أ.د. أحمد محمد وهبان

الاسلحه البيولوجيه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العمر _ 6

الاسلحه البيولوجيه

يعيش الشعب الأميركي حالة من الفزع والخوف الشديدين مما أصبح يطلق عليه بهستيريا الجمرة الخبيثة أو فوبيا الأنثراكس، وهذا الخوف له ما يبرره عند المواطن العادي، فهناك بعض الوفيات والعديد من المصابين بمن فيهم بعض الساسة، والرسائل المعفرة بالمسحوق اللعين ما زالت تتوالى حاملة معها الجمرة الخبيثة في مشهد رهيب يُذكر الغارقين بملذات الدنيا بلظى الموت وجمرات جهنم. الخوف لم يقتصر على مرض الجمرة الخبيثة بل تعداه إلى التوقع بأن هجوما بيولوجيا بأنواع أخرى من الميكروبات المرعبة أصبح قاب قوسين أو أدنى. أما الأمر الذي يجهله الكثيرون من الشعب الأميركي فهو أن هذه الميكروبات هي إحدى الثمار المرة لأطماع حضارتهم التي لا تنتهي.

* * *

في هذا المقال سنحاول الوقوف علي حقيقة الأسلحة البيولوجية وتاريخها ومدى خطورتها والدور المميز الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في تطوير هذه الأسلحة واستخدامها.

الأسلحة البيولوجية و مدى خطورتها:

استخدام الأسلحة البيولوجية يعني استخدام كائنات دقيقة – ميكروبات – لديها قدرات فتاكة، والغاية من استخدامها هي إما القتل أو التسبب بمرض مُقعد لدى المصاب، ومع أن الإنسان هو الهدف لمعظم هذه الأسلحة إلا أن هنالك أنواعاً من الأسلحة البيولوجية تستخدم للقضاء على الثروة الحيوانية أو على أصناف معينة من المحاصيل الزراعية للبلد المعادي. المواد الكيميائية السامة والتي تستخلص من بعض الكائنات الحية أُضيفت هي الأخرى إلى قائمة الأسلحة البيولوجية مع العلم أنها تشبه الأسلحة الكيميائية كونها غير قادرة على التكاثر والانتقال من المصابين إلى الأصحاء.

تعتبر الأسلحة البيولوجية من أشد الأسلحة قدرة على الفتك. وخطورة هذه الأسلحة تكمن في قدرتها المفزعة على التكاثر إذ بإمكان خلية بكتيريا واحدة – والتي لا ترى بالعين المجردة – أن تتضاعف إلى عدة بلايين خلال عشر ساعات إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة كتلك التي يوفرها جسم الإنسان، وهذا الأمر يحوَّل المصابين إلى قنابل بيولوجية متحركة تنقل الميكروب أينما ذهبت، أما الأسلحة النووية والكيميائية فقدرتها على الفتك محصورة من ناحية الحيز الجغرافي. والأمر الأخر الذي يجعل هذه الأسلحة الأكثر رعباً هو أن الهجوم بها لا يحتاج بالضرورة إلى تجهيزات معقدة مثل الطائرات القاذفة أو الصواريخ العابرة للقارات، وكل ما يحتاجه المهاجم هو القليل من الخيال الهوليودي ليضعها إما في مياه الشرب أو الأغذية أو فلاتر السجائر أو أن يقوم بوضعها في مكيفات الهواء في بنايات مكتظة مما يجعل أكثر الدول تقدماً في النواحي التكنولوجية عاجزة عن رد هجوم مباغت في عقر دارها.

الكائنات الدقيقة المستخدمة لتصنيع الأسلحة البيولوجية:

تنقسم الكائنات الدقيقة المستخدمة لأغراض التسليح البيولوجي إلى أصناف ثلاثة:

1) البكتيريا: وأشهرها الـ “Bacillus anthracis” المسببة لمرض الجمرة الخبيثة أو ما يطلق عليه بالأنثراكس، والـ “Yersinia pestis” المسببة للطاعون، والـ “Vibrio cholera” المسببة للكوليرا.

2) الفيروسات: وأشهرها فيروس الإبولا – Ebola – الفتاك والذي يسبب نزفاً شديداً من أماكن مختلفة وغالباً ما تنتهي الإصابة بالوفاة. وفيروس الهنتا – Hanta Virus – والذي يسبب اضطرابات في الجهاز التنفسي، وفيروس الـ “Venezuelan Equine Encephalitis والذي يعرف اختصاراً “VEE” والذي يسبب ضرراً شديداً للجهاز العصبي قد ينتهي بوفاة المصاب.

3) الريكتسيات – Rickettsias -: التي تعيش داخل الخلية بشكل طفيلي وتنتقل عن طريق الحشرات، وأشهرها الـ “Rickettsia prowazekii” المسببة لحمى التيفوس التي أدى انتشارها خلال الحرب العالمية الأولى بشكل غامض إلى وفاة ثلاثة ملايين شخص في شرق أوروبا، والـ “Coxiella burnetii” والتي تتمتع بقدرة كبيرة على العدوى مسببة حمى وخلل في أنسجة عضلات القلب، وعلى الرغم من عدم خطورتها البالغة على الحياة إلا أن بإمكانها شل جيش كامل.

ومما يزيد في خطورة الأصناف الثلاثة المذكورة أعلاه هو إمكانية إضافة صفات وراثية جديدة لها عن طريق الهندسة الوراثية بحيث تصبح اكثر فتكاً أو أكثر مقاومةً للمضادات الحيوية.

أما بخصوص المواد السامة المستخلصة من الميكروبات فأشهرها وأكثرها فتكاً على الإطلاق هو سُم البوتولينم والذي يقدر الخبراء بأن بضع غرامات منه قادرة على إبادة مدينة كاملة إذا ما تم نشره بشكل جيد.

نبذة تاريخية:

شهد التاريخ البشري استخدام الأسلحة البيولوجية في الحروب منذ زمن بعيد، وفيما يلي أهم الأحداث التاريخية المتعلقة بهذا النوع من الأسلحة مرتبة حسب التسلسل الزمني لوقوعها:

استخدم الرومان جيف الحيوانات الميتة لتلويث مياه الشرب التي يستخدمها العدو.

1346م: قام التتار باستخدام المنجنيق لقذف جثث مصابة بالطاعون إلى داخل حصون أعدائهم في منطقة البحر الأسود.

1500م: قام الأسبان خلال حملاتهم ضد أميركا الجنوبية باستخدام المصابين بأمراض معدية لنقل تللك الأمراض للسكان المحليين والفتك بهم.

1763م: الجنرال البريطاني جفري أمهرست يعطي أوامره بتوزيع بطانيات كانت قد استُخدمت في مصحات لعلاج مرضى الجدري البريطانيين على الهنود الحمر الأمر الذي أدى إلى انتشار هذا الوباء بين الهنود الحمر والقضاء على أعداد هائلة منهم.

1914م: الحرب العالمية الأولى تشهد وفاة مائة ألف شخص وإصابة ما يقارب المليون نتيجة استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

1918م: الجيش الياباني ينشئ وحدة متخصصة للأسلحة البيولوجية أطلق عليها اسم الوحدة 731.

1925م: معاهدة جنيف لمنع استخدام الغازات السامة والبكتيريا الفتاكة خلال الحروب.

1930 -1940م: اليابان تحتل منطقة منشوريا الصينية والوحدة 731 في الجيش الياباني تقوم بتجارب واسعة النطاق على التجمعات الصينية مستخدمة أنواعاً مختلفة من الميكروبات إضافة إلى إطلاقها أعداداً هائلة من الجرذان الحاملة للطاعون.

خـلال نفس الفترة عدة دول من ضمنها الولايات المتحدة الأميركية تبدأ برامج التسليح البيولوجي.

خلال الحرب العالمية الثانية قامت الوحدة 731 في الجيش الياباني باستخدام ميكروبات فتاكة في تجارب على الأسرى الأميركيين، إلا أن الأغرب من ذلك هو أن الولايات المتحدة الأميركية بعد انتهاء الحرب واستسلام اليابان قامت بمنح العديد من ضباط الوحدة 731 اليابانيين حصانة قضائية كي لا يُحاكموا كمجرمي حرب – مع علمها بما فعلوه بالأسرى الأميركيين – مقابل أن يزودوها بمعلوماتهم والنتائج التي حصلوا عليها من تجاربهم.

1943م: بريطانيا والولايات المتحدة تجربان البكتيريا المسببة للجمرة الخبيثة على جزيرة جرينارد الاسكتلندية والتي اعتُقد أنها بعيدة بما فيه الكفاية عن الشواطئ الاسكتلندية، إلا أنه تبين فيما بعد إصابة العديد من رؤوس الماشية في السواحل الاسكتلندية المقابلة.

1969م: الولايات المتحدة الأميركية تعلن وقف التجارب على الأسلحة البيولوجية من طرف واحد في مراوغة لدفع الرأي العام باتجاه الضغط على الاتحاد السوفيتي للتوقيع على معاهدة لوقف التجارب وتطوير الأسلحة البيولوجية.

1972م: الجمعية العمومية في الأمم المتحدة تصوت على معاهدة لوقف إنتاج وتطوير وتخزين الميكروبات الفتاكة والمواد السامة المستخلصة منها.

1974م: الولايات المتحدة تصادق على الاتفاقية كما أنها وافقت في نفس العام على اتفاقية جنيف 1925م – أي بعد نصف قرن –

1979م: حادثة تسرب للبكتيريا المسببة للجمرة الخبيثة من أحد المختبرات السوفيتية يؤدي لمصرع 60 شخص على الأقل، والحكومة الروسية في عهد يلتسين – عام 1992م – تعترف بأن ذلك التسرب كان من مختبر عسكري كان يقوم بإنتاج أسلحة بيولوجية.

الأسلحة البيولوجية؛ سهولة التصنيع وصعوبة المراقبة:

تعتبر الأسلحة البيولوجية الأقل تعقيداً من حيث الإنتاج إذا ما قورنت بالأنواع الأخرى لأسلحة الدمار الشامل فكل المعلومات المتعلقة بالإنتاج متوفرة إما في كتب جامعية أو في نشرات علمية أو حتى عبر شبكة الإنترنت، والعديد من التجارب الأساسية يتلقاها طلاب المرحلة الجامعية الأولى خلال دراستهم لتخصصات العلوم الحياتية المختلفة والمتوفرة في معظم بلدان العالم. إضافة إلى سهولة الإنتاج. تعتبر هذه الأسلحة الأقل كُلفةً فبأقل من خمسين ألف دولار يمكن لمجموعة من الهواة أن يمتلكوا سلاحاً بيولوجياً يهددون به دولة عظمى. لهذا السبب يُطلق على الأسلحة البيولوجية قنبلة الفقراء الذرية.

أما بخصوص مراقبة الأسلحة البيولوجية فالأمر في غاية الصعوبة بالمقارنة مع الأسلحة الكيميائية والنووية وذلك للأسباب التالية:

1) التنوع البيولوجي، فهنالك العديد من الكائنات الدقيقة التي تتواجد في الطبيعة منها ما هو معروف ومنها ما يزال مجهولاً.

2) عدم وجود حاجة لإنتاج وتخزين كميات كبيرة إلا عند الحاجة لتصنيع السلاح، ويُكتفى بتخزين كميات صغيرة جداً لا تتعدى بضع أجزاء من مليون من اللتر، أي أقل من قطرة.

3) ما ذكر آنفاً يجعل عملية نقل هذه الأسلحة أمراً في غاية السهولة بشكل لا يمكن ضبطه على النقاط الحدودية مهما كانت دقة التفتيش.

4) التكنولوجيا العلمية والتجهيزات المخبرية المستخدمة في تحضير هذه الأسلحة هي نفسها المستخدمة لأغراض البحث العلمي وهو ما يطلق عليه إمكانية الاستخدام المزدوج.

5) لا يمكن سن قوانين تمنع استخدام هذه الميكروبات الفتاكة على مستوى البحث العلمي، وذلك للحاجة الطبيعية والدائمة إلى تطوير مطاعيم وأدوية لهذه الميكروبات. من هذا المنطلق لا يمكن الحكم على بلد معين بأن لديه برنامج للتسليح البيولوجي لمجرد العثور على مثل هذه الميكروبات. إضافة إلى ذلك فإن المعاهدة الدولية لحظر إنتاج وتطوير وتخزين الأسلحة البيولوجية لعام 1972م تركت مرونة في بعض بنودها لضمان عدم الإضرار بمصالح الدول العظتمى فمثلاً تنص الفقرة الثانية من البند العاشر على “أن تطبيق هذه المعاهدة يجب أن يكون بطريقة تراعي عدم الإضرار بالتقدم التكنولوجي في مجال العلوم البيولوجية عند البلاد الموقعة”.

الولايات المتحدة الأميركية والأسلحة البيولوجية:

تعتبر الولايات المتحدة الأميركية دولة ذات سجل مميز في إنتاج الأسلحة البيولوجية واستخدامها الفعلي ضد البشر والدواب والمحاصيل الزراعية إضافة إلى بيع هذه الأسلحة لعملائها في حربهم ضد المعارضين. فقد قامت الولايات المتحدة خلال وبعد الحرب العالمية الثانية باستثمار الكوادر البشرية التي هربت من أوروبا لتطوير برنامجها للتسليح البيولوجي والذي كانت قد بدأته في أوائل الأربعينيات وقام الجيش الأميركي وخلافاً للمعاهدات الدولية باستخدام أسلحة بيولوجية في العديد من حروبه مثل حرب كوريا وحرب فيتنام والعديد من الهجمات الجرثومية السرية ضد كوبا – حتى بعد توقيعها معاهدة 1972م – بهدف شل الطاقة البشرية عن طريق التسبب بأمراض غير قاتلة ولكنها مُقعِدة لليد العاملة أو عن طريق بث ميكروبات مهلكة للمحاصيل الزراعية التي يعتمد عليها الاقتصاد الكوبي، وهذا الأمر أشارت إليه صحيفة الواشنطن بوست خطأً عام 1979.

وفي عام 1981م أوردت وكالة الأنباء الهندية معلومات عن تجارب بالأسلحة الجرثومية أجرتها وحدة من العلماء تابعة للجيش الأميركي بالقرب من مدينة لاهور الباكستانية، والذي يؤكد صحة تلك المعلومات الأنباء بأن المنطقة المذكورة كانت قد شهدت في تلك الفترة عشرات الوفيات في ظروف غامضة.

ويبدو أن هنالك الكثير من الدلائل التي تؤكد استمرار أميركا في استخدام الأسلحة البيولوجية ضد كل من يهدد مصالحها كما حصل في حرب الخليج الثانية، فقد أشارت بعض الدراسات والتي قام بها البروفيسور جارث نيكلسون من جامعة تكساس وزوجته الدكتورة نانسي بأن الولايات المتحدة تخفي استخدامها لميكروبات من نوع الميكوبلازما الذي يحدث أعراض ما أطلق عليه بأعراض حرب الخليج التي ظهرت عند العديد من الجنود الأميركيين، وقد تعرض البروفيسور نيكلسون وزوجته للملاحقة والعديد من العقبات الأكاديمية كعقوبة على محاضراتهم المتكررة حول هذا الموضوع.

الولايات المتحدة وخلافاً لما تدعيه من تمتع مواطنيها بالحرية والحقوق المدنية قامت باستخدام المواطنين الأميركيين دون علمهم كفئران في تجارب على الأسلحة البيولوجية.

الميكروبات التي استخدمت في هذه التجارب معروفة بإحداثها لأعراض طفيفة نسبياً ولم تكن من الأنواع القاتلة أما الهدف من وراء هذه التجارب فكان تقييم الأضرار التي يمكن أن يُحدثها هجوم جرثومي على تجمعات سكانية، وقد اعترف الجيش الأميركي عام 1977م بإجراء 25 تجربة مستهدفاً التجمعات السكانية، والأغرب من ذلك أن قاضي المحكمة الأميركية العليا أنتوني سكاليا أصدر قراراً عام 1985م ينص على أن مساءلة الجيش الأميركي في مثل هذه القضايا يُعيق الأوامر العسكرية مما يضر بالأمن القومي.

أما أشهر تلك التجارب فكانت رش مدينة سان فرانسيسكو ببكتيريا الـ “Serratia marcesens” والتي أدت إلى حالة وفاة وبعض الإصابات وتبين فيما بعد أن معظم السكان قد وصلت البكتيريا إلى أجسامهم، وفي تجربة أخرى قام الجيش الأميركي بنفث دخان كثيف يحتوي على جراثيم غير فتاكة فوق مدينة مينابولس وقد بُلغ السكان وقتها أن هدف هذه التجربة هو فحص قدرة هذا الدخان على تضليل الصواريخ الموجهة بالرادار.

وفي تجربة أجريت عام 1966م أطلق الجيش الأميركي مسحوقاً يحتوي على بكتيريا الـ “Bacillus subtilis” غير الفتاكة في أحد محطات قطار الأنفاق في مدينة نيويورك والتي أثبتت أن آثار البكتيريا قد وصلت إلى جميع المحطات تحت المدينة نتيجة التيارات الهوائية التي تُحدثها القطارات.

الغريب أن كل هذه التجارب لم تُقنع أميركا بأنها الدولة الأكثر حساسية وضعفاً أمام هذه الأسلحة، والأمر اللافت للنظر أن العديد من التقارير حذرت من احتمال تعرض الولايات المتحدة الأميركية لهجمات جرثومية من المواطنين الأميركيين أنفسهم كما حصل مع فني المختبر لاري هاريس من أوهايو والذي قام بشراء كمية من البكتيريا المسببة لمرض الطاعون من شركة بيولوجية أميركية ثم تبيّن فيما بعد انتماؤه لمنظمة إرهابية أميركية.

وفي النهاية:

لابد لنا من نظرة تفحص، ووقفة تأمل نتجرد فيها من الأهواء، ونضع فيها هذه الأسلحة المرعبة، وتاريخها الممتلئ بالظلم، وحصد أرواح الأبرياء على بساط البحث لنرى أن الدول المفسدة، وذات الأطماع المادية، والرغبات الجامحة، وعلى رأسها الدول التي خرجت من رحم الرأسمالية، كانت صاحبة الريادة في استخدام هذه الأسلحة الشريرة لأن غاياتها العليا كانت، وما زالت، قهر الشعوب، واستعباد الأمم، ونهب خيراتهم.

أما الإسلام فقد جاء برسالة مميزة إلى أهل الأرض لتُشركهم فيما فيه المسلمون من نعمة، ولتخرجهم من الظُلمات والعبودية، إلى النور والانعتاق من ظلم البشر، وهذا ما جعل الملايين من شعوب الأرض المختلفة من مشارق الأرض ومغاربها تدخل في دين الله أفواجاً في زمن قياسي، قضت الدول الرأسمالية أضعافه لإرهاب الشعوب، وإجبارهم على العبودية للقيم المادية دون فائدة ترجى، أو نتيجة يُطمأَنُّ لها وصدق الله العظيم إذ يصف حالهم هذا.

{إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون}.

ويبدو أن الدول الرأسمالية التي قامت على أساس تقديس القيم المادية قد جعلت كل بنائها الحضاري مرهوناً بهذه القيم الواهية، فجاءها التحدي من أصغر العوامل المادية، وأحقرها في نظرهم ليُظهر لهم عجزهم، ووهن بنائهم الحضاري المتهاوي، وها هي عُصيات الجمرة الخبيثة تلقف ما صنعت أميركا من عِصي وحبال… وإذا بالسحر ينقلب على الساحر.

