أ.د. أحمد محمد وهبان

دراسة في التطوير القانوني لجرائم الحرب

كاتب الموضوع الأصلي: فهد مهدي القحطاني-

التطور القانوني لمفهوم جرائم الحرب
د. سلوي يوسف الإكيابي *

إن جرائم الحرب بصفة عامة هي كل انتهاك لقوانين وأعراف الحرب، خاصة عندما ترتكب في إطار خطة عامة وسياسية مرسومة واسعة النطاق. وقد مر تقنين تلك الجرائم بمراحل عدة، ففي البداية كان ينظر إلي الحرب في حد ذاتها علي أنها عمل مشروع ووسيلة من وسائل فض المنازعات، وكان تقنينها يهدف لوضع قواعد تنظمها فقط دون أن تجرمها تماما، ثم تطور الفكر القانوني ليجرم أنواعا معينة من الحرب. ومع تطور وسائل وأساليب الحرب والقتال في العصر الحديث، جرمت التشريعات الحديثة اللجوء للحرب تماما، كان آخرها نظام روما الأساسي، فقد كانت المادة 8 الخاصة بجرائم الحرب التي تختص بها المحكمة أطول مادة فيه.

وتأسيسا علي ذلك، فسأتعرض في هذا المقام إلي جرائم الحرب من حيث تطور تقنينها في الوثائق الدولية والمحاكمة عنها في إطار المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، وكذلك من حيث تقنينها في إطار نظام روما الأساسي.

المبحث الأول- التطور التاريخي لتقنين جرائم الحرب:

كانت الحرب في نظر الكثيرين عملا مشروعا، بحيث لا يقيد الدولة في الالتجاء إليها سوي مصالحها الخاصة، وقد بذلت مجهودات كثيرة لتقييد سلطة الدولة في الالتجاء للحرب كوسيلة مشروعة، بل وإحاطتها بقيود تمنع اللجوء للحرب إلا في حالات الضرورة القصوي. وحقيقية الأمر أن القانون الدولي الإنساني قد لعب دورا في سبيل تجريم الحرب وتدوين العديد من القواعد التي تحكمها.

إن جرائم الحرب، بالمعني الموجود حاليا في العديد من المواثيق الدولية، لم تكن وليد تشريع فقهي واحد، بل تضافرت عدة مجهودات لتقنين هذه الجريمة علي نحو ما يقرب من قرن من الزمان. وكان أهم تلك المجهودات:

1- تصريح باريس عام 1856:

جاء هذا التصريح عقب حرب القرم، حيث أعلنت خلاله إنجلترا وفرنسا بعض المبادئ لتنظيم الجوانب القانونية للحرب البحرية، كإلغاء القرصنة البحرية، ومد نطاق الحماية لبضائع الأعداء فوق سفن المحايدين، وبضائع المحايدين فوق سفن الأعداء.

2- تقنين القواعد التي تحكم الجيوش في الميدان وفقا لقوانين وعادات الحرب:

قانون ليبر (Lieber code) 1863:

وهو عبارة عن مجموعة من القواعد الواجب تطبيقها أثناء الحرب الأهلية الأمريكية. وبالرغم من أنها لا تعدو أن تكون مجرد تشريع داخلي، فإنها تناولت العديد من الموضوعات التي تتعلق بإدارة الحرب، مما جعل منها نموذجا تحتذي به العديد من الدول. ويعد قانون ليبر أول محاولة جادة لتقنين قواعد وعادات الحرب، وبصفة خاصة الحرب البرية.

3- اتفاقية جنيف لعام 1864:

دعا مجلس الاتحاد السويسري في أغسطس 1864 لعقد مؤتمر دبلوماسي دولي لبحث سبل تحسين مصير العسكريين الجرحي والمرضي في الميدان، وتمخض هذا المؤتمر عن إبرام اتفاقية دولية تعتبر الأولي من نوعها في شأن تحسين أحوال الجرحي في الجيوش الميدانية. وكان من أهم المبادئ الواردة لها: مبدأ حرمة وصيانة الجنود الجرحي والمرضي، وحماية عربات الإسعاف والمستشفيات العسكرية ضد الهجمات الحربية، والنص علي قواعد مقننة لحماية ضحايا الحروب.

وقد صدقت علي تلك الاتفاقية العديد من الدول، في مقدمتها أقطاب القوي الكبري آنذاك. وبرغم أن اتفاقية جنيف لعام 1864 كانت نقطة البداية لحركة إنسانية واسعة لضحايا الحروب، فإنها ظلت تشكو من نقائصها، فعدلت عدة مرات.

4- إعلان سان بترسبورج عام 1868:

اهتم الإعلان بحظر استخدام الأسلحة التي تسبب آلاما لا مبرر لها، وإقرار أن الهدف المشروع من الحرب وغايته هما إضعاف القوة العسكرية للعدو، وقد تم الانتهاء من صياغة الإعلان في 11 ديسمبر عام 1868.

5- مؤتمر لاهاي الأول للسلام عام 1899:

عقد مؤتمر لاهاي الأول للسلام بناء علي دعوة من قيصر روسيا، لعقد مؤتمر دولي لوضع بعض القواعد التي تحكم الحرب. وأسفر المؤتمر عن توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بقانون الحرب، منها: الاتفاقية الثانية الخاصة بقواعد وعادات الحرب، والاتفاقية الثالثة الخاصة بالحرب البرية، وتم بموجبها مد نطاق تطبيق اتفاقية جنيف لعام 1864 لضحايا الحرب البحرية، فضلا عن ثلاثة تصريحات لتحريم إلقاء المقذوفات من البالونات، وتحريم استخدام المقذوفات التي لا ينتج عنها سوي غازات ضارة، وكذلك تحريم استخدام المقذوفات التي تتفتت داخل الجسم(7).

6- مؤتمر لاهاي الثاني عام 1907:

أسفر مؤتمر لاهاي الثاني عن تبني عدد من الاتفاقيات الدولية، فضلا عن التركيز بصفة خاصة علي تقنين قانون الحرب، بحيث اعتبرت فيما بعد أساسا للنظرية التقليدية في قانون الحرب. أيضا، فقد حلت اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية محل اتفاقية لاهاي لعام 1899.

وقد شكلت قائمة جرائم الحرب الواردة في تلك الاتفاقية أساس محاكمات ليبزج Leipzig، حيث تضمنت المادتين 223و 230 من اتفاقية فرساي – التي قضت بإنشاء المحكمة- ضرورة المحاكمة عن الجرائم المخالفة لقوانين وأعراف الحرب

Acts in violation of the laws and customs of war(10).

7- عهد عصبة الأمم 1920 – 1946:

لم ينص ميثاق عصبة الأمم علي تحريم الحرب بصورة قاطعة وصريحة، بل نص علي حالات معينة تكون الحرب فيها غير مشروعة، كحالة الالتجاء للحرب لفض نزاع ما بدلا من عرض هذا النزاع علي التحكيم أو القضاء أو مجلس العصبة(11)، أو إعلان الحرب علي الدولة التي قبلت قرار التحكيم أو القضاء أو التزمت بقرار المجلس الصادر بالإجماع. كذلك، فقد نص علي أن الدولة التي تشن حربا غير مشروعة، سيوقع عليها الجزاءات الاقتصادية والعسكرية المنصوص عليها في المادة 16.

وعلي الرغم من فشل عصبة الأمم بصفة عامة، فإنه لا يمكن إغفال بعض الاتفاقيات المهمة التي أبرمت خلال قيامها، مثل:

1- بروتوكول جنيف الخاص بتحريم الالتجاء إلي حرب الغازات والحرب البكتريولوجية عام 1925.

2- تنقيح نصوص اتفاقية جنيف لعام 1906، وهي التي حلت محل اتفاقية جنيف لعام 1864، والخاصة بتحسين أحوال الجرحي والمرضي من أفراد الجيوش في الميدان، وأسفر ذلك عن وضع اتفاقيتين، تختص الأولي بتحسين أحوال الجرحي والمرضي من أفراد الجيوش في الميدان، وتتناول الثانية كيفية معاملة أسري الحرب.

8- ميثاق باريس عام 1928:

بغية سد الثغرة الواردة في عهد عصبة الأمم من عدم تجريمها للحرب بصفة قاطعة، قامت الولايات المتحدة وفرنسا بإبرام ميثاق بباريس عام 1928، ليكون بمثابة ميثاق عام للسلام تشترك فيه جميع الدول، ويحرم استخدام الحرب كوسيلة لفض المنازعات. وعرف هذا الميثاق باسم ‘ميثاق بريان كيلوج’ نسبة لوزيري الدولتين صاحبتي الفكرة فيه، وقد انضم للميثاق ما يزيد علي ستين دولة(15).

9- اتفاقيات جنيف لعام 1949:

رغبة في كفالة أكبر قدر من الحماية لضحايا النزاعات المسلحة، تم إبرام أربع اتفاقيات لحماية ضحايا الحرب عام 1949(16). وقد ورد بتلك الاتفاقيات تعداد لبعض جرائم الحرب، التي تلتزم الدول الأطراف بالمعاقبة عليها، وهي:

1- جرائم منصوص عليها في الاتفاقيات الأربع:

– القتل العمد، التعذيب، التجارب البيولوجية، إحداث آلام كبري مقصودة، الاعتداءات الخطيرة ضد السلامة الجسدية والصحية، المعاملة غير الإنسانية.

2- جرائم منصوص عليها في الاتفاقيات الأولي والثانية والثالثة:

– تخريب الأموال والاستيلاء عليها بصورة لا تبررها الضرورات العسكرية، والتي تنفذ علي نطاق واسع غير مشروع وتعسفي.

3- جرائم وردت في الاتفاقيتين الثالثة والرابعة:

– إكراه شخص علي الخدمة في القوات العسكرية لدولة العدو، حرمان شخص محمي من حقه في محاكمة قانونية وحيادية، حسبما تفرضه الاتفاقيات الدولية، إبعاد الأشخاص ونقلهم من أماكن وجودهم بصورة غير مشروعة، الاعتقال غير المشروع، أخذ الرهائن.

4- جريمة وردت في الاتفاقيتين الأولي والثانية:

– سوء استخدام علم الصليب الأحمر أو شارته، والأعلام المماثلة.

وقد طورت اتفاقيات جنيف مفهوم جرائم الحرب الوارد في ميثاق نورمبرج، الذي عرف جرائم الحرب كالتالي: إن مخالفة قوانين وأعراف الحرب تشمل – ليس علي سبيل الحصر- القتل، المعاملة السيئة، ترحيل السكان المدنيين للعمل كعبيد أو لأي غرض آخر، ويشمل في الأرض المحتلة القتل، سوء معاملة الأسري، قتل الرهائن، نهب الممتلكات العامة أو الخاصة، التدمير العشوائي للمدن والقري، التدمير الذي لا تبرره الضروره الحربية.

10- بروتوكولا جنيف الملحقان لعام 1977:

نتيجة العديد من توصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكثر من مناسبة، لضرورة وضع قواعد جديدة لتأمين حماية أفضل للمدنيين والأسري والمقاتلين في النزاعات المسلحة قاطبة، قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوضع مشروعي بروتوكولين تكميليين لاتفاقيات جنيف، تم عرضهما علي المؤتمر الدبلوماسي الخاص بتطوير القانون الدولي الإنساني، والمعقود بجنيف، بناء علي دعوة حكومة الاتحاد الفيدرالي السويسري. وعقد المؤتمر أربع دورات متعاقبة خلال أعوام 1974، و1975، و1976، و1977، حتي تم توقيع البروتوكولين في 10 يونيو عام 7791.

ويتعلق البروتوكول الأول بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية. أما الثاني، فيتصل بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية. وفي أثناء التصديق علي البروتوكول الثاني، كان الخيار للدول بين التصديق، وبالتالي الاعتراف بالمسئولية عن جرائم الحرب في النزاعات المسلحة غير الدولية، وبين عدم التصديق فتعترف بالمسئولية عن جرائم الحرب في النزاعات المسلحة الدولية فقط.

وبصفة عامة، فإن الفترة الممتدة، منذ بدايات تقنين جريمة الحرب وحتي بروتوكولي جنيف الملحقين، لم تشهد تقنينا شاملا لجرائم الحرب، أوحماية لكافة الضحايا، فقد اقتصرت علي تقنين أشد جرائم الحرب قسوة وبشاعة، وعلي حماية الضحايا من المدنيين أو غير المقاتلين فقط.

11- المحاكم الجنائية الدولية الخاصة Ad Hoc Tribunals:

عند وضع تعريف جرائم الحرب بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في مايو 1993، لم يكن هناك من سوابق سوي ‘قانون جنيف’ Geneva Law الذي يشمل الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1948 ويتضمن حماية ضحايا النزاعات المسلحة، و’قانون لاهاي’ Hague Law الذي اعتمد عليه ميثاق نورمبرج، ويتضمن طرق ووسائل الحرب، وبالتالي فقد شملت المادة الثانية الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف grave breaches، في حين شملت المادة الثالثة انتهاكات قوانين وأعراف الحرب كما هي معرفة في قانون لاهاي.

وبهذه المناسبة، فقد أكد السكرتير العام للأمم المتحدة آنذاك أن النظام الأساسي لن يبتكر جديدا، وإنما سيتقيد بالجرائم المعترف بها بصفة عامة في القانون الدولي العرفي. وعليه، فلم يكن هناك احتمال بإمكانية إقرار المسئولية عن جرائم الحرب في النزاعات المسلحة غير الدولية. وبعد ذلك بعام، تم تبني النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية برواندا، وقد إعترف مجلس الأمن خلاله بإقرار المسئولية الدولية عن جرائم الحرب المرتكبة في المنازعات المسلحة غير الدولية، الأمر الذي حدا بغرفة الإستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلي إعلان قراءة جديدة لطائفتي جرائم الحرب الواردة بالمادتين الثانية والثالثة من نظامها الأساسي في قضية Tadic، مؤكدة حقيقة أن المسئولية الدولية عن انتهاكات قوانين وأعراف الحرب تشمل الأفعال المرتكبة خلال النزاعات المسلحة غير الدولية أيضا.
——————

* مدرس بقسم القانون الدولي العام بكلية الحقوق، جامعة بنها.

دراسة في التطوير القانوني لجرائم الحرب

كاتب الموضوع الأصلي: فهد مهدي القحطاني-

التطور القانوني لمفهوم جرائم الحرب
د. سلوي يوسف الإكيابي *

إن جرائم الحرب بصفة عامة هي كل انتهاك لقوانين وأعراف الحرب، خاصة عندما ترتكب في إطار خطة عامة وسياسية مرسومة واسعة النطاق. وقد مر تقنين تلك الجرائم بمراحل عدة، ففي البداية كان ينظر إلي الحرب في حد ذاتها علي أنها عمل مشروع ووسيلة من وسائل فض المنازعات، وكان تقنينها يهدف لوضع قواعد تنظمها فقط دون أن تجرمها تماما، ثم تطور الفكر القانوني ليجرم أنواعا معينة من الحرب. ومع تطور وسائل وأساليب الحرب والقتال في العصر الحديث، جرمت التشريعات الحديثة اللجوء للحرب تماما، كان آخرها نظام روما الأساسي، فقد كانت المادة 8 الخاصة بجرائم الحرب التي تختص بها المحكمة أطول مادة فيه.

وتأسيسا علي ذلك، فسأتعرض في هذا المقام إلي جرائم الحرب من حيث تطور تقنينها في الوثائق الدولية والمحاكمة عنها في إطار المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، وكذلك من حيث تقنينها في إطار نظام روما الأساسي.

المبحث الأول- التطور التاريخي لتقنين جرائم الحرب:

كانت الحرب في نظر الكثيرين عملا مشروعا، بحيث لا يقيد الدولة في الالتجاء إليها سوي مصالحها الخاصة، وقد بذلت مجهودات كثيرة لتقييد سلطة الدولة في الالتجاء للحرب كوسيلة مشروعة، بل وإحاطتها بقيود تمنع اللجوء للحرب إلا في حالات الضرورة القصوي. وحقيقية الأمر أن القانون الدولي الإنساني قد لعب دورا في سبيل تجريم الحرب وتدوين العديد من القواعد التي تحكمها.

إن جرائم الحرب، بالمعني الموجود حاليا في العديد من المواثيق الدولية، لم تكن وليد تشريع فقهي واحد، بل تضافرت عدة مجهودات لتقنين هذه الجريمة علي نحو ما يقرب من قرن من الزمان. وكان أهم تلك المجهودات:

1- تصريح باريس عام 1856:

جاء هذا التصريح عقب حرب القرم، حيث أعلنت خلاله إنجلترا وفرنسا بعض المبادئ لتنظيم الجوانب القانونية للحرب البحرية، كإلغاء القرصنة البحرية، ومد نطاق الحماية لبضائع الأعداء فوق سفن المحايدين، وبضائع المحايدين فوق سفن الأعداء.

2- تقنين القواعد التي تحكم الجيوش في الميدان وفقا لقوانين وعادات الحرب:

قانون ليبر (Lieber code) 1863:

وهو عبارة عن مجموعة من القواعد الواجب تطبيقها أثناء الحرب الأهلية الأمريكية. وبالرغم من أنها لا تعدو أن تكون مجرد تشريع داخلي، فإنها تناولت العديد من الموضوعات التي تتعلق بإدارة الحرب، مما جعل منها نموذجا تحتذي به العديد من الدول. ويعد قانون ليبر أول محاولة جادة لتقنين قواعد وعادات الحرب، وبصفة خاصة الحرب البرية.

3- اتفاقية جنيف لعام 1864:

دعا مجلس الاتحاد السويسري في أغسطس 1864 لعقد مؤتمر دبلوماسي دولي لبحث سبل تحسين مصير العسكريين الجرحي والمرضي في الميدان، وتمخض هذا المؤتمر عن إبرام اتفاقية دولية تعتبر الأولي من نوعها في شأن تحسين أحوال الجرحي في الجيوش الميدانية. وكان من أهم المبادئ الواردة لها: مبدأ حرمة وصيانة الجنود الجرحي والمرضي، وحماية عربات الإسعاف والمستشفيات العسكرية ضد الهجمات الحربية، والنص علي قواعد مقننة لحماية ضحايا الحروب.

وقد صدقت علي تلك الاتفاقية العديد من الدول، في مقدمتها أقطاب القوي الكبري آنذاك. وبرغم أن اتفاقية جنيف لعام 1864 كانت نقطة البداية لحركة إنسانية واسعة لضحايا الحروب، فإنها ظلت تشكو من نقائصها، فعدلت عدة مرات.

4- إعلان سان بترسبورج عام 1868:

اهتم الإعلان بحظر استخدام الأسلحة التي تسبب آلاما لا مبرر لها، وإقرار أن الهدف المشروع من الحرب وغايته هما إضعاف القوة العسكرية للعدو، وقد تم الانتهاء من صياغة الإعلان في 11 ديسمبر عام 1868.

5- مؤتمر لاهاي الأول للسلام عام 1899:

عقد مؤتمر لاهاي الأول للسلام بناء علي دعوة من قيصر روسيا، لعقد مؤتمر دولي لوضع بعض القواعد التي تحكم الحرب. وأسفر المؤتمر عن توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بقانون الحرب، منها: الاتفاقية الثانية الخاصة بقواعد وعادات الحرب، والاتفاقية الثالثة الخاصة بالحرب البرية، وتم بموجبها مد نطاق تطبيق اتفاقية جنيف لعام 1864 لضحايا الحرب البحرية، فضلا عن ثلاثة تصريحات لتحريم إلقاء المقذوفات من البالونات، وتحريم استخدام المقذوفات التي لا ينتج عنها سوي غازات ضارة، وكذلك تحريم استخدام المقذوفات التي تتفتت داخل الجسم(7).

6- مؤتمر لاهاي الثاني عام 1907:

أسفر مؤتمر لاهاي الثاني عن تبني عدد من الاتفاقيات الدولية، فضلا عن التركيز بصفة خاصة علي تقنين قانون الحرب، بحيث اعتبرت فيما بعد أساسا للنظرية التقليدية في قانون الحرب. أيضا، فقد حلت اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية محل اتفاقية لاهاي لعام 1899.

وقد شكلت قائمة جرائم الحرب الواردة في تلك الاتفاقية أساس محاكمات ليبزج Leipzig، حيث تضمنت المادتين 223و 230 من اتفاقية فرساي – التي قضت بإنشاء المحكمة- ضرورة المحاكمة عن الجرائم المخالفة لقوانين وأعراف الحرب

Acts in violation of the laws and customs of war(10).

7- عهد عصبة الأمم 1920 – 1946:

لم ينص ميثاق عصبة الأمم علي تحريم الحرب بصورة قاطعة وصريحة، بل نص علي حالات معينة تكون الحرب فيها غير مشروعة، كحالة الالتجاء للحرب لفض نزاع ما بدلا من عرض هذا النزاع علي التحكيم أو القضاء أو مجلس العصبة(11)، أو إعلان الحرب علي الدولة التي قبلت قرار التحكيم أو القضاء أو التزمت بقرار المجلس الصادر بالإجماع. كذلك، فقد نص علي أن الدولة التي تشن حربا غير مشروعة، سيوقع عليها الجزاءات الاقتصادية والعسكرية المنصوص عليها في المادة 16.

وعلي الرغم من فشل عصبة الأمم بصفة عامة، فإنه لا يمكن إغفال بعض الاتفاقيات المهمة التي أبرمت خلال قيامها، مثل:

1- بروتوكول جنيف الخاص بتحريم الالتجاء إلي حرب الغازات والحرب البكتريولوجية عام 1925.

2- تنقيح نصوص اتفاقية جنيف لعام 1906، وهي التي حلت محل اتفاقية جنيف لعام 1864، والخاصة بتحسين أحوال الجرحي والمرضي من أفراد الجيوش في الميدان، وأسفر ذلك عن وضع اتفاقيتين، تختص الأولي بتحسين أحوال الجرحي والمرضي من أفراد الجيوش في الميدان، وتتناول الثانية كيفية معاملة أسري الحرب.

8- ميثاق باريس عام 1928:

بغية سد الثغرة الواردة في عهد عصبة الأمم من عدم تجريمها للحرب بصفة قاطعة، قامت الولايات المتحدة وفرنسا بإبرام ميثاق بباريس عام 1928، ليكون بمثابة ميثاق عام للسلام تشترك فيه جميع الدول، ويحرم استخدام الحرب كوسيلة لفض المنازعات. وعرف هذا الميثاق باسم ‘ميثاق بريان كيلوج’ نسبة لوزيري الدولتين صاحبتي الفكرة فيه، وقد انضم للميثاق ما يزيد علي ستين دولة(15).

9- اتفاقيات جنيف لعام 1949:

رغبة في كفالة أكبر قدر من الحماية لضحايا النزاعات المسلحة، تم إبرام أربع اتفاقيات لحماية ضحايا الحرب عام 1949(16). وقد ورد بتلك الاتفاقيات تعداد لبعض جرائم الحرب، التي تلتزم الدول الأطراف بالمعاقبة عليها، وهي:

1- جرائم منصوص عليها في الاتفاقيات الأربع:

– القتل العمد، التعذيب، التجارب البيولوجية، إحداث آلام كبري مقصودة، الاعتداءات الخطيرة ضد السلامة الجسدية والصحية، المعاملة غير الإنسانية.

2- جرائم منصوص عليها في الاتفاقيات الأولي والثانية والثالثة:

– تخريب الأموال والاستيلاء عليها بصورة لا تبررها الضرورات العسكرية، والتي تنفذ علي نطاق واسع غير مشروع وتعسفي.

3- جرائم وردت في الاتفاقيتين الثالثة والرابعة:

– إكراه شخص علي الخدمة في القوات العسكرية لدولة العدو، حرمان شخص محمي من حقه في محاكمة قانونية وحيادية، حسبما تفرضه الاتفاقيات الدولية، إبعاد الأشخاص ونقلهم من أماكن وجودهم بصورة غير مشروعة، الاعتقال غير المشروع، أخذ الرهائن.

4- جريمة وردت في الاتفاقيتين الأولي والثانية:

– سوء استخدام علم الصليب الأحمر أو شارته، والأعلام المماثلة.

