أ.د. أحمد محمد وهبان

مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية 1948_1967

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد بن مطلق344

مشاريع التسوية السلمية 1948 – 1967

كان القاسم المشترك لمشاريع التسوية في هذه المرحلة هو التعامل مع قضية فلسطين بوصفها قضية لاجئين، أي الشق الإنساني من الموضوع وليس السياسي. ففي 11 ديسمبر 1948 وبناء على مشروع بريطاني وافقت الأمم المتحدة على إصدار القرار 194 القاضي بوجوب السماح بالعودة للاجئين الفلسطينيين الراغبين في العودة إلى بيوتهم في أقرب وقت ممكن، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى بيوتهم، وأن يتم تعويض أي مفقود أو مصاب بضرر من الجهة المسئولة عن ذلك. ويعني قرار العودة هذا أن:
1. العودة حق واجب التنفيذ.
2. وهي تتوقف على الاختيار الحر للاجئ.
3. وهي حق طبيعي وليس منّة من أحد.
4. ولا يجوز لأحد منع هذا الحق أو حجبه.
5. وأن عودته إلى وطنه هي عودة مواطن له كامل الحقوق المدنية والسياسية.

ومن الجدير بالذكر أن قرار حق العودة هذا قد جرى التأكيد عليه سنوياً في اجتماعات الأمم المتحدة، وصدر أكثر من 110 مرات حتى الآن، مع رفض “إسرائيلي” مستمر لتنفيذه، ودون أن تتحرك الأمم المتحدة بأي خطوة عملية لإلزام الكيان الصهيوني به. وقد كان قد تم تشريد 800 ألف فلسطيني من أصل 920 ألف كانوا يسكنون المنطقة التي استولى عليها الصهاينة. ويبلغ عدد هؤلاء الفلسطينيين نحو خمسة ملايين و100 ألف تقريباً (حسب سنة 2001).

وفي الوقت نفسه لم يستطع الفلسطينيون إنشاء الدولة العربية الخاصة بهم، إذ قام الأردن بضم الضفة الغربية رسمياً إليه بتاريخ 11 إبريل 1950، كما قامت مصر بوضع قطاع غزة تحت إدارتها.

وقد تضمن القرار 194 نفسه مادة تنص على تشكيل لجنة توفيق ومصالحة بين الكيان الصهيوني والدول العربية. وتشكلت اللجنة من الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، ودعت اللجنة في أواخر 1949 الكيان الصهيوني لقبول عودة 100 ألف لاجئ فلسطيني مقابل الحصول على صلح مع العرب، لكن الكيان الصهيوني رفض ذلك بشكل قاطع. وتعاونت الدول العربية مع لجنة المصالحة، لكن إصدار الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بيانها الشهير في 25 مايو 1950 بحماية الحدود “الإسرائيلية” القائمة (رغم أنها تحتل مساحة إضافية من فلسطين تقدر بحوالي 23%) كشف النوايا الحقيقية لهذه الدول، مما دفع الدول العربية لرفض مقترحات لجنة المصالحة المتعلقة بترتيبات التسوية مع الكيان الصهيوني. وقد عقدت اللجنة مؤتمراً في لوزان بسويسرا في 26 إبريل 1949 وكان الكيان الإسرائيلي تحت ضغط الحاجة إلى قبوله عضواً في الأمم المتحدة فوافق ووقع على “بروتوكول لوزان” الذي تضمن:
1. أن تكون الخريطة الملحقة بقرار تقسيم فلسطين هي أساس للمحادثات بشأن مستقبل فلسطين.
2. انسحاب “إسرائيل” إلى ما وراء حدود التقسيم.
3. تدويل القدس.
4. عودة اللاجئين وحقهم في التصرف بأموالهم وأملاكهم، وحق تعويض من لا يرغب بالعودة.

ولكن ما إن وافقت الأمم المتحدة على عضوية الكيان الإسرائيلي فيها حتى تنكرّت “إسرائيل” لاتفاقية لوزان، ورفضت تنفيذ شروطها. وقد عطَّلت “إسرائيل” أي عمل للجنة متعلقٍ بتنفيذ التقسيم أو عودة اللاجئين. وبدا واضحاً أن الموقف الصهيوني وجد هوى غير معلن لدى لجنة المصالحة التي تعمَّدت التقاعس وإماتة الموضوع، وافتقرت لأدنى درجات الجدية، وسكتت سكوتاً مريباً عن مصادرة الكيان الصهيوني لأراضي اللاجئين وأملاكهم. ومن الجدير بالذكر أن لجنة المصالحة هذه ظلَّت (من الناحية الرسمية) مشكلة لعشرات السنين، وظلّ تقرير الجمعية العامة للأمم المتحدة يأسف سنوياً لعدم تمكن هذه اللجنة من إيجاد الوسائل لتحقيق أي تقدّم بشأن عودة اللاجئين، ويطلب منها أن تبذل جهوداً متواصلة من أجل ذلك (مثلاً قرار ب3419 في 8 ديسمبر 1975).

وفي إطار التعامل مع قضية فلسطين كقضية لاجئين أُنشئت “وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين وتشغيلهم (الأونروا)” بناء على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 الصادر في 8 ديسمبر. وأخذ يتضح مع الزمن أن مزاج القوى الكبرى العام يتجه نحو إيجاد حلول اقتصادية لمصاعب الحياة التي يواجهها اللاجئون، وتوطينهم حيث استقروا أو في أماكن أخرى، وليس إعادتهم إلى أرضهم أو إعطائهم حقوقهم السياسية في الهوية الوطنية وتقرير المصير والاستقلال.

وتوالت المشاريع التي تركز على قضية اللاجئين وعلى تحقيق تسوية بين الدول العربية والكيان الصهيوني، دونما إشارة لإنشاء كيان سياسي فلسطيني. فكان هناك المشروع النرويجي في 26 نوفمبر 1952 الذي دعا إلى توقف الأعمال العدوانية والدخول في مفاوضات مباشرة بين الأطراف المعنية. وكان هناك مشروع “جاما” الأمريكي 1955 – 1956، حيث يذكر مايلزكوبلاند أن روزفلت حصل على موافقة كل من بن جوريون وجمال عبد الناصر على عقد لقاء سرِّي على متن يخت في البحر المتوسط. ولكن عبد الناصر أصَّر أن توافق “إسرائيل” من حيث المبدأ على قبول عودة الفلسطينيين الراغبين في العودة وأن تحصل مصر على ممر يوصلها بالأردن، لكن المشروع فشل لرفض الجانب الإسرائيلي مناقشة أي تنازلات من طرفه. وهناك مشروع جونستون الأمريكي 1953 – 1955 الذي استهدف تصفية قضية اللاجئين وقضية فلسطين، عن طريق تعاون الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي في استثمار مياه نهر الأردن بطريقة تكفل تطور المنطقة زراعياً، وتهيئة سبل الاستقرار فيها للاجئين، ولمزيد من المهاجرين اليهود. وقد رفض مؤتمر اللاجئين المنعقد في القدس في 20 مايو 1955 المشروع.

وهناك مشروع دالاس وزير الخارجية الأمريكي الذي دعا في 26 أغسطس 1955 إلى إنهاء مشكلة اللاجئين بعودتهم إلى وطنهم “إلى الحد الذي يكون ممكناً”، وبتوطين الباقي في المناطق العربية التي يقيمون فيها، ودعا إلى إجراءات جماعية لمنع أي حرب أو عدوان بين دول المنطقة، وإلى تسوية الحدود بين البلاد العربية والكيان الإسرائيلي.

وتعاونت مصر مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) خلال الفترة 1953 – 1955 في تنفيذ مشروع لتوطين لاجئي قطاع غزة في شمال غرب سيناء، وقد اتخذ المشروع أبعاداً مفصلة وجدية، غير أنه لقي معارضة شاملة وعنيفة من فلسطينيي القطاع، الذين خرجوا إثر الهجمة الصهيونية على القطاع في 28 فبراير 1955 في تظاهرات قوية تطالب بتشكيل جيش تحرير فلسطيني، وإيقاف مشروع شمال غرب سيناء، وإطلاق الحريات … وتم إسقاط المشروع.