الاسلحه البيولوجيه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العمر _ 6

الاسلحه البيولوجيه

يعيش الشعب الأميركي حالة من الفزع والخوف الشديدين مما أصبح يطلق عليه بهستيريا الجمرة الخبيثة أو فوبيا الأنثراكس، وهذا الخوف له ما يبرره عند المواطن العادي، فهناك بعض الوفيات والعديد من المصابين بمن فيهم بعض الساسة، والرسائل المعفرة بالمسحوق اللعين ما زالت تتوالى حاملة معها الجمرة الخبيثة في مشهد رهيب يُذكر الغارقين بملذات الدنيا بلظى الموت وجمرات جهنم. الخوف لم يقتصر على مرض الجمرة الخبيثة بل تعداه إلى التوقع بأن هجوما بيولوجيا بأنواع أخرى من الميكروبات المرعبة أصبح قاب قوسين أو أدنى. أما الأمر الذي يجهله الكثيرون من الشعب الأميركي فهو أن هذه الميكروبات هي إحدى الثمار المرة لأطماع حضارتهم التي لا تنتهي.

* * *

في هذا المقال سنحاول الوقوف علي حقيقة الأسلحة البيولوجية وتاريخها ومدى خطورتها والدور المميز الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في تطوير هذه الأسلحة واستخدامها.

الأسلحة البيولوجية و مدى خطورتها:

استخدام الأسلحة البيولوجية يعني استخدام كائنات دقيقة – ميكروبات – لديها قدرات فتاكة، والغاية من استخدامها هي إما القتل أو التسبب بمرض مُقعد لدى المصاب، ومع أن الإنسان هو الهدف لمعظم هذه الأسلحة إلا أن هنالك أنواعاً من الأسلحة البيولوجية تستخدم للقضاء على الثروة الحيوانية أو على أصناف معينة من المحاصيل الزراعية للبلد المعادي. المواد الكيميائية السامة والتي تستخلص من بعض الكائنات الحية أُضيفت هي الأخرى إلى قائمة الأسلحة البيولوجية مع العلم أنها تشبه الأسلحة الكيميائية كونها غير قادرة على التكاثر والانتقال من المصابين إلى الأصحاء.

تعتبر الأسلحة البيولوجية من أشد الأسلحة قدرة على الفتك. وخطورة هذه الأسلحة تكمن في قدرتها المفزعة على التكاثر إذ بإمكان خلية بكتيريا واحدة – والتي لا ترى بالعين المجردة – أن تتضاعف إلى عدة بلايين خلال عشر ساعات إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة كتلك التي يوفرها جسم الإنسان، وهذا الأمر يحوَّل المصابين إلى قنابل بيولوجية متحركة تنقل الميكروب أينما ذهبت، أما الأسلحة النووية والكيميائية فقدرتها على الفتك محصورة من ناحية الحيز الجغرافي. والأمر الأخر الذي يجعل هذه الأسلحة الأكثر رعباً هو أن الهجوم بها لا يحتاج بالضرورة إلى تجهيزات معقدة مثل الطائرات القاذفة أو الصواريخ العابرة للقارات، وكل ما يحتاجه المهاجم هو القليل من الخيال الهوليودي ليضعها إما في مياه الشرب أو الأغذية أو فلاتر السجائر أو أن يقوم بوضعها في مكيفات الهواء في بنايات مكتظة مما يجعل أكثر الدول تقدماً في النواحي التكنولوجية عاجزة عن رد هجوم مباغت في عقر دارها.

الكائنات الدقيقة المستخدمة لتصنيع الأسلحة البيولوجية:

تنقسم الكائنات الدقيقة المستخدمة لأغراض التسليح البيولوجي إلى أصناف ثلاثة:

1) البكتيريا: وأشهرها الـ “Bacillus anthracis” المسببة لمرض الجمرة الخبيثة أو ما يطلق عليه بالأنثراكس، والـ “Yersinia pestis” المسببة للطاعون، والـ “Vibrio cholera” المسببة للكوليرا.

2) الفيروسات: وأشهرها فيروس الإبولا – Ebola – الفتاك والذي يسبب نزفاً شديداً من أماكن مختلفة وغالباً ما تنتهي الإصابة بالوفاة. وفيروس الهنتا – Hanta Virus – والذي يسبب اضطرابات في الجهاز التنفسي، وفيروس الـ “Venezuelan Equine Encephalitis والذي يعرف اختصاراً “VEE” والذي يسبب ضرراً شديداً للجهاز العصبي قد ينتهي بوفاة المصاب.

3) الريكتسيات – Rickettsias -: التي تعيش داخل الخلية بشكل طفيلي وتنتقل عن طريق الحشرات، وأشهرها الـ “Rickettsia prowazekii” المسببة لحمى التيفوس التي أدى انتشارها خلال الحرب العالمية الأولى بشكل غامض إلى وفاة ثلاثة ملايين شخص في شرق أوروبا، والـ “Coxiella burnetii” والتي تتمتع بقدرة كبيرة على العدوى مسببة حمى وخلل في أنسجة عضلات القلب، وعلى الرغم من عدم خطورتها البالغة على الحياة إلا أن بإمكانها شل جيش كامل.

ومما يزيد في خطورة الأصناف الثلاثة المذكورة أعلاه هو إمكانية إضافة صفات وراثية جديدة لها عن طريق الهندسة الوراثية بحيث تصبح اكثر فتكاً أو أكثر مقاومةً للمضادات الحيوية.

أما بخصوص المواد السامة المستخلصة من الميكروبات فأشهرها وأكثرها فتكاً على الإطلاق هو سُم البوتولينم والذي يقدر الخبراء بأن بضع غرامات منه قادرة على إبادة مدينة كاملة إذا ما تم نشره بشكل جيد.

نبذة تاريخية:

شهد التاريخ البشري استخدام الأسلحة البيولوجية في الحروب منذ زمن بعيد، وفيما يلي أهم الأحداث التاريخية المتعلقة بهذا النوع من الأسلحة مرتبة حسب التسلسل الزمني لوقوعها:

استخدم الرومان جيف الحيوانات الميتة لتلويث مياه الشرب التي يستخدمها العدو.

1346م: قام التتار باستخدام المنجنيق لقذف جثث مصابة بالطاعون إلى داخل حصون أعدائهم في منطقة البحر الأسود.

1500م: قام الأسبان خلال حملاتهم ضد أميركا الجنوبية باستخدام المصابين بأمراض معدية لنقل تللك الأمراض للسكان المحليين والفتك بهم.

1763م: الجنرال البريطاني جفري أمهرست يعطي أوامره بتوزيع بطانيات كانت قد استُخدمت في مصحات لعلاج مرضى الجدري البريطانيين على الهنود الحمر الأمر الذي أدى إلى انتشار هذا الوباء بين الهنود الحمر والقضاء على أعداد هائلة منهم.

1914م: الحرب العالمية الأولى تشهد وفاة مائة ألف شخص وإصابة ما يقارب المليون نتيجة استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

1918م: الجيش الياباني ينشئ وحدة متخصصة للأسلحة البيولوجية أطلق عليها اسم الوحدة 731.

1925م: معاهدة جنيف لمنع استخدام الغازات السامة والبكتيريا الفتاكة خلال الحروب.

1930 -1940م: اليابان تحتل منطقة منشوريا الصينية والوحدة 731 في الجيش الياباني تقوم بتجارب واسعة النطاق على التجمعات الصينية مستخدمة أنواعاً مختلفة من الميكروبات إضافة إلى إطلاقها أعداداً هائلة من الجرذان الحاملة للطاعون.

خـلال نفس الفترة عدة دول من ضمنها الولايات المتحدة الأميركية تبدأ برامج التسليح البيولوجي.

خلال الحرب العالمية الثانية قامت الوحدة 731 في الجيش الياباني باستخدام ميكروبات فتاكة في تجارب على الأسرى الأميركيين، إلا أن الأغرب من ذلك هو أن الولايات المتحدة الأميركية بعد انتهاء الحرب واستسلام اليابان قامت بمنح العديد من ضباط الوحدة 731 اليابانيين حصانة قضائية كي لا يُحاكموا كمجرمي حرب – مع علمها بما فعلوه بالأسرى الأميركيين – مقابل أن يزودوها بمعلوماتهم والنتائج التي حصلوا عليها من تجاربهم.

1943م: بريطانيا والولايات المتحدة تجربان البكتيريا المسببة للجمرة الخبيثة على جزيرة جرينارد الاسكتلندية والتي اعتُقد أنها بعيدة بما فيه الكفاية عن الشواطئ الاسكتلندية، إلا أنه تبين فيما بعد إصابة العديد من رؤوس الماشية في السواحل الاسكتلندية المقابلة.

1969م: الولايات المتحدة الأميركية تعلن وقف التجارب على الأسلحة البيولوجية من طرف واحد في مراوغة لدفع الرأي العام باتجاه الضغط على الاتحاد السوفيتي للتوقيع على معاهدة لوقف التجارب وتطوير الأسلحة البيولوجية.

1972م: الجمعية العمومية في الأمم المتحدة تصوت على معاهدة لوقف إنتاج وتطوير وتخزين الميكروبات الفتاكة والمواد السامة المستخلصة منها.

1974م: الولايات المتحدة تصادق على الاتفاقية كما أنها وافقت في نفس العام على اتفاقية جنيف 1925م – أي بعد نصف قرن –

1979م: حادثة تسرب للبكتيريا المسببة للجمرة الخبيثة من أحد المختبرات السوفيتية يؤدي لمصرع 60 شخص على الأقل، والحكومة الروسية في عهد يلتسين – عام 1992م – تعترف بأن ذلك التسرب كان من مختبر عسكري كان يقوم بإنتاج أسلحة بيولوجية.

الأسلحة البيولوجية؛ سهولة التصنيع وصعوبة المراقبة:

تعتبر الأسلحة البيولوجية الأقل تعقيداً من حيث الإنتاج إذا ما قورنت بالأنواع الأخرى لأسلحة الدمار الشامل فكل المعلومات المتعلقة بالإنتاج متوفرة إما في كتب جامعية أو في نشرات علمية أو حتى عبر شبكة الإنترنت، والعديد من التجارب الأساسية يتلقاها طلاب المرحلة الجامعية الأولى خلال دراستهم لتخصصات العلوم الحياتية المختلفة والمتوفرة في معظم بلدان العالم. إضافة إلى سهولة الإنتاج. تعتبر هذه الأسلحة الأقل كُلفةً فبأقل من خمسين ألف دولار يمكن لمجموعة من الهواة أن يمتلكوا سلاحاً بيولوجياً يهددون به دولة عظمى. لهذا السبب يُطلق على الأسلحة البيولوجية قنبلة الفقراء الذرية.

أما بخصوص مراقبة الأسلحة البيولوجية فالأمر في غاية الصعوبة بالمقارنة مع الأسلحة الكيميائية والنووية وذلك للأسباب التالية:

1) التنوع البيولوجي، فهنالك العديد من الكائنات الدقيقة التي تتواجد في الطبيعة منها ما هو معروف ومنها ما يزال مجهولاً.

2) عدم وجود حاجة لإنتاج وتخزين كميات كبيرة إلا عند الحاجة لتصنيع السلاح، ويُكتفى بتخزين كميات صغيرة جداً لا تتعدى بضع أجزاء من مليون من اللتر، أي أقل من قطرة.

3) ما ذكر آنفاً يجعل عملية نقل هذه الأسلحة أمراً في غاية السهولة بشكل لا يمكن ضبطه على النقاط الحدودية مهما كانت دقة التفتيش.

4) التكنولوجيا العلمية والتجهيزات المخبرية المستخدمة في تحضير هذه الأسلحة هي نفسها المستخدمة لأغراض البحث العلمي وهو ما يطلق عليه إمكانية الاستخدام المزدوج.

5) لا يمكن سن قوانين تمنع استخدام هذه الميكروبات الفتاكة على مستوى البحث العلمي، وذلك للحاجة الطبيعية والدائمة إلى تطوير مطاعيم وأدوية لهذه الميكروبات. من هذا المنطلق لا يمكن الحكم على بلد معين بأن لديه برنامج للتسليح البيولوجي لمجرد العثور على مثل هذه الميكروبات. إضافة إلى ذلك فإن المعاهدة الدولية لحظر إنتاج وتطوير وتخزين الأسلحة البيولوجية لعام 1972م تركت مرونة في بعض بنودها لضمان عدم الإضرار بمصالح الدول العظتمى فمثلاً تنص الفقرة الثانية من البند العاشر على “أن تطبيق هذه المعاهدة يجب أن يكون بطريقة تراعي عدم الإضرار بالتقدم التكنولوجي في مجال العلوم البيولوجية عند البلاد الموقعة”.

الولايات المتحدة الأميركية والأسلحة البيولوجية:

تعتبر الولايات المتحدة الأميركية دولة ذات سجل مميز في إنتاج الأسلحة البيولوجية واستخدامها الفعلي ضد البشر والدواب والمحاصيل الزراعية إضافة إلى بيع هذه الأسلحة لعملائها في حربهم ضد المعارضين. فقد قامت الولايات المتحدة خلال وبعد الحرب العالمية الثانية باستثمار الكوادر البشرية التي هربت من أوروبا لتطوير برنامجها للتسليح البيولوجي والذي كانت قد بدأته في أوائل الأربعينيات وقام الجيش الأميركي وخلافاً للمعاهدات الدولية باستخدام أسلحة بيولوجية في العديد من حروبه مثل حرب كوريا وحرب فيتنام والعديد من الهجمات الجرثومية السرية ضد كوبا – حتى بعد توقيعها معاهدة 1972م – بهدف شل الطاقة البشرية عن طريق التسبب بأمراض غير قاتلة ولكنها مُقعِدة لليد العاملة أو عن طريق بث ميكروبات مهلكة للمحاصيل الزراعية التي يعتمد عليها الاقتصاد الكوبي، وهذا الأمر أشارت إليه صحيفة الواشنطن بوست خطأً عام 1979.

وفي عام 1981م أوردت وكالة الأنباء الهندية معلومات عن تجارب بالأسلحة الجرثومية أجرتها وحدة من العلماء تابعة للجيش الأميركي بالقرب من مدينة لاهور الباكستانية، والذي يؤكد صحة تلك المعلومات الأنباء بأن المنطقة المذكورة كانت قد شهدت في تلك الفترة عشرات الوفيات في ظروف غامضة.

ويبدو أن هنالك الكثير من الدلائل التي تؤكد استمرار أميركا في استخدام الأسلحة البيولوجية ضد كل من يهدد مصالحها كما حصل في حرب الخليج الثانية، فقد أشارت بعض الدراسات والتي قام بها البروفيسور جارث نيكلسون من جامعة تكساس وزوجته الدكتورة نانسي بأن الولايات المتحدة تخفي استخدامها لميكروبات من نوع الميكوبلازما الذي يحدث أعراض ما أطلق عليه بأعراض حرب الخليج التي ظهرت عند العديد من الجنود الأميركيين، وقد تعرض البروفيسور نيكلسون وزوجته للملاحقة والعديد من العقبات الأكاديمية كعقوبة على محاضراتهم المتكررة حول هذا الموضوع.

الولايات المتحدة وخلافاً لما تدعيه من تمتع مواطنيها بالحرية والحقوق المدنية قامت باستخدام المواطنين الأميركيين دون علمهم كفئران في تجارب على الأسلحة البيولوجية.

الميكروبات التي استخدمت في هذه التجارب معروفة بإحداثها لأعراض طفيفة نسبياً ولم تكن من الأنواع القاتلة أما الهدف من وراء هذه التجارب فكان تقييم الأضرار التي يمكن أن يُحدثها هجوم جرثومي على تجمعات سكانية، وقد اعترف الجيش الأميركي عام 1977م بإجراء 25 تجربة مستهدفاً التجمعات السكانية، والأغرب من ذلك أن قاضي المحكمة الأميركية العليا أنتوني سكاليا أصدر قراراً عام 1985م ينص على أن مساءلة الجيش الأميركي في مثل هذه القضايا يُعيق الأوامر العسكرية مما يضر بالأمن القومي.

أما أشهر تلك التجارب فكانت رش مدينة سان فرانسيسكو ببكتيريا الـ “Serratia marcesens” والتي أدت إلى حالة وفاة وبعض الإصابات وتبين فيما بعد أن معظم السكان قد وصلت البكتيريا إلى أجسامهم، وفي تجربة أخرى قام الجيش الأميركي بنفث دخان كثيف يحتوي على جراثيم غير فتاكة فوق مدينة مينابولس وقد بُلغ السكان وقتها أن هدف هذه التجربة هو فحص قدرة هذا الدخان على تضليل الصواريخ الموجهة بالرادار.

وفي تجربة أجريت عام 1966م أطلق الجيش الأميركي مسحوقاً يحتوي على بكتيريا الـ “Bacillus subtilis” غير الفتاكة في أحد محطات قطار الأنفاق في مدينة نيويورك والتي أثبتت أن آثار البكتيريا قد وصلت إلى جميع المحطات تحت المدينة نتيجة التيارات الهوائية التي تُحدثها القطارات.

الغريب أن كل هذه التجارب لم تُقنع أميركا بأنها الدولة الأكثر حساسية وضعفاً أمام هذه الأسلحة، والأمر اللافت للنظر أن العديد من التقارير حذرت من احتمال تعرض الولايات المتحدة الأميركية لهجمات جرثومية من المواطنين الأميركيين أنفسهم كما حصل مع فني المختبر لاري هاريس من أوهايو والذي قام بشراء كمية من البكتيريا المسببة لمرض الطاعون من شركة بيولوجية أميركية ثم تبيّن فيما بعد انتماؤه لمنظمة إرهابية أميركية.

وفي النهاية:

لابد لنا من نظرة تفحص، ووقفة تأمل نتجرد فيها من الأهواء، ونضع فيها هذه الأسلحة المرعبة، وتاريخها الممتلئ بالظلم، وحصد أرواح الأبرياء على بساط البحث لنرى أن الدول المفسدة، وذات الأطماع المادية، والرغبات الجامحة، وعلى رأسها الدول التي خرجت من رحم الرأسمالية، كانت صاحبة الريادة في استخدام هذه الأسلحة الشريرة لأن غاياتها العليا كانت، وما زالت، قهر الشعوب، واستعباد الأمم، ونهب خيراتهم.

أما الإسلام فقد جاء برسالة مميزة إلى أهل الأرض لتُشركهم فيما فيه المسلمون من نعمة، ولتخرجهم من الظُلمات والعبودية، إلى النور والانعتاق من ظلم البشر، وهذا ما جعل الملايين من شعوب الأرض المختلفة من مشارق الأرض ومغاربها تدخل في دين الله أفواجاً في زمن قياسي، قضت الدول الرأسمالية أضعافه لإرهاب الشعوب، وإجبارهم على العبودية للقيم المادية دون فائدة ترجى، أو نتيجة يُطمأَنُّ لها وصدق الله العظيم إذ يصف حالهم هذا.

{إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون}.

ويبدو أن الدول الرأسمالية التي قامت على أساس تقديس القيم المادية قد جعلت كل بنائها الحضاري مرهوناً بهذه القيم الواهية، فجاءها التحدي من أصغر العوامل المادية، وأحقرها في نظرهم ليُظهر لهم عجزهم، ووهن بنائهم الحضاري المتهاوي، وها هي عُصيات الجمرة الخبيثة تلقف ما صنعت أميركا من عِصي وحبال… وإذا بالسحر ينقلب على الساحر.