وقد طورت اتفاقيات جنيف مفهوم جرائم الحرب الوارد في ميثاق نورمبرج، الذي عرف جرائم الحرب كالتالي: إن مخالفة قوانين وأعراف الحرب تشمل – ليس علي سبيل الحصر- القتل، المعاملة السيئة، ترحيل السكان المدنيين للعمل كعبيد أو لأي غرض آخر، ويشمل في الأرض المحتلة القتل، سوء معاملة الأسري، قتل الرهائن، نهب الممتلكات العامة أو الخاصة، التدمير العشوائي للمدن والقري، التدمير الذي لا تبرره الضروره الحربية.

10- بروتوكولا جنيف الملحقان لعام 1977:

نتيجة العديد من توصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكثر من مناسبة، لضرورة وضع قواعد جديدة لتأمين حماية أفضل للمدنيين والأسري والمقاتلين في النزاعات المسلحة قاطبة، قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوضع مشروعي بروتوكولين تكميليين لاتفاقيات جنيف، تم عرضهما علي المؤتمر الدبلوماسي الخاص بتطوير القانون الدولي الإنساني، والمعقود بجنيف، بناء علي دعوة حكومة الاتحاد الفيدرالي السويسري. وعقد المؤتمر أربع دورات متعاقبة خلال أعوام 1974، و1975، و1976، و1977، حتي تم توقيع البروتوكولين في 10 يونيو عام 7791.

ويتعلق البروتوكول الأول بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية. أما الثاني، فيتصل بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية. وفي أثناء التصديق علي البروتوكول الثاني، كان الخيار للدول بين التصديق، وبالتالي الاعتراف بالمسئولية عن جرائم الحرب في النزاعات المسلحة غير الدولية، وبين عدم التصديق فتعترف بالمسئولية عن جرائم الحرب في النزاعات المسلحة الدولية فقط.

وبصفة عامة، فإن الفترة الممتدة، منذ بدايات تقنين جريمة الحرب وحتي بروتوكولي جنيف الملحقين، لم تشهد تقنينا شاملا لجرائم الحرب، أوحماية لكافة الضحايا، فقد اقتصرت علي تقنين أشد جرائم الحرب قسوة وبشاعة، وعلي حماية الضحايا من المدنيين أو غير المقاتلين فقط.

11- المحاكم الجنائية الدولية الخاصة Ad Hoc Tribunals:

عند وضع تعريف جرائم الحرب بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في مايو 1993، لم يكن هناك من سوابق سوي ‘قانون جنيف’ Geneva Law الذي يشمل الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1948 ويتضمن حماية ضحايا النزاعات المسلحة، و’قانون لاهاي’ Hague Law الذي اعتمد عليه ميثاق نورمبرج، ويتضمن طرق ووسائل الحرب، وبالتالي فقد شملت المادة الثانية الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف grave breaches، في حين شملت المادة الثالثة انتهاكات قوانين وأعراف الحرب كما هي معرفة في قانون لاهاي.

وبهذه المناسبة، فقد أكد السكرتير العام للأمم المتحدة آنذاك أن النظام الأساسي لن يبتكر جديدا، وإنما سيتقيد بالجرائم المعترف بها بصفة عامة في القانون الدولي العرفي. وعليه، فلم يكن هناك احتمال بإمكانية إقرار المسئولية عن جرائم الحرب في النزاعات المسلحة غير الدولية. وبعد ذلك بعام، تم تبني النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية برواندا، وقد إعترف مجلس الأمن خلاله بإقرار المسئولية الدولية عن جرائم الحرب المرتكبة في المنازعات المسلحة غير الدولية، الأمر الذي حدا بغرفة الإستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلي إعلان قراءة جديدة لطائفتي جرائم الحرب الواردة بالمادتين الثانية والثالثة من نظامها الأساسي في قضية Tadic، مؤكدة حقيقة أن المسئولية الدولية عن انتهاكات قوانين وأعراف الحرب تشمل الأفعال المرتكبة خلال النزاعات المسلحة غير الدولية أيضا.
——————

* مدرس بقسم القانون الدولي العام بكلية الحقوق، جامعة بنها.

دراسة في التطوير القانوني لجرائم الحرب

كاتب الموضوع الأصلي: فهد مهدي القحطاني-

التطور القانوني لمفهوم جرائم الحرب
د. سلوي يوسف الإكيابي *

إن جرائم الحرب بصفة عامة هي كل انتهاك لقوانين وأعراف الحرب، خاصة عندما ترتكب في إطار خطة عامة وسياسية مرسومة واسعة النطاق. وقد مر تقنين تلك الجرائم بمراحل عدة، ففي البداية كان ينظر إلي الحرب في حد ذاتها علي أنها عمل مشروع ووسيلة من وسائل فض المنازعات، وكان تقنينها يهدف لوضع قواعد تنظمها فقط دون أن تجرمها تماما، ثم تطور الفكر القانوني ليجرم أنواعا معينة من الحرب. ومع تطور وسائل وأساليب الحرب والقتال في العصر الحديث، جرمت التشريعات الحديثة اللجوء للحرب تماما، كان آخرها نظام روما الأساسي، فقد كانت المادة 8 الخاصة بجرائم الحرب التي تختص بها المحكمة أطول مادة فيه.

وتأسيسا علي ذلك، فسأتعرض في هذا المقام إلي جرائم الحرب من حيث تطور تقنينها في الوثائق الدولية والمحاكمة عنها في إطار المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، وكذلك من حيث تقنينها في إطار نظام روما الأساسي.

المبحث الأول- التطور التاريخي لتقنين جرائم الحرب:

كانت الحرب في نظر الكثيرين عملا مشروعا، بحيث لا يقيد الدولة في الالتجاء إليها سوي مصالحها الخاصة، وقد بذلت مجهودات كثيرة لتقييد سلطة الدولة في الالتجاء للحرب كوسيلة مشروعة، بل وإحاطتها بقيود تمنع اللجوء للحرب إلا في حالات الضرورة القصوي. وحقيقية الأمر أن القانون الدولي الإنساني قد لعب دورا في سبيل تجريم الحرب وتدوين العديد من القواعد التي تحكمها.

إن جرائم الحرب، بالمعني الموجود حاليا في العديد من المواثيق الدولية، لم تكن وليد تشريع فقهي واحد، بل تضافرت عدة مجهودات لتقنين هذه الجريمة علي نحو ما يقرب من قرن من الزمان. وكان أهم تلك المجهودات:

1- تصريح باريس عام 1856:

جاء هذا التصريح عقب حرب القرم، حيث أعلنت خلاله إنجلترا وفرنسا بعض المبادئ لتنظيم الجوانب القانونية للحرب البحرية، كإلغاء القرصنة البحرية، ومد نطاق الحماية لبضائع الأعداء فوق سفن المحايدين، وبضائع المحايدين فوق سفن الأعداء.

2- تقنين القواعد التي تحكم الجيوش في الميدان وفقا لقوانين وعادات الحرب:

قانون ليبر (Lieber code) 1863:

وهو عبارة عن مجموعة من القواعد الواجب تطبيقها أثناء الحرب الأهلية الأمريكية. وبالرغم من أنها لا تعدو أن تكون مجرد تشريع داخلي، فإنها تناولت العديد من الموضوعات التي تتعلق بإدارة الحرب، مما جعل منها نموذجا تحتذي به العديد من الدول. ويعد قانون ليبر أول محاولة جادة لتقنين قواعد وعادات الحرب، وبصفة خاصة الحرب البرية.

3- اتفاقية جنيف لعام 1864:

دعا مجلس الاتحاد السويسري في أغسطس 1864 لعقد مؤتمر دبلوماسي دولي لبحث سبل تحسين مصير العسكريين الجرحي والمرضي في الميدان، وتمخض هذا المؤتمر عن إبرام اتفاقية دولية تعتبر الأولي من نوعها في شأن تحسين أحوال الجرحي في الجيوش الميدانية. وكان من أهم المبادئ الواردة لها: مبدأ حرمة وصيانة الجنود الجرحي والمرضي، وحماية عربات الإسعاف والمستشفيات العسكرية ضد الهجمات الحربية، والنص علي قواعد مقننة لحماية ضحايا الحروب.

وقد صدقت علي تلك الاتفاقية العديد من الدول، في مقدمتها أقطاب القوي الكبري آنذاك. وبرغم أن اتفاقية جنيف لعام 1864 كانت نقطة البداية لحركة إنسانية واسعة لضحايا الحروب، فإنها ظلت تشكو من نقائصها، فعدلت عدة مرات.

4- إعلان سان بترسبورج عام 1868:

اهتم الإعلان بحظر استخدام الأسلحة التي تسبب آلاما لا مبرر لها، وإقرار أن الهدف المشروع من الحرب وغايته هما إضعاف القوة العسكرية للعدو، وقد تم الانتهاء من صياغة الإعلان في 11 ديسمبر عام 1868.

5- مؤتمر لاهاي الأول للسلام عام 1899:

عقد مؤتمر لاهاي الأول للسلام بناء علي دعوة من قيصر روسيا، لعقد مؤتمر دولي لوضع بعض القواعد التي تحكم الحرب. وأسفر المؤتمر عن توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بقانون الحرب، منها: الاتفاقية الثانية الخاصة بقواعد وعادات الحرب، والاتفاقية الثالثة الخاصة بالحرب البرية، وتم بموجبها مد نطاق تطبيق اتفاقية جنيف لعام 1864 لضحايا الحرب البحرية، فضلا عن ثلاثة تصريحات لتحريم إلقاء المقذوفات من البالونات، وتحريم استخدام المقذوفات التي لا ينتج عنها سوي غازات ضارة، وكذلك تحريم استخدام المقذوفات التي تتفتت داخل الجسم(7).

6- مؤتمر لاهاي الثاني عام 1907:

أسفر مؤتمر لاهاي الثاني عن تبني عدد من الاتفاقيات الدولية، فضلا عن التركيز بصفة خاصة علي تقنين قانون الحرب، بحيث اعتبرت فيما بعد أساسا للنظرية التقليدية في قانون الحرب. أيضا، فقد حلت اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية محل اتفاقية لاهاي لعام 1899.

وقد شكلت قائمة جرائم الحرب الواردة في تلك الاتفاقية أساس محاكمات ليبزج Leipzig، حيث تضمنت المادتين 223و 230 من اتفاقية فرساي – التي قضت بإنشاء المحكمة- ضرورة المحاكمة عن الجرائم المخالفة لقوانين وأعراف الحرب

Acts in violation of the laws and customs of war(10).

7- عهد عصبة الأمم 1920 – 1946:

لم ينص ميثاق عصبة الأمم علي تحريم الحرب بصورة قاطعة وصريحة، بل نص علي حالات معينة تكون الحرب فيها غير مشروعة، كحالة الالتجاء للحرب لفض نزاع ما بدلا من عرض هذا النزاع علي التحكيم أو القضاء أو مجلس العصبة(11)، أو إعلان الحرب علي الدولة التي قبلت قرار التحكيم أو القضاء أو التزمت بقرار المجلس الصادر بالإجماع. كذلك، فقد نص علي أن الدولة التي تشن حربا غير مشروعة، سيوقع عليها الجزاءات الاقتصادية والعسكرية المنصوص عليها في المادة 16.

وعلي الرغم من فشل عصبة الأمم بصفة عامة، فإنه لا يمكن إغفال بعض الاتفاقيات المهمة التي أبرمت خلال قيامها، مثل:

1- بروتوكول جنيف الخاص بتحريم الالتجاء إلي حرب الغازات والحرب البكتريولوجية عام 1925.

2- تنقيح نصوص اتفاقية جنيف لعام 1906، وهي التي حلت محل اتفاقية جنيف لعام 1864، والخاصة بتحسين أحوال الجرحي والمرضي من أفراد الجيوش في الميدان، وأسفر ذلك عن وضع اتفاقيتين، تختص الأولي بتحسين أحوال الجرحي والمرضي من أفراد الجيوش في الميدان، وتتناول الثانية كيفية معاملة أسري الحرب.

8- ميثاق باريس عام 1928:

بغية سد الثغرة الواردة في عهد عصبة الأمم من عدم تجريمها للحرب بصفة قاطعة، قامت الولايات المتحدة وفرنسا بإبرام ميثاق بباريس عام 1928، ليكون بمثابة ميثاق عام للسلام تشترك فيه جميع الدول، ويحرم استخدام الحرب كوسيلة لفض المنازعات. وعرف هذا الميثاق باسم ‘ميثاق بريان كيلوج’ نسبة لوزيري الدولتين صاحبتي الفكرة فيه، وقد انضم للميثاق ما يزيد علي ستين دولة(15).

9- اتفاقيات جنيف لعام 1949:

رغبة في كفالة أكبر قدر من الحماية لضحايا النزاعات المسلحة، تم إبرام أربع اتفاقيات لحماية ضحايا الحرب عام 1949(16). وقد ورد بتلك الاتفاقيات تعداد لبعض جرائم الحرب، التي تلتزم الدول الأطراف بالمعاقبة عليها، وهي:

1- جرائم منصوص عليها في الاتفاقيات الأربع:

– القتل العمد، التعذيب، التجارب البيولوجية، إحداث آلام كبري مقصودة، الاعتداءات الخطيرة ضد السلامة الجسدية والصحية، المعاملة غير الإنسانية.

2- جرائم منصوص عليها في الاتفاقيات الأولي والثانية والثالثة:

– تخريب الأموال والاستيلاء عليها بصورة لا تبررها الضرورات العسكرية، والتي تنفذ علي نطاق واسع غير مشروع وتعسفي.

3- جرائم وردت في الاتفاقيتين الثالثة والرابعة:

– إكراه شخص علي الخدمة في القوات العسكرية لدولة العدو، حرمان شخص محمي من حقه في محاكمة قانونية وحيادية، حسبما تفرضه الاتفاقيات الدولية، إبعاد الأشخاص ونقلهم من أماكن وجودهم بصورة غير مشروعة، الاعتقال غير المشروع، أخذ الرهائن.

4- جريمة وردت في الاتفاقيتين الأولي والثانية:

– سوء استخدام علم الصليب الأحمر أو شارته، والأعلام المماثلة.

وقد طورت اتفاقيات جنيف مفهوم جرائم الحرب الوارد في ميثاق نورمبرج، الذي عرف جرائم الحرب كالتالي: إن مخالفة قوانين وأعراف الحرب تشمل – ليس علي سبيل الحصر- القتل، المعاملة السيئة، ترحيل السكان المدنيين للعمل كعبيد أو لأي غرض آخر، ويشمل في الأرض المحتلة القتل، سوء معاملة الأسري، قتل الرهائن، نهب الممتلكات العامة أو الخاصة، التدمير العشوائي للمدن والقري، التدمير الذي لا تبرره الضروره الحربية.

10- بروتوكولا جنيف الملحقان لعام 1977:

نتيجة العديد من توصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكثر من مناسبة، لضرورة وضع قواعد جديدة لتأمين حماية أفضل للمدنيين والأسري والمقاتلين في النزاعات المسلحة قاطبة، قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوضع مشروعي بروتوكولين تكميليين لاتفاقيات جنيف، تم عرضهما علي المؤتمر الدبلوماسي الخاص بتطوير القانون الدولي الإنساني، والمعقود بجنيف، بناء علي دعوة حكومة الاتحاد الفيدرالي السويسري. وعقد المؤتمر أربع دورات متعاقبة خلال أعوام 1974، و1975، و1976، و1977، حتي تم توقيع البروتوكولين في 10 يونيو عام 7791.

ويتعلق البروتوكول الأول بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية. أما الثاني، فيتصل بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية. وفي أثناء التصديق علي البروتوكول الثاني، كان الخيار للدول بين التصديق، وبالتالي الاعتراف بالمسئولية عن جرائم الحرب في النزاعات المسلحة غير الدولية، وبين عدم التصديق فتعترف بالمسئولية عن جرائم الحرب في النزاعات المسلحة الدولية فقط.

وبصفة عامة، فإن الفترة الممتدة، منذ بدايات تقنين جريمة الحرب وحتي بروتوكولي جنيف الملحقين، لم تشهد تقنينا شاملا لجرائم الحرب، أوحماية لكافة الضحايا، فقد اقتصرت علي تقنين أشد جرائم الحرب قسوة وبشاعة، وعلي حماية الضحايا من المدنيين أو غير المقاتلين فقط.

11- المحاكم الجنائية الدولية الخاصة Ad Hoc Tribunals:

عند وضع تعريف جرائم الحرب بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في مايو 1993، لم يكن هناك من سوابق سوي ‘قانون جنيف’ Geneva Law الذي يشمل الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1948 ويتضمن حماية ضحايا النزاعات المسلحة، و’قانون لاهاي’ Hague Law الذي اعتمد عليه ميثاق نورمبرج، ويتضمن طرق ووسائل الحرب، وبالتالي فقد شملت المادة الثانية الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف grave breaches، في حين شملت المادة الثالثة انتهاكات قوانين وأعراف الحرب كما هي معرفة في قانون لاهاي.

وبهذه المناسبة، فقد أكد السكرتير العام للأمم المتحدة آنذاك أن النظام الأساسي لن يبتكر جديدا، وإنما سيتقيد بالجرائم المعترف بها بصفة عامة في القانون الدولي العرفي. وعليه، فلم يكن هناك احتمال بإمكانية إقرار المسئولية عن جرائم الحرب في النزاعات المسلحة غير الدولية. وبعد ذلك بعام، تم تبني النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية برواندا، وقد إعترف مجلس الأمن خلاله بإقرار المسئولية الدولية عن جرائم الحرب المرتكبة في المنازعات المسلحة غير الدولية، الأمر الذي حدا بغرفة الإستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلي إعلان قراءة جديدة لطائفتي جرائم الحرب الواردة بالمادتين الثانية والثالثة من نظامها الأساسي في قضية Tadic، مؤكدة حقيقة أن المسئولية الدولية عن انتهاكات قوانين وأعراف الحرب تشمل الأفعال المرتكبة خلال النزاعات المسلحة غير الدولية أيضا.
——————

* مدرس بقسم القانون الدولي العام بكلية الحقوق، جامعة بنها.

آسيا وملامح نظام عالمي جديد ..تقديم

كاتب الموضوع الأصلي: فهد مهدي القحطاني-

آسيا وملامح نظام عالمي جديد ..تقديم
كارن أبو الخير *

ليست الأزمة الأخيرة بين كوريا الشمالية والجنوبية هي الوحيدة المرشحة للانفجار في إقليم شرق آسيا في السنوات القليلة القادمة، فهذه المنطقة، بل وآسيا عموما، أصبحت مسرحا رئيسيا لتفاعلات القوة في القرن الحادي والعشرين. يقع ذلك في إطار انتقال حقيقي وملموس لمقادير القوة الاقتصادية من الدول الصناعية الغنية في الغرب، إلي الاقتصادات الصاعدة في آسيا، بما لذلك من تداعيات استراتيجية وجيوسياسية علي منطقة تعاني أصلا خلافات ومنافسات وصراعات تاريخية، خلفت جروحا عميقة علي شعوب العديد من دول المنطقة.

الصعود الآسيوي :

‘بينما نقف علي أعتاب العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، نجد أنفسنا في إحدي اللحظات التاريخية النادرة التي تتبدي فيها التحولات الكبري للقوة بشكل واضح للعيان.. بما يضمن أن العالم، بنهاية العقد القادم، سوف يكون مختلفا بصورة جذرية عما كان عليه في القرن الماضي'(1).

وقد أفاض المحللون، خاصة الاقتصاديين منهم، في وصف معالم انتقال القوة الاقتصادية إلي آسيا، من رصد آلاف الآسيويين الذين استطاعوا تخطي خط الفقر، إلي حجم الإنفاق الضخم علي مشروعات البنية التحتية (الأكبر في العالم)، إلي معدلات النمو العالية التي لم تتأثر بالأزمة العالمية.

وليس هذا التحول الكبير وليد اللحظة بالطبع، فقد رصده مبكرا المؤرخ بول كينيدي، الذي تنبأ بتحول القوة الاقتصادية إلي منطقة الباسيفيكي، وأشار في كتابه ‘صعود وهبوط القوي العظمي’ إلي أن مجمل الناتج القومي للدول الآسيوية الباسيفيكية، والذي كان في 1960 يمثل 7.8% من مجمل الانتاج العالمي، قد ارتفع إلي 16.4% من هذا الإنتاج بحلول عام 1982(2).

كما التفت المحلل الاقتصادي، ورئيس التحرير السابق لمجلة الإيكونوميست البريطانية، بيل إيموت، إلي محورية الصعود الاقتصادي الآسيوي في كتابه ‘المتنافسون'(3)، مشيرا إلي أن آسيا قد أصبحت بكل المقاييس أكثر غني وقوة وأهمية، حيث يعيش في هذه القارة أكثر من نصف سكان العالم، وبها 6 من أكبر 10 دول فيه. وقد تضاعف دخل الفرد في آسيا ككل سبع مرات، بحسب إيموت، ما بين أعوام 1950 و5002. ويعد هذا إنجازا حقيقيا، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن بريطانيا العظمي لم تنجح في مجرد مضاعفة دخل الفرد فيها بعد مرور ستين عاما علي اندلاع ثورتها الصناعية عام 0871. أما الولايات المتحدة، فلم تنجح في مضاعفة دخل الفرد فيها إلا بعد خمسين عاما من انطلاقتها الاقتصادية عام 0481. وبالمقارنة، فقد نجحت كل من كوريا الجنوبية وتايوان والصين في مضاعفة دخل الفرد في العقد التالي مباشرة لانطلاقها الاقتصادي، ثم ضاعفته مرة أخري، وبسرعة أكبر، في العقد الذي تلاه.

كان الصعود الصيني في قلب هذه الانطلاقة الاقتصادية لآسيا. لقد كان نصيب الصين وحدها من إجمالي الناتج العالمي في عام 1980 يقدر بنحو 2%، ثم صعد إلي 7.6% في عام 2001، ومن المتوقع أن يشكل 16.9% من إجمالي الناتج العالمي بحلول عام 5102.

بلغت صادرات الصين عام 2000 نحو 249 مليار دولار، ارتفعت إلي 585 مليار دولار في عام 2004، وقدرت قيمتها لعام 2010 بنحو 1.274 مليار دولار.

وقد جاءت الأزمة المالية العالمية في 2008 لتكرس هذا التحول في القوة الاقتصادية إلي آسيا. فرغم أن الاقتصادات الصناعية ‘المتقدمة’ ككل عانت الانكماش وانخفاض إجمالي الناتج القومي بنحو 3.5% نتيجة للأزمة، فقد واصلت الاقتصادات الآسيوية، خاصة الصين والهند، نموها. تجاوزت نسبة النمو الاقتصادي للصين 8% في عام 2009، بينما كان معدل نمو الاقتصاد في الهند نحو 6%. وتشير الدلائل إلي تواصل نمو هذه الاقتصادات، وإلي أن نسبة نمو الاقتصاد الصيني تبلغ، خلال عام 2010، 9% علي الأقل(4).

وبينما لا تشغل الصين سوي المرتبة الثانية، كأكبر اقتصاد في العالم، فهي تعد لاعبا رئيسيا في العديد من النواحي. فلديها أكبر احتياطي نقدي في العالم، وهي أكبر مصدر في العالم، وأكبر منتج للصلب، والغازات الدفيئة أيضا، بالإضافة إلي كونها أكبر سوق للسيارات في العالم، وأكبر شريك تجاري حاليا للاقتصادات الصاعدة الأخري، مثل الهند والبرازيل.

عالم جديد من المنافسة :

خلقت هذه التحولات الاقتصادية، بالإضافة إلي تداعيات الأزمة المالية العالمية، بيئة جديدة تتسم بالتنافس الشديد علي المستوي العالمي بين الدول الصناعية المتقدمة والقوي الآسيوية الصاعدة، وعلي المستوي الإقليمي الآسيوي أيضا.

