أ.د. أحمد محمد وهبان

مقال الإرهاب: فعلٌ في غياب اليقين (17)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

من الأمور التي باتت شائكة وصعبة إلى حد كبير موضوعة تعريف معنى المقاومة في مقابل مصطلح الإرهاب الذي يزداد استخدامه بشكل كبير. وهذا التعريف الذي يحاول إيجاده المسؤولون الحكوميون، على اختلاف مستوياتهم، من خلال المؤتمرات والندوات واللقاءات الثنائية أو العامة، يصدم دائما بحجر الرغبة الشخصية أو الذاتية أو المصلحة الضيقة لأحزاب السلطة الحاكمة، أو حتى أحزاب المعارضة التي تروم الحصول على السلطة في ما يلي من الزمن. يضاف إليه مساهمة وسائل الأعلام في طريقة عرض المواضيع المتصلة، وإطلاق الأوصاف تبعا لأجندتها وسياستها، أو بالأحرى سياسة مموليها.
والأمر لا يقل صعوبة لدى المثقفين والمفكرين الذين يسعون إلى فصل معنى الفعل الواحد إلى معنيين، متناقضين ظاهريا، باختلاف الظروف التي تحيط الفعل، والنتائج التي تتمخض عنه، أو المرجوة من إتيانه. وقد واجه أفلاطون مثل هذا التناقض في دعوته للعمل الصالح. فمتى يُعد فعلٌ ما صالحا، ونفسه قد يُعد غير صالح في أحيان أخرى؟ فالقتل –استنادا إلى أفلاطون- أمر سيء وخطيئة كبرى، لكنه قد يُعد فضيلة إذا ما وجّه إلى الأعداء، أو المجرمين قصاصا لما ارتكبوه من أفعال شنيعة. وإذا كان فعل القتل في الحالين واحد، وأثره واحد، فلماذا يُعد قتل الأعداء فضيلة؟ تترتب هنا عدة مسائل لجعل هذا الفعل صالحا (أو جائزا إن شئت)، أولها أن يكون العدو محاربا، مضمرا الأذى لنا، وان يكون غير اعزل حين تعرضه للقتل، كما انه يجب أن لا تكون هناك وسيلة أخرى لدفع الضرر إلا بالقضاء على هذا المحارب الذي يسعى للقضاء علينا. وهذه المعطيات تشكل ما يعرف بـ”الحرب العادلة”.
وبالمقابل، يجب أن يحصل المجرمون على محاكمة عادلة، وان يتم إثبات جرمهم بما لا يدع مجالا للشك بأنهم ارتكبوا تلك الأفعال التي تستوجب سلبهم حياتهم. ومع ذلك فقد ارتكب القضاء، ونحسب أن سيرتكب في المستقبل، أخطاءا تجعل المرء يتساءل عن جدوى إعدام أي شخص يحتمل ولو بنسبة ضئيلة براءته، أو كون مسؤوليته جزئية عن الفعل الإجرامي المتهم به. ليس في نيتي الدعوة إلى رفع عقوبة الإعدام، ولست مناقشا ذلك في هذا المقام. ولكنني وددت أن أشير إلى معضلات كبرى واجهت البشرية منذ أطلت برأسها على هذا الكوكب.
إذا هاجمك احدهم منزلك بغية السرقة، ولم يكن من وسيلة لدفع هذا الأمر إلا بقتله، فلن تجد من يلومك لقيامك بهذا الفعل. وإذا هاجم لص مزرعتك لقطف بعض الفاكهة، فلن يكون لك الحق بقتله، خصوصا إذا ما ولى دبره هاربا. ولكن إذا قامت عصابة منظمة بمهاجمة المزرعة بغية سلب المحاصيل، جاز لك قتلهم جميعا إن استطعت. ورغم أن النتيجة واحدة في الحالتين الأخيرتين، إلا إن مبرراتهما مختلفة. فالسرقة من اجل سد الرمق، أمر يدعو للرثاء والشفقة على الفاعل أكثر منه إلى تجريمه. ولكن السطو على المنزل، يعد مفسدة وتجاوز على الحرمات.. وشبيه به تآمر العصابة لقطع الرزق.
وعلى هذا فانك بطل إذا قـُتلت شهيدا دفاعا عن بيتك أو مزرعتك في القتال مع العصابة التي هاجمتك. وهنا يأتي تعريف آخر علينا تحديده بدقة، تعريف الشهيد. لاشك إن من يموت من اجل المباديء السامية هو شهيد، وان من يقاتل الشر فيهلك دونه هو شهيد. ولكن كيف يمكن إثبات أن من نقاتلهم هم فعلا (أشرار)، وان المباديء التي ندعو إليها هي فعلا (سامية)؟ وهل وصل أي إنسان –إلا من أراد له الله ذلك بالبينة المعجزة- إلى يقين يوما؟ إذا كان يمكن أن يُترك لص المنزل يهرب، فهل يجب قتله، مع احتمال عودته؟ كيف لي أن اعرف انه سيهرب، أو انه لن يعود؟ إن قتله ينهي المسألة، ولكن إبقاؤه يجعلها مفتوحة باستمرار.
إن جمع هذه المفردات الثلاثة في مقام واحد قد يظهر حجم المعضلة التي نواجه:
مقاومة + شهادة + إرهاب
فرياضيا يجب أن تكون هناك نتيجة ما لهذا الجمع، فماذا عساها تكون؟ هناك ثلاث فرضيات، الأولى: مقاومة + شهادة = إرهاب
الثانية: مقاومة = شهادة + إرهاب
الثالثة: شهادة = مقاومة + إرهاب
ولكنها جميعا خاطئة باعتبار احتوائها على النقيضين: المقاومة والإرهاب
لنجعل المعادلة بإضافة المعطيات السابقة كالتالي:
مقاومة (لابد منها) = شهادة
مقاومة (لا جدوى منها) = إرهاب
فالمقاومة موجودة في الحالتين، ولكن التناقض يتضح في معنيي الشهادة والإرهاب، ويقود إلى نتيجة سطحية:
الشهادة = الإرهاب
ذلك أن كلا من (لابد منها) و(لا جدوى منها) لا يمكن إثباته مطلقا.
لقد كان مثالنا عن حالة تعرضنا لاعتداء، لكن الأمر مختلف إذا شعرنا أننا ضحية، وأن علينا المبادرة لرد الاعتداء أو منع اعتداء متوقع، وهو ما يعرف بـ(الجهاد). والجهاد في الحقيقة صورة عن المقاومة تتخذ وضعا ايجابيا، أي يمكن أن يحل محلها في المعادلات لتصبح:
جهاد = مقاومة = شهادة
دون الحاجة إلى تمييز بين من هو لابد منه، وما لا جدوى منه. والواضح أننا سنصل إلى نفس النتيجة السطحية بالإحلال:
جهاد = إرهاب
إن هذا التحليل الرياضي مبسط جدا. ولكن الموضوع أكثر تعقيدا، والنتائج ليست دائما بهذا الوضوح. غير أن احتمالا بسيطا بان يكون ذلك صحيحا، يقودنا إلى مفتاح لحل المعضلة. فإذا لم يكن لديك اليقين الكامل (ولا نحسب انه متوفر لأحد)، فلن تستطيع بان تصف عملك بالمقاومة (أو الجهاد)، وتضحيتك بالشهادة.. خصوصا إذا نجم عن فعلك إزهاق أرواح، وتدمير ممتلكات، وتعطيل لمسيرة الحياة. فإذا كنت تروم الشهادة لذاتها، فلربما لن تحصل عليها أبدا. فالشهادة نتيجة لفعل واجب في لحظة معينة، ولم تكن أبدا مطلوبة لذاتها، لا دينا، ولا عرفا.
إن من يهاجم جمعا ما (لأي سبب كان) مفجرا نفسه فيهم، إنما هو إرهابي، بغض النظر عن أية نتائج محتملة لفعله. فإذا أعلنت القوات المحتلة (أية قوات في أي مكان في العالم) أنها ستنهي احتلالها غدا، تحت وطأة العمليات الانتحارية (أو الجهادية)، فان تلك العمليات ليست بطولية، ومن قاموا بها ليسوا شهداء. فقد قاموا بالتصرف منفردين، وقرروا قتل آخرين، بالإضافة إلى أنفسهم استنادا إلى قناعة غير يقينية.. وما بني على الباطل، فهو باطل شرعا وقانونا، ولا يعتد به.
إن غياب اليقين عن أفعال الإنسان أمر مألوف، فأنت تسعى من اجل اكتساب الرزق، مع إيمانك بان الرزق مكفول لجميع الدواب (التي ينتمي إليها الإنسان). وأنت تتأمل في الخلق، وتجادل في عظمة الخالق.. ولو كنت على يقين تام لما احتجت إلى أية مجادلة. وبنو البشر يحيكون المؤامرات آناء الليل وأطراف النهار، وينهش بعضهم بعضا، وان كانوا متدينين ورعين يرجون الدار الآخرة. فلو كان لأحد أن يكون على يقين تام، لتوقف عن مخالطة الناس، ولأعتزل في صومعة يرجو أن تصيبه رحمة ربه، فان رزقه فليبقيه حيا، وإلا فليقربه منه.
فكيف، والحال هذا، يجزم أي إنسان بـ(يقين) يصل حد إنهاء حياته من اجل قضية ما؟ إذا تواجه جيشان فان احتمال الموت في المعركة يكون كبيرا، ولكنه ليس محتما. وفي الواقع إن احتمالية الموت ربما تكون متعاكسة مع درجة الإيمان التي يتمتع بها الجنود في تلك المعركة، فكلما ازداد إيمانهم كلما تعاظمت فرصة نصرهم، وبالتالي نجاتهم. وربما تفانى بعضهم غير مبال بحياته في القتال، أو ربما عرض نفسه للقتل عمدا من اجل إحراز هذا النصر، لكنه لا يُعد عملا إرهابيا، ففرص الجميع متساوية، والوضع افلاطوني بحت: العدل في قتل الأعداء في ساحة المعركة، دون القتل المطلق.
لقد تطورت وسائل القتال، وباتت المواجهات في كثير من الأحيان مواجهات تقنية أكثر منها عقائدية. وقد ينشأ إحباط لدى الفريق الأضعف تقنيا، يدفعه إلى التصرف بطريقة مغايرة لطبيعة الإنسان، التي تأمره بالحفاظ على النفس، وبالتالي يحقق تقدما على العدو. ولكن تفكير الإنسان قد تطور أيضا، وصار أكثر وعيا ومسؤولية. وقد أثبتت وقائع التاريخ الحديث أن القوة اقل أهمية من السياسة، وان التعاضد الاجتماعي أهم وسيلة للخلاص. فإذا كنا نريد النصر على (العدو)، فعلينا أن نطور فكرنا ليلحق بفكره (أو يسبقه) قبل أن ننصب أنفسنا شراكا، دون أن نعلم على وجه اليقين خاتمة ما نفعل، وما إذا كانت أفعالنا مجرد عبث غير مستند إلى حقيقة جوهرية.

الحور العين: الإرهاب بعيون عربية ( 16 )