الاسلحه البيولوجيه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العمر _ 6

الاسلحه البيولوجيه

يعيش الشعب الأميركي حالة من الفزع والخوف الشديدين مما أصبح يطلق عليه بهستيريا الجمرة الخبيثة أو فوبيا الأنثراكس، وهذا الخوف له ما يبرره عند المواطن العادي، فهناك بعض الوفيات والعديد من المصابين بمن فيهم بعض الساسة، والرسائل المعفرة بالمسحوق اللعين ما زالت تتوالى حاملة معها الجمرة الخبيثة في مشهد رهيب يُذكر الغارقين بملذات الدنيا بلظى الموت وجمرات جهنم. الخوف لم يقتصر على مرض الجمرة الخبيثة بل تعداه إلى التوقع بأن هجوما بيولوجيا بأنواع أخرى من الميكروبات المرعبة أصبح قاب قوسين أو أدنى. أما الأمر الذي يجهله الكثيرون من الشعب الأميركي فهو أن هذه الميكروبات هي إحدى الثمار المرة لأطماع حضارتهم التي لا تنتهي.

* * *

في هذا المقال سنحاول الوقوف علي حقيقة الأسلحة البيولوجية وتاريخها ومدى خطورتها والدور المميز الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في تطوير هذه الأسلحة واستخدامها.

الأسلحة البيولوجية و مدى خطورتها:

استخدام الأسلحة البيولوجية يعني استخدام كائنات دقيقة – ميكروبات – لديها قدرات فتاكة، والغاية من استخدامها هي إما القتل أو التسبب بمرض مُقعد لدى المصاب، ومع أن الإنسان هو الهدف لمعظم هذه الأسلحة إلا أن هنالك أنواعاً من الأسلحة البيولوجية تستخدم للقضاء على الثروة الحيوانية أو على أصناف معينة من المحاصيل الزراعية للبلد المعادي. المواد الكيميائية السامة والتي تستخلص من بعض الكائنات الحية أُضيفت هي الأخرى إلى قائمة الأسلحة البيولوجية مع العلم أنها تشبه الأسلحة الكيميائية كونها غير قادرة على التكاثر والانتقال من المصابين إلى الأصحاء.

تعتبر الأسلحة البيولوجية من أشد الأسلحة قدرة على الفتك. وخطورة هذه الأسلحة تكمن في قدرتها المفزعة على التكاثر إذ بإمكان خلية بكتيريا واحدة – والتي لا ترى بالعين المجردة – أن تتضاعف إلى عدة بلايين خلال عشر ساعات إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة كتلك التي يوفرها جسم الإنسان، وهذا الأمر يحوَّل المصابين إلى قنابل بيولوجية متحركة تنقل الميكروب أينما ذهبت، أما الأسلحة النووية والكيميائية فقدرتها على الفتك محصورة من ناحية الحيز الجغرافي. والأمر الأخر الذي يجعل هذه الأسلحة الأكثر رعباً هو أن الهجوم بها لا يحتاج بالضرورة إلى تجهيزات معقدة مثل الطائرات القاذفة أو الصواريخ العابرة للقارات، وكل ما يحتاجه المهاجم هو القليل من الخيال الهوليودي ليضعها إما في مياه الشرب أو الأغذية أو فلاتر السجائر أو أن يقوم بوضعها في مكيفات الهواء في بنايات مكتظة مما يجعل أكثر الدول تقدماً في النواحي التكنولوجية عاجزة عن رد هجوم مباغت في عقر دارها.

الكائنات الدقيقة المستخدمة لتصنيع الأسلحة البيولوجية:

تنقسم الكائنات الدقيقة المستخدمة لأغراض التسليح البيولوجي إلى أصناف ثلاثة:

1) البكتيريا: وأشهرها الـ “Bacillus anthracis” المسببة لمرض الجمرة الخبيثة أو ما يطلق عليه بالأنثراكس، والـ “Yersinia pestis” المسببة للطاعون، والـ “Vibrio cholera” المسببة للكوليرا.

2) الفيروسات: وأشهرها فيروس الإبولا – Ebola – الفتاك والذي يسبب نزفاً شديداً من أماكن مختلفة وغالباً ما تنتهي الإصابة بالوفاة. وفيروس الهنتا – Hanta Virus – والذي يسبب اضطرابات في الجهاز التنفسي، وفيروس الـ “Venezuelan Equine Encephalitis والذي يعرف اختصاراً “VEE” والذي يسبب ضرراً شديداً للجهاز العصبي قد ينتهي بوفاة المصاب.

3) الريكتسيات – Rickettsias -: التي تعيش داخل الخلية بشكل طفيلي وتنتقل عن طريق الحشرات، وأشهرها الـ “Rickettsia prowazekii” المسببة لحمى التيفوس التي أدى انتشارها خلال الحرب العالمية الأولى بشكل غامض إلى وفاة ثلاثة ملايين شخص في شرق أوروبا، والـ “Coxiella burnetii” والتي تتمتع بقدرة كبيرة على العدوى مسببة حمى وخلل في أنسجة عضلات القلب، وعلى الرغم من عدم خطورتها البالغة على الحياة إلا أن بإمكانها شل جيش كامل.

ومما يزيد في خطورة الأصناف الثلاثة المذكورة أعلاه هو إمكانية إضافة صفات وراثية جديدة لها عن طريق الهندسة الوراثية بحيث تصبح اكثر فتكاً أو أكثر مقاومةً للمضادات الحيوية.

أما بخصوص المواد السامة المستخلصة من الميكروبات فأشهرها وأكثرها فتكاً على الإطلاق هو سُم البوتولينم والذي يقدر الخبراء بأن بضع غرامات منه قادرة على إبادة مدينة كاملة إذا ما تم نشره بشكل جيد.

نبذة تاريخية:

شهد التاريخ البشري استخدام الأسلحة البيولوجية في الحروب منذ زمن بعيد، وفيما يلي أهم الأحداث التاريخية المتعلقة بهذا النوع من الأسلحة مرتبة حسب التسلسل الزمني لوقوعها:

استخدم الرومان جيف الحيوانات الميتة لتلويث مياه الشرب التي يستخدمها العدو.

1346م: قام التتار باستخدام المنجنيق لقذف جثث مصابة بالطاعون إلى داخل حصون أعدائهم في منطقة البحر الأسود.

1500م: قام الأسبان خلال حملاتهم ضد أميركا الجنوبية باستخدام المصابين بأمراض معدية لنقل تللك الأمراض للسكان المحليين والفتك بهم.

1763م: الجنرال البريطاني جفري أمهرست يعطي أوامره بتوزيع بطانيات كانت قد استُخدمت في مصحات لعلاج مرضى الجدري البريطانيين على الهنود الحمر الأمر الذي أدى إلى انتشار هذا الوباء بين الهنود الحمر والقضاء على أعداد هائلة منهم.

1914م: الحرب العالمية الأولى تشهد وفاة مائة ألف شخص وإصابة ما يقارب المليون نتيجة استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

1918م: الجيش الياباني ينشئ وحدة متخصصة للأسلحة البيولوجية أطلق عليها اسم الوحدة 731.

1925م: معاهدة جنيف لمنع استخدام الغازات السامة والبكتيريا الفتاكة خلال الحروب.

1930 -1940م: اليابان تحتل منطقة منشوريا الصينية والوحدة 731 في الجيش الياباني تقوم بتجارب واسعة النطاق على التجمعات الصينية مستخدمة أنواعاً مختلفة من الميكروبات إضافة إلى إطلاقها أعداداً هائلة من الجرذان الحاملة للطاعون.

خـلال نفس الفترة عدة دول من ضمنها الولايات المتحدة الأميركية تبدأ برامج التسليح البيولوجي.

خلال الحرب العالمية الثانية قامت الوحدة 731 في الجيش الياباني باستخدام ميكروبات فتاكة في تجارب على الأسرى الأميركيين، إلا أن الأغرب من ذلك هو أن الولايات المتحدة الأميركية بعد انتهاء الحرب واستسلام اليابان قامت بمنح العديد من ضباط الوحدة 731 اليابانيين حصانة قضائية كي لا يُحاكموا كمجرمي حرب – مع علمها بما فعلوه بالأسرى الأميركيين – مقابل أن يزودوها بمعلوماتهم والنتائج التي حصلوا عليها من تجاربهم.

1943م: بريطانيا والولايات المتحدة تجربان البكتيريا المسببة للجمرة الخبيثة على جزيرة جرينارد الاسكتلندية والتي اعتُقد أنها بعيدة بما فيه الكفاية عن الشواطئ الاسكتلندية، إلا أنه تبين فيما بعد إصابة العديد من رؤوس الماشية في السواحل الاسكتلندية المقابلة.

1969م: الولايات المتحدة الأميركية تعلن وقف التجارب على الأسلحة البيولوجية من طرف واحد في مراوغة لدفع الرأي العام باتجاه الضغط على الاتحاد السوفيتي للتوقيع على معاهدة لوقف التجارب وتطوير الأسلحة البيولوجية.

1972م: الجمعية العمومية في الأمم المتحدة تصوت على معاهدة لوقف إنتاج وتطوير وتخزين الميكروبات الفتاكة والمواد السامة المستخلصة منها.

1974م: الولايات المتحدة تصادق على الاتفاقية كما أنها وافقت في نفس العام على اتفاقية جنيف 1925م – أي بعد نصف قرن –

1979م: حادثة تسرب للبكتيريا المسببة للجمرة الخبيثة من أحد المختبرات السوفيتية يؤدي لمصرع 60 شخص على الأقل، والحكومة الروسية في عهد يلتسين – عام 1992م – تعترف بأن ذلك التسرب كان من مختبر عسكري كان يقوم بإنتاج أسلحة بيولوجية.

الأسلحة البيولوجية؛ سهولة التصنيع وصعوبة المراقبة:

تعتبر الأسلحة البيولوجية الأقل تعقيداً من حيث الإنتاج إذا ما قورنت بالأنواع الأخرى لأسلحة الدمار الشامل فكل المعلومات المتعلقة بالإنتاج متوفرة إما في كتب جامعية أو في نشرات علمية أو حتى عبر شبكة الإنترنت، والعديد من التجارب الأساسية يتلقاها طلاب المرحلة الجامعية الأولى خلال دراستهم لتخصصات العلوم الحياتية المختلفة والمتوفرة في معظم بلدان العالم. إضافة إلى سهولة الإنتاج. تعتبر هذه الأسلحة الأقل كُلفةً فبأقل من خمسين ألف دولار يمكن لمجموعة من الهواة أن يمتلكوا سلاحاً بيولوجياً يهددون به دولة عظمى. لهذا السبب يُطلق على الأسلحة البيولوجية قنبلة الفقراء الذرية.

أما بخصوص مراقبة الأسلحة البيولوجية فالأمر في غاية الصعوبة بالمقارنة مع الأسلحة الكيميائية والنووية وذلك للأسباب التالية:

1) التنوع البيولوجي، فهنالك العديد من الكائنات الدقيقة التي تتواجد في الطبيعة منها ما هو معروف ومنها ما يزال مجهولاً.

2) عدم وجود حاجة لإنتاج وتخزين كميات كبيرة إلا عند الحاجة لتصنيع السلاح، ويُكتفى بتخزين كميات صغيرة جداً لا تتعدى بضع أجزاء من مليون من اللتر، أي أقل من قطرة.

3) ما ذكر آنفاً يجعل عملية نقل هذه الأسلحة أمراً في غاية السهولة بشكل لا يمكن ضبطه على النقاط الحدودية مهما كانت دقة التفتيش.

4) التكنولوجيا العلمية والتجهيزات المخبرية المستخدمة في تحضير هذه الأسلحة هي نفسها المستخدمة لأغراض البحث العلمي وهو ما يطلق عليه إمكانية الاستخدام المزدوج.

5) لا يمكن سن قوانين تمنع استخدام هذه الميكروبات الفتاكة على مستوى البحث العلمي، وذلك للحاجة الطبيعية والدائمة إلى تطوير مطاعيم وأدوية لهذه الميكروبات. من هذا المنطلق لا يمكن الحكم على بلد معين بأن لديه برنامج للتسليح البيولوجي لمجرد العثور على مثل هذه الميكروبات. إضافة إلى ذلك فإن المعاهدة الدولية لحظر إنتاج وتطوير وتخزين الأسلحة البيولوجية لعام 1972م تركت مرونة في بعض بنودها لضمان عدم الإضرار بمصالح الدول العظتمى فمثلاً تنص الفقرة الثانية من البند العاشر على “أن تطبيق هذه المعاهدة يجب أن يكون بطريقة تراعي عدم الإضرار بالتقدم التكنولوجي في مجال العلوم البيولوجية عند البلاد الموقعة”.

الولايات المتحدة الأميركية والأسلحة البيولوجية:

تعتبر الولايات المتحدة الأميركية دولة ذات سجل مميز في إنتاج الأسلحة البيولوجية واستخدامها الفعلي ضد البشر والدواب والمحاصيل الزراعية إضافة إلى بيع هذه الأسلحة لعملائها في حربهم ضد المعارضين. فقد قامت الولايات المتحدة خلال وبعد الحرب العالمية الثانية باستثمار الكوادر البشرية التي هربت من أوروبا لتطوير برنامجها للتسليح البيولوجي والذي كانت قد بدأته في أوائل الأربعينيات وقام الجيش الأميركي وخلافاً للمعاهدات الدولية باستخدام أسلحة بيولوجية في العديد من حروبه مثل حرب كوريا وحرب فيتنام والعديد من الهجمات الجرثومية السرية ضد كوبا – حتى بعد توقيعها معاهدة 1972م – بهدف شل الطاقة البشرية عن طريق التسبب بأمراض غير قاتلة ولكنها مُقعِدة لليد العاملة أو عن طريق بث ميكروبات مهلكة للمحاصيل الزراعية التي يعتمد عليها الاقتصاد الكوبي، وهذا الأمر أشارت إليه صحيفة الواشنطن بوست خطأً عام 1979.

وفي عام 1981م أوردت وكالة الأنباء الهندية معلومات عن تجارب بالأسلحة الجرثومية أجرتها وحدة من العلماء تابعة للجيش الأميركي بالقرب من مدينة لاهور الباكستانية، والذي يؤكد صحة تلك المعلومات الأنباء بأن المنطقة المذكورة كانت قد شهدت في تلك الفترة عشرات الوفيات في ظروف غامضة.

ويبدو أن هنالك الكثير من الدلائل التي تؤكد استمرار أميركا في استخدام الأسلحة البيولوجية ضد كل من يهدد مصالحها كما حصل في حرب الخليج الثانية، فقد أشارت بعض الدراسات والتي قام بها البروفيسور جارث نيكلسون من جامعة تكساس وزوجته الدكتورة نانسي بأن الولايات المتحدة تخفي استخدامها لميكروبات من نوع الميكوبلازما الذي يحدث أعراض ما أطلق عليه بأعراض حرب الخليج التي ظهرت عند العديد من الجنود الأميركيين، وقد تعرض البروفيسور نيكلسون وزوجته للملاحقة والعديد من العقبات الأكاديمية كعقوبة على محاضراتهم المتكررة حول هذا الموضوع.

الولايات المتحدة وخلافاً لما تدعيه من تمتع مواطنيها بالحرية والحقوق المدنية قامت باستخدام المواطنين الأميركيين دون علمهم كفئران في تجارب على الأسلحة البيولوجية.

الميكروبات التي استخدمت في هذه التجارب معروفة بإحداثها لأعراض طفيفة نسبياً ولم تكن من الأنواع القاتلة أما الهدف من وراء هذه التجارب فكان تقييم الأضرار التي يمكن أن يُحدثها هجوم جرثومي على تجمعات سكانية، وقد اعترف الجيش الأميركي عام 1977م بإجراء 25 تجربة مستهدفاً التجمعات السكانية، والأغرب من ذلك أن قاضي المحكمة الأميركية العليا أنتوني سكاليا أصدر قراراً عام 1985م ينص على أن مساءلة الجيش الأميركي في مثل هذه القضايا يُعيق الأوامر العسكرية مما يضر بالأمن القومي.

أما أشهر تلك التجارب فكانت رش مدينة سان فرانسيسكو ببكتيريا الـ “Serratia marcesens” والتي أدت إلى حالة وفاة وبعض الإصابات وتبين فيما بعد أن معظم السكان قد وصلت البكتيريا إلى أجسامهم، وفي تجربة أخرى قام الجيش الأميركي بنفث دخان كثيف يحتوي على جراثيم غير فتاكة فوق مدينة مينابولس وقد بُلغ السكان وقتها أن هدف هذه التجربة هو فحص قدرة هذا الدخان على تضليل الصواريخ الموجهة بالرادار.

وفي تجربة أجريت عام 1966م أطلق الجيش الأميركي مسحوقاً يحتوي على بكتيريا الـ “Bacillus subtilis” غير الفتاكة في أحد محطات قطار الأنفاق في مدينة نيويورك والتي أثبتت أن آثار البكتيريا قد وصلت إلى جميع المحطات تحت المدينة نتيجة التيارات الهوائية التي تُحدثها القطارات.

الغريب أن كل هذه التجارب لم تُقنع أميركا بأنها الدولة الأكثر حساسية وضعفاً أمام هذه الأسلحة، والأمر اللافت للنظر أن العديد من التقارير حذرت من احتمال تعرض الولايات المتحدة الأميركية لهجمات جرثومية من المواطنين الأميركيين أنفسهم كما حصل مع فني المختبر لاري هاريس من أوهايو والذي قام بشراء كمية من البكتيريا المسببة لمرض الطاعون من شركة بيولوجية أميركية ثم تبيّن فيما بعد انتماؤه لمنظمة إرهابية أميركية.

وفي النهاية:

لابد لنا من نظرة تفحص، ووقفة تأمل نتجرد فيها من الأهواء، ونضع فيها هذه الأسلحة المرعبة، وتاريخها الممتلئ بالظلم، وحصد أرواح الأبرياء على بساط البحث لنرى أن الدول المفسدة، وذات الأطماع المادية، والرغبات الجامحة، وعلى رأسها الدول التي خرجت من رحم الرأسمالية، كانت صاحبة الريادة في استخدام هذه الأسلحة الشريرة لأن غاياتها العليا كانت، وما زالت، قهر الشعوب، واستعباد الأمم، ونهب خيراتهم.

أما الإسلام فقد جاء برسالة مميزة إلى أهل الأرض لتُشركهم فيما فيه المسلمون من نعمة، ولتخرجهم من الظُلمات والعبودية، إلى النور والانعتاق من ظلم البشر، وهذا ما جعل الملايين من شعوب الأرض المختلفة من مشارق الأرض ومغاربها تدخل في دين الله أفواجاً في زمن قياسي، قضت الدول الرأسمالية أضعافه لإرهاب الشعوب، وإجبارهم على العبودية للقيم المادية دون فائدة ترجى، أو نتيجة يُطمأَنُّ لها وصدق الله العظيم إذ يصف حالهم هذا.

{إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون}.

ويبدو أن الدول الرأسمالية التي قامت على أساس تقديس القيم المادية قد جعلت كل بنائها الحضاري مرهوناً بهذه القيم الواهية، فجاءها التحدي من أصغر العوامل المادية، وأحقرها في نظرهم ليُظهر لهم عجزهم، ووهن بنائهم الحضاري المتهاوي، وها هي عُصيات الجمرة الخبيثة تلقف ما صنعت أميركا من عِصي وحبال… وإذا بالسحر ينقلب على الساحر.