وقد قدم المحلل الاقتصادي الشهير، جيديون رخمان، في كتابه الصادر حديثا ‘عالم المعادلة الصفرية’ رؤية مفادها أن النظام العالمي قد دخل بعد الأزمة المالية مرحلة تتسم بالتغير الجوهري وعدم الاستقرار الخطير. فبعد أن اعتمدت الدول الكبري لمدة ثلاثين عاما ‘العولمة’، بوصفها نظاما اقتصاديا نجح في رفع مستويات المعيشة لأعداد كبيرة من البشر في مختلف أنحاء العالم، وخلق مناخا من التعاون والمصالح المشتركة بينها، مما دعم استقرار النظام العالمي، جاءت الأزمة العالمية لتضع حدا لكل ذلك. فلم يعد من المسلم به أن عملية العولمة تصب في مصالح القوي الكبري، ولم تعد الولايات المتحدة تقود النظام العالمي بلا منافس(5). لقد حل التنافس والنزاع محل التعاون، وأصبح منطق ‘المعادلات الصفرية’ هو الذي يسود العلاقات الدولية. لقد أصبح الصعود الآسيوي مرتبطا بفقدان أعداد كبيرة من الأمريكيين العاديين لوظائفهم، كما أصبحت المشاكل الاقتصادية التي تواجه دولا أوروبية عديدة تهدد الوحدة الأوروبية والعملة الأوروبية. وبذلك، فإن التقدم الذي أحرزته آسيا كان علي حساب الولايات المتحدة وأوروبا، وأصبح صعود الصين الاقتصادي يضغط بشكل واضح علي علاقاتها إقليميا ودوليا- مع الولايات المتحدة.

وعلي المستوي الآسيوي الإقليمي، لم يتحقق النمو الاقتصادي بشكل سلس ومتساو لجميع الأطراف. فقد أزاح الصعود الصيني اليابان إلي مرتبة الاقتصاد الثالث في العالم، كما أن الهند، التي تري نفسها ندا للصين، لم تحقق القدر نفسه من النمو. وبسبب حجم الصين الضخم، والاختلاف الكبير في القوة والتقدم بينها وبين جيرانها، يثير النمو الصيني لدي الدول الآسيوية الأصغر حجما، بشكل خاص، قدرا من التوجس.

من ناحية أخري، فليس للدول الآسيوية تجربة تاريخية في احتواء تنافس ثلاث قوي صاعدة في وقت واحد: الصين واليابان والهند، كما كان للدول الأوروبية في القرن التاسع عشر. ويزيد نشاط روسيا والولايات المتحدة -كلاعبين أساسيين في المنطقة- من حدة هذا التنافس أيضا. وحسبما وصف زبيجنيو بريجنسكي التفاعلات الآسيوية في كتابه ‘الاختيار'(6)، فإن إقليم شرق آسيا قد يبدو مستقرا علي السطح، ولكنه قد يتداعي إلي سلسلة متصاعدة من الصراعات المدمرة، إذا تعرض لصدمة حادة ومفاجئة. فليس هناك نظام للأمن الإقليمي يقوم علي الاتفاق المشترك بين الأطراف الإقليمية، خاصة في إطار العداء التاريخي بين اليابان والصين. كما أن الصراعات التاريخية خلفت آثارا شديدة العمق والمرارة، لا تزال حية ومحسوسة بين شعوب المنطقة. يضاف إلي ذلك تعدد بؤر الصراع وعدم الاستقرار في شرق آسيا، حيث يستمر انقسام شبه القارة الكورية، والتنازع علي القيادة الإقليمية بين اليابان، المدعومة من الولايات المتحدة والصين، والخلاف حول مستقبل تايوان، والمشاكل الداخلية في إندونيسيا. وهناك بوادر منافسة حقيقية بين الهند والصين، لخصها أحد المسئولين الهنود بقوله:’إن كلا من الصين والهند تري أن المستقبل في آسيا لها، ولا يمكن أن تكون الاثنتان علي حق’.

وينعكس التنافس والتوتر في المنطقة علي ارتفاع معدلات التسلح فيها بشكل واضح، وامتداد التنافس بين اليابان والصين والهند بشكل خاص من مجال السيطرة علي البحار، إلي السيطرة علي الفضاء الخارجي.

الضغوط الدولية علي العلاقات الإقليمية :

بحسب منطق نظرية تحول القوة (Power Transition) فإن القوي الإقليمية الصاعدة، والقوي العالمية التي في طريقها للانحسار، قد تندلع بينهما مواجهات في المناطق الجغرافية الاستراتيجية التي تتقابل وتتقاطع فيها مصالحها. ولذلك، فإن آسيا، خاصة منطقة شرق آسيا، مرشحة بقوة لتكون مسرحا لمواجهة محتملة بين الولايات المتحدة والصين(7). وهي مواجهة ليست في مصلحة أي من الطرفين، ولا ترغب فيها أو تسعي إليها الصين. ولأن عبء التعامل مع مراحل التحول التاريخي يقع بشكل أكبر علي القوة المهيمنة، وهي في هذه الحالة الولايات المتحدة، فإن حدوث مثل هذه المواجهة يشكل هاجسا بالنسبة للعديد من خبراء السياسة الخارجية الأمريكية، الذين لا يرون أن الصراع بين الولايات المتحدة والصين يصب في مصلحة الأولي. وقد أشارت سوزان شيرك في كتابها ‘الصين قوة عالمية هشة'(8) إلي هذه القضية وكيفية تفادي الولايات المتحدة لمثل هذا الصدام. حذرت شيرك من أن هناك وجهين للسياسة الخارجية الصينية: الوجه المتعقل المسئول الذي يسعي لتفادي الصدام، ووجه آخر أكثر انفلاتا وعصبية، و ‘عاطفية’، يظهر عندما تندلع أزمة تتعلق بقضايا حساسة مثل اليابان أو تايوان. حيث يشعر القادة الصينيون بأن عليهم إظهار قوتهم والدفاع عن كرامتهم الوطنية وكرامة شعوبهم. في مثل هذه الحالات، قد يتخلي القادة الصينيون عن حذرهم، ويتصرفون بطريقة غير محسوبة تزيد الأزمات اشتعالا. ولذلك يجب علي المسئولين الأمريكيين تفادي إثارة مثل هذه المشاعر.

وفي إطار الأزمة الكورية الأخيرة، أدلي زبيجنيو بريجنسكي بدلوه أيضا، موجها النصائح لإدارة أوباما في كيفية التعاطي مع الصين لتفادي تصعيد الأزمة(9). أشار بريجنسكي إلي أن هناك اختلافا في المنظور التاريخي لكل من الصين والولايات المتحدة يؤثر في رؤيتهما للأزمة. فالصين، التي تري أن التطور التاريخي يصب في مصلحتها، يتزايد عندها الإحساس بالثقة والقوة، كما تقل رغبتها في اتخاذ أي خطوات قد تؤدي إلي ‘هز القارب’، أي تهديد الأوضاع التي تراها مواتية لها. أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها في موقع مختلف تماما، حيث يسود النقاش حول تراجع قوتها، كما تعاني أعباءها الخارجية المتعددة، ولذلك فهي مهتمة بحشد الجهود لاتخاذ عمل جماعي للتعامل مع الأزمة، وتشعر بالإحباط حين يرفض الآخرون ‘مشاطرتها أعباءها الجسيمة’. في مثل هذه الظروف، يمكن أن يفضل الصينيون عدم اتخاذ أي إجراءات حاسمة تجاه كوريا الشمالية، مما لن يؤدي إلا إلي المزيد من الأعمال الاستفزازية من جانبها، وبالتالي فيمكن أن يدفع ذلك الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات تراها الصين خطيرة ومبالغا فيها.

ينصح الدبلوماسي الأمريكي المخضرم الرئيس الأمريكي أوباما بأخذ زمام المبادرة، والاتصال بزعماء الصين واليابان وروسيا، مع تفادي اتخاذ لهجة عدائية أو إملائية، خاصة مع الصين. فإثارة المشاعر العدائية علي المستوي الجماهيري ستزيد من تعقيد الأزمة، وقد تدفعها إلي تصعيد خارج السيطرة.

ويجب عدم إغفال الضغوط المتزايدة التي تضعها تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية علي العلاقات الأمريكية – الصينية. فيشير أستاذ العلاقات الدولية آرون فريدبرج(10) إلي أن هذه الأزمة وضعت نهاية للفترة التي كانت فيها العلاقات التجارية بين البلدين تمثل عامل استقرار، ودشنت بداية فترة جديدة، تصبح فيها مصدرا لتوتر ونزاع متصاعد.

لقد أصبحت معدلات البطالة العالية تضع ضغوطا داخلية كبيرة علي الرئيس أوباما ‘ليفعل شيئا بخصوص الصين’. كما أصبح العديد من السياسيين الأمريكيين يستخدمها – كما ظهر في الحملة الانتخابية الأخيرة – يستخدم الصين ‘كبش فداء’ لتبرير مشاكل الاقتصاد الأمريكي. ويقوي رفض الصين المستمر تحرير سعر صرف عملتها من الاتجاه الأمريكي لاتخاذ إجراءات حمائية ضدها، وفرض تعريفات جمركية علي واردات الولايات المتحدة من الصين. كل ذلك قد يدفع إلي اندلاع ما يسمي ‘حربا تجارية’ بين الطرفين، والتي يراها البعض ‘أكبر خطر يهدد الاستقرار العالمي في السنوات القليلة القادمة’.

المسرح في شرق آسيا يبدو معدا في ظل هذه الظروف لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الولايات المتحدة أو أحد ‘حلفائها’ الإقليميين وبين الصين. الصين من جانبها تعمل جاهدة علي احتواء خلافاتها الإقليمية، وتدعيم علاقاتها الاقتصادية مع جيرانها، تحقيقا لسياسة ‘الصعود السلمي’. ولكن مسار الأمور لا تحكمه السياسات الصينية وحدها، بل أيضا تصرفات منافسيها من الدول الآسيوية، والمحاولات الأمريكية لحشد الدعم الإقليمي ضد الصين والضغط عليها لتحقيق أهداف أمريكية اقتصادية واستراتيجية. ويبقي في النهاية الإشارة إلي مقال حديث كتبه المؤرخ المشهور بول كيندي(11)، يشير فيه إلي ضرورة إعادة النظر في المعاني السلبية التي تستدعيها سياسة ‘الاسترضاء’، (Appeasement)، والتي اكتسبت شهرتها من ملابسات محاولة القوي الأوروبية تفادي الدخول في حرب مع ألمانيا بقيادة هتلر في القرن الماضي، عن طريق تقديم تنازلات أو إرضاءات له. ي-ذكر كيندي أن هذه الفكرة لم تكن دائما تحمل دلالات سلبية، فقد قدمت الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر ‘استرضاءات’ أو تنازلات للولايات المتحدة نفسها، مثل تنازلها عن حقوقها في ملكية 50% من قناة بنما، وتنازلات بشأن ترسيم الحدود بين ألاسكا وكندا، وذلك رغم أنها كانت لا تزال القوة البحرية الأولي عالميا. ومهدت هذه التنازلات فيما بعد لتحول سلمي للقوة من بريطانيا إلي الولايات المتحدة، كما وضع أساس علاقة قوية سمحت للولايات المتحدة بمناصرة بريطانيا في حربين عالميتين في القرن العشرين.

لذلك، قد يكون من المناسب للولايات المتحدة، من وجهة نظر كينيدي التفكير في تقديم تنازلات، تحت شعار ‘التعاون’ و’المشاركة في المسئولية’، في علاقاتها مع الصين. فلن يقلل ذلك، في نظره، من مكانة الولايات المتحدة، بل سيساعدها علي تخفيف حدة التراجع في قوتها، أو انحدارها، والذي يري كيندي أنه لا يزال بعيدا.

آسيا وملامح نظام عالمي جديد ..تقديم

كاتب الموضوع الأصلي: فهد مهدي القحطاني-

آسيا وملامح نظام عالمي جديد ..تقديم
كارن أبو الخير *

ليست الأزمة الأخيرة بين كوريا الشمالية والجنوبية هي الوحيدة المرشحة للانفجار في إقليم شرق آسيا في السنوات القليلة القادمة، فهذه المنطقة، بل وآسيا عموما، أصبحت مسرحا رئيسيا لتفاعلات القوة في القرن الحادي والعشرين. يقع ذلك في إطار انتقال حقيقي وملموس لمقادير القوة الاقتصادية من الدول الصناعية الغنية في الغرب، إلي الاقتصادات الصاعدة في آسيا، بما لذلك من تداعيات استراتيجية وجيوسياسية علي منطقة تعاني أصلا خلافات ومنافسات وصراعات تاريخية، خلفت جروحا عميقة علي شعوب العديد من دول المنطقة.

الصعود الآسيوي :

‘بينما نقف علي أعتاب العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، نجد أنفسنا في إحدي اللحظات التاريخية النادرة التي تتبدي فيها التحولات الكبري للقوة بشكل واضح للعيان.. بما يضمن أن العالم، بنهاية العقد القادم، سوف يكون مختلفا بصورة جذرية عما كان عليه في القرن الماضي'(1).

وقد أفاض المحللون، خاصة الاقتصاديين منهم، في وصف معالم انتقال القوة الاقتصادية إلي آسيا، من رصد آلاف الآسيويين الذين استطاعوا تخطي خط الفقر، إلي حجم الإنفاق الضخم علي مشروعات البنية التحتية (الأكبر في العالم)، إلي معدلات النمو العالية التي لم تتأثر بالأزمة العالمية.

وليس هذا التحول الكبير وليد اللحظة بالطبع، فقد رصده مبكرا المؤرخ بول كينيدي، الذي تنبأ بتحول القوة الاقتصادية إلي منطقة الباسيفيكي، وأشار في كتابه ‘صعود وهبوط القوي العظمي’ إلي أن مجمل الناتج القومي للدول الآسيوية الباسيفيكية، والذي كان في 1960 يمثل 7.8% من مجمل الانتاج العالمي، قد ارتفع إلي 16.4% من هذا الإنتاج بحلول عام 1982(2).

كما التفت المحلل الاقتصادي، ورئيس التحرير السابق لمجلة الإيكونوميست البريطانية، بيل إيموت، إلي محورية الصعود الاقتصادي الآسيوي في كتابه ‘المتنافسون'(3)، مشيرا إلي أن آسيا قد أصبحت بكل المقاييس أكثر غني وقوة وأهمية، حيث يعيش في هذه القارة أكثر من نصف سكان العالم، وبها 6 من أكبر 10 دول فيه. وقد تضاعف دخل الفرد في آسيا ككل سبع مرات، بحسب إيموت، ما بين أعوام 1950 و5002. ويعد هذا إنجازا حقيقيا، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن بريطانيا العظمي لم تنجح في مجرد مضاعفة دخل الفرد فيها بعد مرور ستين عاما علي اندلاع ثورتها الصناعية عام 0871. أما الولايات المتحدة، فلم تنجح في مضاعفة دخل الفرد فيها إلا بعد خمسين عاما من انطلاقتها الاقتصادية عام 0481. وبالمقارنة، فقد نجحت كل من كوريا الجنوبية وتايوان والصين في مضاعفة دخل الفرد في العقد التالي مباشرة لانطلاقها الاقتصادي، ثم ضاعفته مرة أخري، وبسرعة أكبر، في العقد الذي تلاه.

كان الصعود الصيني في قلب هذه الانطلاقة الاقتصادية لآسيا. لقد كان نصيب الصين وحدها من إجمالي الناتج العالمي في عام 1980 يقدر بنحو 2%، ثم صعد إلي 7.6% في عام 2001، ومن المتوقع أن يشكل 16.9% من إجمالي الناتج العالمي بحلول عام 5102.

بلغت صادرات الصين عام 2000 نحو 249 مليار دولار، ارتفعت إلي 585 مليار دولار في عام 2004، وقدرت قيمتها لعام 2010 بنحو 1.274 مليار دولار.

وقد جاءت الأزمة المالية العالمية في 2008 لتكرس هذا التحول في القوة الاقتصادية إلي آسيا. فرغم أن الاقتصادات الصناعية ‘المتقدمة’ ككل عانت الانكماش وانخفاض إجمالي الناتج القومي بنحو 3.5% نتيجة للأزمة، فقد واصلت الاقتصادات الآسيوية، خاصة الصين والهند، نموها. تجاوزت نسبة النمو الاقتصادي للصين 8% في عام 2009، بينما كان معدل نمو الاقتصاد في الهند نحو 6%. وتشير الدلائل إلي تواصل نمو هذه الاقتصادات، وإلي أن نسبة نمو الاقتصاد الصيني تبلغ، خلال عام 2010، 9% علي الأقل(4).

وبينما لا تشغل الصين سوي المرتبة الثانية، كأكبر اقتصاد في العالم، فهي تعد لاعبا رئيسيا في العديد من النواحي. فلديها أكبر احتياطي نقدي في العالم، وهي أكبر مصدر في العالم، وأكبر منتج للصلب، والغازات الدفيئة أيضا، بالإضافة إلي كونها أكبر سوق للسيارات في العالم، وأكبر شريك تجاري حاليا للاقتصادات الصاعدة الأخري، مثل الهند والبرازيل.

عالم جديد من المنافسة :

خلقت هذه التحولات الاقتصادية، بالإضافة إلي تداعيات الأزمة المالية العالمية، بيئة جديدة تتسم بالتنافس الشديد علي المستوي العالمي بين الدول الصناعية المتقدمة والقوي الآسيوية الصاعدة، وعلي المستوي الإقليمي الآسيوي أيضا.

وقد قدم المحلل الاقتصادي الشهير، جيديون رخمان، في كتابه الصادر حديثا ‘عالم المعادلة الصفرية’ رؤية مفادها أن النظام العالمي قد دخل بعد الأزمة المالية مرحلة تتسم بالتغير الجوهري وعدم الاستقرار الخطير. فبعد أن اعتمدت الدول الكبري لمدة ثلاثين عاما ‘العولمة’، بوصفها نظاما اقتصاديا نجح في رفع مستويات المعيشة لأعداد كبيرة من البشر في مختلف أنحاء العالم، وخلق مناخا من التعاون والمصالح المشتركة بينها، مما دعم استقرار النظام العالمي، جاءت الأزمة العالمية لتضع حدا لكل ذلك. فلم يعد من المسلم به أن عملية العولمة تصب في مصالح القوي الكبري، ولم تعد الولايات المتحدة تقود النظام العالمي بلا منافس(5). لقد حل التنافس والنزاع محل التعاون، وأصبح منطق ‘المعادلات الصفرية’ هو الذي يسود العلاقات الدولية. لقد أصبح الصعود الآسيوي مرتبطا بفقدان أعداد كبيرة من الأمريكيين العاديين لوظائفهم، كما أصبحت المشاكل الاقتصادية التي تواجه دولا أوروبية عديدة تهدد الوحدة الأوروبية والعملة الأوروبية. وبذلك، فإن التقدم الذي أحرزته آسيا كان علي حساب الولايات المتحدة وأوروبا، وأصبح صعود الصين الاقتصادي يضغط بشكل واضح علي علاقاتها إقليميا ودوليا- مع الولايات المتحدة.

وعلي المستوي الآسيوي الإقليمي، لم يتحقق النمو الاقتصادي بشكل سلس ومتساو لجميع الأطراف. فقد أزاح الصعود الصيني اليابان إلي مرتبة الاقتصاد الثالث في العالم، كما أن الهند، التي تري نفسها ندا للصين، لم تحقق القدر نفسه من النمو. وبسبب حجم الصين الضخم، والاختلاف الكبير في القوة والتقدم بينها وبين جيرانها، يثير النمو الصيني لدي الدول الآسيوية الأصغر حجما، بشكل خاص، قدرا من التوجس.

من ناحية أخري، فليس للدول الآسيوية تجربة تاريخية في احتواء تنافس ثلاث قوي صاعدة في وقت واحد: الصين واليابان والهند، كما كان للدول الأوروبية في القرن التاسع عشر. ويزيد نشاط روسيا والولايات المتحدة -كلاعبين أساسيين في المنطقة- من حدة هذا التنافس أيضا. وحسبما وصف زبيجنيو بريجنسكي التفاعلات الآسيوية في كتابه ‘الاختيار'(6)، فإن إقليم شرق آسيا قد يبدو مستقرا علي السطح، ولكنه قد يتداعي إلي سلسلة متصاعدة من الصراعات المدمرة، إذا تعرض لصدمة حادة ومفاجئة. فليس هناك نظام للأمن الإقليمي يقوم علي الاتفاق المشترك بين الأطراف الإقليمية، خاصة في إطار العداء التاريخي بين اليابان والصين. كما أن الصراعات التاريخية خلفت آثارا شديدة العمق والمرارة، لا تزال حية ومحسوسة بين شعوب المنطقة. يضاف إلي ذلك تعدد بؤر الصراع وعدم الاستقرار في شرق آسيا، حيث يستمر انقسام شبه القارة الكورية، والتنازع علي القيادة الإقليمية بين اليابان، المدعومة من الولايات المتحدة والصين، والخلاف حول مستقبل تايوان، والمشاكل الداخلية في إندونيسيا. وهناك بوادر منافسة حقيقية بين الهند والصين، لخصها أحد المسئولين الهنود بقوله:’إن كلا من الصين والهند تري أن المستقبل في آسيا لها، ولا يمكن أن تكون الاثنتان علي حق’.

وينعكس التنافس والتوتر في المنطقة علي ارتفاع معدلات التسلح فيها بشكل واضح، وامتداد التنافس بين اليابان والصين والهند بشكل خاص من مجال السيطرة علي البحار، إلي السيطرة علي الفضاء الخارجي.

الضغوط الدولية علي العلاقات الإقليمية :

بحسب منطق نظرية تحول القوة (Power Transition) فإن القوي الإقليمية الصاعدة، والقوي العالمية التي في طريقها للانحسار، قد تندلع بينهما مواجهات في المناطق الجغرافية الاستراتيجية التي تتقابل وتتقاطع فيها مصالحها. ولذلك، فإن آسيا، خاصة منطقة شرق آسيا، مرشحة بقوة لتكون مسرحا لمواجهة محتملة بين الولايات المتحدة والصين(7). وهي مواجهة ليست في مصلحة أي من الطرفين، ولا ترغب فيها أو تسعي إليها الصين. ولأن عبء التعامل مع مراحل التحول التاريخي يقع بشكل أكبر علي القوة المهيمنة، وهي في هذه الحالة الولايات المتحدة، فإن حدوث مثل هذه المواجهة يشكل هاجسا بالنسبة للعديد من خبراء السياسة الخارجية الأمريكية، الذين لا يرون أن الصراع بين الولايات المتحدة والصين يصب في مصلحة الأولي. وقد أشارت سوزان شيرك في كتابها ‘الصين قوة عالمية هشة'(8) إلي هذه القضية وكيفية تفادي الولايات المتحدة لمثل هذا الصدام. حذرت شيرك من أن هناك وجهين للسياسة الخارجية الصينية: الوجه المتعقل المسئول الذي يسعي لتفادي الصدام، ووجه آخر أكثر انفلاتا وعصبية، و ‘عاطفية’، يظهر عندما تندلع أزمة تتعلق بقضايا حساسة مثل اليابان أو تايوان. حيث يشعر القادة الصينيون بأن عليهم إظهار قوتهم والدفاع عن كرامتهم الوطنية وكرامة شعوبهم. في مثل هذه الحالات، قد يتخلي القادة الصينيون عن حذرهم، ويتصرفون بطريقة غير محسوبة تزيد الأزمات اشتعالا. ولذلك يجب علي المسئولين الأمريكيين تفادي إثارة مثل هذه المشاعر.

وفي إطار الأزمة الكورية الأخيرة، أدلي زبيجنيو بريجنسكي بدلوه أيضا، موجها النصائح لإدارة أوباما في كيفية التعاطي مع الصين لتفادي تصعيد الأزمة(9). أشار بريجنسكي إلي أن هناك اختلافا في المنظور التاريخي لكل من الصين والولايات المتحدة يؤثر في رؤيتهما للأزمة. فالصين، التي تري أن التطور التاريخي يصب في مصلحتها، يتزايد عندها الإحساس بالثقة والقوة، كما تقل رغبتها في اتخاذ أي خطوات قد تؤدي إلي ‘هز القارب’، أي تهديد الأوضاع التي تراها مواتية لها. أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها في موقع مختلف تماما، حيث يسود النقاش حول تراجع قوتها، كما تعاني أعباءها الخارجية المتعددة، ولذلك فهي مهتمة بحشد الجهود لاتخاذ عمل جماعي للتعامل مع الأزمة، وتشعر بالإحباط حين يرفض الآخرون ‘مشاطرتها أعباءها الجسيمة’. في مثل هذه الظروف، يمكن أن يفضل الصينيون عدم اتخاذ أي إجراءات حاسمة تجاه كوريا الشمالية، مما لن يؤدي إلا إلي المزيد من الأعمال الاستفزازية من جانبها، وبالتالي فيمكن أن يدفع ذلك الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات تراها الصين خطيرة ومبالغا فيها.

