العالمي الجديد، حيث تملك من المقومات ما يجعلها مرجعاً للشرعية الدولية وأساساً لها، وهم (المارينز العرب).‏

فنحن العرب ننظر إلى الشرعية الدولية على أنها شيء عالي مقدس، لا يصدر عنها إلا الخير فقط، أو أنها كائن مثالي قائم بذاته، منفصل عن النظام الدولي وعلاقاته، يمسك بميزان العدالة والحق ويحكم بينهما بين أشخاصه وآلياته. وننسى أو نتناسى أن الشرعية الدولية (هي الوجه المعبر في كل لحظة دولية عن تقاطع مصالح الدول الكبرى المتصارعة في العالم وعلى العالم) وليست ولا يمكن أن تكون ذلك الكائن المثالي الذي نتصوره ونعلق عليه آمالنا، ونعتمد عليه في حل كافة أزماتنا الدولية الصغيرة والكبيرة(8).‏

لو لم يكن ذلك صحيحاً، لما كانت تتبدل المفاهيم لهذه الشرعية، كلما تبدلت موازين القوى، بين عصر وآخر، ولما ظهرت ازدواجية المعايير وتعددها، والكيل بأكثر من مكيال، ولما كانت بعض القرارات العادلة ولو بحدود ضيقة ترمى في سلة المهملات، أو في مزبلة التاريخ، أما القرارات الظالمة فتأخذ طريقها للتنفيذ لكونها تلبى مصالح الدول الكبرى وحلفاؤهم.‏

تلك حال المجتمع الدولي منذ أمد بعيد، ولا نغالي في القول إذا قلنا إن ذلك حال المجتمع الدولي على مر الدهور وكر العصور، مما أوجد حالة تناقض وفصام بين القانون الدولي قواعد وأحكام ومبادئ وبين النظام الدولي السائد في عصر من العصور، أي إن البون واسع بين القانون الدولي وبين الواقع الدولي.‏

والحقيقة يجب أن نفصل تماماً بين مفهوم القانون الدولي كشرعية لتنظيم العلاقات الدولية على أسس ومبادئ ثابتة، أي بين الشرعية الدولية، وقرار أو قرارات يصدرها مجلس الأمن أو حتى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأن استعمال كلمة (شرعية) بما لها من حرمة وقدسية لا يمكن حصرها في قرار أو بضعة قرارات صادرة عن مجلس الأمن التي تسيطر عليه الدول الخمس الكبرى سيطرة كاملة أو حتى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة تعبر عن مصالح الدول السياسية والقانون الدولي يحمي حقوق وليست مصالح، لأن المصالح تخضع للسياسة.‏