قناة السويس

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العمر _ 6

قناة السويس عبر التاريخ
قصة قناة السويس جزء من تاريخ مصر و هذا التاريخ يجب ان يعرفه كل مصرى ..
فهناك صفحات مضيئة و ناصعة فى تاريخ مصر كتبت على ضفاف قناة السويس .. من دخان معارك .. و عطر الدماء .. و عبير الاستشهاد و عبق الانتصار و تحمل القناة تحت رمالها حياة اكثر من 120 الف شهيد من شهداء السخرة طويت عظامهم على طول القناة اثناء الحفر .. كان الجوع يمزق احشائهم و العطش يشقق صدورهم .. و السياط تلهب ظهورهم .. و الانهيارات الرملية تدفنهم احياء ..
القصص و الصفحات المضيئة كثيرة فى قناة السويس .. قصة الحفر قصة التأميم و العدوان الثلاثى .. قصة انسحاب المرشدين .. عودة الملاحة انها قصص من العرق و الدم و الكفاح .. اسمها قناة السويس .

• قناة الفراعنة ( قناة سيزوستريس ) :
فى عهد سنوسرت الثالث احد فراعنة الاسرة الثانية عشر ( 1887 – 1849 ) ق.م تحققت على يديه شق قناة تربط البحر المتوسط و البحر الاحمر و ذلك فى سنة 1887 ق.م .. و كانت السفن القادمة من البحر الابيض تسير فى الفرع البيلوزى و هو اول فرع من فروع النيل شرقا .. و كان النيل له سبعة فروع انذاك حتى اتصل الى بوبست ” تل بسطة ” فى الزقازيق حاليا .. ثم يتجه شرقا الى يتخاو ” ابو صوير ” فتصل الى البحيرات المرة التى كانت فى ذلك الحين خليجا متصلا بالبحر الاحمر .
و استمرت قناة سنوسرت الثالث تقوم بعملها مدة طويلة حتى امتلأت بالاتربة و الرمال .. و فى سنة 610 ق.م حاول الفرعون نخاو الثانى اعادة الحياة مرة اخرى الى القناة و كرس جهوده و نجح بالفعل فى وصل النيل بالبحيرات المرة و لكن محاولاته لوصل البحيرات المرة بالبحر الاحمر لم يكتب لها النجاح .
• قناة الفرس :
لما حكم مصر دارا بن حتشوشب ملك الفرس فى سنة 510 ق.م اعطى كل اهتمامه للقناة اذ كان الطريق الى فارس يجتاز وادى الطميلات و يسير بمحاذاة القناة التى شقها نخاو الثانى فأصر دارا باستمرار الحفر فيها و تطهيرها , ثم حفر عدة قنوات صغيرة تربط البحيرات المرة بالبحر الاحمر و لكن هذه القنوات لم تكن صالحة للملاحة الا اثناء فيضان النيل .
• قناة الاغريق :
نجح بطليموس الثانى فى سنة 285 قبل الميلاد فى اعادة الملاحة فى القناة و تغلب على كل الصعاب التى اعترضت سابقيه ، فقد امر بطليموس بحفر الجزء الواقع بين البحيرات المرة و البحر الاحمر ليحل محل القنوات الصغيرة ، فأصبحت قناة السويس تصب بجوار ميناء كليسما ” الاسم الاغريقى لمدينة السويس ” و عادت رياح الاهمال تهب على القناة مرة اخرى عندما بدأ الضعف يدب فى دولة البطالمة حتى اهملت القناة و تجمعت الرواسب و الطمى و الرمال فى اماكن عديدة .
• قناة الرومان :
قام الامبراطور ترجان عام 98 ميلادية بحفر وصلة جديدة عرفت بقناة ترجان ، و كانت الوصلة تبدأ من بابليون ” القاهرة ” عند فم الخليج حتى العباسية لتصل بالفرع القديم الذى يصل بوبستا بالبحيرات المرة .
غير ان القناة اهملت من جديد فى عهد البيزنطيين ، فقد تركوا التراب يطغى عليها و اصبحت غير صالحة للملاحة على الاطلاق .
• قناة امير المؤمنين :
و بعد الفتح الاسلامى قام عمرو بن العاص بفتح قناة ملاحية تصل بين الفسطاط و القاهرة و مدينة القلزم ” السويس ” و اطلق عليها اسم قناة امير المؤمنين و استمر الحفر فيها لمدة ستة شهور ، و استمرت هذه القناة حوالى مائة و خمسون عاما و لكن الخليفة العباسى ابو جعفر المنصور امر بردمها فى نهاية القرن الثامن كى لا تستخدم فى نقل المؤن الى اهل مكة و المدينة الذين تمردوا على حكمه .
• قناة السويس فى العصر الحديث :
بدأ التفكير فى حفر قناة السويس منذ حكم محمد على لمصر ، فبعد الثورة الصناعية التى شهدتها اوروبا فى بداية القرن التاسع عشر التنافس على تجارة الهند و بدأ التفكير بالبحث عن طريق بحرى اقصر من طريق رأس الرجاء الصالح .
و كان الانجليز فى مقدمة الدول التى سارعت فى هذا الاتجاه , و رأوا ان طريق مصر اصلح من طرق اخرى كانت محل للدراسة و البحث و قام ” واجهرون ” بتجربة للمقارنة بين طريق رأس الرجاء الصالح و طريق السويس , و سافر حاملا برقيات ترسل له من محطات مختلفة لبيان الفرق الزمنى بين الطريقتين .
اما الفرنسيون فقد واصلوا جهودهم لتحقيق مشروعهم و اوفدوا الى محمد على سنة 1833 بعثة ( جماعة سان سيمو نيان ) و كان غرضها الاعداد لمشروع القناة و سنة 1846 كون قس يدعى انفنتان جمعية اطلق عليها ( جمعية الدراسات الخاصة بقناة السويس ) و كانت ذات ثلاثة شعب , واحدة فرنسية ، و الثانية انجليزية , و الثالثة المانية . و بفضل جهود الجمعية التى على رأسها المهندس النمساوى ” لويجى نيجر يللى ” اوشك المشروع ان يتم و استطاعت هذه الجمعية ان تصحح الخطأ الذى وقع فيه ” لبير ” من ان منسوب سطح البحر الاحمر يعلو سطح البحر المتوسط بعشرة امتار و ثبت انه بالامكان تنفيذ المشروع .
و بعد ذلك اوفدت ” جمعية الدراسات الخاصة بقناة السويس ” الى محمد على وفدا من المهندسين برئاسة المهندس ” نيجر يللى ” لعمل ابحاث خاصة بقناة السويس المقترحة ، و عرض الفرنسيون عليه مشروع شق القناة ، و رفض محمد على باشا المشروع الفرنسى و اصر على ضرورة اشراف الحكومة المصرية على تنفيذه و تمويلها له لكى تخلص القناة لمصر ، و اصر على ضمان الدول الكبرى لحيادة مصر .
و بدأ الانجليز يستخدمون الطريق المصرى القديم توفيرا للوقت و عادت التجارة مع الهند سيترتها الاولى عبر الاراضى المصرية و كان هذا الطريق اقرب من طريق رأس الرجاء الصالح و لكنه لم يكن الحل الامثل و هو الذى يأتى بحفر قناة بحرية . و بعد وفاة محمد على باشا , تم عرض موضوع شق القناة على عباس الاول و لكنه رفض شق القناة و بعد اغتيال عباس الاول تولى عرش مصر من بعده الامير محمد سعيد .
و عندما تولى الامير محمد سعيد عرش مصر جائت الفرصة التى كان ينتظرها فرديناند ديليسبس فقد كان ديليسبس يرعى الامير محمد سعيد و هو غلاما فى السادسة عشر من عمره ، ليعالج بدانته و يدربه على الرياضة بعد ان عهد اليه والده محمد على باشا برعايته ، و كان دليسبس من السلك الدبلوماسى . ثم عاد دليسبس الى مصر مرة اخرى و عين قنصلا عاما لفرنسا .
و استغل دليسبس تعيين محمد سعيد واليا على مصر فبادر بالاتصال بجمعية الدراسات الخاصة بقناة السويس فى باريس و حصل منها على توكيل ليعمل بأسمها فى الحصول على امتياز قناة السويس و لما نجحت خطته حصل على الامتياز لنفسه و فى احدى جلساته مع سعيد باشا فى 15 نوفمبر 1854 عرض ديليسبس على الوالى مشروعه و دراساته عن القناة التى تصل بين البحرين مع عرض اهم النقط و الاسانيد و اقتنع سعيد باشا بالمشروع و قال له :
انه مشروع مفهوم و فى وسعك ان تعتمد على .
• الامتياز الاول :
و فى 30 نوفمبر 1854 صدر الامتياز الاول بشق قناة السويس , و اصدره سعيد باشا مؤلفا من اثنى عشر بندا .
و نص البند الاول ان يقوم دليسبس بانشاء الشركة العالمية لقناة السويس البحرية و ان يتولى رئاستها , و حدد هذا البند مهمة الشركة فى حفر برزخ السويس و استغلال طرق الملاحة الكبرى , و انشاء مدخلين احدهم على البحر المتوسط و الاخر على البحر الاحمر , و كذلك انشاء ميناء او ميناءين .
و نص البند الثالث على ان مدة الامتياز هى 99 عام من يوم افتتاح القناة و ترك الامتياز تحديد مساحة الاراضى الممنوحة للشركة للمهندس الفرنسى ” لينان ” و قام لينان و موجل باعداد مشروع تمهيدى للقناة مرفقا برسوم تفصيلية بعد ان عهد ديليسبس الى المهندسين لينان و موجال بهذه المهمة .
• الامتياز الثانى لقناة السويس :
قامت وزارة الخارجية الفرنسية بصياغة الامتياز ووقعه محمد سعيد باشا فى 5 يناير سنة 1856 و فى هذا الامتياز منح سعيد باشا للشركة امتيازات جديدة فى مسائل عدة كأستغلالها الاراضى و ان تمنح الشركة مجانا الاراضى اللازمة للمشروع و التى لا يملكها الافراد . و نزع ملكية الاراضى المملوكة للأفراد اذا لزم الامر .
و تضمن الامتياز ايضا استغلال مناجم الدولة بالمجان و الاعفاء من الرسوم الجمركية و كان اهم ما فى الامتياز اخراج الشركة من ولاية القضاء المصرى و تعهد الحكومة المصرية بتقديم نسبة كبيرة من العمال للمشروع بطريقة السخرة و كذلك تعهد الحكومة المصرية بأن تشترى الاسهم التى يعجز ديليسبس فى بيعها فى الاسواق العالمية .
• بداية اعمال الحفر … و مأساة السخرة :
و فى يوم الاثنين 25 ابريل 1859 بدات اول اعمال الحفر حيث وقعت ضربة الفأس الاولى على ثرى مدينة بورسعيد . و من بداية الحفر كان هناك بداية اخرى لأبشع انواع السخرة التى استمرت عشر سنوات و استخدم ديليسبس السخرة فى تشغيل العمال المصريين و تساقط اكثر من عشرون الف منهم تحت وطأة الشمس . و اشرف ديليسبس نفسه على التدابير الخاصة بمواجهة مشكلة العمال المصريين و الاجانب ووضع اعلان دعا فيه المصريين الى العمل و الاشتراك فى حفر القناة و ذكر ديليسبس ان الشركة انشأت قرى لسكن العمال و قامت ببناء المساجد , و قرر ان ماء الشرب متوفر و حدد لهم الاجور على اساس الانتاج و ليس على حساب ايام العمل , و حدد الاجر انه يتراوح بين ستة قروش و ثمانية قروش فى اليوم و كانت البداية مع العمال بشعة فقد هوت السياط على ظهور العمال الابرياء الذين سبقوا الى منطقة الحفر .
و كان لكل فرقة من العمال و التى تتراوح بين العشرين و الخمسين ” مقدم ” يقف على العمال بالكرباج و يوقظهم فى الصباح مع الفجر بحجة الصلاة , و يمهلهم دقائق من اجل الصلاة ثم يسوقهم الى مكان العمل و يظل قائما عليهم حتى المساء .
و فى ظل هذا النظام القاسى لم تكن هناك عناية بصحتهم فكانوا يمرضون و يساقون ايضا الى العمل رغم المرض و كثيرا منهم سقط فى مكانه من المرض و اذا مات فأنه يروى فى التراب ، ثم يطلب غيره فقد كانوا يموتون من المرض و الجوع و العطش و انتشرت الاوبئة التى بدأت بضربة الشمس و التيفود و الكوليرا ثم وباء الطعون و تساقط ابناء مصر موتى بالآلاف .
و كان العامل يعيش على قطعة الجبن القديم و المش و العسل و البصل لمدة تتراوح بين الشهر و اكثر و بجانب مشكلة الغذاء كانت هناك مشكلة المياه التى تعد من اهم المشاكل التى عانى منها العمال فى قناة السويس و بسبب المياه الملوثة مات اغلب العمال بالدوسناريا الحادة .
اما اكبر مأساة تعرض لها العمال خلال عمليات الحفر ظهور مادة طينية سائلة كانت تحتوى على فوسفور حارق مما ادى الى اصابة الآلاف باللأمراض الغامضة و التى ادت الى وفاتهم على الفور . و فى 18 نوفمبر عام 1862 تم تدفق مياه البحر المتوسط الى بحيرة التمساح و فى 18 مارس عام 1869 تم وصل البحر الابيض بالبحيرات المرة , و فى 15 اغسطس 1869 تم وصل البحر الاحمر بالبحيرات المرة .
و انتهت اعمال حفر القناة فى 18 اغسطس 1869 حين تدفقت مياح البحر الاحمر فى البحيرات المرة لتلتقى بمياه البحر الابيض المتوسط بعد ان تم استخراج 74 مليون متر مكعب من الرمال ناتج حفر القناة .
و قد اودت اعمال الحفر بحياة اكثر من 20 الف عامل مصرى , و بلغ عدد الذين شاركوا فى عمليات شق القناة خلال العشر سنوات ما يزيد على مليون و نصف مصرى من جميع اقاليم مصر .
• حفل افتتاح قناة السويس :
بعد الانتهاء من اعمال الحفر , بدأ الخديوى اسماعيل يستعد لحفل افتتاح قناة السويس و كانت هذه الاحتفالات اشبه بليالى الف ليلة و ليلة . فقد سافر الخديوى اسماعيل الى اوروبا لدعوة ضيوف حفل الافتتاح و تولى بنفسه و بأيم مصر توجيه الدعوة لهم .
و كانت صيغة الدعوة التى وجهها الخديوى اسماعيل الى ملكة انجلترا الملكة فيكتوريا تقول ” انه يسره ان تلبى هى و من ترى دعوتهم من الاسرة المالكة حفل الافتتاح و ستلمسون فى مصر التى هى فى الطريق الى املاككم فى الهند و الشرك و مدى ما احرزته مصر من تقدم مادى و معنوى ” .
و ارسلت الدعوات الى 6000 مدعو , و اوجينى امبراطورة فرنسا و هنرى امير هولندا و فرنسوا جوزيف امبراطور النمسا و فردريك ولى عهد روسيا و قرينته ابنة الملكة فيكتوريا و غيرهم , بالاضافة الى عدد كبير من رجال الدولة .
و ارسل الخديوى بعثة خاصة الى جنوه و مارسيليا و ليفربول للتعاقد على 500 طاهى و الف خادم ليقوموا بخدمة ضيوفه . و كان اول الضيوف الذين وصلوا الى مصر تلبية لدعوة الخديوى اسماعيل الامبراطورة اوجينى .
و على ضفاف القناة اقيمت ثلاثة سرادقات مكسوة بالحرير , سرادق على اليمين و يضم رجال و علماء الدين الاسلامى و فى مقدمتهم العلامة الشيخ مصطفى العروسى شيخ الجامع الازهر و الشيخ محمد المهدى العباسى مفتى الديار المصريةفى ذلك الوقت , و سرادق على الياسار يضم رجال الدين المسيحى , و فى الوسط السرادق الذى يضم الملوك و الامراء و حاشيتهم و قبل الليلة التى سبقت الاحتفال اجريت تجربة لمرور البواخر فى قناة السويس و اثناء التجربة وقعت كارثة فقد جنحت السفينة المصرية فى وسط القناة و كادت تسد القناة على بعد 30 كم من الجنوب من بورسعيد . و اسرع الخديو اسماعيل الى مكان جنوح السفينة . و لم تنجح عملية تقويم السفينة فأمر الخديو اسماعيل بنسف السفينة و طبقا لتعليمات الخديو قام العمال بأشعال النيران فى السفينة .
و فى صباح يوم 17 نوفمبر سنة 1869 بدأت الاحتفالات بأفتتاح القناة و تحركت المواكب تتقدمه السفينة ” الايجل ” و عليها الامبراطورة ” اوجينى ” زوجة نابليون الثالث و خلف السفينة ايجل , سارت الباخرة النسر ثم المحروسة و كان هذا اليوم بداية الملاحة فى قناة السويس .
و عندما مرت الباخرة الايجل بالسفينة الجانحة تصورت الامبراطورة اوجينى ان الخديو اسماعيل قام بأشعال النيران فيها تحية لها و اعجبت الامبراطورة بهذه الفكرة الجميلة و مكثت اوجينى فى ضيافة اسماعيل فترة من الوقت و قد بنى لها اسماعيل استراحة على بحيرة التمساح .
و فى المساء اضيئت الانوار و الزينات و اعد الخديو اسماعيل لضيوفه و ليمة عشاء فى قصره بمدينة الاسماعيلية و ضم هذا العشاء آلاف المدعوين فى مقدمتهم الامبراطورة اوجينى و عدد كبير من ضيوف الخديو .
و يقول المؤرخين ان نفقات الاسابيع الستة التى انفقت ما بين وصول الامبراطورة اوجينى الى القاهرة و اليوم الثلاثين من نوفمبر قد تراوحت ما بين 1.3 مليون و اربعة ملايين من الذهب .

رجل هندي صنع التاريخ لنفسه ( غاندي )

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد المضيان 6

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الموضوع عن رجل هندي صنع لنفسه التاريخ هو غاندي

النشأة
ولد غاندي في الثاني من أكتوبر عام 1869م في بلدة بورباندر والتي تعني “المدينة البيضاء” وتقع هذه المدينة في ولاية صغيرة بشمال غرب الهند، ولد غاندي لأسرة ميسورة الحال محافظة، وعلى مستوى عالي من الثقافة، وكانت أسرته تؤمن بفكرة عدم العنف بأي شكل من الأشكال، وكانت هذه الفكرة دائماً هي أحد مبادئها الدينية الأساسية والتي صار عليها غاندي بعد ذلك.

ينتمي آل غاندي إلى طبقة ألبانيا وهي إحدى الطبقات الاجتماعية في الهند، وكان جده يشغل منصب رئيس الوزراء في بورباندر، وعمل والده عضو في محكمة راجستايك ثم رئيساً للوزراء في راجكوت، فكان لأسرته خبرة وباع في مجال العمل السياسي.

تلقى غاندي تعليمه الابتدائي في مدرسة بورباندر الابتدائية، ثم انتقل منها إلى مدرسة راجكوت حتى سن العاشرة ومنها انتقل إلى مدرسة كاتيافار، وظل فيها حتى بلغ السابعة عشر من عمره وخرج منها ليلتحق بجامعة أحمد آباد.

تزوج غاندي وهو في الثالثة عشر من عمره وذلك تبعاً للتقاليد الهندية وأسفر زواجه عن إنجاب أربعة أبناء.

سافر في عام 1888م متوجهاً إلى لندن لكي يدرس الحقوق، وبعد أن أتم دراسته عاد مرة أخرى إلى الهند وذلك في عام 1891 ليبدأ في ممارسة عمله بالمحاماة في محكمة بومباي العليا ولكنه لم يستمر في هذه المهنة كثيراً.