ينصح الدبلوماسي الأمريكي المخضرم الرئيس الأمريكي أوباما بأخذ زمام المبادرة، والاتصال بزعماء الصين واليابان وروسيا، مع تفادي اتخاذ لهجة عدائية أو إملائية، خاصة مع الصين. فإثارة المشاعر العدائية علي المستوي الجماهيري ستزيد من تعقيد الأزمة، وقد تدفعها إلي تصعيد خارج السيطرة.

ويجب عدم إغفال الضغوط المتزايدة التي تضعها تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية علي العلاقات الأمريكية – الصينية. فيشير أستاذ العلاقات الدولية آرون فريدبرج(10) إلي أن هذه الأزمة وضعت نهاية للفترة التي كانت فيها العلاقات التجارية بين البلدين تمثل عامل استقرار، ودشنت بداية فترة جديدة، تصبح فيها مصدرا لتوتر ونزاع متصاعد.

لقد أصبحت معدلات البطالة العالية تضع ضغوطا داخلية كبيرة علي الرئيس أوباما ‘ليفعل شيئا بخصوص الصين’. كما أصبح العديد من السياسيين الأمريكيين يستخدمها – كما ظهر في الحملة الانتخابية الأخيرة – يستخدم الصين ‘كبش فداء’ لتبرير مشاكل الاقتصاد الأمريكي. ويقوي رفض الصين المستمر تحرير سعر صرف عملتها من الاتجاه الأمريكي لاتخاذ إجراءات حمائية ضدها، وفرض تعريفات جمركية علي واردات الولايات المتحدة من الصين. كل ذلك قد يدفع إلي اندلاع ما يسمي ‘حربا تجارية’ بين الطرفين، والتي يراها البعض ‘أكبر خطر يهدد الاستقرار العالمي في السنوات القليلة القادمة’.

المسرح في شرق آسيا يبدو معدا في ظل هذه الظروف لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الولايات المتحدة أو أحد ‘حلفائها’ الإقليميين وبين الصين. الصين من جانبها تعمل جاهدة علي احتواء خلافاتها الإقليمية، وتدعيم علاقاتها الاقتصادية مع جيرانها، تحقيقا لسياسة ‘الصعود السلمي’. ولكن مسار الأمور لا تحكمه السياسات الصينية وحدها، بل أيضا تصرفات منافسيها من الدول الآسيوية، والمحاولات الأمريكية لحشد الدعم الإقليمي ضد الصين والضغط عليها لتحقيق أهداف أمريكية اقتصادية واستراتيجية. ويبقي في النهاية الإشارة إلي مقال حديث كتبه المؤرخ المشهور بول كيندي(11)، يشير فيه إلي ضرورة إعادة النظر في المعاني السلبية التي تستدعيها سياسة ‘الاسترضاء’، (Appeasement)، والتي اكتسبت شهرتها من ملابسات محاولة القوي الأوروبية تفادي الدخول في حرب مع ألمانيا بقيادة هتلر في القرن الماضي، عن طريق تقديم تنازلات أو إرضاءات له. ي-ذكر كيندي أن هذه الفكرة لم تكن دائما تحمل دلالات سلبية، فقد قدمت الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر ‘استرضاءات’ أو تنازلات للولايات المتحدة نفسها، مثل تنازلها عن حقوقها في ملكية 50% من قناة بنما، وتنازلات بشأن ترسيم الحدود بين ألاسكا وكندا، وذلك رغم أنها كانت لا تزال القوة البحرية الأولي عالميا. ومهدت هذه التنازلات فيما بعد لتحول سلمي للقوة من بريطانيا إلي الولايات المتحدة، كما وضع أساس علاقة قوية سمحت للولايات المتحدة بمناصرة بريطانيا في حربين عالميتين في القرن العشرين.

لذلك، قد يكون من المناسب للولايات المتحدة، من وجهة نظر كينيدي التفكير في تقديم تنازلات، تحت شعار ‘التعاون’ و’المشاركة في المسئولية’، في علاقاتها مع الصين. فلن يقلل ذلك، في نظره، من مكانة الولايات المتحدة، بل سيساعدها علي تخفيف حدة التراجع في قوتها، أو انحدارها، والذي يري كيندي أنه لا يزال بعيدا.

آسيا وملامح نظام عالمي جديد ..تقديم

كاتب الموضوع الأصلي: فهد مهدي القحطاني-

آسيا وملامح نظام عالمي جديد ..تقديم
كارن أبو الخير *

ليست الأزمة الأخيرة بين كوريا الشمالية والجنوبية هي الوحيدة المرشحة للانفجار في إقليم شرق آسيا في السنوات القليلة القادمة، فهذه المنطقة، بل وآسيا عموما، أصبحت مسرحا رئيسيا لتفاعلات القوة في القرن الحادي والعشرين. يقع ذلك في إطار انتقال حقيقي وملموس لمقادير القوة الاقتصادية من الدول الصناعية الغنية في الغرب، إلي الاقتصادات الصاعدة في آسيا، بما لذلك من تداعيات استراتيجية وجيوسياسية علي منطقة تعاني أصلا خلافات ومنافسات وصراعات تاريخية، خلفت جروحا عميقة علي شعوب العديد من دول المنطقة.

الصعود الآسيوي :

‘بينما نقف علي أعتاب العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، نجد أنفسنا في إحدي اللحظات التاريخية النادرة التي تتبدي فيها التحولات الكبري للقوة بشكل واضح للعيان.. بما يضمن أن العالم، بنهاية العقد القادم، سوف يكون مختلفا بصورة جذرية عما كان عليه في القرن الماضي'(1).

وقد أفاض المحللون، خاصة الاقتصاديين منهم، في وصف معالم انتقال القوة الاقتصادية إلي آسيا، من رصد آلاف الآسيويين الذين استطاعوا تخطي خط الفقر، إلي حجم الإنفاق الضخم علي مشروعات البنية التحتية (الأكبر في العالم)، إلي معدلات النمو العالية التي لم تتأثر بالأزمة العالمية.

وليس هذا التحول الكبير وليد اللحظة بالطبع، فقد رصده مبكرا المؤرخ بول كينيدي، الذي تنبأ بتحول القوة الاقتصادية إلي منطقة الباسيفيكي، وأشار في كتابه ‘صعود وهبوط القوي العظمي’ إلي أن مجمل الناتج القومي للدول الآسيوية الباسيفيكية، والذي كان في 1960 يمثل 7.8% من مجمل الانتاج العالمي، قد ارتفع إلي 16.4% من هذا الإنتاج بحلول عام 1982(2).

كما التفت المحلل الاقتصادي، ورئيس التحرير السابق لمجلة الإيكونوميست البريطانية، بيل إيموت، إلي محورية الصعود الاقتصادي الآسيوي في كتابه ‘المتنافسون'(3)، مشيرا إلي أن آسيا قد أصبحت بكل المقاييس أكثر غني وقوة وأهمية، حيث يعيش في هذه القارة أكثر من نصف سكان العالم، وبها 6 من أكبر 10 دول فيه. وقد تضاعف دخل الفرد في آسيا ككل سبع مرات، بحسب إيموت، ما بين أعوام 1950 و5002. ويعد هذا إنجازا حقيقيا، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن بريطانيا العظمي لم تنجح في مجرد مضاعفة دخل الفرد فيها بعد مرور ستين عاما علي اندلاع ثورتها الصناعية عام 0871. أما الولايات المتحدة، فلم تنجح في مضاعفة دخل الفرد فيها إلا بعد خمسين عاما من انطلاقتها الاقتصادية عام 0481. وبالمقارنة، فقد نجحت كل من كوريا الجنوبية وتايوان والصين في مضاعفة دخل الفرد في العقد التالي مباشرة لانطلاقها الاقتصادي، ثم ضاعفته مرة أخري، وبسرعة أكبر، في العقد الذي تلاه.

كان الصعود الصيني في قلب هذه الانطلاقة الاقتصادية لآسيا. لقد كان نصيب الصين وحدها من إجمالي الناتج العالمي في عام 1980 يقدر بنحو 2%، ثم صعد إلي 7.6% في عام 2001، ومن المتوقع أن يشكل 16.9% من إجمالي الناتج العالمي بحلول عام 5102.

بلغت صادرات الصين عام 2000 نحو 249 مليار دولار، ارتفعت إلي 585 مليار دولار في عام 2004، وقدرت قيمتها لعام 2010 بنحو 1.274 مليار دولار.

وقد جاءت الأزمة المالية العالمية في 2008 لتكرس هذا التحول في القوة الاقتصادية إلي آسيا. فرغم أن الاقتصادات الصناعية ‘المتقدمة’ ككل عانت الانكماش وانخفاض إجمالي الناتج القومي بنحو 3.5% نتيجة للأزمة، فقد واصلت الاقتصادات الآسيوية، خاصة الصين والهند، نموها. تجاوزت نسبة النمو الاقتصادي للصين 8% في عام 2009، بينما كان معدل نمو الاقتصاد في الهند نحو 6%. وتشير الدلائل إلي تواصل نمو هذه الاقتصادات، وإلي أن نسبة نمو الاقتصاد الصيني تبلغ، خلال عام 2010، 9% علي الأقل(4).

وبينما لا تشغل الصين سوي المرتبة الثانية، كأكبر اقتصاد في العالم، فهي تعد لاعبا رئيسيا في العديد من النواحي. فلديها أكبر احتياطي نقدي في العالم، وهي أكبر مصدر في العالم، وأكبر منتج للصلب، والغازات الدفيئة أيضا، بالإضافة إلي كونها أكبر سوق للسيارات في العالم، وأكبر شريك تجاري حاليا للاقتصادات الصاعدة الأخري، مثل الهند والبرازيل.

عالم جديد من المنافسة :

خلقت هذه التحولات الاقتصادية، بالإضافة إلي تداعيات الأزمة المالية العالمية، بيئة جديدة تتسم بالتنافس الشديد علي المستوي العالمي بين الدول الصناعية المتقدمة والقوي الآسيوية الصاعدة، وعلي المستوي الإقليمي الآسيوي أيضا.

وقد قدم المحلل الاقتصادي الشهير، جيديون رخمان، في كتابه الصادر حديثا ‘عالم المعادلة الصفرية’ رؤية مفادها أن النظام العالمي قد دخل بعد الأزمة المالية مرحلة تتسم بالتغير الجوهري وعدم الاستقرار الخطير. فبعد أن اعتمدت الدول الكبري لمدة ثلاثين عاما ‘العولمة’، بوصفها نظاما اقتصاديا نجح في رفع مستويات المعيشة لأعداد كبيرة من البشر في مختلف أنحاء العالم، وخلق مناخا من التعاون والمصالح المشتركة بينها، مما دعم استقرار النظام العالمي، جاءت الأزمة العالمية لتضع حدا لكل ذلك. فلم يعد من المسلم به أن عملية العولمة تصب في مصالح القوي الكبري، ولم تعد الولايات المتحدة تقود النظام العالمي بلا منافس(5). لقد حل التنافس والنزاع محل التعاون، وأصبح منطق ‘المعادلات الصفرية’ هو الذي يسود العلاقات الدولية. لقد أصبح الصعود الآسيوي مرتبطا بفقدان أعداد كبيرة من الأمريكيين العاديين لوظائفهم، كما أصبحت المشاكل الاقتصادية التي تواجه دولا أوروبية عديدة تهدد الوحدة الأوروبية والعملة الأوروبية. وبذلك، فإن التقدم الذي أحرزته آسيا كان علي حساب الولايات المتحدة وأوروبا، وأصبح صعود الصين الاقتصادي يضغط بشكل واضح علي علاقاتها إقليميا ودوليا- مع الولايات المتحدة.

وعلي المستوي الآسيوي الإقليمي، لم يتحقق النمو الاقتصادي بشكل سلس ومتساو لجميع الأطراف. فقد أزاح الصعود الصيني اليابان إلي مرتبة الاقتصاد الثالث في العالم، كما أن الهند، التي تري نفسها ندا للصين، لم تحقق القدر نفسه من النمو. وبسبب حجم الصين الضخم، والاختلاف الكبير في القوة والتقدم بينها وبين جيرانها، يثير النمو الصيني لدي الدول الآسيوية الأصغر حجما، بشكل خاص، قدرا من التوجس.

من ناحية أخري، فليس للدول الآسيوية تجربة تاريخية في احتواء تنافس ثلاث قوي صاعدة في وقت واحد: الصين واليابان والهند، كما كان للدول الأوروبية في القرن التاسع عشر. ويزيد نشاط روسيا والولايات المتحدة -كلاعبين أساسيين في المنطقة- من حدة هذا التنافس أيضا. وحسبما وصف زبيجنيو بريجنسكي التفاعلات الآسيوية في كتابه ‘الاختيار'(6)، فإن إقليم شرق آسيا قد يبدو مستقرا علي السطح، ولكنه قد يتداعي إلي سلسلة متصاعدة من الصراعات المدمرة، إذا تعرض لصدمة حادة ومفاجئة. فليس هناك نظام للأمن الإقليمي يقوم علي الاتفاق المشترك بين الأطراف الإقليمية، خاصة في إطار العداء التاريخي بين اليابان والصين. كما أن الصراعات التاريخية خلفت آثارا شديدة العمق والمرارة، لا تزال حية ومحسوسة بين شعوب المنطقة. يضاف إلي ذلك تعدد بؤر الصراع وعدم الاستقرار في شرق آسيا، حيث يستمر انقسام شبه القارة الكورية، والتنازع علي القيادة الإقليمية بين اليابان، المدعومة من الولايات المتحدة والصين، والخلاف حول مستقبل تايوان، والمشاكل الداخلية في إندونيسيا. وهناك بوادر منافسة حقيقية بين الهند والصين، لخصها أحد المسئولين الهنود بقوله:’إن كلا من الصين والهند تري أن المستقبل في آسيا لها، ولا يمكن أن تكون الاثنتان علي حق’.

وينعكس التنافس والتوتر في المنطقة علي ارتفاع معدلات التسلح فيها بشكل واضح، وامتداد التنافس بين اليابان والصين والهند بشكل خاص من مجال السيطرة علي البحار، إلي السيطرة علي الفضاء الخارجي.

الضغوط الدولية علي العلاقات الإقليمية :

بحسب منطق نظرية تحول القوة (Power Transition) فإن القوي الإقليمية الصاعدة، والقوي العالمية التي في طريقها للانحسار، قد تندلع بينهما مواجهات في المناطق الجغرافية الاستراتيجية التي تتقابل وتتقاطع فيها مصالحها. ولذلك، فإن آسيا، خاصة منطقة شرق آسيا، مرشحة بقوة لتكون مسرحا لمواجهة محتملة بين الولايات المتحدة والصين(7). وهي مواجهة ليست في مصلحة أي من الطرفين، ولا ترغب فيها أو تسعي إليها الصين. ولأن عبء التعامل مع مراحل التحول التاريخي يقع بشكل أكبر علي القوة المهيمنة، وهي في هذه الحالة الولايات المتحدة، فإن حدوث مثل هذه المواجهة يشكل هاجسا بالنسبة للعديد من خبراء السياسة الخارجية الأمريكية، الذين لا يرون أن الصراع بين الولايات المتحدة والصين يصب في مصلحة الأولي. وقد أشارت سوزان شيرك في كتابها ‘الصين قوة عالمية هشة'(8) إلي هذه القضية وكيفية تفادي الولايات المتحدة لمثل هذا الصدام. حذرت شيرك من أن هناك وجهين للسياسة الخارجية الصينية: الوجه المتعقل المسئول الذي يسعي لتفادي الصدام، ووجه آخر أكثر انفلاتا وعصبية، و ‘عاطفية’، يظهر عندما تندلع أزمة تتعلق بقضايا حساسة مثل اليابان أو تايوان. حيث يشعر القادة الصينيون بأن عليهم إظهار قوتهم والدفاع عن كرامتهم الوطنية وكرامة شعوبهم. في مثل هذه الحالات، قد يتخلي القادة الصينيون عن حذرهم، ويتصرفون بطريقة غير محسوبة تزيد الأزمات اشتعالا. ولذلك يجب علي المسئولين الأمريكيين تفادي إثارة مثل هذه المشاعر.

وفي إطار الأزمة الكورية الأخيرة، أدلي زبيجنيو بريجنسكي بدلوه أيضا، موجها النصائح لإدارة أوباما في كيفية التعاطي مع الصين لتفادي تصعيد الأزمة(9). أشار بريجنسكي إلي أن هناك اختلافا في المنظور التاريخي لكل من الصين والولايات المتحدة يؤثر في رؤيتهما للأزمة. فالصين، التي تري أن التطور التاريخي يصب في مصلحتها، يتزايد عندها الإحساس بالثقة والقوة، كما تقل رغبتها في اتخاذ أي خطوات قد تؤدي إلي ‘هز القارب’، أي تهديد الأوضاع التي تراها مواتية لها. أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها في موقع مختلف تماما، حيث يسود النقاش حول تراجع قوتها، كما تعاني أعباءها الخارجية المتعددة، ولذلك فهي مهتمة بحشد الجهود لاتخاذ عمل جماعي للتعامل مع الأزمة، وتشعر بالإحباط حين يرفض الآخرون ‘مشاطرتها أعباءها الجسيمة’. في مثل هذه الظروف، يمكن أن يفضل الصينيون عدم اتخاذ أي إجراءات حاسمة تجاه كوريا الشمالية، مما لن يؤدي إلا إلي المزيد من الأعمال الاستفزازية من جانبها، وبالتالي فيمكن أن يدفع ذلك الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات تراها الصين خطيرة ومبالغا فيها.

ينصح الدبلوماسي الأمريكي المخضرم الرئيس الأمريكي أوباما بأخذ زمام المبادرة، والاتصال بزعماء الصين واليابان وروسيا، مع تفادي اتخاذ لهجة عدائية أو إملائية، خاصة مع الصين. فإثارة المشاعر العدائية علي المستوي الجماهيري ستزيد من تعقيد الأزمة، وقد تدفعها إلي تصعيد خارج السيطرة.

ويجب عدم إغفال الضغوط المتزايدة التي تضعها تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية علي العلاقات الأمريكية – الصينية. فيشير أستاذ العلاقات الدولية آرون فريدبرج(10) إلي أن هذه الأزمة وضعت نهاية للفترة التي كانت فيها العلاقات التجارية بين البلدين تمثل عامل استقرار، ودشنت بداية فترة جديدة، تصبح فيها مصدرا لتوتر ونزاع متصاعد.

لقد أصبحت معدلات البطالة العالية تضع ضغوطا داخلية كبيرة علي الرئيس أوباما ‘ليفعل شيئا بخصوص الصين’. كما أصبح العديد من السياسيين الأمريكيين يستخدمها – كما ظهر في الحملة الانتخابية الأخيرة – يستخدم الصين ‘كبش فداء’ لتبرير مشاكل الاقتصاد الأمريكي. ويقوي رفض الصين المستمر تحرير سعر صرف عملتها من الاتجاه الأمريكي لاتخاذ إجراءات حمائية ضدها، وفرض تعريفات جمركية علي واردات الولايات المتحدة من الصين. كل ذلك قد يدفع إلي اندلاع ما يسمي ‘حربا تجارية’ بين الطرفين، والتي يراها البعض ‘أكبر خطر يهدد الاستقرار العالمي في السنوات القليلة القادمة’.

المسرح في شرق آسيا يبدو معدا في ظل هذه الظروف لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الولايات المتحدة أو أحد ‘حلفائها’ الإقليميين وبين الصين. الصين من جانبها تعمل جاهدة علي احتواء خلافاتها الإقليمية، وتدعيم علاقاتها الاقتصادية مع جيرانها، تحقيقا لسياسة ‘الصعود السلمي’. ولكن مسار الأمور لا تحكمه السياسات الصينية وحدها، بل أيضا تصرفات منافسيها من الدول الآسيوية، والمحاولات الأمريكية لحشد الدعم الإقليمي ضد الصين والضغط عليها لتحقيق أهداف أمريكية اقتصادية واستراتيجية. ويبقي في النهاية الإشارة إلي مقال حديث كتبه المؤرخ المشهور بول كيندي(11)، يشير فيه إلي ضرورة إعادة النظر في المعاني السلبية التي تستدعيها سياسة ‘الاسترضاء’، (Appeasement)، والتي اكتسبت شهرتها من ملابسات محاولة القوي الأوروبية تفادي الدخول في حرب مع ألمانيا بقيادة هتلر في القرن الماضي، عن طريق تقديم تنازلات أو إرضاءات له. ي-ذكر كيندي أن هذه الفكرة لم تكن دائما تحمل دلالات سلبية، فقد قدمت الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر ‘استرضاءات’ أو تنازلات للولايات المتحدة نفسها، مثل تنازلها عن حقوقها في ملكية 50% من قناة بنما، وتنازلات بشأن ترسيم الحدود بين ألاسكا وكندا، وذلك رغم أنها كانت لا تزال القوة البحرية الأولي عالميا. ومهدت هذه التنازلات فيما بعد لتحول سلمي للقوة من بريطانيا إلي الولايات المتحدة، كما وضع أساس علاقة قوية سمحت للولايات المتحدة بمناصرة بريطانيا في حربين عالميتين في القرن العشرين.

لذلك، قد يكون من المناسب للولايات المتحدة، من وجهة نظر كينيدي التفكير في تقديم تنازلات، تحت شعار ‘التعاون’ و’المشاركة في المسئولية’، في علاقاتها مع الصين. فلن يقلل ذلك، في نظره، من مكانة الولايات المتحدة، بل سيساعدها علي تخفيف حدة التراجع في قوتها، أو انحدارها، والذي يري كيندي أنه لا يزال بعيدا.

تحولات النظام الدولي ومستقبل الهيمنةالأمريكية

كاتب الموضوع الأصلي: فهد مهدي القحطاني-

تحولات النظام الدولي ومستقبل الهيمنةالأمريكية
عمرو عبد العاطي *

شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين جدلا داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية والغربية، بل والعربية أيضا، حول مستقبل القوة الأمريكية ودورها في نظام ما بعد الحرب الباردة، الذي بدأ في التشكل، مع انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن المنصرم. يتركز هذا الجدل حول جملة التحديات التي تواجه أسس ومقومات القوة الأمريكية من جهة، والتحولات والتغيرات في موازين القوي علي الصعيد الدولي من جهة أخري.

وقد تمحور هذا الجدل حول جملة تساؤلات من قبيل :

هل ينزع النظام الدولي إلي التعددية القطبية أم يعود إلي الثنائية (هذه المرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين)?، أم هل سيصير إلي حالة من ‘اللاقطبية’ تتساوي فيها نفوذ الدول الكبري مع المؤسسات الدولية والدول الإقليمية?، وكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع هذا التغير الجوهري في بنية النظام الدولي الذي تتربع علي قمته منذ انهيار الاتحاد السوفيتي?، هل ستظل الولايات المتحدة فاعلا رئيسيا في هذا النظام أم سيتراجع دورها?، وهل يمكنها المحافظة علي انفرادها بقيادته وإعاقة تقدم القوي الأخري?. وقد زادت حدة هذا النقاش ما تزايد التأزم في السياسة الأمريكية دوليا خلال السنوات الثماني لحكم الرئيس الأمريكي الأسبق ‘جورج دبليو بوش’، وعقب تفاقم حدة الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد الأمريكي، ومن ورائه العالمي في منتصف عام 2008 .

ومع اختلاف الرؤي حول شكل النظام الدولي الذي هو في طور التشكل، فإن هناك اتفاقا علي أن الصين تعد المنافس القوي والمحتمل للولايات المتحدة الأمريكية علي الصعيد الدولي. فيتوقع تقرير مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكي، المعنون ب- ‘الاتجاهات العالمية لعام 2025: تحول العالم’، أن تكون الصين أكبر دول العالم اقتصادا، وأنها ستكون قوة عسكرية رائدة، في ظل سعيها واستعدادها لمزيد من التأثير في السياسة الدولية علي مدي العشرين سنة القادمة من أي بلد آخر(1).

الصين تتحدي الهيمنة الأمريكية :

يرجع كثير من المحللين صعود الصين كقطب دولي وتحديه للمكانة والهيمنة الأمريكية إلي النمو الاقتصادي الصيني، وتراجع نظيره الأمريكي، في ضوء الأزمات المتعددة التي سيظل النظام المالي الأمريكي يعانيها خلال العقود القادمة. فعلي سبيل المثال، أوضح مكتب الميزانية التابع للكونجرس الأمريكي Congressional Budget Office

أن الدين الأمريكي خلال العقد القادم سيصل إلي 90% من الناتج المحلي الإجمالي(GDP) للولايات المتحدة الأمريكية، وهي تقديرات يراها البعض متفائلة في ظل توقعات انخفاض معدل النمو الأمريكي. كما توقعت ورقة لصندوق النقد الدولي أن يتساوي الدين الأمريكي مع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بحلول عام 2015، مما يشابه النسبة التقديرية لمديونية إيطاليا واليونان حاليا.

