أ.د. أحمد محمد وهبان

الدين والدولة

كاتب الموضوع الأصلي: حسن بن محمد العمري14

تجديد التفكير في مسألة الدين والدولة
رضوان السيد
الثلاثـاء 12 ربيـع الاول 1432 هـ 15 فبراير 2011 العدد 11767
جريدة الشرق الاوسط
الصفحة: آفــاق إسـلامـيـة
تساءل المراقبون الأجانب المهتمون بمصالح دولهم عن موقع الإسلاميين الحزبيين في الحركات الشعبية في تونس ومصر وأجزاء أخرى من العالمين العربي والإسلامي. وكان مقصد بعض هؤلاء إخافة الدول الكبرى من تغير الأنظمة القائمة، وحلول الإسلاميين الحزبيين المعادين للتغريب (وليس للغرب) محلها. بينما كان مقصد البعض الآخر من هؤلاء المراقبين طمأنة الغرب ومشايعيه إلى أن التحركات الشعبية الواسعة هي «مدنية» ولا علاقة لها بالإسلاميين أو الإسلام! وكلا الفريقين مخطئ في ذلك. فالتونسيون والمصريون والجزائريون واليمنيون والعرب الآخرون هم في كثرتهم الساحقة مسلمون، وتحكمهم وتضبط نوازعهم في الأغلب الأعم أخلاقيات الدين، وتقع تلك الأخلاقيات في أصل تحركاتهم. لكن الإسلاميين، حزبيين وغير حزبيين، مخطئون أيضا ومسؤولون عن هذا الخلط الذي قام منذ أكثر من خمسين عاما بين الدين والدولة والنظام السياسي، ولمن المرجعية في تولي الشأن العام وإدارته. ففي مذهب أهل السنة والجماعة، ومنذ القرن الثالث الهجري أن «الجماعة» هي التي تتولى إدارة شأنها العام، ولو لم يكن الأمر كذلك، لكان النبي، صلوات الله وسلامه عليه، قد استخلف علينا نصا أو وصية من يتولى الأمر من بعده، وهذا ما قاله ويقول به إخواننا من شيعة علي، رضي الله عنه. وقد دار جدال بين العلماء من الفريقين على مدى الأزمنة الإسلامية الوسيطة، وكانت وجهة نظر علمائنا أن «الإمامة» ليست من أصول الدين ولا من التعبديات؛ بل هي من المصلحيات. على أن الأمر الذي لا يمكن إنكاره أن «الخلافة» بصيغتها المعروفة، اكتسبت عبر العصور طابعا شبه ديني لسببين: أنها مارست بعض المهام الدينية من ضمن إدارتها للشأن العام لجماعة المسلمين، وأن قبضتها على دار الإسلام المترامية الأطراف ضعفت بعد القرن الرابع، وظهرت «إمارة الأمراء» و«السلطنات» والصيغ السلطوية الأخرى، فدفع هذا الخوف من الفرقة جمهور العلماء إلى التمسك بها، رجاء الحفاظ على وحدة الأمة والدار. لكن حتى الغزالي (505هـ) الذي أورد حججا دينية لصالح الخلافة العباسية في مواجهة الخلافة الأخرى المضادة للفاطميين بالقاهرة آنذاك، ظل مصرا على أن الإمامة للمصالح، وتقوم على الاختيار فالبيعة، ومستند شرعيتها الإجماع التاريخي الذي يتجدد ولا ينتقض. وكان الإمام الشافعي (204هـ) قد قال في الرسالة إن المسلمين قد أجمعوا على وحدة الدار والقاضي والإمام.
إنّ خطأ الإسلاميين الكبير في القرن العشرين، لا يكمن في قولهم بأن الإسلام يقتضي مشروعا سياسيا؛ بل في إصرارهم على «حاكمية الشريعة» في نظام محدد، كان المقصود به أمرين: مواجهة القوانين والتشريعات المدنية (المساوية من وجهة نظرهم للعلمانية الملحدة)، ومواجهة إمكان خروج الأنظمة وجماعة المسلمين على الإسلام! وليس في قولهم وقولنا إن الإسلام يقتضي مشروعا سياسيا أي جديد. فكل جماعة دينية (إلى أي دين انتمت) ومهما بلغ من صغرها تعمد أو تسعى لإقامة نظام سياسي يتفق والمبادئ الأخلاقية لدينها واجتماعها الإنساني. وهذا ما فعله الأميركيون الأوائل على سبيل المثال عندما استقلوا عن بريطانيا، إذ أصدروا إعلان الحقوق، ثم الدستور الأميركي المعروف، وقد اعتقدوا ولا يزالون أن ذاك الدستور يتضمن «رسالة» إنجيلية سامية. وقد جرت على ذلك الدستور تعديلات كثيرة عبر القرون، لكن مبادئه الأساسية، ما داخلها أي تعديل. إن الخطأ الأساسي للإسلاميين أنهم اعتبروا الشأن السياسي أمرا دينيا، فوضعوا الشريعة في مواجهة الجماعة. وراح المودودي والندوي وسيد قطب، رحمهم الله، يبحثون في وسائل إعادة تربية نخبة (الفتية الذين آمنوا بربهم) لقيادة الجماعة في طريق العودة إلى الإسلام وشريعته. بينما الحق والواقع أن الجماعة هي ذاتها المؤتمنة على الشريعة أو الإسلام، وإمكان الخروج عليه متصور بالنسبة للأفراد، لكنه غير متصور بالنسبة لجماعة المسلمين أو ينتهي هذا الدين الذي استخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جماعة المسلمين عليه في خطبة الوداع. ولأن إدارة الشأن العام بيد الناس، وخطأ الحاكم أو النظام ممكن في إدراك المصالح العامة، وطرائق إدارتها؛ فإن النظام عندما يخطئ في إدراك المصالح أو مراعاتها، أو يخرج عامدا على الجماعة ومصالحها، يكون المطلوب تمكين الناس (باعتبارهم الأصحاب الأصليين للمصالح وللإدارة) من العمل على التصحيح والإصلاح من طريق الآليات التي تتيحها الشرعية. وإن سدت هذه الآليات؛ فإن الجمهور يلجأ للوسائل الأخرى، كما جرى في تونس ومصر، ويوشك أن يجري في بلدان عربية وإسلامية أخرى. لقد كان على الإسلاميين، مفكرين وحزبيين، أن يعملوا على إعادة شأن المسلمين العام إلى جماعتهم، وليس إلى الشريعة، لأن الشريعة قائمة في جماعتهم بالفعل، وهم يتصرفون في إدارة شأنهم العام بما تقتضيه المبادئ الأخلاقية التي قالت بها الشريعة. وقد حاول المودودي من قبل، وكثير من الإسلاميين في الثمانينات والتسعينات من الماضي، تصحيح مقولاتهم التي انطلقت في ظروف خاصة؛ بالذهاب إلى أن المرجعية العليا للشريعة، أما في المجالات الإجرائية؛ فإنهم يعتبرون الآليات المتعارف عليها في الديمقراطيات الحديثة. كما عادوا للقول بأنهم لا يدعون لنظام ديني، لأن نظامهم الذي يدعون إليه يقوم على الشريعة، لكن أفراده ورؤوسه غير معصومين. وهم يقصدون أن رأس النظام الإسلامي عندهم غير معصوم، شأن ما كان عليه البابا الكاثوليكي في العصور الوسطى عندما كان الدين وكانت الدولة بيده، أو أنه أرادها أن تكون كذلك، باعتباره خليفة السيد المسيح، والقائم على كنيسته (= دينه). وهذا كله غير مفيد وغير نزيه، وإسلامنا يتيح وضوحا في العلاقة بين الدين والنظام السياسي لا تتيحه الديمقراطيات الغربية، التي اضطرت لمعاداة الكنيسة (وأحيانا الدين) من أجل إقامة نظام سياسي مدني. ومع أن الأنظمة التي قامت في ديارنا في العقود الأخيرة باسم الإسلام قليلة، فإنها تشكل في الممارسة نموذجا لما يمكن أن يؤدي إليه هذا الخلط بين الدين والنظام السياسي. لدينا نموذج «ولاية الفقيه» الذي قام بإيران على أثر الثورة الشعبية العظيمة فيها. والذي يقرأ «تنظيرات» أنصار «ولاية الفقيه» لشرعية سلطاتها الهائلة، يجد دائما أن الفصل الثالث فيها مأخوذ كله من تنظيرات الإخوان المسلمين لحاكمية الشريعة أو الإسلام. فالفصل الأول مخصص لإثبات النص والوصية. والفصل الثاني مخصص للاحتجاج لسلطة أو ولاية الفقيه في زمن الغيبة. ويأتي الفصل الثالث ليماهي أولا بين الفقيه والشريعة، ثم ليقول بعد ذلك بحاكمية الشريعة في النظام العام. وها هي إيران، وبعد أكثر من ثلاثين عاما على الثورة قد انشطرت إلى شطرين، وبسبب مسألتين لا علاقة لهما بالشريعة والإسلام والتشيع: الحريات العامة، والمصالح العامة. والنموذج الثاني للعمل بحاكمية الشريعة نموذج جعفر النميري وإمارة المؤمنين، التي نظر لها فتنة الزمان والمكان حسن الترابي عام 1982 – 1983: ما الذي يذكره الناس من ذاك النموذج غير إعدام محمود محمد طه، لرأي ارتآه في القرآن، وقد تحمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نفاق عبد الله بن أبي وصحبه، وتحمل علماء المسلمين شذوذات ابن شنبوذ في القراءات، وما تحمل النميري والترابي «شذوذ» محمود محمد طه إن كان! ثم أضاف الترابي إلى «فضائله» الكثيرة، التنظير لانقلاب العسكريين في السودان عام 1989، كما نظر «للمفاصلة» في الحرب مع الجنوب، ولتطبيق الشريعة. ونعرف جميعا ما الذي حدث من انقسام للجنوب عن الشمال بعد عجز النظام الإسلامي هناك عن الانتصار على الجنوبيين في الحرب، وعجزه عن إقناع الناس في الشمال بإسلامية النظام. ونعرف أخيرا أنه يبلغ من توتر ونظام البشير في البلاد المنقسمة «يهدد» الآن السودانيين الشماليين بتطبيق كامل للشريعة ما دام الجنوب المختلف قد ذهب، إن لم يستمروا في الخضوع له! فهل يكون مصير ديننا العظيم التحول إلى «فزاعة» للغرب تارة، ولشعوبنا تارة أخرى، لكي يستمر العسكريون والأمنيون في السيطرة علينا؟! ولست أزعم أن دولة الإسلاميين الحزبيين إن قامت، ستسلك بالضرورة مسلك ما ذكرته من نماذج. لكن الذي أزعمه أن هذا الخلط النظري بين الدين والنظام السياسي، يتنافى مع طبيعة الإسلام، وطبيعة مذهب أهل السنة والجماعة، وطبيعة الأفكار والممارسات الحديثة في العالم. وما حاجتنا إلى هذا الضلال الديني والسياسي، ما دام ديننا لا يقتضيه، بل هو ضده، ولماذا نشر هذا الإحساس بين الناس (المحازبين على الأقل) أنهم إن أسهموا في إنشاء نظام سياسي يدير «المنافع العمومية» (بحسب رفاعة الطهطاوي) بما تقتضيه إدراكات المصالح بين الجمهور الجديد من الشبان، يكونون مخطئين في حق دينهم؟! لقد انقضت المرحلة التي كان فيها الإسلاميون يواجهون الأنظمة العسكرية في الحرب الباردة، بمثل آيديولوجيتها، وإن بعناوين إسلامية. كان العسكريون يتحدثون عن عقائدية النظام (البعثي أو الناصري أو الشيوعي)، وعن الطليعة الثورية التي تقود الجماهير الغفيرة (بل الغفورة) إلى مصائرها الماجدة (بل البائسة). والإسلاميون يتحدثون عن مواجهة تلك الأنظمة بالعقائدية الثورية الأخرى (الإسلام هو الحل)، وعن الطليعة المسلمة (= الفتية الذين زادهم الله هدى) التي تتصدى لأنظمة الطاغوت والطغيان، لتحل شريعة الله في الأرض. لقد صارت الآيديولوجيتان من الماضي، ولدينا الآن نموذج ثالث اشترعته الجماعات الشابة الجديدة للعرب والإسلام. فلتكن لدينا الشجاعة لإقرار التخلص من الطلائع الثورية أيا يكن نوعها، والعودة إلى جمهور المسلمين، والسير في ركابه.

العلاقات الإيرانية ـ العربية

كاتب الموضوع الأصلي: بندر الحمد 8- 9- 5

شهدت العلاقات الإيرانية العربية في فترات متفاوتة برودا تارة وسخونة تارة أخرى ومنذ فترة طويلة من الزمن

هذه النوع من العلاقة بدأ بهذا الشكل منذ نشوء الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. وأخذت العلاقات بينهم طابع الخوف والتوتر المليء بالمؤامرة منذ البداية، كان هذا أثناء حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران. بعدها تبلورت هذه العلاقة حتى أنها أخذت طابعا من القبول المتبادل والاستعداد للتعاون بينهم في شتى المجالات ومنها السياسية، وكانت أسباب هذه العلاقات في كلا المجالين أي في برودتها وسخونتها، هي نتيجة تدخل الجهات الخارجية وخاصة الأمريكية منها، الفترة الرئيسية في تحريك هذه العلاقة كانت في بداية تسلم الإسلاميين زمام الحكم في إيران ونهاية حرب الخليج الثانية.

وفي الفترة الأخيرة بدأت ملامح هذه العلاقات تتبدل نحو الأفضل وتأخذ طابعا ايجابيا بشكل ملحوظ وازدادت حركة الاتصالات المتبادلة وازدادت حدة التشاور والتحاور في كافة المجالات بينهم، بحيث وصلت ذروتها عقد اتفاقيات ومعاهدات.

ولا ننسى الجانب الديني وهو الأهم بالنسبة للإيرانيين على الأقل، أنهم تواقون للسياحة الدينية وهناك أماكن دينية بالغة الأهمية بالنسبة لهم، منها في المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية وكذلك مدينتي النجف وكربلاء في العراق وضريح السيدة زينب في الشام في سورية إضافة إلى مصر والأردن، فان تحسين العلاقات مع الدول العربية سيفتح الأبواب أمام تشجيع السياحة الدينية إليها.

وفي الجانب الأخر وفي حال تحسين العلاقات بينها وبين الدول العربية لاسيما دول الجوار سوف ينعكس هذا إيجابا على الحركة الاقتصادية الإيرانية ويشجع رأس المال العربي وبالأخص على الاستثمار في مناطق التجارة الحرة الإيرانية، وكذلك تبادل المنتجات الإيرانية الصناعية منها والزراعية إلى الدول العربية.

أما الجانب السياسي والأمني الإيراني في المنطقة فلا يمكن عزل تأثير الاستقرار السياسي على الوضع الاقتصادي وكذلك العكس. كما لا يمكن نكران تأثير الدول العربية على استقرار الوضع السياسي والأمني في إيران إذا ما أرادت تحريك هذا الجانب.

كما أن بعض المسائل متعلقة بيتهم وليس بالأمكان تمريرها بسهولة والتقليل من شانها في الوقت الحاضر لعدة أسباب، منها أن إيران دولة إسلامية وجارة لأكثر من دولة عربية، وأنها أيضا دولة غنية بالنفط ولها نفوذها ومكانتها ولأتقبل بتهميش أو تقليل دورها في المنطقة.

المطالبة بالتغيير في الميزان الشرعي – د/ عبد الله العنقري

كاتب الموضوع الأصلي: أنس فاروقي 1

المطالبة بالتغيير في الميزان الشرعي.

الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه…و بعد فقد أصبحت المطالبة بالتغيير ظاهرة عامة تحيط بالمتابع للأحداث في كل وسيلة إعلامية ، وصار التبشير بالتغيير القادم شعارا يهتف به الفرقاء على اختلاف اتجاهاتهم.
وذلك يستوجب تأصيلا واضحا للتغيير من الوجهه الشرعية وبيان ماجاءت به النصوص من معيار دقيق للتغيير، ليبني المسلم موقفه من التغيير على أساس علمي سليم ، لاعلى أساس عاطفي جامح يرفض التغيير من حيث المبدأ ، أو يقبل التغيير ، لمجرد الرغبة في تبدل الواقع الذي يعيشه وتجريب واقع سواه 0
وفي هذه الكلمات أتحدث عن التغيير ـ بعون الله ـ من خلال المحاور الثلاثة الآتية :
المحورالأول : ماالمقصود بالتغيير من الوجهة الشرعية؟
التغيير يعني : إنكار وضع مخالف للشرع ، والسعي في تبديله ،سواء أكان هذا الوضع متعلقا بأمور الدين أو الدنيا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في (صحيح مسلم 78):(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) فنص الحديث هنا على كلمة (التغيير) وأنها تكون في حال وجود أي منكر ، ديني أو دنيوي ، وذلك يعني: أن من أراد التغيير فإن عليه أن يسلك المسلك الذي رسمه الشرع في التعامل مع المنكر0
ومن هنا وجب أن يُراعَى في التغيير جميع ما يراعى في التعامل مع المنكر من الشروط ، وأن يكون وفق الدرجات الثلاث المعروفة في علاج المنكر.
المحور الثاني : الضوابط الشرعية للتغيير.
لايخفى أن دعوات التغيير اليوم تهدف إلى إعادة النظر في أوضاع عديدة ،وتشمل مجالات الحياة المختلفة ، دون استثناء.
ومادام التغيير بهذا القدر من الضخامة فلاشك أن الشرع العظيم لابد أن يجعل له – بل لما هو دونه في الضخامة ـ ضوابط دقيقة ، وذلك ليكون التغيير إيجابيا بانياً لاسلبيا مدمراً، وهذه الضوابط على النحو الآتي :
أولا/ هل الوسائل المستخدمة في التغيير سليمة أم لا؟
ثانيا/ هل الراية المرفوعة لإيجاد التغيير راية شرعية أم لا؟
ثالثا/ هل عواقب التغيير مأمونة؟
لنتأمل هذه الضوابط مربوطة بالنصوص وسيرة السلف .
فأول هذه الضوابط يتعلق بالوسائل المستخدمة في التغيير، فإنها لابد أن تكون وسائل شرعية ، إذ الغاية السليمة للتغيير لاتبرر استخدام وسيلة ممنوعة شرعا ، فإن استخدمت وسائل باطلة للتغيير فهذا التغيير في نفسه منكر ، وإن كان صاحبه يريد إزالة وضع خاطيء لايُقرّه الله تعالى .
ولهذا ذكر أهل العلم في شروط تغيير المنكر: أن ألا يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أشد منه.
فإن أدى إلى منكر أشد فذلك ضررمحض لايُقره الشرع ،لأن المقصود بتغيير المنكر أن يزول أو يَخِفّ لا أن يزداد ويضطرم. ، ولهذا روى( الآجري :48) أن الحسن البصري قيل له:[ خرج خارجي بالخريبة) – وهي محلة في البصرة- فقال:[المسكين رأى منكرا فأنكره فوقع فيما هو أنكر منه]، فهذا الرجل رأى وضعا خاطئاً فأراد تغييره، ولعل قصده كان طيبا ، لكنه أغفل وسيلة التغيير الشرعية،فوصفه الحسن بالمسكين، تنبيها على سفاهة عقله.

ثاني هذه الضوابط:- راية التغيير التي ترفع ما هي؟ هل هي على منهج نبيينا محمد صلى الله عليه وسلم أم هي على خلاف ذلك؟
لاريب أن راية التغيير التي تُرفع ـ ويلتف حولها الجماهير المطالبة بالتغييرـ لابد أن تكون راية واضحة ، هدفها إقامة دين الله ، فإن كانت على خلاف ذلك فقد جاء الحديث الصحيح بالحكم الدقيق عليها ،حيث روى (مسلم 1848) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من قُتِل تحت راية عِمّية يغضب للعصبة ويقاتل للعَصبة فليس من أمتي) وفي لفظ : (فقِتلةٌ جاهلية) وذلك يعني: أن من قُتل تحت هذه الراية فسعيه هدرٌ، وليس على طريق صحيح ، ولذا عُدّ قتلُهُ تحت هذه الراية العمية قِتلة جاهلية.
والعمية – كما في (النهاية لابن الأثير3/304) – من العماء وهي الضلالة، كالقتال في العصبية والأهواء.
ولايخفى أن كثيرا من الرايات المرفوعة للتغيير لا ذِكر فيها للإسلام أصلا، كما أن الأهداف المعلنة التي يصرح بها كثير ممن يريدون التغيير لا تتحدث عن إقامة دين الله، ولا عن إحقاق حق وفق شرع الله أو ابطال باطل أبطلته النصوص.
وأنبه هنا إلى أني لا أعمم الكلام، ولذا فأنا ملازم لكلمة: [في كثير من الأحيان] وملازم لكلمة:[كثير من الناس] حتى لا أعمم، وعلى هذا فلابد من التدقيق في الراية المرفوعة للتغيير وتقويمها حسب مايقتضيه الشرع ،لإقرار الانضواء تحت هذه الراية أو إبطاله.
وها هنا أمر مهم جدا في التغيير: وهو أن مطلب التغيير الذي تُرفع له الرايات يتركز في أحيان غير قليلة على المطالبة بأن يتولى زمام الأمور (فلان) وتُزهق في هذا السبيل أرواح كثيرة ،وهذا ليس مقصدا مشروعا أبدا، لأن الواجب أن يكون الهدف تحقيق أمر الله، لا أن يكون المُلك لفلان أو فلان، ولنتأمل جيدا هذا الحديث العظيم ،الذي رواه النسائي رحمه الله تحت عنوان [تعظيم الدم] من كتاب (السنن7/84) وفيه عاقبة إزهاق الأنفس يوم القيامة لأجل هذه المقاصد الرديئة ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: يا رب هذا قتلني. فيقول الله: لمَ قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العِزّة لك ، فيقول الله عز وجل: فإنها لي، ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: إن هذا قتلني، فيقول الله :لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوؤ بإثمه] و روى النسائي هذا الحديث عن جندب بلفظ: (قتلتُه على مُلك فلان) يعني: حتى يكون فلان هو الذي يتولى، قال جندب رضي الله عنه بعد أن روى الحديث:(فاتّقِـها) يعني: اتقِ أن تزهق نفسك أو نفس غيرك ، لمجرد أن يكون فلان هو الحاكم.
وما ذاك إلا لأن الشرع قد عظم من شأن النفس ، وأبى أن تُزهق في سُبل كهذه ، وإنما يكون ذلك في سبيل واحد هو إعلاء كلمة الله .
ثالث هذه الضوابط: إذا تأكد مريد التغيير من تحقق الضابطين السابقين :(الوسيلة السليمة ، والراية الشرعية الواضحة ) فلابد من مراعاة الضابط الثالث: هل عواقب التغيير مأمونة؟
فقد جاء الشرع العظيم بتبصير أهله بأهمية النظر في العواقب والمآلات التي يمكن أن تنتهي إليها الأمور ، وذَمِّت النصوص العجلة والطيش ، وحثَّت على الحكمة والتروي والتأني.
ومن هنا حذرت النصوص كثيرا من أمر ( الفتنة ) ونهت عن الاشتراك فيها ، والفتنة في كثير من الأحيان تكون في أمر مُشتبِه غير واضح ،ومع ذلك يطير إلى الاشتراك فيها جموع كثيرة من الناس ،دون تدبر للعواقب ولانظر في المآلات التي يمكن أن توصلهم إليها ، فلذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الفتنة كثيرا ، فقال فيما رواه ( مسلم 1844): (إن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه )
وروى حذيفة رضي الله عنه في حديثه المشهور الذي أصله في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم – لما ذكر الفتن ومراحلها التي تمر بها – قال في آخره : (فتنة عمياء صَمّاء ،عليها دعاة على أبوب النار، فإن تَمُت يا حذيفة وأنت عاض على جِذلٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحدا منهم)] – رواه (أحمد 5/386 وأبو داوود 4246) والجذل هو أصل الشجرة – نقل صاحب عون المعبود في شرحه لأبي داود(11/317) أن المراد بكون الفتنة عمياء صماء أن تكون بحيث لا يرى منها مخرج ولا يوجد دونها مستغاث ،أو أن يقع الناس فيها على غِرّة من غير بصيرة، فيعمون فيها ويُصمّون عن تأمل الحق واستماع النصح].
ومن هنا جاء الأمر بكف اللسان عند وجود الفتنة واشتباه الأمور كما
روى ابن أبي شيبة ( 7/448) وأبو داود ( 4265) وابن ماجه (3967)أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن الفتنة:(اللسان فيها أشد من وقع السيف) وسبب الأمر بكف اللسان: أن اللسان في أحيان كثيرة يثير الناس ويهيجهم ، فيندفع منهم الألوف لنصرة تلك الكلمات التي هزتهم، غير متفطنين لعواقب هذا الذي انساقوا إليه ، فيحدثون بسبب تلك الكلمات مالاتحدثه السيوف 0
ولذا فإن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه – كما في ( المسند 1/77 ) – لما اعتزل القتال الذي وقع في وقته وجاءه ابنه يحرِّضه على الاشتراك رد عليه سعد بقوله :( أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا ؟ لا والله حتى أُعطى سيفا إذا ضربت به مؤمناً نبا عنه، وإن ضربت به كافرا قتله ). ومراد
سعد أنه يستحيل أن يدخل في هذا القتال ، كما أنه يستحيل أن يوجد هذا السيف
ومما جاء عن السلف في الحث على التروي و النظر في العواقب وترك العجلة ماروى ابن أبي شيبة (7/456) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :[ إنها ستكون هنّات وأمور مُشبّهات فعليك بالتؤدة، فتكون تابعا في الخير خيرا من أن تكون رأسا في الشر]
وروى البخاري رحمه الله في كتاب الفتن من صحيحه في:(باب الفتنة التي تموج كموج البحر) عن خلف بن حوشب رحمه الله : أنهم كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن:
الحـربُ أولُ مــا تكــونُ فتيـــــةٌ تسعى بزينتها لكـل جَهـُـــول
حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضرامها ولَّت عجوزا غير ذات حليــل
شمطـــاء يُنكــر لونــها وتغيرت مكروهـــة للشـــم والتقبيــــل
ومرادهم بالتمثل بهذه الأبيات تذكُّر أن النفوس أول ما ترد الفتن تكون شغوفة مستعجلة إلى الدخول فيها- دون تدبرللعواقب – ولهذا يخِف كثير من الناس إلى الحرب ، وعدم البحث عن علاج أخف ، ( حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها) يعني: ورأى الناس آثارها وما خلّفت من قتل وتدمير وخوف تبينت حقيقة تلك الفتاة إذ ( ولت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت مكروهـة للشــم والتقبيـــل)
*ومن نماذج تروي السلف وتؤدتهم ونظرهم الدقيق للعواقب ما رواه البخاري (3882) عن حبيب بن مسلمة عن ابن عمر قال:خطب معاوية رضي الله عنه فقال: [ من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه ] يقصد بهذا الأمر: أمر الخلافة . [ قال حبيب بن مسلمة : فهلا أجبته؟ قال ابن عمر رضي الله عنهما : فحللتُ حبوتي وهممتُ أن أقول : أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام] ومراده أن : في الصحابة من هو أحق بالأمر منك ،وهم الذين أسلموا قبلك، والدليل على إسلامهم قبلك أنهم اشتركوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قتال المشركين ، واشتركت أنت وأبوك مع المشركين، قبل أن يهديكما الله عز وجل إلى الإسلام.
يقول ابن عمر:[ فخشيت أن أقول كلمة تُفرِّق بين الجمع، وتسفك الدم، ويُحمل عني غير ذلك ].