أفكار غاندي

قامت بريطانيا في عام 1858م بضم الهند إلى التاج البريطاني رسمياً، ومن هنا جاء الاحتلال البريطاني التي وقعت الهند أسيرة له فترة من الزمن، ولقد جاء كفاح غاندي ضد الاستعمار مبنياً على أحد المبادئ الأساسية التي اعتمد عليها وهي مبدأ “الساتيا جراها” والتي تعني المقاومة السلمية أو سياسة اللا عنف، ويعتمد مبدأ الساتيا جراها على عدد من الأسس الدينية والسياسية والاقتصادية التي تندمج معاً من أجل إبراز أهداف هذا المبدأ، وأوضح غاندي أن سياسة اللاعنف لا تعني الجبن أو الخوف من المواجهة المباشرة مع العدو بل على العكس فهي وسيلة لإظهار ظلم الطرف الأخر وأساليبه القهرية مع الفهم الكامل والإلمام بجميع أبعاد المشكلة والخطر المحيط، واللجوء إلى العنف في النهاية إذا لم يوجد سبيل آخر غيره، كانت الفكرة المسيطرة على عقلية غاندي أن “الامتناع عن المعاقبة لا يعتبر غفرانا إلا عندما تكون القدرة على المعاقبة قائمة فعليا”ومن الممكن اللجوء للعنف إذا لم يوجد سبيل أخر غيره”.

وانقسمت مرحلة كفاحه إلى قسمين القسم الأول منها كان في “جنوب أفريقيا” الفترة ما بين 1893 – 1914 حيث انتقل غاندي للعمل في جنوب أفريقيا في مكتب للمحاماة في ناتال فسافر إلى هناك عام 1893م، وظل هناك طيلة 21 عام، كانت جنوب أفريقيا في هذا الوقت مستعمرة بريطانيا مثل الهند وكان بها العديد من العمال اللذين يعملون بها، اكتسب غاندي في خلال الفترة التي قضاها هناك العديد من الخبرات كما مارس نضاله هناك أيضاً فكان يرى التمييز العنصري الذي يتبعه البريطانيين ضد الأفارقة والهنود اللذين يعملون هناك، فقام بالدفاع عن الجالية الهندية، كما عمل على إنشاء صحيفة “الرأي الهندي” والتي دعا من خلالها من أجل سياسة المقاومة السلمية، وعمل على تأسيس حزب “المؤتمر الهندي لنتال” والذي جعله مركز للدفاع عن حقوق الهنود في جنوب إفريقيا، كما نادى بأحقية الهنود بالإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، وعمل على تغيير “المرسوم الأسيوي” والذي كان ينص على أن الهنود يجب أن يقوموا بتسجيل أنفسهم في سجلات خاصة، وغيرها من الأمور الأخرى التي تهدف لصالح المواطن الهندي.

في الهند

أما المرحلة الثانية فكانت في “الهند ” في الفترة 1914 – 1922، وفيها ركز اهتمامه على النضال من أجل العمال والفلاحين كانت الفكرة الرئيسية التي تسيطر على عقلية غاندي هي فكرة عدم العنف وكان يرى أن السبب الرئيسي في قوة البريطانيين في المنطقة هو اعتمادهم بشكل أساسي على تعاون جميع طبقات الشعب معهم، فإذا تم سحب هذا التعاون فلن تستطيع الحكومة البريطانية الصمود كثيراً في الهند، ولكن كان يلزم لتحقيق هذا الهدف التكاتف من جميع الطبقات وتفهمهم لذلك، وفي أثناء هذا كان يوجد موقف إسلامي معارض بشدة للحكومة البريطانية والتي كانت تسعى من أجل تقسيم تركيا بين الحلفاء الغربيين وتفكيك الخلافة الإسلامية وهو الأمر الذي أستغله غاندي حيث قام بالانضمام والتحالف مع الزعماء المطالبين بالمحافظة على الخلافة وتكون من وراء هذا التحالف حركة شعبية قوية مناهضة للاحتلال البريطاني وكان ذلك في الفترة ما بين 1920 – 1924م .

الحركة الوطنية

يعتبر غاندي هو من بعث الحياة في حركة المقاومة الوطنية مرة أخرى بما كان له من دور فعال في جمع شتات الهنود ودفعهم من أجل هدف واحد، فقام بشحذ هممهم من أجل هدف قوي وهو تحرير وطنهم وإيجاد حل لمشاكلهم ومعاناتهم، فذابوا جميعاً في بوتقة واحدة على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم وكان هذا في حد ذاته أول طريق النجاح في مشوار غاندي أنه حقق الوحدة بين الهنود على الرغم من الاختلافات بينهم.

ولقد بدأت هذه الحركة التي تزعمها غاندي في الانتشار في أنحاء الهند وانتقلت إلى مرحلة جديدة من العمل السياسي الجماهيري وذلك نظراً لانتشار المبادئ التي تدعو إلى الحرية في العالم بأسره، وأيضاً نظراً للفقر والمعاناة التي عايشها الهنود من العمال والفلاحين فبدأت عملية تأسيس لنقابات العمال وعمل غاندي على الاهتمام بالفلاحين فسعى جاهداً من أجل محاولة تخفيض الضرائب التي تثقل كاهلهم.

كفاحه من أجل شعبه

عمل غاندي كثيراً من اجل تحقيق العدل والحرية لأبناء شعبه فعمل على إيجاد صلة بين كل من الحركة الوطنية والشعب، كما قام بإدخال المطالب الاقتصادية في البرامج الوطنية، ودعا إلى تعميم صناعة الغزل، ومقاطعة البضائع الإنجليزية، كما قام بإعلان العصيان المدني لإلغاء احتكار الملح، وغيرها من الأمور والتي قام فيها بالاهتمام بمصلحة الهنود ومحاولاً تلبية احتياجاتهم .

ومن المواقف الهامة التي اتخذها غاندي نذكر قيامه باتخاذ قرار بصيام حتى الموت في عام 1932 وذلك كنوع من الاحتجاج على مشروع يقوم بالتمييز في الانتخابات ضد المنبوذين من الهنود، وهو الأمر الذي دعا الزعماء السياسيين والدينين للتدخل من أجل إلغاء نظام التميز الانتخابي وعرفت “باتفاقية بونا”.

ومن مواقفه نذكر أيضاً تحديه للقوانين البريطانية التي كانت تقوم باحتكار الملح وحصر استخراجه على السلطات البريطانية فقط، ولم يكتفي بالاعتراض والتحدي بل قام بقيادة مسيرة شعبية لاستخراج الملح من البحر، وبالفعل تم التوصل في النهاية إلى اتفاق عرف “بمعاهدة دلهي” وذلك في عام 1931م.

مرحلة الاستقلال

قام غاندي بقيادة حملة عصيان جديدة في عام 1940 وذلك كنوع من الاحتجاج على إعلان بريطانيا للهند كدولة محاربة لدول المحور دون حصول الهند على استقلالها ونظراً لانشغال بريطانيا بالحرب العالمية الثانية فقد كانت مهتمة باستتباب الأمن في الهند من أجل التفرغ لحروبها، وقد وافق غاندي بريطانيا في النهاية على مشاركة الهند في الحرب أملاً في نيلها لاستقلالها في النهاية، وبالفعل دخلت الهند إلى الحرب ضد دول المحور في عام 1943، ومارست بريطانيا بعد ذلك حملات شديدة من القمع والقهر ضد الشعب الهندي وعلى رأسهم غاندي الذي تم سجنه لفترة، وعندما لاحت في الأفق بوادر الاستقلال بدأت محاولات من أجل تقسيم الهند ما بين هندوس ومسلمين وقد سعى غاندي من أجل الحيلولة دون حدوث هذا الانفصال ولكن باءت محاولاته بالفشل وتم الانفصال والذي نتج عنه تدهور حاد وأحداث عنف في أنحاء البلاد مما أحزن غاندي كثيراً ودعا من أجل الوحدة الوطنية، وأهمية احترام حقوق الأقلية المسلمة.

تحقق الاستقلال للهند أخيرا في عام 1947، بعد مقاومة شعبية ونضال قاده غاندي بقوة مع غيره من الهنود.

الوفاة

كانت لغاندي دائماً آرائه وأفكاره والتي تهدف جميعها لأهمية حرية الشعوب وأحقية الإنسان في العيش في سلام، وكانت لغاندي ليست فقط آراء في القضية الهندية ولكن في غيرها من القضايا مثل قضية الشرق الأوسط والتي قال فيها “أنا لا أستسيغ المطالبة بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ففلسطين ملك للعرب تماماً كما أن إنجلترا ملك للإنجليز وفرنسا للفرنسيين، إن فلسطين التي جاء ذكرها في التوراة ليست في الأرض الجغرافية ، بل هي في قلوبهم وليس هناك ما يمكن أن يقال ضد مقاومة العرب في مواجهة عقبات لا قبل لهم بها”.

في أواخر حياته كرس غاندي جزء كبير من أفكاره من أجل الدفاع عن حقوق الأقلية المسلمة وحزن كثيراً من أجل انفصال باكستان وأعمال العنف التي شهدتها كشمير وقام بدعوة الهندوس من أجل احترام حقوق المسلمين مما أثار بعض المتعصبين ضده واعتبروه خائن فقاموا باغتياله بإطلاق الرصاص عليه في 30 يناير 1948م، فتوفى عن عمر يناهز 79 عاماً.

رجل هندي صنع التاريخ لنفسه ( غاندي )

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد المضيان 6

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الموضوع عن رجل هندي صنع لنفسه التاريخ هو غاندي

النشأة
ولد غاندي في الثاني من أكتوبر عام 1869م في بلدة بورباندر والتي تعني “المدينة البيضاء” وتقع هذه المدينة في ولاية صغيرة بشمال غرب الهند، ولد غاندي لأسرة ميسورة الحال محافظة، وعلى مستوى عالي من الثقافة، وكانت أسرته تؤمن بفكرة عدم العنف بأي شكل من الأشكال، وكانت هذه الفكرة دائماً هي أحد مبادئها الدينية الأساسية والتي صار عليها غاندي بعد ذلك.

ينتمي آل غاندي إلى طبقة ألبانيا وهي إحدى الطبقات الاجتماعية في الهند، وكان جده يشغل منصب رئيس الوزراء في بورباندر، وعمل والده عضو في محكمة راجستايك ثم رئيساً للوزراء في راجكوت، فكان لأسرته خبرة وباع في مجال العمل السياسي.

تلقى غاندي تعليمه الابتدائي في مدرسة بورباندر الابتدائية، ثم انتقل منها إلى مدرسة راجكوت حتى سن العاشرة ومنها انتقل إلى مدرسة كاتيافار، وظل فيها حتى بلغ السابعة عشر من عمره وخرج منها ليلتحق بجامعة أحمد آباد.

تزوج غاندي وهو في الثالثة عشر من عمره وذلك تبعاً للتقاليد الهندية وأسفر زواجه عن إنجاب أربعة أبناء.

سافر في عام 1888م متوجهاً إلى لندن لكي يدرس الحقوق، وبعد أن أتم دراسته عاد مرة أخرى إلى الهند وذلك في عام 1891 ليبدأ في ممارسة عمله بالمحاماة في محكمة بومباي العليا ولكنه لم يستمر في هذه المهنة كثيراً.


أفكار غاندي

قامت بريطانيا في عام 1858م بضم الهند إلى التاج البريطاني رسمياً، ومن هنا جاء الاحتلال البريطاني التي وقعت الهند أسيرة له فترة من الزمن، ولقد جاء كفاح غاندي ضد الاستعمار مبنياً على أحد المبادئ الأساسية التي اعتمد عليها وهي مبدأ “الساتيا جراها” والتي تعني المقاومة السلمية أو سياسة اللا عنف، ويعتمد مبدأ الساتيا جراها على عدد من الأسس الدينية والسياسية والاقتصادية التي تندمج معاً من أجل إبراز أهداف هذا المبدأ، وأوضح غاندي أن سياسة اللاعنف لا تعني الجبن أو الخوف من المواجهة المباشرة مع العدو بل على العكس فهي وسيلة لإظهار ظلم الطرف الأخر وأساليبه القهرية مع الفهم الكامل والإلمام بجميع أبعاد المشكلة والخطر المحيط، واللجوء إلى العنف في النهاية إذا لم يوجد سبيل آخر غيره، كانت الفكرة المسيطرة على عقلية غاندي أن “الامتناع عن المعاقبة لا يعتبر غفرانا إلا عندما تكون القدرة على المعاقبة قائمة فعليا”ومن الممكن اللجوء للعنف إذا لم يوجد سبيل أخر غيره”.

وانقسمت مرحلة كفاحه إلى قسمين القسم الأول منها كان في “جنوب أفريقيا” الفترة ما بين 1893 – 1914 حيث انتقل غاندي للعمل في جنوب أفريقيا في مكتب للمحاماة في ناتال فسافر إلى هناك عام 1893م، وظل هناك طيلة 21 عام، كانت جنوب أفريقيا في هذا الوقت مستعمرة بريطانيا مثل الهند وكان بها العديد من العمال اللذين يعملون بها، اكتسب غاندي في خلال الفترة التي قضاها هناك العديد من الخبرات كما مارس نضاله هناك أيضاً فكان يرى التمييز العنصري الذي يتبعه البريطانيين ضد الأفارقة والهنود اللذين يعملون هناك، فقام بالدفاع عن الجالية الهندية، كما عمل على إنشاء صحيفة “الرأي الهندي” والتي دعا من خلالها من أجل سياسة المقاومة السلمية، وعمل على تأسيس حزب “المؤتمر الهندي لنتال” والذي جعله مركز للدفاع عن حقوق الهنود في جنوب إفريقيا، كما نادى بأحقية الهنود بالإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، وعمل على تغيير “المرسوم الأسيوي” والذي كان ينص على أن الهنود يجب أن يقوموا بتسجيل أنفسهم في سجلات خاصة، وغيرها من الأمور الأخرى التي تهدف لصالح المواطن الهندي.

في الهند

أما المرحلة الثانية فكانت في “الهند ” في الفترة 1914 – 1922، وفيها ركز اهتمامه على النضال من أجل العمال والفلاحين كانت الفكرة الرئيسية التي تسيطر على عقلية غاندي هي فكرة عدم العنف وكان يرى أن السبب الرئيسي في قوة البريطانيين في المنطقة هو اعتمادهم بشكل أساسي على تعاون جميع طبقات الشعب معهم، فإذا تم سحب هذا التعاون فلن تستطيع الحكومة البريطانية الصمود كثيراً في الهند، ولكن كان يلزم لتحقيق هذا الهدف التكاتف من جميع الطبقات وتفهمهم لذلك، وفي أثناء هذا كان يوجد موقف إسلامي معارض بشدة للحكومة البريطانية والتي كانت تسعى من أجل تقسيم تركيا بين الحلفاء الغربيين وتفكيك الخلافة الإسلامية وهو الأمر الذي أستغله غاندي حيث قام بالانضمام والتحالف مع الزعماء المطالبين بالمحافظة على الخلافة وتكون من وراء هذا التحالف حركة شعبية قوية مناهضة للاحتلال البريطاني وكان ذلك في الفترة ما بين 1920 – 1924م .

الحركة الوطنية

يعتبر غاندي هو من بعث الحياة في حركة المقاومة الوطنية مرة أخرى بما كان له من دور فعال في جمع شتات الهنود ودفعهم من أجل هدف واحد، فقام بشحذ هممهم من أجل هدف قوي وهو تحرير وطنهم وإيجاد حل لمشاكلهم ومعاناتهم، فذابوا جميعاً في بوتقة واحدة على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم وكان هذا في حد ذاته أول طريق النجاح في مشوار غاندي أنه حقق الوحدة بين الهنود على الرغم من الاختلافات بينهم.

ولقد بدأت هذه الحركة التي تزعمها غاندي في الانتشار في أنحاء الهند وانتقلت إلى مرحلة جديدة من العمل السياسي الجماهيري وذلك نظراً لانتشار المبادئ التي تدعو إلى الحرية في العالم بأسره، وأيضاً نظراً للفقر والمعاناة التي عايشها الهنود من العمال والفلاحين فبدأت عملية تأسيس لنقابات العمال وعمل غاندي على الاهتمام بالفلاحين فسعى جاهداً من أجل محاولة تخفيض الضرائب التي تثقل كاهلهم.

كفاحه من أجل شعبه

عمل غاندي كثيراً من اجل تحقيق العدل والحرية لأبناء شعبه فعمل على إيجاد صلة بين كل من الحركة الوطنية والشعب، كما قام بإدخال المطالب الاقتصادية في البرامج الوطنية، ودعا إلى تعميم صناعة الغزل، ومقاطعة البضائع الإنجليزية، كما قام بإعلان العصيان المدني لإلغاء احتكار الملح، وغيرها من الأمور والتي قام فيها بالاهتمام بمصلحة الهنود ومحاولاً تلبية احتياجاتهم .

ومن المواقف الهامة التي اتخذها غاندي نذكر قيامه باتخاذ قرار بصيام حتى الموت في عام 1932 وذلك كنوع من الاحتجاج على مشروع يقوم بالتمييز في الانتخابات ضد المنبوذين من الهنود، وهو الأمر الذي دعا الزعماء السياسيين والدينين للتدخل من أجل إلغاء نظام التميز الانتخابي وعرفت “باتفاقية بونا”.

ومن مواقفه نذكر أيضاً تحديه للقوانين البريطانية التي كانت تقوم باحتكار الملح وحصر استخراجه على السلطات البريطانية فقط، ولم يكتفي بالاعتراض والتحدي بل قام بقيادة مسيرة شعبية لاستخراج الملح من البحر، وبالفعل تم التوصل في النهاية إلى اتفاق عرف “بمعاهدة دلهي” وذلك في عام 1931م.

مرحلة الاستقلال

قام غاندي بقيادة حملة عصيان جديدة في عام 1940 وذلك كنوع من الاحتجاج على إعلان بريطانيا للهند كدولة محاربة لدول المحور دون حصول الهند على استقلالها ونظراً لانشغال بريطانيا بالحرب العالمية الثانية فقد كانت مهتمة باستتباب الأمن في الهند من أجل التفرغ لحروبها، وقد وافق غاندي بريطانيا في النهاية على مشاركة الهند في الحرب أملاً في نيلها لاستقلالها في النهاية، وبالفعل دخلت الهند إلى الحرب ضد دول المحور في عام 1943، ومارست بريطانيا بعد ذلك حملات شديدة من القمع والقهر ضد الشعب الهندي وعلى رأسهم غاندي الذي تم سجنه لفترة، وعندما لاحت في الأفق بوادر الاستقلال بدأت محاولات من أجل تقسيم الهند ما بين هندوس ومسلمين وقد سعى غاندي من أجل الحيلولة دون حدوث هذا الانفصال ولكن باءت محاولاته بالفشل وتم الانفصال والذي نتج عنه تدهور حاد وأحداث عنف في أنحاء البلاد مما أحزن غاندي كثيراً ودعا من أجل الوحدة الوطنية، وأهمية احترام حقوق الأقلية المسلمة.

تحقق الاستقلال للهند أخيرا في عام 1947، بعد مقاومة شعبية ونضال قاده غاندي بقوة مع غيره من الهنود.

الوفاة

كانت لغاندي دائماً آرائه وأفكاره والتي تهدف جميعها لأهمية حرية الشعوب وأحقية الإنسان في العيش في سلام، وكانت لغاندي ليست فقط آراء في القضية الهندية ولكن في غيرها من القضايا مثل قضية الشرق الأوسط والتي قال فيها “أنا لا أستسيغ المطالبة بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ففلسطين ملك للعرب تماماً كما أن إنجلترا ملك للإنجليز وفرنسا للفرنسيين، إن فلسطين التي جاء ذكرها في التوراة ليست في الأرض الجغرافية ، بل هي في قلوبهم وليس هناك ما يمكن أن يقال ضد مقاومة العرب في مواجهة عقبات لا قبل لهم بها”.