ونتيجة للسياسات التي اتبعتها إدارتا الرئيس السابق جورج بوش (الابن)، ارتفع نصيب الفرد من الدين العام بنسبة 50%، أي من 13 ألفا إلي 19 ألفا خلال تلك الفترة. ووصل العجز للسنة المالية 2009 إلي 1.6 تريليون دولار بنسبة 9%، ويتوقع مكتب ميزانية الكونجرس أن يزيد بمعدل تريليون دولار في العام حتي عام 2020(2). يصب كل ذلك – حسب عديد من الباحثين – في مصلحة الصين من جهة تفوقها اقتصاديا علي الولايات المتحدة وتصاعد دورها العالمي.

ويقلل جوزيف ناي من قدرة الصين علي تحدي الولايات المتحدة، فيري أن الطريق لا يزال أمامها طويلا حتي تنافس قوة الولايات المتحدة، نظرا للتحديات التي تواجهها علي صعيد التنمية، ومشكلات تدهور المناطق الريفية، والمشكلات الديموجرافية.

وبافتراض أن معدل نمو الناتج المحلي الصيني سوف يصل إلي نسبة 6%، ومعدل النمو الأمريكي لن يتعدي 2% بعد 2030، فإن ناي يري أن نصيب دخل الفرد في الصين أقل من نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية. بعبارة أخري، فإن الصين قد تصل إلي نفس حجم الاقتصاد الأمريكي في غضون بضع سنوات، ولكن مردود هذا النمو والتطور الاقتصادي لن يكون متساويا بين البلدين.

ويضيف أن الصين لم تحل مشكلة المشاركة السياسية التي تصاحب ارتفاع مستوي دخل الفرد. ويتساءل عما إذا كانت الصين لديها صيغة تدير بها التوسع في الطبقة الوسطي الحضرية، وعدم المساواة الإقليمية، والفقر في المناطق الحضرية، والاستياء بين الأقليات العرقية أم لا.

ويرد ناي علي من يري أن الصين تطمح في تحدي الولايات في منطقة شرق آسيا، ثم عالميا، بأنه من المشكوك فيه – حتي في حال توافر الرغبة الصينية – أن تكتسب الصين القدرة العسكرية علي تحقيق هذا الهدف في المدي المنظور. كما أن الصين لا ترغب في إثارة غضب جيرانها واستعداء دول خارجية، في ظل خوفها من غلق أسواقها أمام منتجاتها وحرمانها من مواردها. بالإضافة إلي أن أي تصرف صيني عسكري سيدفع جيرانها إلي تشكيل تحالفات، من شأنها إضعاف قوة بكين الصلدة والناعمة.

ويضيف ناي أن هناك معارضة من دول آسيوية، كالهند واليابان، لدور صيني فاعل في القارة الآسيوية، مما يصب في المصلحة الأمريكية في ظل التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واليابان، وتحسن العلاقات الأمريكية – الهندية. ومن الموقف القوي الذي تشكله جبهة الولايات المتحدة والهند واليابان، يمكن إشراك الصين في القضايا الدولية، وتقديم الحوافز لها للعب دور مسئول، مع الاستعداد والتحوط من أي سلوك عدواني للصين كقوة صاعدة (3).

والجدير بالذكر أن الصين تعمل حاليا علي بناء أسطول بحري حديث من المدمرات والغواصات، فضلا عن إعادة صياغة العقيدة العسكرية لتفعيل قدرتها علي التحرك في جنوب وشرق الصين، بالإضافة إلي مد نفوذها في البحار والمحيطات. ويقول تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن الصين ستصبح أكثر الدول قدرة علي منافسة الولايات المتحدة عسكريا علي الصعيد الدولي(4).

مستقبل الدور والقيادة الأمريكية :

تتفق معظم الكتابات الأمريكية علي أن الولايات المتحدة ستظل القوة الفاعلة في النظام الدولي الذي لا يزال في طور التشكل، إلا أن اختلال موازين القوي بين الولايات المتحدة والقوي الصاعدة سيضيق. كما تتفق علي قدرة الولايات المتحدة علي الخروج من أزماتها، واستغلالها كفرصة لتعزز نفوذها الدولي(5).

ويرفض معظم الباحثين المقارنة بين ما تمر به الولايات المتحدة حاليا، والظروف التي سبقت انهيار الإمبراطورية البريطانية، نظرا لأن الولايات المتحدة تملك من مصادر القوة ما افتقدته بريطانيا في حينه. كما أنها تختلف عن بريطانيا في أنها غير محاطة جغرافيا بدول تهددها، مثلما كانت تهدد ألمانيا وروسيا بريطانيا.

ويري الفريق الدافع بقدرة الاقتصاد الأمريكي علي تجاوز التأزم الاقتصادي الحالي أن الأزمة لا ترتبط بخلل أو قصور في المنظومة الاقتصادية الأمريكية، ولكنها ترجع إلي سياسات يمكن إصلاحها بصورة سريعة وسهلة. وفي حال تعافي الولايات المتحدة من أزماتها الاقتصادية، فإنها ستضمن دورا فاعلا علي المستوي العالمي، خاصة في ظل عدم تمتع النموذجين الصيني والروسي بالجاذبية لدي الدول الأخري. وقد صاغت الإدارة الأمريكية بالفعل مجموعة من السياسات التي تساعد علي النهوض بالاقتصاد، منها: تشجيع زيادة المدخرات، وزيادة الدورات التدريبية في مجال العلوم والتكنولوجيا، وتطوير أساليب جيدة في استغلال الطاقة(6).

وفي عصر تكنولوجيا المعلومات، فإن قوة الدولة تكمن في ما تمتلكه من معرفة في مجال التكنولوجيا والبرمجة، والاختراعات، والتي تتفوق فيها واشنطن علي مثيلاتها من الدول الأخري. والولايات المتحدة هي مهد الصناعات النانوتكنولوجية (الصناعات التكنولوجية الدقيقة) والبيولوجية، وتحقق أرباحا طائلة منها. فقد حققت عائدات من الصناعات التقنية الحيوية بأكثر من 50 مليار دولار، وهو خمسة أضعاف ما حققته أوروبا. كما تحقق ما نسبته 76% من العائدات العالمية في مجال التقنية الحيوية، فضلا عن حفاظها علي مكانتها المتقدمة في مجالات العلم والثقافة والمعلومات.

ويؤكد زكريا أن الولايات المتحدة ستحتفظ بحيويتها لارتفاع نسبة الشباب فيها – وهي الشريحة الاجتماعية التي يعول عليها في تقدم الدول – وذلك نظرا للهجرة المتوافدة عليها من باقي دول العالم. تستمد الولايات المتحدة قدرتها علي جذب المهاجرين من أنها بلد الديمقراطية والحرية، ولنجاحها في دمج وصهر المهاجرين في بوتقة الثقافة والتاريخ الأمريكي. وقد ظهرت تجليات ذلك في منافسة أمريكي من أصل إفريقي لأمريكي أبيض علي منصب الرئاسة، بل ووصوله إلي البيت الأبيض كأول سابقة في التاريخ السياسي الأمريكي(7).

كما تتميز الولايات المتحدة بارتفاع نسبة الاستثمار الأمريكي في عمليات البحث والتطوير. ففي عام 2007، كانت الولايات المتحدة رائدة في الإنفاق علي البحث العلمي بما يقدر ب- 396 مليون دولار، تليها آسيا ب- 388 مليون دولار، ثم الاتحاد الأوروبي ب- 263 مليون دولار. وتنفق الولايات المتحدة 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي علي البحث والتطوير، أي نحو ضعف ما تنفقه الصين، ناهيك عن تزايد تسجيل براءات الاختراع التي وصلت إلي 80 ألف براءة اختراع في عام 2007، وهو ما يفوق دول العالم مجتمعة(8).

وتتفوق الولايات المتحدة علي باقي الدول في الإنفاق علي التعليم العالي الذي يعد نجاحا اقتصاديا للولايات المتحدة في عصر ثورة المعلومات، فهي تنفق علي التعليم ضعف إنفاق فرنسا وألمانيا واليابان. وفي تقييم Times Higher Education

لعام 2009، جاءت ست جامعات أمريكية ضمن أفضل عشر جامعات في العالم. وفي دراسة Shanghai Jiao Tong University

لعام 2010 جاءت سبع عشرة جامعة أمريكية ضمن أفضل عشرين جامعة، بالإضافة إلي حصول مواطني الولايات المتحدة علي أكبر عدد من جوائز نوبل. كما أن معدل النشر العلمي أعلي من أي دولة أخري، وهو ما يعزز القوة الصلدة والناعمة للولايات المتحدة الأمريكية(9).

كيفية الحفاظ علي المكانة الدولية :

تنشغل الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية بتساؤل رئيسي يتعلق بكيفية حفاظ الولايات المتحدة علي دورها كقائدة للنظام الدولي، في ظل صعود قوي جديدة تهدد هذه المكانة، وترغب في أن تحل محل الولايات المتحدة الأمريكية دوليا، لاسيما بعد تراجع الدور والنفوذ الأمريكيين خلال السنوات الثماني لحكم الرئيس بوش الابن.

وقد جاءت استراتيجية الأمن القومي(10) التي أعلنتها إدارة باراك أوباما في السابع والعشرين من مايو 2010، بعد ما يقرب من ستة عشر شهرا لها في البيت الأبيض، لتعكس رؤية الإدارة الأمريكية الحالية لمواجهة تراجع النفوذ الأمريكي عالميا. كما عكست مقالات عديد من المسئولين الأمريكيين بدورية الشئون الخارجية (Foreign Affairs) ذائعة الصيت هذه الرؤية أيضا، ومنهم وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس(11)، ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون(12). وقد عكست هذه المقالات الرؤية الأمريكية لكيفية التعامل مع النظام الدولي ‘كما هو’، وليس من زاوية ‘يجب أن يكون عليه’.

تهدف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إلي تدعيم القدرة الأمريكية علي لعب دور قيادي في النظام العالمي، لتحقيق مصالحها في القرن الحادي والعشرين، وذلك علي مسارين، يتمثل أولهما في بناء قوتها الداخلية. أما ثانيهما، فيتمثل في العمل علي صوغ نظام دولي يمكن من مواجهة التحديات الدولية. ينطلق ذلك من قناعة عبر عنها ‘أوباما’ في أكثر من محفل دولي، والتي أكدها في تقديمه للوثيقة، ومفادها: ‘أنه ليست هناك دولة واحدة، بغض النظر عن قوتها، تستطيع التصدي لكل التحديات العالمية بمفردها’، وهو الأمر الذي يفرض إعادة صياغة المقاربات التعاونية أو التشاركية القادرة علي تحقيق نجاحات دولية.

ومن جانبها، تؤكد وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، ضرورة تعزيز الولايات المتحدة الأمريكية الشراكة مع الحلفاء، وتوسيع تلك الشراكات وتعمقيها، فضلا عن البحث عن شركاء جدد. وهو ما أكدته وثيقة الأمن القومي الأمريكي الجديدة في أكثر من موضع. وتتفق مقالة ‘هيلاري’ الأخيرة في مجلة ‘الشئون الخارجية’ ووثيقة الأمن القومي الأمريكي في ضرورة تركيز الولايات المتحدة علي التعاون مع المؤسسات الدولية القائمة، مثل مجموعة العشرين، ومنظمة الأمم المتحدة، بعد فترة من تراجع التعاون الأمريكي خلال فترتي بوش الابن، وكذلك مع عديد من المؤسسات الإقليمية، كمؤسسة رابطة دول جنوب شرق آسيا، ومنظمة الدول الأمريكية. ولتفعيل تلك المؤسسات الدولية، دعا العديد من الباحثين إلي أن تكون أكثر فاعلية في تمثيلها للعالم في القرن الحادي والعشرين، بأن يكون هناك تمثيل وصوت ومسئوليات أكبر للقوي الناشئة والصاعدة علي المسرح الدولي(13).

ويصاحب ذلك إحداث تحول في الدبلوماسية الأمريكية، بحيث تكون هي عمود السياسة الخارجية الأمريكية. ولا يكون التركيز فقط علي العمل الدبلوماسي المحض، ولكن لابد أن يكون للدبلوماسية الأمريكية دور تنموي إنساني من خلال الوكالات الأمريكية التنموية والتابعة لوزارة الخارجية الأمريكية(14)، مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والتي تعمل جنبا إلي جنب مع العمل العسكري الأمريكي، وهو أيضا ما أكده وزير الدفاع الأمريكي في مقالته بدورية الشئون الخارجية. ومن جانبها، تؤكد هيلاري استمرار العلاقة والشراكة بين الدبلوماسيين والمدنيين الموكل إليهم العمل التنموي والإنساني وشركائهم في الجيش، لاسيما في مناطق الصراع والدول الهشة.

ويرتبط نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في الحفاظ علي مكانتها ودورها عالميا في مدي قدرتها علي إحداث التوازن بين القوتين الصلدة والناعمة في استراتيجية واحدة ناجحة، أضحي يطلق عليها القوة الذكية (Smart Power)(15)، بحيث ترسم أفضل استراتيجية تستطيع من خلالها التعامل مع مظاهر تراجع فاعلية وتأثير الولايات عالميا، في ظل تعدد مراكز القوي وتعدد مصادر القوة. فلم تعد القوة في حد ذاتها محددا للقوة دوليا، وإنما كيفية إدماجها في استراتيجية ناجحة في تحقيق الهدف من امتلاكها واستخدامها، وبناء أسس قوية للقيادة الأمريكية دوليا تبدأ من الداخل الأمريكي. فأعظم المخاطر التي تهدد القوة الأمريكية تبدأ من الداخل وتنتهي في الداخل، لأن ما يحدث داخل حدودها يحدد قوتها ونفوذها خارج حدودها، لاسيما في عالم يتزايد ترابطا وتشابكا. وتربط الإستراتيجية بين استعادة قوة ومكانة الولايات المتحدة وقدرتها التنافسية وقدوتها الأخلاقية.

وتركز أولي خطوات واشنطن لاستعادة قوتها ومكانتها – حسبما ذهبت وثيقة الأمن القومي الأمريكي الجديدة – علي دفع الاقتصاد الأمريكي الذي مر بأزمة اقتصادية عاصفة لم يشهدها منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن المنصرم، فالاقتصاد الأمريكي بالنسبة للاستراتيجية هو منبع القوة الأمريكية. ولذا، فقد ركزت الاستراتيجية علي ضرورة تحقيق انتعاش اقتصادي واسع، وخفض العجز المالي، وخلق وظائف جديدة، وتخفيض تكاليف الرعاية الصحية للمواطنين الأمريكيين، وإعادة تشييد بنية تحتية جديدة أكثر أمنا وقادرة علي مواجهة التحديات الأمنية والكوارث الطبيعية.

كما أكدت الوثيقة ضرورة استعادة الولايات المتحدة قوتها علي الصعيد العلمي، وزيادة قدرة الأمريكيين علي المنافسة علي المدي الطويل. فقد كتب أوباما في مقدمته للاستراتيجية: ‘يجب أن نعلم أبنائنا التنافس في عالم تكون فيه المعرفة هي رأس المال’. وانطلاقا من هذا، فقد ركزت علي أهمية رفع قدرات البحث العلمي وزيادة الاكتشافات العلمية، وتحقيق اختراقات علمية غير متوقعة. فيقول أوباما ‘يجب أن ننظر إلي الابتكارات الأمريكية كأساس لقوة الولايات المتحدة’. ويضاف إلي ذلك العمل علي تطوير مصادر الطاقة النظيفة لتحل محل الوقود الأحفوري الذي تدار به المصانع الأمريكية، والذي يقود إلي فك الارتباط الأمريكي بالنفط الخارجي، وهو ما تبناه أوباما في برنامجه الانتخابي خلال عام 2008 .

من ناحية أخري، تذهب الاستراتيجية إلي ضرورة العمل علي إعادة الاعتبار لمجموعة القيم والمبادئ الأمريكية التي بنيت عليها السياسة الخارجية الأمريكية منذ عهد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، والتي تتمثل في تعزيز الحقوق الأساسية، وحكم القانون، ودعم التنمية، ومواجهة الفقر والفساد، ودفع عملية السلام بين الأمم والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهي قيم لا يمكن فرضها بالقوة، ‘فالقيادة الأمريكية لن تتأتي من خلال زرع الخوف في قلوب الآخرين، ولكن من خلال مخاطبة آمالهم’. والطريقة المثلي لذلك، كما تذهب الاستراتيجية، تتمثل في قوة شرف واستقامة الشعب الأمريكي، وذلك مرتبط بالقوات المسلحة، والدبلوماسية، والقطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، والمواطنين الأمريكيين العاديين، فكل منهم يلعب دورا في تحقيق أمن الولايات المتحدة ومخاطبة شعوب العالم(16).

خاتمة :

لم يتبلور النظام الدولي الجديد بعد، فهو نظام ‘أحادي القطبية’ علي صعيد القوة العسكرية، حيث يشير الإنفاق العسكري الأمريكي، مقارنة بالقوي الدولية الصاعدة، إلي أن الولايات المتحدة ستظل القوة العسكرية لردح طويل من الزمن. ولكن هذا النظام سيكون ‘متعدد الأقطاب’ علي الصعيد الاقتصادي، حيث تتعدد مراكز القوي الاقتصادية، وفي الوقت ذاته ‘عديم الأقطاب’، حسب رؤية رئيس ‘مجلس العلاقات الخارجية’ الأمريكي ريتشارد هاس(17). فيشهد النظام الدولي الجديد صعود قوي إقليمية لا تقل أهمية ودورا عن القوي الدولية الصاعدة، وفاعلين ما دون الدولة(Non-State Actor) من شركات متعددة الجنسيات والجماعات والميليشيات المسلحة، والتي سيتزايد دورها، وهو ما يشكل تجسيدا لعالم العلاقات الدولية العابر للحدود، والواقع خارج سيطرة حكومات الدول القومية.

وسيرتبط مستقبل مكانة الولايات المتحدة ودورها الفاعل عالميا بمدي قدرتها علي التعامل مع مستجدات هذا النظام العالمي الجديد الذي يشهد صعود قوي جديدة، وجماعات، ومنظمات تملك من القوة ما يجعلها ذات قوة وتأثير يفوق بعض الدول القومية. فعلي الرغم من كونها القوة العسكرية الكبري في العالم، فإننا نجدها اليوم تتعثر بشدة في حروبها التوسعية، ونجد اقتصادها يضعف أكثر فأكثر بسبب المنافسة الشديدة التي يتعرض لها من قبل اقتصادات القوي الصاعدة، الأخري. وفي حال تكيف الولايات المتحدة مع تلك التحولات، وتعاونها بشكل أفضل مع القوي الصاعدة فإننا سنشهد انتقالا سلسا وسلميا إلي نظام تعددي جديد من دون كوارث وحروب، تكون الولايات المتحدة فاعلا رئيسيا فيه بجانب بعض القوي الأخري.

تحولات النظام الدولي ومستقبل الهيمنةالأمريكية

كاتب الموضوع الأصلي: فهد مهدي القحطاني-

تحولات النظام الدولي ومستقبل الهيمنةالأمريكية
عمرو عبد العاطي *

شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين جدلا داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية والغربية، بل والعربية أيضا، حول مستقبل القوة الأمريكية ودورها في نظام ما بعد الحرب الباردة، الذي بدأ في التشكل، مع انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن المنصرم. يتركز هذا الجدل حول جملة التحديات التي تواجه أسس ومقومات القوة الأمريكية من جهة، والتحولات والتغيرات في موازين القوي علي الصعيد الدولي من جهة أخري.

وقد تمحور هذا الجدل حول جملة تساؤلات من قبيل :

هل ينزع النظام الدولي إلي التعددية القطبية أم يعود إلي الثنائية (هذه المرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين)?، أم هل سيصير إلي حالة من ‘اللاقطبية’ تتساوي فيها نفوذ الدول الكبري مع المؤسسات الدولية والدول الإقليمية?، وكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع هذا التغير الجوهري في بنية النظام الدولي الذي تتربع علي قمته منذ انهيار الاتحاد السوفيتي?، هل ستظل الولايات المتحدة فاعلا رئيسيا في هذا النظام أم سيتراجع دورها?، وهل يمكنها المحافظة علي انفرادها بقيادته وإعاقة تقدم القوي الأخري?. وقد زادت حدة هذا النقاش ما تزايد التأزم في السياسة الأمريكية دوليا خلال السنوات الثماني لحكم الرئيس الأمريكي الأسبق ‘جورج دبليو بوش’، وعقب تفاقم حدة الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد الأمريكي، ومن ورائه العالمي في منتصف عام 2008 .

ومع اختلاف الرؤي حول شكل النظام الدولي الذي هو في طور التشكل، فإن هناك اتفاقا علي أن الصين تعد المنافس القوي والمحتمل للولايات المتحدة الأمريكية علي الصعيد الدولي. فيتوقع تقرير مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكي، المعنون ب- ‘الاتجاهات العالمية لعام 2025: تحول العالم’، أن تكون الصين أكبر دول العالم اقتصادا، وأنها ستكون قوة عسكرية رائدة، في ظل سعيها واستعدادها لمزيد من التأثير في السياسة الدولية علي مدي العشرين سنة القادمة من أي بلد آخر(1).

الصين تتحدي الهيمنة الأمريكية :

يرجع كثير من المحللين صعود الصين كقطب دولي وتحديه للمكانة والهيمنة الأمريكية إلي النمو الاقتصادي الصيني، وتراجع نظيره الأمريكي، في ضوء الأزمات المتعددة التي سيظل النظام المالي الأمريكي يعانيها خلال العقود القادمة. فعلي سبيل المثال، أوضح مكتب الميزانية التابع للكونجرس الأمريكي Congressional Budget Office

أن الدين الأمريكي خلال العقد القادم سيصل إلي 90% من الناتج المحلي الإجمالي(GDP) للولايات المتحدة الأمريكية، وهي تقديرات يراها البعض متفائلة في ظل توقعات انخفاض معدل النمو الأمريكي. كما توقعت ورقة لصندوق النقد الدولي أن يتساوي الدين الأمريكي مع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بحلول عام 2015، مما يشابه النسبة التقديرية لمديونية إيطاليا واليونان حاليا.

ونتيجة للسياسات التي اتبعتها إدارتا الرئيس السابق جورج بوش (الابن)، ارتفع نصيب الفرد من الدين العام بنسبة 50%، أي من 13 ألفا إلي 19 ألفا خلال تلك الفترة. ووصل العجز للسنة المالية 2009 إلي 1.6 تريليون دولار بنسبة 9%، ويتوقع مكتب ميزانية الكونجرس أن يزيد بمعدل تريليون دولار في العام حتي عام 2020(2). يصب كل ذلك – حسب عديد من الباحثين – في مصلحة الصين من جهة تفوقها اقتصاديا علي الولايات المتحدة وتصاعد دورها العالمي.

ويقلل جوزيف ناي من قدرة الصين علي تحدي الولايات المتحدة، فيري أن الطريق لا يزال أمامها طويلا حتي تنافس قوة الولايات المتحدة، نظرا للتحديات التي تواجهها علي صعيد التنمية، ومشكلات تدهور المناطق الريفية، والمشكلات الديموجرافية.

وبافتراض أن معدل نمو الناتج المحلي الصيني سوف يصل إلي نسبة 6%، ومعدل النمو الأمريكي لن يتعدي 2% بعد 2030، فإن ناي يري أن نصيب دخل الفرد في الصين أقل من نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية. بعبارة أخري، فإن الصين قد تصل إلي نفس حجم الاقتصاد الأمريكي في غضون بضع سنوات، ولكن مردود هذا النمو والتطور الاقتصادي لن يكون متساويا بين البلدين.

ويضيف أن الصين لم تحل مشكلة المشاركة السياسية التي تصاحب ارتفاع مستوي دخل الفرد. ويتساءل عما إذا كانت الصين لديها صيغة تدير بها التوسع في الطبقة الوسطي الحضرية، وعدم المساواة الإقليمية، والفقر في المناطق الحضرية، والاستياء بين الأقليات العرقية أم لا.

