أ.د. أحمد محمد وهبان

التحول الديمقراطي لإسبانيا.

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن الاصقه 4

التحول الديمقراطي لإسبانيا

أن تجربة إسبانيا جديرة بالتأمل‏,‏ فهي ليست تجربة انقلابية أو ثورية أو فوضوية‏,‏ بل علي العكس فقد قاد النظام بنفسه عملية إصلاح سياسي طويلة انتهت إلي تكريس نظام ديمقراطي قوي‏.‏ وقد بدأت تلك العملية بعد تزايد الضغوط والمطالب الداخلية للتغيير في نهاية عهد ملكها الراحل فرانكو‏,‏ الذي حكم البلاد لمدة‏37‏ عاما‏(‏ أي فور انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية‏36-1939‏ وحتي عام‏1975),‏ عندما قام بتعيين الملك خوان كارلوس خليفة له ليقود عملية إصلاح داخلية‏,‏ ويمثل مرحلة فارقة علي طريق التغيير السلمي الديمقراطي الآمن‏,‏ بدأت بالإفراج عن المعتقلين السياسيين‏,‏ والتصالح مع أحزاب المعارضة‏,‏ وتخفيف القبضة الأمنية علي المجتمع‏.‏ وقد وضع الملك الجديد آنذاك شخصية ليبرالية علي رأس الحكومة‏(‏ اودولفو سواريز‏)‏ لتجمع الحكومة ـ التي شكلها في ذلك الوقت ـ وزراء تتوافق عليهم كل من قوي النظام القديم والإصلاحيين من داخل النظام من ناحية وقوي المعارضة من ناحية أخري‏,‏ أي حكومة توافقية‏,‏ قوامها القوي الليبرالية من الجانبين‏.‏ وكان أهم ما حققته تلك الحكومة هو وضع قانون انتخابي جديد‏,‏ والاستفتاء علي برنامج للإصلاح السياسي في عام‏1976,‏ وأجريت انتخابات بموجبه في نفسه العام وأسفرت عن فوز الحزب الحاكم الجديد الذي شكله وقاده سواريز‏(‏ وسمي بحزب الشعب اليميني‏)‏ بالأغلبية‏,‏ وفاز معه الحزب الاشتراكي‏,‏ والحزب الشيوعي‏,‏ وبعض الأحزاب الصغيرة ووصولهما إلي البرلمان‏.‏ وتشكلت حكومة تستند إلي غالبية برلمانية برئاسة سواريز‏,‏ وتنازل الملك في المقابل عن الكثير من صلاحياته لصالح البرلمان المنتخب‏,‏ والحكومة المنتخبة‏,‏ والقضاء‏,‏ من أجل تكريس ملكية دستورية ديمقراطية‏,‏ وهو ما ظهر في الدستور الجديد الذي وضع عام‏.1978‏ ولم يكن ذلك الانتقال سهلا‏,‏ فقد حدث خلاف حاد بين أركان النظام مثلما حدث بين رئيس الحكومة الليبرالي التوجه‏,‏ ومسئولي بعض الأجهزة الأمنية التي أرادت الاستمرار في سياستها القمعية القديمة‏,‏ استقال علي أثرها سواريز‏,‏ وتبع ذلك إجراء انتخابات في ظل حكومة مؤقتة‏,‏ حقق فيها الحزب الشعبي اليميني بقيادة الأخير الأغلبية مرة أخري‏,‏ كما فاز فيها الحزب الاشتراكي والشيوعي‏,‏ بينما تراجع حزب السلطة القديم الممثل لعهد فرانكو‏,‏ وتألفت بالتالي حكومة تستند إلي الأغلبية البرلمانية برئاسة سواريز‏.‏
كذلك‏,‏ تعرضت تلك المسيرة لصعوبات أخري‏,‏ كان أبرزها محاولة انقلاب علي التجربة قادها مجموعة من العسكريين‏(‏ الحرس الوطني‏)‏ في‏.1981‏ إلا أن موقف الملك كارلوس آنذاك كان حاسما في إجهاض تلك المحاولة ونزع الشرعية عنها‏,‏ وهو ما أدي إلي فشلها في النهاية‏.‏ وبعد انتهاء مرحلة سواريز في رئاسة الحكومة‏,‏ خلفته أسماء أخري من داخل الحزب الحاكم لتستكمل نفس المسيرة بنفس توجهها الليبرالي‏.‏
وفي العام التالي‏(1982),‏ أجريت انتخابات جديدة فاز فيها لأول مرة حزب المعارضة الرئيسي بالأغلبية‏(‏ الحزب الاشتراكي الديمقراطي‏)‏ وقد تناوب ذلك الحزب مع‏(‏ حزب الشعب اليميني‏)‏ علي الحكم‏,‏ وفقا لما تأتي به نتائج الانتخابات‏,‏ وهو الأمر السائد إلي الآن‏.‏ وإذا كان من الممكن تلخيص تلك التجربة في عناصر محددة مميزة لها‏,‏ فيمكن القول إنها اعتمدت علي نهج الإصلاح الدستوري والقانوني‏(‏ مباشرة الحقوق السياسية‏),‏ ووجود حزب حاكم إصلاحي قوي قاد الإصلاحات من داخل النظام القديم‏,‏ وشخصيات إصلاحية برزت من داخل النظام‏,‏ كان في مقدمتهم سواريز الذي لعب دورا محوريا في عملية الانتقال‏,‏ كما لعبت النخبة الحاكمة ـ سواء من السياسيين أو التكنوقراط ـ دورا مساعدا ومكملا لعملية الإصلاح من الداخل‏.‏ فقد كانت تلك النخبة أكثر انفتاحا علي العالم الخارجي‏,‏ وأكثر مساندة للإصلاحات الديمقراطية‏,‏ أي مثلت جيلا جديدا في السياسة‏,‏ واضطلعت ببداية عمليات الإصلاح الاقتصادي منذ عهد فرانكو‏,‏ والتي كانت مدخلا للإصلاح السياسي بعد ذلك‏,‏ أي في حقبة ما بعد فرانكو‏.‏
كذلك‏,‏ أعطيت مساحة أوسع لأحزاب المعارضة التي قامت بدورها بعملية إصلاح داخلية‏(‏ أي داخل أحزابها‏)‏ لتتواءم مع التجربة الجديدة‏,‏ بعيدا عن فكرة الانقلابات أو الثورة أو الأيديولوجيات المتشددة‏,‏ مثل حالة الحزب الشيوعي الذي لم يكن معترفا به‏,‏ ثم قام بمراجعة فكرية أدت إلي اندماجه في التجربة السياسية‏..‏ إلي جانب ـ بالطبع ـ الدور الذي لعبته منظمات المجتمع المدني والمثقفين في تلك العملية‏.‏ وكان الإصلاح في النهاية تدريجيا‏,‏ ليولد نظام جديد من رحم النظام القديم‏.‏ والواقع أن مرتكز التقاء القوي السياسية‏(‏ سواء انتمت إلي الحزب الحاكم أو المعارضة‏)‏ تمثل في الأرضية الليبرالية التي قامت عليها‏,‏ فالتوجه الليبرالي الذي يمثل أفكار الاعتدال والوسطية والانفتاح كان هو التوجه الغالب في مرحلة الانتقال‏.‏ فالليبراليون داخل الحزب الحاكم‏(‏ اليميني‏),‏ والاشتراكيون الديمقراطيون داخل الحزب الاشتراكي‏(‏ اليسار‏)‏ هم الذين شكلوا قوي الإصلاح الحقيقية‏,‏ بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية‏.‏ ولكن يجب الالتفات هنا‏,‏ حتي تكتمل الصورة‏,‏ إلي أن المحيط الدولي والإقليمي الذي أحاط بالتجربة الإسبانية كان مشجعا ومساندا لهذا التحول‏.‏ فوجود إسبانيا في جنوب أوروبا المتقدمة اقتصاديا وسياسيا شكل ضغطا مستمرا للحاق بدولها‏,‏ وإلا بقيت معزولة غريبة في محيطها المباشر‏.‏ وبالتالي‏,‏ كانت عملية الانتقال هذه مدفوعة برغبة في الانضمام إلي‏(‏ السوق الأوروبية المشتركة‏)‏ والذي أصبح فيما بعد الاتحاد الأوروبي‏,‏ والحصول علي الامتيازات الاقتصادية الضخمة من ناحية‏,‏ والاعتراف السياسي بمكانة تلك الدولة علي الصعيدين الإقليمي والدولي من ناحية أخري‏.‏ ومن المعروف أن إسبانيا الحالية‏,‏ ذات النظام الديمقراطي الليبرالي والاقتصاد الحر‏,‏ باتت تلعب دورا قياديا في الاتحاد الأوروبي‏(‏ والذي ترأسه الآن وفقا لدورية الرئاسة بين الدول الأوروبية التي يتشكل منها الاتحاد‏)‏ بل وفي علاقات الاتحاد الأوروبي مع الدول المطلة علي الضفة الأخري‏,‏ أي دول البحر المتوسط‏,‏ وتمثل ذلك في الشراكة الأوروبية المتوسطية‏(‏ اتفاقية برشلونة‏1995).‏

جزءمن مقالة للدكتوره هالة مصطفى في صحيفة الاهرام.