في أواخر حياته كرس غاندي جزء كبير من أفكاره من أجل الدفاع عن حقوق الأقلية المسلمة وحزن كثيراً من أجل انفصال باكستان وأعمال العنف التي شهدتها كشمير وقام بدعوة الهندوس من أجل احترام حقوق المسلمين مما أثار بعض المتعصبين ضده واعتبروه خائن فقاموا باغتياله بإطلاق الرصاص عليه في 30 يناير 1948م، فتوفى عن عمر يناهز 79 عاماً.

{ الجرح }…..

كاتب الموضوع الأصلي: نواف وايل العنزي 6

صبآحكم / مسآئكم [ مسك و زعفرآن ]

قصيدهـ { الجرح } لـ الشاعر عبدالله الظفيري ,,

آتمنىآ آن تنآل آستحسآنكم ..

..

الي بقى لي مع الأيام / وفٌيته
والضيق لو ينهمر تشربه ودياني

ماهي كبيرهـ علي والحزن غنيته
ولاهي غريبه اذا وقتي تحداني

كم جرح خذته من الاحباب / ضميته
وجروح قلبي زكاهـ لحب خلاني

مطعون / عادي جفا الاقارب داويته
تعبان / حدي ردي هالحظ خاواني
صدمه / بسيطه هوان الحال مريته
مقرود / أدري واذا حرمان عداني

مافاح هم لك والله ما تقهويته
و مامر حزن بغيري ما تبلاني

ياما وياما من الخذلان / عديته
إلا بصاحب .. بعد العشرهـ تناساني

ازريت لأنسى غيابه لين ناديته
والموت لامن تجاهلني وجافاني

وينه يجيني / وكل عتاب كنيته
ياليت يدري بعد فرقاهـ وش جاني

من كنت طفل وانا أرجاهـ في بيته
شيبت / واثرهـ على هالحال خلاني

حتى جناح العتب لرضاهـ ذليته
ماطرت بعدهـ فرح من ذل جنحاني

ياقلب صبرك .. ترى كل شي سويته
ماكان افضل من اللي كان بإمكاني

لو بي قوهـ على الهجران خليته
لوبي ذرهـ من النكران يفداني

الجرح أرحم / اذا يرجع من أغليته
مجروح فدوهـ .. ولكن صعب وحداني

..

غزو سوفييتي لأفغانستان

كاتب الموضوع الأصلي: نواف وايل العنزي 6


الحرب السوفيتية في أفغانستان أو التدخل السوفيتي في افغانستان هو اسم يطلق على حرب دامت عشرة سنوات، كان الهدف السوفيتي منها دعم الحكومة الأفغانية الصديقة للإتحاد السوفيتي، والتي كانت تعاني من هجمات الثوار المعارضين للسوفييت، والذين حصلوا على دعم من مجموعة من الدول المناوئة للاتحاد السوفييتي من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، السعودية، الباكستان والصين. أدخل السوفييت الجيش الأربعين في 25 ديسمبر 1979. وانسحبت القوات السوفييتية من البلاد بين 15 مايو 1988 و2 فبراير 1989. وأعلن الاتحاد السوفيتي انسحاب كافّة قواته بشكل رسمي من أفغانستان في 15 فبراير 1989

خلفية تاريخية
أفغانستان، مفترق الطرق في وسط آسيا، لها تاريخ طويل في الصراع العسكري. ففي القرن الرابع قبل الميلاد دخل الإسكندر الأكبر المنطقة، والتي كانت في ذلك الحين جزءا من الإمبراطورية الفارسية، للسيطرة على بكتريا (اليوم بلخ)، والسيطرات اللاحقة من قبل شعب سيثيا والأتراك في القرون اللاحقة. وعام 642 للميلاد، سيطر العرب المسلمون على المنطقة بالكامل مدخلين الإسلام للمنطقة.

تعتبر أفغانستان من أكثر دول العالم وعورة، بجبالها الوعرة وطبيعة أرضها الصحراوية، وتركيبتها الإثنية التي يشكل البشتون أكبر مجموعاتها العرقية، ترافقها مجموعات الطاجيك، الهازار، الأيماك، الأوزبك والتركمان ومجموعات أخرى صغيرة، بيئة يصعب التعامل معها
انقلاب إبريل 1978
ورث محمد ظاهر شاه العرش وحكم بين الأعوام 1933 و1973. وتقلد ابن عمه محمد داود خان منصب رئيس الوزراء بين العامين 1953 حتى 1963. في تلك الفترة إزدادت شعبية الحزب الماركسي – حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني – وفي عام 1967، إنشق الحزب إلى قسمين متنافسين، خلق (الجموع) بقيادة نور محمد تراقي وحفيظ الله أمين، وبرشم (البيرق) بقيادة بابراك كارمل.

وصل رئيس الوزراء السابق محمد داود خان السلطة بانقلاب عسكري تم دون سفك دماء تقريبا في 17 يوليو 1973 من خلال إتهامات بالفساد السياسي والأوضاع الاقتصادية السيئة. وبذلك وضع داود حدا للحكم الملكي ولكن محاولاته للإصلاح الاقتصادي والإجتماعي باءت بالفشل. الخلافات الشديدة مع أقسام حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني طفت بفعل القمع الذي مارسه نظام محمد داود خان. وقام الحزب بإعادة توحيد صفوفه بهدف وضع حد لحكم داود وفي 27 أبريل 1978 قام الحزب بإزاحة وإعدام محمد داود مع أفراد من عائلته، وأصبح نور محمد تراقي السكرتير العام لحزب الشعب الديمقراطي الأفغاني رئيسا للمجلس الثوري ورئيس للوزراء ل”جمهورية أفغانستان الديمقراطية” حديثة التأسيس.

حكومة الماركسية
خلال الأشهر ال18 الأولى من الحكم، قام حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني بتطبيق برنامجًا ماركسيًا الأسلوب في الإصلاح. وصدرت مراسيم طالبت بتعديلات في عادات الزواج وإصلاح الأراضي لم تلق اعجابا من قبل السكان المنغمسين في التقاليد، وشديدي الارتباط بالإسلام. فاضطهد آلاف من النخبة التقليدية، المؤسسات الدينية والطبقة المثقفة. وفي ضمن حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني، أدت الخلافات إلى النفي، الإزاحة والإعدام.

بحلول صيف 1978 بدأت ثورة في منطقة نورستان شرق أفغانستان وإنتشرت الحرب الأهلية في أنحاء البلاد. وفي سبتمبر 1979، وصل نائب رئيس الوزراء حفظ الله أمين السلطة بعد إطلاق نار في القصر أدى إلى مقتل رئيس الوزراء تاراكي. وخلال شهرين من عدم الاستقرار غمرت حكومة أمين حيث تحرك ضد معارضيه في الحزب كما وقف ضد الثورة المتنامية.

كتب مدير الCIAالسابق روبرت غيتس في مذكراته المعنونة “من الظلال”، أن المخابرات الأمريكية بدأت بمساعدة الحركات المعارضة في أفغانستان قبل 6 أشهر من التدخل السوفييتي. وفي 3 يوليو 1979، وقع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر توجيها يخول لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية القيام بحملات دعائية لأجل “تحويل” موقف الناس من الحكومة الثورية. أدت هذه المعلومات إلى تجدد النقاش حول كيفية بدء الحرب. فمؤيدوا التدخل الأمريكي يدعون أن نوايا الإتحاد السوفييتي بالسيطرة على أفغانستان كانت واضحة، مستشهدين بنظام بريجينيف الدكتاتوري. بينما يؤكد المعارضون أن الولايات المتحدة الأمريكية أعطت الإتحاد السوفييتي بشكل متعمد حجة حرب لجرهم في صراع لا يمكنهم ربحه، وذلك على حساب أفغانستان.

بل أكثر من ذلك، كانت العلاقات الدبلوماسية الأفغانية السوفيتيية جيدة ومريحة. قبل التدخل السوفييتي كان بحدود 400 مستشار عسكري سوفييتي قد أرسلوا إلى أفغانستان في مايو 1978. وفي 7 يوليو1979، أرسل الإتحاد السوفييتي كتيبة مجوقلة مع طواقمها في استجابة لطلب من الحكومة الأفغانية. وطلبات لاحقة من الحكومة الأفغانية تعلقت بشكل أوسع بأفواج بدل طواقم منفردة. وبوضع أفغانستان المريع حيث كانت الهجوم من قبل ثوار مدعومين خارجيا، فإن الإتحاد السوفييتي تدخل بقوات الجيش 40 ردا على طلب سابق من الحكومة الأفغانية. والجيش 40 هذا تكون من وحدتين من البنادق الرشاشة بعربيات، وحدة مجوقلة، وحدة هجوم وفوجين من القوات بآليات ذات مدافع رشاشة.

التدخل السوفييتي

مقر القيادة العامة للجيش السوفييتي الأربعين في كابول ،1987. كانت قبل الاجتياح قلعة تاجبك، حيث قتل أمين. بعدسة ميخائيل إيستافسيففي ديسمبر 1978، وقعت موسكو معاهدة صداقة وتعاون ثنائية مع أفغانستان تسمح بالتدخل السوفييتي في حال طلب أفغانستان ذلك. ازدادت المساعدات العسكرية السوفييتية وأصبح حكومة أمين معتمدة أكثر فأكثر على العتاد والمستشارين العسكريين السوفييت. ولكن في شهر أكتوبر 1979 فترت العلاقة بين أفغانستان والاتحاد السوفييتي عندما تجاهل أمين النصائح السوفييتية بجعل حكومته أكثر استقرارا.

تحرش المقاتلون الإسلاميون في المناطق الجبلية بالجيش الأفغاني إلى درجة أن حكومة حفظ الله أمين توجهت إلى الإتحاد السوفييتي بطلب بزيادة حجم الدعم. قرر الاتحاد السوفييتي تقديم هذا الدعم للحفاظ على الحكومة الثورية، ولكن شعرت بأن أمين كقائد أفغاني ليس قادرا على القيام بهذا الدور. شعر القادة السوفييت بناء على معلومات قدمتها المخابرات السوفييتية (كي جي بي) بأن أمين يضعضع الموقف في أفغانستان. وآخر الأطروحات للتخلص من أمين كانت معلومات تم الحصول عليها من عملاء الكي جي بي في كابول، تلخصت في أن ما يفترض بأنهم حارسين من حراس أمين قتلا الرئيس السابق نور محمد تراكي بمخدة، وأن الشكوك تدور حول كون أمين عميلا لوكالة الاستخبارات الأمريكية (السي آي إيه). ولكن كان هناك شكوك في صفوف المستشارين العسكريين السوفييت للجيش الأفغاني، فمثلا ادعى الجنرال فاسيلي زابلاتين، والذي كان مستشارا سياسيا في ذلك الوقت، أن أربعة من وزراء تاراكي كانوا وراء عدم الاستقرار. كما أن طرحا قويا آخر يعارض كون أمين عميلا للمخابرات الأمريكية هو أنه دائما وأبدا أظهر وبشكل رسمي صداقة وتقرب من الاتحاد السوفييتي. وحتى بعد موت أمين وإثنين من أبناءه، قالت زوجته أنها وابنتيها وإبنها أرادت الذهاب إلى الاتحاد السوفييتي، لأن زوجها كان صديقا للاتحاد السوفييتي. وتوجهت لاحقا إلى الإتحاد السوفييتي لتعيش هناك، ولكن زابلاتين لم يؤكد ذلك بشكل كافي.[1]

في 22 ديسمبر، أشار مستشارو القوات المسلحة الأفغانية السوفييت على القوات المسلحة الأفغانية بالعمل على صيانة الدبابات وأشكال أخرى من العتاد الحرج والمهم. وفي تلك الأثناء انقطعت شبكة الاتصالات إلى المناطق خارج كابول، عازلة بذلك العاصمة. وبوضع أمنى متدهور، إنضمت أعداد كبيرة من القوات السوفييتية المجوقلة للقوات المتمركزة على الأرض وبدأت بالهبوط في كابول. وفي ذات الوقت نقل أمين مكاتب الرئاسة إلى قصر تاجبك، معتقدا أن ذلك سيكون أكثر أمنا من المخاطر المحتملة.

في 27 ديسمبر 1979، قام 700 بينهم 54 عميل كي جي بي من القوات الخاصة من مجموعة ألفا وزينيث، مرتدين اللباس الأفغاني الموحد باحتلال الأبنية الحكومية والعسكرية والإذاعية الرئيسية في العاصمة كابول، بما فيها هدفهم الرئيسي- قصر تاجبك الرئاسي، حيث تخلصوا من الرئيس حفظ الله أمين. بدأت تلك العملية الساعة السابعة مساء، عندما قام أفراد القوات الخاصة السوفييتية من المجموعة زينيث بتفجير مقسم الاتصالات الرئيسي في كابول، شالين بذلك القيادة العسكرية الأفغانية. وفي الساعة السابعة والربع، بدأت المعركة في قلعة تاجبك واستمرت لمدة 45 دقيقة، وفي ذات الوقت تم احتلال مواقع أخرى (وزارة الداخلية مثلا، الساعة السابعة والربع)، وتم الانتهاء من العملية كلية بصباح 28 ديسمبر. وأعلنت القيادة العسكرية في ترمز على راديو كابول بأنه جرى تحرير أفغانستان من حكم أمين.

ووفقا للمكتب السياسي السوفييتي، كان السوفييت يطبقون معاهدة الصداقة، التعاون وحسن الجوار لعام 1978 التي وقعها الرئيس السابق تاراكي. اعتقد السوفييت بأن إزاحة أمين ستنهي الصراع الداخلي على القوة ضمن حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني ويقلص من السخط الأفغاني.

قال السوفييت أن إعدام حفظ الله أمين تم على يد اللجنة الثورية المركزية الأفغانية. وإختارت تلك اللجنة بعدها النائب السابق لرئيس الحكومةبابراك كارمال، والذي كان اختياره للموقع الغير مهم نسبيا كقنصل في تشيكوسلوفاكيا بعد سيطرة خلق على السلطة.

دخلت القوات الأرضية العسكرية أفغانستان من الشمال في 27 ديسمبر. وفي الصباح، هبطت كتيبة فايتبسك المظلية في مطار في باجرام وكان الاجتياح السوفييتي لأفغانستان جاري على قدم وساق.

بشكل عام، رفض بريجينيف 18 طلب رسمي للمساعدة العسكرية من الحكومة الأفغانية قبل الأمر بالتدخل السوفييتي الفعلي في أفغانستان. وبشكل قانوني، لم تكن العملية احتلالا، وادعى الاتحاد السوفييتي أن التسمية كانت نتيجة للدعاية الأمريكية المضادة للسوفييت.

الاحتلال السوفييتي لأفغانستان
العمليات السوفييتية
بعد التدخل السوفييتي، لم تستطع القوات السوفييتية بسط سلطتها خارج كابول. وظل حوالي 80% من مناطق البلاد خارج السيطرة الفعلية لسلطة الحكومة. وتم توسيع المهمة الأولى المتمثلة بحماية المدن والمنشآت لتشمل محاربة قوات المسلحين المعارضة للشيوعية، ولذلك تم توظيف جنود الاحتياط السوفييت بشكل أساسي.

أشارت التقارير العسكرية الأولى إلى الصعوبات التي واجهت السوفييت أثناء القتال في المناطق الجبلية. فالجيش السوفييتي لم يكن معتادا على ذلك الشكل من القتال، لم يحظ بتدريب لمواجهة حرب غير نظامية وحرب عصابات، وكانت آلياتهم العسكرية وخاصة السيارات المصفحة والدبابات ليست ذات كفاءة في كثير من الأحيان، وعرضة للهجمات في البيئة الجبلية. وتم استخدام المدفعية الثقيلة بشكل مكثف أثناء قتال قوات الثوار.

استخدم السوفييت المروحيات (من ضمنها ميل مي-23) كقوة الهجوم الجوي الرئيسية، مدعومة بقاذفات القنابل المقاتلة وقاذفات القنابل، القوات الأرضية والقوات الخاصة. وفي بعض المناطق استخدم السوفييت أسلوب الأرض المحروقة مدمرين القرى، البيوت، المحاصيل والماشية، إلخ.

ارتفع صوت الاستنكار الدولي بسبب القتل المزعوم للمدنيين في أي منطقة كان يشك بوجود المجاهدين فيها. كانت العمليات للقبض على تشكيلات الثوار تمنى بالفشل عادة وكان من الضروري تكرارها في ذات المنطقة أكثر من مرة وذلك لأن الثوار كان بإمكانهم العودة إلى مخابئهم في الجبال وإلى قراهم بينما يعود السوفييت لقواعدهم.

كان فشل السوفييت في الخروج من المأزق العسكري والحصول على الدعم والنصرة من شريحة عريضة من الأفغان، أو إعادة بناء الجيش الأفغاني، اضطرهم لزيادة التدخل المباشر لقواتهم لقتال الثوار. ووجد الجنود السوفييت أنفسهم يحاربون المدنيين بسبب التكتيك المراوغ للثوار
رد الفعل الدولي
أشار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أن التوغل السوفييتي كان “أكثر التهديدات جدية للسلام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية” كما فرض كارتر لاحقا حظرا على تصدير السلع كالحبوب والتكنولوجيا المتقدمة إلى الاتحاد السوفييتي من الولايات الأمريكية. أدى التوتر المتزايد بالإضافة إلى الانزعاج في الغرب من وجود أعداد كبيرة من القوات السوفييتية قريبة من مناطق غنية بالنفط في الخليج وصل وبسرعة لاتخاذ موقف العداء.

كان رد الفعل الدولي قويا، متراوحا بين تحذيرات شتيرن ومقاطعة الألعاب الأولمبية لصيف 1980 في موسكو.وقد شارك التدخل السوفييتي بالإضافة إلى أحداث أخرى كالثورة الإسلامية في إيران وأزمة الرهائن الأمريكيين التي رافقتها، الحرب الإيرانية العراقية، الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 التوتر المتصاعد بين الهند وباكستان، وتصاعد الحركات الأصولية المعارضة للغرب والمستخدمة للإرهاب، شارك في جعل الشرق الأوسط منطقة توتر وعنف وتقلب أثناء العقد الثامن من القرن الماضي

لم تتمتع حكومة باربك كارمال بالدعم الدولي في البداية. استهجن وزراء خارجية دول منظمة دول المؤتمر الإسلامي الاحتلال السوفييتي وطالبوا السوفييت بالانسحاب في اجتماع في ]إسلام أباد في يناير 1980. كما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بواقع 104 أصوات مقابل 18 وامتناع 18 عن التصويت لصالح قرار “يستهجن وبشدة” “التدخل المسلح الأخير” في أفغانستان، ودعت إلى “الانسحاب الكامل للقوات الدخيلة” من البلاد.

كان قيام مجلس الأمن بأي عمل حقيقي أمرا مستحيلا لأن الاتحاد السوفييتي كان يملك حق الفيتو، ولكن الجمعية العامة للأمم المتحدة مررت وبشكل متكرر قرارات تعارض الاحتلال السوفييتي
الجهاد الأفغاني

بقايا شاحنة سوفييتية في قندهار، أفغانستان، 2002بحلول أواسط الثمانيات، كبدت حركة المقاومة الأفغانية المدعومة من قبل كل من الولايات الأمريكية المتحدة، المملكة المتحدة، الصين، السعودية، باكستان ودول أخرى موسكو خسائر عسكرية كبيرة وعلاقات دولية متوترة. وكان المحاربون غير النظاميون الأفغان يتم تسليحهم وتمويلهم وتدريبدهم بشكل رئيسي من قبل الولايات الأمريكية المتحدة والسعودية وباكستان.