ويرد ناي علي من يري أن الصين تطمح في تحدي الولايات في منطقة شرق آسيا، ثم عالميا، بأنه من المشكوك فيه – حتي في حال توافر الرغبة الصينية – أن تكتسب الصين القدرة العسكرية علي تحقيق هذا الهدف في المدي المنظور. كما أن الصين لا ترغب في إثارة غضب جيرانها واستعداء دول خارجية، في ظل خوفها من غلق أسواقها أمام منتجاتها وحرمانها من مواردها. بالإضافة إلي أن أي تصرف صيني عسكري سيدفع جيرانها إلي تشكيل تحالفات، من شأنها إضعاف قوة بكين الصلدة والناعمة.

ويضيف ناي أن هناك معارضة من دول آسيوية، كالهند واليابان، لدور صيني فاعل في القارة الآسيوية، مما يصب في المصلحة الأمريكية في ظل التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واليابان، وتحسن العلاقات الأمريكية – الهندية. ومن الموقف القوي الذي تشكله جبهة الولايات المتحدة والهند واليابان، يمكن إشراك الصين في القضايا الدولية، وتقديم الحوافز لها للعب دور مسئول، مع الاستعداد والتحوط من أي سلوك عدواني للصين كقوة صاعدة (3).

والجدير بالذكر أن الصين تعمل حاليا علي بناء أسطول بحري حديث من المدمرات والغواصات، فضلا عن إعادة صياغة العقيدة العسكرية لتفعيل قدرتها علي التحرك في جنوب وشرق الصين، بالإضافة إلي مد نفوذها في البحار والمحيطات. ويقول تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن الصين ستصبح أكثر الدول قدرة علي منافسة الولايات المتحدة عسكريا علي الصعيد الدولي(4).

مستقبل الدور والقيادة الأمريكية :

تتفق معظم الكتابات الأمريكية علي أن الولايات المتحدة ستظل القوة الفاعلة في النظام الدولي الذي لا يزال في طور التشكل، إلا أن اختلال موازين القوي بين الولايات المتحدة والقوي الصاعدة سيضيق. كما تتفق علي قدرة الولايات المتحدة علي الخروج من أزماتها، واستغلالها كفرصة لتعزز نفوذها الدولي(5).

ويرفض معظم الباحثين المقارنة بين ما تمر به الولايات المتحدة حاليا، والظروف التي سبقت انهيار الإمبراطورية البريطانية، نظرا لأن الولايات المتحدة تملك من مصادر القوة ما افتقدته بريطانيا في حينه. كما أنها تختلف عن بريطانيا في أنها غير محاطة جغرافيا بدول تهددها، مثلما كانت تهدد ألمانيا وروسيا بريطانيا.

ويري الفريق الدافع بقدرة الاقتصاد الأمريكي علي تجاوز التأزم الاقتصادي الحالي أن الأزمة لا ترتبط بخلل أو قصور في المنظومة الاقتصادية الأمريكية، ولكنها ترجع إلي سياسات يمكن إصلاحها بصورة سريعة وسهلة. وفي حال تعافي الولايات المتحدة من أزماتها الاقتصادية، فإنها ستضمن دورا فاعلا علي المستوي العالمي، خاصة في ظل عدم تمتع النموذجين الصيني والروسي بالجاذبية لدي الدول الأخري. وقد صاغت الإدارة الأمريكية بالفعل مجموعة من السياسات التي تساعد علي النهوض بالاقتصاد، منها: تشجيع زيادة المدخرات، وزيادة الدورات التدريبية في مجال العلوم والتكنولوجيا، وتطوير أساليب جيدة في استغلال الطاقة(6).

وفي عصر تكنولوجيا المعلومات، فإن قوة الدولة تكمن في ما تمتلكه من معرفة في مجال التكنولوجيا والبرمجة، والاختراعات، والتي تتفوق فيها واشنطن علي مثيلاتها من الدول الأخري. والولايات المتحدة هي مهد الصناعات النانوتكنولوجية (الصناعات التكنولوجية الدقيقة) والبيولوجية، وتحقق أرباحا طائلة منها. فقد حققت عائدات من الصناعات التقنية الحيوية بأكثر من 50 مليار دولار، وهو خمسة أضعاف ما حققته أوروبا. كما تحقق ما نسبته 76% من العائدات العالمية في مجال التقنية الحيوية، فضلا عن حفاظها علي مكانتها المتقدمة في مجالات العلم والثقافة والمعلومات.

ويؤكد زكريا أن الولايات المتحدة ستحتفظ بحيويتها لارتفاع نسبة الشباب فيها – وهي الشريحة الاجتماعية التي يعول عليها في تقدم الدول – وذلك نظرا للهجرة المتوافدة عليها من باقي دول العالم. تستمد الولايات المتحدة قدرتها علي جذب المهاجرين من أنها بلد الديمقراطية والحرية، ولنجاحها في دمج وصهر المهاجرين في بوتقة الثقافة والتاريخ الأمريكي. وقد ظهرت تجليات ذلك في منافسة أمريكي من أصل إفريقي لأمريكي أبيض علي منصب الرئاسة، بل ووصوله إلي البيت الأبيض كأول سابقة في التاريخ السياسي الأمريكي(7).

كما تتميز الولايات المتحدة بارتفاع نسبة الاستثمار الأمريكي في عمليات البحث والتطوير. ففي عام 2007، كانت الولايات المتحدة رائدة في الإنفاق علي البحث العلمي بما يقدر ب- 396 مليون دولار، تليها آسيا ب- 388 مليون دولار، ثم الاتحاد الأوروبي ب- 263 مليون دولار. وتنفق الولايات المتحدة 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي علي البحث والتطوير، أي نحو ضعف ما تنفقه الصين، ناهيك عن تزايد تسجيل براءات الاختراع التي وصلت إلي 80 ألف براءة اختراع في عام 2007، وهو ما يفوق دول العالم مجتمعة(8).

وتتفوق الولايات المتحدة علي باقي الدول في الإنفاق علي التعليم العالي الذي يعد نجاحا اقتصاديا للولايات المتحدة في عصر ثورة المعلومات، فهي تنفق علي التعليم ضعف إنفاق فرنسا وألمانيا واليابان. وفي تقييم Times Higher Education

لعام 2009، جاءت ست جامعات أمريكية ضمن أفضل عشر جامعات في العالم. وفي دراسة Shanghai Jiao Tong University

لعام 2010 جاءت سبع عشرة جامعة أمريكية ضمن أفضل عشرين جامعة، بالإضافة إلي حصول مواطني الولايات المتحدة علي أكبر عدد من جوائز نوبل. كما أن معدل النشر العلمي أعلي من أي دولة أخري، وهو ما يعزز القوة الصلدة والناعمة للولايات المتحدة الأمريكية(9).

كيفية الحفاظ علي المكانة الدولية :

تنشغل الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية بتساؤل رئيسي يتعلق بكيفية حفاظ الولايات المتحدة علي دورها كقائدة للنظام الدولي، في ظل صعود قوي جديدة تهدد هذه المكانة، وترغب في أن تحل محل الولايات المتحدة الأمريكية دوليا، لاسيما بعد تراجع الدور والنفوذ الأمريكيين خلال السنوات الثماني لحكم الرئيس بوش الابن.

وقد جاءت استراتيجية الأمن القومي(10) التي أعلنتها إدارة باراك أوباما في السابع والعشرين من مايو 2010، بعد ما يقرب من ستة عشر شهرا لها في البيت الأبيض، لتعكس رؤية الإدارة الأمريكية الحالية لمواجهة تراجع النفوذ الأمريكي عالميا. كما عكست مقالات عديد من المسئولين الأمريكيين بدورية الشئون الخارجية (Foreign Affairs) ذائعة الصيت هذه الرؤية أيضا، ومنهم وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس(11)، ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون(12). وقد عكست هذه المقالات الرؤية الأمريكية لكيفية التعامل مع النظام الدولي ‘كما هو’، وليس من زاوية ‘يجب أن يكون عليه’.

تهدف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إلي تدعيم القدرة الأمريكية علي لعب دور قيادي في النظام العالمي، لتحقيق مصالحها في القرن الحادي والعشرين، وذلك علي مسارين، يتمثل أولهما في بناء قوتها الداخلية. أما ثانيهما، فيتمثل في العمل علي صوغ نظام دولي يمكن من مواجهة التحديات الدولية. ينطلق ذلك من قناعة عبر عنها ‘أوباما’ في أكثر من محفل دولي، والتي أكدها في تقديمه للوثيقة، ومفادها: ‘أنه ليست هناك دولة واحدة، بغض النظر عن قوتها، تستطيع التصدي لكل التحديات العالمية بمفردها’، وهو الأمر الذي يفرض إعادة صياغة المقاربات التعاونية أو التشاركية القادرة علي تحقيق نجاحات دولية.

ومن جانبها، تؤكد وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، ضرورة تعزيز الولايات المتحدة الأمريكية الشراكة مع الحلفاء، وتوسيع تلك الشراكات وتعمقيها، فضلا عن البحث عن شركاء جدد. وهو ما أكدته وثيقة الأمن القومي الأمريكي الجديدة في أكثر من موضع. وتتفق مقالة ‘هيلاري’ الأخيرة في مجلة ‘الشئون الخارجية’ ووثيقة الأمن القومي الأمريكي في ضرورة تركيز الولايات المتحدة علي التعاون مع المؤسسات الدولية القائمة، مثل مجموعة العشرين، ومنظمة الأمم المتحدة، بعد فترة من تراجع التعاون الأمريكي خلال فترتي بوش الابن، وكذلك مع عديد من المؤسسات الإقليمية، كمؤسسة رابطة دول جنوب شرق آسيا، ومنظمة الدول الأمريكية. ولتفعيل تلك المؤسسات الدولية، دعا العديد من الباحثين إلي أن تكون أكثر فاعلية في تمثيلها للعالم في القرن الحادي والعشرين، بأن يكون هناك تمثيل وصوت ومسئوليات أكبر للقوي الناشئة والصاعدة علي المسرح الدولي(13).

ويصاحب ذلك إحداث تحول في الدبلوماسية الأمريكية، بحيث تكون هي عمود السياسة الخارجية الأمريكية. ولا يكون التركيز فقط علي العمل الدبلوماسي المحض، ولكن لابد أن يكون للدبلوماسية الأمريكية دور تنموي إنساني من خلال الوكالات الأمريكية التنموية والتابعة لوزارة الخارجية الأمريكية(14)، مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والتي تعمل جنبا إلي جنب مع العمل العسكري الأمريكي، وهو أيضا ما أكده وزير الدفاع الأمريكي في مقالته بدورية الشئون الخارجية. ومن جانبها، تؤكد هيلاري استمرار العلاقة والشراكة بين الدبلوماسيين والمدنيين الموكل إليهم العمل التنموي والإنساني وشركائهم في الجيش، لاسيما في مناطق الصراع والدول الهشة.

ويرتبط نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في الحفاظ علي مكانتها ودورها عالميا في مدي قدرتها علي إحداث التوازن بين القوتين الصلدة والناعمة في استراتيجية واحدة ناجحة، أضحي يطلق عليها القوة الذكية (Smart Power)(15)، بحيث ترسم أفضل استراتيجية تستطيع من خلالها التعامل مع مظاهر تراجع فاعلية وتأثير الولايات عالميا، في ظل تعدد مراكز القوي وتعدد مصادر القوة. فلم تعد القوة في حد ذاتها محددا للقوة دوليا، وإنما كيفية إدماجها في استراتيجية ناجحة في تحقيق الهدف من امتلاكها واستخدامها، وبناء أسس قوية للقيادة الأمريكية دوليا تبدأ من الداخل الأمريكي. فأعظم المخاطر التي تهدد القوة الأمريكية تبدأ من الداخل وتنتهي في الداخل، لأن ما يحدث داخل حدودها يحدد قوتها ونفوذها خارج حدودها، لاسيما في عالم يتزايد ترابطا وتشابكا. وتربط الإستراتيجية بين استعادة قوة ومكانة الولايات المتحدة وقدرتها التنافسية وقدوتها الأخلاقية.

وتركز أولي خطوات واشنطن لاستعادة قوتها ومكانتها – حسبما ذهبت وثيقة الأمن القومي الأمريكي الجديدة – علي دفع الاقتصاد الأمريكي الذي مر بأزمة اقتصادية عاصفة لم يشهدها منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن المنصرم، فالاقتصاد الأمريكي بالنسبة للاستراتيجية هو منبع القوة الأمريكية. ولذا، فقد ركزت الاستراتيجية علي ضرورة تحقيق انتعاش اقتصادي واسع، وخفض العجز المالي، وخلق وظائف جديدة، وتخفيض تكاليف الرعاية الصحية للمواطنين الأمريكيين، وإعادة تشييد بنية تحتية جديدة أكثر أمنا وقادرة علي مواجهة التحديات الأمنية والكوارث الطبيعية.

كما أكدت الوثيقة ضرورة استعادة الولايات المتحدة قوتها علي الصعيد العلمي، وزيادة قدرة الأمريكيين علي المنافسة علي المدي الطويل. فقد كتب أوباما في مقدمته للاستراتيجية: ‘يجب أن نعلم أبنائنا التنافس في عالم تكون فيه المعرفة هي رأس المال’. وانطلاقا من هذا، فقد ركزت علي أهمية رفع قدرات البحث العلمي وزيادة الاكتشافات العلمية، وتحقيق اختراقات علمية غير متوقعة. فيقول أوباما ‘يجب أن ننظر إلي الابتكارات الأمريكية كأساس لقوة الولايات المتحدة’. ويضاف إلي ذلك العمل علي تطوير مصادر الطاقة النظيفة لتحل محل الوقود الأحفوري الذي تدار به المصانع الأمريكية، والذي يقود إلي فك الارتباط الأمريكي بالنفط الخارجي، وهو ما تبناه أوباما في برنامجه الانتخابي خلال عام 2008 .

من ناحية أخري، تذهب الاستراتيجية إلي ضرورة العمل علي إعادة الاعتبار لمجموعة القيم والمبادئ الأمريكية التي بنيت عليها السياسة الخارجية الأمريكية منذ عهد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، والتي تتمثل في تعزيز الحقوق الأساسية، وحكم القانون، ودعم التنمية، ومواجهة الفقر والفساد، ودفع عملية السلام بين الأمم والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهي قيم لا يمكن فرضها بالقوة، ‘فالقيادة الأمريكية لن تتأتي من خلال زرع الخوف في قلوب الآخرين، ولكن من خلال مخاطبة آمالهم’. والطريقة المثلي لذلك، كما تذهب الاستراتيجية، تتمثل في قوة شرف واستقامة الشعب الأمريكي، وذلك مرتبط بالقوات المسلحة، والدبلوماسية، والقطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، والمواطنين الأمريكيين العاديين، فكل منهم يلعب دورا في تحقيق أمن الولايات المتحدة ومخاطبة شعوب العالم(16).

خاتمة :

لم يتبلور النظام الدولي الجديد بعد، فهو نظام ‘أحادي القطبية’ علي صعيد القوة العسكرية، حيث يشير الإنفاق العسكري الأمريكي، مقارنة بالقوي الدولية الصاعدة، إلي أن الولايات المتحدة ستظل القوة العسكرية لردح طويل من الزمن. ولكن هذا النظام سيكون ‘متعدد الأقطاب’ علي الصعيد الاقتصادي، حيث تتعدد مراكز القوي الاقتصادية، وفي الوقت ذاته ‘عديم الأقطاب’، حسب رؤية رئيس ‘مجلس العلاقات الخارجية’ الأمريكي ريتشارد هاس(17). فيشهد النظام الدولي الجديد صعود قوي إقليمية لا تقل أهمية ودورا عن القوي الدولية الصاعدة، وفاعلين ما دون الدولة(Non-State Actor) من شركات متعددة الجنسيات والجماعات والميليشيات المسلحة، والتي سيتزايد دورها، وهو ما يشكل تجسيدا لعالم العلاقات الدولية العابر للحدود، والواقع خارج سيطرة حكومات الدول القومية.

وسيرتبط مستقبل مكانة الولايات المتحدة ودورها الفاعل عالميا بمدي قدرتها علي التعامل مع مستجدات هذا النظام العالمي الجديد الذي يشهد صعود قوي جديدة، وجماعات، ومنظمات تملك من القوة ما يجعلها ذات قوة وتأثير يفوق بعض الدول القومية. فعلي الرغم من كونها القوة العسكرية الكبري في العالم، فإننا نجدها اليوم تتعثر بشدة في حروبها التوسعية، ونجد اقتصادها يضعف أكثر فأكثر بسبب المنافسة الشديدة التي يتعرض لها من قبل اقتصادات القوي الصاعدة، الأخري. وفي حال تكيف الولايات المتحدة مع تلك التحولات، وتعاونها بشكل أفضل مع القوي الصاعدة فإننا سنشهد انتقالا سلسا وسلميا إلي نظام تعددي جديد من دون كوارث وحروب، تكون الولايات المتحدة فاعلا رئيسيا فيه بجانب بعض القوي الأخري.

الاستقرار الإقليمي علي محك الأزمة الكورية

كاتب الموضوع الأصلي: فهد مهدي القحطاني-

الاستقرار الإقليمي علي محك الأزمة الكورية
د. أحمد قنديل *

عاد شبح الحرب ليخيم من جديد علي منطقة شبه الجزيرة الكورية، بعد أن تصاعدت حدة التوتر بشدة في نهاية شهر نوفمبر 2010، إثر أزمة الهجوم المدفعي الذي شنته كوريا الشمالية علي جزيرة ‘دايونبيونجدو’ التابعة لكوريا الجنوبية بالقرب من الحدود البحرية المشتركة في البحر الأصفر، مما أسفر عن مقتل أربعة كوريين جنوبين، نصفهم من المدنيين، والنصف الآخر من العسكريين.

وبعد أيام قليلة من اندلاع هذه الأزمة، التي تعد الأخطر منذ انتهاء الحرب الكورية في عام 1953، ألقي رئيس كوريا الجنوبية، لي ميونج باك، خطابا حزينا ومؤثرا علي شعبه، بدأه بالاعتذار عن رد حكومته ‘الضعيف’ تجاه هذه الأزمة، مشيرا إلي أنه يتحمل ‘المسئولية الكاملة’ للفشل في حماية أرواح وممتلكات شعبه. ومن جهة أخري، استنكر الرئيس باك أيضا بشدة تصرفات كوريا الشمالية، مشيرا إلي أنها قابلت مساعدات بلاده الانسانية المتواصلة وحرصها علي الحوار والتعايش بمجموعة من الأعمال الاستفزازية، شملت تطوير برامجها النووية والصاروخية، وإغراق مدمرتها البحرية ‘تشيونان’ في مارس 2010، مما أسفر عن مقتل 46 بحارا، ثم قيامها أخيرا بالقصف المدفعي لجزيرة ‘دايونبيونجدو’.

وفي ضوء ذلك، استبعد الرئيس باك أن تقوم بيونج يانج بالتخلي الطوعي عن برامجها النووية والصاروخية، متعهدا ب- ‘الانتقام القاسي’ من كوريا الشمالية، في حال ارتكابها المزيد من الاستفزازات.

وبعد هذا الخطاب بساعات، تم تعيين الجنرال كيم كوان جين وزيرا جديدا للدفاع، خلفا لكيم تاي يونج الذي استقال، أو أقيل، بعد القصف المدفعي لكوريا الشمالية. وتعهد وزير الدفاع الجديد بأن ترد سول بشن غارات جوية مدمرة، إذا نفذت بيونج يانج مزيدا من أعمالها الاستفزازية.

ومن أجل ردع كوريا الشمالية عن القيام بأية أعمال عدوانية في المستقبل، أجرت كوريا الجنوبية مناورات عسكرية مشتركة ضخمة مع الولايات المتحدة في البحر الأصفر، شاركت فيها حاملة الطائرات الأمريكية العملاقة جورج واشنطن.

وبعد ذلك بعدة أيام، زاد لهيب المناورات العسكرية في المنطقة، عندما دخلت قوات الدفاع الذاتي اليابانية (الاسم الرسمي للجيش الياباني) في أكبر مناورات عسكرية مشتركة علي الإطلاق مع الولايات المتحدة في عدة مواقع في اليابان وحولها لمدة ثمانية أيام في بداية شهر ديسمبر 0102. وهي المناورات التي شارك فيها للمرة الأولي ضباط من كوريا الجنوبية لإظهار التضامن والتنسيق بين الدول الثلاث في التعامل مع كوريا الشمالية.

ومن ناحيتها، ألقت كوريا الشمالية بمسئولية الأزمة الأخيرة في شبه الجزيرة الكورية علي الشطر الجنوبي لقيامه بإطلاق الذخيرة الحية في المنطقة الحدودية المشتركة بين البلدين.

كما أعلنت بيونج يانج أيضا عن عزمها بناء مفاعل نووي جديد يعمل بالماء الخفيف لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة الكهربائية، في إشارة علي عزمها المضي قدما في تطوير برامجها النووية، بما في ذلك إجراء تجربة نووية ثالثة.

وفي الوقت نفسه، زادت حدة الأزمة بعدما نصبت كوريا الشمالية أيضا صواريخ أرض/أرض علي منصات إطلاق في البحر الأصفر، والذي هددت بتحويله إلي بحر من نار في حال تعرضها لاعتداء أو لأي انتهاك لمياهها الإقليمية، محذرة من عواقب لا يمكن التكهن بها بسبب الخطط الهوجاء التي تتبنها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، مستهدفة الشعب الكوري الشمالي.

لا حرب ولا سلم :

رغم تصاعد وتيرة التوتر بين الكوريتين علي النحو السالف ذكره، وما قد يترتب علي ذلك من زيادة احتمالات عدم الاستقرار في منطقة شرق آسيا، لا يتوقع كثير من المراقبين، الذين قابلهم كاتب هذه السطور في طوكيو، أن تتصاعد الأزمة في شبه الجزيرة الكورية باتجاه الحرب الشاملة في الوقت الراهن. فالتوتر الدائم، والتصريحات النارية، والمناورات العسكرية الصاخبة، وأحيانا الاشتباكات المحدودة، هي سمات مميزة للوضع في هذه المنطقة من العالم، منذ نهاية الحرب الكورية في عام 3591.

ومع ذلك، يبدو في الوقت نفسه أن الحل السلمي والدبلوماسي لهذه الأزمة ليس ميسورا أو سهل المنال، نتيجة اختلاف رؤي القوي الفاعلة في المنطقة (الولايات المتحدة والصين واليابان وروسيا) حول طبيعة وشكل التسوية السلمية، الأمر الذي يدفع معظم المهتمين بالشأن الكوري إلي ترجيح استمرار هذه الأزمة وتداعياتها السلبية علي أمن واستقرار منطقة شرق آسيا في المدي المنظور.

ففي الوقت الذي تدافع فيه واشنطن، وحلفاؤها في طوكيو وسول، عن اتباع منهج أكثر صرامة وتشددا مع بيونج يانج، من خلال التلويح بفرض عقوبات اقتصادية جديدة، والقيام برد عسكري قوي إذا ما تكررت الاستفزازات من الشطر الشمالي، تتمسك بكين، وتؤيدها في ذلك موسكو، باتباع منهج التهدئة والتعاون مع كوريا الشمالية عبر المحادثات السداسية.

ويؤكد الخبراء أنه ما دام هذا الاختلاف قائما في الرؤي بين القوي الرئيسية ذات العلاقة بشبه الجزيرة الكورية، فسيكون من الصعوبة بمكان اتخاذ أية خطوات إيجابية ملموسة للحل السلمي والدبلوماسي للأزمة.

ويضيف هؤلاء بالقول إن الصين والولايات المتحدة هما الدولتان الوحيدتان القادرتان علي قيادة دفة التطورات في شبه الجزيرة الكورية نحو شاطئ الاستقرار، مشيرين إلي أن التعاون الأمريكي – الصيني هو السبيل الوحيد لوضع نهاية الأزمة المستعصية علي الحل في شبه الجزيرة الكورية.