الإسلام والعلاقات الدولية

كاتب الموضوع الأصلي: فهد الدوسري 8

يمثل التصور الإسلامي للعلاقات الدولية بعضاً من تصور الاسلام الكلي للوجود والذي يتمحور حول التوحيد . ومما ينبني شرعاعلى مبدأ التوحيد – في ما يتعلق بالعلاقات الدولية- أن البشر كافة أصلهم واحد ومصيرهم واحد ، وبين وحدة الأصل ووحدة المصير تجمعهم وحدة الماهية ( النفس الواحدة) ووحدة المهمة ( الخلافة في الأرض) ووحدة الغاية من الخلق ( العبادة أي ممارسة الخلافة وفقا لميثاق الخلافة )، فهم إذن سواسية . وتساويهم في كل ذلك ينفي أن يكون لأي منهم حق التسلط على الآخرين وهو مايؤكد كونهم أحراراً تجاه بعضهم البعض . وإذا كان البشر كأفراد سواسية وأحراراً يلزم عن ذلك أن يتمتع البشر كجماعات ، وبالتالي كياناتهم الجماعية بما فيها الدول ، بذات المساواة والحرية (الإستقلال).

وتنبثق عن أصل التوحيد المُشار إليه آنفاً ومايستتبعه من المساواة والحرية بين البشر وكياناتهم الجماعية وخاصة الدول مجموعة من المبادئ والقواعد التي تحكم وتهدي العلاقات الدولية من منظور الإسلام . ولا تسع مثل هذه المداخلة تفصيل القول عن تلك المبادئ والقواعد . بيد أنه ، وحرصاً على الإيجاز ، يمكن القول إن جملة المبادئ والقواعد المتعلقة بضبط وترشيد العلاقات الدولية من منظور الإسلام تتراوح بين مستويين أدناهما هو المستوى أو الحد (الأدنى ) الذي يلزم الدولة الإسلامية الإلتزام بها ولايسعها الترخص فيها ويتمثل في الإلتزام بالعدل في العلاقات الدولية وأعلاهما هو المستوى أو الحد (الأعلى ) الذي تٌندب إليه الدولة الإسلامية بيد أنه لا إثم عليها إن هي فشلت في الإرتقاء إلى مستواها ويتمثل في مراعاة البعد الخلقي الرفيع في السلوك الدولي .

.الإلتـزام بالعـدل في العلاقـات الدوليـة :
وفقاً للتصور الإسلامي يعد العدل القيمة العليا التي تعلو ولايعلا عليها وتجب وجوباً مطلقاً ولايتقيد بأي مجال ولايسقط أو يرتفع لأي سبب كان . ويقتضي الإلتزام بالعدل في العلاقات الدولية من المنظور الإسلامي : وجوب إلتزام الدولة الإسلامية بالقانون في سلوكها الدولي بمثل وجوب إلتزامها به في سلوكها الداخلي .

وجوب تقيد الدول الإسلامية بأحكام العهود والإتفاقيات الدولية ، سواء الثنائية أو المتعددة الأطراف ، التي تُوقع عليها .

مراعاة الدولة الإسلامية للأعراف الدولية.

ولا يقتصر مفهوم العدل في العلاقات الدولية في الإسلام على العدل القضائي فقط بل يتسع للعدل في سائر المجالات ويشمل العدل في النظام الإقتصادي الدولي بما يمنع الإستغلال والتفاوت الفاحش والإحتكار ، والعدل في المجال السياسي بما يمنع الإخلال بالمساواة في السيادة والتمييز بين الدول في التعاملات الدولية أو في الوضع داخل المنظمات الدولية ، والعدل في النظام الإعلامي الدولي والمجال الثقافي بما يمنع الهيمنة الإعلامية والإستلاب أو التهميش الثقافي ويؤمّن الحق في التنوع الثقافي والتعدد الحضاري . والإلتزام بالعدل بمفهومه الإسلامي الواسع في العلاقات الدولية يستلزم وغالباً ما يفضي تلقائياً إلى :

ضمان وصون القيم الأدنى في منظومة القيم الإسلامية وفي مقدمتها قيم المساواة والحرية في العلاقات الدولية .

تكريس المسئولية القانونية في العلاقات الدولية ، دون محاباة أو تمييز أو إزدواجية في المعايير ، منعاً للعدوان وعقاباً للمعتدي وإنصافاً للمظلوم .

توطيد وترسيخ الأمن والإستقرار والسلام في العالم .

بناء السياسات الخارجية للدولة (الإسلامية) على المبادئ والقيم والقانون والإلتزام بمراعاة المصالح الوطنية في إطار تلك المبادئ والقيم ودون التضحية بها إهتبالاً لفرصة عابرة أو طمعاً في مصلحة خاصة .

تعزيز حقوق الإنسان وتأمين حقوق الشعوب والدول ودعم القضايا الدولية العادلة .

تشجيع التعاون الدولي .

مراعاة البعد الخلقي الرفيع في السلوك الدولي
إن للأخلاق بمعناها الإسلامي الواسع مستويين : –

مستوى مُلزم :

ويشمل الأخلاقيات الأساسية التي لا ينتظم بدونها شأن البشر لا في المجتمع المحلي ولا في المجتمع الدولي وتشمل أخلاقاً من مثل الصدق والأمانة والوفاء .

مستوى إختياري :

ويشمل مجموعة من الأخلاق الرفيعة والتي يحث عليها الإسلام على سبيل الندب وليس الوجوب ومنها أخلاق الإيثار والعفو والتهادي .

وبينما يتأمن إلتزامها بالأخلاق الأساسية في العلاقات الدولية من خلال إلتزامها بالعدل فيها فإن الدولة الإسلامية معنية أيضاً بمراعاة فئة الأخلاق الرفيعة الإختيارية المشار إليها آنفاً ومدعوة إلى تمثل هذه الأخلاق في سلوكها الدولي . ومن الواضح أنه لو أمكن الإرتفاع بسلوكيات الدول إلى مستوى الإيثار والعفو وغيرهما من

الأخلاق الرفيعة لتسنى إشاعة الحب والدفء في العلاقات الدولية و لتَيسر الحد من النزاعات الدولية

وحلها ، متى ما وُجدت ، بالطرق السلمية .

ويتضح من الإيجاز السابق أن التصور الإسلامي للعلاقات الدولية يؤكد على ذات القيم والمبادئ الواردة في المواثيق الدولية السارية – الأمر الذي شجع الدول الإسلامية المعاصرة على الإنضمام إليها – وإن كان يختلف عنها من حيث ترتيب تلك القيم و من حيث ما تضمنها بعض تلك المواثيق من قواعد تتعارض مع تلك المبادئ ، كما أنه أكثر حرصاً على إضفاء الطابع الخلقي والإنساني على العلاقات الدولية . ولعل من أهم ما يتميز به التصور الإسلامي للعلاقات الدولية أنه – كما سبق القول – جزء من تصور كلي يتوافر له من دواعي ودوافع الإلتزام الذاتي لدى المؤمنين به ومن قوة الرقابة الشعبية وآليات الإلزام مايؤمن له قدراً أعلى من التحقق على أرض الواقع الذي يحكمه . ولا يخفى أهمية هذا الأمر في واقعنا المعاصر الذي يعاني من إتساع الفجوة بين القيم والمبادئ والقواعد الواردة في المواثيق الدولية والممارسات العملية للسياسة الدولية .

ثانياً – الخبــرة العمليـــة :
مع أن الدولة الإسلامية الأولى نشأت في عهد كانت فيه العلاقات الدولية تقوم على سيادة شرعية القوة مما جعلها تتسم بالحروب المتواصلة وندرة الأعراف الدولية السلمية وغياب السلام بين الكيانات المختلفة إلا في ظل معاهدات مؤقته ، حرص مؤسسوها وقادتها منذ البدء على الترجمة العملية الأمينة للتصور الإسلامي للعلاقات الدولية . وتعبيراً عن هذا الحرص قامت الدولة الإسلامية على أساس – ربما لأول مرة في التاريخ البشري – تعاقد فعلي حُر أسفر عن – ربما أقدم – دستور مكتوب يُحدد ليس فقط أُسس القانون الداخلي وإنما أيضاً بعض أحكام التعامل الدولي .

وإمتداداً لهذه النشأة القانونية حرصت الدولة الإسلامية في سلوكها الخارجي على إحلال سيادة القانون محل سيادة القوة وتشجيع كل ماهو إيجابي مما كان معروفاً يؤمئذ في العلاقات بين الكيانات المختلفة من مثل إبرام وإحترام العهود السلمية والتواصل السلمي من خلال تبادل الرسائل والرسل وحصانة الرسل . كما عملت الدولة الإسلامية على تقييد مشروعية الحروب وتشريع ومراعاة القواعد التي تخفف من قسوتها .

وبلغ من حرص الدولة الإسلامية على بسط سيادة القانون وتحقيق العدل في العلاقات الخارجية أنه

– كما يروي التاريخ – كان حاكم الدولةالإسلامية يحشد جيوشه إستعداداً لهجوم وشيك على الخصم ثم يتراجع فقط إحتراماً لنص قانوني يحتج أو يُذكره به مواطن عادي* ، بل وصل الأمر إلى أن القضاء الإسلامي الداخلي كان يتيح للخصم الخارجي مقاضاة الدولة الإسلامية ولايتردد في الحكم لصالح الخصم إذا ما اقتضى العدل ، كأن يحكم بخروج الجيوش الإسلامية من أرض الخصم إذا ما ثبت أنها دخلتها إنتهاكاً لقواعد القانون الدولي الإسلامي (اهل سمرقند ) .

وكيفما كان التقييم النهائي لنجاحات وإخفاقات الدولة الإسلامية الأولى في تنزيل التصور الإسلامي للعلاقات الدولية على أرض الواقع في ظل الظروف التي سبقت الإشارة إليها ، فإن من الواضح أن تطور الواقع الدولي بفضل إسهامات الحضارات الآخرى وخاصة الغربية يتيح فرصاً أوسع لإمكانية إستفادة المجتمع الدولي من التصور الإسلامي للعلاقات الدولية في إستكمال نواحي النقص والخلل في العلاقات الدولية .