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

عرضت قناة (ام بي سي) الفضائية خلال شهر رمضان المبارك مسلسلا متميزا يتحدث لأول مرة عن موضوعة (الإرهاب) في سياق درامي – اجتماعي لا يخلو من التشويق، وان تعرض –كغيره من الأعمال الدرامية خلال شهر رمضان- إلى المطّ والإسهاب، من اجل بسط مادته خلال الشهر الفضيل. وهو إنتاج سوري-سعودي مشترك، وعرضته هذه القناة بشكل حصري. ويأتي عرض هذا المسلسل بعد ان اخفقت القناة في عرض كامل المسلسل (الطريق الى كابول)، والذي يتحدث عن موضوع مشابه، في رمضان العام الماضي نتيجة اخلال المنتجين بالتزاماتهم على ما يبدو.
ويمكن ان يقسم مسلسل الحور العين إلى محورين أساسيين اولهما محور اجتماعي يتحدث عن سكان مجمع (المحيّا) في مدينة الرياض والذي تعرض إلى عملية إرهابية من قبل الجماعات المسلحة في المملكة العربية السعودية. وقد حاول القائمون على هذا المسلسل ان يتعرضوا لحياة الناس العاديين، وجلّهم من العرب المغتربين العاملين في السعودية، ويفصلّوا الكثير من الشؤون اليومية للاسر المختلفة في بيوتها، لحمل المشاهد على التفاعل والتعاطف معها، وتهيئته نفسيا لنبذ وشجب العمليات المسلحة التي سيقعون ضحايا لها فيما بعد.
أما المحور الثاني في هذا المسلسل فيدور حول عناوين الارهاب، والجهاد، والتطرف. ويعرض لنقاشات حادة ومباشرة في أحيان كثيرة حول صواب هذه الأعمال وجدواها. ويتابع سيرة شاب سعودي يُغرر به من خلال الأفكار المتطرفة والاستخدام المبتسر للنص القرآني والنبوي والمأثور عن السلف الصالح. وهو يستعرض كذلك النوازع النفسية لهذا الشاب بين دواعي الجهاد وتأصله في العقيدة، وبين الدعوة الحسنة والقيم والمثل الدالة على نبذ العنف وقبول الآخر وروح التسامح في الدين الإسلامي.
والواقع ان المسلسل في محوره الاجتماعي لا يعدو ان يكون عملا متوسطا، وغير جدير بان يوصف بالمتميز. ولكنه، ومن خلال تطرقه لموضوعة الارهاب، ينتقل الى تفرّد قلّ نظيره نظرا للحساسية البالغة التي يعالج بها هذا الموضوع، رغم انه بات يلقي بظله على حياة الناس في غير واحد من البلدان العربية والإسلامية. كما ان واضعي القصة لم يهتموا كثيرا بتحريك الأحداث لإضفاء التشويق عليه، فجاءت معظم الحلقات تكرارا لأحداث وحوارات ونقاشات في حلقات سابقة. وهم لم يهتموا كذلك بإيجاد نهايات لتلك الأحداث، حيث راهنوا على الحدث الأكبر الذي يشكل محور المسلسل وقضيته، وهو التفجير الارهابي الذي ازهق أرواح معظم أبطال المسلسل. ولعل عِلم المشاهد بالمصير الذي ستؤول إليه الشخصيات جعله غير مكترث هو أيضا بالحبكة الدرامية، وكيفية التقاء الخيوط المتفرقة، وحلّ العقد الرئيسة في هذا العمل الدرامي.
لكن المسلسل نجح بشكل لافت في الإشارة إلى خطر التطرف، وصرح بوضوح إلى منابعه وبيئته الخصبة: الجوامع والحلقات الدراسية الدينية. وشكلت شخصية رجل الدين المستنير، والمحب للحياة والناس، مفتاحا لمواجهة قوى الظلام التي تسكن الكهوف وتتجول في البراري. وجاءت الحوارات بين هذين الطرفين المتناقضين بمستوى متفوق أحيانا، بما يفتح الباب أمام حوارات أخرى في المستقبل، وان كان طرفاها يستقون مادتهم ومرجعهم في جدالهم من ذات المنبع. ولكن إذا أخذنا بنظر الاعتبار ان المسلسل يتحدث بالدرجة الأولى عن التطرف الديني في السعودية تحديدا، فمما لاشك فيه ان تلك الطروحات تعدّ ثورية، وغير مسبوقة بهذا الكم والحجم.
وهذا يقودنا إلى ملاحظة مهمة. فموضوعة الارهاب تتم مناقشتها ضمن حوارات هذا المسلسل من زاوية حدوثه في المملكة تحديدا. ويقدم المسلسل إدانة واضحة لهذه الاعمال، ويتحيز باستخدام حيل ووسائل إخراجية فنية، ضد من يروج للعنف والتطرف. ويوجه كذلك نقدا اجتماعيا يضاف للنقد الديني والسياسي للأفكار المتطرفة التي أخذت تغزو المجتمع السعودي خصوصا، والعربي عموما. بيد ان هذا النقد ظل ضمن حدود جزيرة العرب. ولم يسعَ المسلسل إلى توسيع دائرته لتشمل المناطق الأخرى التي تعاني من ذات البلوى، كالعراق وفلسطين وأفغانستان واندونيسيا والشيشان والفلبين، ناهيك عن وقوع أعمال الإرهاب في غير بلاد المسلمين. بل ان رجل الدين المعتدل لا يرفض صراحة، وربما يوافق أيضا، على ان الجهاد في تلك الأماكن هو جائز وشرعي، وان حدد لذلك شروطا عديدة.
ويخيل الينا ان المراد من ذلك هو توجيه التطرف السعودي الى خارج المملكة، والنظر على ان اقتراف أعمال العنف ضد سكانها، وان كانوا غير سعوديين، هو جريمة وخطيئة كبرى. بخلاف ما يحدث من أعمال مماثلة في العراق مثلا، على اعتبار ان العراق (محتل)، وبالتالي فهناك مسوغ لتلك الأفعال. ونشير هنا الى تنويه رجل الدين حول فشل اعمال العنف في العراق في تحقيق اهدافها، حيث يؤكد ان عديد الضحايا بين المدنيين العراقيين يزيد على عشرين ضعف عددهم بين القوات الامريكية. ولكن مثل هذه الاشارات كانت نادرة وهامشية الى حد ما. ولكننا للإنصاف نقول ان اية محاولة لتوسيع نطاق المسلسل ربما كانت كفيلة بإفشاله ورفضه ككل. فالمسلسل جاء استثمارا للمدّ المعارض للعنف في المملكة نتيجة تفجير (المحيّا) والأعمال الإرهابية الأخرى، ورغبة المجتمع السعودي في الحدّ من تلك العمليات في هذا البلد. ويمكن اعتبار ان هذا المسلسل هو خطوة أولى ربما تتلوها خطوات في المستقبل، عندما يكون المجتمع أكثر استعدادا وتهيؤا لنبذ أعمال العنف أينما وقعت.
والمسلسل أهمل عن عمد الخوض في حياة غير العرب الساكنين في نفس المجمع، والذين راحوا هم أيضا ضحايا لنفس العملية الإرهابية. وجزء من ذلك يعود إلى الأسباب ذاتها في تضييق النطاق المستهدف، وفي محاولة استعطاف المشاهد على الشخوص التي يشعر بالألفة تجاهها من ناحية اللغة والدين والأصل المشترك. نعم، كانت هناك شذرات بين الحين والآخر تدعو إلى حفظ نفوس (المعاهدين) و(الذميين)، ولكن بالمقارنة مع خوض المسلسل في أدق تفاصيل الحياة اليومية للضحايا من العرب، فمن التجني اهمال ذكر جيرانهم القادمين من دول غربية، والذين لا نشك انهم كانت تربطهم روابط الجيرة الحسنة، والتوحد في الإنسانية مع سكان المجمع من العرب.
والشخوص في هذا المسلسل هي صفات مجردة. فالمهندس خريج الجامعات الفرنسية متكبر ومغرور، ولا يملك حسا فنيا، ويعامل زوجته الفقيرة وغير المتعلمة بكل قسوة وازدراء، رغم ثقافته واحتكاكه بالمجتمع الفرنسي الحر من خلال زواج سابق فاشل. والتاجر السوري مستغرق دائما في عمله ولا يهمه من حدوث هجوم إرهابي إلا مقدار تأثير ذلك على تجارته، رغم ان مثل هذه الأعمال تعد أمرا نادرا في الرياض. ورجل الأعمال الأردني-الفلسطيني هو أب قاس متغطرس رغم اقترانه بزوجة مثقفة ومعلمة مثابرة. والفنان اللبناني عصبي المزاج على طول الخط ومنطوٍ على نفسه، كما ان زوجته لا تسعى إلى فهمه ومشاركته همومه بقدر ما تركز على ذاتها وسأمها ووحدتها. والأمر ذاته بالنسبة للكاتبة المغربية التي تشعر بالاستعلاء على زوجها الميكانيكي، الذي يتصف هو الآخر بالجشع دائما.
ومع ذلك يتطرق المسلسل في ناحيته الاجتماعية لنموذج من تأثيرات العولمة والثورة المعلوماتية من خلال قصة حب بين الفتاة السورية وشاب سوري يعيش في الولايات المتحدة. ويحمل حوارهما عبر برامج المحادثة قيما تربوية واجتماعية عليا، يرسلها في غالب الأحيان الطرف الذكري مما يوحي بتأثير الثقافة الغربية عليه. وفي غير هذا النموذج كانت معظم الشخصيات الذكرية الاخرى متصفة بالسلبية أو الأنانية وحب ألذات، باستثناء شخصية أستاذ الجامعة المصري الذي يقنع بعدم قدرة زوجته على الإنجاب ويواسيها على ذلك، وان كانت هي ذاتها غير قانعة وتكرر التذمر والتشكي من حالها وفشلها كامرأة في كل حلقة تقريبا. أما النساء فقد كنّ -عموما- اكثر ايجابية وقدرة على التأثير في الأحداث. والواقع ان هذا الفصل والتميز في الشخصيات نادرا ما يقع، وان كل إنسان يحمل سلبيات وايجابيات. ومن ميزات العمل الجيد ان يسعى لإظهار كليهما في الشخصية لجعل العمل أكثر واقعية.
يبقى ان استعمال القائمين على هذا المسلسل لشخصية المواطن السعودي الراغب في إقامة الفريضة الغائبة، وتردده بين آراء المتطرفين ودعوتهم الجهاد، وبين محاضرات الشيخ المعتدل التي تنبذ العنف، يمثل محاولة لتشخيص كيفية تجنيد المُغرر بهم الذين يتم استعمال أجسادهم في الأعمال الإرهابية. لكن هؤلاء فاتهم ان التجنيد لا يكون في مدى أيام أو اشهر، وان التهئية النفسية وغسل الدماغ ربما يستغرق سنوات. وان هؤلاء المُغرر بهم يتم استدراجهم في اعمار مبكرة وقبل خوضهم في ملذات الدنيا وتعرفهم عليها، لضمان عدم تراجعهم وفشلهم في تنفيذ الأوامر الموكلين بها. ويمكن ان نعدَّ الخاتمة المفبركة للانتحاري المفترض والذي يقرر العودة عن فعله وتفجير السيارة الملغمة التي كان يقودها في الصحراء بدلا من الهدف المقرر أصلا، يمكن ان نعدَّ ذلك ضربا من التمني، والذي لا يمكن تصديق حدوثه بهذه السهولة.
ومن ناحية أخرى فان التحقيق مع احد المعتقلين الذين داهمتهم القوات الأمنية وتمكنت من إلقاء القبض عليه لا يرقى إلى مستوى عمل فني متخصص. وجاء هذا التحقيق في اغلبه بصيغة حوارات جوفاء وتكرار لعبارات بعينها يقولها المحقق، يقابلها استهزاء واضح من المتهم. وحتى اعتراف المتهم اخيرا وإرشاده لوكر الجماعة الإرهابية لا يمكن ان يصدق، وهو ايضا يقع في دائرة التمنيات. وأكاد اجزم انه لو كانت هذه هي الوسيلة التي تحقق بها القوات الأمنية السعودية فلن تتمكن من معرفة سوى النزر اليسير من المعلومات، وأنها ربما لن تستطيع –بهذه الطريقة- مواجهة آفة الإرهاب فضلا عن القضاء عليها.
ان المسلسل الذي عرضته الـ (ام بي سي) جاء في فترة حساسة من تاريخ الأمتين العربية والإسلامية، لتزايد الأعمال الإرهابية المستندة العقيدة الاسلامية. ومجرد تصديه لبحث هذا القضية هو بلا شك شجاعة كبيرة، وخروج عن النمطية، وإحكام للعقل مقابل العاطفة الهوجاء التي تتسم بها الشعوب الشرقية عموما. وإذا كانت قناة (ام بي سي) قد اتخذت شعارا في موقعها على الانترنت (العالم بعيون عربية)، فإنها بعرضها لهذا المسلسل قدمت رواية عن (الإرهاب) بعيون عربية. ويحق لهذه القناة ان تتحدث عن قضية عالمية بعيونها هي، ولكننا ندرك ان هذه الرؤية ليست عالمية أو إقليمية، وان لم تكن محليّة جد

استراتيجية الدعاية الانتخابية لقائمة الائتلاف العراقي (15)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