وهذا الموقف من معاوية رضي الله عنه لا ينبغي أن يكون سببا للقدح فيه ، فإن الظاهر أنه كان في حال غضب – على غير عادته- فقال ما قال ، فأراد ابن عمر رضي الله عنهما أن يرد عليه ، لكن خشي من الأمور الثلاثة التي ذكر 0
فأولا: خشي أن تكون هذه الكلمة سببا في فرقة الجمع ، واللسان في الفتن تقدم أنه أشد من وقع السيف 0
ثانيا: خشي من أمر آخر يعقب هذا، هو أن تسفك الدماء، بسبب هذه الكلمة ، كما هو معتاد كثيرا عقب وقوع الفرقة 0
ثالثا: خشي من أن يُحمل كلامه على غير ما أراد 0
فإنه لو ردَّ على معاوية رضي الله عنه بهذا لكان مراده محصورا في تذكير معاوية بأن في الصحابة من هو أولى منه. ويقف الأمر عند هذا، لكنه خشي أن تُحمل المسألة على أوسع من ذلك، وتُحلَّل تحليلات أخرى لايقصدها.
*ومن تروي السلف وتؤدتهم وعدم عجلتهم في الفتن:
ما رواه ابن سعد (7/143) أن مطرِّف بن عبدالله رحمه الله أتاه الحرورية – وهم الخوارج – يدعونه إلى رأيهم. فقال – على سبيل التعليم والتنبيه لهم-: (يا هؤلاء إنه لو كانت لي نفسان تابعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى ، فإن كان الذي تقولون هدى أتبعتها بالأخرى، وإن كانت ضلالة هلكَت نفس وبقيت لي نفس، ولكنها نفس واحدة ، وأنا أكره أن أغِّرِّر بها). ولا شك أن أمر الحرورية واضح جدا عند مطرف ، لكنه أراد أن يبين لهم أن إزهاق الأرواح والدخول في أمور يكون من آثارها سفك الدماء لا ينبغي أن يكون في الأمور المشتبهة، وإنما يكون في الجهاد الواضح البيّن .
ولهذا روى ابن سعد أيضا في هذا الموضع عن مطرّف أنه جاءه ناس يدعونه إلى قتال أظلم ولاة بني أمية، وهو الحجاج بن يوسف –سفّاك الدماء المعروف – فلما أكثروا على مطرف قال: [ أرأيتم هذا الذي تدعونّي إليه هل يزيد على أن يكون جهادا في سبيل الله ؟] قالوا: لا. قال:[ فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها وبين فضل أصيبه ].
أي أن أحسن أحوال خروجي على الحجاج أن يكون جهادا في سبيل الله ، وأنا لا أخاطر بالدخول في هذا السبيل-لا خوفا على نفسي- لكن لأن هذا السبيل سبيل هلكة في الدين ، وأنتم تزعمون أنه جهاد، والجهاد له فضله العظيم، لكن لما تردد الأمر بين الجهاد وبين الهلكة في الدين فلن أغرر بنفسي في تحصيل فضل موهوم، غير واضح المعالم.
ولهذا قال رحمه الله أيضا:[ لَأن آخذ بالثقة في القعود أحب إلي من أن ألتمس ، أو قال:أطلب فضل الجهاد بالتغرير] 0
وقد روى ابن سعد(7/188): أن مسلم بن يسار رحمه الله ـ وهو من خيار السلف ـ أكرهه ابن الأشعث على أن يخرج معه للقتال، لكنه لما خرج معه لم يشترك في القتال بتاتا، ، فقال لأبي قلابة – متحدثا بما يرى أنه نعمة من نعم الله عليه -: (أحمد إليك الله أني لم أطعن فيها برمح ولم أرم فيها بسهم ولم أضرب فيها بسيف) . فقال له أبو قلابة : (يا أبا عبدالله فكيف بمن رآك واقفا في الصف فقال: هذا مسلم بن يسار ، والله ما وقف هذا الموقف إلا وهو على الحق. فتقدم فقاتل حتى قُتِلَ؟ فبكى وبكى حتى تمنيت أني لم أكن قلت شيئا)
ومراد أبي قلابة أنك وإن لم تدخل في القتال فإنك قد تكون سببا في اشتراك غيرك ، ممن يحسن بك الظن ، فأقر مسلم رحمه الله بهذا الاحتمال ولم يجد جوابا إلا البكاء.

المحور الثالث في هذا السؤال الكبير: أين نحن في واقعنا اليوم من هذا الهدي العظيم الذي تقدم في النصوص ، وفي كلام السلف رضي الله عنهم؟.
سأجمل الكلام بحول الله في هذا المحور من خلال الآتي :
أولا : لا ريب أن كثيرين يبادرون إلى التغييرالمندفع ، تارة بالقول وتارة بالفعل ، وقد مر الحديث الذي فيه أن وقع اللسان أشد من وقع السيف، وهذا قد تجلى اليوم في عدد من وسائل الإعلام التي أخذت على عاتقها إحداث تغيير، دون نظر في عواقب ذلك التغيير، ولذا صارت تحرص على نوع من التحليلات،مربوطة بنوعية معينة من الضيوف يهيجون الناس ويثيرون بعضهم على بعض، وكأن الهدف أن تُثار الفتنة وتشتعل بنارها البلدان باسم التغيير !
وتارة يكون الاشتراك في التغيير من خلال الفعل ،وذلك بالسعي الحثيث في إيجاد وضع يصدق عليه – شرعاً – اسم ( الفتنة ) 0
و أخطر ما في الموضوع على الإطلاق أن يشترك أحد من أهل العلم الشرعي في تهييج الناس وتحريضهم على سفك الدماء وعلى التدمير بدعوى التغيير، لأن الناس إذا رأوا هذا المقتدَى به يفتيهم بذلك فإنهم يكونون على حال من الاطمئنان الشديد بأن ما هم فيه ما هو إلا نوع من أنواع الجهاد،وقد قدمنا نماذج يسيرة من سعي علماء السلف إلى تسكين الفتن وإطفاء نارها قدر مايستطيعون، وقد تحملوا رضي الله عنهم في سبيل ذلك نقدا لاذعاً من عدد من المندفعين، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لرجلين سألاه بنوع من العتب عن سبب امتناعه من الاشتراك في الفتنة ، فقال :يمنعني أن الله حرم دم أخي ، فقالا : ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ) فقال :قاتلنا حتى لم تكن فتنة ، وكان الدين لله ،وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى فتنة ويكون الدين لغير الله (رواه البخاري 4513) فهكذا ينبغي لأهل العلم أن يثبتوا ويكونوا صرحاء في هذه الأمور العظام ،سعيا في إبراء الذمة وإطفاء الفتنة، وإن عتب عليهم العاتبون ولامهم اللائمون .
ثانيا:أن كثيرين ممن يطالبون بالتغيير إنما يطالبون به من باب ردة الفعل لإزالة الظلم فيتبنون مفاهيم متحررة لإسقاط هذا الظلم ، وكأن الشرع لا وسط فيه، فبعد أن تنهال عليهم المظالم ينتقلون إلى طرف مقابل فيطالبون بحرية مطلقة، لماذا؟ ليزول الظلم ، ويالله ، ماأعجب هذه المطالبة ! كأن الشرع لا وسط فيه: إما الظلم المحض أو الحرية الفوضوية.
لا ريب أن الشرع الكريم ينبذ هذين المسلكين المتعجرفين ، وينأى بأهله عنهما معا.
وردة الفعل المتطرفة لايمكن أن تكون هي الطريق الصحيح لإزالة الظلم، لأن الباطل لايزال بباطل مثله ، وكم عانى الناس الأمرّين من الحرية الفوضوية ، كما عانوا من الظلم والتسلط 0
ثالثا :أن كثيراً من المطالبين بالتغيير لايتفطنون للعواقب التي يمكن أن تنشأ لو انفلت الأمن،فإن المجتمعات عموما لاتخلو من مجموعات مخربة لايردعها خوف الله تعالى،ولامروءة أهل الفضل ،وهي بالتأكيد مجموعات في غاية التربص والانتظار لأي انفلات أو فوضى، لتهجم كالسباع الضارية على غيرها : سرقة وسفكاً للدماءٍ وهتكا للأعراض المحرمة وانتقاما لثارات قديمة ، فإذا انفلت الأمن انفتحت الأبواب الواسعة لهؤلاء المفسدين في الأرض لتحقيق مآربهم الإجرامية،وكثير ممن يطلب التغيير لا يريد هذا قطعاً، ، لكنه لا يتفطن إلى أن التغيير المتعجرف البعيد عن منهج الشرع يمكن أن يفتح لهؤلاء المفسدين الباب، وأخطر مافي انفلات الأمن أن باب الفوضى إذا فتح قد لا يُغلق، ويعجز العقلاء لاحقاً عن تلافي آثار ذلك الانفلات، وثمة بلدان انفلت فيها الأمن منذ سنين عديدة وظلت الفوضى هي السائدة فيها إلى اليوم ، وذلك بسبب تغيير متسرع أدى إلى انفلات الأمور ، ومن هنا كثر- بكل أسف – المشردون من بلدانهم، بعد أن كانوا في بلدانهم آمنين مطمئنين، وظل كثير منهم يتذكرون ما كانوا عليه قبل أن تدب فيهم الفوضى ،قائلين: ألا ما أحلى الحال السابق الذي كنا فيه!على حد قول القائل :كم زمان بكيت منه ،ثم بكيت عليه. ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه كما روى الآجري (17): [ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفُرقة ].
رابعا : أن كثيرين لا ينتبهون إلى استغلال الجهات الأجنبية للموجة المطالبة للتغيير، فلطالما ركبوا هذه الموجة وحرصوا على تصعيدها بأسلوبهم الخاص، تارة لإضعاف الأمّة ونشر الفوضى والرعب فيها، وتارة لتتقدم هذه الجهات عارضة مبدأها ومُسوّقة له، وكأنها في مقام الشهم الكريم الذي ينتشل المُستضعَف ويحل مشاكله، مع أن هذه الجهات في أحيان كثيرة تمارس سياسة منحازة ضد قضايا الأمة بما لايشك معه عاقل أنها لايمكن أن تُسوّق لمبدأ كريم بيننا ، غير أن الناس من شدة سعيهم إلى التخلص من الفوضى يفتحون قلوبهم لمثل هذه الدعوات ،فتُـفرض حلول ، ويُسوّق لمبادئ ماكان لها أن توجد لولا غفلة المطالبين بالتغيير عن هذه المعضلة.
خامساً :أن أكثر الناس لا يَردُّون الأمور إلى مَن أمَرَ الله أن تُردّ إليهم في محكم القرآن ، وهم أهل العلم.قال الله عز وجل : ” وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْرَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَيَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ” فأمر الله برد الأمر إلى أهل البصيرة والعلم الذين ينظرون النظرة الشرعية لا النظرة العاطفية ولا النظرة الحاقدة المتربصة؛ ينظرون نظر المشفق الراحم لإخوانه ، و كأنه في وسطهم، وإن كان بينه وبينهم آلآف الأميال، لكن كثيرين لا يردون الأمور إلى أهل العلم،بل يردونها كما قلت إلى وسائل الإعلام، فيتبنون ماتبثه من رأي مُوجَّه يتبناه القائمون عليها، فإن تبنت التحريض تبناه كثيرون ، وإن شجعت جهة ما شجعها كثيرون ، وهكذا، ولهذا فإن وعي المتابع لوسائل الإعلام على جانب كبير من الأهمية ،وهو أمر غائب عن عدد من المتابعين للإعلام الموجًّه بكل أسف . وفي نهاية هذه الكلمات أؤكد على أهمية التروي في أمر ( التغيير ) وعدم المبادرة إلى اتخاذ موقف عاطفي غير علمي منه ، لأن العاقل لا يمكن أن يتبنى كل تغيير، فإن من التغيير مايعد حربا على الشرع وقلبا لموازينه ، على طريقة من ( يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) فهذا التغيير مرفوض رفضاً تاما ، والفضيلة في الوقوف في وجهه والثبات على المبدأ الذي سعى دعاة التغيير إلى زعزعته ، وقد مدح الله في كتابه من لم يبدّل ولم يغيّر، وذلك في قوله تعالى( من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا)
وفي المقابل فإن من التغيير مايُعد تصحيحا لأغلاط متراكمة وأوضاع مزرية ، مضت على الصمت عليها سنين عديدة وأجيال متعاقبة
فهذا التغيير ماهو إلا تجديد لحق قد اندرس وإزاحة لباطل جثم على الصدور ،فحيّهلا بهذا التغيير ، وقوّى الله دعاته وسددهم وأعانهم .ولهذا قلت ويقول كل ذي علم وإنصاف : إن التغيير في ذاته لايُذمّ ولايمدح ـ شرعا ـ إلا إذا اتضحت معالمه وتجلت رايته وتبينت غايته ، أما أن نلتزم موقفا محددا من كل تغيير بقطع النظر عما ذّكِر فليس هذا بالموقف السليم ، بل هو موقف العاطفة الجامحة التي لم يَـزُمَّها العلم ولم تهدها البصيرة.
جعلنا الله ممن يستمع القول فيتبع أحسنه ،وهدانا إلى الحق والثبات عليه
وصلى الله وسلم على نبيينا محمد وعلى آله وصحبه.
د/ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري.
أستاذ العقيدة المساعد بجامعة الملك سعود بالرياض 0
http://www.al-jazirah.com/20110221/rj1d.htm

المطالبة بالتغيير في الميزان الشرعي – د/ عبد الله العنقري

كاتب الموضوع الأصلي: أنس فاروقي 1

المطالبة بالتغيير في الميزان الشرعي.

الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه…و بعد فقد أصبحت المطالبة بالتغيير ظاهرة عامة تحيط بالمتابع للأحداث في كل وسيلة إعلامية ، وصار التبشير بالتغيير القادم شعارا يهتف به الفرقاء على اختلاف اتجاهاتهم.
وذلك يستوجب تأصيلا واضحا للتغيير من الوجهه الشرعية وبيان ماجاءت به النصوص من معيار دقيق للتغيير، ليبني المسلم موقفه من التغيير على أساس علمي سليم ، لاعلى أساس عاطفي جامح يرفض التغيير من حيث المبدأ ، أو يقبل التغيير ، لمجرد الرغبة في تبدل الواقع الذي يعيشه وتجريب واقع سواه 0
وفي هذه الكلمات أتحدث عن التغيير ـ بعون الله ـ من خلال المحاور الثلاثة الآتية :
المحورالأول : ماالمقصود بالتغيير من الوجهة الشرعية؟
التغيير يعني : إنكار وضع مخالف للشرع ، والسعي في تبديله ،سواء أكان هذا الوضع متعلقا بأمور الدين أو الدنيا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في (صحيح مسلم 78):(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) فنص الحديث هنا على كلمة (التغيير) وأنها تكون في حال وجود أي منكر ، ديني أو دنيوي ، وذلك يعني: أن من أراد التغيير فإن عليه أن يسلك المسلك الذي رسمه الشرع في التعامل مع المنكر0
ومن هنا وجب أن يُراعَى في التغيير جميع ما يراعى في التعامل مع المنكر من الشروط ، وأن يكون وفق الدرجات الثلاث المعروفة في علاج المنكر.
المحور الثاني : الضوابط الشرعية للتغيير.
لايخفى أن دعوات التغيير اليوم تهدف إلى إعادة النظر في أوضاع عديدة ،وتشمل مجالات الحياة المختلفة ، دون استثناء.
ومادام التغيير بهذا القدر من الضخامة فلاشك أن الشرع العظيم لابد أن يجعل له – بل لما هو دونه في الضخامة ـ ضوابط دقيقة ، وذلك ليكون التغيير إيجابيا بانياً لاسلبيا مدمراً، وهذه الضوابط على النحو الآتي :
أولا/ هل الوسائل المستخدمة في التغيير سليمة أم لا؟
ثانيا/ هل الراية المرفوعة لإيجاد التغيير راية شرعية أم لا؟
ثالثا/ هل عواقب التغيير مأمونة؟
لنتأمل هذه الضوابط مربوطة بالنصوص وسيرة السلف .
فأول هذه الضوابط يتعلق بالوسائل المستخدمة في التغيير، فإنها لابد أن تكون وسائل شرعية ، إذ الغاية السليمة للتغيير لاتبرر استخدام وسيلة ممنوعة شرعا ، فإن استخدمت وسائل باطلة للتغيير فهذا التغيير في نفسه منكر ، وإن كان صاحبه يريد إزالة وضع خاطيء لايُقرّه الله تعالى .
ولهذا ذكر أهل العلم في شروط تغيير المنكر: أن ألا يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أشد منه.
فإن أدى إلى منكر أشد فذلك ضررمحض لايُقره الشرع ،لأن المقصود بتغيير المنكر أن يزول أو يَخِفّ لا أن يزداد ويضطرم. ، ولهذا روى( الآجري :48) أن الحسن البصري قيل له:[ خرج خارجي بالخريبة) – وهي محلة في البصرة- فقال:[المسكين رأى منكرا فأنكره فوقع فيما هو أنكر منه]، فهذا الرجل رأى وضعا خاطئاً فأراد تغييره، ولعل قصده كان طيبا ، لكنه أغفل وسيلة التغيير الشرعية،فوصفه الحسن بالمسكين، تنبيها على سفاهة عقله.

ثاني هذه الضوابط:- راية التغيير التي ترفع ما هي؟ هل هي على منهج نبيينا محمد صلى الله عليه وسلم أم هي على خلاف ذلك؟
لاريب أن راية التغيير التي تُرفع ـ ويلتف حولها الجماهير المطالبة بالتغييرـ لابد أن تكون راية واضحة ، هدفها إقامة دين الله ، فإن كانت على خلاف ذلك فقد جاء الحديث الصحيح بالحكم الدقيق عليها ،حيث روى (مسلم 1848) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من قُتِل تحت راية عِمّية يغضب للعصبة ويقاتل للعَصبة فليس من أمتي) وفي لفظ : (فقِتلةٌ جاهلية) وذلك يعني: أن من قُتل تحت هذه الراية فسعيه هدرٌ، وليس على طريق صحيح ، ولذا عُدّ قتلُهُ تحت هذه الراية العمية قِتلة جاهلية.
والعمية – كما في (النهاية لابن الأثير3/304) – من العماء وهي الضلالة، كالقتال في العصبية والأهواء.
ولايخفى أن كثيرا من الرايات المرفوعة للتغيير لا ذِكر فيها للإسلام أصلا، كما أن الأهداف المعلنة التي يصرح بها كثير ممن يريدون التغيير لا تتحدث عن إقامة دين الله، ولا عن إحقاق حق وفق شرع الله أو ابطال باطل أبطلته النصوص.
وأنبه هنا إلى أني لا أعمم الكلام، ولذا فأنا ملازم لكلمة: [في كثير من الأحيان] وملازم لكلمة:[كثير من الناس] حتى لا أعمم، وعلى هذا فلابد من التدقيق في الراية المرفوعة للتغيير وتقويمها حسب مايقتضيه الشرع ،لإقرار الانضواء تحت هذه الراية أو إبطاله.
وها هنا أمر مهم جدا في التغيير: وهو أن مطلب التغيير الذي تُرفع له الرايات يتركز في أحيان غير قليلة على المطالبة بأن يتولى زمام الأمور (فلان) وتُزهق في هذا السبيل أرواح كثيرة ،وهذا ليس مقصدا مشروعا أبدا، لأن الواجب أن يكون الهدف تحقيق أمر الله، لا أن يكون المُلك لفلان أو فلان، ولنتأمل جيدا هذا الحديث العظيم ،الذي رواه النسائي رحمه الله تحت عنوان [تعظيم الدم] من كتاب (السنن7/84) وفيه عاقبة إزهاق الأنفس يوم القيامة لأجل هذه المقاصد الرديئة ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: يا رب هذا قتلني. فيقول الله: لمَ قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العِزّة لك ، فيقول الله عز وجل: فإنها لي، ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: إن هذا قتلني، فيقول الله :لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوؤ بإثمه] و روى النسائي هذا الحديث عن جندب بلفظ: (قتلتُه على مُلك فلان) يعني: حتى يكون فلان هو الذي يتولى، قال جندب رضي الله عنه بعد أن روى الحديث:(فاتّقِـها) يعني: اتقِ أن تزهق نفسك أو نفس غيرك ، لمجرد أن يكون فلان هو الحاكم.
وما ذاك إلا لأن الشرع قد عظم من شأن النفس ، وأبى أن تُزهق في سُبل كهذه ، وإنما يكون ذلك في سبيل واحد هو إعلاء كلمة الله .
ثالث هذه الضوابط: إذا تأكد مريد التغيير من تحقق الضابطين السابقين :(الوسيلة السليمة ، والراية الشرعية الواضحة ) فلابد من مراعاة الضابط الثالث: هل عواقب التغيير مأمونة؟
فقد جاء الشرع العظيم بتبصير أهله بأهمية النظر في العواقب والمآلات التي يمكن أن تنتهي إليها الأمور ، وذَمِّت النصوص العجلة والطيش ، وحثَّت على الحكمة والتروي والتأني.
ومن هنا حذرت النصوص كثيرا من أمر ( الفتنة ) ونهت عن الاشتراك فيها ، والفتنة في كثير من الأحيان تكون في أمر مُشتبِه غير واضح ،ومع ذلك يطير إلى الاشتراك فيها جموع كثيرة من الناس ،دون تدبر للعواقب ولانظر في المآلات التي يمكن أن توصلهم إليها ، فلذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الفتنة كثيرا ، فقال فيما رواه ( مسلم 1844): (إن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه )
وروى حذيفة رضي الله عنه في حديثه المشهور الذي أصله في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم – لما ذكر الفتن ومراحلها التي تمر بها – قال في آخره : (فتنة عمياء صَمّاء ،عليها دعاة على أبوب النار، فإن تَمُت يا حذيفة وأنت عاض على جِذلٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحدا منهم)] – رواه (أحمد 5/386 وأبو داوود 4246) والجذل هو أصل الشجرة – نقل صاحب عون المعبود في شرحه لأبي داود(11/317) أن المراد بكون الفتنة عمياء صماء أن تكون بحيث لا يرى منها مخرج ولا يوجد دونها مستغاث ،أو أن يقع الناس فيها على غِرّة من غير بصيرة، فيعمون فيها ويُصمّون عن تأمل الحق واستماع النصح].
ومن هنا جاء الأمر بكف اللسان عند وجود الفتنة واشتباه الأمور كما
روى ابن أبي شيبة ( 7/448) وأبو داود ( 4265) وابن ماجه (3967)أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن الفتنة:(اللسان فيها أشد من وقع السيف) وسبب الأمر بكف اللسان: أن اللسان في أحيان كثيرة يثير الناس ويهيجهم ، فيندفع منهم الألوف لنصرة تلك الكلمات التي هزتهم، غير متفطنين لعواقب هذا الذي انساقوا إليه ، فيحدثون بسبب تلك الكلمات مالاتحدثه السيوف 0
ولذا فإن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه – كما في ( المسند 1/77 ) – لما اعتزل القتال الذي وقع في وقته وجاءه ابنه يحرِّضه على الاشتراك رد عليه سعد بقوله :( أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا ؟ لا والله حتى أُعطى سيفا إذا ضربت به مؤمناً نبا عنه، وإن ضربت به كافرا قتله ). ومراد
سعد أنه يستحيل أن يدخل في هذا القتال ، كما أنه يستحيل أن يوجد هذا السيف
ومما جاء عن السلف في الحث على التروي و النظر في العواقب وترك العجلة ماروى ابن أبي شيبة (7/456) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :[ إنها ستكون هنّات وأمور مُشبّهات فعليك بالتؤدة، فتكون تابعا في الخير خيرا من أن تكون رأسا في الشر]
وروى البخاري رحمه الله في كتاب الفتن من صحيحه في:(باب الفتنة التي تموج كموج البحر) عن خلف بن حوشب رحمه الله : أنهم كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن:
الحـربُ أولُ مــا تكــونُ فتيـــــةٌ تسعى بزينتها لكـل جَهـُـــول
حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضرامها ولَّت عجوزا غير ذات حليــل
شمطـــاء يُنكــر لونــها وتغيرت مكروهـــة للشـــم والتقبيــــل
ومرادهم بالتمثل بهذه الأبيات تذكُّر أن النفوس أول ما ترد الفتن تكون شغوفة مستعجلة إلى الدخول فيها- دون تدبرللعواقب – ولهذا يخِف كثير من الناس إلى الحرب ، وعدم البحث عن علاج أخف ، ( حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها) يعني: ورأى الناس آثارها وما خلّفت من قتل وتدمير وخوف تبينت حقيقة تلك الفتاة إذ ( ولت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت مكروهـة للشــم والتقبيـــل)
*ومن نماذج تروي السلف وتؤدتهم ونظرهم الدقيق للعواقب ما رواه البخاري (3882) عن حبيب بن مسلمة عن ابن عمر قال:خطب معاوية رضي الله عنه فقال: [ من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه ] يقصد بهذا الأمر: أمر الخلافة . [ قال حبيب بن مسلمة : فهلا أجبته؟ قال ابن عمر رضي الله عنهما : فحللتُ حبوتي وهممتُ أن أقول : أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام] ومراده أن : في الصحابة من هو أحق بالأمر منك ،وهم الذين أسلموا قبلك، والدليل على إسلامهم قبلك أنهم اشتركوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قتال المشركين ، واشتركت أنت وأبوك مع المشركين، قبل أن يهديكما الله عز وجل إلى الإسلام.
يقول ابن عمر:[ فخشيت أن أقول كلمة تُفرِّق بين الجمع، وتسفك الدم، ويُحمل عني غير ذلك ].

وهذا الموقف من معاوية رضي الله عنه لا ينبغي أن يكون سببا للقدح فيه ، فإن الظاهر أنه كان في حال غضب – على غير عادته- فقال ما قال ، فأراد ابن عمر رضي الله عنهما أن يرد عليه ، لكن خشي من الأمور الثلاثة التي ذكر 0
فأولا: خشي أن تكون هذه الكلمة سببا في فرقة الجمع ، واللسان في الفتن تقدم أنه أشد من وقع السيف 0
ثانيا: خشي من أمر آخر يعقب هذا، هو أن تسفك الدماء، بسبب هذه الكلمة ، كما هو معتاد كثيرا عقب وقوع الفرقة 0
ثالثا: خشي من أن يُحمل كلامه على غير ما أراد 0
فإنه لو ردَّ على معاوية رضي الله عنه بهذا لكان مراده محصورا في تذكير معاوية بأن في الصحابة من هو أولى منه. ويقف الأمر عند هذا، لكنه خشي أن تُحمل المسألة على أوسع من ذلك، وتُحلَّل تحليلات أخرى لايقصدها.
*ومن تروي السلف وتؤدتهم وعدم عجلتهم في الفتن:
ما رواه ابن سعد (7/143) أن مطرِّف بن عبدالله رحمه الله أتاه الحرورية – وهم الخوارج – يدعونه إلى رأيهم. فقال – على سبيل التعليم والتنبيه لهم-: (يا هؤلاء إنه لو كانت لي نفسان تابعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى ، فإن كان الذي تقولون هدى أتبعتها بالأخرى، وإن كانت ضلالة هلكَت نفس وبقيت لي نفس، ولكنها نفس واحدة ، وأنا أكره أن أغِّرِّر بها). ولا شك أن أمر الحرورية واضح جدا عند مطرف ، لكنه أراد أن يبين لهم أن إزهاق الأرواح والدخول في أمور يكون من آثارها سفك الدماء لا ينبغي أن يكون في الأمور المشتبهة، وإنما يكون في الجهاد الواضح البيّن .
ولهذا روى ابن سعد أيضا في هذا الموضع عن مطرّف أنه جاءه ناس يدعونه إلى قتال أظلم ولاة بني أمية، وهو الحجاج بن يوسف –سفّاك الدماء المعروف – فلما أكثروا على مطرف قال: [ أرأيتم هذا الذي تدعونّي إليه هل يزيد على أن يكون جهادا في سبيل الله ؟] قالوا: لا. قال:[ فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها وبين فضل أصيبه ].
أي أن أحسن أحوال خروجي على الحجاج أن يكون جهادا في سبيل الله ، وأنا لا أخاطر بالدخول في هذا السبيل-لا خوفا على نفسي- لكن لأن هذا السبيل سبيل هلكة في الدين ، وأنتم تزعمون أنه جهاد، والجهاد له فضله العظيم، لكن لما تردد الأمر بين الجهاد وبين الهلكة في الدين فلن أغرر بنفسي في تحصيل فضل موهوم، غير واضح المعالم.
ولهذا قال رحمه الله أيضا:[ لَأن آخذ بالثقة في القعود أحب إلي من أن ألتمس ، أو قال:أطلب فضل الجهاد بالتغرير] 0
وقد روى ابن سعد(7/188): أن مسلم بن يسار رحمه الله ـ وهو من خيار السلف ـ أكرهه ابن الأشعث على أن يخرج معه للقتال، لكنه لما خرج معه لم يشترك في القتال بتاتا، ، فقال لأبي قلابة – متحدثا بما يرى أنه نعمة من نعم الله عليه -: (أحمد إليك الله أني لم أطعن فيها برمح ولم أرم فيها بسهم ولم أضرب فيها بسيف) . فقال له أبو قلابة : (يا أبا عبدالله فكيف بمن رآك واقفا في الصف فقال: هذا مسلم بن يسار ، والله ما وقف هذا الموقف إلا وهو على الحق. فتقدم فقاتل حتى قُتِلَ؟ فبكى وبكى حتى تمنيت أني لم أكن قلت شيئا)
ومراد أبي قلابة أنك وإن لم تدخل في القتال فإنك قد تكون سببا في اشتراك غيرك ، ممن يحسن بك الظن ، فأقر مسلم رحمه الله بهذا الاحتمال ولم يجد جوابا إلا البكاء.