قواعد العلاقات الدولية بين المسلمين وغير المسلمين

كاتب الموضوع الأصلي: فهد الدوسري 8

مفكرة الاسلام: اجتهد كثير من علماء المسلمين في محاولة تصحيح المنهج عند الغربيين فيما يتعلق بالمفاهيم السياسية و خاصة أن السياسة تنقسم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية : علاقات دولية و نظم سياسية و نظرية سياسية و من هذه المحاولات تلك التي قام بها الدكتور عثمان ضميرية حيث قال : بعث الله تعالى رسوله محـمـداً لله برسالة خاتمة تهدف إلى ردِّ البشرية كلها إلى الله تعالى والخضوع لدينه؛ ليكون ذلـك سـبـيـلاً إلـى تحـريرها حرية حقيقية كاملة، عندما تتحرر من كل عبودية لغير الله تعالى فانقسم الناس عندئذ قسمين: منهم من فتح قلبه وعقله للهداية والنور، فآمن بالرسول لله وصدّق بما جاء بـه من عند الله ـ تعالى ـ، ومنهم من أغلق قلبه وعقله وجعل على بصره غشاوة، فكفر وكذّب؛ فـكــانوا بذلك فريقين اثنين: [[فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ]] [الأعراف: 30. [[ذَلِكَ بِــأَنَّ الَذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا البَاطِلَ وَأَنَّ الَذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ]] [محمد: 3].
وعـنـدمـا كتب الله ـ تعالى ـ النصر لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، وأظهر دينه على الدين كلِّه وضـــــرب الإسلام بِجِرانه، أصبح للمسلمين دولة تضم جميع المؤمنين بالله ـ تعالى ـ الموحِّدين له، ترفرف عليها راية التوحيد، وتقيم الحقّ والعدل بين الناس، وتدعو إلى الإنصاف والقسط. لم يكن من أهدافها العلوّ في الأرض ولا مجرد بسط السيطرة والنفوذ، ولا إكراه الناس عـلـى الـديـــن، فتركتهم وما يختارون، عندما يخضعون لسلطان الإسلام وسيادة أحكامه، بعد أن أزاحـت العقبات من طريق الدعوة الإسلامية، وخلّت بينها وبين الناس ليختاروا ـ عندما يكون لهم الاختيار ـ عن طواعية وإرادة.
وأقام الإسلام قواعد العلاقات الـدولـيـة بـيـن الناس على افتراض أنهم إمّا مؤمنون، وإما معاهَدون، وإما لا عهد لهم.
وفي هذا يقول عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: [كان المشركون على منزلتين من النبي -صلى الله علـيـه وسلم- والمؤمنين، كانوا: مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقـاتـلـهــم ولا يقاتلونه] ، وفي هذا يقول ابن قيم الجوزية ـ رحمه الله ـ: [فاستقرّ أمر الكفار معه -صلى الله عليه وسلم- بعد نزول سورة [براءة] على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهلِ عهد، وأهل ذمة. ثمّ آلت حالُ أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين له، وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمـــــنٌ به، ومُسالمٌ له آمن، وخائف محارب].
أ – أما المسلمون المؤمنون: فهم المعترفون بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمصدقون بكل ما أخبر به؛ وصفهم الله ـ تعالى ـ في كتابه الكريم، وحدد سماتهم فقال: [[الّـم][1]ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ[2]الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[3]وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ[4]أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ]] [البقرة: 1-5].
وقال ـ سبحانه وتعالى ـ: [[آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ المَصِيرُ]] [البقرة: 285].
وقال ـ تعالى ـ: [[إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[2]الَذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[3]أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ]] [الأنفال:2-4].
وهذا الإيمان يترتب عليه ـ كما سبق ـ عصمة الدم والمال والعرض، ويجعل المؤمنين سواسية في الحقوق والواجبات، فقد قال رسول الله: [من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا].
وينبغي أن يُلاحظ هنا أن الإسلام يُعتبر في آنٍ واحد عقيدةً وجنسية، فالمسلمون أينما كانوا إخوة في العقيدة والجنسية، غير أن أحكام الإسلام الدنيوية لا نفاذ لها في غير دار الإسلام، ولهذا اختلفت أحكام الدارين: دار الإسلام، ودار الحرب، من هذه الناحية كما هو موضّح في أبواب متعددة من كتب الفقه كالنكاح والطلاق والوصية والإرث والسّيَر وأما الأحكام الدينية من حيث أجزيتها الأخروية فالمسلم خاضع لها حيثما حل، ومسؤول عنها أمام من لا تخفى عليه خافية.
وبما أن الإسلام لا يعترف بفكرة الجنسيات أو غيرها من أسباب التمييز بين الناس فإن جميع المسلمين يُعْتبرون متساوين في نظر الشريعة؛ إذ تجري عليهم أحكامها، مهما كان جنسهم أو لونهم أو عنصرهم، وأينما كانت إقامتهم؛ فالعصبية الدينية هي التابعية الأصلية التي تعطي صفة المواطنة الكاملة في دار الإسلام.
فإذا أقام المسلم في دار الإسلام وجب عليه اتباع أحكام الشرع الإسلامي في جميع الأمور، فيلتزم بما توجبه من التزامات، ويتمتع بما تعطيه من حقوق، حسب شروطها الشرعية من دون تقييد ولا تخصيص. وفي هذه الحالة يرادف قانونُ المسلم الشخصي القانونَ الإقليمي أو المحلي لدار الإسلام. فعليه: إذا عقد المسلم في دار الإسلام عقداً مع مسلم آخر أو ذميّ أو مستأمن، فتطبق عليه الأحكام الشرعية وحدها.
هذا مع الإشارة إلى أنه توجد أحكام خاصة تتعلق بإسقاط المسلم من حق المنعة الشرعية أو العصمة بسبب الردة عن الإسلام، أو بسبب البغي والعصيان، أو بسبب ارتكاب جريمة تحل دم صاحبها.
فالمسلمون في دار الإسلام أمة واحدة، تربط بينهم العقيدة والإيمان مهما اختلفت أقطارهم وتناءت بلادهم وتنوعت لغاتهم وأجناسهم، فهم إخوة في الإيمان لا تفرقهم الأوطان ولا العصبيات ولا المذاهب؛ لأن القاعدة التي ينطلق منها الإسلام في بناء المجتمع وإقامة الدولة الإسلامية، وفي تمتع المسلم بالجنسية أو التابعية الإسلامية هي علاقة العقيدة مع علاقة القيادة الإسلامية، أي: الإيمان وسكنى دار الإسلام أو الانتقال إليها وليست علاقة الأرض، ولا علاقة الدم، ولا علاقة الجنس، ولا علاقة التاريخ أو اللغة أو الاقتصاد، وليست هي مجرد القرابة أو الوطنية أو القومية، وليست هي المصالح الاقتصادية.. ولذلك يقول الإمام السرخسي: [إن المسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون].
ولهذا فإن المسلم من أيّ بلدٍ إسلامي ليس أجنبياً في أي بلدٍ آخر؛ لأن مدلول الأجنبي في الدولة الإسلامية أمسى مرادفاً لغير المسلم، أما المسلم فهو مواطن له جميع حقوق المواطنين، وتصان هذه الحقوق كلها بغاية الصيانة في نفسه وأهله وماله وعرضه، وعليه كذلك جميع الواجبات المفروضة على المواطن أينما وجد، من التعاون والتعاضد والتكافل والنصرة، لقوله: [المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم].
ولذلك قال الإمام محمد بن الحسن: [وإذا دخل المشركون دار الإسلام فأخذوا الذراري والنساء والأموال، ثمّ علم بهم جماعة المسلمين، ولهم عليهم قدرة، فالواجب عليهم أن يتبعوهم ما داموا في دار الإسلام، لا يسعهم إلا ذلك؛ لأنهم إنما يتمكنون من المقام في دار الإسلام بالتناصر. وفي ترك التناصر ظهورُ العدو عليهم، فلا يحلّ لهم ذلك. فإن دخلوا بهم دار الحرب نُظِرَ: فإن كان الذي في أيديهم ذراري المسلمين، فالواجب عليهم أن يتبعوهم إذا كان غالب رأيهم أنهم يقوَوْن على استنقاذ الذراري من أيديهم إذا أدركوهم ما لم يدخلوا حصونهم، فأما إذا دخلوا حصونهم، فإن أتاهم المسلمون حتى يقاتلوهم لاستنقاذ الذراري فذلك فضلٌ أخذوا به، وإن تركوهم رَجَوْتُ أن يكونوا في سعة من ذلك].