يعتقد الكثيرون ان سر فوز قائمة الائتلاف العراقي الموحد الساحق في الانتخابات البرلمانية الاخيرة يعود الى حصول تلك القائمة على رضا المرجع الديني اية الله العظمى السيد علي السيستاني ومباركته لها، وبالتالي التأثير على مقلديه، وهم اغلبية الطائفة الشيعية، ودفعهم للتصويت لتلك القائمة كواجب ديني، تبرأ ذمتهم بأدائه. والواقع ان هذه الرؤية هي تسطيح للمسألة، وتبسيط مفرط لطبيعة الدعاية الانتخابية لتلك القائمة، التي حققت بتطيبيقها لاستراتيجية مدروسة نجاحا منقطع النظير، ليس على مستوى العراق فحسب، بل بالمقارنة مع أية انتخابات حرة تجرى في أية دولة في العالم.
ويمكن النظر لهذه الانتخابات على أنها امتداد للانتخابات التي سبقتها، والتي أجريت في الثلاثين من كانون الثاني 2005، وتأكيد لنتائج الاستفتاء في الخامس عشر من تشرين الاول. فقد كانت نتائج الانتخابات الاولى، وطبيعة توزيع المقاعد البرلمانية، وبالتالي الحقائب الوزارية، بموجب الاستحقاق الانتخابي قد شكلت خللا في فهم طبيعة الاداء الحكومي على المستويين التشريعي والتنفيذي، خصوصا مع غياب التمثيل البرلماني السني. نعم، كانت هناك محاولات لضم ممثلي المحافظات الغربية في الحكومة، وفي لجنة كتابة الدستور، ولكنها لم تحصل على التأييد الكامل من احزاب وتنظيمات تلك المحافظات، فضلا عن مرجعياتها الدينية. والمحك الاكثر خطورة كان في النزاع حول الدستور، ورفض الاعضاء السنة (المعينين) لمسودة الدستور، وتهديدهم باسقاطه في الاستفتاء عن طريق استخدام حق النقض الذي تتمتع به أية ثلاثة محافظات اذا رفض ثلثاها تلك المسودة. فقد برزت الى السطح تيارات الطائفية والمذهبية بشكل واضح، ووضعت جميع اطياف العراق العرقية والدينية امام امتحان “ان نكون او لا نكون”، بينما ابتعدت الاحزاب العلمانية عن الساحة واكتفت بدور المتفرج، بانتظار فشل الاحزاب الدينية، او ممثلي الطوائف، في خوض غمار التجربة، او خروجها منهكة وغير قادرة على الدخول بنفس القوة في الاستحقاق التالي.
ولكن قائمة الائتلاف اثبتت انها قادرة على دخول المعترك من جديد، واستثمار النجاح المحدود المتحقق في اقرار الدستور لصالحها. واكتسبت زخما معنويا من تصوير الخلاف حول الدستور على انه خلاف مذهبي او طائفي يمتد الى نزاع حول السلطة والثروات الطبيعية. وكان اعتراض ممثلو السنة على بعض بنود الدستور اداة مهمة بيد قائمة الائتلاف للدعوة الى مساندة المذهب والطائفة، وبالتالي خططت استراتيجية الدعاية الانتخابية على هذا الاساس. ولم يكن للاداء الحكومي الضعيف، ولا للاتهامات بالفساد الاداري، والفضائح التي تكشفت في المعتقلات اي دور في تلك الدعاية، لا نفيا ولا تبريرا. فقد قامت تلك الاستراتيجية على التركيز على الهدف البعيد للمواطن، وهو حماية الطائفة، اكثر من مخاطبتها للهدف الاقرب وهو تشكيل حكومة توفر الامن والرفاهية للشعب.
تتألف الدعاية او الحملة الانتخابية لاي كيان سياسي بشكل عام من ثلاثة مراحل: الاولى الاعلان عن وجود الكيان، والثانية إشعار الناخبين بانهم موجودون لدى الكيان، والثالثة تتمثل في توطيد الثقة بين الكيان والناخب. وكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث يجب تنجز ضمن فترة زمنية محددة، ووفق قواعد وأطر مدروسة مسبقا. والادارة الجيدة لتلك الحملة تضمن ان لا يكون للحدث الآني، او المفاجآت، تأثير كبير على مجريات اللعبة الانتخابية. واذا راجعنا الدعاية الانتخابية لمجمل الكيانيات السياسية خلال الانتخابات الماضية، لوجدناها اما تقع ضمن المرحلة الاولى، او انها تكافح لتجتاز المرحلة الثانية. فالغالبية العظمى من تلك الكيانات اكتفت بالملصقات واللافتات والدعاية المتلفزة المقتضبة. بيد ان المطلوب لحمل الناخب على التصويت لكيان سياسي معين ان يجتاز ذلك الكيان المرحلة الثالثة ضمن الاطار الزمني المحدد سلفا.
ولكن قائمتي الائتلاف والتحالف الكرستاني، استثناء من الكيانات السياسية الاخرى، استطاعتا ان تعبرا هذه المرحلة بنجاح، بدلالة النتائج الكبيرة التي حققها كل منهما. وبالنسبة لقائمة التحالف الكردستاني فان الامرغير مستغرب، نظرا لوحدة الاكراد عموما تحت هذه القائمة. اما فيما يخص قائمة الائتلاف، فلابد من وقفة تأمل في الاستراتيجة التي اتبعتها لتحقيق ذلك التقدم المذهل.
وتلك الاستراتيجية اتبعت ببساطة نهج المراحل الثلاثة المشار اليه آنفا. فقد استغرقت وقتا يسيرا للاعلان عن وجودها من خلال الملصقات واللافتات وغير ذلك. ولكنها اخذت وقتا اطول في استيعاب الناخبين، وخاضت عملية شاقة بصبر ودأب. فقد كان عليها اولا ان توضح طبيعة الاخفاقات الحكومية خلال الفترة التي تولت فيها زمام السلطة. كما كان عليها ان تهديء من روع المواطنين الذين يساورهم القلق حيال مستقبل العراق ووحدته في حال تسنمت هذه القائمة السلطة من جديد. وكان الهجوم خير وسيلة للدفاع. فبدأ التراشق الكلامي بالتصاعد، وعمد الائتلاف الى اظهار عيوب منافسيهم، او تضخيمها. وسعت تلك القائمة الى القاء التبعة في كل اخفاق تقريبا الى مرحلة سابقة، او الى التهديد الامني وسطوة الارهاب. لقد كان هذا السجال يدور عبر الشاشات، ولكنه كان يجد من يروج له في الشارع والمقهى والمسجد والدائرة الحكومية، وفي البيوت.
وهنا لابد من الاشارة الى تواجد مكاتب فعالة في معظم المحافظات للاحزاب الرئيسة في تلك القائمة، مقابل مكاتب ضعيفة او غير فعالة، او انعدامها على الاطلاق، للاحزاب الاخرى. وهذه مسألة في غاية الاهمية، طالما ان احتواء المواطن (الناخب)، وجعله يدرك بانه موجود لدى الكيان، يتطلب احتكاكا وتواصلا مباشرا ومستمرا. كما ان تلك المكاتب توفر طريقة شديدة التأثير في الدعاية الانتخابية من خلال استخدام الاشخاص انفسهم في الدعوة للكيان بدلا من الاعتماد على الوسائل التقنية، من اذاعة وتلفزيون وصحف وملصقات وغيرها. فقد يكون هناك تأثير للدعاية بطريق التلفزيون مثلا، ولكنها تصلح فقط لاجتياز المرحلة الاولى، مرحلة التعريف بالكيان. ولخوض المرحلة الثانية لابد من تواجد قريب من المواطن، ومن توجيه الحديث من فرد الى فرد اذا اقتضى الامر. ان الناخبين قد يصوتون للكيان الذي شاهدوا صورته في التلفزيون، او قرأوا لافتة تدلل عليه، ولكن اربعة اضعاف هؤلاء يصوتون للكيان الذي نصحهم به اصدقاؤهم الموثوقون، كما تظهر احدى الدراسات التخصصية.
من جهة اخرى فان هذا القرب من الناخبين يمكن من ممارسة الدعاية السلبية بشكل واسع، ولكنه لا يترك أثرا يقتفى في حالة الشكوى من هذا التصرف. فمن السهل تصدير اشاعة بين الناس حول امر ما حتى مع غياب الدليل، ولن يكون ممكنا عمليا اثبات من اصدرها. بينما سيكون من الصعب الحديث بشكل رسمي عن اية طعونات بالكيانات الاخرى دون توفر ادلة دامغة. ولكن المواطنين العاديون عادة لا يلاحظون الفرق، ويتناقلون الخبر والاشاعة بنفس القدر من الاهتمام والتصديق، اذا تواترت ا بما فيه الكفاية.
وفي الدعاية الانتخابية، شأنها شأن كل الفعاليات السياسية الاخرى، كل شيء جائز ما لم يمنع بقانون صريح. وقد يكون توجيه الخطاب الديني لحث الناخبين بالتصويت لقائمة او كيان سياسي امرا غير مقبول لدى البعض، ولكنه غير ممنوع قانونا. فالنظام رقم 8 لسنة 2005 الذي اصدرته المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، ينص على انه “لايجوز لاي كيان سياسي او ائتلاف ان يضمّن حملاته الانتخابية افكارا تدعو الى اثارة النعرات القومية او الدينية او الطائفية او القبلية او الاقليمية بين المواطنين”، وهذا لا يمنع من استخدام الخطاب الديني طالما انه لا يتجاوز الممنوعات المذكورة. ولا اجد ما يمنع الكيانات الاخرى من استخدام اساليب مماثلة، اذا كانت اقرب الى قلوب المواطنين. ولست ادعو الى تسييس الدين، ولكن الى خلق التوزان الضروري لعدم انفراد جهة او قائمة او كيان ب عقول وقلوب الناخبين.
لقد نجحت قائمة الائتلاف من خلال تحدثها الى كل ناخب على حدة في كسب الثقة لديهم، واجتياز المرحلة الثالثة حتى بدون الحاجة الى فتوى صريحة بالتصويت لتلك القائمة. والخطاب الديني الذي تميزت به دعاية تلك القائمة، لم يكن ليغير من توجهات الناخبين بشكل كبير لو ان بقية الكيانات توجهت بذات القدر من الاهتمام الى الناخب الفرد وسعت الى ضمه واشعاره باهميته لديها وبالتالي اكتسبت ثقته. فعندها لن يكون سهلا التحول عن دعم ذلك الكيان، حتى ولو داعب الكيانات الاخرى عقيدته الدينية او ولاءاته العشائرية او غير ذلك من الضغوطات التي تستخدم عادة للتأثير على الناخبين.

التطويع السياسي للاسطورة المدنية ( 14 )

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

حينما تطلع بنو الانسان القدماء الى السماء وجدوا عددا كبيرا من النجوم التي تتفاوت في شدة لمعانها تدور، في تراتبية زمنية سنوية لا تتغير، حول الارض كما بدا لهم. ولما كانت طبيعة البشر التساؤل، فقد افترضوا ان ذلك كله لابد ان يكون له معنى. ولم تكن لديهم اجهزة او مناظير تقرب لهم الكون الفسيح، فقاموا بتجميع النجوم في ابراج ومجاميع سموها اسماء مختلفة واعطوا لكل منها قصة، اضحت فيما يلي اسطورة توضح الغاية والمعنى من وجود المجوعات النجمية، وقبلها وجود النجوم في السماء، وسبب حركة الكواكب نسبة الى النجوم الثابتة. لقد كانت الاسطورة التي ترويها مجموعة المرأة المسلسلة مثلا حقيقة بالنسبة للناس بنفس القدر الذي تكون فيه النجوم ذاتها حقيقية. لم تكن مجرد اسطورة، بل كانت تفسيرا لظاهرة ومشاهدة لم تتوافر لهم طرق قياس علمية قادرة على رصدها.
غير ان الاسطورة ليست متعلقة فقط في امور نجهلها في السماء، بل انها تمتد لتشمل كل ما نجهل، وكل ما يخرج عن حدود علمنا المحسوس او النظري. بل انها تسشتري حتى مع وجود افكار تنظيرية ومحاولات فلسفية لايجاد تفسيرات علمية. فليس العلم المجرد الا ترفا للانسان العادي، وحتى العلم التجريبي بادواته متفاوتة التعقيد ليس الا ميدانا يخوض فيه القلة الذين عليهم ان يشرحوا بابسط العبارات نتائج عملهم، والاكثر اهمية معنى الظاهرة تحت التجربة، والتطبيقات المفيدة لها او كيفية تجنب مساوئها. وربما يلجأ بعض العلماء الى الميثولوجيا في محاولة شرح ظاهرة ما تعزيزا لوجهة نظر او اسنادا لفكرة. فالميثولوجيا التي تضم اساطير قديمة ليست الا تلخيصا لرغبات ومخاوف البشر، ومحاولات اولية لفهم ما يجري ضمن اطار ادراكي موحد.