وفي 9 نوفمبر 1955 طرح رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن مشروعه الذي يدعو إلى الوصول إلى “صيغة تسوية” بين الموقف العربي الذي يطالب بحدود التقسيم عام 1947، والموقف الإسرائيلي المتمسك بحدود الهدنة. ورفضت “إسرائيل” المشروع وقال بن جوريون “إن غزو الدول العربية لأرض فلسطين في حرب 1948 قد جعل كافة قرارات هيئة الأمم المتحدة حول فلسطين لاغية وباطلة بدون أية إمكانية لإعادتها إلى الحياة”.

وفي 15 يونيو 1959 صدر عن همرشولد الأمين العام للأمم المتحدة مشروع ركز على حل مشكلة اللاجئين بتوطينهم واستيعابهم عبر مساعدة الدول التي يتواجدون فيها اقتصادياً، رغم إشارته إلى حقهم في العودة. وقد رفض الفلسطينيون هذا المشروع بقوة وأقام ممثلوهم في لبنان المؤتمر الفلسطيني الذي عقد في 26 يونيو 1959، والذي رفض تذويب الفلسطينيين في اقتصاديات الشرق الأوسط.

وفي 2 أكتوبر 1962 قدَّم جوزيف جونسون رئيس مؤسسة “كارنيجي” للسلام العالمي مشروعه لحل مشكلة اللاجئين بعد أن كلفته الحكومة الأمريكية سنة 1961 بدراستها، وأكد في مشروعه على حق اللاجئين الحر بالعودة أو التعويض، مشيراً إلى بعض آليات تنفيذ ذلك.

أما المشروع العربي الوحيد في تلك الفترة الذي يستحق الإشارة باعتباره اختراقاً للإجماع العربي حول “السلام” مع الكيان الصهيوني، فكان المشروع التونسي الذي قدمه الحبيب بورقيبة رئيس تونس في 21 إبريل 1965 وتضمن:
1. أن تعيد “إسرائيل” إلى العرب ثلث المساحة التي احتلتها منذ إنشائها لتقوم عليها دولة عربية فلسطينية.
2. يعود اللاجئون إلى دولتهم الجديدة.
3. تتم المصالحة بين العرب وإسرائيل بحيث تنتهي حالة الحرب بينهما.

وقد رحب الكيان الإسرائيلي بمقترحات بورقيبة بوصفها اتجاهاً جديداً في التفكير العربي، لكنه رفض التنازل عن أي جزء من الأرض التي استولى عليها. وقد قوبلت مقترحات بورقيبة باستهجان ورفض عربي شعبي ورسمي عارم.

وقد ردَّ “ليفي اشكول” رئيس الوزراء الصهيوني على بورقيبة بمشروع تسوية أعلنه في 17 مايو 1965 مبنيٍ على تثبيت الأوضاع القائمة مع تعديلات طفيفة، ومفاوضات مباشرة وإحلال سلام دائم وتطبيع العلاقات مع البلاد العربية.

:silent:

ماهي مشكلة محاكم التفتيش في أوروبا

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد بن مطلق344

:silent: تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
تاريخ الكنيسة الغربية
محاكم التفتيش في أوروبا
إن أهم سمه تميزت بها جماعات المصلين في غرب أوروبا في القرن الثاني عشر. والذين كان الاكليروس يعتبرهم “مخالفين” أو ” معاندين” هي سمة: الزهد والدعوة الي البساطة الأولى كمد روحي للكنيسة الشرقية في مصر وقد انتعشت هذه الاراء في وقت كانت الكنيسة فيه قد تردت في مساوئها: من اتجار في المناصب الدينية (السيمونية) والسماح لرجال الدين بالزواج بعد، رفلوا في أسباب النعيم باحثين عن وراثية لهم في هذا، وغير ذلك من أمراض آلمت بالكنيسة كبيع صكوك الغفران.
وافتضح أمر البابوية وكبار الأساقفة.
وطرحت قضية ” الاكليروس ” علي بساط الشك من أساسها نظراً لما أصابته من ثراء فاحسن، وكان النبلاء الإقطاعيون يتطلعون الي الفرصة السانحة ليقضوا علي أملاك الكنيسة الشاسعة علهم يصيون شيئا منها، ولكن البابوية كانت تفرض من الحماية والحصانة علي تلك الأملاك في الوقت الذي كانت تنظر بقلق الي نشاط هؤلاء النبلاء الطامعين في أملاكها خاصة في فرنسا.
وفي عام 1207 طلب البابا انوسنت الثالث من الملك فيليب أغسطس التدخل علي رأس حمله صلبيه لقمع النبلاء في الجنوب الفرنسي ألا، فيليب كان يخشي، ينتهز ملك إنجلترا ” يوحنا” الفرصة للانقضاض علي الشمال الفرنسي القريب منه إذا اقدم رجاله علي شن حملة علي النبلاء في الجنوب الفرنسي.
واخيراً بعد، نفد صبر البابا ” انوسنت الثالث ” أعلن في 15 يناير 1208 قيام حمله صلبيه ضد نبلاء الجنوب الفرنسي ووعد من يشارك في هذه الحمله بالغنائم التي تقع في أيديهم من أملاك هؤلاء المارقين في نظره هو.
وارسل البابا قاصداً رسولاً لتهدئة الأوضاع في الجنوب الفرنسي ألا، مهمته باءت بالفشل الأمر الذي حدا بالبابا بان يرسل قراراً بالحرمان الديني ضد ” ريمون السادس ” صاحب تولوز وقوبل هذا الحرمان باغتيال القاصد الرسولي من أحد اتباع ريموند.
وعليه فقد دعا البابا ” انوسنت الثالث ” الي حمله صلبيه ضد المنشقين، استجاب لها الآلاف من الفرسان المتطوعين من الشمال الفرنسي أملا في ثروات الجنوب وغنائمه وقد قامت هذه الحمله بمذابح رهيبة اشهرها تم في حصار وسقوط بلدة ” بيزيه ” حيث قتل الصليبيون 15.000 من السكان دفعة واحدة ومن ثم كانت اكبر عملية إرهابية في تلك الفترة.
وبعد وفاة فيليب أغسطس اصدر الملك ” لويس الثامن ” قراراً لارضاء البابا في روما باقامه وتشكيل محاكم التفتيش في جنوب وشمال فرنسا، وكانت هذه المرة هي الأولى التي يصدق فيها القانون الفرنسي علي عقاب المهرطقين بالحديد والنار وليس بالمناقشة في محبة لان الله يريد، الجميع يخلصون والي معرفة الحق يقبلون بعد هذا أمر ” لويس الثامن ” جيوشه بالاستيلاء علي مدينة ” افنيون ” بسبب رفضها لجيوش البابا بالعبور علي اراضها نحو الجنوب، فدمرت أسوارها واسباح فرسان الشمال خيرات وحرمان الجنوب الفرنسي تحت شعار الصليب ومحاكم التفتيش.
وكان ” لويس التاسع ” ملك فرنسا أسوأ حاكم علماني شجع علي تثبيت أقدام محاكم التفتيش في فرنسا، لكي يرضي معاصريه من الباباوات لذلك سموة ” القديس لويس ” واسند مهمة التفتيش والمحاكمه الي رهبان الدومنيكان الذين بدءوا بإرهاب صغار القساوسة وبسطاء الناس بجبروتهم، أرسلوا الي المحرقة أعداد لا تحصي بتهمه الخروج علي تعاليم الكنيسة، بالاضافه الي من امتلأت بهم جحور السجون، وغياهب السبي.
ويحدد المؤرخين سنه 1233 علي وجه التحديد كبداية لإرساء محاكم التفتيش في فرنسا جميعها وقد خول الملك الفرنسي رجلاَ يدعي ” روبرت لي يتي ” صلاحيات كبيرة كمفتش عام علي هذه المحاكم، وقد رهب هذا الرجل فرنسا كلها ما بين عامي 1233، 1239 إذ شنق 183 شخصاً دفعة واحدة في مقاطعه (شامباني).
وفي عهد الملك الفرنسي فيليب الرابع الذي تولي ما بين عامي 1285 – 1314 كلف وزيره وحامل أختامه بتلفيق التهم لجماعه رهبان الموعد الذين لعبوا دوراً كبيراً في الحملات الصلبية في فلسطين ومن هذه الاتهامات: عباده الشيطان والانحلال الأخلاقي والفجور وبهذا تعرضوا لصنوف من العذابات داخل زنزانات سجونهم ألي حد، واحداً منهم عندما بلغ العذاب مداه به صاح قائلاً: أنني علي استعداد، اعترف لكم بأنني قد قتلت الله شريطة، تكفوا عن تعذبتي وترحموني من الحرق بالنار، ثم اصدر البابا قرار بمصادرة أملاكهم في كل أنحاء العالم المسيحي ثم أمر بإقامة محكمه تفتيش خاصة للتحقيق معهم لأدانتهم.
وفي سنه 1310 صدر حكم محكمة التفتيش بإحراق 63 راهباً من رهبان الداوية بتهمة عباده الشيطان والانحلال وفي سنه 1314 اكتملت المأساة حيث اقتيد رئيس رهبان الداوية جاك دي مولية وبعض رفاقه إلى المحاكمة وتقررا احراقهم جميعاً بتهمة ملفقة، ومنذ ذلك التاريخ صار تلفيق الاتهامات ونشر الفضائح الكاذبة والإرهاب كان اكبر سمه للملكية الفرنسية تحت رعاية الكنيسة الغربية حتى قيام الثورة الفرنسية في عام 1789.
وحتى جماعة الفرنسيسكان لم تنج من بطش محاكم التفتيش، فقد نادي فريق منهم بضرورة الرجوع بالعقيدة إلى حياة البساطة الأولى، ولكن البابا ” يوحنا الثاني والعشرين ” (1316- 1334) قرر تقديمهم إلى محاكم التفتيش سنه 1318.
وتابع الباباوات إرهابهم للفكر بواسطة محاكم التفتيش لكل صوت ينادي بالإصلاح وبالرغم من المذابح الرهيبة انتشرت دعوة الإصلاح الديني إلى بوهيميا وجنوب شرق ألمانيا.
وفي سنه 1229 عين البابا مفتشاً كنيسياً عاما علي ألمانيا هو (كوزاد) الذي جر الآلاف من الأبرياء إلى المشانق أو المحاق وكان يكفي عنده، يشار إلى جار من جاره بأي شاية ضد الدين فيجر أهل البيت جميعاً إلى المشانق وقد ضج الناس من الإرهاب الذي اتبعه كونراد هنرا، حتى، بعض الأساقفة نصحوا إلية بالاعتدال، ولكنه لم يكن يطيع بل يزداد في طغيان تحت سمعهم وبصرهم. وبعد، استشري الغضب بالشعب هاجمة بعض النبلاء وقتلوه سنه 1233 فتنفس الألمان الصعداء .