وقد تواردت النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية تدعو إلى وحدة الأمة المسلمة أو دار الإسلام، وتنهى عن التفرق والتنازع، فقال الله ـ تعالى ـ: [[وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ]] [المؤمنون: 52].
وقال ـ سبحانه وتعالى ـ: [[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا]] [آل عمران: 103].
وقال: [[وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]] [آل عمران: 105].
وقال رسول الله: [مَثَلُ المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كَمَثَل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمّى والسّهر].
وقال: [من أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، يريد أن يشقّ عصاكم ويفرِّق جماعتكم فاقتلوه].
وقرّر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الأصل العظيم في أول ميثاق لدولة الإسلام في المدينة بعد الهجرة، وجعله واقعاً عمليّاً [بين المؤمنين ومَنْ تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم… أنهم أمة واحدة دون الناس، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كلِّ من بغى منهم، وأن ذمة المؤمنين واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس].
ولا أحد يجادل، بعد الوقوف على هذه النصوص الصريحة وأمثالها، في أن المسلمين يجب أن يكونوا دائماً أمة واحدة تتمثل كذلك في دولة واحدة ـ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ـ بل إن كيانهم وبقاءهم متوقف على هذه الوحدة.
ويترتب أيضاً على هذه الوحدة لدار الإسلام: أنه لا يجوز أن يكون بين بعض المسلمين تحالف يقصي الآخرين ويجعلهم في مرتبة أقلّ، وكفى بعقد الإسلام حلفاً، فقد بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك وأقرّ ما تمّ من أحلاف في الجاهلية مما كان راجعاً إلى التعاون على البر والتقوى وأصبح في خدمة مبادئ الدعوة الإسلامية ودعم كيانها، ونهى عن كل حلف يكون مفرِّقاً لوحدة المسلمين ومبنياً على عصبيات بغيضة، فقال: [لا حلف في الإسلام، وأيّما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شِدّة].
وبذلك يحدد الإسلام أصول العلاقات بين المسلمين جماعاتٍ وأفراداً، فتقوم هذه العلاقات على عقد الإسلام الذي يجعل المسلم ملتزماً بأحكام الله ـ تعالى ـ وأوامره ونواهيه في كافة معاملاته، وينبثق عن هذا عصمة الدم والنفس والمال والعرض، والمساواة بين المسلمين والتضامن فيما بينهم، والنيابة المتبادلة التي تنشئ الترابط بينهم.
والمسلمون هم المواطنون الأصليون في هذه الدولة الإسلامية، وهم الذين يستمتعون بكافة الحقوق السياسية أو العامة والخاصة فيها.
ب – أما المسالمون الآمنون، فهم الأجانب غير المسلمين الذين يقيمون في دار الإسلام أو الدولة الإسلامية إقامة دائمة أو مؤقتة، على أساس عقد الذمة أو عقد الأمان ويدخل فيهم أهل الموادعة وهم من أهل الحرب والكفر؛ وقد ذكر هذا الإمام محمد في شرح السّير.
وأفردت لهم الشريعة الإسلامية معاملة خاصة لا يمكن إدراك مستواها الأخلاقي السّامي إلا عند موازنتها بمعاملة الأجانب في مختلف النظم التي سبقت دعوة الإسلام التي بعث الله ـ تعالى ـ بها نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم-، أو النظم التي عاصرتها، أو تلك التي جاءت تالية لها.
وغير المسلمين هؤلاء أصناف متنوعة من حيث علاقتهم بالمسلمين، ولذلك يقول ابن قيم الجوزية: [الكفار: إما أهل حرب، وإما أهل عهد. وأهل العهـد ثلاثة أصنـاف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان. وقد عقد الفقهاء لكل صنف بـاباً، فقالـوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة.
ولفظ [الذمة والعهد] يتناول هؤلاء كلهم في الأصل. وكذلك لفظ [الصلح]؛ فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد… وهكذا لفظ [الصلح] عامّ في كل صلح، وهو يتناول صلح المسلمين بعضهم مع بعض، وصلحهم مع الكفار. ولكن صار [أهل الذمة] في اصطلاح كثير من الفقهاء عبارة عمن يؤدي الجزية. وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله؛ إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف [أهل الهدنة] فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكفّ عن محاربة المسلمين. وهؤلاء يسمّوْن [أهل العقد] و [أهل الصلح] و [أهل الذمة].
وأما المستأمَن: فهو الذي يقدُم بلاد المسلمين من غير استيطان لها؛ وهؤلاء أربعة أقسام: رُسُلٌ، وتجار، ومستجيرون حتى يُعرض عليهم الإسلام والقرآن، فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم، وطالِبو حاجة من زيارة أو غيرها. وحكم هؤلاء ألا يهجّروا ولا يُقَتّلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على المستجير منهم: الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه أُلحق به، ولم يعرض له قبل وصوله إليه. فإذا وصل مأمنه عاد حربياً كما كان].
جـ – أما الحربيون أو المحاربون، فهم القسم الثاني من الكفار والمشركين الذين سبقت الإشارة إليهم بأنهم الخائفون المحاربون للنبي ، وهم أهل إحدى المنزلتين من النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: [كان المشركون على منزلتين من النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين؛ كانوا: مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه].
وقد ألمحنا آنفاً إلى هذا الصنف الأخير من أهل العهد في الفقرة السابقة.
أما الحربيون فهم الأعداء من سكان دار الحرب أو بلاد الكـفـر الذين لا يدينون بالإسلام، ويحاربون المسلمين، أو ينتسبون إلى قوم محاربين لهم حقيقة وواقـعاً أو حكماً وتوقعاً. وبعبارة أخرى: هم غير المسلمين الذين لم يدخلوا في عقد الذمة، ولا يـتــمـتـعــــون بأمان الـمسلمين ولا عهدهم. وهم أصناف: الكفار الذين يقاتلون المسلمين بالفعل ويكيدون لهـــم، والـكـفتــار الذين أعلنوا الحرب على الإسلام وأهله، بأن ضيّقوا على المسلمين وحاصروهم اقتصادياً أو فتنوهم عــن دينهم أو ظاهروا أعداء الإسلام على المسلمين، والكفار الذين ليس لهم عهد مع المسلمين ولـــم يحــاربوا المسلمين ولم يظاهروا عليهم، فهؤلاء كلهم يسمون في الاصطلاح الفقهي: أهل الحرب أو الحربيين. ولا يشترط أن تكون الحرب قائمة فعلاً، وإن كانوا من الناحية الـتـاريخية الواقـعـيـــة قــــد نـاصـبــوا الدولة المسلمة العداء والخصام والحرب.
والحربيون غير معصومين؛ فدماؤهم وأموالهم مباحة للمسلمين، ما لم يكن بينهم وبين دار الإسلام عهد أو هدنة؛ لأن العصمة في الشريعة الإسلامية لا تكون إلا بأحد شيئين: بالإيمان، أو الأمان. وليس للحربيين إذا لم يكن لهم عهد أو أمان أن يدخلوا دار الإسلام ولا أن يقيموا فيها، فإذا دخلها أحدهم فهو مباح الدم والمال، ويجوز قتله ومصادرة ماله، كما يجوز أسره والعفو عنه.
ولذلك قال ابن المرتضى: [ودار الحرب دار إباحة، يملك كلّ فيـهــا ما ثبتت يده عليه، ولا قصاص فيها ولا أرش؛ إذ دماؤهم هدر، ويملك بعضهم بعضاً ومالَه بالقهر؛ إذ رقابهم معرضة للاسترقاق وأموالهم للأخذ].
ومما سبق نخلص إلى أنه أصبح يقيم على أرض الدولة الإسلامية مسلمون وغير مسلمين من الذميين والـمـسـتـأمنين؛ والذمي يختلف عن المستأمَن، فالأول من أهل دار الإسلام ويلتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات.
وأما المستأمن فهو ليس من أهل دار الإسلام، ولم يلتزم شيئاً من أحكام الإسلام، وإنما دخل دار الإسلام ليقضي حاجة له ثم يرجع إلى داره أو دولته. ولكل منهم أحكام فقهية تخصه.