وقد كان يتم إرسال سعوديون وخليجيون باستمرار إلى أفغانستان ليشاركون المقاومة كمجاهدين وكان ذلك يتم برضى أمريكي تام.

ومن الجدير بالاهتمام كان التبرع بنظام الصواريخ الأمريكية المضادة للطائرات FIM-92 ستينجر، الذي رفع حجم الخسائر في القوات الجوية السوفييتية. كما أصبح بإمكان المقاتلين استهداف الطائرات المنطلقة من والتي تحط في القوعد الجوية

معاهدة فرساي

كاتب الموضوع الأصلي: نواف وايل العنزي 6


معاهدة فرساي أو اتفاقية فيرساي هي المعاهدة التي أسدلت الستار بصورة رسمية على وقائع الحرب العالمية الأولى. وتم التوقيع على المعاهدة بعد مفاوضات استمرت 6 أشهر بعد مؤتمر باريس للسلام عام 1919. وقّع الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى من جانب اتفاقيات منفصلة مع القوى المركزية الخاسرة في الحرب (الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانية وبلغاريا). تم توقيع الاتفاقيات في 28 يونيو 1919. وتم تعديل المعاهدة فيما بعد في 10 يناير 1920 لتتضمّن الاعتراف الألماني بمسؤولية الحرب ويترتب على ألمانيا تعويض الأطراف المتضرّرة مالياً. وسمّيت بمعاهدة فيرساي تيمناً بالمكان الجغرافي الذي تمّ فيه توقيع المعاهدة وهو قصر فرساي الفرنسي.

تمخّضت الاتفاقية عن تأسيس عصبة الأمم التي يرجع الهدف إلى تأسيسها للحيلولة دون وقوع صراع مسلّح بين الدول كالذي حدث في الحرب العالمية الأولى ونزع فتيل الصراعات الدولية. أدت الاتفاقية إلى خسارة ألمانيا بعض أراضيها ومستعمراتها لصالح أطراف أخرى، ومن تلك الأراضي الألمانية مقاطعة “شاندونغ” الصينية التي آلت إلى اليابان عوضاً عن الصين مما تسببت بالقلاقل في الصين وتسيير المظاهرات الإحتجاجية. خسرت الدولة العثمانية أيضاً أراض واسعة في أوروبا وآسيا وانتهت كإمبراطورية.

وفيما يتعلق بالقيود العسكرية على ألمانيا، فقد نصّت الاتفاقية أشد الضوابط والقيود على الآلة العسكرية الألمانية لكي لايتمكن الألمان من إشعال حرب ثانية كالحرب العالمية الأولى! فقد نصّت على احتواء الجيش الألماني على 100،000 جندي فقط وإلغاء نظام التجنيد الإلزامي الذي كان يعمل به في ألمانيا. ولا تستطيع ألمانيا إنشاء قوة جوية والتقيد بـ 15،000 جندي للبحرية بالإضافة إلى حفنة من السفن الحربية بدون غواصات حربية. ولا يحق للجنود البقاء في الجيش أكثر من 12 عاماً وفيما يتعلّق بالضبّاط، فأقصى مدّة يستطيعون قضاءها في الجيش هي 25 عاماً لكي يصبح الجيش الألماني خالياً من الكفاءات العسكرية المدرّبة ذات الخبرة.

ونصّت الفقرة 232 من المعاهدة على تحمّل ألمانيا مسؤولية الحرب وتقديم التعويضات للأطراف المتضرّرة وقدّرت تلك التعويضات بـ 269 بليون مارك ألماني ذهبي وخفّض هذا المبلغ ليصبح 132 بليون مارك ذهبي، ويفيد الاقتصاديون أنه بالرغم من تخفيض الرقم الكلي لتعويضات الأطراف المتضرّرة، إلا أنه يبقى مبالغاً فيه. أثقلت الديون الملقاة على عاتق ألمانيا من عجلة الاقتصاد الألماني مما سبب درجة عالية من الإمتعاض الذي أدى إلى إشعال الحرب العالمية الثانية على يد المستشار الألماني أدولف هتلر

حرب الثلاثين عاما

كاتب الموضوع الأصلي: نواف وايل العنزي 6

حرب الثلاثين عاما هي سلسلة صراعات دامية مزقت أوروبا بين عامي 1618 و1648 م، وقعت معاركها بدايةً وبشكل عام في أراضي أوروبا الوسطى (خاصة أراضي ألمانيا الحالية) العائدة إلى الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولكن اشتركت فيها تباعا معظم القوى الأوروبية الموجودة في ذاك العصر فيما عدا إنكلترا وروسيا. في الجزء الثاني من فترة الحرب امتدت المعارك إلى فرنسا والأراضي المنخفضة وشمال إيطاليا وكاتالونيا. خلال سنواتها الثلاثين تغيرت تدريجيا طبيعة ودوافع الحرب : فقد اندلعت الحرب في البداية كصراع ديني بين الكاثوليك والبروتستانت وانتهت كصراع سياسي من أجل السيطرة على الدول الأخرى بين فرنسا والنمسا، بل ويعد السبب الرئيسي في نظر البعض، ففرنسا الكاثوليكية تحت حكم الكردينال ريشيليو في ذلك الوقت ساندت الجانب البروتستانتي في الحرب لإضعاف منافسيهم آل هابسبورغ لتعزيز موقف فرنسا كقوة أوروبية بارزة، فزاد هذا من حدة التناحر بينهما، ما أدى لاحقا إلى حرب مباشرة بين فرنسا وإسبانيا.

إلقاء ممثلي الامبراطور من النافذة في براغ كان شرارة إشعال الحرب ولكنه لم يكن السبب الحقيقي لهاكان الأثر الرئيسي لحرب الثلاثين عاما والتي استخدمت فيها جيوش مرتزقة على نطاق واسع، تدمير مناطق بأكملها تركت جرداء من نهب الجيوش. وانتشرت خلالها المجاعات والأمراض وهلاك العديد من سكان الولايات الألمانية وبشكل أقل حدة الأراضي المنخفضة وإيطاليا، بينما أُفقرت العديد من القوى المتورطة في الصراع. استمرت الحرب ثلاثين عاما ولكن الصراعات التي فجرتها ظلت قائمة بدون حل لزمن أطول بكثير. انتهت الحرب بمعاهدة مونستر وهي جزء من صلح وستفاليا الأوسع عام 1648 م.

وخلال الحرب انخفض عدد سكان ألمانيا بمقدار 30 ٪ في المتوسط ؛ وفي أراضي براندنبورغ بلغت الخسائر النصف، في حين أنه في بعض المناطق مات مايقدر بثلثي السكان، وانخفض عدد سكان ألمانيا من الذكور بمقدار النصف تقريبا. كما أنخفض عدد سكان الأراضي التشيكية بمقدار الثلث.

و قد دمَّر الجيش السويدي لوحده 2000 القلاع و 18000 قرية و 1500 مدينة في ألمانيا، أي ثلث عدد جميع المدن الألمانية.

و جاء في موسوعة “قصة الحضارة” تحت عنوان: “إعادة تنظيم ألمانيا (1648-1715)” : “هبطت حرب الثلاثين بسكان ألمانيا من عشرين مليونا إلى ثلاثة عشر ونصف مليونا، وبعد عام أفاقت التربة التي روتها دماء البشر، ولكنها ظلت تنتظر مجيء الرجال. وكان هناك وفرة في النساء وندرة في الرجال. وعالج الأمراء الظافرون هذه الأزمة البيولوجية بالعودة إلى تعدد الزوجات كما ورد في العهد القديم. ففي مؤتمر فرنكونيا المنعقد في فبراير 1650 بمدينة نورنبيرغ اتخذوا القرار الآتي:- “لا يقبل في الأديار الرجال دون الستين… وعلى القساوسة ومساعديهم (إذا لم يكونوا قد رسموا)، وكهنة المؤسسات الدينية، أن يتزوجوا… ويسمح لكل ذكر بأن يتزوج زوجتين، ويذكر كل رجل تذكيراً جدياً، وينبه مراراً من منبر الكنيسة، إلى التصرف على هذا النحو في هذه المسألة”.

الأحوال في أوروبا قبل الحرب

فيرديناند الأول الامبراطور الروماني المقدس وملك بوهيميا
هنري الرابع
فريدريك الخامس
الامبراطور فيرديناند الثاني(1578-1637)أكد صلح أوغسبورغ (1555م) والموقّع من الإمبراطور شارل الخامس على نتائج اجتماع شبيير الأول عام 1526، وأنهى العنف القائم بين اللوثريين والكاثوليك في ألمانيا. ونصت بنود الصلح على ما يلي :

يختار الأمراء الألمان (225 أمير) ديانة ممالكهم كل حسب اعتقاده (إما لوثرية أو كاثوليكية، البند المعروف باسم cuius regio, eius religio).
يمكن لكل لوثري يقطن في دولة كنسية (يحكمها أسقف) ممارسة طقوسه الإيمانية.
يستطيع اللوثريون الاحتفاظ بالأراضي التي انتزعوها من الكنيسة الكاثوليكية منذ معاهدة صلح باساو عام 1552 م.
على الحكام الكنسيون (الأساقفة) في المناطق الخاضعة للكنيسة الكاثوليكية والذين تحولوا إلى اللوثرية إعادة تسليم أراضيهم (البند المعروف باسم reservatum ecclesiasticum).
من كان يحتل دولة ما أعلنت رسميا عن اختيارها لدين معين لا يستطيع ممارسة دين مخالف لدين لتلك الدولة.
إلا أن العديد من المشاكل ظلت بلا حل: فقد اعتبر الصلح في الواقع مجرد هدنة مؤقتة لا سيما من جانب اللوثريين، إضافة لذلك بنيت بنود معاهدة على أساس الإنضمام إما إلى المعتقد الكاثوليكي أو اللوثري مستبعدة جميع المعتقدات الأخرى، بما في ذلك الكالفينية والتي أخذت في الانتشار بسرعة في عدة مناطق من ألمانيا في السنوات التالية وأصبحت القوة الدينية الثالثة في المنطقة ولذا لم يدعم الكالفنيون بأي شكل من الأشكال بنود أوغوسبورغ.

في أوائل القرن السابع عشر زادت التوترات السياسية والاقتصادية بين الدول الأوروبية، فقد فتح عصر الاستكشاف الطريق إلى موارد العالم الجديد، وانتشرت نظريات جديدة مثل المركنتلية الاستعمارية الإمبريالية بين النخب السياسية، في حين ان النشاطات القومية الأولى بدأت بالظهور في هذا العصر. هذا عدا تنامي الأطماع الشخصية والحسد العائلي.

كانت اسبانيا ترغب بلعب دور حاسم في الإمبراطورية الرومانية المقدسة ومهتمة بضم بالولايات الألمانية حيث أنها كانت تسيطر على هولندا الإسبانية المجاورة لحدود دول ألمانيا الغربية وتسيطر أيضا على دول داخل إيطاليا متصلتين برا عبر الطريق الإسباني. ثار الهولنديون ضد السيطرة الإسبانية خلال ستينات القرن السادس عشر، مما أدى إلى حرب استقلال ممتدة من المتوقع أن تستأنف بانتهاء هدنة السنوات العشر عام 1621.

شملت الإمبراطورية الرومانية المقدسة ألمانيا الحالية وأجزاء من الأراضي المجاورة، وكانت مقسمة إلى مجموعة دول مستقلة بإمبراطور روماني مقدس بوصفه رئيسا لاتحاد الأمراء. أحد هؤلاء كانت عائلة هابسبورغ النمساوية (تشمل أيضا بوهيميا والمجر) وكانت القوة الأوروبية الرئيسية وتحكم أكثر من ثمانية ملايين نسمة. كما ضمت الإمبراطورية عدة قوى إقليمية مثل بافاريا وساكسونيا وبراندنبورغ وبالاتينات وهسي وترير وفورتمبيرغ (تتكون كل منها من 500.000 إلى مليون نسمة). ويكمل الإمبراطورية عدد كبير من الدوقيات الصغيرة مستقلة والمدن الحرة والأديرة والأسقفيات واللورديات الصغيرة (سلطتها أحيانا لا تمتد إلى أكثر من قرية واحدة). وباستثناء النمسا وربما بافاريا لم يكن أيا من تلك الكيانات كان قادرا على مستوى السياسات الوطنية ؛ التحالفات بين الدول ذات الصلة العائلية كانت شائعة، ويعود ذلك جزئيا إلى التقسيم المتكررة من لميراث الحاكم بين مختلف الأبناء.

و كان الصراع السياسي جاريا بين الأمراء الألمان وإمبراطور آل هابسبورغ والذي أراد للقب إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة ألا يكون صوريا وتراثا عائدا إلى القرون الوسطى بل ممثلا لقوة مؤثرة على الأراضي التابعة “إسميا” للإمبراطورية الرومانية المقدسة، فارضا سيطرة آل هابسبورغ على كامل ألمانيا منجزا ما فشل فيه تشارلز الخامس.

ردا على ذلك واصل هنري الرابع ملك فرنسا سياسة أسلافه المعادية لآل هابسبورغ، والتي عزَّزَها احتمال خروج الإسبان منتصرين من حربهم مع هولندا وسقوط ألمانيا تحت سيطرة الإمبراطورية، فقد يعني هذا سحقها بمحاصرتها من كل الجهات بالأملاك الهابسبورغية، وفرنسا كانت حريصة على ممارسة سلطتها ضد الدول الألمانية الأضعف ; لقد اجتاز هذا القلق العائلي العقيدة، وأدى إلى مشاركة فرنسا في الحرب إلى جانب البروتستانت خلافا لمذهبها.

كما أن السويد والدانمارك كانتا تطمحان للسيطرة دول ألمانيا الشمالية المطلة على بحر البلطيق.

ظل التوتر الديني قويا خلال النصف الثاني القرن السادس عشر، وأخذ صلح أوغوسبورغ بالانحلال بعدم تسليم العديد من الأساقفة لأسقفياتهم إلى لكاثوليك كما نصت الاتفاقية وكذلك سعى بعض حكام إسبانيا وأوروبا الشرقية لاسترجاع نفوذ الكاثوليك في المنطقة. ويتضح ذلك من خلال حرب كولونيا (1582–1583) عندما تحول الأمير الأسقف لمدينة كولونيا إلى الكالفينية، وحيث أنه كان ناخبا امبراطوريا قام بتكوين أغلبية بروتستانتية في المجمع الانتخابي الذي ينتخب إمبراطور الرومانية المقدسة وهو وضع طالما كان للكاثوليك، فقام الجنود الإسبان بطرد الأسقف ووضعوا مكانه إرنست بافاريا الكاثوليكي. وبعد هذا النجاح الكاثوليكي طبق بند cuius regio eius religio بشكل أكثر قساوة في بافاريا وفورتسبورغ والدول الأخرى، مما اضطر البروتستانت المقيمين إما إلى الرحيل أو الارتداد عن معتقدهم. كما شهد البروتستانت تحول لوردات بالاتينات (1560) وناساو (1578) وهيسي كاسل (1603) وبراندنبورغ (1613) إلى مذهب الكالفيني الجديد، وهكذا بدأ القرن السابع عشر بكون أراضي الراين وجنوبا حتى نهر الدانوب كاثوليكية إلى حد كبير، في حين أن اللوثريين سادوا في الشمال، وهيمن الكالفينيين في مناطق معينة أخرى مثل غرب وسط ألمانيا وسويسرا وهولندا، بيد أن الأقليات من كل عقيدة موجودة في كل مكان تقريبا. وفي بعض اللورديات والمدن كان عديد الكالفينيين والكاثوليك واللوثريون متساوي تقريبا.

سمح أباطرة آل هابسبورغ الذين تلوا شارل الخامس (خاصة فريديناند الأول وماكسميليان الثاني بالإضافة لرودولف الثاني وخليفته ماتياس الثاني) تفاديا لحرب أهلية واسعة النطاق سبق وأن حدثت في فترة السياسة غير المتسامحة دينيا في إنجلترا عام 1534 إبان عهد هنري الثامن بالتعددية الدينية في مناطق حكمهم دون اكراه، مما أدى إلى سخط الداعين التوحد الديني (الكاثوليك غالبا). في الوقت ذاته حاولت السويد والدنمارك اللوثريتان دعم البروتستانت في الإمبراطورية الرومانية طمعا في مكاسب سياسية واقتصادية.

اندلعت مواجهة دينية أخرى عام 1606 في مدينة دوناوفورت الحرة إحدى مدن ألمانيا التابعة للإمبراطور الروماني مباشرة في منطقة شفابيا، حيث حاولت الأغلبية البروتستانتية منع الكاثوليك من أداء موكب ديني مسببين اضظرابات عنيفة، مما دعى تدخل ماكسيمليان الأول دوق بافاريا (1573-1651) مساندا الكاتوليك لإعادة الوضع إلى حاله. هذه السلسلة من الأحداث أوجدت خصوصا بين الكالفينيين (الذين ظلوا أقلية) شعورا بوجود مؤامرة كاثوليكية لاجتثاث البروتستانتية، وإزاء هذا التهديد المزعوم قاموا في عام 1608 بتأسيس الإتحاد الإنجيلي بقيادة فريدريك الرابع (1583–1610) (الذي تزوج ابنه فريدريك الخامس من أليزابيث ستيوارت ابنة جيمس الأول ملك انكلترا) الذي يمتلك منطقة بالاتينات على طول الراين والذي كان ضروريا لإسبانيا للدخول إلى هولندا. فرد الألمان الكاثوليك عام 1609 بإنشاء الرابطة الكاثوليكية تحت قيادة ماكسيمليان الأول ؛ عند هذه النقطة كان الوضع السياسي في ألمانيا على استعداد للدخول في مواجهة الطائفية.

بحلول عام 1617 بدى واضحا أن الإمبراطور الروماني المقدس وملك بوهيميا ماتياس الثاني سيموت بدون وريث من صلبه، لذا عين في نفس العام أقرب أقرباءه الذكور ابن عمه فيرديناند من ستيريا وليا للعهد (سيصبح ملك بوهيميا والإمبراطور الروماني المقدس فيرديناند الثاني عام 1619 بعد وفاة ماتياس). تلقى فيرديناند تعليمه على يد رهبان يسوعيين وكان كاثوليكيا متعصبا يريد فرض أحادية الدين على أراضيه. فجعله هذا مرفوضا شعبيا في بوهيميا ذات الغالبية البروتستانتية الهوسية، وتسبب منعهم لبناء عدد من الكنائس البروتستانتية في ثورة عنيفة عام 1618 بلغت ذورتها عندما تم إلقاء اثنين من ممثلي الإمبراطور من نوافذ القصر الملكي في براغ بيد أنهما لم يصابا بأذى بالغ لسقوطهما على كومة من السماد العضوي، وأشعل هذا الحدث شرارة حرب الأعوام الثلاثين.

تنقسم حرب الثلاثين عام إلى أربع مراحل رئيسية :

الثورة البوهيمية.
التدخل الدنماركي.
التدخل السويدي.
التدخل الفرنسي.