المحور الثالث في هذا السؤال الكبير: أين نحن في واقعنا اليوم من هذا الهدي العظيم الذي تقدم في النصوص ، وفي كلام السلف رضي الله عنهم؟.
سأجمل الكلام بحول الله في هذا المحور من خلال الآتي :
أولا : لا ريب أن كثيرين يبادرون إلى التغييرالمندفع ، تارة بالقول وتارة بالفعل ، وقد مر الحديث الذي فيه أن وقع اللسان أشد من وقع السيف، وهذا قد تجلى اليوم في عدد من وسائل الإعلام التي أخذت على عاتقها إحداث تغيير، دون نظر في عواقب ذلك التغيير، ولذا صارت تحرص على نوع من التحليلات،مربوطة بنوعية معينة من الضيوف يهيجون الناس ويثيرون بعضهم على بعض، وكأن الهدف أن تُثار الفتنة وتشتعل بنارها البلدان باسم التغيير !
وتارة يكون الاشتراك في التغيير من خلال الفعل ،وذلك بالسعي الحثيث في إيجاد وضع يصدق عليه – شرعاً – اسم ( الفتنة ) 0
و أخطر ما في الموضوع على الإطلاق أن يشترك أحد من أهل العلم الشرعي في تهييج الناس وتحريضهم على سفك الدماء وعلى التدمير بدعوى التغيير، لأن الناس إذا رأوا هذا المقتدَى به يفتيهم بذلك فإنهم يكونون على حال من الاطمئنان الشديد بأن ما هم فيه ما هو إلا نوع من أنواع الجهاد،وقد قدمنا نماذج يسيرة من سعي علماء السلف إلى تسكين الفتن وإطفاء نارها قدر مايستطيعون، وقد تحملوا رضي الله عنهم في سبيل ذلك نقدا لاذعاً من عدد من المندفعين، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لرجلين سألاه بنوع من العتب عن سبب امتناعه من الاشتراك في الفتنة ، فقال :يمنعني أن الله حرم دم أخي ، فقالا : ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ) فقال :قاتلنا حتى لم تكن فتنة ، وكان الدين لله ،وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى فتنة ويكون الدين لغير الله (رواه البخاري 4513) فهكذا ينبغي لأهل العلم أن يثبتوا ويكونوا صرحاء في هذه الأمور العظام ،سعيا في إبراء الذمة وإطفاء الفتنة، وإن عتب عليهم العاتبون ولامهم اللائمون .
ثانيا:أن كثيرين ممن يطالبون بالتغيير إنما يطالبون به من باب ردة الفعل لإزالة الظلم فيتبنون مفاهيم متحررة لإسقاط هذا الظلم ، وكأن الشرع لا وسط فيه، فبعد أن تنهال عليهم المظالم ينتقلون إلى طرف مقابل فيطالبون بحرية مطلقة، لماذا؟ ليزول الظلم ، ويالله ، ماأعجب هذه المطالبة ! كأن الشرع لا وسط فيه: إما الظلم المحض أو الحرية الفوضوية.
لا ريب أن الشرع الكريم ينبذ هذين المسلكين المتعجرفين ، وينأى بأهله عنهما معا.
وردة الفعل المتطرفة لايمكن أن تكون هي الطريق الصحيح لإزالة الظلم، لأن الباطل لايزال بباطل مثله ، وكم عانى الناس الأمرّين من الحرية الفوضوية ، كما عانوا من الظلم والتسلط 0
ثالثا :أن كثيراً من المطالبين بالتغيير لايتفطنون للعواقب التي يمكن أن تنشأ لو انفلت الأمن،فإن المجتمعات عموما لاتخلو من مجموعات مخربة لايردعها خوف الله تعالى،ولامروءة أهل الفضل ،وهي بالتأكيد مجموعات في غاية التربص والانتظار لأي انفلات أو فوضى، لتهجم كالسباع الضارية على غيرها : سرقة وسفكاً للدماءٍ وهتكا للأعراض المحرمة وانتقاما لثارات قديمة ، فإذا انفلت الأمن انفتحت الأبواب الواسعة لهؤلاء المفسدين في الأرض لتحقيق مآربهم الإجرامية،وكثير ممن يطلب التغيير لا يريد هذا قطعاً، ، لكنه لا يتفطن إلى أن التغيير المتعجرف البعيد عن منهج الشرع يمكن أن يفتح لهؤلاء المفسدين الباب، وأخطر مافي انفلات الأمن أن باب الفوضى إذا فتح قد لا يُغلق، ويعجز العقلاء لاحقاً عن تلافي آثار ذلك الانفلات، وثمة بلدان انفلت فيها الأمن منذ سنين عديدة وظلت الفوضى هي السائدة فيها إلى اليوم ، وذلك بسبب تغيير متسرع أدى إلى انفلات الأمور ، ومن هنا كثر- بكل أسف – المشردون من بلدانهم، بعد أن كانوا في بلدانهم آمنين مطمئنين، وظل كثير منهم يتذكرون ما كانوا عليه قبل أن تدب فيهم الفوضى ،قائلين: ألا ما أحلى الحال السابق الذي كنا فيه!على حد قول القائل :كم زمان بكيت منه ،ثم بكيت عليه. ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه كما روى الآجري (17): [ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفُرقة ].
رابعا : أن كثيرين لا ينتبهون إلى استغلال الجهات الأجنبية للموجة المطالبة للتغيير، فلطالما ركبوا هذه الموجة وحرصوا على تصعيدها بأسلوبهم الخاص، تارة لإضعاف الأمّة ونشر الفوضى والرعب فيها، وتارة لتتقدم هذه الجهات عارضة مبدأها ومُسوّقة له، وكأنها في مقام الشهم الكريم الذي ينتشل المُستضعَف ويحل مشاكله، مع أن هذه الجهات في أحيان كثيرة تمارس سياسة منحازة ضد قضايا الأمة بما لايشك معه عاقل أنها لايمكن أن تُسوّق لمبدأ كريم بيننا ، غير أن الناس من شدة سعيهم إلى التخلص من الفوضى يفتحون قلوبهم لمثل هذه الدعوات ،فتُـفرض حلول ، ويُسوّق لمبادئ ماكان لها أن توجد لولا غفلة المطالبين بالتغيير عن هذه المعضلة.
خامساً :أن أكثر الناس لا يَردُّون الأمور إلى مَن أمَرَ الله أن تُردّ إليهم في محكم القرآن ، وهم أهل العلم.قال الله عز وجل : ” وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْرَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَيَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ” فأمر الله برد الأمر إلى أهل البصيرة والعلم الذين ينظرون النظرة الشرعية لا النظرة العاطفية ولا النظرة الحاقدة المتربصة؛ ينظرون نظر المشفق الراحم لإخوانه ، و كأنه في وسطهم، وإن كان بينه وبينهم آلآف الأميال، لكن كثيرين لا يردون الأمور إلى أهل العلم،بل يردونها كما قلت إلى وسائل الإعلام، فيتبنون ماتبثه من رأي مُوجَّه يتبناه القائمون عليها، فإن تبنت التحريض تبناه كثيرون ، وإن شجعت جهة ما شجعها كثيرون ، وهكذا، ولهذا فإن وعي المتابع لوسائل الإعلام على جانب كبير من الأهمية ،وهو أمر غائب عن عدد من المتابعين للإعلام الموجًّه بكل أسف . وفي نهاية هذه الكلمات أؤكد على أهمية التروي في أمر ( التغيير ) وعدم المبادرة إلى اتخاذ موقف عاطفي غير علمي منه ، لأن العاقل لا يمكن أن يتبنى كل تغيير، فإن من التغيير مايعد حربا على الشرع وقلبا لموازينه ، على طريقة من ( يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) فهذا التغيير مرفوض رفضاً تاما ، والفضيلة في الوقوف في وجهه والثبات على المبدأ الذي سعى دعاة التغيير إلى زعزعته ، وقد مدح الله في كتابه من لم يبدّل ولم يغيّر، وذلك في قوله تعالى( من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا)
وفي المقابل فإن من التغيير مايُعد تصحيحا لأغلاط متراكمة وأوضاع مزرية ، مضت على الصمت عليها سنين عديدة وأجيال متعاقبة
فهذا التغيير ماهو إلا تجديد لحق قد اندرس وإزاحة لباطل جثم على الصدور ،فحيّهلا بهذا التغيير ، وقوّى الله دعاته وسددهم وأعانهم .ولهذا قلت ويقول كل ذي علم وإنصاف : إن التغيير في ذاته لايُذمّ ولايمدح ـ شرعا ـ إلا إذا اتضحت معالمه وتجلت رايته وتبينت غايته ، أما أن نلتزم موقفا محددا من كل تغيير بقطع النظر عما ذّكِر فليس هذا بالموقف السليم ، بل هو موقف العاطفة الجامحة التي لم يَـزُمَّها العلم ولم تهدها البصيرة.
جعلنا الله ممن يستمع القول فيتبع أحسنه ،وهدانا إلى الحق والثبات عليه
وصلى الله وسلم على نبيينا محمد وعلى آله وصحبه.
د/ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري.
أستاذ العقيدة المساعد بجامعة الملك سعود بالرياض 0
http://www.al-jazirah.com/20110221/rj1d.htm

المطالبة بالتغيير في الميزان الشرعي – د/ عبد الله العنقري

كاتب الموضوع الأصلي: أنس فاروقي 1

المطالبة بالتغيير في الميزان الشرعي.

الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه…و بعد فقد أصبحت المطالبة بالتغيير ظاهرة عامة تحيط بالمتابع للأحداث في كل وسيلة إعلامية ، وصار التبشير بالتغيير القادم شعارا يهتف به الفرقاء على اختلاف اتجاهاتهم.
وذلك يستوجب تأصيلا واضحا للتغيير من الوجهه الشرعية وبيان ماجاءت به النصوص من معيار دقيق للتغيير، ليبني المسلم موقفه من التغيير على أساس علمي سليم ، لاعلى أساس عاطفي جامح يرفض التغيير من حيث المبدأ ، أو يقبل التغيير ، لمجرد الرغبة في تبدل الواقع الذي يعيشه وتجريب واقع سواه 0
وفي هذه الكلمات أتحدث عن التغيير ـ بعون الله ـ من خلال المحاور الثلاثة الآتية :
المحورالأول : ماالمقصود بالتغيير من الوجهة الشرعية؟
التغيير يعني : إنكار وضع مخالف للشرع ، والسعي في تبديله ،سواء أكان هذا الوضع متعلقا بأمور الدين أو الدنيا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في (صحيح مسلم 78):(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) فنص الحديث هنا على كلمة (التغيير) وأنها تكون في حال وجود أي منكر ، ديني أو دنيوي ، وذلك يعني: أن من أراد التغيير فإن عليه أن يسلك المسلك الذي رسمه الشرع في التعامل مع المنكر0
ومن هنا وجب أن يُراعَى في التغيير جميع ما يراعى في التعامل مع المنكر من الشروط ، وأن يكون وفق الدرجات الثلاث المعروفة في علاج المنكر.
المحور الثاني : الضوابط الشرعية للتغيير.
لايخفى أن دعوات التغيير اليوم تهدف إلى إعادة النظر في أوضاع عديدة ،وتشمل مجالات الحياة المختلفة ، دون استثناء.
ومادام التغيير بهذا القدر من الضخامة فلاشك أن الشرع العظيم لابد أن يجعل له – بل لما هو دونه في الضخامة ـ ضوابط دقيقة ، وذلك ليكون التغيير إيجابيا بانياً لاسلبيا مدمراً، وهذه الضوابط على النحو الآتي :
أولا/ هل الوسائل المستخدمة في التغيير سليمة أم لا؟
ثانيا/ هل الراية المرفوعة لإيجاد التغيير راية شرعية أم لا؟
ثالثا/ هل عواقب التغيير مأمونة؟
لنتأمل هذه الضوابط مربوطة بالنصوص وسيرة السلف .
فأول هذه الضوابط يتعلق بالوسائل المستخدمة في التغيير، فإنها لابد أن تكون وسائل شرعية ، إذ الغاية السليمة للتغيير لاتبرر استخدام وسيلة ممنوعة شرعا ، فإن استخدمت وسائل باطلة للتغيير فهذا التغيير في نفسه منكر ، وإن كان صاحبه يريد إزالة وضع خاطيء لايُقرّه الله تعالى .
ولهذا ذكر أهل العلم في شروط تغيير المنكر: أن ألا يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أشد منه.
فإن أدى إلى منكر أشد فذلك ضررمحض لايُقره الشرع ،لأن المقصود بتغيير المنكر أن يزول أو يَخِفّ لا أن يزداد ويضطرم. ، ولهذا روى( الآجري :48) أن الحسن البصري قيل له:[ خرج خارجي بالخريبة) – وهي محلة في البصرة- فقال:[المسكين رأى منكرا فأنكره فوقع فيما هو أنكر منه]، فهذا الرجل رأى وضعا خاطئاً فأراد تغييره، ولعل قصده كان طيبا ، لكنه أغفل وسيلة التغيير الشرعية،فوصفه الحسن بالمسكين، تنبيها على سفاهة عقله.

ثاني هذه الضوابط:- راية التغيير التي ترفع ما هي؟ هل هي على منهج نبيينا محمد صلى الله عليه وسلم أم هي على خلاف ذلك؟
لاريب أن راية التغيير التي تُرفع ـ ويلتف حولها الجماهير المطالبة بالتغييرـ لابد أن تكون راية واضحة ، هدفها إقامة دين الله ، فإن كانت على خلاف ذلك فقد جاء الحديث الصحيح بالحكم الدقيق عليها ،حيث روى (مسلم 1848) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من قُتِل تحت راية عِمّية يغضب للعصبة ويقاتل للعَصبة فليس من أمتي) وفي لفظ : (فقِتلةٌ جاهلية) وذلك يعني: أن من قُتل تحت هذه الراية فسعيه هدرٌ، وليس على طريق صحيح ، ولذا عُدّ قتلُهُ تحت هذه الراية العمية قِتلة جاهلية.
والعمية – كما في (النهاية لابن الأثير3/304) – من العماء وهي الضلالة، كالقتال في العصبية والأهواء.
ولايخفى أن كثيرا من الرايات المرفوعة للتغيير لا ذِكر فيها للإسلام أصلا، كما أن الأهداف المعلنة التي يصرح بها كثير ممن يريدون التغيير لا تتحدث عن إقامة دين الله، ولا عن إحقاق حق وفق شرع الله أو ابطال باطل أبطلته النصوص.
وأنبه هنا إلى أني لا أعمم الكلام، ولذا فأنا ملازم لكلمة: [في كثير من الأحيان] وملازم لكلمة:[كثير من الناس] حتى لا أعمم، وعلى هذا فلابد من التدقيق في الراية المرفوعة للتغيير وتقويمها حسب مايقتضيه الشرع ،لإقرار الانضواء تحت هذه الراية أو إبطاله.
وها هنا أمر مهم جدا في التغيير: وهو أن مطلب التغيير الذي تُرفع له الرايات يتركز في أحيان غير قليلة على المطالبة بأن يتولى زمام الأمور (فلان) وتُزهق في هذا السبيل أرواح كثيرة ،وهذا ليس مقصدا مشروعا أبدا، لأن الواجب أن يكون الهدف تحقيق أمر الله، لا أن يكون المُلك لفلان أو فلان، ولنتأمل جيدا هذا الحديث العظيم ،الذي رواه النسائي رحمه الله تحت عنوان [تعظيم الدم] من كتاب (السنن7/84) وفيه عاقبة إزهاق الأنفس يوم القيامة لأجل هذه المقاصد الرديئة ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: يا رب هذا قتلني. فيقول الله: لمَ قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العِزّة لك ، فيقول الله عز وجل: فإنها لي، ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: إن هذا قتلني، فيقول الله :لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوؤ بإثمه] و روى النسائي هذا الحديث عن جندب بلفظ: (قتلتُه على مُلك فلان) يعني: حتى يكون فلان هو الذي يتولى، قال جندب رضي الله عنه بعد أن روى الحديث:(فاتّقِـها) يعني: اتقِ أن تزهق نفسك أو نفس غيرك ، لمجرد أن يكون فلان هو الحاكم.
وما ذاك إلا لأن الشرع قد عظم من شأن النفس ، وأبى أن تُزهق في سُبل كهذه ، وإنما يكون ذلك في سبيل واحد هو إعلاء كلمة الله .
ثالث هذه الضوابط: إذا تأكد مريد التغيير من تحقق الضابطين السابقين :(الوسيلة السليمة ، والراية الشرعية الواضحة ) فلابد من مراعاة الضابط الثالث: هل عواقب التغيير مأمونة؟
فقد جاء الشرع العظيم بتبصير أهله بأهمية النظر في العواقب والمآلات التي يمكن أن تنتهي إليها الأمور ، وذَمِّت النصوص العجلة والطيش ، وحثَّت على الحكمة والتروي والتأني.
ومن هنا حذرت النصوص كثيرا من أمر ( الفتنة ) ونهت عن الاشتراك فيها ، والفتنة في كثير من الأحيان تكون في أمر مُشتبِه غير واضح ،ومع ذلك يطير إلى الاشتراك فيها جموع كثيرة من الناس ،دون تدبر للعواقب ولانظر في المآلات التي يمكن أن توصلهم إليها ، فلذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الفتنة كثيرا ، فقال فيما رواه ( مسلم 1844): (إن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه )
وروى حذيفة رضي الله عنه في حديثه المشهور الذي أصله في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم – لما ذكر الفتن ومراحلها التي تمر بها – قال في آخره : (فتنة عمياء صَمّاء ،عليها دعاة على أبوب النار، فإن تَمُت يا حذيفة وأنت عاض على جِذلٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحدا منهم)] – رواه (أحمد 5/386 وأبو داوود 4246) والجذل هو أصل الشجرة – نقل صاحب عون المعبود في شرحه لأبي داود(11/317) أن المراد بكون الفتنة عمياء صماء أن تكون بحيث لا يرى منها مخرج ولا يوجد دونها مستغاث ،أو أن يقع الناس فيها على غِرّة من غير بصيرة، فيعمون فيها ويُصمّون عن تأمل الحق واستماع النصح].
ومن هنا جاء الأمر بكف اللسان عند وجود الفتنة واشتباه الأمور كما
روى ابن أبي شيبة ( 7/448) وأبو داود ( 4265) وابن ماجه (3967)أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن الفتنة:(اللسان فيها أشد من وقع السيف) وسبب الأمر بكف اللسان: أن اللسان في أحيان كثيرة يثير الناس ويهيجهم ، فيندفع منهم الألوف لنصرة تلك الكلمات التي هزتهم، غير متفطنين لعواقب هذا الذي انساقوا إليه ، فيحدثون بسبب تلك الكلمات مالاتحدثه السيوف 0
ولذا فإن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه – كما في ( المسند 1/77 ) – لما اعتزل القتال الذي وقع في وقته وجاءه ابنه يحرِّضه على الاشتراك رد عليه سعد بقوله :( أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا ؟ لا والله حتى أُعطى سيفا إذا ضربت به مؤمناً نبا عنه، وإن ضربت به كافرا قتله ). ومراد
سعد أنه يستحيل أن يدخل في هذا القتال ، كما أنه يستحيل أن يوجد هذا السيف
ومما جاء عن السلف في الحث على التروي و النظر في العواقب وترك العجلة ماروى ابن أبي شيبة (7/456) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :[ إنها ستكون هنّات وأمور مُشبّهات فعليك بالتؤدة، فتكون تابعا في الخير خيرا من أن تكون رأسا في الشر]
وروى البخاري رحمه الله في كتاب الفتن من صحيحه في:(باب الفتنة التي تموج كموج البحر) عن خلف بن حوشب رحمه الله : أنهم كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن:
الحـربُ أولُ مــا تكــونُ فتيـــــةٌ تسعى بزينتها لكـل جَهـُـــول
حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضرامها ولَّت عجوزا غير ذات حليــل
شمطـــاء يُنكــر لونــها وتغيرت مكروهـــة للشـــم والتقبيــــل
ومرادهم بالتمثل بهذه الأبيات تذكُّر أن النفوس أول ما ترد الفتن تكون شغوفة مستعجلة إلى الدخول فيها- دون تدبرللعواقب – ولهذا يخِف كثير من الناس إلى الحرب ، وعدم البحث عن علاج أخف ، ( حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها) يعني: ورأى الناس آثارها وما خلّفت من قتل وتدمير وخوف تبينت حقيقة تلك الفتاة إذ ( ولت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت مكروهـة للشــم والتقبيـــل)
*ومن نماذج تروي السلف وتؤدتهم ونظرهم الدقيق للعواقب ما رواه البخاري (3882) عن حبيب بن مسلمة عن ابن عمر قال:خطب معاوية رضي الله عنه فقال: [ من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه ] يقصد بهذا الأمر: أمر الخلافة . [ قال حبيب بن مسلمة : فهلا أجبته؟ قال ابن عمر رضي الله عنهما : فحللتُ حبوتي وهممتُ أن أقول : أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام] ومراده أن : في الصحابة من هو أحق بالأمر منك ،وهم الذين أسلموا قبلك، والدليل على إسلامهم قبلك أنهم اشتركوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قتال المشركين ، واشتركت أنت وأبوك مع المشركين، قبل أن يهديكما الله عز وجل إلى الإسلام.
يقول ابن عمر:[ فخشيت أن أقول كلمة تُفرِّق بين الجمع، وتسفك الدم، ويُحمل عني غير ذلك ].

وهذا الموقف من معاوية رضي الله عنه لا ينبغي أن يكون سببا للقدح فيه ، فإن الظاهر أنه كان في حال غضب – على غير عادته- فقال ما قال ، فأراد ابن عمر رضي الله عنهما أن يرد عليه ، لكن خشي من الأمور الثلاثة التي ذكر 0
فأولا: خشي أن تكون هذه الكلمة سببا في فرقة الجمع ، واللسان في الفتن تقدم أنه أشد من وقع السيف 0
ثانيا: خشي من أمر آخر يعقب هذا، هو أن تسفك الدماء، بسبب هذه الكلمة ، كما هو معتاد كثيرا عقب وقوع الفرقة 0
ثالثا: خشي من أن يُحمل كلامه على غير ما أراد 0
فإنه لو ردَّ على معاوية رضي الله عنه بهذا لكان مراده محصورا في تذكير معاوية بأن في الصحابة من هو أولى منه. ويقف الأمر عند هذا، لكنه خشي أن تُحمل المسألة على أوسع من ذلك، وتُحلَّل تحليلات أخرى لايقصدها.
*ومن تروي السلف وتؤدتهم وعدم عجلتهم في الفتن:
ما رواه ابن سعد (7/143) أن مطرِّف بن عبدالله رحمه الله أتاه الحرورية – وهم الخوارج – يدعونه إلى رأيهم. فقال – على سبيل التعليم والتنبيه لهم-: (يا هؤلاء إنه لو كانت لي نفسان تابعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى ، فإن كان الذي تقولون هدى أتبعتها بالأخرى، وإن كانت ضلالة هلكَت نفس وبقيت لي نفس، ولكنها نفس واحدة ، وأنا أكره أن أغِّرِّر بها). ولا شك أن أمر الحرورية واضح جدا عند مطرف ، لكنه أراد أن يبين لهم أن إزهاق الأرواح والدخول في أمور يكون من آثارها سفك الدماء لا ينبغي أن يكون في الأمور المشتبهة، وإنما يكون في الجهاد الواضح البيّن .
ولهذا روى ابن سعد أيضا في هذا الموضع عن مطرّف أنه جاءه ناس يدعونه إلى قتال أظلم ولاة بني أمية، وهو الحجاج بن يوسف –سفّاك الدماء المعروف – فلما أكثروا على مطرف قال: [ أرأيتم هذا الذي تدعونّي إليه هل يزيد على أن يكون جهادا في سبيل الله ؟] قالوا: لا. قال:[ فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها وبين فضل أصيبه ].
أي أن أحسن أحوال خروجي على الحجاج أن يكون جهادا في سبيل الله ، وأنا لا أخاطر بالدخول في هذا السبيل-لا خوفا على نفسي- لكن لأن هذا السبيل سبيل هلكة في الدين ، وأنتم تزعمون أنه جهاد، والجهاد له فضله العظيم، لكن لما تردد الأمر بين الجهاد وبين الهلكة في الدين فلن أغرر بنفسي في تحصيل فضل موهوم، غير واضح المعالم.
ولهذا قال رحمه الله أيضا:[ لَأن آخذ بالثقة في القعود أحب إلي من أن ألتمس ، أو قال:أطلب فضل الجهاد بالتغرير] 0
وقد روى ابن سعد(7/188): أن مسلم بن يسار رحمه الله ـ وهو من خيار السلف ـ أكرهه ابن الأشعث على أن يخرج معه للقتال، لكنه لما خرج معه لم يشترك في القتال بتاتا، ، فقال لأبي قلابة – متحدثا بما يرى أنه نعمة من نعم الله عليه -: (أحمد إليك الله أني لم أطعن فيها برمح ولم أرم فيها بسهم ولم أضرب فيها بسيف) . فقال له أبو قلابة : (يا أبا عبدالله فكيف بمن رآك واقفا في الصف فقال: هذا مسلم بن يسار ، والله ما وقف هذا الموقف إلا وهو على الحق. فتقدم فقاتل حتى قُتِلَ؟ فبكى وبكى حتى تمنيت أني لم أكن قلت شيئا)
ومراد أبي قلابة أنك وإن لم تدخل في القتال فإنك قد تكون سببا في اشتراك غيرك ، ممن يحسن بك الظن ، فأقر مسلم رحمه الله بهذا الاحتمال ولم يجد جوابا إلا البكاء.