العلاقات الدولية و مفهوم دار الحرب و دار الإسلام

كاتب الموضوع الأصلي: فهد الدوسري 8

إن الإسلام دين ودولة وإن أساس الأحكام في الإسلام القرآن والسنة الشريفان والمصادر الأخرى من إجماع واجتهاد وغيرهما على أن هذه المصادر لم تتعرض للتفاصيل والجزئيات بل نصت على الأسس الثابتة وعنت بالكليات التي يبتنى عليها تنظيم الدولة، لذا لم ترد تفصيلات لشكل الحكومة أو لتنظيم سلطاتها أو لطريقة اختيار أهل الحل والعقد أو العلاقة بين الحاكم والمحكومين ولا لعلاقة الدولة بالدول الأخرى.
لقد بين الإسلام ـ بشواهد كثيرة ـ ضرورة قيام دولة ونظام حكم إسلامي بدليل قوله تعالى في آيات كثيرة: [وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين]. و[الشهر الحرام بالشهر الحرام، والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم …]. و[قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين]. وقال الذي لا ينطق عن الهوى [ص]: ‘الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة’. تحض على الجهاد في سبيل الله حماية للدين ورداً للعدوان على المسلمين وأوطانهم. وبين الشارع حكم النتائج التي تترتب على الجهاد كتوزيع الغنائم وفداء الأسرى.
وتضمن القرآن العزيز أحكاماً وتوجيهات تتعلق بواجبات الحاكم كقوله تعالى: [إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل] وهذه الآية تخص ولاة الأمر، وبين سبحانه وتعالى واجبات الرعية بقوله: [يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر]. وفي الحديث النبوي: ‘لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف’. هذه الأمور وغيرها كالأحكام الدستورية والمالية والجنائية لا يعقل أن تشرع وتلزم بحيث يأثم تاركها إلا إذا كان القرآن الكريم يفرض على المسلمين نظام حكم ودولة.
بقي أن نبحث في سلطان الدولة الداخلي والخارجي باعتبارهما مظهرين للسيادة.
أولاً: السلطان الداخلي للدولة
أساس هذا السلطان كتاب الله وسنة نبيه، وأن سلطة الدولة الإسلامية تقوم في الداخل على العدل، وللدولة الهيمنة التامة على جميع الأشخاص والهيئات القائمة في دار الإسلام، فتلتزم الرعية بالسمع والطاعة في حدود الشرع. أما العلاقة بين الحاكم والمحكوم فقد حكمتها الآية الكريمة: [ … وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم] ويرى الدكتور الزحيلي أن الآية تعني خضوع الحاكم لرقابة الأمة ضمن أوامر الشرع وقيل في أولي الأمر هم الأمراء وقيل العلماء. والحقيقة أن المقصود بأولي الأمر هو من قام على أمر الأمة وتولى توجيه سياستها وإدارة دفة دولتها لأن الآية الكريمة تبين أن الإطاعة لله أولاً ثم للرسول الأمين ثانياً ثم لأولى الأمر. غير أن هذا لا يعني أن الأمة لا تستطيع مراقبة الحكام فقد وردت أحاديث تفيد هذا الحق للأمة.
إن إطاعة الحكام ليست مطلقة بل هي مشروطة بأن تتوافق مع إطاعة الله ورسوله، كما أن الحديث النبوي الشريف بين حقيقة هذا الطاعة وشروط تحققها ‘لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق’ ‘إنما الطاعة في المعروف’ و’من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد يعصي الله ومن يعصي أميري فقد عصاني’.
وطاعة الحاكم هي ضمن حدود الشرع لا لشخصه وإنما لما يتمثل فيه من تطبيق لأحكام الشريعة واحترام قواعدها وتنفيذ حدودها وتحقيق أهدافها. لأن المعول عليه في الإسلام سيادة الشريعة المستمدة من الوحي الإلهي.
وقد وضعت الضوابط لتنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، غايتها منع تجاوز الحكام خصوصاً بعد أن تحولت الخلافة إلى ملك وأصبحت السلطة العليا وراثية، لقد كرس الحديثان الشريفان مبدأ حق الأمة في مراقبة الحاكم وفي منعه من الشطط والانحراف والتجاوز، بل لقد قرر أحدهما حق الأمة في مقاومة الطغيان: ‘من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان’ و’لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق’.
أما بالنسبة للتشريع فإن الله تعالى هو المشرع وهو واضع الأحكام وقد أكمل الرسول [ص] هذه الوظيفة، لكن أموراً كثيرة وتفصيلية تركها الحق وتركها حبيبه المصطفى، فعلى الأمة من حكام ومحكومين أن يضعوا هذه الأحكام والتشريع في الأمور التي تستجد، والذي يتولى التشريع هم أهل الشورى أو أهل الحل والعقد لكنها يجب أن تخضع لمراقبة روحية تتمثل في القرآن والسنة.
والسلطة القضائية في الدولة الإسلامية يتولاها الفقهاء المعينون لهذا الغرض، غير أن الخليفة كان يتولى هذه المهمة وعندما أصبحت الخلافة ملكاً ولم يعد الخلفاء فقهاء أيضاً، عهد الخليفة بهذه الوظيفة لفقيه أو مجموعة فقهاء للقضاء بين الناس، بل لقد استحدث منصب صاحب المظالم ـ الذي كان يتولاه الخليفة وولاته في الأمصار ـ وتولاه أحد القضاة للفصل في منازعات الأفراد مع السلطة، وينقل لنا التاريخ أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [ع] المعروف بسعة العلم أو كل مهمة القضاء لشريح.
أما السلطة التنفيذية فكانت مؤلفة في قمتها من الحاكم خليفة أو ملك ومن وزرائه. والوزراء نوعان وزراء التفويض ووزراء التنفيذ ثم قادة الجيش وجباة الضرائب ورجال الشرطة وصاحب الحسبة أو المحتسب، ثم ولاة الأمصار ومعاونوهم. تقوم أعمالهم وفقاً لكتاب الله وسنة نبيه. غير أنه لم يكن تقسيم العمل معروفاً عندهم كما هي الحال عندنا وفقاً لقانون العمل.
ثانياً: علاقات الدولة الخارجية
تقوم الدولة الإسلامية على أساس وحدة العقيدة وأن أبناء هذه الدولة جميعاً أمة واحدة لا فرق بينهم بسبب الجنس أو اللغة أو العرف أو أي عامل آخر. فكلهم اخوة [إنما المؤمنون اخوة]، و[إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون].
أما علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، فإنه يجب التمييز بين حالة الحرب وحالة السلم، ففي الحالة الأولى يجب المقاتلة [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم]. أما في حالة السلم فإن الرأي أن العلاقة تقوم أصلاً على المسالمة والموادعة. ذلك أن الإسلام يجنح للسلم لا للحرب وأنه لا يجيز قتل النفس لمجرد أنه تدين بغير دين الإسلام ولا يبيح للمسلمين قتل مخالفيهم بسبب المخالفة في الدين وإنما يأذن في قتالهم بل يوجبه إذا اعتدوا على المسلمين أو وقفوا عقبة في سبيل الدعوة الإسلامية ليحولوا دون بثها، عندها يجب قتالهم دفعاً للعدوان وحماية للدعوة. أما أساس هذا الرأي فهو قوله تعالى: [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين] وقوله تعالى في سورة البقرة: [وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل. ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين]. وقال سبحانه في سورة الأنفال: [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير]. وقال الحق في سورة الحج: [أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله]. وقال تعالى: [ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن].
ولا يحل للمحاربين قتل النساء والصبيان والشيوخ والرهبان والعمي لأنهم ليسوا من المقاتلين. أما السياسة الخارجية للدولة الإسلامية فتقوم على:
1- دعوة غير المسلمين إلى الدين الحنيف هو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
2- دار الإسلام هي التي تسود فيها أحكامه ويأمن فيها المسلمون على الإطلاق،3- ودار الحرب هي دار التي تبدلت علاقتها السلمية بالدولة الإسلامية بسبب عداء أهلها للمسلمين واعتدائهم على بلاد المسلمين أو على أموالهم وأنفسهم أو على دعوتهم ودعاتهم. ويتحقق اختلاف الدارين بانقطاع العلاقة بين شعبيهما بحيث يصبح أهل البلدين لا يأمن أحد منهم في بلد الآخر.
وختاماً نقول مع الدكتور الزحيلي، إن الإسلام يقرر للدولة الإسلامية العزة والحرية ورفض التسلط أي الاستقلال بمعناه الحقيقي مصداقاً لقوله تعالى: [ولن يجعل الله الكافرين على المؤمنين سبيلاً].

العلاقات الدولية.. رؤية إسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: فهد الدوسري 8

لعلاقات الدولية في الإسلام هي العلاقات والصلات الخارجية التي تقيمها الدولةالإسلامية مع غيرها من الدول والجماعات والأفراد لتحقيق أهداف معينة وفقا للشريعةالإسلامية .

فقد واجه الإسلام منذ نشأته أوضاعا سياسية وأحوالا اقتصادية بالغة التعقيد، ونجحفي أن يتعامل معها بأسلوب متميز يختلف عن أساليب الدول السابقة؛ فعقد المعاهدات،واستقبل المستأمنين، وأعان الضعفاء، وراسل الملوك، وبعث الوفود، وتحالف مع القبائل،وفاوض وأقام العلاقات الخارجية.. كل ذلك بتصور إسلامي مستمد من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
وحري بالمسلمين في كل عصر وزمان أن يلتزموا تلك الفاعليةالمنتجة المنضبطة بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

أهمية العلاقات الدولية في الإسلام :
الإسلام -الرسالة الخاتمة- دين أُنزل للبشرية جمعاء، تبدت عالميته في قدرته علىالتعايش مع كل الجماعات البشرية غير المحاربة؛ من نصارى ويهود.. ملوك وفقراء.. سودوبيض… إلخ، وفق ضوابط معلومة وقواعد محددة،من أهمها:

* الاعتراف أن الاختلاف بين بني البشر في الدين واقع بمشيئة الله تعالى؛ فقد منحالله البشر الحرية والاختيار في أن يفعل ويدع.. أن يؤمن أو يكفر.

* وحدة الأصل الإنساني والكرامة الآدمية، انطلاقا من قوله سبحانه وتعالى {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْشُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)، وقوله -عز وجل- {وَلَقَدْ كَرَّمْنَابَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَالطَّيِّبَاتِ} (الإسراء: 70).

التعارف: لقوله -سبحانه وتعالى- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّاخَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَلِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)، وكماورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دبر كل صلاة: “… أناشهيد أن العباد كلهم إخوة…” (جزء من حديث رواه أبو داود)؛ فالتعارف أساس دعا إليهالقرآن، وضرورة أملَتْها ظروف المشاركة في الدار أو الوطن بالتعبير العصري، وإعمالالروح الأخوة الإنسانية بدلا من إهمالها.

التعايش: إذ إن حياة المتشاركين لا تقوم بغير تعايش سمح: بيعا وشراء.. قضاء واقتضاء.. ظعنا وإقامة.
وتاريخ المسلمين حافل بصور التعامل الراقي مع غيرالمسلمين ، وقد حدّد الله سبحانه وتعالى أساس هذا التعايش بقوله {لاَ يَنْهَاكُمُاللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّندِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّالْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8).