نوع العلاقات العربية في فترة من الفترات

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد بن مطلق344

:silent: :silent: أيام الرئيس الراحل أنور السادات.
كانت العلاقات المصرية الإيرانية أيام الشاه محمد رضا بهلوي علاقة كاملة وممتازة، وأعترف الرئيس الراحل أنور السادات إيران بأنها كانت تعترف بإسرائيل، وأن حرباً مع إسرائيل قد ولت، وأستمرت حتى عام 1979 م، وتراقب مصر بحذر وخوف من التغيير التي صارت في طهران، واستقبلت مصر الشاه محمد رضا بهلوي بعد رفضت إستضافة أمريكا خوفاً على مصالحه، وما أن مصر أعلنت معاهدة سلام مع إسرائيل في مارس 1979، حيث أعلن النظام الايراني قطع العلاقات مع القاهرة… بسبب خيانة السادات.
وبعد أن قتل الرئيس الراحل أنور السادات في أكتوبر 1981م، أطلق النظام الإيراني شارع اسم قاتله خالد الإسلامبولي على أحد شوارع طهران، وطالبت السلطات المصرية النظام الإيراني بإزالة هذا الاسم الذي قتل فيه الرئيس الراحل أنور السادات، حتى سمي شارع محمد رضا بهلوي في أحد شوارع القاهرة تخليداً لذكرى رحيل الشاه محمد رضا بهلوي في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
بعد أن وصل الرئيس مبارك إلى رئاسة الجمهورية.
بدأت بالتحسن بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية، بإرسال وفود متبادلة بين الدولتين على مستوى الفرق الرياضية والفنية ومن ثم على مستوى الوزراء في مناسبات دولية وأستمر العلاقات في تصاعد حتى عام 1990 والذي غزا العراق الكويت، فبدأت العلاقات تأخذ منحنى آخر.
العلاقات السعودية الإيرانية.
توترت العلاقة السعودية الإيرانية بعد الثورة الإسلامية عام 1979م، وكانت العلاقة السعودية الإيرانية منذ عهد الشاه جيدة، إلا أن أموراً أنقلبت بعد الثورة، فقد كانت صراعاً مذهبياً بين السنة والشيعة، وأحتفل الشيعة السعوديون في القطيف بمناسبة استيلاء الخميني على السلطة، مما أدى إلى قمع إنتفاضة شيعية داخل الأراضي السعودية.
فمع بداية الحرب العراقية الإيرانية بدأت العلاقة تتوتر سنة بعد سنة، وخاصة عندما أعلن الرياض بوقوف مع العراق، وهي تعيق نشر التشيع الإيراني في العراق ودول الخليج، أدى إلى عمليات تخريب وتدمير وتعطيل موسم الحج، وأتهم السعودية إيران بأنها وراء عمليات تخريب.

ومن بين هذه العمليات، تفجير مصنع صدف بالجبيل.
وشكل موسم الحج قنابل موقوتة، وآخر أحداث التي مست بالمشاعر المقدسة أنها في شهر أغسطس عام 1987م، والتي خرج الحجاج الإيرانيين تأييداً لهذه الثورة، وتحول من شهر تكفير الذنوب إلى زيادة الآثام لدى الثورة، والتي أصيب عددها الكثير من الحجاج، مما آضطر الرياض إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، وأستمرت هذه القطيعة حتى عام 1991م، وإيران كانت مهددة بتصدير الثورة للخارج، وهي إعادة نشر التشيع في دول الخليج العربي.
إنفراج بعد الأزمة وعودة نجاد أعاد نهج الخميني
تحسن العلاقات بين السعودية وإيران في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني ومن ثم في عهد الرئيس محمد خاتمي إلى تحسن العلاقات السعودية الإيرانية بعد أزمة كانت في الثمانينيات القرن الماضي.
وشهدت تحسن العلاقات بين البلدين بدرجة عالية من التطور والتعاون وتبادل الزيارات سواء كانوا بين المسؤولين أو وزراء، وتوجت تلك العلاقة الذهبية بتوقيع اتفاقية أمنية عام 2001، ليس فقط بين البلدين بل في دول الخليج العربي بأكمله، لأنها أنتقلت من مرحلة بروتوكولات إلى عمق العلاقة وتأصيلها شعبياً ورسمياً، إلا أن العلاقات بدأت تتدهور بعد أن وصل محمود أحمدي نجاد، وهو أعلن بدء برنامج الطاقة النووية، وهو الذي يقلق الرياض من تصرفات ذلك الرئيس، أتهم الرياض لإيران مجدداً بتصدير الثورة وإشعال الصراع بين السنة والشيعة، وخاصة بعد محاولة إختراق التشيع في العالم العربي بأغلبية سنية تهدد أمنها، وما زالت مستمرة.
موقف إسرائيل من النظام الإيراني.
في عهد الشاه كان الإسرائيليون يشعرون بالإرتياح، بسبب موقف إيران الداعم لإسرائيل، وفي سنة 1979م، تحول العلاقة مباشرة من الصداقة الدائمة إلى عداوة، وذلك بطرد السفير الإسرائيلي من سفارة دولة إسرائيل بطهران إلى مبنى تابعة للمقاومة الفلسطينية، وكان التعاطف الإيراني تجاه فلسطين اثراً سلبياً مع حكومة إسرائيل، وأراد النظام الإيراني تدمير إسرائيل بواسطة ميليشيا حزب الله، وقيام مغامرة غير محسوبة أدى إلى تدمير البنية التحتية للبنان، وإختطاف ميليشيا جنديين إسرائيليين، قبل أن يلقى حتفهما، فحمل إيران مسؤولية نقل الإرهاب إلى لبنان، وعلاقة مع حركة حماس الإسلامية كما تقول إسرائيل، فإن حماس أرادت أن تنشر الشريعة الإسلامية في قطاع غزة، والتي تعاني من حصار ظالم من قبل السلطات الإسرائيلية…
ففي الدول العربية إذا تعرض أحدهم للإرهاب فإن إيران كان المسؤول الأول والأخير عن ذلك العملية.