الثورة البوهيمية
من 1618 حتى 1625 م

لكونه دون ذرية سعى الامبراطور ماتياس الثاني لضمان انتقال سلس للسلطة خلال حياته بتعيين ولي عهد من عائلته (الكاثوليكي المتعصب فرديناند من ستيريا، ولاحقا فرديناند الثاني الإمبراطور الروماني المقدس) وانتخاب لعرشي بوهيميا والمجر الملكيين المفصولين. فتخوَّف بعض زعماء البروتستانت البوهيميين من فقدان الحقوق الدينية التي منجهم إياها الامبراطور رودولف الثاني بالوثيقة المسماة “رسالة الفخامة”. كانوا يفضلون البروتستانتي فريدريك الخامس ناخب بالاتينات (خليفة فريدريك الرابع مؤسس رابطة الإتحاد الإنجيلي). ومع ذلك أيد بروتستانت أخرون موقف الكاثوليك فدعمت الدول البوهيمية تواجد القوات الكاثوليكية في أراضيها، وانتخبت فرديناند عام 1617 حسب الأصول ليصبح وليا للعهد وتلقائيا ملك بوهيميا القادم بعد وفاة ماتياس، بلغ الإحتقان حده بمنع ماتياس بناء بعض الكنائس البروتستانتية. ولمَّا أرسل الملك المنتخب اثنين من مستشاريه الكاثوليك (فيلهلم سلافاتا وياروسلاف بورزيتا) كممثلين له إلى قلعة هارادشاني في براغ مايو 1618، حيث أختارهم فرديناند لإدارة الحكومة في غيابه. فقبض البوهيميين الهوسيين عليهم وحاكموهم صورياً وألقوا بهم من نافذة القصر المرتفعة بأكثر من 20 مترا. بيد أنهم نجوا دون أن يلحق بهم أذى بالغ لسقوطهم على كومة من السماد العضوي.

أشعل هذا الحدث المعروف باسم الرمي الثاني من نافذة براغ الثورة البوهيمية. وسرعان ما انتشارت في كافة أنحاء بوهيميا الكبرى أي بوهيميا وسيليزيا ولاوزيتس ومورافيا. وكانت مورافيا متورطة أصلا في صراع بين الكاثوليك والبروتستانت.

كان الصراع ليبقى محليا وما كانت الحرب لتستمر. لولا أن وفاة الإمبراطور ماتياس شجعت زعماء التمرد البروتستانت وهم الذين كانوا على وشك التوصل إلى تسوية. أدى ضعف كل من فرديناند (الآن أصبح رسمياً الإمبراطور) والبوهيميين إلى اتساع رقعة الحرب إلى ألمانيا الغربية. واضطر فرديناند لطلب المساعدة من ابن أخيه الملك فيليب الرابع ملك إسبانيا.

تهور البوهيميين من أجل الحصول على حلفاء ضد الإمبراطور، فطلبوا الانضمام إلى الاتحاد الإنجيلي والذي يقوده مرشحهم الأول لعرش بوهيميا الكالفيني فريدريك الخامس ناخب بالاتينات وألمحوا له أنه سيكون كذلك لو سمح لهم بالانضمام للاتحاد وتحت حمايتها، وهي نفس الوعود التي قدمها أعضاء آخرون من الدول البوهيمية إلى كارلو إمانويلي الأول دوق سافويا ويوهان جورج ناخب سكسونيا، وغابرييل بتلن أمير ترانسيلفانيا. يكشف الدعم الكبير للبوهيميين خاصة في ساكسونيا انقسام النمساويين.

رجحت كفة البوهيميين عند بداية التمرد. فقد انضم لثورتهم الكثير من نبلاء النمسا العليا اللوثرييين والكلفنيين، وما لبثت النمسا السفلى أن انتفضت عام 1619، وحاصرالكونت تورن بجيشه فيينا نفسها، وفي الشرق قاد أمير ترانسيلفانيا البروتستانتي حملة قوية إلى المجر بدعم من السلطان العثماني. بادر الإمبراطور الذي كان مشغولا بحرب الأسكوك بإعداد جيش لوقف اجتياح البوهيميين وحلفائهم لكامل لبلاده. فهزم الكونت بوكوي قائد الجيش الإمبراطوري قوات من الإتحاد البروتستانتي بقيادة الكونت مانسفيلد في معركة سابلات في العاشر من يونيو 1619. مما أدى لقطع اتصالات الكونت تورن مع براغ فتخلى عن حصار فيينا، كما تكلفت هزيمة سابلات البروتستانت حليفهم الهام الآخر كارلو إمانويلي الذي لطالما عارض توسع آل هابسبورغ. كان كارلو إمانويلي قد أرسل فعلا أموالا ضخمة للبروتستانت وحتى جنودا إلى حامية القلاع في بلاد الراين، كشف أسر المستشار الميداني لمانسفيلد مشاركة دوق آل سافويا فأجبر على الخروج من الحرب.

رغم هزيمة سابلات، ما زال وجود جيش الكونت تورن يشكل قوة فعالة، وكذلك تمكن مانسفيلد من إعادة تنظيم جيشه في شمال بوهيميا. وقعت النمسا العليا والسفلى التي ما زالت تحت سيطرة الثوار تحالفا مع بوهيميين أوائل أغسطس. وفي 17 أغسطس 1619 عُزل فرديناند رسمياُ عن عرش بوهيميا واستبدل فريدريك الخامس ناخب بالاتينات. في المجر ورغم نكث البوهيميين لوعودهم فيما يتعلق بالتاج استمر الترانسلفانيون في إحراز تقدم مدهش، وقد نجحوا طرد جيوش الإمبراطور من البلد بحلول عام 1620.

كونت تيلي يوهان تسيركلايس قائد الجيوش البافارية الإمبراطوريةأرسل الإسبان جيشا من بروكسل بقيادة أمبروسيو سبينولا لدعم الامبراطور. إضافة إلى ذلك أقنع السفير الإسباني في فيينا الدون إنييغو فيليس دي أونياتي بروتستانت ساكسونيا بالتدخل ضد بوهيميا في مقابل الحصول على لاوزيتس، فغزا الساكسونيون البوهيميين ومنع الجيش الإسباني في الغرب قوات الإتحاد البروتستانتي من مساعدتهم. تآمر أونياتي لنقل اللقب الانتخابي من بالاتينات إلى دوق بافاريا مقابل دعمه والرابطة الكاثوليكية.

تحت قيادة الجنرال يوهان تسيركلايس كونت تيلي قامت قوات الرابطة الكاثوليكية (كان في صفوفها رينيه ديكارت) بتهدئة الأوضاع النمسا العليا، في حين أن قوات الإمبراطور فعلت ذات الأمر في النمسا السفلى. وتحرك الجيشان المتحدان نحو شمال بوهيميا. وحقق فرديناند الثاني انتصار حاسما على فريدريك الخامس في معركة الجبل الأبيض بالقرب من براغ في الثامن من نوفمبر سنة 1620. فضلا عن كثلكتها ستبقى بوهيميا في قبضت آل هابسبورغ لما يقارب الثلاثمائة سنة نتيجة لذلك.

أدت هذه الهزيمة إلى انحلال رابطة الإتحاد الإنجيلي وفقدان فريدريك الخامس لأملاكه. فقد جردته الإمبراطورية الرومانية المقدسة من حقوقه وأعطيت أراضيه في بالاتينات الراينية إلى نبلاء كاثوليك. وأعطي لقبه ناخب بالاتينات لابن عمه البعيد ماكسيمليان دوق بافاريا. الآن بات فريدريك لا يملك أرضا، وجعل نفسه منفيا معروفا في الخارج، يبحث عن دعم لقضيته في السويد وهولندا والدانمرك.

كانت هذه ضربة قاصمة للطموحات البروتستانتية في المنطقة. وأكد انهيار التمرد ومصادرة الممتلكات على نطاق واسع وقمع نبلاء البوهيميين أن البلد ستعود إلى الجانب الكاثوليكي بعد أكثر من قرنين من الهوسية والتناحرات الدينية. أخذ الإسبان الساعين لتطويق الهولنديين تحضيرا للتجدد حرب الثماني سنوات بالاتينات أرض فريدريك. أنتهت المرحلة الأولى من الحرب في شرق ألمانيا في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1621 بتوقيع أمير ترانسيلفانيا والإمبراطور صلح نيكولسبورغ الذي أعطى ترانسيلفانيا عددا من أراضي المجر الملكية.

يعتبر بعض المؤرخين الفترة ما بين عامي 1621-1625 جزء متميز من حرب الثلاثين عاما تسمى ب”المرحلة بالاتينات”. بعد الهزيمة الماحقة للجيش البروتستانتي في جبل الأبيض ورحيل أمير ترانسيلفانيا هدأت أوضاع بوهيميا الكبرى. ومع ذلك فان الحرب في بالاتينات تواصلت. تتكون هذه المرحلة من الكثير من المعارك الأصغر، ومعظمهم الحصارات قام بها الجيش الأسباني. سقطت مانهايم وهايدلبيرغ في عام 1622 ثم فرانكنتال تم بعد ذلك بعامين، مما جعل بالاتينات في قبضت الإسبان.

هربت بقايا الجيوش البروتستانتية بقيادة مانسفيلد وكرستيان من براونشفايغ إلى هولندا. ورغم أن وصولهم ساعد على فك حصار بيرغن أو زوم لم يكن بوسع الهولنديين توفير مأوى دائم لهم خوفا من ملاحقتهم فيها ومن ثم فقدانهم لأراضيهم. فدفعوا لهم مقابل ذلك وأرسلوهم لاحتلال شرق فريزلند المجاورة. بقي مانسفيلد في هولندا، ولكن كرستيان جاب الأرض من أجل “مساعدة” قريبه في دائرة ساكسونيا السفلى مثيرا حفيظة تيلي. مع أنباء عدم مساعدة مانسفيلد له تراجع جيش كرستيان مطردا نحو الأمن على الحدود الهولندية. في السادس من أغسطس عام 1623 لحق بهم جنود تيلي الأكثر انضباطا على بعد 10 أميال من الحدود الهولندية. فاندلعت معركة شتاتلون التي هَزم تيلى فيها كرستيان هزيمة ساحقة مبيدا أكثر من أربعة أخماس جيشه الذي ضم حوالي 15000 مقاتل. بعد هذه الكارثة أنهى فريدريك الخامس الموجود في المنفى في لاهاي تورطه في الحرب تحت ضغط متزايد من حماه جيمس الأول، متخلياً عن أي أمل في إطلاق المزيد من حملات. لقد سُحق التمرد البروتستانتي.

التدخل الدانماركي
من 1625 إلى 1629 م

[عدل] مقدمة
كانت الدنمارك بصفتها مملكة بروتسنتية متخوفة من كون وجودها واستقلالها مهددا. حاكم الدنمارك في فترة حرب الثلاثين عاما، كرستيان الخامس (وقد كان دوق هولشتاين أيضا) كان قد وصل بدولته لمستوى عال من الثبات والأمن والاقتصاد المنتعش مالم تصله أغلب دول أوروبا كما أن نفوذه بدأ يقوى في الأراضي الألمانية.

بدأت فترة التدخل الدنماركي عندما قام كرستيان الخامس ملك الدنمارك والذي كان لوثريا بإرسال جيش لمحاربة الإمبراطورية الرومانية دعما للوثريي شمال ألمانيا. عين كرستيان الخامس مسؤولا لجيشه في ساكسونيا السفلى (شمال ألمانيا) وزاد عدد جنوده 20000 ألف مقاتلا في تلك المناطق. بسبب هذه التحركات العسكرية، وازدياد نفوذ كرستيان في مناطق شمال ألمانيا، أرادت الإمبراطورية الرومانية المقدسة وضع حد للدنماركيين وإيقافهم توغلهم في أراضي أوروبا.

بعد هذه الأحداث، طلب فيرديناند الثاني مساعدة عسكرية من أحد نبلاء بوهيميا وهو ألبرخت فان فالنشتاين. كان فالنشتاين رجلا ذا نفوذ، وكان قد جمع ثروة طائلة بمصادرته أموالا وعقارات من قبل البوهيميين أنفسهم، كما كان عنده ما يتراوح بين 30 ألف و100 ألف جندي. وافق فالنشتاين على مساعدة فيرديناند شرط أن تمنح للأول الأراضي الجديدة المحتلة.

[عدل] رد الإمبراطورية الرومانية
فاجأت قوات فالنشتاين مشتركة مع قوات الجنرال تيلي قوات الملك كريستيان الدنماركي، الذي لم يكن يعلم بوجودها في الأصل، كما لم يسمع بتحركاتها نحو أراضيه؛ فاضطر كرستيان إثر ذلك إلى الانسحاب، ولم تجد محاولات كرستيان بالاستعانة بحلفائه، ففرنسا كانت تعيش حربا أهلية، والسويد كانت تخوض حربا ضد بولندا، وإنجلترا كانت تعيش فترة سيئة في تاريخها بسبب المشاكل الدينية والانقسامات بين البروتستانت من جهة وأيرلندا الكاثوليكية التي ترفض حكم الإنغليز وتسبب لهم المشاكل، فكانت مقسمة ضعيفة، وحتى المقاطعتان الألمانيتان، ساكسونيا وبراندنبورغ، فضلتا عدم التورط في الحرب والجنوح للسلم.

هزمت قوات فالنشتاين قوات مانسفيلد البروتسنتي في معركة جسر ديساو (1626 م) وخسر مانسفيلد أكثر من نصف جنوده ومات بعدها بعدة أشهر. كما هزم الدنماركيون من قبل قوات الجنرال تيلي في معركة لوتر (1626 م).

[عدل] سقوط الأراضي الدنماركية
قامت قوات فالنشتاين بالتحرك شمالا تجاه مناطق الدانماركيين، فاحتلت مكلينبيرج، وبومرانيا (مناطق ألمانية جنوب الدانمارك) حتى وصلت ليوتلاند أو شبه الجزيرة الدانماركية وسيطرت عليها، إلا أن تلك القوات لم تستطع الوصول إلى جزيرة زيلاند (توجد في هذه الجزيرة مدينة كوبنهاجن عاصمة الدنمارك)، حيث لم تكن تملك أي أساطيل بحرية تساعدها في الوصول إلى مبتغاها، كما أن مدن الرابطة الهانزية الموجودة في المنطقة لم تسمح لقوات فالدشتين ببناء أي أسطول على موانئها. اتجه فالدشتين إلى السواحل الألمانية على البلطيق حيث مدينة شترالسند الواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا، وذلك بعد أن يئس من تجاوب موانئ الدنمارك لمطالبه بالإضافة إلى أن ميناء هذه المدينة يحوي المصانع والأدوات اللازمة لبناء أسطول بحري كبير كاف لأداء مهمة احتلال كوبنهاجن والجزر الدنماركية الأخرى، إلا أن بناء الأسطول البحري لم يكتمل إذ أن تكلفته كبيرة مقارنة مع الفائدة التي ستجنى إذا اكتمل غزو الدنمارك.

[عدل] معاهدة لوبيك
أدت هذه الظروف إلى توصل الأطراف المتنازعة إلى اتفاقية لوبيك عام 1629 م، وتنص هذه الاتفاقية على استرجاع الملك كرستيان الخامس الأراضي الدنماركية مقابل تخليه عن نصرة البروتستانت في الأراضي الألمانية، وتوقفه عن التدخل في شؤون تلك الأراضي، وكنتيجة مباشرة لهذه المعاهدة ازداد نفوذ الكاثوليك في هذه مناطق الشمال الألماني.

[عدل] مرسوم إعادة الوضع
في هذه الأثناء يمكن القول أن الحرب بدأت تضع أوزارها. قام أفراد العصبة الكاثوليكية بإقناع فيرديناند الثاني باسترداد الممتلكات اللوثرية والتي كانت وفقا لصلح أبسبرج من حق الكاثوليك. قام فيرديناند بإصدار مرسوم إعادة الوضع عام 1629 م (إعادة تنفيذ بنود صلح أبسبرج)، وعمل على استرداد 16 أسقفية ومئات الصوامع والدير. سقطت جميع أراضي ألمانيا عدا مدينة شترالسند التي صمدت بفعل الدعم الدنماركي ثم السويدي.

[عدل] التدخل السويدي
من1630 إلى 1635. في عام 1630 قرر ملك السويد غوستافوس أدولفوس أن يتدخل في الحرب وقال لشعبه “كما تتبع الموجة موجة أخرى، كذلك سيأتي الطوفان البابوي إلى شطآننا”وأمر جنوده بالاستعداد للتحرك.

نزل على شاطئ ألمانيا الشمالي ووصل كبطل لينقذ البروتستانت وكان أكثر قوة من الملك كرستيان الدنماركي.

مرة أخرى تختلط المصالح الدينية بالدنيوية فقد كان ملك السويد ينوي السيطرة على الرابطة الهانسية وتحويل البلطيق لبحيرة سويدية واستطاع على الرغم من فقر بلده أن يزودها بجيش مجهز جيدا بالإضافة إلى الدعم من الكاردينال الفرنسي ريشيليو.

أصبحت في يد غوستاف أدولف القوة وكانت لديه المهارة التخطيطية ليغير مسار الحرب فشن حملة على مدينة ماغدبورغ عندما احتلت من قبل الإمبراطوريين فأحرقت ونهبت وقدر الجنرال بابنهايم الذي احتل المدينة أن 20000 شخص قتلوا، وكان هذا في مايو من العام 1631. انتصر غوستاف لاحقا في نصرين حاسمين هما معركة برايتنفلد في 17 سبتمبر 1631 ومعركة لوتزن في 16 نوفمبر 1632 ومات فيها برصاصة من الخلف إما بالخطأ أو من قبل خائن. لكن تدخله هذا كان قد قلب الطاولة على الجميع فها هو فالنشتاين يتراجع نحو مقره الشتوي ويقوم بمتفاوضات حيرت المؤرخين فقد حاول وضع نفسه كوسيط بين البروتستانت ومحكمة فيينا أكثر الإمبراطوريين تطرفا الذين دعوا الأسبان للانضمام، وربما كان هذا بدافع وطني لتوحيد ألمانيا لكن اغتياله عام 1634 ألغى كل خططه، ومع أن الإمبراطور لم يتورط بشكل مباشر في اغتياله إلا أنه كان قد كافأ قاتله.

[عدل] التدخلات اللاحقة
من 1635 إلى 1645. ارتأت أسبانيا أن الأفضل لها أن تتحرك ضد هذه التهديدات المتواصلة فضربت البروتستانت عندما هزمتهم في معركة نوردلينغن في 5 سبتمبر 1634 وبعد موت فالنشتناين وغوستاف أدولف كانت السويد قد أصبحت قوة في ألمانيا على يد جنرالاتها بعد أن تولت كرستينا ابنة غوستاف أدولف الحكم بعد موته وهي طفلة في السادسة وفي عام 1642 انتصروا في معركة لايبزيغ الثانية وهددت بوهيميا والنمسا مركز أسرة هابسبورغ.

لكن الانتصارات أصبحت سويدية أكثر منها بروتستانتية مما أخاف كريستيان الرابع ملك الدنمرك من السويد القريبة أكثر من النمسا البعيدة فأعلن الحرب عليهم لكنه انهزم وتم غزو أراضيه مجددا وأخذت منها يامتلاند وهالاند وجزيرتي أوسل قرب إستونيا وغوتلاند مما أدى لترك الدنمرك الحرب.

قررت فرنسا التدخل طالما أنها لم ترى أن الدعم كافي فعبرت قواتهم الراين لتشترك في النزاع وتلاحمت مع الجيوش الأسبانية في روكروا في 19 مايو 1643 لتقوم بتحطيم قوة مشاتها التي لا تقهر، ثم وقع صدام بين الإمبراطوريين والبروتستانت في معركة يانكوف في بوهيميا يوم 5 مارس 1645 كان النصر فيها للبروتستانت.

كانت الدنمرك قد استسلمت وأعلنت اتفاقية سلام منفردة مع السويد في 1645 تدعى اتفاقية برومسبرو ومات كريستيان ملكها بعد ثلاث سنوات عام 1648 في حكم استمر على بلاده استمر 59 عاما. وفي نفس السنة أعلن صلح وستفاليا منهيا الحرب بهزيمة هابسبورغ وانتصار السويديين والفرنسيين.