التعاون: كثير من القضايا العامة تشكل قاسما مشتركا بين المسلمين وغيرهم،ويمكن التعاون فيها، كما أن الأخطار التي تتهددهم معا ليست قليلة، ويمكن أن تشكلهذه القواسم المشتركة منطلقا للتعايش والتعاون

،وأهم هذه القواسم المشتركة مايلي:
1 ـ الإعلاء من شأن القيم الإنسانية والأخلاق الأساسية؛ فالعدل والحرية والمساواةوالصدق والعفة كلها قيم حضارية تشترك فيها الأديان والحضارات، وترسيخها فيالمجتمعات هدف مشترك يمكن التعاون عليه.
2 ـ مناصرة المستضعفين في الأرض، وقضايا العدل والحرية ومحاربة الظلم، ومن ذلكاضطهاد السود والملونين في أمريكا، واضطهاد الأقليات الدينية وسائر الشعوب المقهورةفي فلسطين وكوسوفا والشيشان ونحوه؛ فالإسلام يناصر المظلومين من أي جنس ودين.
والرسول – صلى الله عليه وسلم- قال عن “حلف الفضول” الذي تم في الجاهلية: ” لقد شهدتفي دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحبّ أنّ لي به حُمر النّعم، ولو أدعى به فيالإسلام لأجبت” (سيرة ابن هشام، والكلام عن هذا الحلف ذكر في البداية لابن كثيربإسناد صحيح، وفي دلائل البيهقي ورواه الحميدي، وابن سعد عن طريق الواقدي ).

أهداف العلاقات العامة في الإسلام :
إن صياغة أهداف العلاقات الدولية يجب أن تتم في ضوء المنهج الإسلامي للعلاقاتالخارجية الذي حددته الأحكام الشرعية؛ فلا ينبغي أن تضع الدول أهدافها للعلاقاتالخارجية في غيبة من الإسلام، ويمكن تفصيل أهداف العلاقات العامة في الإسلام علىالنحو التالي:

أولا : أهداف عامة مشتركة:
1 ـ حماية الدولة:وهو ما يعرف في واقعنا المعاصر بالأمن القومي، ويتطلبسيادة الدولة على أراضيها، وحفظها لحدودها الجغرافية، وبعدها عن تدخل الدول الأخرىعسكريا أو سياسيا.
2 ـ رعاية المصالح المتبادلة:إذ تسعى كل دولة إلى توفير موارد ذاتيةتغنيها عن الحاجة إلى عون خارجي، لكن هذا في واقع الحال صعب المنال؛ لذلك تلجأالدول إلى أن تكمل نقصها عبر علاقاتها الخارجية، وتبادل المنافع مع الدول الأخرى.
3 ـ الأمن المشترك: فالأمن هو أحد الضروريات التي يحتاجها كل نظام سياسييسعى إلى الاستقرار، وإذا كان الأمن الداخلي مسألة خاصة بكل دولة فهناك أمن خارجيمشترك بين دول العالم، تحكمه اتفاقيات تضمن عدم اعتداء دولة على أخرى، وقد تتحالفدول معينة وتتفق على التصدي لأي عدوان يهدد دولة في الحلف.
4 ـ السلام العالمي: إن الخلافات بين الدول تهدد أمن العالم؛ لذلك اقتضت المصلحةأن يقوم نظام عالمي لرعاية السلام العالمي، ومنع حدوث خلافات بين الدول، وتوفيرآلية لحل الخلافات بينها؛ حفظا للأمن والسلام العالميين، وفي واقعنا المعيش تقوممنظمة الأمم المتحدة وروافدها بهذا الدور.

ثانيا: أهداف خاصة:
1 ـ نشر الدعوة الإسلامية: فالدولة الإسلامية هي دولة دعوة، تحمل رسالةالإسلام وتبشر بها وتدعو إليها، وتحمل لواء خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم فيالدعوة والبلاغ.
2 ـ حماية الأقليات المسلمة: يطلق على المجموعات التي تعيش في دولة أخرىغير التي تقيم بها اسم “الأقليات”، والقانون الدولي يعرف الأقليات القومية، ولاينظر للأقليات الدينية مع إنه حفظ لها حقوقها المتعلقة بشعائرها الشخصية ، أماالإسلام فلا تقف العنصرية أو العرقية حاجزاً أمام الانتماء الأوسع له ، ومهمة الدولةالإسلامية تقتضي حفظ حقوق الأقليات المسلمة دون النظر إلى أصولها العرقية أوالعنصرية.
3ـ درء الأخطار عن الأمة الإسلامية: إن الأمة الإسلامية مطالبة بنشر هذا الدينوالذود عنه، وحماية معتنقيه والدفاع عن حرماتهم، وإزالة كل العوائق التي تمنعهم منأن يؤدوا فرائض دينهم؛ بل والتي تحول بين غير المسلمين وقبول الإسلام.

مميزات العلاقات الدولية في الإسلام :
1 1 ـ النظام الإسلامي للعلاقات الدولية يتميز بثبات المصادر (القرآن، والسنة،واجتهاد الفقهاء)، وعدم خضوعها للمتغيرات والأحداث، كما يتميز بالمرونة فيالاستجابة لمتغيرات الزمان والمكان والحال.
2 ـ للشريعة الإسلامية أو الدين مكان واضح في مفهوم العلاقات الدولية؛ فالشريعةبمثابة الباعث المحرك لأهداف العلاقات الدولية؛ لذلك لا يتصور فصل الدين عنالعلاقات الدولية كما يحدث في الديانات الأخرى.
3 ـ العلاقات الدولية في الإسلام ليست انفعالية بل مبدئية تنطلق من قيم العدلوالسلام والتسامح والحرية ومساعدة المظلوم والوفاء بالعهود ونحوه.
4 ـ العلاقات الدولية في الإسلام مفهومها متسع، ولا يقتصر على الدول؛ بل يشملالمؤسسات والأفراد؛ إذ يستطيع فرد أن يعطي الأمان لآخر (ويسعى بذمتهم أدناهم) .
5 ـ العلاقات الدولية في الإسلام شمولية تخاطب الناس جميعا؛ أفرادا وجماعات،انطلاقا من شمول الإسلام.
6 ـ وسائل العلاقات الدولية في الإسلام نبيلة سامية، ومبدأ (الغاية تبرر الوسيلة )لا وجود له في التصور الإسلامي.
7 ـ المصالح العامة للبشرية (كالسلام العالمي) من الأهداف الرئيسية للدولةالإسلامية، خلافاً لما عليه الحال في كثير من الدول الغربية التي تقدم مصالحهاالذاتية على المصالح العامة للبشرية.
8 ـ الإسلام لا يعرف الازدواجية في العلاقات الدولية كما يلاحظ في المؤسسات الدوليةالعالمية كالأمم المتحدة وروافدها.
9 ـ الإسلام سبق كل النظريات المعاصرة في وجوب مواجهة الطغيان بقوة تردعه، وهو مايطلق عليه اليوم “الردع”، أو “القوة الرادعة”.
10 ـ العلاقات الدولية في الإسلام تنبع من الإسلام، ولا يحكمها أي مؤثر خارجي؛ الأمرالذي يوفر لأي دولة استقلالا كاملاً في اتخاذ مواقفها الخارجية والداخلية.

فرانسيسكو فرانكو

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن الاصقه 4

فرانسيسكو فرانكو

فرانسيسكو فرانكو (4 ديسمبر 1892 – 20 نوفمبر 1975)، كان رئيسا فعليا لأجزاء من إسبانيا من أكتوبر 1936 وحتى وفاته في عام 1975، وصل إلى السلطة بعد الحرب الأهلية الإسبانية (1936 – 1939). في صيف عام 1936 وتحديداً في 18 يوليو 1936 قام بإنقلاب عسكري ضد حكم الجبهة الشعبية الذي كانت إسبانيا تحت حكمه وكانت تتكون من حكم الديمقراطيين والإشتراكيين وقد قاومت الجمهورية الشعبية الإسبانية هذا الإنقلاب ومن هنا بدأت الحرب الأهلية الإسبانية، واستمرت الحرب لمدة ثلاث سنوات منذ عام 1936 إلى عام 1939 وبلغ عدد ضحاياها مليون من البشر. وانتهت هذه الحرب بانتصار الجنرال فرانسيكو فرانكو بمساعده أساسيه من هتلر وموسوليني. وقد إعتمد فرانكو في جيشه على قوه من الجنود المغاربه يبلغ تعدادها خمسين ألف جندي بقياده ضابط اسمه محمد مزيان، وقد ظل صديقا له ومقرباً إليه وحارساً له حتى النهايه وإنتصاره النهائي في هذه الحرب في سنه 1939، وقد اتاحت له هذا الانتصار أن يحكم إسبانيا حكما ديكتاتورياً لمدة سته وثلاثين عاماً متواصله حتى وفاته عام 1975 وقد كان عمره آن ذاك 83 عاماً.

حزب الفالانج

حكم فرانسيسكو فرانكو إسبانيا عن طريق حزب الفالانج أو حزب الكتائب (وهو نفسه الحزب الذي أراد الزعيم اللبناني بيار الجميّل تقليده فأنشا في لبنان حزبا بأسم حزب الكتائب) وقد قلد فرانكو هتلر وموسوليني في إنه جعل نفسه زعيما وأبا لإسبانيا واسمي نفسه الكوديللو أي زعيم الأمه (كما اسمي هتلر نفسه الفوهرر وموسوليني نفسه باسم الدوتشي وهي كلمه إيطالية لا تختلف عن معناها عن كلمه الفوهرر أو الكوديللو الإسبانية).
كان من المفترض ان ينهار نظامه مع إنهيار أنظمة هتلر وموسوليني بعد الحرب العالمية الثانية ولكنه كان شديد الحذر فأعلن حياد إسبانيا أثناء الحرب، وأنقذه ذلك من مصير صديقيه وصاحبي الفضل عليه (هتلر وموسوليني) علي ان نظامه ارتبط تاريخيا بعدائه للفن والفكر والثقافه منذ اللحظه الأولى للإنقلاب العسكري الذي قام به ضد الجمهوريه الإسبانيه في 18 يوليو 1936. وكانت الجريمه الأولى التي ارتكبها أنصاره هي قتلهم للشاعر الإسباني العظيم لوركا، وقد ظلت هذه الجريمه تطارد نظامه حتى النهايه منذ انتصاره النهائي علي الجمهوريين الإسبان سنه 1939 وحتي وفاته سنه 1975[/size][/size]

السبل التي تعين على النهوض باللغة العربية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله علي العبيسي

عبدالرحمن الجريوي

الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وبعد….
فقبل أن أشرع في ذكر السبل التي تعين على النهوض باللغة العربية والارتقاء بها فإنه ينبغي علينا أن ندرك أهمية هذه اللغة ومكانتها المرموقة خاصة وأنها هي اللغة التي أنزل الله بها كتابه الكريم وهي اللغة التي ندين بها الله عز وجل ونتقرب إليه بما شرع لنا بها. فإن نهضنا بها فإننا في الحقيقة ننهض بديننا ونعتز به وإن تركناها ولم نسعى للنهوض بها فإننا في الحقيقة نعْرِض عن ديننا ونعرّضه للأعداء يتربصون به وينالون منه,فاللغة والدين أمران لاغنى لأحدهما عن الآخر. ومن هنا رعى العلماء هذه اللغة واهتموا بها وألفوا فيها الكتب وحثوا على تعلمها وتعليمها.