نوع العلاقات العربية في فترة من الفترات

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد بن مطلق344

:silent: :silent: أيام الرئيس الراحل أنور السادات.
كانت العلاقات المصرية الإيرانية أيام الشاه محمد رضا بهلوي علاقة كاملة وممتازة، وأعترف الرئيس الراحل أنور السادات إيران بأنها كانت تعترف بإسرائيل، وأن حرباً مع إسرائيل قد ولت، وأستمرت حتى عام 1979 م، وتراقب مصر بحذر وخوف من التغيير التي صارت في طهران، واستقبلت مصر الشاه محمد رضا بهلوي بعد رفضت إستضافة أمريكا خوفاً على مصالحه، وما أن مصر أعلنت معاهدة سلام مع إسرائيل في مارس 1979، حيث أعلن النظام الايراني قطع العلاقات مع القاهرة… بسبب خيانة السادات.
وبعد أن قتل الرئيس الراحل أنور السادات في أكتوبر 1981م، أطلق النظام الإيراني شارع اسم قاتله خالد الإسلامبولي على أحد شوارع طهران، وطالبت السلطات المصرية النظام الإيراني بإزالة هذا الاسم الذي قتل فيه الرئيس الراحل أنور السادات، حتى سمي شارع محمد رضا بهلوي في أحد شوارع القاهرة تخليداً لذكرى رحيل الشاه محمد رضا بهلوي في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
بعد أن وصل الرئيس مبارك إلى رئاسة الجمهورية.
بدأت بالتحسن بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية، بإرسال وفود متبادلة بين الدولتين على مستوى الفرق الرياضية والفنية ومن ثم على مستوى الوزراء في مناسبات دولية وأستمر العلاقات في تصاعد حتى عام 1990 والذي غزا العراق الكويت، فبدأت العلاقات تأخذ منحنى آخر.
العلاقات السعودية الإيرانية.
توترت العلاقة السعودية الإيرانية بعد الثورة الإسلامية عام 1979م، وكانت العلاقة السعودية الإيرانية منذ عهد الشاه جيدة، إلا أن أموراً أنقلبت بعد الثورة، فقد كانت صراعاً مذهبياً بين السنة والشيعة، وأحتفل الشيعة السعوديون في القطيف بمناسبة استيلاء الخميني على السلطة، مما أدى إلى قمع إنتفاضة شيعية داخل الأراضي السعودية.
فمع بداية الحرب العراقية الإيرانية بدأت العلاقة تتوتر سنة بعد سنة، وخاصة عندما أعلن الرياض بوقوف مع العراق، وهي تعيق نشر التشيع الإيراني في العراق ودول الخليج، أدى إلى عمليات تخريب وتدمير وتعطيل موسم الحج، وأتهم السعودية إيران بأنها وراء عمليات تخريب.

ومن بين هذه العمليات، تفجير مصنع صدف بالجبيل.
وشكل موسم الحج قنابل موقوتة، وآخر أحداث التي مست بالمشاعر المقدسة أنها في شهر أغسطس عام 1987م، والتي خرج الحجاج الإيرانيين تأييداً لهذه الثورة، وتحول من شهر تكفير الذنوب إلى زيادة الآثام لدى الثورة، والتي أصيب عددها الكثير من الحجاج، مما آضطر الرياض إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، وأستمرت هذه القطيعة حتى عام 1991م، وإيران كانت مهددة بتصدير الثورة للخارج، وهي إعادة نشر التشيع في دول الخليج العربي.
إنفراج بعد الأزمة وعودة نجاد أعاد نهج الخميني
تحسن العلاقات بين السعودية وإيران في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني ومن ثم في عهد الرئيس محمد خاتمي إلى تحسن العلاقات السعودية الإيرانية بعد أزمة كانت في الثمانينيات القرن الماضي.
وشهدت تحسن العلاقات بين البلدين بدرجة عالية من التطور والتعاون وتبادل الزيارات سواء كانوا بين المسؤولين أو وزراء، وتوجت تلك العلاقة الذهبية بتوقيع اتفاقية أمنية عام 2001، ليس فقط بين البلدين بل في دول الخليج العربي بأكمله، لأنها أنتقلت من مرحلة بروتوكولات إلى عمق العلاقة وتأصيلها شعبياً ورسمياً، إلا أن العلاقات بدأت تتدهور بعد أن وصل محمود أحمدي نجاد، وهو أعلن بدء برنامج الطاقة النووية، وهو الذي يقلق الرياض من تصرفات ذلك الرئيس، أتهم الرياض لإيران مجدداً بتصدير الثورة وإشعال الصراع بين السنة والشيعة، وخاصة بعد محاولة إختراق التشيع في العالم العربي بأغلبية سنية تهدد أمنها، وما زالت مستمرة.
موقف إسرائيل من النظام الإيراني.
في عهد الشاه كان الإسرائيليون يشعرون بالإرتياح، بسبب موقف إيران الداعم لإسرائيل، وفي سنة 1979م، تحول العلاقة مباشرة من الصداقة الدائمة إلى عداوة، وذلك بطرد السفير الإسرائيلي من سفارة دولة إسرائيل بطهران إلى مبنى تابعة للمقاومة الفلسطينية، وكان التعاطف الإيراني تجاه فلسطين اثراً سلبياً مع حكومة إسرائيل، وأراد النظام الإيراني تدمير إسرائيل بواسطة ميليشيا حزب الله، وقيام مغامرة غير محسوبة أدى إلى تدمير البنية التحتية للبنان، وإختطاف ميليشيا جنديين إسرائيليين، قبل أن يلقى حتفهما، فحمل إيران مسؤولية نقل الإرهاب إلى لبنان، وعلاقة مع حركة حماس الإسلامية كما تقول إسرائيل، فإن حماس أرادت أن تنشر الشريعة الإسلامية في قطاع غزة، والتي تعاني من حصار ظالم من قبل السلطات الإسرائيلية…
ففي الدول العربية إذا تعرض أحدهم للإرهاب فإن إيران كان المسؤول الأول والأخير عن ذلك العملية.

النظام السياسي في الجمهورية التركية.