المحور الثالث في هذا السؤال الكبير: أين نحن في واقعنا اليوم من هذا الهدي العظيم الذي تقدم في النصوص ، وفي كلام السلف رضي الله عنهم؟.
سأجمل الكلام بحول الله في هذا المحور من خلال الآتي :
أولا : لا ريب أن كثيرين يبادرون إلى التغييرالمندفع ، تارة بالقول وتارة بالفعل ، وقد مر الحديث الذي فيه أن وقع اللسان أشد من وقع السيف، وهذا قد تجلى اليوم في عدد من وسائل الإعلام التي أخذت على عاتقها إحداث تغيير، دون نظر في عواقب ذلك التغيير، ولذا صارت تحرص على نوع من التحليلات،مربوطة بنوعية معينة من الضيوف يهيجون الناس ويثيرون بعضهم على بعض، وكأن الهدف أن تُثار الفتنة وتشتعل بنارها البلدان باسم التغيير !
وتارة يكون الاشتراك في التغيير من خلال الفعل ،وذلك بالسعي الحثيث في إيجاد وضع يصدق عليه – شرعاً – اسم ( الفتنة ) 0
و أخطر ما في الموضوع على الإطلاق أن يشترك أحد من أهل العلم الشرعي في تهييج الناس وتحريضهم على سفك الدماء وعلى التدمير بدعوى التغيير، لأن الناس إذا رأوا هذا المقتدَى به يفتيهم بذلك فإنهم يكونون على حال من الاطمئنان الشديد بأن ما هم فيه ما هو إلا نوع من أنواع الجهاد،وقد قدمنا نماذج يسيرة من سعي علماء السلف إلى تسكين الفتن وإطفاء نارها قدر مايستطيعون، وقد تحملوا رضي الله عنهم في سبيل ذلك نقدا لاذعاً من عدد من المندفعين، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لرجلين سألاه بنوع من العتب عن سبب امتناعه من الاشتراك في الفتنة ، فقال :يمنعني أن الله حرم دم أخي ، فقالا : ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ) فقال :قاتلنا حتى لم تكن فتنة ، وكان الدين لله ،وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى فتنة ويكون الدين لغير الله (رواه البخاري 4513) فهكذا ينبغي لأهل العلم أن يثبتوا ويكونوا صرحاء في هذه الأمور العظام ،سعيا في إبراء الذمة وإطفاء الفتنة، وإن عتب عليهم العاتبون ولامهم اللائمون .
ثانيا:أن كثيرين ممن يطالبون بالتغيير إنما يطالبون به من باب ردة الفعل لإزالة الظلم فيتبنون مفاهيم متحررة لإسقاط هذا الظلم ، وكأن الشرع لا وسط فيه، فبعد أن تنهال عليهم المظالم ينتقلون إلى طرف مقابل فيطالبون بحرية مطلقة، لماذا؟ ليزول الظلم ، ويالله ، ماأعجب هذه المطالبة ! كأن الشرع لا وسط فيه: إما الظلم المحض أو الحرية الفوضوية.
لا ريب أن الشرع الكريم ينبذ هذين المسلكين المتعجرفين ، وينأى بأهله عنهما معا.
وردة الفعل المتطرفة لايمكن أن تكون هي الطريق الصحيح لإزالة الظلم، لأن الباطل لايزال بباطل مثله ، وكم عانى الناس الأمرّين من الحرية الفوضوية ، كما عانوا من الظلم والتسلط 0
ثالثا :أن كثيراً من المطالبين بالتغيير لايتفطنون للعواقب التي يمكن أن تنشأ لو انفلت الأمن،فإن المجتمعات عموما لاتخلو من مجموعات مخربة لايردعها خوف الله تعالى،ولامروءة أهل الفضل ،وهي بالتأكيد مجموعات في غاية التربص والانتظار لأي انفلات أو فوضى، لتهجم كالسباع الضارية على غيرها : سرقة وسفكاً للدماءٍ وهتكا للأعراض المحرمة وانتقاما لثارات قديمة ، فإذا انفلت الأمن انفتحت الأبواب الواسعة لهؤلاء المفسدين في الأرض لتحقيق مآربهم الإجرامية،وكثير ممن يطلب التغيير لا يريد هذا قطعاً، ، لكنه لا يتفطن إلى أن التغيير المتعجرف البعيد عن منهج الشرع يمكن أن يفتح لهؤلاء المفسدين الباب، وأخطر مافي انفلات الأمن أن باب الفوضى إذا فتح قد لا يُغلق، ويعجز العقلاء لاحقاً عن تلافي آثار ذلك الانفلات، وثمة بلدان انفلت فيها الأمن منذ سنين عديدة وظلت الفوضى هي السائدة فيها إلى اليوم ، وذلك بسبب تغيير متسرع أدى إلى انفلات الأمور ، ومن هنا كثر- بكل أسف – المشردون من بلدانهم، بعد أن كانوا في بلدانهم آمنين مطمئنين، وظل كثير منهم يتذكرون ما كانوا عليه قبل أن تدب فيهم الفوضى ،قائلين: ألا ما أحلى الحال السابق الذي كنا فيه!على حد قول القائل :كم زمان بكيت منه ،ثم بكيت عليه. ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه كما روى الآجري (17): [ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفُرقة ].
رابعا : أن كثيرين لا ينتبهون إلى استغلال الجهات الأجنبية للموجة المطالبة للتغيير، فلطالما ركبوا هذه الموجة وحرصوا على تصعيدها بأسلوبهم الخاص، تارة لإضعاف الأمّة ونشر الفوضى والرعب فيها، وتارة لتتقدم هذه الجهات عارضة مبدأها ومُسوّقة له، وكأنها في مقام الشهم الكريم الذي ينتشل المُستضعَف ويحل مشاكله، مع أن هذه الجهات في أحيان كثيرة تمارس سياسة منحازة ضد قضايا الأمة بما لايشك معه عاقل أنها لايمكن أن تُسوّق لمبدأ كريم بيننا ، غير أن الناس من شدة سعيهم إلى التخلص من الفوضى يفتحون قلوبهم لمثل هذه الدعوات ،فتُـفرض حلول ، ويُسوّق لمبادئ ماكان لها أن توجد لولا غفلة المطالبين بالتغيير عن هذه المعضلة.
خامساً :أن أكثر الناس لا يَردُّون الأمور إلى مَن أمَرَ الله أن تُردّ إليهم في محكم القرآن ، وهم أهل العلم.قال الله عز وجل : ” وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْرَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَيَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ” فأمر الله برد الأمر إلى أهل البصيرة والعلم الذين ينظرون النظرة الشرعية لا النظرة العاطفية ولا النظرة الحاقدة المتربصة؛ ينظرون نظر المشفق الراحم لإخوانه ، و كأنه في وسطهم، وإن كان بينه وبينهم آلآف الأميال، لكن كثيرين لا يردون الأمور إلى أهل العلم،بل يردونها كما قلت إلى وسائل الإعلام، فيتبنون ماتبثه من رأي مُوجَّه يتبناه القائمون عليها، فإن تبنت التحريض تبناه كثيرون ، وإن شجعت جهة ما شجعها كثيرون ، وهكذا، ولهذا فإن وعي المتابع لوسائل الإعلام على جانب كبير من الأهمية ،وهو أمر غائب عن عدد من المتابعين للإعلام الموجًّه بكل أسف . وفي نهاية هذه الكلمات أؤكد على أهمية التروي في أمر ( التغيير ) وعدم المبادرة إلى اتخاذ موقف عاطفي غير علمي منه ، لأن العاقل لا يمكن أن يتبنى كل تغيير، فإن من التغيير مايعد حربا على الشرع وقلبا لموازينه ، على طريقة من ( يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) فهذا التغيير مرفوض رفضاً تاما ، والفضيلة في الوقوف في وجهه والثبات على المبدأ الذي سعى دعاة التغيير إلى زعزعته ، وقد مدح الله في كتابه من لم يبدّل ولم يغيّر، وذلك في قوله تعالى( من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا)
وفي المقابل فإن من التغيير مايُعد تصحيحا لأغلاط متراكمة وأوضاع مزرية ، مضت على الصمت عليها سنين عديدة وأجيال متعاقبة
فهذا التغيير ماهو إلا تجديد لحق قد اندرس وإزاحة لباطل جثم على الصدور ،فحيّهلا بهذا التغيير ، وقوّى الله دعاته وسددهم وأعانهم .ولهذا قلت ويقول كل ذي علم وإنصاف : إن التغيير في ذاته لايُذمّ ولايمدح ـ شرعا ـ إلا إذا اتضحت معالمه وتجلت رايته وتبينت غايته ، أما أن نلتزم موقفا محددا من كل تغيير بقطع النظر عما ذّكِر فليس هذا بالموقف السليم ، بل هو موقف العاطفة الجامحة التي لم يَـزُمَّها العلم ولم تهدها البصيرة.
جعلنا الله ممن يستمع القول فيتبع أحسنه ،وهدانا إلى الحق والثبات عليه
وصلى الله وسلم على نبيينا محمد وعلى آله وصحبه.
د/ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري.
أستاذ العقيدة المساعد بجامعة الملك سعود بالرياض 0
http://www.al-jazirah.com/20110221/rj1d.htm

المطالبة بالتغيير في الميزان الشرعي – د/ عبد الله العنقري

كاتب الموضوع الأصلي: أنس فاروقي 1

المطالبة بالتغيير في الميزان الشرعي.

الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه…و بعد فقد أصبحت المطالبة بالتغيير ظاهرة عامة تحيط بالمتابع للأحداث في كل وسيلة إعلامية ، وصار التبشير بالتغيير القادم شعارا يهتف به الفرقاء على اختلاف اتجاهاتهم.
وذلك يستوجب تأصيلا واضحا للتغيير من الوجهه الشرعية وبيان ماجاءت به النصوص من معيار دقيق للتغيير، ليبني المسلم موقفه من التغيير على أساس علمي سليم ، لاعلى أساس عاطفي جامح يرفض التغيير من حيث المبدأ ، أو يقبل التغيير ، لمجرد الرغبة في تبدل الواقع الذي يعيشه وتجريب واقع سواه 0
وفي هذه الكلمات أتحدث عن التغيير ـ بعون الله ـ من خلال المحاور الثلاثة الآتية :
المحورالأول : ماالمقصود بالتغيير من الوجهة الشرعية؟
التغيير يعني : إنكار وضع مخالف للشرع ، والسعي في تبديله ،سواء أكان هذا الوضع متعلقا بأمور الدين أو الدنيا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في (صحيح مسلم 78):(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) فنص الحديث هنا على كلمة (التغيير) وأنها تكون في حال وجود أي منكر ، ديني أو دنيوي ، وذلك يعني: أن من أراد التغيير فإن عليه أن يسلك المسلك الذي رسمه الشرع في التعامل مع المنكر0
ومن هنا وجب أن يُراعَى في التغيير جميع ما يراعى في التعامل مع المنكر من الشروط ، وأن يكون وفق الدرجات الثلاث المعروفة في علاج المنكر.
المحور الثاني : الضوابط الشرعية للتغيير.
لايخفى أن دعوات التغيير اليوم تهدف إلى إعادة النظر في أوضاع عديدة ،وتشمل مجالات الحياة المختلفة ، دون استثناء.
ومادام التغيير بهذا القدر من الضخامة فلاشك أن الشرع العظيم لابد أن يجعل له – بل لما هو دونه في الضخامة ـ ضوابط دقيقة ، وذلك ليكون التغيير إيجابيا بانياً لاسلبيا مدمراً، وهذه الضوابط على النحو الآتي :
أولا/ هل الوسائل المستخدمة في التغيير سليمة أم لا؟
ثانيا/ هل الراية المرفوعة لإيجاد التغيير راية شرعية أم لا؟
ثالثا/ هل عواقب التغيير مأمونة؟
لنتأمل هذه الضوابط مربوطة بالنصوص وسيرة السلف .
فأول هذه الضوابط يتعلق بالوسائل المستخدمة في التغيير، فإنها لابد أن تكون وسائل شرعية ، إذ الغاية السليمة للتغيير لاتبرر استخدام وسيلة ممنوعة شرعا ، فإن استخدمت وسائل باطلة للتغيير فهذا التغيير في نفسه منكر ، وإن كان صاحبه يريد إزالة وضع خاطيء لايُقرّه الله تعالى .
ولهذا ذكر أهل العلم في شروط تغيير المنكر: أن ألا يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أشد منه.
فإن أدى إلى منكر أشد فذلك ضررمحض لايُقره الشرع ،لأن المقصود بتغيير المنكر أن يزول أو يَخِفّ لا أن يزداد ويضطرم. ، ولهذا روى( الآجري :48) أن الحسن البصري قيل له:[ خرج خارجي بالخريبة) – وهي محلة في البصرة- فقال:[المسكين رأى منكرا فأنكره فوقع فيما هو أنكر منه]، فهذا الرجل رأى وضعا خاطئاً فأراد تغييره، ولعل قصده كان طيبا ، لكنه أغفل وسيلة التغيير الشرعية،فوصفه الحسن بالمسكين، تنبيها على سفاهة عقله.

ثاني هذه الضوابط:- راية التغيير التي ترفع ما هي؟ هل هي على منهج نبيينا محمد صلى الله عليه وسلم أم هي على خلاف ذلك؟
لاريب أن راية التغيير التي تُرفع ـ ويلتف حولها الجماهير المطالبة بالتغييرـ لابد أن تكون راية واضحة ، هدفها إقامة دين الله ، فإن كانت على خلاف ذلك فقد جاء الحديث الصحيح بالحكم الدقيق عليها ،حيث روى (مسلم 1848) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من قُتِل تحت راية عِمّية يغضب للعصبة ويقاتل للعَصبة فليس من أمتي) وفي لفظ : (فقِتلةٌ جاهلية) وذلك يعني: أن من قُتل تحت هذه الراية فسعيه هدرٌ، وليس على طريق صحيح ، ولذا عُدّ قتلُهُ تحت هذه الراية العمية قِتلة جاهلية.
والعمية – كما في (النهاية لابن الأثير3/304) – من العماء وهي الضلالة، كالقتال في العصبية والأهواء.
ولايخفى أن كثيرا من الرايات المرفوعة للتغيير لا ذِكر فيها للإسلام أصلا، كما أن الأهداف المعلنة التي يصرح بها كثير ممن يريدون التغيير لا تتحدث عن إقامة دين الله، ولا عن إحقاق حق وفق شرع الله أو ابطال باطل أبطلته النصوص.
وأنبه هنا إلى أني لا أعمم الكلام، ولذا فأنا ملازم لكلمة: [في كثير من الأحيان] وملازم لكلمة:[كثير من الناس] حتى لا أعمم، وعلى هذا فلابد من التدقيق في الراية المرفوعة للتغيير وتقويمها حسب مايقتضيه الشرع ،لإقرار الانضواء تحت هذه الراية أو إبطاله.
وها هنا أمر مهم جدا في التغيير: وهو أن مطلب التغيير الذي تُرفع له الرايات يتركز في أحيان غير قليلة على المطالبة بأن يتولى زمام الأمور (فلان) وتُزهق في هذا السبيل أرواح كثيرة ،وهذا ليس مقصدا مشروعا أبدا، لأن الواجب أن يكون الهدف تحقيق أمر الله، لا أن يكون المُلك لفلان أو فلان، ولنتأمل جيدا هذا الحديث العظيم ،الذي رواه النسائي رحمه الله تحت عنوان [تعظيم الدم] من كتاب (السنن7/84) وفيه عاقبة إزهاق الأنفس يوم القيامة لأجل هذه المقاصد الرديئة ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: يا رب هذا قتلني. فيقول الله: لمَ قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العِزّة لك ، فيقول الله عز وجل: فإنها لي، ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: إن هذا قتلني، فيقول الله :لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوؤ بإثمه] و روى النسائي هذا الحديث عن جندب بلفظ: (قتلتُه على مُلك فلان) يعني: حتى يكون فلان هو الذي يتولى، قال جندب رضي الله عنه بعد أن روى الحديث:(فاتّقِـها) يعني: اتقِ أن تزهق نفسك أو نفس غيرك ، لمجرد أن يكون فلان هو الحاكم.
وما ذاك إلا لأن الشرع قد عظم من شأن النفس ، وأبى أن تُزهق في سُبل كهذه ، وإنما يكون ذلك في سبيل واحد هو إعلاء كلمة الله .
ثالث هذه الضوابط: إذا تأكد مريد التغيير من تحقق الضابطين السابقين :(الوسيلة السليمة ، والراية الشرعية الواضحة ) فلابد من مراعاة الضابط الثالث: هل عواقب التغيير مأمونة؟
فقد جاء الشرع العظيم بتبصير أهله بأهمية النظر في العواقب والمآلات التي يمكن أن تنتهي إليها الأمور ، وذَمِّت النصوص العجلة والطيش ، وحثَّت على الحكمة والتروي والتأني.
ومن هنا حذرت النصوص كثيرا من أمر ( الفتنة ) ونهت عن الاشتراك فيها ، والفتنة في كثير من الأحيان تكون في أمر مُشتبِه غير واضح ،ومع ذلك يطير إلى الاشتراك فيها جموع كثيرة من الناس ،دون تدبر للعواقب ولانظر في المآلات التي يمكن أن توصلهم إليها ، فلذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الفتنة كثيرا ، فقال فيما رواه ( مسلم 1844): (إن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه )
وروى حذيفة رضي الله عنه في حديثه المشهور الذي أصله في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم – لما ذكر الفتن ومراحلها التي تمر بها – قال في آخره : (فتنة عمياء صَمّاء ،عليها دعاة على أبوب النار، فإن تَمُت يا حذيفة وأنت عاض على جِذلٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحدا منهم)] – رواه (أحمد 5/386 وأبو داوود 4246) والجذل هو أصل الشجرة – نقل صاحب عون المعبود في شرحه لأبي داود(11/317) أن المراد بكون الفتنة عمياء صماء أن تكون بحيث لا يرى منها مخرج ولا يوجد دونها مستغاث ،أو أن يقع الناس فيها على غِرّة من غير بصيرة، فيعمون فيها ويُصمّون عن تأمل الحق واستماع النصح].
ومن هنا جاء الأمر بكف اللسان عند وجود الفتنة واشتباه الأمور كما
روى ابن أبي شيبة ( 7/448) وأبو داود ( 4265) وابن ماجه (3967)أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن الفتنة:(اللسان فيها أشد من وقع السيف) وسبب الأمر بكف اللسان: أن اللسان في أحيان كثيرة يثير الناس ويهيجهم ، فيندفع منهم الألوف لنصرة تلك الكلمات التي هزتهم، غير متفطنين لعواقب هذا الذي انساقوا إليه ، فيحدثون بسبب تلك الكلمات مالاتحدثه السيوف 0
ولذا فإن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه – كما في ( المسند 1/77 ) – لما اعتزل القتال الذي وقع في وقته وجاءه ابنه يحرِّضه على الاشتراك رد عليه سعد بقوله :( أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا ؟ لا والله حتى أُعطى سيفا إذا ضربت به مؤمناً نبا عنه، وإن ضربت به كافرا قتله ). ومراد
سعد أنه يستحيل أن يدخل في هذا القتال ، كما أنه يستحيل أن يوجد هذا السيف
ومما جاء عن السلف في الحث على التروي و النظر في العواقب وترك العجلة ماروى ابن أبي شيبة (7/456) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :[ إنها ستكون هنّات وأمور مُشبّهات فعليك بالتؤدة، فتكون تابعا في الخير خيرا من أن تكون رأسا في الشر]
وروى البخاري رحمه الله في كتاب الفتن من صحيحه في:(باب الفتنة التي تموج كموج البحر) عن خلف بن حوشب رحمه الله : أنهم كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن:
الحـربُ أولُ مــا تكــونُ فتيـــــةٌ تسعى بزينتها لكـل جَهـُـــول
حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضرامها ولَّت عجوزا غير ذات حليــل
شمطـــاء يُنكــر لونــها وتغيرت مكروهـــة للشـــم والتقبيــــل
ومرادهم بالتمثل بهذه الأبيات تذكُّر أن النفوس أول ما ترد الفتن تكون شغوفة مستعجلة إلى الدخول فيها- دون تدبرللعواقب – ولهذا يخِف كثير من الناس إلى الحرب ، وعدم البحث عن علاج أخف ، ( حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها) يعني: ورأى الناس آثارها وما خلّفت من قتل وتدمير وخوف تبينت حقيقة تلك الفتاة إذ ( ولت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت مكروهـة للشــم والتقبيـــل)
*ومن نماذج تروي السلف وتؤدتهم ونظرهم الدقيق للعواقب ما رواه البخاري (3882) عن حبيب بن مسلمة عن ابن عمر قال:خطب معاوية رضي الله عنه فقال: [ من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه ] يقصد بهذا الأمر: أمر الخلافة . [ قال حبيب بن مسلمة : فهلا أجبته؟ قال ابن عمر رضي الله عنهما : فحللتُ حبوتي وهممتُ أن أقول : أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام] ومراده أن : في الصحابة من هو أحق بالأمر منك ،وهم الذين أسلموا قبلك، والدليل على إسلامهم قبلك أنهم اشتركوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قتال المشركين ، واشتركت أنت وأبوك مع المشركين، قبل أن يهديكما الله عز وجل إلى الإسلام.
يقول ابن عمر:[ فخشيت أن أقول كلمة تُفرِّق بين الجمع، وتسفك الدم، ويُحمل عني غير ذلك ].

وهذا الموقف من معاوية رضي الله عنه لا ينبغي أن يكون سببا للقدح فيه ، فإن الظاهر أنه كان في حال غضب – على غير عادته- فقال ما قال ، فأراد ابن عمر رضي الله عنهما أن يرد عليه ، لكن خشي من الأمور الثلاثة التي ذكر 0
فأولا: خشي أن تكون هذه الكلمة سببا في فرقة الجمع ، واللسان في الفتن تقدم أنه أشد من وقع السيف 0
ثانيا: خشي من أمر آخر يعقب هذا، هو أن تسفك الدماء، بسبب هذه الكلمة ، كما هو معتاد كثيرا عقب وقوع الفرقة 0
ثالثا: خشي من أن يُحمل كلامه على غير ما أراد 0
فإنه لو ردَّ على معاوية رضي الله عنه بهذا لكان مراده محصورا في تذكير معاوية بأن في الصحابة من هو أولى منه. ويقف الأمر عند هذا، لكنه خشي أن تُحمل المسألة على أوسع من ذلك، وتُحلَّل تحليلات أخرى لايقصدها.
*ومن تروي السلف وتؤدتهم وعدم عجلتهم في الفتن:
ما رواه ابن سعد (7/143) أن مطرِّف بن عبدالله رحمه الله أتاه الحرورية – وهم الخوارج – يدعونه إلى رأيهم. فقال – على سبيل التعليم والتنبيه لهم-: (يا هؤلاء إنه لو كانت لي نفسان تابعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى ، فإن كان الذي تقولون هدى أتبعتها بالأخرى، وإن كانت ضلالة هلكَت نفس وبقيت لي نفس، ولكنها نفس واحدة ، وأنا أكره أن أغِّرِّر بها). ولا شك أن أمر الحرورية واضح جدا عند مطرف ، لكنه أراد أن يبين لهم أن إزهاق الأرواح والدخول في أمور يكون من آثارها سفك الدماء لا ينبغي أن يكون في الأمور المشتبهة، وإنما يكون في الجهاد الواضح البيّن .
ولهذا روى ابن سعد أيضا في هذا الموضع عن مطرّف أنه جاءه ناس يدعونه إلى قتال أظلم ولاة بني أمية، وهو الحجاج بن يوسف –سفّاك الدماء المعروف – فلما أكثروا على مطرف قال: [ أرأيتم هذا الذي تدعونّي إليه هل يزيد على أن يكون جهادا في سبيل الله ؟] قالوا: لا. قال:[ فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها وبين فضل أصيبه ].
أي أن أحسن أحوال خروجي على الحجاج أن يكون جهادا في سبيل الله ، وأنا لا أخاطر بالدخول في هذا السبيل-لا خوفا على نفسي- لكن لأن هذا السبيل سبيل هلكة في الدين ، وأنتم تزعمون أنه جهاد، والجهاد له فضله العظيم، لكن لما تردد الأمر بين الجهاد وبين الهلكة في الدين فلن أغرر بنفسي في تحصيل فضل موهوم، غير واضح المعالم.
ولهذا قال رحمه الله أيضا:[ لَأن آخذ بالثقة في القعود أحب إلي من أن ألتمس ، أو قال:أطلب فضل الجهاد بالتغرير] 0
وقد روى ابن سعد(7/188): أن مسلم بن يسار رحمه الله ـ وهو من خيار السلف ـ أكرهه ابن الأشعث على أن يخرج معه للقتال، لكنه لما خرج معه لم يشترك في القتال بتاتا، ، فقال لأبي قلابة – متحدثا بما يرى أنه نعمة من نعم الله عليه -: (أحمد إليك الله أني لم أطعن فيها برمح ولم أرم فيها بسهم ولم أضرب فيها بسيف) . فقال له أبو قلابة : (يا أبا عبدالله فكيف بمن رآك واقفا في الصف فقال: هذا مسلم بن يسار ، والله ما وقف هذا الموقف إلا وهو على الحق. فتقدم فقاتل حتى قُتِلَ؟ فبكى وبكى حتى تمنيت أني لم أكن قلت شيئا)
ومراد أبي قلابة أنك وإن لم تدخل في القتال فإنك قد تكون سببا في اشتراك غيرك ، ممن يحسن بك الظن ، فأقر مسلم رحمه الله بهذا الاحتمال ولم يجد جوابا إلا البكاء.

المحور الثالث في هذا السؤال الكبير: أين نحن في واقعنا اليوم من هذا الهدي العظيم الذي تقدم في النصوص ، وفي كلام السلف رضي الله عنهم؟.
سأجمل الكلام بحول الله في هذا المحور من خلال الآتي :
أولا : لا ريب أن كثيرين يبادرون إلى التغييرالمندفع ، تارة بالقول وتارة بالفعل ، وقد مر الحديث الذي فيه أن وقع اللسان أشد من وقع السيف، وهذا قد تجلى اليوم في عدد من وسائل الإعلام التي أخذت على عاتقها إحداث تغيير، دون نظر في عواقب ذلك التغيير، ولذا صارت تحرص على نوع من التحليلات،مربوطة بنوعية معينة من الضيوف يهيجون الناس ويثيرون بعضهم على بعض، وكأن الهدف أن تُثار الفتنة وتشتعل بنارها البلدان باسم التغيير !
وتارة يكون الاشتراك في التغيير من خلال الفعل ،وذلك بالسعي الحثيث في إيجاد وضع يصدق عليه – شرعاً – اسم ( الفتنة ) 0
و أخطر ما في الموضوع على الإطلاق أن يشترك أحد من أهل العلم الشرعي في تهييج الناس وتحريضهم على سفك الدماء وعلى التدمير بدعوى التغيير، لأن الناس إذا رأوا هذا المقتدَى به يفتيهم بذلك فإنهم يكونون على حال من الاطمئنان الشديد بأن ما هم فيه ما هو إلا نوع من أنواع الجهاد،وقد قدمنا نماذج يسيرة من سعي علماء السلف إلى تسكين الفتن وإطفاء نارها قدر مايستطيعون، وقد تحملوا رضي الله عنهم في سبيل ذلك نقدا لاذعاً من عدد من المندفعين، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لرجلين سألاه بنوع من العتب عن سبب امتناعه من الاشتراك في الفتنة ، فقال :يمنعني أن الله حرم دم أخي ، فقالا : ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ) فقال :قاتلنا حتى لم تكن فتنة ، وكان الدين لله ،وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى فتنة ويكون الدين لغير الله (رواه البخاري 4513) فهكذا ينبغي لأهل العلم أن يثبتوا ويكونوا صرحاء في هذه الأمور العظام ،سعيا في إبراء الذمة وإطفاء الفتنة، وإن عتب عليهم العاتبون ولامهم اللائمون .
ثانيا:أن كثيرين ممن يطالبون بالتغيير إنما يطالبون به من باب ردة الفعل لإزالة الظلم فيتبنون مفاهيم متحررة لإسقاط هذا الظلم ، وكأن الشرع لا وسط فيه، فبعد أن تنهال عليهم المظالم ينتقلون إلى طرف مقابل فيطالبون بحرية مطلقة، لماذا؟ ليزول الظلم ، ويالله ، ماأعجب هذه المطالبة ! كأن الشرع لا وسط فيه: إما الظلم المحض أو الحرية الفوضوية.
لا ريب أن الشرع الكريم ينبذ هذين المسلكين المتعجرفين ، وينأى بأهله عنهما معا.
وردة الفعل المتطرفة لايمكن أن تكون هي الطريق الصحيح لإزالة الظلم، لأن الباطل لايزال بباطل مثله ، وكم عانى الناس الأمرّين من الحرية الفوضوية ، كما عانوا من الظلم والتسلط 0
ثالثا :أن كثيراً من المطالبين بالتغيير لايتفطنون للعواقب التي يمكن أن تنشأ لو انفلت الأمن،فإن المجتمعات عموما لاتخلو من مجموعات مخربة لايردعها خوف الله تعالى،ولامروءة أهل الفضل ،وهي بالتأكيد مجموعات في غاية التربص والانتظار لأي انفلات أو فوضى، لتهجم كالسباع الضارية على غيرها : سرقة وسفكاً للدماءٍ وهتكا للأعراض المحرمة وانتقاما لثارات قديمة ، فإذا انفلت الأمن انفتحت الأبواب الواسعة لهؤلاء المفسدين في الأرض لتحقيق مآربهم الإجرامية،وكثير ممن يطلب التغيير لا يريد هذا قطعاً، ، لكنه لا يتفطن إلى أن التغيير المتعجرف البعيد عن منهج الشرع يمكن أن يفتح لهؤلاء المفسدين الباب، وأخطر مافي انفلات الأمن أن باب الفوضى إذا فتح قد لا يُغلق، ويعجز العقلاء لاحقاً عن تلافي آثار ذلك الانفلات، وثمة بلدان انفلت فيها الأمن منذ سنين عديدة وظلت الفوضى هي السائدة فيها إلى اليوم ، وذلك بسبب تغيير متسرع أدى إلى انفلات الأمور ، ومن هنا كثر- بكل أسف – المشردون من بلدانهم، بعد أن كانوا في بلدانهم آمنين مطمئنين، وظل كثير منهم يتذكرون ما كانوا عليه قبل أن تدب فيهم الفوضى ،قائلين: ألا ما أحلى الحال السابق الذي كنا فيه!على حد قول القائل :كم زمان بكيت منه ،ثم بكيت عليه. ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه كما روى الآجري (17): [ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفُرقة ].
رابعا : أن كثيرين لا ينتبهون إلى استغلال الجهات الأجنبية للموجة المطالبة للتغيير، فلطالما ركبوا هذه الموجة وحرصوا على تصعيدها بأسلوبهم الخاص، تارة لإضعاف الأمّة ونشر الفوضى والرعب فيها، وتارة لتتقدم هذه الجهات عارضة مبدأها ومُسوّقة له، وكأنها في مقام الشهم الكريم الذي ينتشل المُستضعَف ويحل مشاكله، مع أن هذه الجهات في أحيان كثيرة تمارس سياسة منحازة ضد قضايا الأمة بما لايشك معه عاقل أنها لايمكن أن تُسوّق لمبدأ كريم بيننا ، غير أن الناس من شدة سعيهم إلى التخلص من الفوضى يفتحون قلوبهم لمثل هذه الدعوات ،فتُـفرض حلول ، ويُسوّق لمبادئ ماكان لها أن توجد لولا غفلة المطالبين بالتغيير عن هذه المعضلة.
خامساً :أن أكثر الناس لا يَردُّون الأمور إلى مَن أمَرَ الله أن تُردّ إليهم في محكم القرآن ، وهم أهل العلم.قال الله عز وجل : ” وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْرَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَيَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ” فأمر الله برد الأمر إلى أهل البصيرة والعلم الذين ينظرون النظرة الشرعية لا النظرة العاطفية ولا النظرة الحاقدة المتربصة؛ ينظرون نظر المشفق الراحم لإخوانه ، و كأنه في وسطهم، وإن كان بينه وبينهم آلآف الأميال، لكن كثيرين لا يردون الأمور إلى أهل العلم،بل يردونها كما قلت إلى وسائل الإعلام، فيتبنون ماتبثه من رأي مُوجَّه يتبناه القائمون عليها، فإن تبنت التحريض تبناه كثيرون ، وإن شجعت جهة ما شجعها كثيرون ، وهكذا، ولهذا فإن وعي المتابع لوسائل الإعلام على جانب كبير من الأهمية ،وهو أمر غائب عن عدد من المتابعين للإعلام الموجًّه بكل أسف . وفي نهاية هذه الكلمات أؤكد على أهمية التروي في أمر ( التغيير ) وعدم المبادرة إلى اتخاذ موقف عاطفي غير علمي منه ، لأن العاقل لا يمكن أن يتبنى كل تغيير، فإن من التغيير مايعد حربا على الشرع وقلبا لموازينه ، على طريقة من ( يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) فهذا التغيير مرفوض رفضاً تاما ، والفضيلة في الوقوف في وجهه والثبات على المبدأ الذي سعى دعاة التغيير إلى زعزعته ، وقد مدح الله في كتابه من لم يبدّل ولم يغيّر، وذلك في قوله تعالى( من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا)
وفي المقابل فإن من التغيير مايُعد تصحيحا لأغلاط متراكمة وأوضاع مزرية ، مضت على الصمت عليها سنين عديدة وأجيال متعاقبة
فهذا التغيير ماهو إلا تجديد لحق قد اندرس وإزاحة لباطل جثم على الصدور ،فحيّهلا بهذا التغيير ، وقوّى الله دعاته وسددهم وأعانهم .ولهذا قلت ويقول كل ذي علم وإنصاف : إن التغيير في ذاته لايُذمّ ولايمدح ـ شرعا ـ إلا إذا اتضحت معالمه وتجلت رايته وتبينت غايته ، أما أن نلتزم موقفا محددا من كل تغيير بقطع النظر عما ذّكِر فليس هذا بالموقف السليم ، بل هو موقف العاطفة الجامحة التي لم يَـزُمَّها العلم ولم تهدها البصيرة.
جعلنا الله ممن يستمع القول فيتبع أحسنه ،وهدانا إلى الحق والثبات عليه
وصلى الله وسلم على نبيينا محمد وعلى آله وصحبه.
د/ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري.
أستاذ العقيدة المساعد بجامعة الملك سعود بالرياض 0
http://www.al-jazirah.com/20110221/rj1d.htm

صدام حسين

كاتب الموضوع الأصلي: وليد العتيبي1

صدام حسين عبد المجيد التكريتي (28 أبريل 1937[1] – 30 ديسمبر 2006)[2] رئيس جمهورية العراق في الفترة ما بين عام 1979 وحتى 9 أبريل 2003[3] ونائب رئيس الجمهورية العراقية بين 1975 و1979.