الاسطورة مخزن الافكار
يمكن قبول فكرة ان الاساطير هي البديل العملي لغياب التفسير العلمي بشكل مبدئي. ولكن يتوجب الحذر في اطلاق مثل هذه الاحكام. ففي العديد من الاحوال تكون القصة الاسطورية موجهة لخدمة غرض سياسي او ديني او حتى اجتماعي. والسبب في ذلك يعود الى قدرة ورغبة البشر على حفظ ونقل وتبادل الاخبار غير المألوفة على وجه الخصوص. والحديث ان امور غيبية تحدث لابطال ضخام الحجم، واكسير الحياة، والرحلات الى عالم غير معروف، وغير ذلك تنقل الفكر البشري الى مستوى مختلف من الوعي، المستوى الذي يحول الواقع المفروض الى خيال مرغوب، ويمنح الافكار التربة الخصبة لتنمو، فمنها مبدع وفاتن وجذاب ومشوق، ومنها ما لايعدو ان يكون مجرد هلوسات. سوف تقوم الخبرة الجمعية بتمييز الغث من السمين، ولن تتناقل الاجيال –اذا تركت لوحدها بدون نتدخل خارجي– الا تلك القصص المحببة التي تشرح وتبين الاسباب الكامنة وراء الاشياء، وتثبت من العبرة التي تحملها انها افضل وسيلة اتيحت للبشر خلال الفترة السابقة لعصور التنوير للتعليم ونقل المعرفة.
وعلى هذا فان الاسطورة تمثل جزءا من كيان الانسان وتراثه، ولن يكون التفسير العلمي لوحده قادرا على منع الايمان بها. بل ان الاسطورة يمكن لها ان تتغلغل في صلب النظرية العلمية لتملأ الفراغات التي لم تستطع النظرية ان تشرحها، او تركتها لحين توفر معلومات اكثر حول الموضوع. الاسطورة مثل الاعشاب التي تنمو لوحدها في اي مكان تقريبا، وتحت اي ظروف. لكن بعضا من هذه الاعشاب مفيد. ومتى ما كان تدخل الانسان واردا، فانه يحاول ان يحد من العشب الضار ويزيد من العشب النافع. وقد وجدت التجربة الانسانية ان هناك طريقة ناجعة في حمل الناس على الايمان بمبدأ او مثال اعلى من خلال تسطيره وتلقينه عبر الاجيال. تلك الاساطير، حتى في عصر غزو الفضاء وشبكة المعلومات الدولية، ليست الا حكمة موجهة تنذر وتحذر من عواقب تصرف خاطيء، او تحث وتبشر بمردود تصرف صائب. ومعلوم ان الخطأ والصواب هنا انما تكتسب معناها من ممارسة المجتمع لها، ومقدار المنفعة او المضرة العامة التي تنجم عنهما. وليس معنى ذلك ان الخير والشر نسبيان، بل ان النفع والضرر هما اللذان ينسبان الى المكان والزمان.
وقبل ان نحاول سبر التأثير السياسي على الاسطورة، سنعرض فيما يلي الى مجموعة من الاساطير الحديثة، التي يطلق عليها ايضا مصطلح الاساطير المدنية Civil Legends ونحاول ان نتفهم الغاية منها والدرس والحكمة التي تحاول ان تطلقها:

السائق الساذج
استأجرت امراة حامل على وشك الولادة سيارة اجرة لايصالها الى مستشفى الولادة. ولانها وحيدة ترجوه ان يرافقها في المستشفى لحين الوضع، ويقبل السائق ان يقدم المساعدة مدفوعا بالشفقة عليها وحبا في فعل الخير. غير ان المرأة تصرح ان والد ابنها المولود حديثا هو الرجل الذي رافقها عند دخولها المستشفى. وتثور ثائرة الرجل الذي يأبى ان يفرض عليه ابنا بهذه الطريقة، فتقوم المرأة بتقديم شكوى الى المحكمة، التي تأمر بفحص خصوبة الرجل. وهنا يأتي الجزء الاكثر تشويقا، وهو ان نتائج الفحص تؤكد ان الرجل عقيم ولا يمكن ان يكون له اولاد. ان ذلك كاف لاثبات برءاته من دعوى المرأة، ولكنه سوف يفتح ابوابا ما كان لها ان تفتح ابدا، فالرجل متزوج وله اولاد وبنات. يحمل الرجل الخبر الذي برأه ليلقيه على زوجته كالصاعقة، والتي لا تجد مناصا من الاعتراف بانه ليس والد ايا من ابنائه.
هذه القصة الاسطورية محبوكة لتنقل لنا العديد من القيم، نوجزها فيما يلي:
1- لايمكنك ان تخبيء سر الى الابد، سيظهر شيء ما في وقت ما يفضحك.
2- لا تثق بالنساء، فالتي تريد مساعدتها قد تفتري عليك، والتي تعيش معها قد تخونك.
3- لا تكن طيبا الى درجة السذاجة، اذا كانت المرأة حاملا مـُقربا فلابد ان هناك من يرافقها سواك.
4- يمكن لحادثة واحدة ان تغير حياتك بشكل ملحمي، بحيث تتمنى لو لم تحدث ابدا. ربما عليك ان ترفض فحص الخصوبة اذا كانت ابا بالفعل، الا ترى نتيجة ذلك؟

الشرطي المتفاني
يمر الناس الواحد تلو الاخر في طريقهم الى الدخول الى المبنى الحكومي المحصن عبر بوابة ضيقة يشرف عليها شرطي يقوم بتفتيش الوافدين بيده. وبينما هو يتفحص احدهم يتعرف الى ملامح حزام ناسف يحمله ذلك الشخص، وبينما يحاول ان ينزع هذا السلاح الرهيب يسارع الانتحاري الى اطلاق الصاعق، فما يكون من الشرطي الا ان يحتضنه ويرمي به ونفسه جانبا ليموت واياه مقللا الخسائر، ان لم يكن بالامكان منعها اصلا.
جوهر القصة ينطوي على المعاني التالية:
1- الانتحاري سلاح لا يمكن تجنبه وان أمكن كشفه.
2- الشرطة متفانون لدرجة التضحية بالنفس ان استوجبت الضرورة.
3- الارهابيون يسبقون القوى الامنية بخطوة واحدة على الاقل تتمثل في استغلالهم للانتحاريين الذين ليس لديهم شيء يخسروه.

البقال اليهودي
جلس البقالون في سوق الخضار متعجبين من تزاحم المتبضعين حول محل البقال اليهودي الذي يبيع الطماطم. ورغم انهم يعرضون نفس النوع وبذات الجودة الا انهم لا يكادون يبيعون شيئا منها. وحينما استطلعوا الامر وجدوا ان البقال اليهودي كان يبيع الطماطم بسعر التكلفة، مما اثار تساؤلات عن الغاية من ذلك، ولماذا يقوم هذا الرجل ببذل جهده في التجهيز والعرض والوزن والبيع ليجد نفسه غير رابح لشيء في النهاية. وفي آخر النهار قرروا ان يواجهوه باسئلتهم ليفهموا ما يجري وكيف لهم ان يتصرفوا ازاء ذلك. وبالفعل توجه نفر منهم عندما اقترب مغيب الشمس ليسألوه عن سبب بيعه المحصول بلا ربح، فاجاب ببساطة: من قال اني لا اربح؟ قالوا: كيف لك ان تربح وانت تبيع بسعر التكلفة؟ قال: الامر بسيط، انا اربح من بيع الصناديق الفارغة! وطالما انه يبيع اكثر من غيره، لانه يبيع ارخص من غيره، فان عدد الصناديق الفارغة سيكون كبيرا وبالتالي سيكون الربح وفيرا.
هذه القصة، التي تحكي عن عصر مميز من التنوع العرقي والديني في العراق، ربما تضمنت الاهداف التالية:
1- قد لا يكون الربح دائما بحسابات تقليدية، عليك ان تكون خلاقا في ايجاد وسائل للتنافس الاقتصادي.
2- الشخص الذكي شخص مختلف، يهودي في هذه الحالة.
3- كما ان الشخص الذكي قد يكون مكروها، رغم الحاجة اليه، تمثلها الكراهة التقليدية لليهود.

هذه ثلاثة اساطير تمثل ثلاثة خطوط: اجتماعي، وسياسي-امني، واقتصادي. ونحن نستطيع ان نجد من تلك القصص امورا مشتركة، نوردها فيما يلي:
1- تشكل الاسطورة الملحمية العنصر الاساس فيها، حيث لا يتوجب تقديم دليل ما على صحة ما ورد فيها.
2- هناك عبرة مستخلصة، تفوق الحبكة الدرامية للقصة، تجعلها محط التركيز والاهتمام، وبما يفوت الفرصة على النقد وحتى التشكيك في امكانية وقوع الحدث بالشكل المروي.
3- انكار وقوع مثل هذه الاحداث لا يغير من الامر شيئا. يمكن دائما تصور وقوعها ولو على سبيل الفرض، وبالتالي فافتراض صحة وقوعها يطغى على ما سواه، ومن ثم تكون غاية الرواية اولى بالاعتبار.

من الاسطورة الى الامثال الشعبية
ان هذه العناصر تشكل معنى الاسطورة وروحها، وتمثل دروسا توجيهية للمجتمع، بمختلف مراحله العمرية، وتمايزاته الاقتصادية، وتنوعه الثقافي وحتى الاثني. هذه الاساطير تمثل احد تجارب المجتمع التراكمية التي تتحول بتقادم الزمن الى امثال تـُقال، ثم تـُشرح فيما يلي بالقصة التي بسببها قيلت. فمثلا يمكن ان يضرب المثل بسائق سيارة الاجرة (ولنطلق عليه اسما ما مثل كريم) فيقال، بعد عقود من السنين: “اكثر سذاجة من كريم السائق”، وعن زوجته: “أخون من زوجة كريم السائق”. وربما يذهب الشرطي الشهيد مثلا بالقول: “أشجع من شرطي التفتيش”، واليهودي في الذكاء: “اذكى من اليهودي البقال”.

من الاشاعة الى الاسطورة
ان الاسطورة المدنية تمثل حاجة اجتماعية ووسيلة تعليمية غير مؤذية عموما، ما لم تستخدم بشكل واع ومتعمد لاثارة مخاوف وهواجس الناس، بغية السيطرة عليهم وتوجيههم بالطريقة التي يراها مروجوها، سواء كانت السلطة الحاكمة او احزاب او تنظيمات سياسية معينة تسعى للهيمنة على المجتمع في سعيها لتولي السلطة. وهي بذلك تتحول الى ما نطلق عليه الاشاعة، وتضيع القيمة التعليمية والخلاصة المعنوية لصالح اهداف مرحلية وغايات سياسية لا تعيش اكثر من عمر اصحابها. وربما تدوم القصص الموجهة سياسيا اكثر من ذلك بسبب تركزها في عقول الناس وبالتالي تتحول الى اداة سلبية تحبط من العزم، وتثبط الهمم، وتشيع جوا من السوادوية والكآبة والشعور بالذنب والرغبة في جلد الذات، او حتى عقدة النقص الجمعية وتقديس تفوق الاخر كنتيجة لذلك.
هذا الخطر الذي تنطوي عليه مثل هذه الاشاعات التي تتحول الى اساطير مدنية سلبية لا يقل باي حال عن منع التعليم عن الاطفال في المدارس، فهو اضافة الى ذلك، اشاعة للجهل لدى الراشدين كذلك. وفي مجتمع قابل للخضوع بسهولة لمثل هذه الاساطير تكون مسؤولية التنوير ورفع الوعي العام كبيرة من قبل اجهزة الدولة (المبنية ديمقراطيا)، ولكن بنفس الدرجة ايضا على المثقفين والمبدعين ووسائل الاعلام. ونحن نجد ان قسما كبيرا من هذه الفئات اليوم يؤمن بنظرية المؤامرة، التي هي ليست الا انعكاس اخر لاسطورة سلبية لا يمكن التحقق منها ومع ذلك توصل غاية تعليمية مفادها ان الآخر عدو مهما فعل ومهما بذل في سبيل التقرب الينا. وعلى هذا فان مسؤولية المثقف يجب ان تكون نقدية قبل ان تكون (ترديدية)، بمعنى ان الواجب، في ضوء ما تقدم اعلاه، ان نفحص القصص المتواردة، خصوصا الاقرب الينا تاريخا، لنسبر الغاية منها، ونتعرف على اتجهاها العام، وفيما اذا كانت مجرد تجربة اجتماعية تتطور الى اسطورة ومن ثم حكمة ملخصة بلاغيا على شكل مثل او قول ماثور، ام انها وضعت عن عمد متخطية السلسلة الثقافية الطبيعية للمجتمع، ومن ثم تـُسير سياسيا للسيطرة على هذه السلسلة ذاتها واخضاع المجتمع لتوجهات محددة تفرضها قوى داخلية او خارجية او مشتركة بينهما، تعمل على خفض مستوى الادراك والتقليل من حجم المعارضة المحتملة من خلال تغييب الوعي العام. هذه المسؤولية ينبغي ان تكون ذاتية اولا قبل ان تكون تضامنية او تكافؤية. ومع اعتبار الكل منفعلا، فلابد من وجود اجزاء غير منفعلة تماما، تكون لها القدرة على ان تكون فاعلة مقابل اجزاء اخرى قدّر لها ان تكون فاعلة دوما.