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد بن مطلق344

:silent: النظام السياسي.
تتمتع الجمهورية التركية بنظام سياسي شبيه بالأنظمة الديمقراطية الغربية، التي تنقسم عامة إلى جهاز تشريعي، وتنفيذي، وقضائي. ولقد تبنت البلاد الحياة الديمقراطية بعد تطبيق دستور عام 1982 وبعد سنوات من الحكم العسكري. يشكل المجلس القومي التركي أو البرلمان الجهاز التشريعي. يتكون المجلس من 550 نائب، يتم انتخابهم كل خمس سنوات مباشرة من الشعب. وكل مواطن تركي مقيم في تركيا له حق الانتخاب ابتداءاً من سن الثامنة عشرة، لذا لا يستطيع الملايين من الأتراك المغتربين المشاركة في الانتخابات. أعلى سلطة سياسية في البلاد هي سلطة رئيس الدولة، الذي يتم انتخابه كل سبع سنوات من قبل البرلمان. لا يسمح بإعادة انتخاب الرئيس حسب الدستور. يوكل رئيس الدولة رئيس الحزب المنتصر بالانتخابات النيابية مهمة تشكيل الحكومة، لكي يصبح بدوره رئيس الحكومة، بعدها يقوم رئيس الدولة بالموافقة أو رفض أعضاء الحكومة. ملف: المحكمة الدستورية هي أعلى محكمة تركية. تقوم المحكمة بفحص مدى مطابقة القوانين المشرعة من البرلمان مع بنود الدستور. تم انتخاب تولاي توكو في عام 2005 لتكون أول امرأة ترأس أعلى محكمة في البلاد.
السياسة الخارجية.
تحاول تركيا الانضمام لعضوية الإتحاد الأوروبي منذ تأسيس الإتحاد في عام 1993. حصلت تركيا رسمياً على صفة دولة مرشحة للانضمام عام 1999 وبدأت مفاوضات العضوية عام 2004. ومسألة انضمام تركيا للإتحاد قسمت الأعضاء الحاليين في الإتحاد إلى معارض ومؤيد. ويقول المعارضون بأن تركيا هي ليست دولة أوروبية وإنما جزء من الشرق الأوسط وآسيا وأنها سياسياً واقتصادياً وثقافياً لا تلبي الشروط الأدنى للعضوية وستكون عبئ على الإتحاد. بينما يقول المؤيدون بأن العضوية ستمنع انتشار الفكر المتشدد في منطقة الشرق الأوسط، والذي قد يوقع تركيا في يوم من الأيام تحت سيطرة المتشددين، أيضا بأن لدى تركيا أراضي زراعية شاسعة وأيدي عاملة كبيرة ستفيد الاقتصاد الأوروبي. ومن الناحية الإيجابية التي نتجت عن نية تركيا الانضمام للإتحاد وفرض الإتحاد شروط لبدء مفاوضات العضوية هي تقليص سيطرة الجيش على مجريات الحياة السياسية في البلاد، ونمو الحريات وحقوق الإنسان وخاصة فيما يتعلق بحقوق الأقليات كالأقلية الكردية. كما حاولت تركيا جاهدة في الفترة الأخيرة حل مشكلة قبرص، التي قامت باحتلال الجزء الشمالي منها عام 1974 تحت ذريعة حماية حقوق الأقلية التركية هناك.

العلاقات التركية العربية.
تميزت العلاقات التركية العربية بالتوتر منذ أيام حكم الامبراطورية العثمانية لمعظم البلاد العربية. بعد تقسيم ملكية الدول العربية بين الدول الاستعمارية وإنهيار الإمبراطورية العثمانية، ولقد حاولت تركيا منذ نشأة الجمهورية التركية في بداية القرن التركيز على علاقاتها مع الغرب وخاصة أوروبا والولايات المتحدة. كما أن اتباع السياسة الخارجية التركية السياسة الغربية وخاصة الأمريكية، أدى إلى تحسن العلاقات التركية الإسرائيلية، التي يرى فيها العرب تهديدا لمصالحهم وأمنهم. على مدى العقود السابقة تحالفت تركيا بشكل غير رسمي مع إسرائيل وعقدت العديد من الاتفاقيات التجارية والعسكرية مع الدولة العبرية. رأت سوريا في ذلك تهديدا مستمرا لها. كما ساهمت سياسات تركيا المائية والزراعية وبناء العديد من السدود في مشروع جنوب شرق الأناضول على نهري دجلة والفرات، اللذان هم عصب الحياة في العراق وسوريا، والتدخل العسكري التركي في شمال العراق، إلى المزيد من التوتر السياسي وخاصة مع العراق. كادت أن تؤدي مسألة إقليم الإسكندرونة المتنازع عليه مع سوريا واتهام تركيا لسوريا بدعم حزب العمال الكردستاني المحظور إلى نشوب نزاع عسكري بين البلدين. بعد وصول الأحزاب الإسلامية المعتدلة إلى سدة الحكم في السنوات الأخيرة، تحاول تركيا تحسين علاقاتها بجيرانها وخاصة العرب منهم. احتجت تركيا مرارا على سياسة إسرائيل الاستيطانية والعمليات العسكرية القاسية ضد المدنيين الفلسطينيين.كما وتقوم تركيا بلعب دور الوسيط بين سوريا وإسرائيل عبر المفاوضات الغير مباشرة والتي تقام على أراضيها والتي دخلت الجولة الرابعة. وفي سنة 2009 شهدت العلاقات السورية التركية في السنوات الماضية تطوراً كبيراً ومهماً على أصعدةٍ عديدة، ولاسيما السياسية منها والاقتصادية، والسياحية، ولعلَّ أبرزها توقيع اتفاقية التجارة الحرة السورية التركية، والكثير من الاتفاقات والتفاهمات التي خلقت بين البلدين أفضل العلاقات، ومنذ أيام قامت جامعة حلب بمنح رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أردوغان شهادة الدكتوراه، تقديراً لمواقفه الرائعة حيال القضايا العربية، ولاسيما موقفه المُشرّف تجاه العدوان الإسرائيلي الأخير على غزّة، والموقف الأروع في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وقتما تصدّى لعنجهيّة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، وانسحب من المؤتمر احتجاجاً على التعاطف والتمادي والانحياز الذي أبرزته إدارة المؤتمر مع الرئيس الإسرائيلي.

الثورة البلشفية والأفكار الماركسية " الشيوعية "

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري العتيبي1

الثورة البلشفية ـ روسيا عام 1917

تعد الثورة البلشفية فى روسيا القيصرية هى التطبيق العملى لأفكار وكتابات المفكر ” كارل ماركس ” ومساعده
” فريدريك أنجلز ”
وهى الفكر الشيوعى الذى بدأه ماركس وأسسه بكتابه البالغ الشهرة ” رأس المال ”
وتقوم الفكرة الأساسية للشيوعية على حكم الطبقة العاملة والمسماه فى هذا الفكر
” بروليتاريا ” لمحاربة الطبقية وتحكم رأس المال الخاص فى الحياة الاقتصادية
بمعنى عدم جواز تحكم أى فرد وأى مؤسسة يملكها أفراد فى أى منحى من مناحى الحياة الاقتصادية ..
وعليه تكون الدولة هى المالكة لكل وسائل الانتاج دون استثناء
ولا يسمح للأشخاص بتملك أى معدة أو أداة تدر انتاجا .. ويسمح فقط بملكية الأفراد لما هو رهن باستخداهم الشخصي لمنع الاستغلال الرأسمالى كما يري هذا الفكر

وعليه
كان من الطبيعى طبقا لما توقعه وخططه كارل ماركس أن تكون الثورة الشيوعية فى بلد صناعى من الدرجة الأولى تتوافر فيه طبقة البروليتاريا ” طبقة العمال “
وكان ظنه يتجه فى ذلك الوقت الى الملكة المتحدة ” بريطانيا ” أو الى ” ألمانيا ”
واستبعد تماما فكرة قيامها فى بلد زراعى كروسيا