وسوف أسوق لكم بعد هذه المقدمة المختصرة بعض النقاط التي تعين على النهوض باللغة العربية وبعدها أذكر لكم بعض النماذج التي تبين اهتمام السلف باللغة العربية والحث عليها والنهوض بها:

1. يجب علينا أن نذكي في نفوس الناس أهمية هذه اللغة ومكانتها وأنه لاغنى لنا عنها كما يجب أن نعتز بها لا بغيرها من اللغات كما هو الحاصل عند بعض الناس مع الأسف.
2. علينا أن نعلم أن اللغة بحر ولا تكفي السباحة فيه بل أن نغوص في مكنونه ونستخرج منه المعاني الجميلة والبديعة التي تصنعه وتلبسه لباس جذاباً.
3. علينا أن نقلل قدر المستطاع من اللهجة العامية وخاصة في كتاباتنا ومقابلاتنا وأن نحاول التجديد في استعمال الكلمات العربية خاصة وأن بعضها له عدة ألفاظ بمعنى واحد وهذه ميزة تساعدنا على التجديد في استخدامها.
4. دراسة الشعر الجاهلي والوقوف على خصائصه,(فلقد استوعب الشعر العربي الجاهلي كل خصائص الأصل العربي وأحاط بأكثر المادة اللغوية في لغة العرب استعمل العرب في أشعارهم الثروة اللفظية الهائلة في فنهم الشعري فكان الشعر الجاهلي فناً مستوفياً أسباب النضج اللغوي والكمال الفني){1}. ومن هنا ندرك السر في توصية الصحابة والسلف بالعناية بالشعر الجاهلي.
5. محاولة التخلص من الألفاظ الدخيلة على اللغة العربية والتي تأثر بها بعض الكتّاب فأصبحوا يكثرون منها حتى صارت معروفة في كتاباتهم ولو أنهم بحثوا في اللغة العربية لوجدوا ما يغنيهم عنها,خاصة وأن العامة من الناس قد يعتقدون أنها من اللغة العربية فيشكل عليهم بحثها والتعرف على معناها.
6. قراءة المعاجم في اللغة حتى يكون لدى الشخص ملكة لغوية قوية ترده عن الوقوع في الأخطاء اللغوية.
7. تبيين الأخطاء اللغوية الشائعة والتشهير بها وتصحيحها كي يتجنب الناس الوقوع فيها.

* بعض النماذج التي تبين اهتمام السلف باللغة العربية والحث عليها والنهوض بها:

1. فمن ذلك (ما جاء عن يحيى بن عتيق قال قلت للحسن يا أباسعيد الرجل يتعلم اللغة العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقيم بها قراءته,قال الحسن يا ابن أخي فتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية فيعْيَ بوجهها فيهلك بها){2}.
2. قال الشاطبي( من أراد تفهم القرآن فمن جهة لسان العرب يفهم ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة){3}.
3. وقال ابن عباس رضي الله عنه: (الشعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فلتمسنا ذلك). وفي رواية قال: (إذا سألتموني عن غريب القرآن فلتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب){4}.
4. قال عمر رضي الله عنه: (أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم){5}.

السير ضد الساعة!!

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله علي العبيسي

يوسف الكويليت
“البيروقراطية” في الإدارة الحكومية والتي كنا نأمل أن تنتقل من عصر الكتاتيب إلى الحواسيب، باتت مثل قطارات الاستعمار الأوروبي التي تفوق سرعة الجمل، ولا تصل إلى سرعة سيارات العشرينات من القرن الماضي، والسبب أننا استعرنا نظماً عربية توارثتها من تركيا عندما كانت تحاكي بدايات النظم الإدارية..
لدينا امكانات هائلة من أن نستحدث ونطور، ونضع أنفسنا على لوائح البلدان المتقدمة، وطالما خرجنا، في السنوات الأخيرة، من تراكم الديون إلى الوفرة الكبيرة، فإننا لم نتعامل مع خطط المشاريع بعقلية من يمثل الادارة الحديثة بكل تراكيبها وسهولة اجراءاتها عندما افتقدنا للمهارة ووضع الكفاءة المناسبة في المركز المناسب، والخروج من تداول الأوراق بين (نحيل لكم) و(نأمل التوجيه) إلى الادارة التقنية، وخارج مفاهيم وعوائق (البيروقراطيين) التي ترى في منافذ الانجازات وسرعة الأداء قيمة بذاتها، والمشكل أن كل المشاريع التي تطرحها الدولة معلقة بذمة الوزارات والتي تهيمن عليها عقلية ليست بنفس الكفاءة مع مطالب التنمية أو تتماشى بروحها وانجازاتها مثل أرامكو وسابك والاتصالات، والتي اتسعت مساحة علاقتها بالخارج الذي لا يقبل أن يختل نظام علاقاته التجارية والاقتصادية عندما عرف كيف يجني ثمرة الوقت كقيمة مضافة في حين ظل التباطؤ عندنا حالة إعاقة عندما أصبحنا في حبوس النظم الرأسية التي يمثلها الغرب وقاعدته التحتية ليتحول إلى الآمر والمشرع، حتى لو تخطى الأنظمة في تكريس الروتين وطبعه بطابعه الشخصي ليتم إشاعة التحديث..

في قراءة ميزانيات السنتين الماضيتين فقط، لنسأل، ماذا أنجز، وماذا تخلف وما هي الأسباب، داخلية أم خارجية، جوهرية، أو بيروقراطية، وحين تلتقي مع مسؤولي الشركات والمستثمرين ورجال الأعمال، تجد الجواب واحداً، “عوائق النظام”، وهو ما تسبب بانسحاب الكثير من الشركات المنفذة، وهروب الأموال، وعدم المغامرة في الدخول في شبكة العلاقات المعقدة بين الأجهزة البيروقراطية والأخرى التي ليس لديها الوقت في تداول الكلمات والحجج ليكون حاجز الزمن القضية بين من يرغب أن يتواصل مع سرعة الزمن، والآخر الذي لا يزال يرقد في إضبارات الماضي..

الدلائل كثيرة، انظروا كيف تدير الغرف التجارية أساليب عملها رغم الحرية النسبية التي تتمتع بها، وكيف تركيبة مجالس إداراتها التي استنسخت نفس العمل الحكومي، لنرى التفاعل السلبي جزءاً من حالات الإعاقة مع اقتصاد عالمي سريع الدوران والحركة..

لدينا كم من نزيف الجامعات والمعاهد في العلوم النظرية، وهي التي تصب في هياكل الادارات وشغل الوظائف الحديثة لكنها سريعاً ما تندمج مع نفس “البيروقراطيات” المشلولة ولدينا بدايات لاختصاصيين في الحواسيب والاقتصاد والادارة، لكن تلك الطاقات إما تذهب للادارة الكلاسيكية بالدولة، فتنتهي، أو تتنازعها الشركات والبنوك، لكن ماذا عن الأثر الذي تركه معهد الادارة حين نراه يدرب ولا ينعكس فعله على التغيير والتطوير، ومثله الكليات التقنية التي ظل العاملون بإدارتها نراهم في صور الصحف ووسائل الإعلام بدون مضمون للخسائر التي تصرف عليها لأن الناتج “خرّج ولست مسؤولاً” وهذه الأساليب سوف تقاعدنا ونحن في سنين الشباب..

جريدة الرياض

السير ضد الساعة!!

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله علي العبيسي

يوسف الكويليت
“البيروقراطية” في الإدارة الحكومية والتي كنا نأمل أن تنتقل من عصر الكتاتيب إلى الحواسيب، باتت مثل قطارات الاستعمار الأوروبي التي تفوق سرعة الجمل، ولا تصل إلى سرعة سيارات العشرينات من القرن الماضي، والسبب أننا استعرنا نظماً عربية توارثتها من تركيا عندما كانت تحاكي بدايات النظم الإدارية..
لدينا امكانات هائلة من أن نستحدث ونطور، ونضع أنفسنا على لوائح البلدان المتقدمة، وطالما خرجنا، في السنوات الأخيرة، من تراكم الديون إلى الوفرة الكبيرة، فإننا لم نتعامل مع خطط المشاريع بعقلية من يمثل الادارة الحديثة بكل تراكيبها وسهولة اجراءاتها عندما افتقدنا للمهارة ووضع الكفاءة المناسبة في المركز المناسب، والخروج من تداول الأوراق بين (نحيل لكم) و(نأمل التوجيه) إلى الادارة التقنية، وخارج مفاهيم وعوائق (البيروقراطيين) التي ترى في منافذ الانجازات وسرعة الأداء قيمة بذاتها، والمشكل أن كل المشاريع التي تطرحها الدولة معلقة بذمة الوزارات والتي تهيمن عليها عقلية ليست بنفس الكفاءة مع مطالب التنمية أو تتماشى بروحها وانجازاتها مثل أرامكو وسابك والاتصالات، والتي اتسعت مساحة علاقتها بالخارج الذي لا يقبل أن يختل نظام علاقاته التجارية والاقتصادية عندما عرف كيف يجني ثمرة الوقت كقيمة مضافة في حين ظل التباطؤ عندنا حالة إعاقة عندما أصبحنا في حبوس النظم الرأسية التي يمثلها الغرب وقاعدته التحتية ليتحول إلى الآمر والمشرع، حتى لو تخطى الأنظمة في تكريس الروتين وطبعه بطابعه الشخصي ليتم إشاعة التحديث..