هجوم فورت هود.. عملاً بطولياً أم انتحاراً دعائيا ( 13 )

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

في السادس من تشرين الثاني الجاري فتح الميجر نضال مالك حسن النار من مسدسين آليين على مجموعة من الجنود كانت تستعد لإنهاء معاملات نشرهم في افغانستان، في المركز المعد لهذا الغرض بقاعدة فورت هود، كبرى القواعد العسكرية الاميركية في العالم.
واصل الميجر اطلاق حوالي مئة رصاصة قبل ان تصيبه ضابطة صف متمرسة على القتال وتوقفه عن قتل المزيد. واسفر الهجوم عن مصرع 12 جنديا ومدنيا واحدا واصابة اثنين واربعين آخرين بجروح مختلفة قد تؤدي ببعضهم الى الإعاقة مدى الحياة.
وعلى الفور بدأت التحقيقات حول اسباب هذا الهجوم المفاجى ودوافعه الخفية وما اذا كان الميجر يعمل بمفرده ام انه كان يتقلى توجيهات او فتاوى تحضه على هذا الفعل. وتشير التقارير الاولية الى ان الميجر نضال مالك حسن، الاميركي المولد والفلسطيني الاصل، لم يكن بالشخص العنيف او المتطرف، رغم ما ذكره زملاؤه في الخدمة من ادانته الحروب في افغانستان والعراق. كما ان جيرانه والاشخاص العاملين معه اصيبوا بالصدمة لما بدر منه، حيث كان ذلك آخر ما يتوقعوا ان يفعله.
وقال ابن عم له، يعيش في القدس، في مقابلة تلفزيونية انه كان يعاني التفرقة العنصرية داخل الجيش لكونه مسلماً، على الرغم من تدرجه في سلم الرتب العسكرية ليصل الى رتبة ميجر (وهي تعادل رتبة رائد). وقياسا الى عمره البالغ 39 عاما، وتاريخ انتمائه الى الجيش الاميركي في عام 1997،لايبدو انه قد تأخر كثيرا في نيل هذه الرتبة، وهي علامة واضحة على عدم وقوعه ضحية لتفرقة بسبب الدين او العرق.
وتجري التحقيقات حاليا في علاقته المزعومة مع رجل الدين المتشدد اليمني الاصل انور العولقي، وهو المرشد الروحي لاثنين من المشاركين في هجمات 11/9، هما خالد المحضار ونواف الحازمي. حيث تشير التحريات الى انه اتصل برجل الدين هذا، الذي كان إمام جامع دار الهجرة الواقع بالقرب من العاصمة الاميركية، واشنطن، في اواخر عام 2008.
غير ان عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي يقولون انهم لم يأبهوا لهذه الاتصالات كون المجير كان يجري تحقيقات لصالح الجيش في ذلك الوقت، واعتبر من الطبيعي ان يقوم بمثل هذه الاتصالات. يذكر ان التدرج في الرتب العسكرية في القوات المسلحة الاميركية يتطلب الحصول على الموافقات الامنية بين الفينة والاخرى، وقد حصل الميجر نضال على درجة (سري)، أي انه لم يبعد سوى خطوة واحدة عن اعلى درجات الموافقات الامنية وهي (سري للغاية)، وهو ما يؤهله الحصول على معلومات سرية وحساسة.
وبناء على ما تقدم لا يبدو ان الميجر نضال كان مرتبطا بشكل مباشر مع خلية متطرفة تعمل على التخطيط لهجمات ارهابية في الولايات المتحدة. ولو كان الامر كذلك فلربما كان سيكون اكثر فائدة لتلك الخلايا من خلال المعلومات السرية التي يمكن ان يقدمها لهم، ولفترات طويلة قبل ان يفتضح امره. فالمكان الذي جرى فيه الهجوم لم يكن مغلقا على العامة، وبالتالي كان بإمكان الكثيرين القيام بما قام به دون الحاجة الى أن يكون برتبة ما في الجيش مثلا.
أما قدرته على حمل السلاح وادخاله الى القاعدة العسكرية فهو ليس بالامر المعجز كذلك، حيث ان تلك القواعد، التي يقطنها عدد كبير من الناس المدنيين والعسكريين على السواء، لا تخضع الداخلين اليها الى اجراءات تفتيش صارمة. يذكر ان قاعدة فورت هود تضم بين جنباتها اكثر من خمسين الف شخص بين مدني وعسكري.
وقال احد الجرحى انه سمع المهاجم يهتف (الله اكبر) باللغة العربية قبيل مباشرته بإطلاق النار على الجنود، وهو ما يدل عادة على هجوم انتحاري. غير ان تلك الشهادة لم تتأكد من شهود آخرين. كما ان هذا الهتاف لا يعني بالضرورة ان تلك العملية كانت (ارهابية). بل ان المسلمين يهتفون (الله اكبر) في مواقف ومناسبات شتى، وليس من العجب ان يقولها شخص يوشك على انهاء حياته، ظنا منه انه بهذا الفعل سوف ينال رضا الباري عزّ وجل. نعم، كان الميجر نضال على وشك ان يُرسل الى افغانستان، وهو ما كان يرفضه علنا. لكنه قام بالفعل بتوكيل محامٍ لغرض إخراجه من الخدمة العسكرية، أي انه اتبع الطرق القانونية للحيلولة دون ارساله للخدمة في حرب يرفضها.
بيد انه كان طبيبا نفسيا في قاعدة فورت هود، وكان يتعامل مع حالات الصدمة التي يعانيها الجنود العائدون من الخدمة في مناطق الحرب. وفي رأيي انه تأثر كثيرا بقصص هؤلاء الجنود عن فظائع الحرب. وكونه اعزبا ويعيش وحيدا ربما اثر في نفسيته وجعلته يعاني الكآبة التي تدفع الى الانتحار في بعض الاحيان. وفي اللحظة التي قرر إنهاء حياته، ربما كان يريد ان يكون هذا الانتحار امرا عاما.
يضاف الى ذلك انه ربما تأثر بالدعاية المتطرفة التي تجيز قتل الاميركيين والغربيين في أي زمان ومكان باعتبارهم كفارا، فعزم على فعل هذا الامر الذي سوف يجعله من (الشهداء) فينال المرتبة اللائقة في الحياة الآخرة، وينهي في نفس الوقت حياته التي بات يشعر بأنها تعيسة من دون ان يتعرض الى العقاب الالهي لارتكابه جرم الانتحار.
واذا قيل ان هناك تناقضا حول زعمي انه لم يكن يقوم بعمل ارهابي، ومع ذلك فقد ارتكب فعلا يندرج ضمنه، فإني أجيب بأن ليس هناك من تناقض. فالفعل الارهابي انما يكون باعتناق الفكرة المتطرفة اولا ومن ثم التخطيط للهجوم وتنفيذه. وفي حال نضال مالك حسن، ليست هناك من بوادر الى انه اعتنق الفكرة بدءا، وأرى ان هدفه كان انهاء حياته، لكنه كان مثقلا بالشعور بالذنب ان نفذه بالطرق التقليدية. ومن ثم عمل على ايجاد العذر المناسب من خلال ادبيات التطرف التي وفرت له طريقا سهلا للانتحار من دون الشعور بارتكابه إثماً.
ولا يخلو التاريخ الاميركي الحديث من اناس ارادوا الموت بهذه الطريقة، ونذكر منهم مهاجم الرئيس رونالد ريغان مطلع الثمانينيات، والذي انما اراد ان يكون موته حديثا لوسائل الإعلام وعامة الشعب ويصبح بذلك من المشهورين، بدل ان يلف الحبل حول رقبته في حمام منزله. ان من شأن هذه الحادثة ان تؤثر على وضع المسلمين في الولايات المتحدة كما هو متوقع.
وقال احد كبار جنرالات الجيش الاميركي انه ستجري مراجعة شاملة لكل الحالات المشابهة لحالة الميجر نضال، وان لم يحدد المسلمين على وجه الخصوص. واتكهن ان يصبح من الصعب على العرب والمسلمين ان يتدرجوا في المناصب الحكومية والعسكرية الاميركية، وربما في البلدان الغربية الاخرى نتيجة لهذه الواقعة. ان هذا الهجوم قد يلحق اذى كبيرا بين اوساط الجالية الاسلامية في الولايات المتحدة التي تكافح من اجل الاندماج مع مجتمع الدولة المضيفة، خصوصا بعد أحداث 11/9، التي لم يكد الشعب الاميركي ينساها. ففي كل مرة يحدث مثل هذا الهجوم تسعى تلك الجالية، في معظمها، الى استنكار ما حدث والبراءة منه، شعورا منها بأن أصابع الاتهام قد توجه اليها. ولسخرية الاقدار، كان الميجر نضال من بين من دانوا هجمات منهاتن.
واذا كان لي ان اقترح أمراً فإني أدعو الى مراجعة النظريات المتطرفة التي تمجد الانتحار من اجل القضية، كائنة ما تكون، والتي تقدم تبريرات غير مستندة الى منطق او تأويل صحيح عن قتل الآخرين والاستهانة بحيواتهم. على رجال الدين من الطوائف كافة ان يدينوا عمل الانتحار مهما كان الدافع. ان السماح والدعوة إلى قتل الذات من اجل القضية التي تعد –عرفا– مشروعان قد يؤديان إلى شرعنة كل القضايا الاخرى، ويسبب ضبابية في فهم المشروعية بحد ذاتها، ويخضعها لتفسيرات ذاتية قد تساعد الشخصية المضطربة على التحلل من قواعد الأخلاق الصارمة.

رئيس الوزراء العراقي يستخدم الجيش لاغراض سياسية (12 )