سطع نجمه إبان الانقلاب الذي قام به حزب البعث (ثورة 17 تموز 1968)، والذي دعى لتبني الأفكار القومية العربية، والتحضر الاقتصادي، والاشتراكية. ولعب صدام دوراً رئيسياً في انقلاب عام 1968 والذي وضعه في هرم السلطة كنائب للرئيس اللواء أحمد حسن البكر، وأمسك صدام بزمام الأمور في القطاعات الحكومية والقوات المسلحة المتصارعتين في الوقت الذي اعتبرت فيه العديد من المنظمات قادرة على الإطاحة بالحكومة. وقد نمى الاقتصاد العراقي بشكل سريع في السبعينات نتيجة سياسة تطوير ممنهجه للعراق بالإضافة للموارد الناتجة عن الطفرة الكبيرة في أسعار النفط في ذلك الوقت[4]. كان زواج صدام من ابنة خاله خطوة موفقة , فوالدها خير الله طلفاح كان صديقاً مقرباً من البكر , الذي كافأه على مساعدته للبعثيين بتعيينه مديراً عاماً في وزارة التعليم و قد تعزز تحالف صدام مع البكر بصورة أكبر عندما تزوج أحد أبناء البكر من شقيقه لساجدة , و تزوجت إحدى بنات البكر من شقيق لساجدة عدنان خير الله الذي قتل في ما بعد في حادث غامض . اهتم صدام و بتشجيع من البكر , بالبنية الأمنية الداخلية لحزب البعث , لكونها الهيئة التي سيرتقي من خلالها للسلطة و قد تأثر صدام إلى حد بعيد بجوزيف ستالين الذي قرأ حياته و أعماله أثناء وجوده بالقاهرة , كان صدام يسمع كثيراً و هو يردد مقولة ستالين : ” إذا كان هناك إنسان فهناك مشكلة , و إذا لم يكن هناك إنسان فليس هناك أي مشكلة ” .[5].

وصل صدام إلى رأس السلطة في العراق حيث أصبح صدام رئيسا للعراق عام 1979 بعد أن قام بحملة لتصفية معارضيه وخصومه[6]، وفي عام 1980 دخل صدام حرباً مع إيران استمرت 8 سنوات من 22 سبتمبر 1980 حتى 8 أغسطس 1988[7] وقبل أن تمر الذكرى الثانية لانتهاء الحرب مع إيران غزا صدام الكويت في 2 أغسطس 1990[8] والتي أدت إلى نشوب حرب الخليج الثانية (1991)[9]، تزوج صدام مرة ثانية عام 1986 من سميرة شاهبندر صافي التي تنتمي إلى أحد الأسر العريقة في بغداد[10].ظل العراق بعدها محاصرا دوليا حتى عام 2003 حيث احتلت القوات الأمريكية كامل أراضي الجمهورية العراقية بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم القاعدة تعمل من داخل العراق حيث ثبت كذب تلك الادعاءات[11]، بل إن السبب هو النفط[12]. قُبض على الرئيس في 13 ديسمبر 2003 في عملية الفجر الأحمر[13]. تم بعدها محاكمته وتنفيذ حكم الإعدام عليه [

النشأة

صدام في طفولته

وُلد صدام في قرية العوجة التي تبعد 13 كم عن مدينة تكريت شمال غرب بغداد التابعة لمحافظة صلاح الدين[3] لعائلة تمتهن الزراعة سنية فقيرة . توفي والده قبل ولادة صدام بستة أشهر و قد تعدد الأقاويل التي فسرت سبب وفاته ما بين وفاة لأسباب طبيعية أو مقتله على أيدي قطاع الطرق .[14] بعدها بفترة قصيرة، توفي الأخ الأكبر لصدام وهو في الثالثة عشرة بعد إصابته بالسرطان. أُرسل صدام إلى خاله خير الله طلفاح الذي قام برعايتهِ حتى أصبح في الثالثة من عمره[15].

والدته صبحة طلفاح المسلط امتازت بشخصية قوية ، وأنجبت لهُ ثلاثة أخوة و قد عاشت في تكريت حتى وفاتها عام 1982، وقد بنى لها صدام مقبرة فاخرة، و أطلق عليها لقب أم المجاهدين. كانت أمه قد تزوجت بعد وفاة والده للمرة الثانية من رجل قريب لها يدعى حسن الإبراهيم الذي كان فقيراً و يعمل بواباً لمدرسة في تكريت، وقد احتفظ صدام بعلاقات جيدة مع إخوته من أمه وإن كانت العلاقات صعبة أثناء الطفولة. عند وصوله إلى الحكم، أسند صدام لكل من برزان وسبعاوي ووطبان مناصب رسمية مهمة بعد أن أصبح رئيساً للعراق. عاش صدام مع أمه وإخوته من أمه في غرفة واحدة في قرية العوجة، غير مزودة بالاحتياجات الأولية كالمياه الجارية والكهرباء، وقد حكى صدام لأمير اسكندر كاتب سيرته الذاتية قائلاً: لم أشعر أنني طفل أبداً، كنت أميل إلى الانقباض وغالباً ما أتجنب مرافقة الآخرين، و لكنه وصف تلك الظروف بأنها منحته الصبر والتحمل والاعتماد على الذات.

ومن ضمن ما حكاه صدام حياة صعبة اندفع عليها بسبب الفقر، فكان يبيع البطيخ في القطار المار بتكريت في طريقه من الموصل إلى بغداد كي يطعم اسرته، في سن الحادية عشر، انتقل إلى العاصمة بغداد حيث قام بالإقامة مع خالهِ. انتقل صدام للعيش مع خاله خير الله طلفاح عام 1947 في قرية شاويش بالقرب من تكريت، وقد التحق صدام بالمدرسة في سن متأخرة، ربما في الثامنة أو العاشرة حيث اشتهر بذاكرته القوية، وخير الله طلفاح الذي كان يعمل ضابطاً في الجيش، عرف بأنه من القوميين العرب المتحمسين، و كان تربطه بصدام علاقة قوية، و قد كافأ صدام خاله بتعيينه محافظاً لبغداد حين أصبح نائباً لرئيس الجمهورية، و قد أدى حماس خير الله طلفاح إلى طردة من الجيش عام 1941 و سجنه خمس سنوات، عمل بعدها مدرساً،و كنتيجه لعيش صدام مع خاله في بغداد فقد تعلم الكثير من رفاق خاله من العسكريين، ثم اندمج صدام فيما بعد في النشاط السياسي حيث التحق بحزب البعث المعارض آنذاك، و قد تلقى الصبي عن خاله كراهية عميقة للملكية التي كانت تحكم العراق في ذلك الحين ومن يدعمهم من الأجانب، و بتوجيهٍ وإشراف من خاله، التحق صدام بالثانوية الوطنية في بغداد.[16] التحق بعده بكلية الحقوق لثلاث سنوات، لكنه وفي سن العشرين وفي عام 1957، انضم صدام إلى حزب البعث القومي-العربي، والذي كان خاله خير الله طلفاح داعماً له. في هذه الأثناء عمل صدام مدرساً في مدرسة ثانوية[17]. وتجدر الإشارة إلى أن أقارب له من بلدته تكريت كان لهم الأثر الأكبر على حياتهِ كرئيس.

احتفل صدام عام 1962 و هو لا يزال في القاهرة، بزواجة من ساجدة ابنة خاله خير الله طلفاح، التي كانت لا تزال في العراق في ذلك الوقت حيث أقام حفلاً كبيراً بحضور رفاقه المنفيين، و قد تم العقد عن طريق المراسلة، وأنجب منها ولديه (قصي وعدي) الذين قتلتهما القوات الأمريكية في شهر تموز يوليو 2003، و ثلاث بنات (رنا ورغد، وحلا). تزوجت رغد ورنا من الأخوين صدام كامل وحسين كامل حسن الذين قتلا عقب انشقاقهما وثم عودتهما من عمان للأراضي العراقية مع وعد بالعفو عنهما، بعد عدة أشهر فرا خلالها إلى الأردن في منتصف التسعينيات الماضية، فيما تزوجت الثالثة حلا من سلطان هاشم أحمد و هو ابن آخر وزير للدفاع في حكومة صدام قبل سقوط العراق في أيدي قوات الحلفاء بقيادة الجيش الأمريكي.[18] كان الحس الثوري القومي هو الطابع لتلك الفترة من الخمسينيات والذي انتشر مده عبر الوطن العربي والعراق. بالإضافة إلى ذلك، كانت القومية العربية التي دعا إليها جمال عبد الناصر في مصر دافعاً وحافزاً للبعثيين الشباب مثل صدام. ألهم عبد الناصر الوطنيين في أرجاء الوطن العربي لمحاربة الاستعمار وتوحيد العرب، وقد كان هذا سبباً في العديد من الثورات بعد مصر في كلٍ من العراق وليبيا وسورية واليمن[19].
[عدل]
سقوط المملكة العراقية

كان إسقاط الملكية العراقية إبان ثورة عام 1958 واحداً من أكثر الأحداث دموية في التاريخ الحديث للشرق الأوسط , ففي وقت مبكر من صباح يوم 14 يوليو عام 1958 اقتحمت وحدات من الجيش القصر الملكي العراقي في قصر الرحاب تطلق على نفسها اسم ” ضباط الأحرار ” بقيادة عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم بالإطاحة بالملك فيصل الثاني ، حيث دمرت المدفعية الجزء الأعلى من المبنى , و أجبروا الملك فيصل الثاني و الوصي و أسرهم على الهرب من المبنى إلى ساحة القصر , حيث أحاط بهم الضباط , و دونما أي اعتبار للنساء و الأطفال تم قتلهم جميعاً فقد كان قادة الانقلاب مصممين على أن لا يتركوا أي أثر للعائلة العراقية الملكية , أو أي نواة في المستقبل . أما مكان وجود صدام أثناء ثورة عام 1958 , فلم يكن معروفاً, لكن يمكن القول أن البعثيين قد أيدوا بكل ما يملكون في الانقلاب العسكري و كانوا مصممين على إنجاحه .[20]
[عدل]
صعوده في حزب البعث

صدام حسين مع مجموعة من رفاقه بعد نجاح الانقلاب الذي قام به حزب البعث

في عام 1959 شارك صدام مع مجموعة بعثية في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم , الرئيس العراقي حينها , بعد ظهر اليوم السابع من أكتوبر و خلافاً للترتيبات و بسبب الانفعال سحب صدام مدفعه الرشاش من تحت معطفه و فتح النار على سيارة قاسم قبل الوقت المقرر , و قبل أن يتمكن الآخرون من فتح النار تمكن حراس قاسم من مواجهة الموقف و قتل سائق السيارة الذي أصيب في ذراعه و كتفه , كما قتل أحد أفراد مجموعة الاغتيال و أصيب صدام في ساقه على يد أحد زملائه .

تمكن أعضاء فريق الاغتيال من الفرار إلى أحد مخابئ الحزب في العاصمة بغداد , أما عبد الكريم قاسم فقد نقل إلى المستشفى و أجرى له العلاج اللازم , و تم استدعاء الدكتور تحسين الملا , و هو أحد الأعضاء المؤسسين لحزب البعث , لمعالجة صدام و قال : ” أنه لم يكن سوى جرح بسيط عبارة عن كشط ” . و قد تم مداهمة المخبأ الذي لجأ إليه فريق الاغتيال إلا أن صدام استطاع الفرار إلى سوريا حيث قضى هناك ثلاثة أشهر , قبل أن ينتقل إلى القاهرة , حيث أنضم إلى نحو 500 شاب من البعثيين الذين اجتمعوا في العاصمة المصرية و كانت الحكومة السورية قد أرسلت هؤلاء إلى مصر بهدف استكمال تعليمهم . لم يكن صدام قد أكمل تعليمة الثانوي , و كان عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة يعارض عبد الكريم قاسم لأنه نكث بوعده في ضم العراق للإتحاد , و كان ميشيل عفلق و غيره من قادة البعث في سوريا , يعتقدون بأن المشاركين في المحاولة سيتمتعون بأمان أكثر في القاهرة من دمشق , حيث كان النظام السوري أقل استقراراً .

و قد اهتم ميشيل عفلق عميد حزب البعث السوري بصدام الشاب و رقاه إلى مرتبه عالية بأن جعله عضواً كامل العضوية في الحزب , لدوره في محاولة تصفية عبد الكريم قاسم لأن جهد البعثيين العراقيين لقلب الحكومة في بغداد جعلت منهم أبطالاً في نظر القوميين , حيث رأوا ن واجبهم الوطني يحتم عليهم قتل عبد الكريم قاسم لأنه سلم مقدرات البلد إلى الشيوعيين .

و كان عفلق الذي هيمن على حزب البعث في سوريا و العراق , يقف وراء انتخاب صدام عام 1964 في موقع مهم بالقيادة العراقية لحزب البعث , و قد رد صدام الجميل لدى توليه السلطة بأن جعل من البعثية العقيدة السياسية الرسمية للعراق , و عندما أجبر عفلق على الذهاب إلى المنفى إلى العراق عام 1989 , أمر صدام بإقامة ضريح فخم لمؤسس البعث .

في فبراير عام 1963 أسقط انقلاب قام به مجموعة من ضباط الجيش تربطهم علافة بحزب البعث حكومة عبد الكريم قاسم أطيح بعبد الكريم قاسم بانقلاب قيل أن المخابرات الأمريكية كانت تدعمه , تزعم الانقلاب الذي اعتبر رهيباً و شنيعاً , اللواء أحمد حسن البكر و كان البكر قد تبوأ مركزاً مرموقاً في البعث أثناء وجود صدام بالمنفى في القاهرة , حيث اتصف بكراهيته و مقته للشيوعيين الأمر الذي وضعه في مرتبه مميزة بنظر الأمريكيين , و قد أنضم البكر إلى البعث أثناء وجودة في السجن بتهمة تآمره ضد عبد الكريم قاسم , ولدى إطلاق صراح المعتقلين السياسيين , و من بينهم البكر , بدأ الأخير مع غيره من البعثيين بالتخطيط لخلع قاسم .

و قد رفضت العديد من وحدات الجيش دعم البعثيين في محاولتهم , فهاجم البكر قاسم في مقره في وزارة الدفاع و استمر القتال طيلة يومين , و نجم عنه سقوط مئات القتلى و الجرحى في وسط بغداد , قبل أن يضطر قاسم إلى الاستسلام , و رفض قادة الانقلاب السماح بمحاكمته علنية , و بعد محاكمة قصيرة في استيديو الموسيقى في التلفزيون , و أمام الكاميرات على الهواء مباشرة أعدم عبد الكريم قاسم رمياً بالرصاص , خلال هذه الأحداث كان صدام لا يزال في القاهرة لكن سرعان ما عاد إلى بغداد , ليصبح عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية و بعد وصولة أعاد صدام تقديم نفسه للبكر , الذي كوفئ على دورة بإسقاط قاسم بمنصب رئيس الوزراء من قبل الرئيس الجديد عبد السلام عارف , عين البكر العديد من أبناء بلدته تكريت في مواقع بارزة و قد وجد صدام نفسه في بداية الأمر على الهامش , و لكن الاشتباكات الدامية بين البعثيين و الشيوعيين بعد إسقاط قاسم وفرت له متنفساً و مخرجاً , و كمكافئة لهو في مثابرته على تعقب الشيوعيين عين صدام في لجنة الاستخبارات الحزب التي تتولى مسؤولية الاستجوابات و التحقيقات , و في فلم ” الأيام الطوال عن حياة صدام ” – الذي أخرجه المخرج توفيق صالح – فإن صدام يعلق على مشاركته في أحداث عام 1963 بقوله : يجب علينا قتل أولئك الذين يتآمرون ضدنا .

لم تطل فترة العنف , فقد أودت التناحرات الداخلية بين المجموعات البعثية المتنافسة إلى خروج الحزب من الحكم في نوفمبر عام 1963 . و كان الاختلاف بين الجناح المدني في الحزب بقيادة علي صالح السعدي , و الذي كان يحبذ الوحدة السياسية مع مصر و سوريا , و بخاصة بعد نجاح انقلاب البعث السوري في مارس من نفس العام , في حين عارض الجناح العسكري المحافظ الذي يفضل السياسة التقليدية ” العراق أولاً ” .

عمد البكر الذي كان يحاول التوفيق بين الأجنحة المتنافسة للحزب – إلى عقد اجتماع للقيادة القومية للبعث , و خلال تلك الفترة ساند صدام البكر مواطنه التكريتي , و سرعان ما وجد نفسه يعمل حارساً شخصياً لرئيس الوزراء , و بدأ يشاهد على الدوام إلى جانب البكر و هو يتسلح بمسدسه , و مع استمرار التهديد الذي يشكله الحرس القومي على النظام و الأمن العام , نفد صبر عبد السلام عارف مع البعث و قرر التصرف , و بالفعل صدرت الأوامر في 18 نوفمبر بمهاجمة الحرس القومي في بغداد و نجح عارف , و خلال ساعات كان يسيطر تماماً على المدينة .

أدى تدخل الرئيس عارف الحاسم إلى إنهاء أول تلاعب بعثي قصير في السلطة , و تم عزل الوزراء حيث استبدلوا بضباط عسكريين من الموالين للرئيس , و طرد البكر من منصبه كرئيس للوزراء , و أصبح العراق يحكم من قبل حكومة عسكرية , و تم حل الحرس القومي و استبدل بالحرس الجمهوري الذي يضم وحدات النخبة في القوات المسلحة و الذي تمثلت مهمته الرئيسية في حماية النظام من أي محاولات انقلاب مستقبلية .[21] , كان صدام وأحد من مجموعة البعثيين الذين أنيط بهم عام 1964 مسؤولية إنشاء الجهاز الأمني للحزب , و الذي أطلق عليه ” جهاز حنين ” , و ذلك بعد انقلاب عام 1963 و الذي أدى اكتشافه إلى الزج بقادة البعث المتبقين بمن فيهم البكر في السجن , و بقى صدام في بغداد على الرغم من مطالبة قيادة الحزب في دمشق بفرارة من جديد إلى سوريا , و بالتعاون مع قلة من البعثيين الذين لم يسجنهم عارف شكل صدام قوة أمنية سرية .

كانت الحرية التي تمتع بها صدام عام 1964 قصيرة الأمد , تم خلالها بحث سيناريوهات عدة للاغتيال الرئيس , و في منتصف أكتوبر طوق رجال الأمن مخبأ صدام في أحد أحياء بغداد و بعد تبادل قصير لإطلاق النار اضطر صدام للاستسلام بعد أن نفدت ذخيرته , و تم سجنه . كان خير الله طلفاح يقبع في السجن هو الآخر في ذلك الوقت , رغم أنه لم يكن عضواً في حزب البعث , و كانت ساجدة , التي كانت وضعت لتوها عدي , تزوره و تزور زوجها صدام الذي كان معتقلاً في سجن هو الآخر و تحضر له رسائل من البكر الذي كان قد أفرج عنه , و هو ما كان يمكن صدام للاطلاع على مجريات الأمور حتى انتهت الفترة الثانية لسجن صدام يوم 23 يوليو عام 1966 عندما تمكن مع أثنين من رفاقه من الهرب حيث عمل من جديد على الإطاحة بالحكومة و الاستيلاء على السلطة , مع فجر يوم 17 يوليو من عام 1968 استولت وحدات عسكرية يرافقها نشطاء بعثيون مدنيون على مؤسسات عسكرية حكومة مهمة , و صدرت الأوامر بالتحرك إلى قصر الرئاسة , فاندفعت الدبابات إلى باحته , و توقفت تحت النوافذ حيث كان الرئيس عبد الرحمن عارف مازال نائماً في سريرة , و كان في الدبابة الأولى صدام حسين ببزته العسكرية .

لم يعرف الرئيس عبد الرحمن عارف بالانقلاب , إلا عندما سمع صوت الرصاصة الذي أطلقته عناصر من الحرس الجمهوري في الهواء للتعبير عن الفرح و الانتصار , قبل عارف – الرئيس الضعيف الذي تسلم السلطة بعد مقتل شقيقه عبد السلام عارف بتحطم هيلوكبتر عام 1966 – التنحي و كان مطلبه الوحيد أن يضمن الانقلابين سلامة ابنه الذي كان ضابطاً في الجيش , و تمثل دور صدام حسين يومها في مراقبة القصر و ضامن عدم تدخل الجنود الموالين لعارف . و بحلول الساعة 3:40 دقيقة صباحاً كان الانقلاب قد نجح دون إراقة نقطة دم واحدة , و بعد استراحة دامت ساعات , و ضع عارف على طائرة متجهة إلى لندن للانضمام إلى زوجته التي كانت تعالج هناك من داء السرطان , و أعلنت إذاعة بغداد أن حزب البعث قد استولى على السلطة , و أنتها نظاماً ضعيفاً و فاسداً يمثله حفنه من الجهلة و الأميين و اللصوص و الجواسيس. بعد الانقلاب عين أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية فيما كلف صدام بمسؤولية الأمن القومي , و قد كان صدام مناسباً لتسلم هذا الموقع لسابق تجربته للإقامة ” جهاز حنين ” , و الذي حل بعد تسلم البعثيين السلطة , لتحل محلة مؤسسات أمنية رسمية , و كان عمر صدام حسين وقتها 31 عاماً .[22]
[عدل]
برنامج التطوير

صدام حسين عام 1974

تطوير تعليم المرأة في السبعينيات

في نهايات 1960 وبدايات 1970، ولكون صدام نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة وكونه الرجل الثاني في العراق، بنى صدام سمعة جيدة كسياسي محنك وفعال[23]. قام صدام بتأسيس جهاز المخابرات العراقي الذي كان يعرف بـ جهاز حنين، وبدأ بمحاكمة كل من كان لهم ولاءات خارجية، وقام بتعيين من يثق به في المناصب الأمنية المهمة مدعماً مكانته.

بعد أن تسلم حزب البعث السلطة في العراق عام 1968، ركز صدام على تحقيق الاستقرار في وطن مزقته الصراعات العويصة، في وجود الانقسامات والصراعات الاجتماعية، العقائدية والدينية ما بين السنة والشيعة وبين العرب والأكراد وغيرها[24]، وكان في رأي صدام أن القيادة الثابتة والمستقرة في دولة تنتشر فيها التحزبية والانقسامات تحتاج إلى سياسة القمع كما تحتاج في نفس الوقت إلى رفع المستوى المعيشي [24]. قام صدام بتعزيز الاقتصاد العراقي بجانب بناء جهاز أمني قوي لمنع الانقلابات والتمرد داخل وخارج حزب البعث. لم يهتم صدام بتوسعة قاعدة المؤيدين له بين مختلف الفئات في المجتمع العراقي، فقد كان كل اهتمامه منصب في إقامة دولة مستقرة وتطوير برامج التنمية.

كان أكبر اهتمامات صدام هو النفط العراقي.في عام 1973، ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير نتيجة لأزمة النفط (1973)، وقد مكن ذلك الارتفاع صدام من توسيع نطاق جدول أعماله.في خلال أعوام كانت العراق تقدم خدمات إجتماعية لم يسبق لها مثيل بين دول الشرق الأوسط.قام صدام بإنشاء وإدارة “الحملة الوطنية لمحو الأمية” وحملة “التعليم الإلزامي المجاني في العراق”، وقد قامت الحكومة العراقية بتعليم مئات الالاف في خلال عدة سنوات من بداية هذة الحملة. كما قامت الحكومة بدعم أُسر الجنود، كما قدمت رعاية صحية مجانية للجميع، بالإضافة إلى تقديم أراضي زراعية مجانية للفلاحين. قامت العراق بإنشاء واحدة من أحدث أنظمة الرعاية الصحية في الشرق الأوسط، وكان ذلك سبباً لمنح صدام جائزة من منظمة اليونسكو.[25]
[عدل]
رئاسة الدولة

صدام حسين مع الرئيس أحمد حسن البكر خلال القمة العربية في بغداد 1978

بدأ صدام يجمع السلطة في يده بطريقة حثيثة , فحينما كان مسؤولاً عن الأمن كان مسؤولاً أيضاً عن إدارة الفلاحين , و سرعان ما وضع التعليم و الدعاية تحت نطاق سيطرته , و ما لبث أن تولى رسمياً منصب السكرتير العام لمجلس قيادة الثورة في يناير عام 1969 , و بعد ذلك بدأ وصف صدام باسم ” السيد النائب ” أجرى صدام حسين , بصفته نائباً للرئيس أحمد حسن البكر إصلاحات واسعة النطاق و أقام أجهزة أمنية صارمة , و قد أثارت سياسيات كل من صدام و البكر قلقاً في الغرب ففي عام 1978 و في أوج الحرب الباردة عقد العراق معاهدة التعاون و الصداقة مدها 15 مع الإتحاد السوفييتي , كما أمم شركة النفط الوطنية , التي تأسست في ظل الإدارة البريطانية , و التي كانت تصدر النفط الرخيص إلى الغرب ة قد استثمرت بعض أموال النفط , عقب فورة النفطية التي أعقبت أزمة عام 1973 , في الصناعة و التعليم و العناية الصحية , مما رفع مستوى المعيشي في العراق إلى أعلى مستوى في العالم العربي .

تمكن صدام حسين من إحكام قبضته على السلطة من خلال تعيين أقاربه و حلفائه في المناصب الحكومة المهمة , بالإضافة إلى مراكز التجار و الأعمال , و هو ما تمكن معه في نهاية عام 1970 من أن يحتكر السلطة فعلياً في العراق تمهيداً للاستيلاء عليها نهائياً في يوليو عام 1979 , حيث اضطر البكر إلى الاستقالة و كان السبب الرسمي المعلن للإستقاله العجز عن أداء المهام الرئاسية لأسباب صحية , و سلمت كل مناصبه لصدام حسين الذي أعلن نفسه رئيساً للجمهورية و رئيساً لمجلس قيادة الثورة و قائداً عاماً للقوات المسلحة . و قابل صدام استقالة البكر بتحديد إقامته في منزله إلى أن توفى في أكتوبر عام 1982 كان صدام يعمل في ذلك الوقت من 14 إلى 16 ساعة يومياً , و من بين أهم الأعمال التي لاقت ترحيباً من العامة و التي قام بها صدام في بداية توليه السلطة الإفراج عن الآلاف المعتقلين و قال كلمة صاحبت هذا الحدث , جاء فيها : إن القانون فوق الجميع , و أن اعتقال الناس دون إعمال القانون لن يحدث ثانية أبداً .!! ليس هذا فحسب بل عمد صدام إلى التقرب إلى الشعب العراقي و للمواطن البسيط حتى وصفه أحد المعارضين الكبار بقوله : لقد أبدى صدام تفهماً حقيقياً لأحوال الناس البسطاء أكثر من أي زعيم آخر في تاريخ العراق .[26] برغم أن صدام كان نائباً للرئيس أحمد حسن بكر إلا أنه كان الطرف الأقوى في الحزب. كان أحمد حسن البكر الأكبر سناً ومقاماً، ولكن وبحلول عام 1969 كان لصدام القوة الأكبر في الحزب . في 1979 بدأ الرئيس أحمد حسن البكر بعقد معاهدات مع سوريا، التي يتواجد بها حزب البعث، كانت ستقود إلى الوحدة بين الدولتين. وسيصبح الرئيس السوري حافظ الاسد نائبا للرئيس في ذلك الإتحاد، ولكن قبل حدوث ذلك، استقال أحمد حسن البكر في 16 يوليو 1979. وأصبح صدام بشكل رسمي الرئيس الجديد للعراق.