البداية
مع قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 م ..
ودخول الامبراطورية القيصرية فى روسيا الى الحرب مما أثر سلبا على وضع المواطنين لا سيما العمال
بدأت أفكار ماركس تتسرب وتتحول تدريجيا الى ثورة منظمة على رأسها اثنان من من المناهضين للحكم القيصري وهما
فلاديمير أوليانوف وهو المعروف فيما بعد باسم ” لينين “
جوزيف فيسرافيتش .. وهو المعروف فيما بعد باسم ” ستالين ”
وتحت تأثير الضغط هرب الاثنان من الجحيم الروسي الى ألمانيا واستعانا فى الهرب بالأسماء المستعارة لينين وستالين ليواصلا هناك المد الثورى ويستغلا بشدة تضجر الشعب الروسي بأكمله من الحرب العالمية التى كلفت الروس كثيرا دون مصلحه يراها الشعب داعية لتلك الحرب
وبدأت المعونات تتدفق عليهما وعلى الثورة من الحكومة الألمانية التى كان من مصلحتها العليا بالطبع تدعيم الثورة على النظام الروسي لصالح الثوار الذين اكتسبوا شعبيتهم الطاغية من مجرد اعلانهم أنهم ضد الحرب وعزمهم على الانسحاب منها فور أن تستتب الأمور لهما
ولأن الأمر برمته أصبح مدعاة لقلب الموازين الحربية

فقد تدخل جهاز المخابرات الألمانى بكل ثقله ليساعد الثوار عن طريق عنصرين هامين
الأول
تدعيم وتوصيل نداءات وبيانات الثورة للشعب الروسي على النحو الذى أدى لانسحاب فرق بأكملها وكتائب روسية تركت مواقعها على الجبهة استجابة واقتناعا وتمردا على القيصر
والثانى
كان قام جهاز المخابرات الألمانى بتنفيذ عملية من أشهر عملياته عرفت باسم ” عملية القطار الحديدى ”

عملية القطار الحديدى
كان التفكير منحصرا فى جهاز المخابرات الألمانى على الوسيلة المثلي لاعادة لينين وستالين الى روسيا بعد أن بلغت شعبيتهما حدا مناسبا لتتبع الشعب لهما
وبالتدريج .. انهار النظام الروسي القيصري فعليا أمام الجموع الهادرة وتم الاعداد لعودة لينين وستالين الى روسيا بقطار ينقلهما من ألمانيا الى وطنهما
وفى وسط تلك الأجواء ..
علمت المخابرات البريطانية بأمر عملية القطار الحديدى وأيقنت أن حليفتها روسيا القيصرية بصدد الخروج المحتم من الحرب لو وصل الثوار الى السلطة لا سيما اذا نجحت عملية اعادة القادة الى روسيا
وتفتق ذهن المخابرات البريطانية عن طريقة جديدة تمكنها من استشراق الأمور عن قرب ومعرفة موعد عملية القطار الحديدى لتعطيلها
فأرسل رجال المخابرات البريطانية الى الكاتب والمفكر البريطانى الأشهر ” سومرست موم ”
أحد أعلام الأدب فى أوربا وطلبت تعاونه بالسفر الى ألمانيا وتحرى الأمر بعد تدريبه على أعمال التخابر لسري بصفة عاجلة
وكان دافع الأمر للاستعانة بموم هو استحالة تطرق الشك الى شخصيته باعتباره علما معروفا فى سائر أوربا مما يسهل مهمته الى أقصي حد وعلى نحو لا يتوافر لضابط مخابرات محترف معرض لكشف أمره أمام جهاز المخابرات الألمانى اليقظ
وسافر ” سومرست موم ” الى ألمانيا وأدى مهمته بنجاح مطلق غير أن نجاح مهمته لم يمنع نجاح عملية القطار الحديدى
فقد جلب موم كل المعلومات الخاصة بالعملية ووضح الأمر أمام البريطانيين أن عملية القطار الحديدى اكتملت تماما وتنتظر التنفيذ خلال فترة بسيطة للغاية وكان هذا يعنى تأخر التدخل البريطانى بطبيعه الحال
وعاد القادة لينين وستالين الى روسيا لتنفجر الثورة البلشفية ويستولى الشيوعيون على السلطة ويتأسس الاتحاد السوفياتى على ثورة حمراء قضت على كل رموز الحكم القيصري بالقتل الجماعى

العداء التاريخى بين روسيا والولايات المتحدة
يخطى من يظن أن العداء المستحكم بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين الاتحاد السوفياتى بدأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية وصعود كليهما الى سدة القوى العظمى بعد انهيار الامبراطوريات القديمة
فالعداء بدأ مع بدايات الثورة البلشفية
فعندما وصل الثوار الى الحكم وانسحبوا قبيل نهاية الحرب العالمية الأولى من جبهة الحلفاء
أصاب الغيظ والجنون بقية الحلفاء بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة
وعلى الرغم من أن الانسحاب لم يؤثر سلبا على النتيجة التى حسمت بالفعل لصالح الحلفاء
الا أن الرئيس الأمريكى وقتها ” وودر ويلسون ” أصيب بنوبة حماقة مفاجأة ..
وأرسل عددا من قواته لتتولى ابطال الثورة الحمراء بروسيا
وفشل التدخل الأمريكى وانتهى أمره
لكن لم ينته أثره
وبقيت الصفحة الأمريكية سوداء لدى الثورة البلشفية وقوادها حتى مع تحالف الحرب العالمية الثانية

المد الشيوعى

مع سياسة تقسيم النفوذ العالمى بين القوتين الأعظم فى العالم
برز الصراع بين القطبين صراعا باردا بطبيعه الحال ونتائج السلاح النووى الذى حكم حكما نهائيا بعدم تجدد القتال المباشر بين القوى العظمى
وبالتالى أصبح الصراع قائما على مناطق النفوذ فى دول العالم عبر أقطاره الست
كما أن الصراع لم يكن صراع أسلحه ..
بل اختلف مع مقاييس العالم الجديد وفكره البازغ
فأصبح صراع عقائد بين الرأسمالية والشيوعية
وانطلقت الرأسمالية الأمريكية تغزو أوربا الغربية ومعها حلف الأطلنطى
وانطلقت الشيوعية الروسية تغزو أسيا وأوربا الشرقية ومعها حلف وارسو
اصافة الى عدة أحلاف فى عدة مناطق ساخنه من العالم الثالث مقسمة بين الجانبين

وتركز الصراع الحقيقي بين الجانبين على منطقة الشرق الأوسط وبالذات فى العالم العربي .
وفى البلاد التى شهدت ثورات على نظم الحكم وكانت بدايتها
مصر ثم سوريا ثم العراق ثم ليبيا والجزائر واليمن
ظهرت الأحزاب الشيوعية العربية المؤثرة فى ذلك الوقت واستقطبت الكثير من شباب المفكرين الحالمين بالجنة الشيوعية كما بشرهم بها أصحابها
وكان أشهرها الحزب الشيوعى المصري والذى تم ضرب نفوذه وتحجيم حركته من النظام السياسي المصري بقيادة جمال عبد الناصر بالرغم من صداقته الوطيدة للاتحاد السوفياتى وميوله الاشتراكية المستقاه من الفكر الماركسي فى ذلك الوقت
وكان داعى التناقض أمر طبيعى ..
وهو مشاركة جمال عبد الناصر لرفيقيه ” جواهر لال نهرو ” زعيم الهند الشهير و ” جوزيب بروز تيتو ” زعيم ومؤسس يوغسلافيا فى تأسيس حركة عدم الانحياز بغرض البعد بقدر معقول عن النفوذ المطلق للقوتين الأعظم فى العالم حتى وان كان هناك تقارب سياسي بين الدول النامية الثورية وبين الاتحاد السوفياتى
وكان السلوك المصري فى ذلك الوقت مدعاة غضب عنيف من الزعيم السوفياتى ” نيكيتا خروشوف ” الذى خلف ستالين على مقعد زعامة الاتحاد السوفياتى
وكان هناك أيضا الحزب الشيوعى السورى … برياسة ” خالد بكداش” والذى ظهر كأقوى الحزاب الشيوعية أثرا فى العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط بعد الضربات التى تلقتها الحركة الشيوعية المصرية
ومع عام 1958 م ..
ومع الوحدة السياسية التى تمت بين مصر وسوريا واشتراط جمال عبد الناصر على حل جميع الأحزاب بسوريا قبل اتمام الوحدة
رفض خالد بكداش الشرط المصري ولم يحل حزبه وغادر سوريا نهائيا ومارس نشاطه من الخارج خاصة مع نفوذه المهيب فى دوائر الحكم السوفياتى بقصر الكريميلين
واستمر الحال فى شد وجذب حتى انهارت الحركة الشيوعية العربية بانهيارها بمصر عقب للتوجه السياسي الجديد للرئيس المصري أنور السادات
المد الشيوعى فى بقية أنحاء العالم
مع بداية المد الشيوعى ..
انطلقت المبادئ الماركسية مبشرة بأحلام الطبقات المطحونة وحكم البروليتاريا ” الطبقة العمالية ”
وازداد المد سخونه مع تفجر الصراع المذهبي الذى كان ينسق للحرب الباردة بين الرأسمالية الأمريكية والشيوعية السوفياتية
وانتشرت الشيوعية مبدئيا فى الصين ثم فى بقية دول شرق آسيا حيث النفوذ الحقيقي للاتحاد السوفيتى ككمبوديا وفيتنام وغيرها
اضافة الى دول أوربا الشرقية وعلى رأسها ألمانيا الشرقية الخاضعه للسيطرة الروسية وفق لاتفاق ” يالطا ” الذى شهد تقسيم مناطق النفوذ بين الحلفاء الكبار عقب النصر
وبولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا

فى مواجهة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية وبقية دول أوربا الغربية

وبهذا أصبحت آسيا محمية سوفيتية وأمريكا بشقيها محمية أمريكية وتقاسم الطرفان أوربا ..
اضافة الى بعض الاستثناءات فى كلا منطقتى النفوذ
حيث تمكنت أمريكا من اخضاع ايران لسيطرتها عبر حاكمها محمد رضا بهلوى والذى قام بدور شرطى الحراسة .. وبالمثل تمكنت السيطرة السوفياتية من مساندة بعض دول أمريكا الجنوبية وأشهرها فى ذلك الوقت ” كوبا ” بقيادة
” فيدل كاسترو ”
وبهذا تحقق التعادل النسبي بين القوتين

ولم يأت الصراع ساخنا وعالى الصوت الا فى البؤرة الساخنه دوما من العالم حيث العالم العربي
فقد تقدمت الولايات المتحدة سريعا لترث الامبرطورية البريطانية فى الخليج حيث منابع النفط
وتقدم الاتحاد السوفياتى بنفس السرعه للسيطرة على حركات التحرر التى بدأت بثورة 23 يوليو بمصر لميل الأنظمة الثورية الى الاتحاد السوفياتى نظرا للانحياز الكامل من الولايات المتحدة لاسرائيل
وبعد أن تمكن ” ستالين ” الذى خلف ” لينين ” على مقعد الرياسة بالاتحاد السوفياتى وتقدم مصرا على الحصول على السر النووى ونجح بالفعل فى بداية الخمسينات عبر قضية شهيرة عرفت فى الأوساط الأمريكية باسم ” قضية روزنبرغ ” وهو العالم الأمريكى الملحق بهيئة الطاقة الأمريكية والذى قام مع زوجته بنقل أسرار القنبلة الذرية للاتحاد السوفياتى لتتساوى القوتين الأعظم فى درجة التسليح ويصبح الصراع الحربي المباشر بينهما أمرا مستحيلا
وعقب أربعين عاما من السيطرة قضاها ستالين رجلا أول للاتحاد السوفياتى توفي ليخلفه
” نيكيتا خروشوف”
وكان تولى خروشوف امتدادا لقوة الاتحاد السوفياتى ومكانته عبر العالم غير أن هناك حادثتين جديرتين بالاهتمام .. يعدها المحللون أول مسمار فى نعش الشيوعية وحدثت كلاهما فى بداية تولى خروشوف مقعد الرياسة .. وهما

_ ازدياد هوة الخلاف بين الاتحاد السوفياتى وبين الصين حول تطبيق المبادئ الشيوعية وكان هذا الصراع بلا شك خادما للسياسة الأمريكية لأن الصين فى ذلك الوقت بعد ثورة ماو ـ تسي ـ تونج الزعيم الفلته للصين أصبحت قوة عظمى دون أدنى شك ومن المفترض أن يصب هذا كله فى مصلحة الشيوعية غير أن الخلاف على التطبيق كان داعى ضعف لا مصدر قوة
_ الخطاب الأشهر لخروشوف أمام اللجنة المركزية للحزب الشيوعى والذى فضح فيه خروشوف دموية سلفه ستالين ومدى الجرائم التى ارتكبها فى حق الشعب بسياسة القمع الرهيب على يد أركان نظامه وأشهرهم ” الكلونيل ” بيريا ” وزير داخلية ستالين
فهذا الخطاب الفاضح للقمع الشيوعى ولو أنه كان سريا الا أن المخابرات المركزية الأمريكية تمكنت من تسجيله ونشرته على نطاق واسع كأسلوب لهدم الشيوعية من داخلها
وعلى الرغم من ذلك ..

فقد قام خروشوف بدوره فى بناء الدولة السوفياتية وتدعيم سيطرتها وكان عهده عهد قوة لا سيما وأنه الزعيم السوفياتى الذى تمكن من اكتساب قوى الثورة العربية الى جواره فى مصر وسوريا ليصبح الاتحاد السوفياتى متحدثا باسم الحقوق العربية
وذلك فى وسط أجواء ساخنه للغاية من الحرب الباردة
ويعد خروشوف أيضا هو الرئيس الأخير للاتحاد السوفياتى الذى شهد عهده بزوغ القوة السوفياتية وتراجعت الولايات المتحدة سياسيا أمامه فبنهاية عهد خروشوف فى منتصف الستينات اهتزت السيطرة والمقدرة السوفياتية الهائلة التى قامت مع قيام الدولة على يد لينين ثم ستالين ثم خروشوف
على النحو الذى سنراه الآن

بداية الانهيار
جاء خروشوف لرياسة الوزارة فى الاتحاد السوفياتى مقابلا لرياسة ” دوايت أيزنهاور ” فى الولايات المتحدة الأمريكية وكان خروشوف كما سبق القول صاحب سياسة الهيبة للاتحاد السوفياتى وشهدت آخر سنة من حكم الرئيس الأمريكى أيزنهاور احدة المواقف التى لا تنسي فى الصراع البارد وهو قضية طائرة التجسس التى أسقطها السوفيات وكانت تبع الاستطلاع الأمريكى وتم أسر الطيار حيا ليعترض خروشوف وتنفجر الأزمة مدوية بين القطبين
وأعلن خروشوف رفضه الكامل للتعامل مع أيزنهاور الذى قاربت ولايته على الانتهاء
وبالفعل خرج أيزنهاور من البيت الأبيض ليأتى اليه ” جون فيتزجيرالد كيندى ” أحب الرؤساء الأمريكيين اليهم وكان شابا ممتلئا بالحيوية واختار ادارته من عيون رجال السياسة والصحافة والاعلام
وبدا للجميع أن السلام العالمى من الممكن تحقيقة بين القوتين العظميين لا سيما مع اللقاء التاريخى بين الزعيمين ” كيندى وخروشوف ” فى مقر احجدى السفارات الأمريكية بأوربا ”