في قراءة ميزانيات السنتين الماضيتين فقط، لنسأل، ماذا أنجز، وماذا تخلف وما هي الأسباب، داخلية أم خارجية، جوهرية، أو بيروقراطية، وحين تلتقي مع مسؤولي الشركات والمستثمرين ورجال الأعمال، تجد الجواب واحداً، “عوائق النظام”، وهو ما تسبب بانسحاب الكثير من الشركات المنفذة، وهروب الأموال، وعدم المغامرة في الدخول في شبكة العلاقات المعقدة بين الأجهزة البيروقراطية والأخرى التي ليس لديها الوقت في تداول الكلمات والحجج ليكون حاجز الزمن القضية بين من يرغب أن يتواصل مع سرعة الزمن، والآخر الذي لا يزال يرقد في إضبارات الماضي..

الدلائل كثيرة، انظروا كيف تدير الغرف التجارية أساليب عملها رغم الحرية النسبية التي تتمتع بها، وكيف تركيبة مجالس إداراتها التي استنسخت نفس العمل الحكومي، لنرى التفاعل السلبي جزءاً من حالات الإعاقة مع اقتصاد عالمي سريع الدوران والحركة..

لدينا كم من نزيف الجامعات والمعاهد في العلوم النظرية، وهي التي تصب في هياكل الادارات وشغل الوظائف الحديثة لكنها سريعاً ما تندمج مع نفس “البيروقراطيات” المشلولة ولدينا بدايات لاختصاصيين في الحواسيب والاقتصاد والادارة، لكن تلك الطاقات إما تذهب للادارة الكلاسيكية بالدولة، فتنتهي، أو تتنازعها الشركات والبنوك، لكن ماذا عن الأثر الذي تركه معهد الادارة حين نراه يدرب ولا ينعكس فعله على التغيير والتطوير، ومثله الكليات التقنية التي ظل العاملون بإدارتها نراهم في صور الصحف ووسائل الإعلام بدون مضمون للخسائر التي تصرف عليها لأن الناتج “خرّج ولست مسؤولاً” وهذه الأساليب سوف تقاعدنا ونحن في سنين الشباب..

جريدة الرياض

مبداء السياده والتدخل الدولي

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العقيلي 684

الحمد لله الذي أنعم على الناس برسالة الإسلام ، والصلاة والسلام على سيد الأنام سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين ، الذي بعثه الله رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد …
يعتبر مبدأ سيادة الدول من المصطلحات المهمة في القانون الدولي العام ، وفي علم السياسة . وإذا كان هذا المفهوم عريقًا في المقدم كما تشير إلى ذلك مؤلفات فلاسفة اليونان، إلا أنه كان غامضًا ثم أخذ يتطور بتطور التاريخ والحضارات والعلوم . وإذا كانت السيادة مطلقة فيما مضى ، فإنها في العصر الحديث – بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية ، أصبحت مسألة مقيدة نسبيًا .
وكان لتغيير ميزان القوي العالمية أثر على السيادة القومية . فمن ناحية أخرجتها بشكل ثابت من عزلتها القديمة ، فكان على مفهوم السيادة أن يواجه تحديات صعبه أولها : أن الظروف الدولية أصبحت بالنسبة للدول الصغرى والمتوسطة أكثر إلحاحًا لها للانطواء تحت تنظيم دولي يرعى حقوقها ويصون سيادتها ، وثانيها : أن هذه الظروف جعلت في التضحية بجزء من السيادة أمرًا ممكنًا ومقبولاً في سبيل إحلال الأمن والسلام.
فلم يقتصر أثر الحرب العالمية الأولى على تنبيه الأمم إلى ما يتعين عليها من الاضطلاع به من مسئوليات تحتم عليها اتخاذ تدابير عاجلة لمنع وقوع الحروب مرة أخرى ، بل شجعها ذلك على التفكير في استخلاص الدروس التي يحكم أن تستخلص من إمكانات التعاون التي كشفت عنها تلك الحروب. ولكي يتم الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين يجب على الدول أن تعمل على تنظيمها بإحاطتها بجملة من الشروط والقيود مثل نزع السلاح والالتزام بحل المنازعات بالطرق السلمية.
وكان لقيام الأمم المتحدة – بعد الحرب العالمية الثانية – دورًا هامًا في تقييد سيادة الدول في ضوء الحدود المرسومة في الميثاق ، فقد تم تقييد هذه الدول ملتزمة بأن تعمل على تحقيق الغايات المرجوة من هذا الميثاق وساهمت هذه القيود في جعل الميثاق قاعدة دستورية عليا تتمتع بالسمو والصدارة على دساتير الدول الأعضاء.
وفرض الميثاق أوضاعًا تسمح بالتدخل في الشئون الداخلية للدول ، ويكفي الإشارة في هذا الصدد إلى الفصل السابع من الميثاق ، أو الإشارة إلى مواثيق حقوق الإنسان التي تعطي المجتمع الدولي الحق في التدخل في شئون أي دولة تخرق ما تتضمنه هذه المواثيق فنلاحظ أنه في زمن ما بعد الحرب الباردة ظهر اهتمام عالمي بحقوق الإنسان وحرياته ، على الرغم من ذلك فإن تجاهل قواعد القانون الدولي ، أو التناقض في تطبيق قواعده في أكثر من منطقة في العالم ، سواء بالنسبة لحقوق الإنسان أو حفظ الأمن والسلام العالميين.
ويهدف التنظيم الدولي عمومًا إلى غايتين ، تتمثلان في إحلال وحفظ السلام وترقية التعاون الدولي ، ومن أجل تحقيق هاتين الغايتين يجب أن تنطلق العلاقات الدولية من مبدأ أساسي في القانون الدولي ، هو مبدأ عدم التدخل ، الذي أصبح قاعدة آمرة ، لا يجوز انتهاكها.
بيد أنه مع تطور التنظيم الدولي أخذت حدود تطبيق هذا المبدأ تضيق شيئًا فشيئًا ، لأن المجال الذي ينبغي أن تمتنع الأشخاص الدولية عن التدخل فيه ، يتقلص كلما امتدت يد التنظيم الدولي إليه ، وقد أدى اعتراف القانون الدولي المعاصر بالشخصية القانونية للأفراد في بعض الحالات إلى تقييد سيادة الدولة ، من خلال اهتمام القانون الدولي بحقوق الإنسان.
ففي القرن التاسع عشر، أبدى جانب من الفقه ريبته في شرعية التدخل لإقرار السلام والنظام في أوروبا ، ولكن لم تعد هذه الريبة تراود الفقهاء المحدثين ، فعهد عصبة الأمم ، ومن بعده ميثاق الأمم المتحدة ، كان هدفهما إنشاء أجهزة على أسس سليمة تتبع المنظمة الدولية ومفوضة بسلطات للتدخل لمصلحة سلام الأمم وأمنها . فمهمة الأمم المتحدة حفظ السلم والأمن الدوليين وبدون حاجة إلى التنازع مع الاختصاص القومي . ولكن في حالة عجز الأمم المتحدة عن القيام بذلك . فإن الدول لا تتفق على رأى موحد لمشروعية ” التدخل الإنساني ” وتبين المناقشات في الأمم المتحدة أن مبادئ السلام والحرية لا تتجزأ . وتكمن الصعوبة في الدوافع الحقيقية للدول صاحبة المصلحة والتي تحاول أن تظهر بمظهر الحامي لحقوق الإنسان . وهكذا على الرغم من أن هناك اهتمامًا عامًا ومشتركًا من جانب كل الدول – بسبب القيم المعترف بها- لمبدأ سيادة الدول وما يقتضيه من احترام ومراعاة مبدأ عدم التدخل ، إلا أن كل دولة تميل إلى تفسير مبدأ عدم التدخل بما يتلاءم وموقفها في ميدان العلاقات الدولية . وأحيانًا نجد اختلاف بين الدول حول القيم واجبة الحماية والتصرفات المحظورة .
وعلى الرغم من الأهمية القصوى لعدم التدخل في القانون الدولي العام ، إلا أن من الملاحظ تزايد حالات التدخل في النظام الدولي المعاصر. ونظرًا لأن عالمنًا الإسلامي والعربي خضع لكثير من التدخلات السافرة والمستترة ، فقط تصدينا لتلك المسألة واضعين نصب أعيننا ما ورثناه من الشريعة الإسلامية والفقه الدولي وما أكدته الممارسة الدولية. وانطلاقًا من أن التحليل القانوني يتطلب التجرد ، واستعراض وجهات النظر المتنافرة ، ليتسنى لنا التأييد أو المحاجة بغية الوصول في النهاية إلى ضوابط ثابتة تشكل الطريق الصحيح لحماية حقوق الإنسان وحرياته المنتهكة.