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

تكريت، العراق – حاصرت الفرقة الرابعة من الجيش العراقي بناية مجلس محافظة صلاح الدين ليل الثلاثاء ولم تظهر أي اشارة يوم الاربعاء على انها تنوي المغادرة. ويُعد هذا الاجراء الاخير من سلسلة من الاجراءات التي اتخذتها حكومة رئيس الوزراء نوري كامل المالكي، والتي اثارت غضب معارضيه، بينما تتزايد الشكوك حول مدى قوة قوانين البلاد والمؤسسات الديمقراطية.
وكان السيد المالكي قد أمر الجيش بالقدوم الى هذا المكان –للمرة الثانية– إثر تنازع مجلس المحافظة حول الصلاحيات القانونية لتعيين المحافظ، وذلك لتأكيد سلطاته. وقد انذر القادة العسكريين والدبلوماسيين الاميركيين من عزمه على استخدام القوة.
قال الكولونيل هنري ارنولد، آمر اللواء الرابع التابع لفرقة المشاة الاولى، لاحد اعضاء مجلس المحافظة خارج البناية المحاصرة صباح الاربعاء: “القانون في جانبك. يعرف المالكي القانون. الامريكيون يعرفوه. وسوف يبقون يذكّرونه به.”
ووقع التدخل في تكريت، وهي مدينة ذات اغلبية سنية وتقع قرب مسقط رأس صدام، في غمرة الحملات الانتخابية التي يتزايد فيها التوتر، والتي اثارت المخاوف من تصاعد العنف المصطبغ بالسياسة. كما ان هذا الاجراء يؤكد ادعاءات مناوئي السيد المالكي بانه يسيء استخدام القانون والقوات الامنية لحل الخلافات السياسية، سعيا منه للحصول على مكاسب في الانتخابات البرلمانية المقررة في السابع من آذار.
لا ينبع الاضطراب السياسي الذي يعصف بالعراق من الانتخابات المرتقبة فحسب، التي يبدو ان السيد المالكي، وهو شيعي متحالف مع بعض السياسيين السنة، يخسر فيها شعبيته وربما فرصه في اعادة انتخابه. انه ينبع ايضا من فصل السلطات غير المجرب بعد، ومن اتفاقات الغرف الخلفية الضبابية، ومن تضاؤل الثقة بقوانين البلاد، التي يعتمد تفسيرها في العادة على من يقرأها.
صرح رئيس مجلس البرلمان العراقي، اياد السامرائي، في مؤتمر صحفي مؤخرا بالقول: “العراق مثل رجل مريض، كل اعضاءه مريضة.”
وفي الاسبوع الماضي فقط، عملت حكومة السيد المالكي، في احسن الاحوال، لحل الصلاحيات القانونية المتنازع عليها.
وفي محافظة ديالى، اعتقل احد المرشحين البارزين من احد الكتل التي تنافس تحالف السيد المالكي، المعروف باسم دولة القانون، اعتقل ليل الاحد من قبل قوات خاصة ارسلت من بغداد قبل ايام معدودة من مشاركته في مناظرة مسجلة انتقد فيها اداء القوات الامنية. ويُقال ان مذكرات اعتقال اخرى قد صدرت بحق خمسة من اعضاء المحافظة الاخرين بتهم غير واضحة.
حينما اصدرت الهيئة التمييزية قرارها في الاسبوع الماضي والقاضي بالغاء القرارات السابقة بمنع المئات من المرشحين من خوض الانتخابات بسبب علاقتهم السابقة مع حزب البعث، ادان السيد المالكي ذلك القرار على انه غير قانوني. ثم التقى مع القادة البرلمانيين ورئيس المحكمة العليا العراقية من اجل التوصل الى تسوية، وهو ما يقول معارضوه انه يبرهن على الضغوط السياسية المفرطة التي يمارسها السيد المالكي على ما يفترض ان تكون هيئة قضائية مستقلة.
وبالمثل، قال السيد رئيس الوزراء العراقي الاسبق، اياد علاوي، والذي بدأت كتلته تمثل تهديدا للسيد المالكي، في مقابلة صحفية مؤخرا: “يفترض ان يكون رئيس الوزراء المدافع الاول عن الدستور، والمدافع الاول عن سيادة القانون والمحافظة على النظام في البلاد، وهو بالمناسبة اسم ائتلافه، وعليه يجب ان يكون اول من يدافع عن قرارات القضاء.”
وكانت عملية رفض مشاركة المرشحين المتهمين بانتمائهم الى حزب البعث قد شابها بعض الغموض، بحيث لم يعلم الدبلوماسيين الاجانب ومسؤولي الامم المتحدة وحتى بعض المسؤولين العراقيين سوى القليل عما كان يحدث، كما انها ماتزال غير واضحة. ولم يتم اعلان قائمة باسماء المجتثين والادلة التي تدعم اجتثاثهم.
وقد دعت لجنة برلمانية، في وقت ما، الى “سحب الثقة” من الهيئة التمييزية، وهو الاجراء الذي يفتقر الى أي اساس قانوني.
يقول مسؤول اميركي، متحدثا عن عملية الاجتثاث: “ان الوزن العاطفي لهذه القضية ثقيل الى درجة تمنع المؤسسات الديمقراطية الناشئة من ان تعمل بالشكل الطبيعي.”
يذكر ان المواجهة في تكريت قد بدأت عقب تصويت المجلس المنتخب حديثا على اقالة محافظ صلاح الدين، مطشر حسين عليوي، في شهر تشرين الثاني بتهمة الاهمال. وكان السيد عليوي قد انتخب من قبل مجلس المحافظة في العام الماضي بُعيد الانتخابات المحلية التي قـُصد منها توسيع الصلاحيات المحلية للمحافظات ليتسنى لها حكم نفسها بنفسها، بعد عقود من الحكم المركزي في بغداد.
وقال عبد الله جباره، احد اعضاء مجلس المحافظة، وكان ضابطا رفيعا في الحرس الجمهوري: “اعتادت الحكومة العراقية على تسخير الجيش لحل مشاكلها،” متحدثا في بناية المجلس يوم الاربعاء.
ومن الواضح ان هذا النزاع قد اضحى جزءا من معركة انتخابية اكبر في العراق. فقد اصطف السيد المالكي مع حزب المحافظ السابق، الحزب الاسلامي العراقي، والذي يأمل في الحصول على دعمه بعد الانتخابات الوطنية ليتمكن من الاحتفاظ بمنصبه. ويضم هذا الحزب بعضا من كبار قادة السنة في بغداد، ومن بينهم السيد السامرائي، رئيس البرلمان.
ورفض السيد عليوي مغادرة منصبه على مدى اسابيع عديدة، حيث تقدم بدعوى قضائية الى المحكمة الاتحادية ضد رئيس مجلس المحافظة متهما اياه بان لديه سجل اجرامي وانه زوّر شهادته الثانوية.
وتدخل السيد المالكي اولا بان ارسل كتابا يرفض الاعتراف فيه بقرار اقالة المحافظ. وحينما ايدت المحكمة الاتحادية قرار المجلس، امر المالكي بازالة المحافظ من منصبه. ومن ثم أمر الفرقة الرابعة في الجيش ان تحتل البناية ليلة العشرين من كانون الثاني، لمنع المجلس من تعيين محافظ جديد، كان المجلس انتخبه بواقع عشرين صوتا ضد اثنين.
وادى هذا الاجراء الى تعطيل عمل المجلس حتى السابع من شباط، حينما انتهى الاحتلال الاول بعد ان جرت مفاوضات خلف ابوب مغلقة في بغداد افضت الى الموافقة على تعيين محافظ بالوكالة. واستنادا الى اعضاء في مجلس المحافظة، على كل حال، مايزال مساعدو السيد المالكي مصرين على ممارسة نفوذهم في اختيار المحافظ الجديد.
وقال المحافظ وكالة، احمد جبار عبد الكريم، بمكتبه يوم الثلاثاء، قبل ساعات معدودة من احاطة بناية مجلس المحافظة بالقوات العسكرية: “نحن انما نخضع لسيادة القانون. هل تريد رأيي؟ ليس هناك من قانون اليوم في بغداد.” ولم يصدر أي شيء علني من حكومة المالكي حول التدخل العسكري.
وقد علق الامريكيون في محافظة صلاح الدين، بضمنهم قادة الفرقة الثالثة مشاة، ولواء الكولونيل ارنولد، وحتى فريق اعادة اعمال المحافظة التابع لوزارة الخارجية، وكل هؤلاء يقيمون في قاعدة هائلة خارج تكريت، في خضم النزاع المتمثل بتحديد النقطة التي تنتهي فيها صلاحيات الحكومة الاتحادية وتبدأ عندها صلاحيات مجلس المحافظة.
وقد وضع الاميركيون، في اية حال، انفسهم بموضع المعارضة المباشرة لحكومة السيد المالكي من خلال تأكيدهم على صلاحيات مجلس المحافظة الجديدة التي تدعو الى احترام دور القانون. ومن ثم تزايدت اتهامات السيد المالكي للاميركيين، الذين طالما تمتع بدعمهم غير المحدود، بانهم يتدخلون في الشؤون الداخلية العراقية.
واطلق الكولونيل ارنولد، صباح الاربعاء، على الحصار الجديد الذي قام به الجيش بانه “اجراء يائس.” وقال للسيد جباره، عضو المجلس: “انهم يخسرون. وهذا هو السبب في قيامهم بهذا العمل.”

قتال الولايات المتحدة للقاعدة في اليمن قد ينقلب عليها ( 11 )

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

سببت محاولة اغتيال السفير البريطاني في اليمن بالاضافة الى نشر شريط الفيديو المنسوب الى المفجر الانتحاري في يوم عيد الميلاد، والذي تلقى تدريبه في فرع القاعدة باليمن، تسبب كل ذلك في التركيز على الحاجة الى ستراتيجية اقوى لمقارعة الارهاب في اليمن.
وكانت الولايات المتحدة قد زادت من مساعداتها العسكرية الى اليمن بعد ان تبنى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب المسؤولية عن محاولة تفجير الطائرة المتجهة الى ديترويت يوم عيد الميلاد. كما استهدفت الحكومة اليمنية، في الاشهر الاخيرة، الكثير من نشطاء هذا التنظيم، وعادة ما يتم تنفيذ هذا الامر بالتنسيق الهاديء مع الولايات المتحدة.
لكن الخبراء يحذرون من ان تصاعد العمليات العسكرية، بالاضافة الى التعاون المعلن مع اميركا، قد يؤديان الى فشل العمليات، ما لم تقم اليمن بتنويع طرق التعامل مع الموقف، الامر الذي قاد الى النجاح في البلد المجاور، المملكة العربية السعودية.
يقول جورجي جونسن، الخبير في شؤون اليمن بجامعة برنستون في ولاية نيوجيرسي: ” كان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، حتى يوم عيد الميلاد عام 2003، اقوى من اي وقت مضى في اليمن. وعلى مدى الاشهر القليلة الماضية، تلقى التنظيم سلسلة من الضربات، لكن لا يبدو ان ايا من تلك الهجمات سوف يؤدي الى اخراج التنظيم عن مساره في اي مدى زمني منظور.”

يوم في وحدة يمنية لمكافحة الارهاب
يقوم جوهر مقارعة الارهاب في اليمن على العمليات العسكرية الموجهة من قبل وحدة مكافحة الارهاب اليمنية، مع مساعدات اميركية وبريطانية مقدمة على شكل تمويل وتدريب واستخبارات. وقد وافق وزير الدفاع الاميركي، روبرت غيتس، في شهر شباط الماضي، على منح مساعدات عسكرية بقيمة مئة وخمسين مليون دولار الى اليمن للعام 2010، بعد ان كانت قيمة المساعدات في العام الماضي سبعة وستين مليون دولار. واستنادا الى مسؤولين التقت بهم وكالة رويترز، فقد تم تخصيص ثمانية وثلاثين مليون دولارا من هذه المساعدات الى عمليات النقل الجوي، بينما تذهب اربعة وثلاثين مليون دولار الى “المساعدة التقنية” للقوات الخاصة اليمنية.
وكانت وحدة مكافحة الارهاب اليمنية قد تشكلت في عام 2003، وتتألف من مئتي مقاتل يعيشون في مقر الوحدة المركزي بصنعاء. وهم يحضرون دروسا تدريبية خمسة ايام في الاسبوع، عند ميدان موانع صغير وبدائي على مبعدة ثمانية اميال عن العاصمة.
قام فريق صغير يرتدي البدلات العسكرية النظامية، في الايام الاخيرة، بتنفيذ تمرين قتالي. ركض الجنود الى نقطة ثابتة قبل ان ينبطحوا ارضا ويطلقوا النار على هدف مرتفع. وبعد ان اطلقوا النار على هذا الهدف بتجانس تام، نهضوا وركضوا الى نقطة هدف اخرى فاطلقوا النار على قناني زجاجية خضراء وضعت على جدار، ثم تقدموا واطلقوا النار باستعمال المسدسات على هدف مؤلف من الواح خشبية من مسافة قريبة. وتوسط المكان هيكل خرساني فارغ يمثل منزلا، حيث تدربت الوحدة على اقتحامه.
وتضم وحدة مكافحة الارهاب فريقا نسائيا من اثنيتن واربعين امرأة، يعملن مع مدربات اميركيات، وهن يتدربن على الرمي في الميدان كذلك. كما يمكنك سماع صوت التدريبات الجوية فوق رأسك. يقول الرائد ابو لحوم، وهو احد اعضاء الفريق منذ تأسيسه، انهم كانوا يخوضون عمليات قتالية اكثر، وبنجاح متزايد، في الشهور الاخيرة: “علينا ان نعزو الفضل في ذلك الى التدريبات الاميركية والبريطانية.”
بدت اشراقة باهتة على وجه عمار، وهو ضابط صف شاب، وقد اعتمر خوذة سوداء وحزام الاطلاقات النارية، بعد ان انهى تمرين الموانع. قال: “نحن نجتمع كل يوم مع الاميركيين.” واضاف انهم يعطوه دروسا في تفتيش المنازل، والرمي، والتدريب الطبي. واوضح انه يخوض التدريبات خمسة ايام في الاسبوع، ويقوم بتمارين ليلية في بعض الاحيان، لكن الرائد لحوم قطع المقابلة معه بشكل اعتباطي، موجها ان الجنود غير مخولين في الحديث الى وسائل الاعلام.

التنسيق الاميركي-اليمني قد برفد القاعدة بعناصر جديدة
غير ان تعامل اليمن الوثيق مع الولايات المتحدة يشكل توازنا صعبا للحكومة اليمنية من ناحية، ويخاطر بتقوية تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من ناحية اخرى. يقول السيد جونسون من جامعة برنستون: “تريد القاعدة ان تظهر اليمن على انها مثيلا للعراق وافغانستان.. واظهار اليمن على انها محتلة من قبل قوة اجنبية، لانهم ما ان يفعلوا ذلك، فان ابواب التجنيد لصالحها سوف تفتح على مصراعيها.” وهو يصف التصريحات التي يدلي بها المسؤولون اليمنيون بعدم وجود جنود اميريكين في اليمن على انها “نوع من التصريحات المحسوبة بعناية والموجهة الى الشعب اليمني بان هؤلاء ليسوا جنودا، وانما مستشارين فحسب، وان الولايات المتحدة لا تحتل اليمن.”
وقد برزت الحالة اليمنية الى الاضواء بعد ان ادرجت وكالة الاستخبارات الاميركية المواطن الاميركي انور العولقي في قائمة الاغتيالات الخاصة بها، وهو رجل دين على صلة بالشخص الذي اطلق النار في قاعدة فورت هود، وبالشخص الذي حاول تفجير الطائرة يوم عيد الميلاد، والذي يعتقد انه مختبيء حاليا في اليمن. وكان وزير الخارجية اليمني، ابو بكر القربي، قد قال باديء الامر ان اليمن تنتظر من الولايات المتحدة دليلا على علاقة السيد العولقي بالارهاب قبل ان تسعى الى اعتقاله، لكنها عدلت عن هذا التصريح لاحقا.
وقد اخبر السيد القربي صحيفة المونيتر في مقابلة اجريت بمكتبه ان: “السلطات اليمنية تنظر اليه (العولقي) بان لديه ارتباط بالقاعدة، لذلك فهو مستهدف من قبل الحكومة اليمنية لاعتقاله ومحاكمته.” وقد شدد على ان عملية القاء القبض على العولقي هي شأن داخلي محض. مضيفا: “سوف يخلق التدخل الخارجي، بطبيعة الحال، المشاكل السياسية للحكومة.”