الصين الحليف الأول :

الصين هي اللاعب الأكثر أهمية في حل أزمة شبه الجزيرة الكورية، من وجهة نظر العديد من المتابعين للشأن الكوري. فهي تعتبر الحليف الأول، وربما الأوحد، لكوريا الشمالية منذ فترة طويلة، بعد أن أصبحت المصدر الرئيس للغذاء والوقود اللازمين لعدم انهيار النظام الحاكم في بيونج يانج، في ضوء العقوبات الاقتصادية الصارمة المفروضة عليها من جانب مجلس الأمن الدولي وعدد من الدول المهمة في المجتمع الدولي. ومن ثم، تملك الصين نفوذا اقتصاديا وسياسيا هائلا علي قادة كوريا الشمالية.

ومن جهة أخري، يثق صانعو القرار في بيونج يانج في أن نظراءهم في بكين لديهم حرص شديد علي عدم انهيار النظام الحاكم في كوريا الشمالية، باعتبار أن ذلك من شأنه أن يتعارض مع المصالح الصينية القومية العليا، التي تؤكد الأهمية القصوي لعدم خسارة كوريا الشمالية بوصفها حاجزا عازلا بين القوات الصينية من جهة والقوات العسكرية الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية من جهة أخري.

فضلا عن أن المصالح الصينية العليا تشير أيضا إلي تفضيل الصينيين التعامل مع كوريا الشمالية، وربما اليابان وكوريا الجنوبية، وهي مسلحة نوويا، بدلا من التعامل مع دولة منهارة علي حدودها المباشرة. حيث يقدر مسئولون صينيون أن بلدهم سيتدفق عليه نحو 300 ألف نازح من الكوريين الشماليين في حالة حدوث حالة خطيرة من الفوضي وعدم الاستقرار هناك.

وهذه المصالح الصينية الجوهرية ربما تنجح في تفسير عدم قيام بكين بإدانة كوريا الشمالية طوال العام الماضي (سواء بعد اتهام سول لها بإغراق المدمرة ‘تشيونان’ في مارس 2010 التابعة لكوريا الجنوبية، أو بعد القصف المدفعي للجزيرة الجنوبية في نهاية نوفمبر الماضي) رغم الضغوط الأمريكية واليابانية والكورية الجنوبية عليها في هذا الاتجاه.

وبدلا من ذلك، بادرت بكين في نهاية شهر نوفمبر 2010، وبمجرد وقوع الأزمة الأخيرة في شبه الجزيرة الكورية مباشرة، باقتراح عقد اجتماع طارئ للمحادثات السداسية. وهي المحادثات التي تشارك فيها ست دول (الصين واليابان والولايات المتحدة وروسيا والكوريتان) من أجل بحث نزع السلاح النووي لدي كوريا الشمالية، وتطبيع العلاقات بينها من جهة، والولايات المتحدة واليابان من جهة أخري.

إلا أن المبادرة الصينية وجدت ردود فعل فاترة من جانب كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان، حيث سارعت سول إلي تأكيد أن الوقت ‘غير مناسب’ لعقد هذه المحادثات. وقالت واشنطن أيضا إن كوريا الشمالية عليها أولا تغيير توجهاتها الاستفزازية الحالية. واتبعت طوكيو الخط نفسه، مؤكدة ضرورة قيام بيونج يانج أولا بالاعتراف بمسئولياتها عن أفعالها الاستفزازية.

وذهبت إدارة الرئيس الأمريكي أوباما خطوة أبعد في الرد علي المبادرة الصينية، في إطار ضغوطها الدبلوماسية علي بكين، حيث اتهمت الخارجية الأمريكية قادة الصين بأنهم ‘يساعدون’ كوريا الشمالية في تطوير برنامج تخصيب اليوارنيوم، وشن الهجمات العسكرية علي كوريا الجنوبية، مشيرة إلي أن بكين تغض الطرف عن انتهاكات بيونج يانج لقرارات مجلس الأمن الدولي واتفاق الهدنة لوقف الحرب الكورية في 3591. بل إن المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية لوحت بأن بلادها ربما تحتاج إلي إنشاء ‘حلف مضاد للصين’ في منطقة شرق آسيا، لأن سلوكيات بكين المهادنة تشجع قادة كوريا الشمالية علي التمادي في تصرفاتهم الاستفزازية.

تسريبات ويكيليكس :

الانتقادات الأمريكية العلنية في الآونة الأخيرة للموقف الصيني المهادن تجاه كوريا الشمالية تتجاهل بوضوح المعلومات الواردة في الوثائق الأمريكية التي تسربت عبر موقع ويكيليكس في نهاية شهر نوفمبر 0102. حيث تشير هذه الوثائق إلي أن التأثير الصيني في كوريا الشمالية ‘أقل كثيرا مما هو متصور’، خاصة بعد أن تراجع النفوذ السياسي الصيني لدي كوريا الشمالية بدرجة ملحوظة منذ التجارب النووية والصاروخية التي أجرتها الأخيرة في عام 9002.

بل إن الصينيين أصبحوا يعتقدون أن الكرة الآن أصبحت في الملعب الأمريكي لتحقيق التقدم في المباحثات مع كوريا الشمالية عن طريق المفاوضات الثنائية المباشرة. فبحسب برقية دبلوماسية أمريكية، أكد نائب وزير الخارجية الصيني لمسئولين أمريكيين أن بيونج يانج كانت تتصرف مثل ‘الطفل المدلل’ لتجذب انتباه واشنطن للمفاوضات المباشرة بإجرائها تجارب صاروخية في أبريل عام 9002.

تشدد أمريكي غير متوقع :

علي خلاف الموقف الصيني المهادن تجاه بيونج يانج من أجل تهدئة الأوضاع المتوترة في شبه الجزيرة الكورية، تميل الولايات المتحدة بشكل عام إلي اتباع منهج أكثر تشددا وصرامة تجاه كوريا الشمالية.

فعقب تبادل القصف المدفعي بين الكوريتين في نوفمبر 2010، أكد المسئولون الأمريكيون رسالة مفادها أن ‘التصرفات السيئة’ من جانب كوريا الشمالية لابد من التعامل معها بحزم وقوة من الآن فصاعدا، وأن تكرار قيام بيونج يانج لهذه التصرفات في المستقبل لن يمر دون عواقب وخيمة عليها.

كما سارعت واشنطن أيضا إلي مطالبة حلفائها بفرض عقوبات اقتصادية شاملة علي الكورييين الشماليين، والتخلي عن المحادثات السداسية الرامية إلي تفكيك البرنامج النووي الخاص بهم.

ودعا مجلس الشيوخ الأمريكي الصين إلي استخدام نفوذها لوقف جميع الأنشطة النووية لدي كوريا الشمالية، وتحجيم تصرفاتها الاستفزازية، التي وصفها المجلس بأنها ‘لا تخدم إلا زعزعة الاستقرار والأمن في شبه الجزيرة الكورية.’

وفي ظل هذه التوجهات العامة، أجرت واشنطن مناورات عسكرية ضخمة مع سول، استمرت أربعة أيام، بدأت في 28 نوفمبر 0102، وشاركت فيها حاملة الطائرات الأمريكية (يو إس إس جورج واشنطن)، وفرقاطات وطائرات لمحاربة الغواصات، وطرادات قاذفة للصواريخ، ومجهزة بنظام ‘إيجيس’ المضاد للصواريخ الباليستية، بحسب قيادة القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية، حيث يتمركز 28500 جندي أمريكي.

ومن ناحية ثانية، استقبلت واشنطن، ومعها سول وطوكيو، الاقتراح الصيني الداعي إلي إحياء المحادثات السداسية بحذر وتردد، حسبما أوضحنا في السطور السابقة.

الموقف الأمريكي المتشدد من كوريا الشمالية جاء علي عكس توقعات بعض المراقبين القائلة إن واشنطن ستسعي بكل جهدها لتهدئة الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية حتي تتجنب بدء حرب جديدة في منطقة شرق آسيا، خاصة أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعي جاهدة للخروج بماء الوجه من حربيها في العراق وأفغانستان. فضلا عن أن مشكلات واشنطن الاقتصادية الداخلية، وامتلاك كوريا الشمالية للسلاح النووي من شأنهما -في حال وقوع أية مواجهة عسكرية مع كوريا الشمالية- تعقيد الأمور بشدة أمام إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

ومن جهة أخري، رأي عدد من المراقبين أن تشدد واشنطن تجاه كوريا الشمالية غير منطقي أو مطلوب علي الأقل في الفترة الحالية، لأن هذا التشدد قد يدفع بالعلاقات بين الولايات المتحدة من ناحية وكل من الصين وروسيا من ناحية أخري، نحو توترات لا تنسجم مع حاجة الأمريكيين لتأييدهما في مجلس الأمن بخصوص عدد من الملفات الأكثر إلحاحا وأهمية للمصالح الأمريكية، مثل الملف النووي الإيراني. فما هي دوافع وأهداف هذا الموقف المتشدد وغير المتوقع من جانب واشنطن تجاه بيونج يانج?

دوافع الموقف الأمريكي :

في محاولة للرد علي هذا التساؤل، يري عدد من المراقبين أن الإدارة الأمريكية لديها أكثر من دافع لهذا الموقف المتصلب تجاه الكوريين الشماليين، بعضها يتعلق بحسابات دولية وإقليمية، وبعضها الآخر يتعلق بحسابات داخلية.

الدافع الأول: هو رغبة الإدارة الأمريكية الحالية في المحافظة علي صورتها كقوة مهيمنة علي الساحة العالمية، وتعميق تحالفها الأمني والاستراتيجي مع اليابان وكوريا الجنوبية، عن طريق لفت نظرهما إلي وجود عدو خطير (يتمثل في كوريا الشمالية ومن خلفه الصين) في منطقة البحر الأصفر، مما يبرر وجودها العسكري المكثف في منطقة شرق آسيا. ويأتي تنامي هذه الرغبة في وقت تتصاعد فيه المطالبة الشعبية، والرسمية أحيانا، بتصفية القواعد العسكرية الأمريكية في كل من كوريا الجنوبية واليابان، لما تمثله من أعباء مالية وسياسية باهظة.

الدافع الثاني: هو رغبة واشنطن في توجيه رسالة تحذير قوية للصين، التي تزايدت قوتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية بوضوح في الآونة الأخيرة، مما شجعها علي اتخاذ مواقف أكثر تصلبا تجاه منازعاتها الإقليمية مع الدول المجاورة، خاصة مع اليابان بشأن الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي. فالولايات المتحدة رأت في الموقف المتشدد تجاه كوريا الشمالية، وإجراء المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية واليابان في البحر الأصفر وبحر اليابان علي التوالي، وعلي بعد مئات الكيلو مترات من الحدود الصينية، لفتا لأنظار قادة الصين إلي حقيقة أنهم لن يكونوا آمنين، إذا ما استمرت محاولاتهم لتغيير الوضع القائم في بحر الصين الشرقي.

الدافع الثالث: حاجة الرئيس الأمريكي، بعد هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي، للحصول علي تأييد عدد من أعضاء الحزب الجمهوري لبعض ملفاته الإصلاحية الداخلية، مقابل إحداث نوع من التوافق مع الحزب الجمهوري في مجال السياسة الخارجية، خاصة في مجال التعامل مع الصين وكوريا الشمالية.

ومن جهة أخري، يري البعض أن التشدد الأمريكي تجاه بيونج يانج يهدف أيضا إلي الاستجابة إلي متطلبات صناعة السلاح الأمريكية، عبر اجتذاب حلفائها في شرق آسيا (كوريا الجنوبية، اليابان، تايوان، وصولا إلي الفلبين ..) إلي مشاريع دروع صاروخية دفاعية مشابهة لتلك التي يتم إنشاؤها في أوروبا الشرقية، لمواجهة ‘الخطر الداهم’ من جانب كوريا الشمالية.

رؤية كارتر لحل الأزمة :

وبعيدا عن دوافع وأهداف السياسة الأمريكية تجاه الأوضاع المتفجرة في شبه الجزيرة الكورية، يري عدد من المراقبين، ومن بينهم كاتب هذه السطور، أن السياسة الأمريكية المتصلبة، والهادفة لخنق النظام الحاكم في كوريا الشمالية، أو دفعه نحو الهاوية بفرض مزيد من العزلة الاقتصادية والدبلوماسية عليه، هي سياسة محدودة النتائج وغير فعالة في تحقيق الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، بل إنها تؤدي في معظم الأحيان إلي نتائج عكسية من شأنها أن تؤجج الأزمة هناك بدلا من حلها.

وتأكيدا علي وجهة النظر هذه، نشر الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، في 30 نوفمبر 2010، مقالة مهمة في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، أكد فيها أن حل أزمة شبه الجزيرة الكورية يتطلب الاستجابة لمطالب بيونج يانج، مشيرا إلي أن تصرفاتها الأخيرة، سواء إعلانها عن امتلاك الآلاف من أجهزة الطرد المركزي في منشأة لتخصيب اليورانيوم، أو قصفها المدفعي لجزيرة ‘دايونبيونجدو’ التابعة لكوريا الجنوبية، ما هي إلا رغبة منها في لفت نظر العالم إلي أنها تستحق اهتماما أكثر واحتراما أكبر في المفاوضات السياسية التي تجري حاليا بين الدول الست لتشكيل الملامح الرئيسية لمستقبل كوريا الشمالية.

وشدد كارتر أيضا، في مقالته المهمة، علي أن الإدارة الأمريكية الحالية لن يكون أمامها سوي التهدئة الدبلوماسية، وتجنب وقوع صدام كارثي مع كوريا الشمالية، عن طريق إجراء مفاوضات مباشرة معها، علي غرار تلك التي جرت بين البلدين في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في جنيف عام 1994، والتي أسفرت عن إيقاف بيونج يانج لدورة معالجة الوقود النووي، وإعادة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية إلي كوريا الشمالية لمدة ثماني سنوات.

وقال كارتر إن قيام إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في عام 2000 باعتبار كوريا الشمالية إحدي دول ‘محور الشر’، بعد ظهور مؤشرات علي مساعيها الرامية لامتلاك اليورانيوم المخصب في انتهاك صارخ لاتفاق 1994، أدي إلي طرد بيونج يانج لمفتشي الوكالة، واستئناف برنامجها النووي من جديد لتصبح قادرة علي صنع سبعة رءوس نووية، حسب أحدث التقديرات المتاحة حول قدراتها النووية.

وأشار كارتر أيضا إلي أن المفاوضات السداسية، التي استمرت عدة سنوات، قد نجحت في التوصل إلي تسوية مقبولة من جميع الأطراف علي اتفاق جديد لوقف البرنامج النووي لدي كوريا الشمالية في عام 5002. وهو الاتفاق الذي أكد المبادئ الأساسية التي قام عليها اتفاق 1994، مثل ضرورة إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، وتعهد الولايات المتحدة بعدم الاعتداء علي كوريا الشمالية، واتخاذ الخطوات اللازمة للتوصل إلي اتفاق سلام شامل يحل محل اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية والصين، الذي تم التوصل إليه في عام 3591.

ويوضح كارتر أيضا أن كوريا الشمالية ستصر علي موقفها الرامي إلي إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة لنزع فتيل الأزمة في شبه الجزيرة الكورية، لأن قادتها يعتقدون أن واشنطن هي التي تتحكم في المواقف العسكرية والسياسية لكوريا الجنوبية.

وأكد كارتر، في نهاية مقالته، ضرورة استجابة واشنطن لرغبة كوريا الشمالية في إجراء مفاوضات مباشرة معها للحصول علي اعتراف دبلوماسي ومساعدات اقتصادية، مقابل موافقة بيونج يانج علي عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية إليها، وإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، والتوصل إلي اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار، بناء علي اتفاق 1994 والمبادئ التي أسفرت عنها المحادثات السداسية في عام 5002.

وحذر كارتر من أن البديل لهذه الرؤية سيكون قيام بيونج يانج باتخاذ كافة الخطوات، التي تراها ضرورية، للدفاع عن نفسها ضد الهواجس التي تنتابها من وقوع هجوم عسكري عليها، من أجل تغيير النظام الحاكم فيها بدعم ومساندة الولايات المتحدة.

المعضلة الكورية :

لا أحد يستطيع تأكيد أن الحل الأمثل لأزمة شبه الجزيرة الكورية المزمنة يتمثل في رؤية كارتر والمواقف الصينية المهادنة تجاه كوريا الشمالية، أو في الموقف الأمريكي المتشدد حيالها. ولا أحد يعلم أيضا ما إذا كان استمرار النظام الحالي في بيونج يانج أو السعي لإسقاطه والقضاء عليه هو الأفضل لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة شرق آسيا أم لا.

وفي ضوء ذلك، يؤكد العديد من الخبراء أن الوضع لا يزال خطيرا في شبه الجزيرة الكورية، محذرين من أن الانتظار لعدة سنوات أخري، دون إحداث تقدم ملموس لتحقيق الامن والاستقرار في المنطقة، سيؤدي إلي عواقب وخيمة، من أبرزها مزيد من التطوير في القدرات النووية والصاروخية لدي كوريا الشمالية، فضلا عن مزيد من التصرفات العسكرية الاستفزازية من جانب بيونج يانج. ومن ثم يبدو للكثيرين أن الانتظار لن يكون الحل الأمثل لضمان الاستقرار والأمن في شبه الجزيرة الكورية.

وسيكون البديل، في المدي القصير، هو ضرورة التعاون الأمريكي – الصيني لتجميد البرامج النووية والصاروخية لدي كوريا الشمالية، مقابل دفع ‘ثمن’ مناسب بالطبع.

ولكن في المدي الطويل، ستظل أزمة شبه الجزيرة الكورية بلا نهاية، ما دامت أسرة كيم تسيطر علي السلطة السياسية في بيونج يانج. حيث تشير إحدي الوثائق الأمريكية التي سربها موقع ويكيليكس أخيرا إلي تخوف صانعي السياسة في سول وواشنطن من انهيار كوريا الشمالية بحلول عام 2018، نتيجة للأزمات الاقتصادية والسياسية التي تمر بها. حيث أكد دبلوماسي كوري جنوبي هذا التقدير للسفيرة الأمريكية في سول، كاثلين ستيفين، علي غداء عمل في شهر فبراير 2010، مشيرا إلي أن هذا الانهيار سيحدث بعد سنتين أو ثلاث من رحيل كيم جونج إيل المتوقع في عام 2015 علي الأكثر.

وفي ظل هذا السيناريو، يمكن أن نتخيل حجم الفوضي وعدم الاستقرار الذي يمكن حدوثه في المنطقة، بعد رحيل الزعيم الحالي لكوريا الشمالية كيم جونج إيل، نتيجة ضعف خبرة خليفته المحتمل، وهو ابنه الأصغر ذو الثمانية والعشرين ربيعا، أو كنتيجة لوقوع انقلاب عسكري، أو لأي سبب آخر.

ولا شك في أن جميع الدول الفاعلة في شبه الجزيرة الكورية (خاصة الصين والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، واليابان وروسيا)، ستكون في حالة من القلق الشديد إزاء الأسلحة النووية التي تمتلكها كوريا الشمالية. وستتجه كل الأنظار إلي بكين وواشنطن من أجل التعامل مع هذا الوضع بالغ الخطورة. وهنا، سيثور عدد هائل من الأسئلة، من أبرزها:

هل ستثق واشنطن في الصين للسيطرة علي البلوتونيوم واليورانيوم المخصب لدي كوريا الشمالية? وهل ستقبل بكين بفكرة قيام قوات كوريا الجنوبية بمحاولة استعادة النظام والأمن بالقوة في كوريا الشمالية? بل وهل ستسمح الصين بتوحيد كوريا عن طريق استخدام القوة من جانب سول? وإذا ما تحققت الوحدة الكورية، فهل ستوافق واشنطن علي خفض أو سحب قواتها من شبه الجزيرة الكورية واليابان أم لا? وهل يمكن أن يدفع تدهور الأوضاع في كوريا الشمالية إلي تسامح بكين وواشنطن مع امتلاك كل من اليابان وكوريا الجنوبية للسلاح النووي?

أسئلة مهمة يصعب الإجابة عليها في الوقت الراهن. ولكن يمكن توقع أن تحاول الولايات المتحدة، وحلفاؤها في اليابان وكوريا الجنوبية، التدخل المباشر للسيطرة علي الأوضاع في كوريا الشمالية. وهو الأمر الذي سيواجه علي الأرجح بالرفض الشديد من جانب الصينيين الذين لا يرغبون في رؤية الجنود الأمريكيين علي حدودهم.

بل إن عددا من المراقبين يرجح فكرة أن بكين قد تحاول في المدي البعيد، نسبيا، استعادة هيمنتها التاريخية علي شبه الجزيرة الكورية، باعتبار أن الصين هي القوة الرئيسية في هذه المنطقة منذ فجر التاريخ.

وفي ظل كل هذه التوقعات والترجيحات، يمكن القول إن التوتر وعدم الاستقرار في هذه المنطقة المضطربة سيستمران لفترة طويلة مقبلة.

الاستقرار الإقليمي علي محك الأزمة الكورية

كاتب الموضوع الأصلي: فهد مهدي القحطاني-

الاستقرار الإقليمي علي محك الأزمة الكورية
د. أحمد قنديل *

عاد شبح الحرب ليخيم من جديد علي منطقة شبه الجزيرة الكورية، بعد أن تصاعدت حدة التوتر بشدة في نهاية شهر نوفمبر 2010، إثر أزمة الهجوم المدفعي الذي شنته كوريا الشمالية علي جزيرة ‘دايونبيونجدو’ التابعة لكوريا الجنوبية بالقرب من الحدود البحرية المشتركة في البحر الأصفر، مما أسفر عن مقتل أربعة كوريين جنوبين، نصفهم من المدنيين، والنصف الآخر من العسكريين.

وبعد أيام قليلة من اندلاع هذه الأزمة، التي تعد الأخطر منذ انتهاء الحرب الكورية في عام 1953، ألقي رئيس كوريا الجنوبية، لي ميونج باك، خطابا حزينا ومؤثرا علي شعبه، بدأه بالاعتذار عن رد حكومته ‘الضعيف’ تجاه هذه الأزمة، مشيرا إلي أنه يتحمل ‘المسئولية الكاملة’ للفشل في حماية أرواح وممتلكات شعبه. ومن جهة أخري، استنكر الرئيس باك أيضا بشدة تصرفات كوريا الشمالية، مشيرا إلي أنها قابلت مساعدات بلاده الانسانية المتواصلة وحرصها علي الحوار والتعايش بمجموعة من الأعمال الاستفزازية، شملت تطوير برامجها النووية والصاروخية، وإغراق مدمرتها البحرية ‘تشيونان’ في مارس 2010، مما أسفر عن مقتل 46 بحارا، ثم قيامها أخيرا بالقصف المدفعي لجزيرة ‘دايونبيونجدو’.

وفي ضوء ذلك، استبعد الرئيس باك أن تقوم بيونج يانج بالتخلي الطوعي عن برامجها النووية والصاروخية، متعهدا ب- ‘الانتقام القاسي’ من كوريا الشمالية، في حال ارتكابها المزيد من الاستفزازات.

وبعد هذا الخطاب بساعات، تم تعيين الجنرال كيم كوان جين وزيرا جديدا للدفاع، خلفا لكيم تاي يونج الذي استقال، أو أقيل، بعد القصف المدفعي لكوريا الشمالية. وتعهد وزير الدفاع الجديد بأن ترد سول بشن غارات جوية مدمرة، إذا نفذت بيونج يانج مزيدا من أعمالها الاستفزازية.

ومن أجل ردع كوريا الشمالية عن القيام بأية أعمال عدوانية في المستقبل، أجرت كوريا الجنوبية مناورات عسكرية مشتركة ضخمة مع الولايات المتحدة في البحر الأصفر، شاركت فيها حاملة الطائرات الأمريكية العملاقة جورج واشنطن.

وبعد ذلك بعدة أيام، زاد لهيب المناورات العسكرية في المنطقة، عندما دخلت قوات الدفاع الذاتي اليابانية (الاسم الرسمي للجيش الياباني) في أكبر مناورات عسكرية مشتركة علي الإطلاق مع الولايات المتحدة في عدة مواقع في اليابان وحولها لمدة ثمانية أيام في بداية شهر ديسمبر 0102. وهي المناورات التي شارك فيها للمرة الأولي ضباط من كوريا الجنوبية لإظهار التضامن والتنسيق بين الدول الثلاث في التعامل مع كوريا الشمالية.

ومن ناحيتها، ألقت كوريا الشمالية بمسئولية الأزمة الأخيرة في شبه الجزيرة الكورية علي الشطر الجنوبي لقيامه بإطلاق الذخيرة الحية في المنطقة الحدودية المشتركة بين البلدين.