بعد ذلك بفترة وجيزة، جمع قيادات حزب البعث في 22 يوليو 1979، وخلال الاجتماع، الذي أمر بتصويره، قال صدام بأنه وجد جواسيس ومتآمرين ضمن حزب البعث، وقرأ أسماء هؤلاء الذين كانو ارتبطوا سرا مع حافظ الأسد. وتم وصف هؤلاء بالخيانة وتم إقتيادهم واحدا تلو الآخر ليواجهوا الإعدام رميا بالرصاص خارج قاعة الاجتماع وعلى مسامع الحاضرين.

صدام حسين

كاتب الموضوع الأصلي: وليد العتيبي1

صدام حسين عبد المجيد التكريتي (28 أبريل 1937[1] – 30 ديسمبر 2006)[2] رئيس جمهورية العراق في الفترة ما بين عام 1979 وحتى 9 أبريل 2003[3] ونائب رئيس الجمهورية العراقية بين 1975 و1979.

سطع نجمه إبان الانقلاب الذي قام به حزب البعث (ثورة 17 تموز 1968)، والذي دعى لتبني الأفكار القومية العربية، والتحضر الاقتصادي، والاشتراكية. ولعب صدام دوراً رئيسياً في انقلاب عام 1968 والذي وضعه في هرم السلطة كنائب للرئيس اللواء أحمد حسن البكر، وأمسك صدام بزمام الأمور في القطاعات الحكومية والقوات المسلحة المتصارعتين في الوقت الذي اعتبرت فيه العديد من المنظمات قادرة على الإطاحة بالحكومة. وقد نمى الاقتصاد العراقي بشكل سريع في السبعينات نتيجة سياسة تطوير ممنهجه للعراق بالإضافة للموارد الناتجة عن الطفرة الكبيرة في أسعار النفط في ذلك الوقت[4]. كان زواج صدام من ابنة خاله خطوة موفقة , فوالدها خير الله طلفاح كان صديقاً مقرباً من البكر , الذي كافأه على مساعدته للبعثيين بتعيينه مديراً عاماً في وزارة التعليم و قد تعزز تحالف صدام مع البكر بصورة أكبر عندما تزوج أحد أبناء البكر من شقيقه لساجدة , و تزوجت إحدى بنات البكر من شقيق لساجدة عدنان خير الله الذي قتل في ما بعد في حادث غامض . اهتم صدام و بتشجيع من البكر , بالبنية الأمنية الداخلية لحزب البعث , لكونها الهيئة التي سيرتقي من خلالها للسلطة و قد تأثر صدام إلى حد بعيد بجوزيف ستالين الذي قرأ حياته و أعماله أثناء وجوده بالقاهرة , كان صدام يسمع كثيراً و هو يردد مقولة ستالين : ” إذا كان هناك إنسان فهناك مشكلة , و إذا لم يكن هناك إنسان فليس هناك أي مشكلة ” .[5].

وصل صدام إلى رأس السلطة في العراق حيث أصبح صدام رئيسا للعراق عام 1979 بعد أن قام بحملة لتصفية معارضيه وخصومه[6]، وفي عام 1980 دخل صدام حرباً مع إيران استمرت 8 سنوات من 22 سبتمبر 1980 حتى 8 أغسطس 1988[7] وقبل أن تمر الذكرى الثانية لانتهاء الحرب مع إيران غزا صدام الكويت في 2 أغسطس 1990[8] والتي أدت إلى نشوب حرب الخليج الثانية (1991)[9]، تزوج صدام مرة ثانية عام 1986 من سميرة شاهبندر صافي التي تنتمي إلى أحد الأسر العريقة في بغداد[10].ظل العراق بعدها محاصرا دوليا حتى عام 2003 حيث احتلت القوات الأمريكية كامل أراضي الجمهورية العراقية بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم القاعدة تعمل من داخل العراق حيث ثبت كذب تلك الادعاءات[11]، بل إن السبب هو النفط[12]. قُبض على الرئيس في 13 ديسمبر 2003 في عملية الفجر الأحمر[13]. تم بعدها محاكمته وتنفيذ حكم الإعدام عليه [

النشأة

صدام في طفولته

وُلد صدام في قرية العوجة التي تبعد 13 كم عن مدينة تكريت شمال غرب بغداد التابعة لمحافظة صلاح الدين[3] لعائلة تمتهن الزراعة سنية فقيرة . توفي والده قبل ولادة صدام بستة أشهر و قد تعدد الأقاويل التي فسرت سبب وفاته ما بين وفاة لأسباب طبيعية أو مقتله على أيدي قطاع الطرق .[14] بعدها بفترة قصيرة، توفي الأخ الأكبر لصدام وهو في الثالثة عشرة بعد إصابته بالسرطان. أُرسل صدام إلى خاله خير الله طلفاح الذي قام برعايتهِ حتى أصبح في الثالثة من عمره[15].

والدته صبحة طلفاح المسلط امتازت بشخصية قوية ، وأنجبت لهُ ثلاثة أخوة و قد عاشت في تكريت حتى وفاتها عام 1982، وقد بنى لها صدام مقبرة فاخرة، و أطلق عليها لقب أم المجاهدين. كانت أمه قد تزوجت بعد وفاة والده للمرة الثانية من رجل قريب لها يدعى حسن الإبراهيم الذي كان فقيراً و يعمل بواباً لمدرسة في تكريت، وقد احتفظ صدام بعلاقات جيدة مع إخوته من أمه وإن كانت العلاقات صعبة أثناء الطفولة. عند وصوله إلى الحكم، أسند صدام لكل من برزان وسبعاوي ووطبان مناصب رسمية مهمة بعد أن أصبح رئيساً للعراق. عاش صدام مع أمه وإخوته من أمه في غرفة واحدة في قرية العوجة، غير مزودة بالاحتياجات الأولية كالمياه الجارية والكهرباء، وقد حكى صدام لأمير اسكندر كاتب سيرته الذاتية قائلاً: لم أشعر أنني طفل أبداً، كنت أميل إلى الانقباض وغالباً ما أتجنب مرافقة الآخرين، و لكنه وصف تلك الظروف بأنها منحته الصبر والتحمل والاعتماد على الذات.

ومن ضمن ما حكاه صدام حياة صعبة اندفع عليها بسبب الفقر، فكان يبيع البطيخ في القطار المار بتكريت في طريقه من الموصل إلى بغداد كي يطعم اسرته، في سن الحادية عشر، انتقل إلى العاصمة بغداد حيث قام بالإقامة مع خالهِ. انتقل صدام للعيش مع خاله خير الله طلفاح عام 1947 في قرية شاويش بالقرب من تكريت، وقد التحق صدام بالمدرسة في سن متأخرة، ربما في الثامنة أو العاشرة حيث اشتهر بذاكرته القوية، وخير الله طلفاح الذي كان يعمل ضابطاً في الجيش، عرف بأنه من القوميين العرب المتحمسين، و كان تربطه بصدام علاقة قوية، و قد كافأ صدام خاله بتعيينه محافظاً لبغداد حين أصبح نائباً لرئيس الجمهورية، و قد أدى حماس خير الله طلفاح إلى طردة من الجيش عام 1941 و سجنه خمس سنوات، عمل بعدها مدرساً،و كنتيجه لعيش صدام مع خاله في بغداد فقد تعلم الكثير من رفاق خاله من العسكريين، ثم اندمج صدام فيما بعد في النشاط السياسي حيث التحق بحزب البعث المعارض آنذاك، و قد تلقى الصبي عن خاله كراهية عميقة للملكية التي كانت تحكم العراق في ذلك الحين ومن يدعمهم من الأجانب، و بتوجيهٍ وإشراف من خاله، التحق صدام بالثانوية الوطنية في بغداد.[16] التحق بعده بكلية الحقوق لثلاث سنوات، لكنه وفي سن العشرين وفي عام 1957، انضم صدام إلى حزب البعث القومي-العربي، والذي كان خاله خير الله طلفاح داعماً له. في هذه الأثناء عمل صدام مدرساً في مدرسة ثانوية[17]. وتجدر الإشارة إلى أن أقارب له من بلدته تكريت كان لهم الأثر الأكبر على حياتهِ كرئيس.

احتفل صدام عام 1962 و هو لا يزال في القاهرة، بزواجة من ساجدة ابنة خاله خير الله طلفاح، التي كانت لا تزال في العراق في ذلك الوقت حيث أقام حفلاً كبيراً بحضور رفاقه المنفيين، و قد تم العقد عن طريق المراسلة، وأنجب منها ولديه (قصي وعدي) الذين قتلتهما القوات الأمريكية في شهر تموز يوليو 2003، و ثلاث بنات (رنا ورغد، وحلا). تزوجت رغد ورنا من الأخوين صدام كامل وحسين كامل حسن الذين قتلا عقب انشقاقهما وثم عودتهما من عمان للأراضي العراقية مع وعد بالعفو عنهما، بعد عدة أشهر فرا خلالها إلى الأردن في منتصف التسعينيات الماضية، فيما تزوجت الثالثة حلا من سلطان هاشم أحمد و هو ابن آخر وزير للدفاع في حكومة صدام قبل سقوط العراق في أيدي قوات الحلفاء بقيادة الجيش الأمريكي.[18] كان الحس الثوري القومي هو الطابع لتلك الفترة من الخمسينيات والذي انتشر مده عبر الوطن العربي والعراق. بالإضافة إلى ذلك، كانت القومية العربية التي دعا إليها جمال عبد الناصر في مصر دافعاً وحافزاً للبعثيين الشباب مثل صدام. ألهم عبد الناصر الوطنيين في أرجاء الوطن العربي لمحاربة الاستعمار وتوحيد العرب، وقد كان هذا سبباً في العديد من الثورات بعد مصر في كلٍ من العراق وليبيا وسورية واليمن[19].
[عدل]
سقوط المملكة العراقية

كان إسقاط الملكية العراقية إبان ثورة عام 1958 واحداً من أكثر الأحداث دموية في التاريخ الحديث للشرق الأوسط , ففي وقت مبكر من صباح يوم 14 يوليو عام 1958 اقتحمت وحدات من الجيش القصر الملكي العراقي في قصر الرحاب تطلق على نفسها اسم ” ضباط الأحرار ” بقيادة عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم بالإطاحة بالملك فيصل الثاني ، حيث دمرت المدفعية الجزء الأعلى من المبنى , و أجبروا الملك فيصل الثاني و الوصي و أسرهم على الهرب من المبنى إلى ساحة القصر , حيث أحاط بهم الضباط , و دونما أي اعتبار للنساء و الأطفال تم قتلهم جميعاً فقد كان قادة الانقلاب مصممين على أن لا يتركوا أي أثر للعائلة العراقية الملكية , أو أي نواة في المستقبل . أما مكان وجود صدام أثناء ثورة عام 1958 , فلم يكن معروفاً, لكن يمكن القول أن البعثيين قد أيدوا بكل ما يملكون في الانقلاب العسكري و كانوا مصممين على إنجاحه .[20]
[عدل]
صعوده في حزب البعث

صدام حسين مع مجموعة من رفاقه بعد نجاح الانقلاب الذي قام به حزب البعث

في عام 1959 شارك صدام مع مجموعة بعثية في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم , الرئيس العراقي حينها , بعد ظهر اليوم السابع من أكتوبر و خلافاً للترتيبات و بسبب الانفعال سحب صدام مدفعه الرشاش من تحت معطفه و فتح النار على سيارة قاسم قبل الوقت المقرر , و قبل أن يتمكن الآخرون من فتح النار تمكن حراس قاسم من مواجهة الموقف و قتل سائق السيارة الذي أصيب في ذراعه و كتفه , كما قتل أحد أفراد مجموعة الاغتيال و أصيب صدام في ساقه على يد أحد زملائه .

تمكن أعضاء فريق الاغتيال من الفرار إلى أحد مخابئ الحزب في العاصمة بغداد , أما عبد الكريم قاسم فقد نقل إلى المستشفى و أجرى له العلاج اللازم , و تم استدعاء الدكتور تحسين الملا , و هو أحد الأعضاء المؤسسين لحزب البعث , لمعالجة صدام و قال : ” أنه لم يكن سوى جرح بسيط عبارة عن كشط ” . و قد تم مداهمة المخبأ الذي لجأ إليه فريق الاغتيال إلا أن صدام استطاع الفرار إلى سوريا حيث قضى هناك ثلاثة أشهر , قبل أن ينتقل إلى القاهرة , حيث أنضم إلى نحو 500 شاب من البعثيين الذين اجتمعوا في العاصمة المصرية و كانت الحكومة السورية قد أرسلت هؤلاء إلى مصر بهدف استكمال تعليمهم . لم يكن صدام قد أكمل تعليمة الثانوي , و كان عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة يعارض عبد الكريم قاسم لأنه نكث بوعده في ضم العراق للإتحاد , و كان ميشيل عفلق و غيره من قادة البعث في سوريا , يعتقدون بأن المشاركين في المحاولة سيتمتعون بأمان أكثر في القاهرة من دمشق , حيث كان النظام السوري أقل استقراراً .

و قد اهتم ميشيل عفلق عميد حزب البعث السوري بصدام الشاب و رقاه إلى مرتبه عالية بأن جعله عضواً كامل العضوية في الحزب , لدوره في محاولة تصفية عبد الكريم قاسم لأن جهد البعثيين العراقيين لقلب الحكومة في بغداد جعلت منهم أبطالاً في نظر القوميين , حيث رأوا ن واجبهم الوطني يحتم عليهم قتل عبد الكريم قاسم لأنه سلم مقدرات البلد إلى الشيوعيين .

و كان عفلق الذي هيمن على حزب البعث في سوريا و العراق , يقف وراء انتخاب صدام عام 1964 في موقع مهم بالقيادة العراقية لحزب البعث , و قد رد صدام الجميل لدى توليه السلطة بأن جعل من البعثية العقيدة السياسية الرسمية للعراق , و عندما أجبر عفلق على الذهاب إلى المنفى إلى العراق عام 1989 , أمر صدام بإقامة ضريح فخم لمؤسس البعث .

في فبراير عام 1963 أسقط انقلاب قام به مجموعة من ضباط الجيش تربطهم علافة بحزب البعث حكومة عبد الكريم قاسم أطيح بعبد الكريم قاسم بانقلاب قيل أن المخابرات الأمريكية كانت تدعمه , تزعم الانقلاب الذي اعتبر رهيباً و شنيعاً , اللواء أحمد حسن البكر و كان البكر قد تبوأ مركزاً مرموقاً في البعث أثناء وجود صدام بالمنفى في القاهرة , حيث اتصف بكراهيته و مقته للشيوعيين الأمر الذي وضعه في مرتبه مميزة بنظر الأمريكيين , و قد أنضم البكر إلى البعث أثناء وجودة في السجن بتهمة تآمره ضد عبد الكريم قاسم , ولدى إطلاق صراح المعتقلين السياسيين , و من بينهم البكر , بدأ الأخير مع غيره من البعثيين بالتخطيط لخلع قاسم .

و قد رفضت العديد من وحدات الجيش دعم البعثيين في محاولتهم , فهاجم البكر قاسم في مقره في وزارة الدفاع و استمر القتال طيلة يومين , و نجم عنه سقوط مئات القتلى و الجرحى في وسط بغداد , قبل أن يضطر قاسم إلى الاستسلام , و رفض قادة الانقلاب السماح بمحاكمته علنية , و بعد محاكمة قصيرة في استيديو الموسيقى في التلفزيون , و أمام الكاميرات على الهواء مباشرة أعدم عبد الكريم قاسم رمياً بالرصاص , خلال هذه الأحداث كان صدام لا يزال في القاهرة لكن سرعان ما عاد إلى بغداد , ليصبح عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية و بعد وصولة أعاد صدام تقديم نفسه للبكر , الذي كوفئ على دورة بإسقاط قاسم بمنصب رئيس الوزراء من قبل الرئيس الجديد عبد السلام عارف , عين البكر العديد من أبناء بلدته تكريت في مواقع بارزة و قد وجد صدام نفسه في بداية الأمر على الهامش , و لكن الاشتباكات الدامية بين البعثيين و الشيوعيين بعد إسقاط قاسم وفرت له متنفساً و مخرجاً , و كمكافئة لهو في مثابرته على تعقب الشيوعيين عين صدام في لجنة الاستخبارات الحزب التي تتولى مسؤولية الاستجوابات و التحقيقات , و في فلم ” الأيام الطوال عن حياة صدام ” – الذي أخرجه المخرج توفيق صالح – فإن صدام يعلق على مشاركته في أحداث عام 1963 بقوله : يجب علينا قتل أولئك الذين يتآمرون ضدنا .

لم تطل فترة العنف , فقد أودت التناحرات الداخلية بين المجموعات البعثية المتنافسة إلى خروج الحزب من الحكم في نوفمبر عام 1963 . و كان الاختلاف بين الجناح المدني في الحزب بقيادة علي صالح السعدي , و الذي كان يحبذ الوحدة السياسية مع مصر و سوريا , و بخاصة بعد نجاح انقلاب البعث السوري في مارس من نفس العام , في حين عارض الجناح العسكري المحافظ الذي يفضل السياسة التقليدية ” العراق أولاً ” .

عمد البكر الذي كان يحاول التوفيق بين الأجنحة المتنافسة للحزب – إلى عقد اجتماع للقيادة القومية للبعث , و خلال تلك الفترة ساند صدام البكر مواطنه التكريتي , و سرعان ما وجد نفسه يعمل حارساً شخصياً لرئيس الوزراء , و بدأ يشاهد على الدوام إلى جانب البكر و هو يتسلح بمسدسه , و مع استمرار التهديد الذي يشكله الحرس القومي على النظام و الأمن العام , نفد صبر عبد السلام عارف مع البعث و قرر التصرف , و بالفعل صدرت الأوامر في 18 نوفمبر بمهاجمة الحرس القومي في بغداد و نجح عارف , و خلال ساعات كان يسيطر تماماً على المدينة .

أدى تدخل الرئيس عارف الحاسم إلى إنهاء أول تلاعب بعثي قصير في السلطة , و تم عزل الوزراء حيث استبدلوا بضباط عسكريين من الموالين للرئيس , و طرد البكر من منصبه كرئيس للوزراء , و أصبح العراق يحكم من قبل حكومة عسكرية , و تم حل الحرس القومي و استبدل بالحرس الجمهوري الذي يضم وحدات النخبة في القوات المسلحة و الذي تمثلت مهمته الرئيسية في حماية النظام من أي محاولات انقلاب مستقبلية .[21] , كان صدام وأحد من مجموعة البعثيين الذين أنيط بهم عام 1964 مسؤولية إنشاء الجهاز الأمني للحزب , و الذي أطلق عليه ” جهاز حنين ” , و ذلك بعد انقلاب عام 1963 و الذي أدى اكتشافه إلى الزج بقادة البعث المتبقين بمن فيهم البكر في السجن , و بقى صدام في بغداد على الرغم من مطالبة قيادة الحزب في دمشق بفرارة من جديد إلى سوريا , و بالتعاون مع قلة من البعثيين الذين لم يسجنهم عارف شكل صدام قوة أمنية سرية .

كانت الحرية التي تمتع بها صدام عام 1964 قصيرة الأمد , تم خلالها بحث سيناريوهات عدة للاغتيال الرئيس , و في منتصف أكتوبر طوق رجال الأمن مخبأ صدام في أحد أحياء بغداد و بعد تبادل قصير لإطلاق النار اضطر صدام للاستسلام بعد أن نفدت ذخيرته , و تم سجنه . كان خير الله طلفاح يقبع في السجن هو الآخر في ذلك الوقت , رغم أنه لم يكن عضواً في حزب البعث , و كانت ساجدة , التي كانت وضعت لتوها عدي , تزوره و تزور زوجها صدام الذي كان معتقلاً في سجن هو الآخر و تحضر له رسائل من البكر الذي كان قد أفرج عنه , و هو ما كان يمكن صدام للاطلاع على مجريات الأمور حتى انتهت الفترة الثانية لسجن صدام يوم 23 يوليو عام 1966 عندما تمكن مع أثنين من رفاقه من الهرب حيث عمل من جديد على الإطاحة بالحكومة و الاستيلاء على السلطة , مع فجر يوم 17 يوليو من عام 1968 استولت وحدات عسكرية يرافقها نشطاء بعثيون مدنيون على مؤسسات عسكرية حكومة مهمة , و صدرت الأوامر بالتحرك إلى قصر الرئاسة , فاندفعت الدبابات إلى باحته , و توقفت تحت النوافذ حيث كان الرئيس عبد الرحمن عارف مازال نائماً في سريرة , و كان في الدبابة الأولى صدام حسين ببزته العسكرية .

لم يعرف الرئيس عبد الرحمن عارف بالانقلاب , إلا عندما سمع صوت الرصاصة الذي أطلقته عناصر من الحرس الجمهوري في الهواء للتعبير عن الفرح و الانتصار , قبل عارف – الرئيس الضعيف الذي تسلم السلطة بعد مقتل شقيقه عبد السلام عارف بتحطم هيلوكبتر عام 1966 – التنحي و كان مطلبه الوحيد أن يضمن الانقلابين سلامة ابنه الذي كان ضابطاً في الجيش , و تمثل دور صدام حسين يومها في مراقبة القصر و ضامن عدم تدخل الجنود الموالين لعارف . و بحلول الساعة 3:40 دقيقة صباحاً كان الانقلاب قد نجح دون إراقة نقطة دم واحدة , و بعد استراحة دامت ساعات , و ضع عارف على طائرة متجهة إلى لندن للانضمام إلى زوجته التي كانت تعالج هناك من داء السرطان , و أعلنت إذاعة بغداد أن حزب البعث قد استولى على السلطة , و أنتها نظاماً ضعيفاً و فاسداً يمثله حفنه من الجهلة و الأميين و اللصوص و الجواسيس. بعد الانقلاب عين أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية فيما كلف صدام بمسؤولية الأمن القومي , و قد كان صدام مناسباً لتسلم هذا الموقع لسابق تجربته للإقامة ” جهاز حنين ” , و الذي حل بعد تسلم البعثيين السلطة , لتحل محلة مؤسسات أمنية رسمية , و كان عمر صدام حسين وقتها 31 عاماً .[22]
[عدل]
برنامج التطوير

صدام حسين عام 1974

تطوير تعليم المرأة في السبعينيات

في نهايات 1960 وبدايات 1970، ولكون صدام نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة وكونه الرجل الثاني في العراق، بنى صدام سمعة جيدة كسياسي محنك وفعال[23]. قام صدام بتأسيس جهاز المخابرات العراقي الذي كان يعرف بـ جهاز حنين، وبدأ بمحاكمة كل من كان لهم ولاءات خارجية، وقام بتعيين من يثق به في المناصب الأمنية المهمة مدعماً مكانته.

بعد أن تسلم حزب البعث السلطة في العراق عام 1968، ركز صدام على تحقيق الاستقرار في وطن مزقته الصراعات العويصة، في وجود الانقسامات والصراعات الاجتماعية، العقائدية والدينية ما بين السنة والشيعة وبين العرب والأكراد وغيرها[24]، وكان في رأي صدام أن القيادة الثابتة والمستقرة في دولة تنتشر فيها التحزبية والانقسامات تحتاج إلى سياسة القمع كما تحتاج في نفس الوقت إلى رفع المستوى المعيشي [24]. قام صدام بتعزيز الاقتصاد العراقي بجانب بناء جهاز أمني قوي لمنع الانقلابات والتمرد داخل وخارج حزب البعث. لم يهتم صدام بتوسعة قاعدة المؤيدين له بين مختلف الفئات في المجتمع العراقي، فقد كان كل اهتمامه منصب في إقامة دولة مستقرة وتطوير برامج التنمية.

كان أكبر اهتمامات صدام هو النفط العراقي.في عام 1973، ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير نتيجة لأزمة النفط (1973)، وقد مكن ذلك الارتفاع صدام من توسيع نطاق جدول أعماله.في خلال أعوام كانت العراق تقدم خدمات إجتماعية لم يسبق لها مثيل بين دول الشرق الأوسط.قام صدام بإنشاء وإدارة “الحملة الوطنية لمحو الأمية” وحملة “التعليم الإلزامي المجاني في العراق”، وقد قامت الحكومة العراقية بتعليم مئات الالاف في خلال عدة سنوات من بداية هذة الحملة. كما قامت الحكومة بدعم أُسر الجنود، كما قدمت رعاية صحية مجانية للجميع، بالإضافة إلى تقديم أراضي زراعية مجانية للفلاحين. قامت العراق بإنشاء واحدة من أحدث أنظمة الرعاية الصحية في الشرق الأوسط، وكان ذلك سبباً لمنح صدام جائزة من منظمة اليونسكو.[25]
[عدل]
رئاسة الدولة

صدام حسين مع الرئيس أحمد حسن البكر خلال القمة العربية في بغداد 1978

بدأ صدام يجمع السلطة في يده بطريقة حثيثة , فحينما كان مسؤولاً عن الأمن كان مسؤولاً أيضاً عن إدارة الفلاحين , و سرعان ما وضع التعليم و الدعاية تحت نطاق سيطرته , و ما لبث أن تولى رسمياً منصب السكرتير العام لمجلس قيادة الثورة في يناير عام 1969 , و بعد ذلك بدأ وصف صدام باسم ” السيد النائب ” أجرى صدام حسين , بصفته نائباً للرئيس أحمد حسن البكر إصلاحات واسعة النطاق و أقام أجهزة أمنية صارمة , و قد أثارت سياسيات كل من صدام و البكر قلقاً في الغرب ففي عام 1978 و في أوج الحرب الباردة عقد العراق معاهدة التعاون و الصداقة مدها 15 مع الإتحاد السوفييتي , كما أمم شركة النفط الوطنية , التي تأسست في ظل الإدارة البريطانية , و التي كانت تصدر النفط الرخيص إلى الغرب ة قد استثمرت بعض أموال النفط , عقب فورة النفطية التي أعقبت أزمة عام 1973 , في الصناعة و التعليم و العناية الصحية , مما رفع مستوى المعيشي في العراق إلى أعلى مستوى في العالم العربي .

تمكن صدام حسين من إحكام قبضته على السلطة من خلال تعيين أقاربه و حلفائه في المناصب الحكومة المهمة , بالإضافة إلى مراكز التجار و الأعمال , و هو ما تمكن معه في نهاية عام 1970 من أن يحتكر السلطة فعلياً في العراق تمهيداً للاستيلاء عليها نهائياً في يوليو عام 1979 , حيث اضطر البكر إلى الاستقالة و كان السبب الرسمي المعلن للإستقاله العجز عن أداء المهام الرئاسية لأسباب صحية , و سلمت كل مناصبه لصدام حسين الذي أعلن نفسه رئيساً للجمهورية و رئيساً لمجلس قيادة الثورة و قائداً عاماً للقوات المسلحة . و قابل صدام استقالة البكر بتحديد إقامته في منزله إلى أن توفى في أكتوبر عام 1982 كان صدام يعمل في ذلك الوقت من 14 إلى 16 ساعة يومياً , و من بين أهم الأعمال التي لاقت ترحيباً من العامة و التي قام بها صدام في بداية توليه السلطة الإفراج عن الآلاف المعتقلين و قال كلمة صاحبت هذا الحدث , جاء فيها : إن القانون فوق الجميع , و أن اعتقال الناس دون إعمال القانون لن يحدث ثانية أبداً .!! ليس هذا فحسب بل عمد صدام إلى التقرب إلى الشعب العراقي و للمواطن البسيط حتى وصفه أحد المعارضين الكبار بقوله : لقد أبدى صدام تفهماً حقيقياً لأحوال الناس البسطاء أكثر من أي زعيم آخر في تاريخ العراق .[26] برغم أن صدام كان نائباً للرئيس أحمد حسن بكر إلا أنه كان الطرف الأقوى في الحزب. كان أحمد حسن البكر الأكبر سناً ومقاماً، ولكن وبحلول عام 1969 كان لصدام القوة الأكبر في الحزب . في 1979 بدأ الرئيس أحمد حسن البكر بعقد معاهدات مع سوريا، التي يتواجد بها حزب البعث، كانت ستقود إلى الوحدة بين الدولتين. وسيصبح الرئيس السوري حافظ الاسد نائبا للرئيس في ذلك الإتحاد، ولكن قبل حدوث ذلك، استقال أحمد حسن البكر في 16 يوليو 1979. وأصبح صدام بشكل رسمي الرئيس الجديد للعراق.