السعودية دفعت برجال المليشيا الى اليمن
بلد واحد كسر التوازن بين التعاون العلني مع الولايات المتحدة ومواجهة القاعدة، الا وهو المملكة العربية السعودية، والتي اطلقت هجمات محلية ضد هذا المجموعة تكللت بالنجاح في عام 2003. على ان القوات السعودية تحظى بتمويل افضل وكانت تتلقى التدريبات على يد الاجانب منذ اوائل السبعينيات. لكن الخبراء يعزون قدرة السعودية على تشتيت القاعدة الى اطلاقها مجموعة منوعة من المبادرات، الشيء الذي لم يفعله اليمن بعد.
يقول ثوماس هيغهامر، الزميل الباحث في مؤسسة نوروين لابحاث الدفاع في اوسلو: “بيت القصيد انهم قاموا باشياء كثيرة وهي بالتحديد التنويع الذي يبيّن جزئيا سر النجاح. انهم لم يعتمدوا حصريا على القوة.” استعمل السعوديون الحملات الدعائية، وضيقوا على موارد تمويل المليشيات، وحدّوا من قدرتها على الحصول على السلاح، كما انهم عرضوا عفوا عاما عن المسلحين الذين ينبذون القاعدة. ويشير السيد هيغهامر الى ان “العنف انخفض في المملكة العربية السعودية الى مستوى صفر او عملية واحدة او اثنتين في السنة بعد عام 2006، كما ان تنظيم القاعدة لم يقوَ على نشر اي دعاية.”
والمفارقة في الامر ان رجال المليشيات السعوديين قد انتلقوا الى اليمن. ففي كانون الثاني من عام 2009، اي بعد ست سنوات من بدء السعوديين بشن الهجمات ضد الارهاب، اندمج فرعي القاعدة في اليمن والسعودية تحت تسمية القاعدة في جزيرة العرب واتخذت من اليمن مقرا لها.
يقول كريستوفر بويك، العضو المشارك في برنامج الشرق الاوسط في معهد كارنيجي بواشنطن: “سوف يعود هؤلاء الرجال الى السعودية عندما تصبح الظروف الامنية اخف وطأة.” ويؤكد هيغهامر ان مقياس النجاح في كلا البلدين يأتي من “ما يقوله المسلحون وما يفعلونه. ففي اليمن لا تزال القاعدة تنفذ العمليات بمعدل عشرات الهجمات في السنة، وهي ناشطة جدا في مجال الدعاية، لذلك مايزال امام اليمن شوط طويل تقطعه.”

قصة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع الاعرابي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العمران 1

جاء في كتاب المنتقى من أخبار الأصمعي ـ للإمام ضياء الدين المقدسي تحقيق عز الدين التنوخي ص 7 ما نصّه :

حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح وثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء ، قال :

أسلم أعرابيٌّ في أيام عمر بن الخطاب ، فجعل عمر يعلمه الصلاة ، فيقول :

صلِّ الظهر أربعاً ، والعصر أربعاً ، والمغرب ثلاثاً ، والعشاء أربعاً ، والصبح ركعتين .

فلا يحفظ !

ويعيد عليه فلا يحفظ !

بل يجعل الأربع ثلاثاً ، والثلاث أربعاً !

فضجر عمر فقال : إن الأعراب أحفظ شيء للشعر فقل :

إن الصلاةَ أربعٌ وأربعٌ …………… ثم ثلاث بعدهنّ أربعُ

ثم صلاة الفجر لا تضيّعُ

أحفظتَ ؟

قال : نعم .

قال : الحق بأهلك .

قال المحقق : ولعل علماء الإسلام اتخذوا من حكاية عمر هذه منوالاً ينسجون عليه في نظم المتون ؛ ضبطاً للقواعد ، وتسهيلاً للحفظ .
__________________

قال شيخ الإسلام ابن باز ـ رحمه الله وطيّب ثراه ـ :

(( هذا العصر : عصر الرفق والصبر والحكمة ،وليس عصر الشدّة .
الناس أكثرهم في جهل ، في غفلة وإيثار للدنيا ، فلا بدّ من الصبر ،
ولا بدّ من الرفق ؛حتى تصل الدعوة ، وحتى يبلغ الناس ، وحتى يعلموا .
ونسأل الله للجميع الهداية ))

مجموع فتاوى سماحته ( ج 8 / صــ 376 ) و ( ج 10 / صــ 91 ) .

تنظيم القاعدة بين عشوائية الفكر واعتلال المنهج ( 10 )

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

السادس من تشرين الثاني، 2009. الميجر نضال مالك حسن، المواطن الاميركي من اصل فلسطيني، يفتح النار في قاعدة فورت هود، بولاية تكساس، على زملائه من الجنود الذين يستعدون لنشرهم في افغانستان فيقتل ويصيب حوالي خمسين منهم قبل ان تنال منه الاطلاقات الدفاعية، وان لم تؤد الى قتله.
الخامس والعشرين من كانون الثاني، 2006. يوم عيد الميلاد. المهندس الشاب عمر فاروق عبد المطلب، المواطن النيجيري الذي حصل على درجته الجامعية من بريطانيا، يحاول ان يفجر طائرة نورويست قبيل هبوطها في مطار ديترويت، لولا تدخل ركاب الطائرة ونجاحهم في منعه من اشعال صاعق القنبلة التي كان يحملها في ملابسه الداخلية.
الثلاثين من كانون الثاني، 2009. الطبيب هشام البلوي، المواطن الاردني المقيم في افغانستان يفجر نفسه وسط حشد من ضباط السي آي ايه فيقتل سبعة منهم بالاضافة الى ضابط مخابرات اردني من العائلة المالكة.
ثلاثة احداث وقعت خلال شهرين في ثلاث مناطق مختلفة، لكن يربطها جميعا رابط واحد: تنظيم القاعدة. وكما هو متوقع فان اسم القاعدة يرتبط بالتفجيرات والعنف والتحريض عليه، وباستحلال سفك الدماء تحت مبررات عديدة، بعضها مجرد استغراق في الاستعمال الى حد الاستهلاك.
غير ان من المؤكد ان لدى القاعدة اهدافا تتجاوز مبررات افعالها التي يقشعر لها البدن، ويندى لها الجبين. فماهي هذه الاهداف، وما هي الغاية التي تسعى القاعدة لتحقيقها بلا كلل ولاملل؟ هل هي لتحرير فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي؟ ام من اجل تحرير العراق وافغانسان من الاحتلال الاميركي؟ هل تهدف القاعدة لتحرير المستضعفين من الظلم والعدوان، ام لاقامة كلمة الله على الارض؟ هل تريد القاعدة ان تحيي الدين الذي تؤمن به، ام انها تخلق دينا جديدا تفرضه على البشر اجمعين؟
بدءا، لا يمكن فهم فكر تنظيم القاعدة على نسق الاصول التقليدية للفكر الانساني. فاي محاولة لتطبيق الجدل المنطقي على ادبيات القاعدة، بالاضافة الى نشاطاتها العنيفة غالبا، لابد ان تبوء بالفشل، بسبب ابتعاد تلك الادبيات والنشاطات عن العرف السائد في طرح الفكرة ومناقشتها. فهذا التنظيم لا يلجأ الى طرح الحجج المنطقية واستخدوم اساليب الاقناع المتعارفة، بل يتمترس بقداسة النصوص السماوية، معتبرا الخوض فيها خروجا عن اصول الدين، وبالتالي يتوجب الاذعان بدون مناقشة او محاججة. وهو غالبا ما يعمم المخصص عند تناوله للنص المقدس. كما ان القاعدة كفكر كثيرا ما تخرج في ادبياتها من مقدمات هزيلة بنتائج يقينية، بدون الحاجة الى الفحص والبرهان. وهي لا تحض على التفكر والتأمل، بل على الثأر والانتقام.
لنعد الى الاحداث التي اشرت اليها في صدر هذا المقال، حيث ذكرت ان الرابط فيها هو تنظيم القاعدة. لكن ما يدعو الى التأمل هو قدرة القاعدة على تجنيد نخبة الناس من اجل تحقيق مكاسب آنية، تتمثل في ضرب اهداف عشوائية لا تخرج منها باكثر من تهليل اعلامي بين انصارها، بغض النظر عن الاستنكار الواسع النطاق لهذه الافعال بين ابناء دينها وقوميتها العربية في الاصل.
بل ان ما يدعو للعجب اكثر من ذلك عدم سعي القاعدة لاستثمار تلك النخبة من اجل اهداف ابعد مدى، تعود عليها بفائدة اكثر ديمومة. لكن قادة القاعدة لا يرومون، فيما يبدو، ان يحققوا غاية ما. فهم لايريدون ان يقيموا دولة تدعو لمفاهيمهم ومبادئهم. وهم فشلوا في الاحتفاظ بتلك الدولة حينما استطاعوا فعلا ان يقيموها في افغانستان. هذا الفشل لم يكن بسبب العدوان الاميركي-الاطلسي عليهم، بل بسبب تعديهم على هذا الحلف الذي لا يشق له غبار في سوح الحرب الكبرى. ربما نجحوا في قض مضاجع الاميركيين والغربيين في العراق وافغانستان والصومال واليمن، لكنهم لم يستطيعوا ابدا ان يغيروا مجرى الاحداث بما يحقق امانيهم، او ان يحولوا مسار التاريخ لتمجيدهم.
كنت قد كتبت مقالا بعد هجوم الميجر نضال في قاعدة فورت هود، نشر على صفحات (المدى)، حاولت فيه ان استكنه سبب الهجوم ودوافعه. وقد خرجت بنتيجة ان الهجوم لم يكن من تدبير القاعدة، وان كان بوحي منها. واستندت في ذلك الى انه لو كانت القاعدة جندت الضابط الاميركي لخدمتها، ما كانت لتتخلى عنه من اجل ضربة خاطفة، مهما تكن موجعة. فذلك الطبيب الاميركي كان سيرسل قريبا الى افغانسان، وبالتالي فسوف يكون مصدرا مهما للمعلومات بالنسبة للقاعدة، يغذيها بما يجنبها الضرر، وما يعود عليها بالنفع. لكني كنت حتى ذلك الوقت ارى ان لابد للقاعدة من فكر تنظيري، وان عسر على الفهم.
واليوم بت اعتقد انها خلو من مثل هذا المنهج الفكري. وانها لا تعدو ان تكون عودة بالدين الاسلامي الى عهد الجاهلية، الى الغزوات البدوية التي لا يبررها سوى الرغبة في التسلط والتسيد بقوة السلاح. يستقي هذا التنظيم افكاره المشتتة من احداث بعينها، ليبني عليها نظرية اصولية متطرفة، بل عنصرية شوفينية مقيتة لا ترى صلاحا في الاخر، تحل قتله بلا وازع من ضمير، او رادع من دين.
في اوائل فترة الغزو الاميركي للعراق، وقعت وثيقة موقعة من ابي مصعب الزرقاوي، قائد هذا التنظيم في فرعه بالعراق، بايدي المخابرات الاميركية. تحث هذه الوثيقة على قتل ابناء الطوائف العراقية من اجل خلق الفتنة بينهم، وجرهم الى حرب اهلية. ولو كان الهدف من ذلك الوصول بقادة القاعدة الى سدة الحكم في العراق لهان الامر. لكن تلك الوثيقة لم تدعُ الى ذلك مطلقا، كان كل ما ارادوا هو ان يقلقوا الاميركيين في العراق، قبل ان تتولى حكومة عراقية مقاليد الامر في بلادها، فيصبح من العسير القيام بهذا الامر بعد ذلك. لقد خاب ظن الزرقاوي في كلا الامرين، وان نجح في زرع فتنة عصفت بالعراقيين عامين مريرين.
جندت القاعدة في العراق شيوخ قبائل واطراف القوم، ولو كان لها فكر لبيب لاحتفظت بهم. انقلبوا عليها بعد ان رأوا ظلمها ووحشيتها وتجردها من الانسانية، فضلا عن خلوها من الهدف والغاية التي تحرك افعالها. لا اعتقد ان مجالس الصحوة في غربي العراق ومناطق اخرى هي من شطحات افكار القادة الاميركيين، بل اكاد اجزم انها وليدة انقلاب حقيقي على الربيب الذي صار سيدا لا ينازع في ارضهم وبلدهم. هُزمت القاعدة في غرب العراق لانها لم تسعَ للنصر، بالحكمة القيادية والحنكة السياسية، بل بالتسلط والتزمت واستغلال الموارد المتاحة بنفس الطريقة التي كان الاستعمار يفعلها في غابر الزمان. تحرر غرب العراق من استعمار القاعدة بثورة شعبية، بعد ان خاب الظن بالمحتل، الذي تجسد له بصورة المخلـّص.
الطبيب الاردني حمل معلومات قيمة للاستخبارات الاميركية والاردنية، على زعم ضباطهما. لاشك انه خدم القاعدة التي جندته من قبل اكثر من ذلك، من خلال صلاته بالاميركيين في افغانستان. لكن ذلك لم يمنع القاعدة من الاستمرار في العمل معه وتجنيده لعملية محدودة الاثر، وان كانت ذات تأثير نفسي ومعنوي كبيرين، وصدى اعلامي واسع النطاق.
يصف زملاء عمر فاروق، الشاب الذي همّ بتفجير طائرة عيد الميلاد، بانه لمّاح ذكي. وهو يتحدر من اسرة ثرية وشغل ابوه مناصب مرموقة في بلده. اذا، لماذا لا تحاول القاعدة ان تستثمر هذه الامكانيات لخلق جديد من قادتها؟ لماذا لا يظهر دم جديد لقيادة القاعدة، قوامه اطباء ومهندسين وحملة شهادات جامعية، يمكن التنظيم من مواجهة تحديات العصر؟ لان قادتها لا يتخلون عن قيادتها حتى يقضي الله امرا كان مفعولا. انهم منشغلون في التخطيط للعملية تلو الاخرى بدون ان يكون لهم هدف من ذلك سوى رغبتهم الذاتية وشعورهم الآني بالعظمة. قد يفطن القاريء الى ان هذا هو بالضبط نهج الدكتاتورية، سوى ان تلك تهدف الى الابقاء على شخص الحاكم في سدة الحكم. وارى ان قادة القاعدة ينسبون لانفسهم وضعا حاكميا على اتباعهم في ارجاء المعمورة. هؤلاء الاتباع ليسوا شعبا، ولا يقطنون وطنا. انهم مريدون لفكرة تمخض عنها وضعهم البائس، عصفت بهم الازمات، والمت بهم المصائب، فلجأوا الى عصبة التطرف وظلمة الانغلاق. انهم اناس عاديون حولتهم العولمة، والثورة المعلوماتية الى جهابذة الفكر. بات حصولهم على ظاهر العلم سهلا يسيرا، فتخلوا عن اصولية المدرسة وتهذيب المعلم، حتى صاروا معلمين انفسهم.
لا تفتأ القاعدة ومريدوها من دعوات القتل والسفك الجماعي للدماء، مهما كانت الضحية. ان كان قتلى خوست ضباط مخابرات من الاعداء، واذا كان جنود فورت هود محاربين محتملين، فمن هم ركاب طائرة الايرباص فوق ديترويت؟ ماذا جلب قتل ضباط المخابرات والجنود في المعسكر لعناصر القاعدة؟ المزيد من القوات. المزيد من القتال المنهك، الذي يأكل ضحايا من المدنيين الابرياء العزل اضعاف ما يفقده طرفي النزاع.
ليس للقاعدة من غاية. قادتها يئسوا من كرسي الحكم، فتسيدوا على رقاب آخرين جرفهم موج عارم الى ضفتهم فصاروا ثلة من الاتباع الذين “ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا.” اوجدوا ملة تدعو للقتل على الشبهة، قبل ان تدعو للهداية. ذلك انهم لا منار لهم يهتدي به الناس. عصبة إئتلفت على البغضاء والحقد على الغير، لا على المودة والتراحم بينهم. حينما تخرج امرأة للتسوق في بغداد، او يدلف عابد الى مسجده في بيشاور، يسألون انفسهم أي الطرقات يسلكون حتى لا يتحولوا الى اشلاء في تفجير انتحاري تفخر القاعدة بحمله اليهم. كيف لهم ان يصبحوا انصارها ومواليها؟ ولمن تبث القاعدة رسالتها؟
لكن دعوتها في اتساع، واتباعها في ازدياد. انصار القاعدة ليسوا اناسا آمنوا بفكرها، بل هم افرادا مغرر بهم، بهرهم منهجها وبريق دعوتها في الخلاص عن طريق الموت استشهادا. قتل النفس المحرم في كل الشرائع السماوية اضحى اصلا في الدعوة السقيمة لهذا التنظم، ولجأ اليه من ضاقت به الارض وتقطعت به السبل. هؤلاء الاتباع اصبحوا امة تميز نفسها بالايمان وتصم ما سواها بالكفر والضلالة. عصبة القاعدة التفت في عصبية الجاهلية، تجمعها نزعة عنصرية ترى في نفسها تفوقا على الغير يؤهلها لسلب الحياة وتخريب الحرث والنسل.
القاعدة حركة عنصرية. ليست عنصرية في دينها، او عرقها، او قوميتها. انها عنصرية في اعتقادها بان لا قيمة لكل من يخالفها، وعدم اكتراثها حتى لحاضنتها. ولهذا يجب ان يحظر فكر القاعدة عالميا، وان تمنع من استخدام الوسائل التقنية والاتصالات الحديثة في ايصال رسالتها الظلامية. يجب ان يُعد كل من يسوق لنهجها ويطبل لافكارها خارجا عن القانون.
قد تبدو دعوتي هذه ساذجة. لكني انما ادعو الى ضم الصفوف والمطالبة بموقف عالمي، عن طريق الامم المتحدة، اتجاه هذا التنظيم حتى يبين الخيط الابيض من الخيط الاسود. وان حدث يوما وصنفت القاعدة على انها ليست فقط تنظيم ارهابي، بل على انها حركة عنصرية، فعسى ان يكون ذلك رادعا لمن يدعو لها، ويجردها من ادعاء الشرعية كونها حامي حمى الدين الاسلامي. وحبذا لو تبنت البلدان العربية والاسلامية مثل هذه الدعوة، ليكون لها الصدارة في التصدي لتلك العصبة الفاسدة، ومحاربة نهج التسقيط والتكفير الذي تدعو اليه.