كما أعلنت بيونج يانج أيضا عن عزمها بناء مفاعل نووي جديد يعمل بالماء الخفيف لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة الكهربائية، في إشارة علي عزمها المضي قدما في تطوير برامجها النووية، بما في ذلك إجراء تجربة نووية ثالثة.

وفي الوقت نفسه، زادت حدة الأزمة بعدما نصبت كوريا الشمالية أيضا صواريخ أرض/أرض علي منصات إطلاق في البحر الأصفر، والذي هددت بتحويله إلي بحر من نار في حال تعرضها لاعتداء أو لأي انتهاك لمياهها الإقليمية، محذرة من عواقب لا يمكن التكهن بها بسبب الخطط الهوجاء التي تتبنها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، مستهدفة الشعب الكوري الشمالي.

لا حرب ولا سلم :

رغم تصاعد وتيرة التوتر بين الكوريتين علي النحو السالف ذكره، وما قد يترتب علي ذلك من زيادة احتمالات عدم الاستقرار في منطقة شرق آسيا، لا يتوقع كثير من المراقبين، الذين قابلهم كاتب هذه السطور في طوكيو، أن تتصاعد الأزمة في شبه الجزيرة الكورية باتجاه الحرب الشاملة في الوقت الراهن. فالتوتر الدائم، والتصريحات النارية، والمناورات العسكرية الصاخبة، وأحيانا الاشتباكات المحدودة، هي سمات مميزة للوضع في هذه المنطقة من العالم، منذ نهاية الحرب الكورية في عام 3591.

ومع ذلك، يبدو في الوقت نفسه أن الحل السلمي والدبلوماسي لهذه الأزمة ليس ميسورا أو سهل المنال، نتيجة اختلاف رؤي القوي الفاعلة في المنطقة (الولايات المتحدة والصين واليابان وروسيا) حول طبيعة وشكل التسوية السلمية، الأمر الذي يدفع معظم المهتمين بالشأن الكوري إلي ترجيح استمرار هذه الأزمة وتداعياتها السلبية علي أمن واستقرار منطقة شرق آسيا في المدي المنظور.

ففي الوقت الذي تدافع فيه واشنطن، وحلفاؤها في طوكيو وسول، عن اتباع منهج أكثر صرامة وتشددا مع بيونج يانج، من خلال التلويح بفرض عقوبات اقتصادية جديدة، والقيام برد عسكري قوي إذا ما تكررت الاستفزازات من الشطر الشمالي، تتمسك بكين، وتؤيدها في ذلك موسكو، باتباع منهج التهدئة والتعاون مع كوريا الشمالية عبر المحادثات السداسية.

ويؤكد الخبراء أنه ما دام هذا الاختلاف قائما في الرؤي بين القوي الرئيسية ذات العلاقة بشبه الجزيرة الكورية، فسيكون من الصعوبة بمكان اتخاذ أية خطوات إيجابية ملموسة للحل السلمي والدبلوماسي للأزمة.

ويضيف هؤلاء بالقول إن الصين والولايات المتحدة هما الدولتان الوحيدتان القادرتان علي قيادة دفة التطورات في شبه الجزيرة الكورية نحو شاطئ الاستقرار، مشيرين إلي أن التعاون الأمريكي – الصيني هو السبيل الوحيد لوضع نهاية الأزمة المستعصية علي الحل في شبه الجزيرة الكورية.

الصين الحليف الأول :

الصين هي اللاعب الأكثر أهمية في حل أزمة شبه الجزيرة الكورية، من وجهة نظر العديد من المتابعين للشأن الكوري. فهي تعتبر الحليف الأول، وربما الأوحد، لكوريا الشمالية منذ فترة طويلة، بعد أن أصبحت المصدر الرئيس للغذاء والوقود اللازمين لعدم انهيار النظام الحاكم في بيونج يانج، في ضوء العقوبات الاقتصادية الصارمة المفروضة عليها من جانب مجلس الأمن الدولي وعدد من الدول المهمة في المجتمع الدولي. ومن ثم، تملك الصين نفوذا اقتصاديا وسياسيا هائلا علي قادة كوريا الشمالية.

ومن جهة أخري، يثق صانعو القرار في بيونج يانج في أن نظراءهم في بكين لديهم حرص شديد علي عدم انهيار النظام الحاكم في كوريا الشمالية، باعتبار أن ذلك من شأنه أن يتعارض مع المصالح الصينية القومية العليا، التي تؤكد الأهمية القصوي لعدم خسارة كوريا الشمالية بوصفها حاجزا عازلا بين القوات الصينية من جهة والقوات العسكرية الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية من جهة أخري.

فضلا عن أن المصالح الصينية العليا تشير أيضا إلي تفضيل الصينيين التعامل مع كوريا الشمالية، وربما اليابان وكوريا الجنوبية، وهي مسلحة نوويا، بدلا من التعامل مع دولة منهارة علي حدودها المباشرة. حيث يقدر مسئولون صينيون أن بلدهم سيتدفق عليه نحو 300 ألف نازح من الكوريين الشماليين في حالة حدوث حالة خطيرة من الفوضي وعدم الاستقرار هناك.

وهذه المصالح الصينية الجوهرية ربما تنجح في تفسير عدم قيام بكين بإدانة كوريا الشمالية طوال العام الماضي (سواء بعد اتهام سول لها بإغراق المدمرة ‘تشيونان’ في مارس 2010 التابعة لكوريا الجنوبية، أو بعد القصف المدفعي للجزيرة الجنوبية في نهاية نوفمبر الماضي) رغم الضغوط الأمريكية واليابانية والكورية الجنوبية عليها في هذا الاتجاه.

وبدلا من ذلك، بادرت بكين في نهاية شهر نوفمبر 2010، وبمجرد وقوع الأزمة الأخيرة في شبه الجزيرة الكورية مباشرة، باقتراح عقد اجتماع طارئ للمحادثات السداسية. وهي المحادثات التي تشارك فيها ست دول (الصين واليابان والولايات المتحدة وروسيا والكوريتان) من أجل بحث نزع السلاح النووي لدي كوريا الشمالية، وتطبيع العلاقات بينها من جهة، والولايات المتحدة واليابان من جهة أخري.

إلا أن المبادرة الصينية وجدت ردود فعل فاترة من جانب كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان، حيث سارعت سول إلي تأكيد أن الوقت ‘غير مناسب’ لعقد هذه المحادثات. وقالت واشنطن أيضا إن كوريا الشمالية عليها أولا تغيير توجهاتها الاستفزازية الحالية. واتبعت طوكيو الخط نفسه، مؤكدة ضرورة قيام بيونج يانج أولا بالاعتراف بمسئولياتها عن أفعالها الاستفزازية.

وذهبت إدارة الرئيس الأمريكي أوباما خطوة أبعد في الرد علي المبادرة الصينية، في إطار ضغوطها الدبلوماسية علي بكين، حيث اتهمت الخارجية الأمريكية قادة الصين بأنهم ‘يساعدون’ كوريا الشمالية في تطوير برنامج تخصيب اليوارنيوم، وشن الهجمات العسكرية علي كوريا الجنوبية، مشيرة إلي أن بكين تغض الطرف عن انتهاكات بيونج يانج لقرارات مجلس الأمن الدولي واتفاق الهدنة لوقف الحرب الكورية في 3591. بل إن المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية لوحت بأن بلادها ربما تحتاج إلي إنشاء ‘حلف مضاد للصين’ في منطقة شرق آسيا، لأن سلوكيات بكين المهادنة تشجع قادة كوريا الشمالية علي التمادي في تصرفاتهم الاستفزازية.

تسريبات ويكيليكس :

الانتقادات الأمريكية العلنية في الآونة الأخيرة للموقف الصيني المهادن تجاه كوريا الشمالية تتجاهل بوضوح المعلومات الواردة في الوثائق الأمريكية التي تسربت عبر موقع ويكيليكس في نهاية شهر نوفمبر 0102. حيث تشير هذه الوثائق إلي أن التأثير الصيني في كوريا الشمالية ‘أقل كثيرا مما هو متصور’، خاصة بعد أن تراجع النفوذ السياسي الصيني لدي كوريا الشمالية بدرجة ملحوظة منذ التجارب النووية والصاروخية التي أجرتها الأخيرة في عام 9002.

بل إن الصينيين أصبحوا يعتقدون أن الكرة الآن أصبحت في الملعب الأمريكي لتحقيق التقدم في المباحثات مع كوريا الشمالية عن طريق المفاوضات الثنائية المباشرة. فبحسب برقية دبلوماسية أمريكية، أكد نائب وزير الخارجية الصيني لمسئولين أمريكيين أن بيونج يانج كانت تتصرف مثل ‘الطفل المدلل’ لتجذب انتباه واشنطن للمفاوضات المباشرة بإجرائها تجارب صاروخية في أبريل عام 9002.

تشدد أمريكي غير متوقع :

علي خلاف الموقف الصيني المهادن تجاه بيونج يانج من أجل تهدئة الأوضاع المتوترة في شبه الجزيرة الكورية، تميل الولايات المتحدة بشكل عام إلي اتباع منهج أكثر تشددا وصرامة تجاه كوريا الشمالية.

فعقب تبادل القصف المدفعي بين الكوريتين في نوفمبر 2010، أكد المسئولون الأمريكيون رسالة مفادها أن ‘التصرفات السيئة’ من جانب كوريا الشمالية لابد من التعامل معها بحزم وقوة من الآن فصاعدا، وأن تكرار قيام بيونج يانج لهذه التصرفات في المستقبل لن يمر دون عواقب وخيمة عليها.

كما سارعت واشنطن أيضا إلي مطالبة حلفائها بفرض عقوبات اقتصادية شاملة علي الكورييين الشماليين، والتخلي عن المحادثات السداسية الرامية إلي تفكيك البرنامج النووي الخاص بهم.

ودعا مجلس الشيوخ الأمريكي الصين إلي استخدام نفوذها لوقف جميع الأنشطة النووية لدي كوريا الشمالية، وتحجيم تصرفاتها الاستفزازية، التي وصفها المجلس بأنها ‘لا تخدم إلا زعزعة الاستقرار والأمن في شبه الجزيرة الكورية.’

وفي ظل هذه التوجهات العامة، أجرت واشنطن مناورات عسكرية ضخمة مع سول، استمرت أربعة أيام، بدأت في 28 نوفمبر 0102، وشاركت فيها حاملة الطائرات الأمريكية (يو إس إس جورج واشنطن)، وفرقاطات وطائرات لمحاربة الغواصات، وطرادات قاذفة للصواريخ، ومجهزة بنظام ‘إيجيس’ المضاد للصواريخ الباليستية، بحسب قيادة القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية، حيث يتمركز 28500 جندي أمريكي.

ومن ناحية ثانية، استقبلت واشنطن، ومعها سول وطوكيو، الاقتراح الصيني الداعي إلي إحياء المحادثات السداسية بحذر وتردد، حسبما أوضحنا في السطور السابقة.

الموقف الأمريكي المتشدد من كوريا الشمالية جاء علي عكس توقعات بعض المراقبين القائلة إن واشنطن ستسعي بكل جهدها لتهدئة الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية حتي تتجنب بدء حرب جديدة في منطقة شرق آسيا، خاصة أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعي جاهدة للخروج بماء الوجه من حربيها في العراق وأفغانستان. فضلا عن أن مشكلات واشنطن الاقتصادية الداخلية، وامتلاك كوريا الشمالية للسلاح النووي من شأنهما -في حال وقوع أية مواجهة عسكرية مع كوريا الشمالية- تعقيد الأمور بشدة أمام إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

ومن جهة أخري، رأي عدد من المراقبين أن تشدد واشنطن تجاه كوريا الشمالية غير منطقي أو مطلوب علي الأقل في الفترة الحالية، لأن هذا التشدد قد يدفع بالعلاقات بين الولايات المتحدة من ناحية وكل من الصين وروسيا من ناحية أخري، نحو توترات لا تنسجم مع حاجة الأمريكيين لتأييدهما في مجلس الأمن بخصوص عدد من الملفات الأكثر إلحاحا وأهمية للمصالح الأمريكية، مثل الملف النووي الإيراني. فما هي دوافع وأهداف هذا الموقف المتشدد وغير المتوقع من جانب واشنطن تجاه بيونج يانج?

دوافع الموقف الأمريكي :

في محاولة للرد علي هذا التساؤل، يري عدد من المراقبين أن الإدارة الأمريكية لديها أكثر من دافع لهذا الموقف المتصلب تجاه الكوريين الشماليين، بعضها يتعلق بحسابات دولية وإقليمية، وبعضها الآخر يتعلق بحسابات داخلية.

الدافع الأول: هو رغبة الإدارة الأمريكية الحالية في المحافظة علي صورتها كقوة مهيمنة علي الساحة العالمية، وتعميق تحالفها الأمني والاستراتيجي مع اليابان وكوريا الجنوبية، عن طريق لفت نظرهما إلي وجود عدو خطير (يتمثل في كوريا الشمالية ومن خلفه الصين) في منطقة البحر الأصفر، مما يبرر وجودها العسكري المكثف في منطقة شرق آسيا. ويأتي تنامي هذه الرغبة في وقت تتصاعد فيه المطالبة الشعبية، والرسمية أحيانا، بتصفية القواعد العسكرية الأمريكية في كل من كوريا الجنوبية واليابان، لما تمثله من أعباء مالية وسياسية باهظة.

الدافع الثاني: هو رغبة واشنطن في توجيه رسالة تحذير قوية للصين، التي تزايدت قوتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية بوضوح في الآونة الأخيرة، مما شجعها علي اتخاذ مواقف أكثر تصلبا تجاه منازعاتها الإقليمية مع الدول المجاورة، خاصة مع اليابان بشأن الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي. فالولايات المتحدة رأت في الموقف المتشدد تجاه كوريا الشمالية، وإجراء المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية واليابان في البحر الأصفر وبحر اليابان علي التوالي، وعلي بعد مئات الكيلو مترات من الحدود الصينية، لفتا لأنظار قادة الصين إلي حقيقة أنهم لن يكونوا آمنين، إذا ما استمرت محاولاتهم لتغيير الوضع القائم في بحر الصين الشرقي.

الدافع الثالث: حاجة الرئيس الأمريكي، بعد هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي، للحصول علي تأييد عدد من أعضاء الحزب الجمهوري لبعض ملفاته الإصلاحية الداخلية، مقابل إحداث نوع من التوافق مع الحزب الجمهوري في مجال السياسة الخارجية، خاصة في مجال التعامل مع الصين وكوريا الشمالية.

ومن جهة أخري، يري البعض أن التشدد الأمريكي تجاه بيونج يانج يهدف أيضا إلي الاستجابة إلي متطلبات صناعة السلاح الأمريكية، عبر اجتذاب حلفائها في شرق آسيا (كوريا الجنوبية، اليابان، تايوان، وصولا إلي الفلبين ..) إلي مشاريع دروع صاروخية دفاعية مشابهة لتلك التي يتم إنشاؤها في أوروبا الشرقية، لمواجهة ‘الخطر الداهم’ من جانب كوريا الشمالية.

رؤية كارتر لحل الأزمة :

وبعيدا عن دوافع وأهداف السياسة الأمريكية تجاه الأوضاع المتفجرة في شبه الجزيرة الكورية، يري عدد من المراقبين، ومن بينهم كاتب هذه السطور، أن السياسة الأمريكية المتصلبة، والهادفة لخنق النظام الحاكم في كوريا الشمالية، أو دفعه نحو الهاوية بفرض مزيد من العزلة الاقتصادية والدبلوماسية عليه، هي سياسة محدودة النتائج وغير فعالة في تحقيق الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، بل إنها تؤدي في معظم الأحيان إلي نتائج عكسية من شأنها أن تؤجج الأزمة هناك بدلا من حلها.

وتأكيدا علي وجهة النظر هذه، نشر الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، في 30 نوفمبر 2010، مقالة مهمة في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، أكد فيها أن حل أزمة شبه الجزيرة الكورية يتطلب الاستجابة لمطالب بيونج يانج، مشيرا إلي أن تصرفاتها الأخيرة، سواء إعلانها عن امتلاك الآلاف من أجهزة الطرد المركزي في منشأة لتخصيب اليورانيوم، أو قصفها المدفعي لجزيرة ‘دايونبيونجدو’ التابعة لكوريا الجنوبية، ما هي إلا رغبة منها في لفت نظر العالم إلي أنها تستحق اهتماما أكثر واحتراما أكبر في المفاوضات السياسية التي تجري حاليا بين الدول الست لتشكيل الملامح الرئيسية لمستقبل كوريا الشمالية.

وشدد كارتر أيضا، في مقالته المهمة، علي أن الإدارة الأمريكية الحالية لن يكون أمامها سوي التهدئة الدبلوماسية، وتجنب وقوع صدام كارثي مع كوريا الشمالية، عن طريق إجراء مفاوضات مباشرة معها، علي غرار تلك التي جرت بين البلدين في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في جنيف عام 1994، والتي أسفرت عن إيقاف بيونج يانج لدورة معالجة الوقود النووي، وإعادة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية إلي كوريا الشمالية لمدة ثماني سنوات.

وقال كارتر إن قيام إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في عام 2000 باعتبار كوريا الشمالية إحدي دول ‘محور الشر’، بعد ظهور مؤشرات علي مساعيها الرامية لامتلاك اليورانيوم المخصب في انتهاك صارخ لاتفاق 1994، أدي إلي طرد بيونج يانج لمفتشي الوكالة، واستئناف برنامجها النووي من جديد لتصبح قادرة علي صنع سبعة رءوس نووية، حسب أحدث التقديرات المتاحة حول قدراتها النووية.

وأشار كارتر أيضا إلي أن المفاوضات السداسية، التي استمرت عدة سنوات، قد نجحت في التوصل إلي تسوية مقبولة من جميع الأطراف علي اتفاق جديد لوقف البرنامج النووي لدي كوريا الشمالية في عام 5002. وهو الاتفاق الذي أكد المبادئ الأساسية التي قام عليها اتفاق 1994، مثل ضرورة إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، وتعهد الولايات المتحدة بعدم الاعتداء علي كوريا الشمالية، واتخاذ الخطوات اللازمة للتوصل إلي اتفاق سلام شامل يحل محل اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية والصين، الذي تم التوصل إليه في عام 3591.

ويوضح كارتر أيضا أن كوريا الشمالية ستصر علي موقفها الرامي إلي إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة لنزع فتيل الأزمة في شبه الجزيرة الكورية، لأن قادتها يعتقدون أن واشنطن هي التي تتحكم في المواقف العسكرية والسياسية لكوريا الجنوبية.

وأكد كارتر، في نهاية مقالته، ضرورة استجابة واشنطن لرغبة كوريا الشمالية في إجراء مفاوضات مباشرة معها للحصول علي اعتراف دبلوماسي ومساعدات اقتصادية، مقابل موافقة بيونج يانج علي عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية إليها، وإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، والتوصل إلي اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار، بناء علي اتفاق 1994 والمبادئ التي أسفرت عنها المحادثات السداسية في عام 5002.

وحذر كارتر من أن البديل لهذه الرؤية سيكون قيام بيونج يانج باتخاذ كافة الخطوات، التي تراها ضرورية، للدفاع عن نفسها ضد الهواجس التي تنتابها من وقوع هجوم عسكري عليها، من أجل تغيير النظام الحاكم فيها بدعم ومساندة الولايات المتحدة.

المعضلة الكورية :

لا أحد يستطيع تأكيد أن الحل الأمثل لأزمة شبه الجزيرة الكورية المزمنة يتمثل في رؤية كارتر والمواقف الصينية المهادنة تجاه كوريا الشمالية، أو في الموقف الأمريكي المتشدد حيالها. ولا أحد يعلم أيضا ما إذا كان استمرار النظام الحالي في بيونج يانج أو السعي لإسقاطه والقضاء عليه هو الأفضل لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة شرق آسيا أم لا.

وفي ضوء ذلك، يؤكد العديد من الخبراء أن الوضع لا يزال خطيرا في شبه الجزيرة الكورية، محذرين من أن الانتظار لعدة سنوات أخري، دون إحداث تقدم ملموس لتحقيق الامن والاستقرار في المنطقة، سيؤدي إلي عواقب وخيمة، من أبرزها مزيد من التطوير في القدرات النووية والصاروخية لدي كوريا الشمالية، فضلا عن مزيد من التصرفات العسكرية الاستفزازية من جانب بيونج يانج. ومن ثم يبدو للكثيرين أن الانتظار لن يكون الحل الأمثل لضمان الاستقرار والأمن في شبه الجزيرة الكورية.

وسيكون البديل، في المدي القصير، هو ضرورة التعاون الأمريكي – الصيني لتجميد البرامج النووية والصاروخية لدي كوريا الشمالية، مقابل دفع ‘ثمن’ مناسب بالطبع.

ولكن في المدي الطويل، ستظل أزمة شبه الجزيرة الكورية بلا نهاية، ما دامت أسرة كيم تسيطر علي السلطة السياسية في بيونج يانج. حيث تشير إحدي الوثائق الأمريكية التي سربها موقع ويكيليكس أخيرا إلي تخوف صانعي السياسة في سول وواشنطن من انهيار كوريا الشمالية بحلول عام 2018، نتيجة للأزمات الاقتصادية والسياسية التي تمر بها. حيث أكد دبلوماسي كوري جنوبي هذا التقدير للسفيرة الأمريكية في سول، كاثلين ستيفين، علي غداء عمل في شهر فبراير 2010، مشيرا إلي أن هذا الانهيار سيحدث بعد سنتين أو ثلاث من رحيل كيم جونج إيل المتوقع في عام 2015 علي الأكثر.

وفي ظل هذا السيناريو، يمكن أن نتخيل حجم الفوضي وعدم الاستقرار الذي يمكن حدوثه في المنطقة، بعد رحيل الزعيم الحالي لكوريا الشمالية كيم جونج إيل، نتيجة ضعف خبرة خليفته المحتمل، وهو ابنه الأصغر ذو الثمانية والعشرين ربيعا، أو كنتيجة لوقوع انقلاب عسكري، أو لأي سبب آخر.

ولا شك في أن جميع الدول الفاعلة في شبه الجزيرة الكورية (خاصة الصين والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، واليابان وروسيا)، ستكون في حالة من القلق الشديد إزاء الأسلحة النووية التي تمتلكها كوريا الشمالية. وستتجه كل الأنظار إلي بكين وواشنطن من أجل التعامل مع هذا الوضع بالغ الخطورة. وهنا، سيثور عدد هائل من الأسئلة، من أبرزها:

هل ستثق واشنطن في الصين للسيطرة علي البلوتونيوم واليورانيوم المخصب لدي كوريا الشمالية? وهل ستقبل بكين بفكرة قيام قوات كوريا الجنوبية بمحاولة استعادة النظام والأمن بالقوة في كوريا الشمالية? بل وهل ستسمح الصين بتوحيد كوريا عن طريق استخدام القوة من جانب سول? وإذا ما تحققت الوحدة الكورية، فهل ستوافق واشنطن علي خفض أو سحب قواتها من شبه الجزيرة الكورية واليابان أم لا? وهل يمكن أن يدفع تدهور الأوضاع في كوريا الشمالية إلي تسامح بكين وواشنطن مع امتلاك كل من اليابان وكوريا الجنوبية للسلاح النووي?

أسئلة مهمة يصعب الإجابة عليها في الوقت الراهن. ولكن يمكن توقع أن تحاول الولايات المتحدة، وحلفاؤها في اليابان وكوريا الجنوبية، التدخل المباشر للسيطرة علي الأوضاع في كوريا الشمالية. وهو الأمر الذي سيواجه علي الأرجح بالرفض الشديد من جانب الصينيين الذين لا يرغبون في رؤية الجنود الأمريكيين علي حدودهم.

بل إن عددا من المراقبين يرجح فكرة أن بكين قد تحاول في المدي البعيد، نسبيا، استعادة هيمنتها التاريخية علي شبه الجزيرة الكورية، باعتبار أن الصين هي القوة الرئيسية في هذه المنطقة منذ فجر التاريخ.

وفي ظل كل هذه التوقعات والترجيحات، يمكن القول إن التوتر وعدم الاستقرار في هذه المنطقة المضطربة سيستمران لفترة طويلة مقبلة.