بعد ذلك بفترة وجيزة، جمع قيادات حزب البعث في 22 يوليو 1979، وخلال الاجتماع، الذي أمر بتصويره، قال صدام بأنه وجد جواسيس ومتآمرين ضمن حزب البعث، وقرأ أسماء هؤلاء الذين كانو ارتبطوا سرا مع حافظ الأسد. وتم وصف هؤلاء بالخيانة وتم إقتيادهم واحدا تلو الآخر ليواجهوا الإعدام رميا بالرصاص خارج قاعة الاجتماع وعلى مسامع الحاضرين.

صدام حسين

كاتب الموضوع الأصلي: وليد العتيبي1

صدام حسين عبد المجيد التكريتي (28 أبريل 1937[1] – 30 ديسمبر 2006)[2] رئيس جمهورية العراق في الفترة ما بين عام 1979 وحتى 9 أبريل 2003[3] ونائب رئيس الجمهورية العراقية بين 1975 و1979.

سطع نجمه إبان الانقلاب الذي قام به حزب البعث (ثورة 17 تموز 1968)، والذي دعى لتبني الأفكار القومية العربية، والتحضر الاقتصادي، والاشتراكية. ولعب صدام دوراً رئيسياً في انقلاب عام 1968 والذي وضعه في هرم السلطة كنائب للرئيس اللواء أحمد حسن البكر، وأمسك صدام بزمام الأمور في القطاعات الحكومية والقوات المسلحة المتصارعتين في الوقت الذي اعتبرت فيه العديد من المنظمات قادرة على الإطاحة بالحكومة. وقد نمى الاقتصاد العراقي بشكل سريع في السبعينات نتيجة سياسة تطوير ممنهجه للعراق بالإضافة للموارد الناتجة عن الطفرة الكبيرة في أسعار النفط في ذلك الوقت[4]. كان زواج صدام من ابنة خاله خطوة موفقة , فوالدها خير الله طلفاح كان صديقاً مقرباً من البكر , الذي كافأه على مساعدته للبعثيين بتعيينه مديراً عاماً في وزارة التعليم و قد تعزز تحالف صدام مع البكر بصورة أكبر عندما تزوج أحد أبناء البكر من شقيقه لساجدة , و تزوجت إحدى بنات البكر من شقيق لساجدة عدنان خير الله الذي قتل في ما بعد في حادث غامض . اهتم صدام و بتشجيع من البكر , بالبنية الأمنية الداخلية لحزب البعث , لكونها الهيئة التي سيرتقي من خلالها للسلطة و قد تأثر صدام إلى حد بعيد بجوزيف ستالين الذي قرأ حياته و أعماله أثناء وجوده بالقاهرة , كان صدام يسمع كثيراً و هو يردد مقولة ستالين : ” إذا كان هناك إنسان فهناك مشكلة , و إذا لم يكن هناك إنسان فليس هناك أي مشكلة ” .[5].

وصل صدام إلى رأس السلطة في العراق حيث أصبح صدام رئيسا للعراق عام 1979 بعد أن قام بحملة لتصفية معارضيه وخصومه[6]، وفي عام 1980 دخل صدام حرباً مع إيران استمرت 8 سنوات من 22 سبتمبر 1980 حتى 8 أغسطس 1988[7] وقبل أن تمر الذكرى الثانية لانتهاء الحرب مع إيران غزا صدام الكويت في 2 أغسطس 1990[8] والتي أدت إلى نشوب حرب الخليج الثانية (1991)[9]، تزوج صدام مرة ثانية عام 1986 من سميرة شاهبندر صافي التي تنتمي إلى أحد الأسر العريقة في بغداد[10].ظل العراق بعدها محاصرا دوليا حتى عام 2003 حيث احتلت القوات الأمريكية كامل أراضي الجمهورية العراقية بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم القاعدة تعمل من داخل العراق حيث ثبت كذب تلك الادعاءات[11]، بل إن السبب هو النفط[12]. قُبض على الرئيس في 13 ديسمبر 2003 في عملية الفجر الأحمر[13]. تم بعدها محاكمته وتنفيذ حكم الإعدام عليه [

النشأة

صدام في طفولته

وُلد صدام في قرية العوجة التي تبعد 13 كم عن مدينة تكريت شمال غرب بغداد التابعة لمحافظة صلاح الدين[3] لعائلة تمتهن الزراعة سنية فقيرة . توفي والده قبل ولادة صدام بستة أشهر و قد تعدد الأقاويل التي فسرت سبب وفاته ما بين وفاة لأسباب طبيعية أو مقتله على أيدي قطاع الطرق .[14] بعدها بفترة قصيرة، توفي الأخ الأكبر لصدام وهو في الثالثة عشرة بعد إصابته بالسرطان. أُرسل صدام إلى خاله خير الله طلفاح الذي قام برعايتهِ حتى أصبح في الثالثة من عمره[15].

والدته صبحة طلفاح المسلط امتازت بشخصية قوية ، وأنجبت لهُ ثلاثة أخوة و قد عاشت في تكريت حتى وفاتها عام 1982، وقد بنى لها صدام مقبرة فاخرة، و أطلق عليها لقب أم المجاهدين. كانت أمه قد تزوجت بعد وفاة والده للمرة الثانية من رجل قريب لها يدعى حسن الإبراهيم الذي كان فقيراً و يعمل بواباً لمدرسة في تكريت، وقد احتفظ صدام بعلاقات جيدة مع إخوته من أمه وإن كانت العلاقات صعبة أثناء الطفولة. عند وصوله إلى الحكم، أسند صدام لكل من برزان وسبعاوي ووطبان مناصب رسمية مهمة بعد أن أصبح رئيساً للعراق. عاش صدام مع أمه وإخوته من أمه في غرفة واحدة في قرية العوجة، غير مزودة بالاحتياجات الأولية كالمياه الجارية والكهرباء، وقد حكى صدام لأمير اسكندر كاتب سيرته الذاتية قائلاً: لم أشعر أنني طفل أبداً، كنت أميل إلى الانقباض وغالباً ما أتجنب مرافقة الآخرين، و لكنه وصف تلك الظروف بأنها منحته الصبر والتحمل والاعتماد على الذات.

ومن ضمن ما حكاه صدام حياة صعبة اندفع عليها بسبب الفقر، فكان يبيع البطيخ في القطار المار بتكريت في طريقه من الموصل إلى بغداد كي يطعم اسرته، في سن الحادية عشر، انتقل إلى العاصمة بغداد حيث قام بالإقامة مع خالهِ. انتقل صدام للعيش مع خاله خير الله طلفاح عام 1947 في قرية شاويش بالقرب من تكريت، وقد التحق صدام بالمدرسة في سن متأخرة، ربما في الثامنة أو العاشرة حيث اشتهر بذاكرته القوية، وخير الله طلفاح الذي كان يعمل ضابطاً في الجيش، عرف بأنه من القوميين العرب المتحمسين، و كان تربطه بصدام علاقة قوية، و قد كافأ صدام خاله بتعيينه محافظاً لبغداد حين أصبح نائباً لرئيس الجمهورية، و قد أدى حماس خير الله طلفاح إلى طردة من الجيش عام 1941 و سجنه خمس سنوات، عمل بعدها مدرساً،و كنتيجه لعيش صدام مع خاله في بغداد فقد تعلم الكثير من رفاق خاله من العسكريين، ثم اندمج صدام فيما بعد في النشاط السياسي حيث التحق بحزب البعث المعارض آنذاك، و قد تلقى الصبي عن خاله كراهية عميقة للملكية التي كانت تحكم العراق في ذلك الحين ومن يدعمهم من الأجانب، و بتوجيهٍ وإشراف من خاله، التحق صدام بالثانوية الوطنية في بغداد.[16] التحق بعده بكلية الحقوق لثلاث سنوات، لكنه وفي سن العشرين وفي عام 1957، انضم صدام إلى حزب البعث القومي-العربي، والذي كان خاله خير الله طلفاح داعماً له. في هذه الأثناء عمل صدام مدرساً في مدرسة ثانوية[17]. وتجدر الإشارة إلى أن أقارب له من بلدته تكريت كان لهم الأثر الأكبر على حياتهِ كرئيس.

احتفل صدام عام 1962 و هو لا يزال في القاهرة، بزواجة من ساجدة ابنة خاله خير الله طلفاح، التي كانت لا تزال في العراق في ذلك الوقت حيث أقام حفلاً كبيراً بحضور رفاقه المنفيين، و قد تم العقد عن طريق المراسلة، وأنجب منها ولديه (قصي وعدي) الذين قتلتهما القوات الأمريكية في شهر تموز يوليو 2003، و ثلاث بنات (رنا ورغد، وحلا). تزوجت رغد ورنا من الأخوين صدام كامل وحسين كامل حسن الذين قتلا عقب انشقاقهما وثم عودتهما من عمان للأراضي العراقية مع وعد بالعفو عنهما، بعد عدة أشهر فرا خلالها إلى الأردن في منتصف التسعينيات الماضية، فيما تزوجت الثالثة حلا من سلطان هاشم أحمد و هو ابن آخر وزير للدفاع في حكومة صدام قبل سقوط العراق في أيدي قوات الحلفاء بقيادة الجيش الأمريكي.[18] كان الحس الثوري القومي هو الطابع لتلك الفترة من الخمسينيات والذي انتشر مده عبر الوطن العربي والعراق. بالإضافة إلى ذلك، كانت القومية العربية التي دعا إليها جمال عبد الناصر في مصر دافعاً وحافزاً للبعثيين الشباب مثل صدام. ألهم عبد الناصر الوطنيين في أرجاء الوطن العربي لمحاربة الاستعمار وتوحيد العرب، وقد كان هذا سبباً في العديد من الثورات بعد مصر في كلٍ من العراق وليبيا وسورية واليمن[19].
[عدل]
سقوط المملكة العراقية

كان إسقاط الملكية العراقية إبان ثورة عام 1958 واحداً من أكثر الأحداث دموية في التاريخ الحديث للشرق الأوسط , ففي وقت مبكر من صباح يوم 14 يوليو عام 1958 اقتحمت وحدات من الجيش القصر الملكي العراقي في قصر الرحاب تطلق على نفسها اسم ” ضباط الأحرار ” بقيادة عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم بالإطاحة بالملك فيصل الثاني ، حيث دمرت المدفعية الجزء الأعلى من المبنى , و أجبروا الملك فيصل الثاني و الوصي و أسرهم على الهرب من المبنى إلى ساحة القصر , حيث أحاط بهم الضباط , و دونما أي اعتبار للنساء و الأطفال تم قتلهم جميعاً فقد كان قادة الانقلاب مصممين على أن لا يتركوا أي أثر للعائلة العراقية الملكية , أو أي نواة في المستقبل . أما مكان وجود صدام أثناء ثورة عام 1958 , فلم يكن معروفاً, لكن يمكن القول أن البعثيين قد أيدوا بكل ما يملكون في الانقلاب العسكري و كانوا مصممين على إنجاحه .[20]
[عدل]
صعوده في حزب البعث

صدام حسين مع مجموعة من رفاقه بعد نجاح الانقلاب الذي قام به حزب البعث

في عام 1959 شارك صدام مع مجموعة بعثية في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم , الرئيس العراقي حينها , بعد ظهر اليوم السابع من أكتوبر و خلافاً للترتيبات و بسبب الانفعال سحب صدام مدفعه الرشاش من تحت معطفه و فتح النار على سيارة قاسم قبل الوقت المقرر , و قبل أن يتمكن الآخرون من فتح النار تمكن حراس قاسم من مواجهة الموقف و قتل سائق السيارة الذي أصيب في ذراعه و كتفه , كما قتل أحد أفراد مجموعة الاغتيال و أصيب صدام في ساقه على يد أحد زملائه .

تمكن أعضاء فريق الاغتيال من الفرار إلى أحد مخابئ الحزب في العاصمة بغداد , أما عبد الكريم قاسم فقد نقل إلى المستشفى و أجرى له العلاج اللازم , و تم استدعاء الدكتور تحسين الملا , و هو أحد الأعضاء المؤسسين لحزب البعث , لمعالجة صدام و قال : ” أنه لم يكن سوى جرح بسيط عبارة عن كشط ” . و قد تم مداهمة المخبأ الذي لجأ إليه فريق الاغتيال إلا أن صدام استطاع الفرار إلى سوريا حيث قضى هناك ثلاثة أشهر , قبل أن ينتقل إلى القاهرة , حيث أنضم إلى نحو 500 شاب من البعثيين الذين اجتمعوا في العاصمة المصرية و كانت الحكومة السورية قد أرسلت هؤلاء إلى مصر بهدف استكمال تعليمهم . لم يكن صدام قد أكمل تعليمة الثانوي , و كان عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة يعارض عبد الكريم قاسم لأنه نكث بوعده في ضم العراق للإتحاد , و كان ميشيل عفلق و غيره من قادة البعث في سوريا , يعتقدون بأن المشاركين في المحاولة سيتمتعون بأمان أكثر في القاهرة من دمشق , حيث كان النظام السوري أقل استقراراً .

و قد اهتم ميشيل عفلق عميد حزب البعث السوري بصدام الشاب و رقاه إلى مرتبه عالية بأن جعله عضواً كامل العضوية في الحزب , لدوره في محاولة تصفية عبد الكريم قاسم لأن جهد البعثيين العراقيين لقلب الحكومة في بغداد جعلت منهم أبطالاً في نظر القوميين , حيث رأوا ن واجبهم الوطني يحتم عليهم قتل عبد الكريم قاسم لأنه سلم مقدرات البلد إلى الشيوعيين .

و كان عفلق الذي هيمن على حزب البعث في سوريا و العراق , يقف وراء انتخاب صدام عام 1964 في موقع مهم بالقيادة العراقية لحزب البعث , و قد رد صدام الجميل لدى توليه السلطة بأن جعل من البعثية العقيدة السياسية الرسمية للعراق , و عندما أجبر عفلق على الذهاب إلى المنفى إلى العراق عام 1989 , أمر صدام بإقامة ضريح فخم لمؤسس البعث .

في فبراير عام 1963 أسقط انقلاب قام به مجموعة من ضباط الجيش تربطهم علافة بحزب البعث حكومة عبد الكريم قاسم أطيح بعبد الكريم قاسم بانقلاب قيل أن المخابرات الأمريكية كانت تدعمه , تزعم الانقلاب الذي اعتبر رهيباً و شنيعاً , اللواء أحمد حسن البكر و كان البكر قد تبوأ مركزاً مرموقاً في البعث أثناء وجود صدام بالمنفى في القاهرة , حيث اتصف بكراهيته و مقته للشيوعيين الأمر الذي وضعه في مرتبه مميزة بنظر الأمريكيين , و قد أنضم البكر إلى البعث أثناء وجودة في السجن بتهمة تآمره ضد عبد الكريم قاسم , ولدى إطلاق صراح المعتقلين السياسيين , و من بينهم البكر , بدأ الأخير مع غيره من البعثيين بالتخطيط لخلع قاسم .

و قد رفضت العديد من وحدات الجيش دعم البعثيين في محاولتهم , فهاجم البكر قاسم في مقره في وزارة الدفاع و استمر القتال طيلة يومين , و نجم عنه سقوط مئات القتلى و الجرحى في وسط بغداد , قبل أن يضطر قاسم إلى الاستسلام , و رفض قادة الانقلاب السماح بمحاكمته علنية , و بعد محاكمة قصيرة في استيديو الموسيقى في التلفزيون , و أمام الكاميرات على الهواء مباشرة أعدم عبد الكريم قاسم رمياً بالرصاص , خلال هذه الأحداث كان صدام لا يزال في القاهرة لكن سرعان ما عاد إلى بغداد , ليصبح عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية و بعد وصولة أعاد صدام تقديم نفسه للبكر , الذي كوفئ على دورة بإسقاط قاسم بمنصب رئيس الوزراء من قبل الرئيس الجديد عبد السلام عارف , عين البكر العديد من أبناء بلدته تكريت في مواقع بارزة و قد وجد صدام نفسه في بداية الأمر على الهامش , و لكن الاشتباكات الدامية بين البعثيين و الشيوعيين بعد إسقاط قاسم وفرت له متنفساً و مخرجاً , و كمكافئة لهو في مثابرته على تعقب الشيوعيين عين صدام في لجنة الاستخبارات الحزب التي تتولى مسؤولية الاستجوابات و التحقيقات , و في فلم ” الأيام الطوال عن حياة صدام ” – الذي أخرجه المخرج توفيق صالح – فإن صدام يعلق على مشاركته في أحداث عام 1963 بقوله : يجب علينا قتل أولئك الذين يتآمرون ضدنا .

لم تطل فترة العنف , فقد أودت التناحرات الداخلية بين المجموعات البعثية المتنافسة إلى خروج الحزب من الحكم في نوفمبر عام 1963 . و كان الاختلاف بين الجناح المدني في الحزب بقيادة علي صالح السعدي , و الذي كان يحبذ الوحدة السياسية مع مصر و سوريا , و بخاصة بعد نجاح انقلاب البعث السوري في مارس من نفس العام , في حين عارض الجناح العسكري المحافظ الذي يفضل السياسة التقليدية ” العراق أولاً ” .

عمد البكر الذي كان يحاول التوفيق بين الأجنحة المتنافسة للحزب – إلى عقد اجتماع للقيادة القومية للبعث , و خلال تلك الفترة ساند صدام البكر مواطنه التكريتي , و سرعان ما وجد نفسه يعمل حارساً شخصياً لرئيس الوزراء , و بدأ يشاهد على الدوام إلى جانب البكر و هو يتسلح بمسدسه , و مع استمرار التهديد الذي يشكله الحرس القومي على النظام و الأمن العام , نفد صبر عبد السلام عارف مع البعث و قرر التصرف , و بالفعل صدرت الأوامر في 18 نوفمبر بمهاجمة الحرس القومي في بغداد و نجح عارف , و خلال ساعات كان يسيطر تماماً على المدينة .

أدى تدخل الرئيس عارف الحاسم إلى إنهاء أول تلاعب بعثي قصير في السلطة , و تم عزل الوزراء حيث استبدلوا بضباط عسكريين من الموالين للرئيس , و طرد البكر من منصبه كرئيس للوزراء , و أصبح العراق يحكم من قبل حكومة عسكرية , و تم حل الحرس القومي و استبدل بالحرس الجمهوري الذي يضم وحدات النخبة في القوات المسلحة و الذي تمثلت مهمته الرئيسية في حماية النظام من أي محاولات انقلاب مستقبلية .[21] , كان صدام وأحد من مجموعة البعثيين الذين أنيط بهم عام 1964 مسؤولية إنشاء الجهاز الأمني للحزب , و الذي أطلق عليه ” جهاز حنين ” , و ذلك بعد انقلاب عام 1963 و الذي أدى اكتشافه إلى الزج بقادة البعث المتبقين بمن فيهم البكر في السجن , و بقى صدام في بغداد على الرغم من مطالبة قيادة الحزب في دمشق بفرارة من جديد إلى سوريا , و بالتعاون مع قلة من البعثيين الذين لم يسجنهم عارف شكل صدام قوة أمنية سرية .

كانت الحرية التي تمتع بها صدام عام 1964 قصيرة الأمد , تم خلالها بحث سيناريوهات عدة للاغتيال الرئيس , و في منتصف أكتوبر طوق رجال الأمن مخبأ صدام في أحد أحياء بغداد و بعد تبادل قصير لإطلاق النار اضطر صدام للاستسلام بعد أن نفدت ذخيرته , و تم سجنه . كان خير الله طلفاح يقبع في السجن هو الآخر في ذلك الوقت , رغم أنه لم يكن عضواً في حزب البعث , و كانت ساجدة , التي كانت وضعت لتوها عدي , تزوره و تزور زوجها صدام الذي كان معتقلاً في سجن هو الآخر و تحضر له رسائل من البكر الذي كان قد أفرج عنه , و هو ما كان يمكن صدام للاطلاع على مجريات الأمور حتى انتهت الفترة الثانية لسجن صدام يوم 23 يوليو عام 1966 عندما تمكن مع أثنين من رفاقه من الهرب حيث عمل من جديد على الإطاحة بالحكومة و الاستيلاء على السلطة , مع فجر يوم 17 يوليو من عام 1968 استولت وحدات عسكرية يرافقها نشطاء بعثيون مدنيون على مؤسسات عسكرية حكومة مهمة , و صدرت الأوامر بالتحرك إلى قصر الرئاسة , فاندفعت الدبابات إلى باحته , و توقفت تحت النوافذ حيث كان الرئيس عبد الرحمن عارف مازال نائماً في سريرة , و كان في الدبابة الأولى صدام حسين ببزته العسكرية .

لم يعرف الرئيس عبد الرحمن عارف بالانقلاب , إلا عندما سمع صوت الرصاصة الذي أطلقته عناصر من الحرس الجمهوري في الهواء للتعبير عن الفرح و الانتصار , قبل عارف – الرئيس الضعيف الذي تسلم السلطة بعد مقتل شقيقه عبد السلام عارف بتحطم هيلوكبتر عام 1966 – التنحي و كان مطلبه الوحيد أن يضمن الانقلابين سلامة ابنه الذي كان ضابطاً في الجيش , و تمثل دور صدام حسين يومها في مراقبة القصر و ضامن عدم تدخل الجنود الموالين لعارف . و بحلول الساعة 3:40 دقيقة صباحاً كان الانقلاب قد نجح دون إراقة نقطة دم واحدة , و بعد استراحة دامت ساعات , و ضع عارف على طائرة متجهة إلى لندن للانضمام إلى زوجته التي كانت تعالج هناك من داء السرطان , و أعلنت إذاعة بغداد أن حزب البعث قد استولى على السلطة , و أنتها نظاماً ضعيفاً و فاسداً يمثله حفنه من الجهلة و الأميين و اللصوص و الجواسيس. بعد الانقلاب عين أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية فيما كلف صدام بمسؤولية الأمن القومي , و قد كان صدام مناسباً لتسلم هذا الموقع لسابق تجربته للإقامة ” جهاز حنين ” , و الذي حل بعد تسلم البعثيين السلطة , لتحل محلة مؤسسات أمنية رسمية , و كان عمر صدام حسين وقتها 31 عاماً .[22]
[عدل]
برنامج التطوير

صدام حسين عام 1974

تطوير تعليم المرأة في السبعينيات

في نهايات 1960 وبدايات 1970، ولكون صدام نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة وكونه الرجل الثاني في العراق، بنى صدام سمعة جيدة كسياسي محنك وفعال[23]. قام صدام بتأسيس جهاز المخابرات العراقي الذي كان يعرف بـ جهاز حنين، وبدأ بمحاكمة كل من كان لهم ولاءات خارجية، وقام بتعيين من يثق به في المناصب الأمنية المهمة مدعماً مكانته.

بعد أن تسلم حزب البعث السلطة في العراق عام 1968، ركز صدام على تحقيق الاستقرار في وطن مزقته الصراعات العويصة، في وجود الانقسامات والصراعات الاجتماعية، العقائدية والدينية ما بين السنة والشيعة وبين العرب والأكراد وغيرها[24]، وكان في رأي صدام أن القيادة الثابتة والمستقرة في دولة تنتشر فيها التحزبية والانقسامات تحتاج إلى سياسة القمع كما تحتاج في نفس الوقت إلى رفع المستوى المعيشي [24]. قام صدام بتعزيز الاقتصاد العراقي بجانب بناء جهاز أمني قوي لمنع الانقلابات والتمرد داخل وخارج حزب البعث. لم يهتم صدام بتوسعة قاعدة المؤيدين له بين مختلف الفئات في المجتمع العراقي، فقد كان كل اهتمامه منصب في إقامة دولة مستقرة وتطوير برامج التنمية.

كان أكبر اهتمامات صدام هو النفط العراقي.في عام 1973، ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير نتيجة لأزمة النفط (1973)، وقد مكن ذلك الارتفاع صدام من توسيع نطاق جدول أعماله.في خلال أعوام كانت العراق تقدم خدمات إجتماعية لم يسبق لها مثيل بين دول الشرق الأوسط.قام صدام بإنشاء وإدارة “الحملة الوطنية لمحو الأمية” وحملة “التعليم الإلزامي المجاني في العراق”، وقد قامت الحكومة العراقية بتعليم مئات الالاف في خلال عدة سنوات من بداية هذة الحملة. كما قامت الحكومة بدعم أُسر الجنود، كما قدمت رعاية صحية مجانية للجميع، بالإضافة إلى تقديم أراضي زراعية مجانية للفلاحين. قامت العراق بإنشاء واحدة من أحدث أنظمة الرعاية الصحية في الشرق الأوسط، وكان ذلك سبباً لمنح صدام جائزة من منظمة اليونسكو.[25]
[عدل]
رئاسة الدولة

صدام حسين مع الرئيس أحمد حسن البكر خلال القمة العربية في بغداد 1978

بدأ صدام يجمع السلطة في يده بطريقة حثيثة , فحينما كان مسؤولاً عن الأمن كان مسؤولاً أيضاً عن إدارة الفلاحين , و سرعان ما وضع التعليم و الدعاية تحت نطاق سيطرته , و ما لبث أن تولى رسمياً منصب السكرتير العام لمجلس قيادة الثورة في يناير عام 1969 , و بعد ذلك بدأ وصف صدام باسم ” السيد النائب ” أجرى صدام حسين , بصفته نائباً للرئيس أحمد حسن البكر إصلاحات واسعة النطاق و أقام أجهزة أمنية صارمة , و قد أثارت سياسيات كل من صدام و البكر قلقاً في الغرب ففي عام 1978 و في أوج الحرب الباردة عقد العراق معاهدة التعاون و الصداقة مدها 15 مع الإتحاد السوفييتي , كما أمم شركة النفط الوطنية , التي تأسست في ظل الإدارة البريطانية , و التي كانت تصدر النفط الرخيص إلى الغرب ة قد استثمرت بعض أموال النفط , عقب فورة النفطية التي أعقبت أزمة عام 1973 , في الصناعة و التعليم و العناية الصحية , مما رفع مستوى المعيشي في العراق إلى أعلى مستوى في العالم العربي .

تمكن صدام حسين من إحكام قبضته على السلطة من خلال تعيين أقاربه و حلفائه في المناصب الحكومة المهمة , بالإضافة إلى مراكز التجار و الأعمال , و هو ما تمكن معه في نهاية عام 1970 من أن يحتكر السلطة فعلياً في العراق تمهيداً للاستيلاء عليها نهائياً في يوليو عام 1979 , حيث اضطر البكر إلى الاستقالة و كان السبب الرسمي المعلن للإستقاله العجز عن أداء المهام الرئاسية لأسباب صحية , و سلمت كل مناصبه لصدام حسين الذي أعلن نفسه رئيساً للجمهورية و رئيساً لمجلس قيادة الثورة و قائداً عاماً للقوات المسلحة . و قابل صدام استقالة البكر بتحديد إقامته في منزله إلى أن توفى في أكتوبر عام 1982 كان صدام يعمل في ذلك الوقت من 14 إلى 16 ساعة يومياً , و من بين أهم الأعمال التي لاقت ترحيباً من العامة و التي قام بها صدام في بداية توليه السلطة الإفراج عن الآلاف المعتقلين و قال كلمة صاحبت هذا الحدث , جاء فيها : إن القانون فوق الجميع , و أن اعتقال الناس دون إعمال القانون لن يحدث ثانية أبداً .!! ليس هذا فحسب بل عمد صدام إلى التقرب إلى الشعب العراقي و للمواطن البسيط حتى وصفه أحد المعارضين الكبار بقوله : لقد أبدى صدام تفهماً حقيقياً لأحوال الناس البسطاء أكثر من أي زعيم آخر في تاريخ العراق .[26] برغم أن صدام كان نائباً للرئيس أحمد حسن بكر إلا أنه كان الطرف الأقوى في الحزب. كان أحمد حسن البكر الأكبر سناً ومقاماً، ولكن وبحلول عام 1969 كان لصدام القوة الأكبر في الحزب . في 1979 بدأ الرئيس أحمد حسن البكر بعقد معاهدات مع سوريا، التي يتواجد بها حزب البعث، كانت ستقود إلى الوحدة بين الدولتين. وسيصبح الرئيس السوري حافظ الاسد نائبا للرئيس في ذلك الإتحاد، ولكن قبل حدوث ذلك، استقال أحمد حسن البكر في 16 يوليو 1979. وأصبح صدام بشكل رسمي الرئيس الجديد للعراق.