رأي العـــرب في نوبــل الرئيس اوبامـــــا (9)

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

رى العرب ان تسلّم الرئيس اوباما جائزة نوبل باوسلو جاء في وقت عصيب. فقد أعلن الرئيس، قبل أيام من مغادرته للمشاركة في حفل تسليم الجائزة، عن نشر قوات أميركية إضافية في أفغانستان يبلغ قوامها ثلاثين الف جندي، وهي الخطوة التي تبدو متناقضة مع وضعه كأحد الحائزين على جائزة نوبل للسلام، والتي أثارت غضب عموم العالم الإسلامي.
ومن ناحية أخرى توقفت محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين لمدة شهرين، بعد ان خضع اوباما الى الرفض الإسرائيلي لفرض تجميد شامل على بناء المستوطنات في المناطق الفلسطينية المحتلة، والتي استبدلت بتجميد جزئي لا يدوم سوى عشرة أشهر.
يقول خضر حايك، وهو رجل اعمال في حارة حريك في الضاحية الجنوبية ببيروت، وهي المنطقة التي تقدم اكبر الدعم الى مليشيا حزب الله: «يا لخيبة الأمل، انه لم يفعل شيئاً، لو كان جادا، اما كان ليفعل شيئا حتى الآن؟ لقد قال ان على الإسرائيليين ان لا يبنوا مستوطنات، لكن الإسرائيليين لم يأبهوا. لا احد يصغي له».
غير ان هناك آخرين يميلون الى منح اوباما فرصة، ويقولون انه من المبكر الحكم على الرئيس وما أمضى في منصبه سوى احد عشر شهرا فقط. يقول رامي خوري، مدير مركز (عصام فارس من اجل لبنان): «لا اعتقد اننا قد تعرفنا الى ما عساها ان تكون سياسته اتجاه الشرق الأوسط، ولا اعتقد انه قد اظهر لنا جميع أوراقه بعد، فقد كان منشغلا بقضايا أخرى منذ ان تسنم منصبه، مثل الاقتصاد، والرعاية الصحية، وأفغانستان، وكوريا الشمالية، وإيران، تلك القضايا كانت أكثر إلحاحاً لديه من قضية السلام العربي – الإسرائيلي».
«كنت سأتحرج من قبولها»
على كل حال، لا يرى الا القليل من الناس، سواء كانوا منتقدين لاوباما او مساندين له، انه يستحق نيل جائزة نوبل للسلام، في هذا الوقت المبكر من رئاسته. يقول فرانكويس كريم، الحلاق الساكن في الاشرفية، وهي مقاطعة تقطنها أغلبية من المسيحيين في شرقي بيروت: «بمشيئة الله، سوف يكون قادرا على مساندتنا في الأعوام الثلاثة القادمة، لكن لا افهم السبب الذي حصل بموجبه على جائزة نوبل. لو كنت بمكانه لكنت سأتحرج من قبولها.»
واجه الرؤساء الأميركيون المتعاقبون مصاعب جمة في إدارة دفة عملية السلام في الشرق الأوسط بنجاح منذ ان تمكن الرئيس جيمي كارتر ان يعقد صفقة للسلام بين إسرائيل ومصر عام 1979، وقد ابتلي الرئيس رونالد ريغان على مدى فترتيه الرئاسيتين بالسياسات الكارثية في لبنان وبفضيحة إيران كونترا. وأطلق الرئيس جوج بوش الأب عملية السلام في مدريد عام 1991، لكنه أصبح خارج المنصب بعد مضي ستة أشهر فقط، وأضحت عملية السلام نقطة تركيز الرئيس بيل كلنتون طوال السنوات الثماني من حكمه. وتمكن من تحقيق انجاز مهم من خلال اتفاقيات اوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 1993، ومعاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية عام 1994.
لكن العملية بدأت بالتراجع بعد ذلك، وأهمل الرئيس جورج بوش الابن منطقة الشرق الأوسط حتى جاءت هجمات الحادي عشر من أيلول، والتي رأى المنطقة بعدها بمنظار «الحرب على الإرهاب».
واليوم، ورث اوباما التركة الثقيلة عن أسلافه: تعطل عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، والتورط العسكري الأميركي الباهظ في العراق وأفغانستان، والنزاع الذي يلوح في الأفق حول طموحات إيران النووية.
تواري النيات الحسنة
حينما تسنم اوبما منصبه في كانون الثاني الماضي، ارتفعت آمال العرب الى حد توقع ان الرئيس الأميركي الحديث العهد سوف يفتح عهدا جديدا من العلاقات الساخنة بين العرب والولايات المتحدة بعد السياسات المثيرة للجدل لإدارة بوش، وبدا كل شيء حسنا في تلك الأشهر الأولى حينما نادى اوباما علما بـ»تجميد» بناء المستوطنات في المناطق المحتلة من الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وسافر الى القاهرة في شهر حزيران ليلقي خطابه الموجه الى العالم العربي، والذي التزم بموجبه «ببداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين في أرجاء العالم كافة».
لكن أفعال واشنطن غلبت النوايا الحسنة التي اوجدتها كلمات اوباما. فحينما ضربت الحكومة الإسرائيلية كعبها في الأرض وعرضت ان تقوم بـ»ابطاء» عملية بناء المستوطنات فحسب، تراجعت إدارة اوباما.
ووصفت وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون في شهر تشرين الثاني الماضي العرض الإسرائيلي بانه «غير مسبوق» وحثت الرئيس الفلسطيني محمود عباس على التخلي عن مطلبه بتجميد بناء المستوطنات كشرط مسبق لاستئناف محادثات السلام مع إسرائيل.
وصعقت واشنطن الفلسطينيين اكثر من ذلك حينما استقبلت بالترحاب بعثة الامم المتحدة لتقصي الحقائق التي قادها القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد غولدستون، والتي تحرّت عن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في العام الماضي. وتوصل تقرير غولدستون، الذي صدر في شهر أيلول الماضي، ان كلا من إسرائيل وحماس ارتكبا جرائم حرب، وربما جرائم ضد الإنسانية، لكنها وجهت معظم انتقاداتها الى العمليات الإسرائيلية، والتي رفضت التعاون معها في التحقيق متذرعة بان من شأن ذلك ان يضفي الشرعية على هذا التحقيق الذي زعمت إسرائيل انه كان منحازا بالكامل.
بداية «بلا لون» لعهد أوباما
يقول سامي مُبيّض، الكاتب والمحلل السياسي السوري انه قد تكون لدى اوباما نيات حسنة لكنها غير كافية «لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط بشكل جاد. ومن وجهة النظر السورية، سوف يتم الحكم على اوباما من خلال التقدم الحاصل في منطقة الجولان السورية المحتلة. ولم يحصل شيء جدي حتى الآن، وشكرا للحكومة المتشددة في إسرائيل، ولمجلس الشيوخ الأميركي غير المتعاون، والتي جعلت من الشهور الأحد عشر الأولى فترة حكم اوباما، أكثر او اقل، بلا لون فيما يتعلق بالشرق الأوسط».
وقد بدأت كل من سوريا وإسرائيل في الآونة الأخيرة باستشعار إمكانية استئناف محادثات السلام، وأجرى الوسطاء الأتراك عدة جولات من المحادثات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل في عام 2008 حتى انسحبت دمشق من العملية إثر الحرب الإسرائيلية على غزة، وقد أثبتت الولايات المتحدة، حتى الآن، انها مترددة في خوض غمار عملية السلام الإسرائيلية – السورية، على الرغم من البحث عن وسائل محتملة للتواصل مع دمشق.
ولم يلق قرار اوباما إرسال ثلاثين الف جندي أميركي إضافي الى أفغانستان، والذي اقترن بالالتزام بالشروع في الانسحاب الأميركي بحلول تموز من عام 2011، لم يلق هذا القرار الا اقل الحماسة في العالم العربي. كتب محرر في جريدة القدس العربي، التي تصدر في لندن، بتاريخ 3 كانون الأول الجاري يقول: «لقد قال الرئيس اوباما ان أيام الهيمنة الأميركية على الشعوب الأخرى قد ولت، وهي كلمات جميلة تعكس رؤية جميلة، لكن الخطوة الأولى في ترجمة هذه الرؤية بالطريقة الصحيحة هي بالانسحاب، والاعتراف بالخطأ، وإيقاف حمام الدم الذي تسببت به العمليات العسكرية في أفغانستان».