بعد ذلك بفترة وجيزة، جمع قيادات حزب البعث في 22 يوليو 1979، وخلال الاجتماع، الذي أمر بتصويره، قال صدام بأنه وجد جواسيس ومتآمرين ضمن حزب البعث، وقرأ أسماء هؤلاء الذين كانو ارتبطوا سرا مع حافظ الأسد. وتم وصف هؤلاء بالخيانة وتم إقتيادهم واحدا تلو الآخر ليواجهوا الإعدام رميا بالرصاص خارج قاعة الاجتماع وعلى مسامع الحاضرين.

صدام حسين

كاتب الموضوع الأصلي: وليد العتيبي1

صدام حسين عبد المجيد التكريتي (28 أبريل 1937[1] – 30 ديسمبر 2006)[2] رئيس جمهورية العراق في الفترة ما بين عام 1979 وحتى 9 أبريل 2003[3] ونائب رئيس الجمهورية العراقية بين 1975 و1979.

سطع نجمه إبان الانقلاب الذي قام به حزب البعث (ثورة 17 تموز 1968)، والذي دعى لتبني الأفكار القومية العربية، والتحضر الاقتصادي، والاشتراكية. ولعب صدام دوراً رئيسياً في انقلاب عام 1968 والذي وضعه في هرم السلطة كنائب للرئيس اللواء أحمد حسن البكر، وأمسك صدام بزمام الأمور في القطاعات الحكومية والقوات المسلحة المتصارعتين في الوقت الذي اعتبرت فيه العديد من المنظمات قادرة على الإطاحة بالحكومة. وقد نمى الاقتصاد العراقي بشكل سريع في السبعينات نتيجة سياسة تطوير ممنهجه للعراق بالإضافة للموارد الناتجة عن الطفرة الكبيرة في أسعار النفط في ذلك الوقت[4]. كان زواج صدام من ابنة خاله خطوة موفقة , فوالدها خير الله طلفاح كان صديقاً مقرباً من البكر , الذي كافأه على مساعدته للبعثيين بتعيينه مديراً عاماً في وزارة التعليم و قد تعزز تحالف صدام مع البكر بصورة أكبر عندما تزوج أحد أبناء البكر من شقيقه لساجدة , و تزوجت إحدى بنات البكر من شقيق لساجدة عدنان خير الله الذي قتل في ما بعد في حادث غامض . اهتم صدام و بتشجيع من البكر , بالبنية الأمنية الداخلية لحزب البعث , لكونها الهيئة التي سيرتقي من خلالها للسلطة و قد تأثر صدام إلى حد بعيد بجوزيف ستالين الذي قرأ حياته و أعماله أثناء وجوده بالقاهرة , كان صدام يسمع كثيراً و هو يردد مقولة ستالين : ” إذا كان هناك إنسان فهناك مشكلة , و إذا لم يكن هناك إنسان فليس هناك أي مشكلة ” .[5].

وصل صدام إلى رأس السلطة في العراق حيث أصبح صدام رئيسا للعراق عام 1979 بعد أن قام بحملة لتصفية معارضيه وخصومه[6]، وفي عام 1980 دخل صدام حرباً مع إيران استمرت 8 سنوات من 22 سبتمبر 1980 حتى 8 أغسطس 1988[7] وقبل أن تمر الذكرى الثانية لانتهاء الحرب مع إيران غزا صدام الكويت في 2 أغسطس 1990[8] والتي أدت إلى نشوب حرب الخليج الثانية (1991)[9]، تزوج صدام مرة ثانية عام 1986 من سميرة شاهبندر صافي التي تنتمي إلى أحد الأسر العريقة في بغداد[10].ظل العراق بعدها محاصرا دوليا حتى عام 2003 حيث احتلت القوات الأمريكية كامل أراضي الجمهورية العراقية بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم القاعدة تعمل من داخل العراق حيث ثبت كذب تلك الادعاءات[11]، بل إن السبب هو النفط[12]. قُبض على الرئيس في 13 ديسمبر 2003 في عملية الفجر الأحمر[13]. تم بعدها محاكمته وتنفيذ حكم الإعدام عليه [

النشأة

صدام في طفولته

وُلد صدام في قرية العوجة التي تبعد 13 كم عن مدينة تكريت شمال غرب بغداد التابعة لمحافظة صلاح الدين[3] لعائلة تمتهن الزراعة سنية فقيرة . توفي والده قبل ولادة صدام بستة أشهر و قد تعدد الأقاويل التي فسرت سبب وفاته ما بين وفاة لأسباب طبيعية أو مقتله على أيدي قطاع الطرق .[14] بعدها بفترة قصيرة، توفي الأخ الأكبر لصدام وهو في الثالثة عشرة بعد إصابته بالسرطان. أُرسل صدام إلى خاله خير الله طلفاح الذي قام برعايتهِ حتى أصبح في الثالثة من عمره[15].

والدته صبحة طلفاح المسلط امتازت بشخصية قوية ، وأنجبت لهُ ثلاثة أخوة و قد عاشت في تكريت حتى وفاتها عام 1982، وقد بنى لها صدام مقبرة فاخرة، و أطلق عليها لقب أم المجاهدين. كانت أمه قد تزوجت بعد وفاة والده للمرة الثانية من رجل قريب لها يدعى حسن الإبراهيم الذي كان فقيراً و يعمل بواباً لمدرسة في تكريت، وقد احتفظ صدام بعلاقات جيدة مع إخوته من أمه وإن كانت العلاقات صعبة أثناء الطفولة. عند وصوله إلى الحكم، أسند صدام لكل من برزان وسبعاوي ووطبان مناصب رسمية مهمة بعد أن أصبح رئيساً للعراق. عاش صدام مع أمه وإخوته من أمه في غرفة واحدة في قرية العوجة، غير مزودة بالاحتياجات الأولية كالمياه الجارية والكهرباء، وقد حكى صدام لأمير اسكندر كاتب سيرته الذاتية قائلاً: لم أشعر أنني طفل أبداً، كنت أميل إلى الانقباض وغالباً ما أتجنب مرافقة الآخرين، و لكنه وصف تلك الظروف بأنها منحته الصبر والتحمل والاعتماد على الذات.

ومن ضمن ما حكاه صدام حياة صعبة اندفع عليها بسبب الفقر، فكان يبيع البطيخ في القطار المار بتكريت في طريقه من الموصل إلى بغداد كي يطعم اسرته، في سن الحادية عشر، انتقل إلى العاصمة بغداد حيث قام بالإقامة مع خالهِ. انتقل صدام للعيش مع خاله خير الله طلفاح عام 1947 في قرية شاويش بالقرب من تكريت، وقد التحق صدام بالمدرسة في سن متأخرة، ربما في الثامنة أو العاشرة حيث اشتهر بذاكرته القوية، وخير الله طلفاح الذي كان يعمل ضابطاً في الجيش، عرف بأنه من القوميين العرب المتحمسين، و كان تربطه بصدام علاقة قوية، و قد كافأ صدام خاله بتعيينه محافظاً لبغداد حين أصبح نائباً لرئيس الجمهورية، و قد أدى حماس خير الله طلفاح إلى طردة من الجيش عام 1941 و سجنه خمس سنوات، عمل بعدها مدرساً،و كنتيجه لعيش صدام مع خاله في بغداد فقد تعلم الكثير من رفاق خاله من العسكريين، ثم اندمج صدام فيما بعد في النشاط السياسي حيث التحق بحزب البعث المعارض آنذاك، و قد تلقى الصبي عن خاله كراهية عميقة للملكية التي كانت تحكم العراق في ذلك الحين ومن يدعمهم من الأجانب، و بتوجيهٍ وإشراف من خاله، التحق صدام بالثانوية الوطنية في بغداد.[16] التحق بعده بكلية الحقوق لثلاث سنوات، لكنه وفي سن العشرين وفي عام 1957، انضم صدام إلى حزب البعث القومي-العربي، والذي كان خاله خير الله طلفاح داعماً له. في هذه الأثناء عمل صدام مدرساً في مدرسة ثانوية[17]. وتجدر الإشارة إلى أن أقارب له من بلدته تكريت كان لهم الأثر الأكبر على حياتهِ كرئيس.

احتفل صدام عام 1962 و هو لا يزال في القاهرة، بزواجة من ساجدة ابنة خاله خير الله طلفاح، التي كانت لا تزال في العراق في ذلك الوقت حيث أقام حفلاً كبيراً بحضور رفاقه المنفيين، و قد تم العقد عن طريق المراسلة، وأنجب منها ولديه (قصي وعدي) الذين قتلتهما القوات الأمريكية في شهر تموز يوليو 2003، و ثلاث بنات (رنا ورغد، وحلا). تزوجت رغد ورنا من الأخوين صدام كامل وحسين كامل حسن الذين قتلا عقب انشقاقهما وثم عودتهما من عمان للأراضي العراقية مع وعد بالعفو عنهما، بعد عدة أشهر فرا خلالها إلى الأردن في منتصف التسعينيات الماضية، فيما تزوجت الثالثة حلا من سلطان هاشم أحمد و هو ابن آخر وزير للدفاع في حكومة صدام قبل سقوط العراق في أيدي قوات الحلفاء بقيادة الجيش الأمريكي.[18] كان الحس الثوري القومي هو الطابع لتلك الفترة من الخمسينيات والذي انتشر مده عبر الوطن العربي والعراق. بالإضافة إلى ذلك، كانت القومية العربية التي دعا إليها جمال عبد الناصر في مصر دافعاً وحافزاً للبعثيين الشباب مثل صدام. ألهم عبد الناصر الوطنيين في أرجاء الوطن العربي لمحاربة الاستعمار وتوحيد العرب، وقد كان هذا سبباً في العديد من الثورات بعد مصر في كلٍ من العراق وليبيا وسورية واليمن[19].
[عدل]
سقوط المملكة العراقية

كان إسقاط الملكية العراقية إبان ثورة عام 1958 واحداً من أكثر الأحداث دموية في التاريخ الحديث للشرق الأوسط , ففي وقت مبكر من صباح يوم 14 يوليو عام 1958 اقتحمت وحدات من الجيش القصر الملكي العراقي في قصر الرحاب تطلق على نفسها اسم ” ضباط الأحرار ” بقيادة عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم بالإطاحة بالملك فيصل الثاني ، حيث دمرت المدفعية الجزء الأعلى من المبنى , و أجبروا الملك فيصل الثاني و الوصي و أسرهم على الهرب من المبنى إلى ساحة القصر , حيث أحاط بهم الضباط , و دونما أي اعتبار للنساء و الأطفال تم قتلهم جميعاً فقد كان قادة الانقلاب مصممين على أن لا يتركوا أي أثر للعائلة العراقية الملكية , أو أي نواة في المستقبل . أما مكان وجود صدام أثناء ثورة عام 1958 , فلم يكن معروفاً, لكن يمكن القول أن البعثيين قد أيدوا بكل ما يملكون في الانقلاب العسكري و كانوا مصممين على إنجاحه .[20]
[عدل]
صعوده في حزب البعث

صدام حسين مع مجموعة من رفاقه بعد نجاح الانقلاب الذي قام به حزب البعث

في عام 1959 شارك صدام مع مجموعة بعثية في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم , الرئيس العراقي حينها , بعد ظهر اليوم السابع من أكتوبر و خلافاً للترتيبات و بسبب الانفعال سحب صدام مدفعه الرشاش من تحت معطفه و فتح النار على سيارة قاسم قبل الوقت المقرر , و قبل أن يتمكن الآخرون من فتح النار تمكن حراس قاسم من مواجهة الموقف و قتل سائق السيارة الذي أصيب في ذراعه و كتفه , كما قتل أحد أفراد مجموعة الاغتيال و أصيب صدام في ساقه على يد أحد زملائه .

تمكن أعضاء فريق الاغتيال من الفرار إلى أحد مخابئ الحزب في العاصمة بغداد , أما عبد الكريم قاسم فقد نقل إلى المستشفى و أجرى له العلاج اللازم , و تم استدعاء الدكتور تحسين الملا , و هو أحد الأعضاء المؤسسين لحزب البعث , لمعالجة صدام و قال : ” أنه لم يكن سوى جرح بسيط عبارة عن كشط ” . و قد تم مداهمة المخبأ الذي لجأ إليه فريق الاغتيال إلا أن صدام استطاع الفرار إلى سوريا حيث قضى هناك ثلاثة أشهر , قبل أن ينتقل إلى القاهرة , حيث أنضم إلى نحو 500 شاب من البعثيين الذين اجتمعوا في العاصمة المصرية و كانت الحكومة السورية قد أرسلت هؤلاء إلى مصر بهدف استكمال تعليمهم . لم يكن صدام قد أكمل تعليمة الثانوي , و كان عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة يعارض عبد الكريم قاسم لأنه نكث بوعده في ضم العراق للإتحاد , و كان ميشيل عفلق و غيره من قادة البعث في سوريا , يعتقدون بأن المشاركين في المحاولة سيتمتعون بأمان أكثر في القاهرة من دمشق , حيث كان النظام السوري أقل استقراراً .

و قد اهتم ميشيل عفلق عميد حزب البعث السوري بصدام الشاب و رقاه إلى مرتبه عالية بأن جعله عضواً كامل العضوية في الحزب , لدوره في محاولة تصفية عبد الكريم قاسم لأن جهد البعثيين العراقيين لقلب الحكومة في بغداد جعلت منهم أبطالاً في نظر القوميين , حيث رأوا ن واجبهم الوطني يحتم عليهم قتل عبد الكريم قاسم لأنه سلم مقدرات البلد إلى الشيوعيين .

و كان عفلق الذي هيمن على حزب البعث في سوريا و العراق , يقف وراء انتخاب صدام عام 1964 في موقع مهم بالقيادة العراقية لحزب البعث , و قد رد صدام الجميل لدى توليه السلطة بأن جعل من البعثية العقيدة السياسية الرسمية للعراق , و عندما أجبر عفلق على الذهاب إلى المنفى إلى العراق عام 1989 , أمر صدام بإقامة ضريح فخم لمؤسس البعث .

في فبراير عام 1963 أسقط انقلاب قام به مجموعة من ضباط الجيش تربطهم علافة بحزب البعث حكومة عبد الكريم قاسم أطيح بعبد الكريم قاسم بانقلاب قيل أن المخابرات الأمريكية كانت تدعمه , تزعم الانقلاب الذي اعتبر رهيباً و شنيعاً , اللواء أحمد حسن البكر و كان البكر قد تبوأ مركزاً مرموقاً في البعث أثناء وجود صدام بالمنفى في القاهرة , حيث اتصف بكراهيته و مقته للشيوعيين الأمر الذي وضعه في مرتبه مميزة بنظر الأمريكيين , و قد أنضم البكر إلى البعث أثناء وجودة في السجن بتهمة تآمره ضد عبد الكريم قاسم , ولدى إطلاق صراح المعتقلين السياسيين , و من بينهم البكر , بدأ الأخير مع غيره من البعثيين بالتخطيط لخلع قاسم .

و قد رفضت العديد من وحدات الجيش دعم البعثيين في محاولتهم , فهاجم البكر قاسم في مقره في وزارة الدفاع و استمر القتال طيلة يومين , و نجم عنه سقوط مئات القتلى و الجرحى في وسط بغداد , قبل أن يضطر قاسم إلى الاستسلام , و رفض قادة الانقلاب السماح بمحاكمته علنية , و بعد محاكمة قصيرة في استيديو الموسيقى في التلفزيون , و أمام الكاميرات على الهواء مباشرة أعدم عبد الكريم قاسم رمياً بالرصاص , خلال هذه الأحداث كان صدام لا يزال في القاهرة لكن سرعان ما عاد إلى بغداد , ليصبح عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية و بعد وصولة أعاد صدام تقديم نفسه للبكر , الذي كوفئ على دورة بإسقاط قاسم بمنصب رئيس الوزراء من قبل الرئيس الجديد عبد السلام عارف , عين البكر العديد من أبناء بلدته تكريت في مواقع بارزة و قد وجد صدام نفسه في بداية الأمر على الهامش , و لكن الاشتباكات الدامية بين البعثيين و الشيوعيين بعد إسقاط قاسم وفرت له متنفساً و مخرجاً , و كمكافئة لهو في مثابرته على تعقب الشيوعيين عين صدام في لجنة الاستخبارات الحزب التي تتولى مسؤولية الاستجوابات و التحقيقات , و في فلم ” الأيام الطوال عن حياة صدام ” – الذي أخرجه المخرج توفيق صالح – فإن صدام يعلق على مشاركته في أحداث عام 1963 بقوله : يجب علينا قتل أولئك الذين يتآمرون ضدنا .

لم تطل فترة العنف , فقد أودت التناحرات الداخلية بين المجموعات البعثية المتنافسة إلى خروج الحزب من الحكم في نوفمبر عام 1963 . و كان الاختلاف بين الجناح المدني في الحزب بقيادة علي صالح السعدي , و الذي كان يحبذ الوحدة السياسية مع مصر و سوريا , و بخاصة بعد نجاح انقلاب البعث السوري في مارس من نفس العام , في حين عارض الجناح العسكري المحافظ الذي يفضل السياسة التقليدية ” العراق أولاً ” .

عمد البكر الذي كان يحاول التوفيق بين الأجنحة المتنافسة للحزب – إلى عقد اجتماع للقيادة القومية للبعث , و خلال تلك الفترة ساند صدام البكر مواطنه التكريتي , و سرعان ما وجد نفسه يعمل حارساً شخصياً لرئيس الوزراء , و بدأ يشاهد على الدوام إلى جانب البكر و هو يتسلح بمسدسه , و مع استمرار التهديد الذي يشكله الحرس القومي على النظام و الأمن العام , نفد صبر عبد السلام عارف مع البعث و قرر التصرف , و بالفعل صدرت الأوامر في 18 نوفمبر بمهاجمة الحرس القومي في بغداد و نجح عارف , و خلال ساعات كان يسيطر تماماً على المدينة .

أدى تدخل الرئيس عارف الحاسم إلى إنهاء أول تلاعب بعثي قصير في السلطة , و تم عزل الوزراء حيث استبدلوا بضباط عسكريين من الموالين للرئيس , و طرد البكر من منصبه كرئيس للوزراء , و أصبح العراق يحكم من قبل حكومة عسكرية , و تم حل الحرس القومي و استبدل بالحرس الجمهوري الذي يضم وحدات النخبة في القوات المسلحة و الذي تمثلت مهمته الرئيسية في حماية النظام من أي محاولات انقلاب مستقبلية .[21] , كان صدام وأحد من مجموعة البعثيين الذين أنيط بهم عام 1964 مسؤولية إنشاء الجهاز الأمني للحزب , و الذي أطلق عليه ” جهاز حنين ” , و ذلك بعد انقلاب عام 1963 و الذي أدى اكتشافه إلى الزج بقادة البعث المتبقين بمن فيهم البكر في السجن , و بقى صدام في بغداد على الرغم من مطالبة قيادة الحزب في دمشق بفرارة من جديد إلى سوريا , و بالتعاون مع قلة من البعثيين الذين لم يسجنهم عارف شكل صدام قوة أمنية سرية .

كانت الحرية التي تمتع بها صدام عام 1964 قصيرة الأمد , تم خلالها بحث سيناريوهات عدة للاغتيال الرئيس , و في منتصف أكتوبر طوق رجال الأمن مخبأ صدام في أحد أحياء بغداد و بعد تبادل قصير لإطلاق النار اضطر صدام للاستسلام بعد أن نفدت ذخيرته , و تم سجنه . كان خير الله طلفاح يقبع في السجن هو الآخر في ذلك الوقت , رغم أنه لم يكن عضواً في حزب البعث , و كانت ساجدة , التي كانت وضعت لتوها عدي , تزوره و تزور زوجها صدام الذي كان معتقلاً في سجن هو الآخر و تحضر له رسائل من البكر الذي كان قد أفرج عنه , و هو ما كان يمكن صدام للاطلاع على مجريات الأمور حتى انتهت الفترة الثانية لسجن صدام يوم 23 يوليو عام 1966 عندما تمكن مع أثنين من رفاقه من الهرب حيث عمل من جديد على الإطاحة بالحكومة و الاستيلاء على السلطة , مع فجر يوم 17 يوليو من عام 1968 استولت وحدات عسكرية يرافقها نشطاء بعثيون مدنيون على مؤسسات عسكرية حكومة مهمة , و صدرت الأوامر بالتحرك إلى قصر الرئاسة , فاندفعت الدبابات إلى باحته , و توقفت تحت النوافذ حيث كان الرئيس عبد الرحمن عارف مازال نائماً في سريرة , و كان في الدبابة الأولى صدام حسين ببزته العسكرية .

لم يعرف الرئيس عبد الرحمن عارف بالانقلاب , إلا عندما سمع صوت الرصاصة الذي أطلقته عناصر من الحرس الجمهوري في الهواء للتعبير عن الفرح و الانتصار , قبل عارف – الرئيس الضعيف الذي تسلم السلطة بعد مقتل شقيقه عبد السلام عارف بتحطم هيلوكبتر عام 1966 – التنحي و كان مطلبه الوحيد أن يضمن الانقلابين سلامة ابنه الذي كان ضابطاً في الجيش , و تمثل دور صدام حسين يومها في مراقبة القصر و ضامن عدم تدخل الجنود الموالين لعارف . و بحلول الساعة 3:40 دقيقة صباحاً كان الانقلاب قد نجح دون إراقة نقطة دم واحدة , و بعد استراحة دامت ساعات , و ضع عارف على طائرة متجهة إلى لندن للانضمام إلى زوجته التي كانت تعالج هناك من داء السرطان , و أعلنت إذاعة بغداد أن حزب البعث قد استولى على السلطة , و أنتها نظاماً ضعيفاً و فاسداً يمثله حفنه من الجهلة و الأميين و اللصوص و الجواسيس. بعد الانقلاب عين أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية فيما كلف صدام بمسؤولية الأمن القومي , و قد كان صدام مناسباً لتسلم هذا الموقع لسابق تجربته للإقامة ” جهاز حنين ” , و الذي حل بعد تسلم البعثيين السلطة , لتحل محلة مؤسسات أمنية رسمية , و كان عمر صدام حسين وقتها 31 عاماً .[22]
[عدل]
برنامج التطوير

صدام حسين عام 1974

تطوير تعليم المرأة في السبعينيات

في نهايات 1960 وبدايات 1970، ولكون صدام نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة وكونه الرجل الثاني في العراق، بنى صدام سمعة جيدة كسياسي محنك وفعال[23]. قام صدام بتأسيس جهاز المخابرات العراقي الذي كان يعرف بـ جهاز حنين، وبدأ بمحاكمة كل من كان لهم ولاءات خارجية، وقام بتعيين من يثق به في المناصب الأمنية المهمة مدعماً مكانته.

بعد أن تسلم حزب البعث السلطة في العراق عام 1968، ركز صدام على تحقيق الاستقرار في وطن مزقته الصراعات العويصة، في وجود الانقسامات والصراعات الاجتماعية، العقائدية والدينية ما بين السنة والشيعة وبين العرب والأكراد وغيرها[24]، وكان في رأي صدام أن القيادة الثابتة والمستقرة في دولة تنتشر فيها التحزبية والانقسامات تحتاج إلى سياسة القمع كما تحتاج في نفس الوقت إلى رفع المستوى المعيشي [24]. قام صدام بتعزيز الاقتصاد العراقي بجانب بناء جهاز أمني قوي لمنع الانقلابات والتمرد داخل وخارج حزب البعث. لم يهتم صدام بتوسعة قاعدة المؤيدين له بين مختلف الفئات في المجتمع العراقي، فقد كان كل اهتمامه منصب في إقامة دولة مستقرة وتطوير برامج التنمية.

كان أكبر اهتمامات صدام هو النفط العراقي.في عام 1973، ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير نتيجة لأزمة النفط (1973)، وقد مكن ذلك الارتفاع صدام من توسيع نطاق جدول أعماله.في خلال أعوام كانت العراق تقدم خدمات إجتماعية لم يسبق لها مثيل بين دول الشرق الأوسط.قام صدام بإنشاء وإدارة “الحملة الوطنية لمحو الأمية” وحملة “التعليم الإلزامي المجاني في العراق”، وقد قامت الحكومة العراقية بتعليم مئات الالاف في خلال عدة سنوات من بداية هذة الحملة. كما قامت الحكومة بدعم أُسر الجنود، كما قدمت رعاية صحية مجانية للجميع، بالإضافة إلى تقديم أراضي زراعية مجانية للفلاحين. قامت العراق بإنشاء واحدة من أحدث أنظمة الرعاية الصحية في الشرق الأوسط، وكان ذلك سبباً لمنح صدام جائزة من منظمة اليونسكو.[25]
[عدل]
رئاسة الدولة

صدام حسين مع الرئيس أحمد حسن البكر خلال القمة العربية في بغداد 1978

بدأ صدام يجمع السلطة في يده بطريقة حثيثة , فحينما كان مسؤولاً عن الأمن كان مسؤولاً أيضاً عن إدارة الفلاحين , و سرعان ما وضع التعليم و الدعاية تحت نطاق سيطرته , و ما لبث أن تولى رسمياً منصب السكرتير العام لمجلس قيادة الثورة في يناير عام 1969 , و بعد ذلك بدأ وصف صدام باسم ” السيد النائب ” أجرى صدام حسين , بصفته نائباً للرئيس أحمد حسن البكر إصلاحات واسعة النطاق و أقام أجهزة أمنية صارمة , و قد أثارت سياسيات كل من صدام و البكر قلقاً في الغرب ففي عام 1978 و في أوج الحرب الباردة عقد العراق معاهدة التعاون و الصداقة مدها 15 مع الإتحاد السوفييتي , كما أمم شركة النفط الوطنية , التي تأسست في ظل الإدارة البريطانية , و التي كانت تصدر النفط الرخيص إلى الغرب ة قد استثمرت بعض أموال النفط , عقب فورة النفطية التي أعقبت أزمة عام 1973 , في الصناعة و التعليم و العناية الصحية , مما رفع مستوى المعيشي في العراق إلى أعلى مستوى في العالم العربي .

تمكن صدام حسين من إحكام قبضته على السلطة من خلال تعيين أقاربه و حلفائه في المناصب الحكومة المهمة , بالإضافة إلى مراكز التجار و الأعمال , و هو ما تمكن معه في نهاية عام 1970 من أن يحتكر السلطة فعلياً في العراق تمهيداً للاستيلاء عليها نهائياً في يوليو عام 1979 , حيث اضطر البكر إلى الاستقالة و كان السبب الرسمي المعلن للإستقاله العجز عن أداء المهام الرئاسية لأسباب صحية , و سلمت كل مناصبه لصدام حسين الذي أعلن نفسه رئيساً للجمهورية و رئيساً لمجلس قيادة الثورة و قائداً عاماً للقوات المسلحة . و قابل صدام استقالة البكر بتحديد إقامته في منزله إلى أن توفى في أكتوبر عام 1982 كان صدام يعمل في ذلك الوقت من 14 إلى 16 ساعة يومياً , و من بين أهم الأعمال التي لاقت ترحيباً من العامة و التي قام بها صدام في بداية توليه السلطة الإفراج عن الآلاف المعتقلين و قال كلمة صاحبت هذا الحدث , جاء فيها : إن القانون فوق الجميع , و أن اعتقال الناس دون إعمال القانون لن يحدث ثانية أبداً .!! ليس هذا فحسب بل عمد صدام إلى التقرب إلى الشعب العراقي و للمواطن البسيط حتى وصفه أحد المعارضين الكبار بقوله : لقد أبدى صدام تفهماً حقيقياً لأحوال الناس البسطاء أكثر من أي زعيم آخر في تاريخ العراق .[26] برغم أن صدام كان نائباً للرئيس أحمد حسن بكر إلا أنه كان الطرف الأقوى في الحزب. كان أحمد حسن البكر الأكبر سناً ومقاماً، ولكن وبحلول عام 1969 كان لصدام القوة الأكبر في الحزب . في 1979 بدأ الرئيس أحمد حسن البكر بعقد معاهدات مع سوريا، التي يتواجد بها حزب البعث، كانت ستقود إلى الوحدة بين الدولتين. وسيصبح الرئيس السوري حافظ الاسد نائبا للرئيس في ذلك الإتحاد، ولكن قبل حدوث ذلك، استقال أحمد حسن البكر في 16 يوليو 1979. وأصبح صدام بشكل رسمي الرئيس الجديد للعراق.

بعد ذلك بفترة وجيزة، جمع قيادات حزب البعث في 22 يوليو 1979، وخلال الاجتماع، الذي أمر بتصويره، قال صدام بأنه وجد جواسيس ومتآمرين ضمن حزب البعث، وقرأ أسماء هؤلاء الذين كانو ارتبطوا سرا مع حافظ الأسد. وتم وصف هؤلاء بالخيانة وتم إقتيادهم واحدا تلو الآخر ليواجهوا الإعدام رميا بالرصاص خارج قاعة الاجتماع وعلى مسامع الحاضرين.