الا أن حقائق القوة كان لها رأى آخر
فمن الجهة الأمريكية جاء كيندى الى البيت الأبيض ليجد فى انتظاره خطة للتدخل العسكرى المباشر فى كوبا عرفت باسم ” خطة خليج الخنازير ” وذلك لردع الزعيم الكوبي ” فيدل كاسترو ” الذى كان بمساندة السوفيات يمثل صداعا دائما فى رأس السياسة الأمريكية
ولم يجد كنيدى ميلا لاستخدام التدخل العسكرى على هذا النحو
الا أنه تحت الضغوط استجاب وتمت العملية لتفشل فشلا ذريعا وينتصر كاسترو بمعاونة السوفيات فى أول مواجهة .. الا أن المواجهة الثنائية بين القطبين لم تنته بفشل التدخل الأمريكى بعد أن كشفت تقارير الولايات المتحدة وجود مساندة نووية سوفيتية لكوبا تحسبا لما يحدث هناك
وكانت تلك أولى المواجهات وآخرها فى الواقع ..
فعلى الجانب السوفياتى سقط خروشوف بتدبير من زملائه أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعى والذين قرروا تنحية خروشوف عن منصبه فى أثناء قضائه اجازة راحه على البحر
وذلك بعد أن تنبه الى مخطط كيندى المتمثل فى جر الاتحاد السوفياتى لسباق تسلح يأخذ كل اهتماماته واقتصاده وبالتالى يسقط تلقائيا
فقرر خروشوف تخفيض مبالغ التسليح الطائلة والاكتفاء بالترسانة النووية الهائلة التى تكفي لتدمير العالم عدة مرات .. لأنها تكفي وزيادة فما الداعى لكل نفقات التسليح المدمرة للاقتصاد طالما أن القدرة النووية تمثل الحاجة والردع بما يزيد عن الحاجة
لكن القيادة العسكرية لم تكن تقبل مثل هذا المنطق واتحدت الرؤي بينها وبين أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعى لتجتمع اجتماعها الشهير الذى أطاحت فيه بخروشوف من جميع مناصبه
وأتى خروشوف للاجتماع المدبر وهو يشعر بما سيحدث مسبقا ليصبح أول رئيس سوفياتى تنتهى ولايته بدون موته .. وبسقوط خروشوف جاء الى الاتحاد السوفياتى قيادة ثلاثية وليس رجلا منفردا
وهم
ليونيد بريجنيف ـ أليكسي كوسيجين ـ نيكولاى بادجورنى
لتستمر سياسة الأولوية للتسليح وتمضي فى خطاها على النسق الذى خططه الأمريكيون والغريب أن الهيبة التى كان يملكها خروشوف للاتحاد السوفياتى لم تتحقق للقيادة الجديدة على الرغم من سابق آرائها التى كانت ضد سياسة خروشوف فى الاحتفاظ بالهيبة مستندة الى ما تحقق فعليا بالقوة
والالتفات للتنمية الاقتصادية والزراعية
وبتصاريف القدر .. سقط كيندى بالاغتيال الغامض على يد أحد الشباب الأمريكى يدعى ” لى أوزوالد ”
ليأتى النائب ” ليندون جونسون ” الشخصية المكروهه فى الأوساط الأمريكية بالمصادفة رئيسا للولايات المتحدة ليهدد السلام العالمى كله على اثر سياساته الحمقاء فى فيتنام التى تورط فيها الجيش الأمريكى بشكل لم يسبق له مثيل وأيضا بسياسة التخطيط والتواطؤ الكامل فى أزمات ومعارك الشرق الأوسط أثناء حرب يونيو 1967 م .. غير عابئ بالقيادة السوفياتية العقيمة التى كانت تتحسب بشدة لخطواتها بينما الولايات المتحدة تتصرف بجرأة بلغت حد التهور

وركزت القيادة السوفياتية الجديدة اهتمامتها فى زيادة التسلح والسباق النووى كما لو أنها تنفذ الخطة الأمريكية تماما ..
وشيئا فشيئا وبمضي السنوات شاخت قيادة بريجنيف على القمة فى الاتحاد السوفياتى وتزايد عمق الخلافات بين السياستين السوفيتية والصينية والتى يكفي للتدليل عليها
ذلك الحوار الذى جرى بين ماوتسي تونج وخروشوف حيث قال الأخير للأول
” نحن بحاجة الى فك الخلافات المذهبية ”
فقال له ماو ..
” نحن بحاجة الى ألف عام لحل تلك الخلافات ”
فاندهش خروشوف وقال له
” لكننا من الممكن أن نخفض المدة بمزيد من الجهد “
فقال ماو
” من الممكن بأقصي جهد أن نحل الخلافات فى 900 عام
النهاية ..
تسارعت السنوات والحوادث وشاخ بريجنيف بحكم السن والمرض وطال انتظار موته فى الاتحاد السوفياتى زهاء عشرين عاما حتى نهاية الثمانينيات
فى الوقت نفسه تعاقب على البيت الأبيض قيادات مختلفة وفت العهد لخطة جون كيندى القاضية بجذب القيادة السوفياتية لسباق تسلح بلا نهاية مما يؤدى لانهيار اقتصادى لا شك فيه
ومع القمع وعدم وجود محاسبات ديمقراطية للسلطة
استمر الروتين السوفياتى فى محاولة اللهاث الأعمى للتسليح الفوق عادى ..
وعلى العكس من هذا ..
كانت القيادات الأمريكية وعلى الرغم من اختلاف انتماءاها السياسية ومشاربها .. تحرص تماما على المضي قدما فى السياسة المرسومة من المؤسسات السيادية بالدولة دونما أن يغير شخص رئيس الدولة من تلك الطبيعه .. طالما كانت الخطط والاستراتيجيات معتمدة وسارية
وتتابع على القيادة الأمريكية منذ تغير الوضع فى الاتحاد السوفياتى وسقوط خروشوف وبزوغ القيادة الثلاثية ومنهم بريجنيف عام 1962 .. وحتى عام 1980 م حيث انتهى عصر هذا الأخير
تتابع على البيت الأبيض كل من
( ليندون جونسون ـ ريتشارد نيكسون ـ جيمى كارتر ـ رونالد ريجان )
وكان الرئيس الأميركى رونالد ريجان الذى تولى فى بداية الثمانينيات وانتهت ولايته عام 89 بالفترة الثانية له هو الرئيس الأمريكى الذى شهد الانهيار والتفكك الرسمى لجمهوريات الاتحاد السوفياتى السابق

كان رحيل بريجنيف ومجئ تلميذه ” رومانوف ” لمدة سنتين فقط .. تولى بعدهما ” ميخائيل جورباتشوف ” رياسة الاتحاد السوفياتى ايذانا ببدء العد التنازلى للمرحلة الأخيرة من انهيار الدولة الماركسية
على الرغم من أن ميخائيل جورباتشوف كان سياسيا شابا بارعا وشهد له معاصروه
الا أن نواياه الحسنة لم تكن تصلح للسياسة الدولية التى لا وجود فيها لحالم بسلام عالمى حقيقي ..
بينما كان رونالد ريجان على الجانب الآخر يسير وفق خطى ثابتة لمشروع حرب النجوم فى اطار نفس السياسة المتبعه لزيادة واستمرار سباق التسلح

بدا جورباتشوف حالما بما لا يمكنه وفقا لحقائق الأشياء أن يحقق شيئا منه على الاطلاق
كان يظن أن بمقدرته انتزاع الشيوعية من براثن الأسلوب القمعى للشعب الروسي
وفوق هذا تحقيق وفاق سياسي ينهى الحرب الباردة بين قطبي العالم الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتى على غرار الوفاق التى تم بين القوتين العظميين فى بداية القرن الماضي بريطانيا وفرنسا عام 1907 م

وفى اطار سعيه للهدف الأول
ابتكر جورباتشوف سياستيه الشهيرتين
” البروسترويكا ”
وتعنى سياسة اعادة البناء
” الجلاسوسنت “
وتعنى سياسة المصارحة بالحقائق بالصوت العالى

وعليه بسط أمام الشعب الروسي فتحا جديدا يتمثل فى حرية ابداء الرأى ” بروسترويكا ”
وفى اعادة البناء لكل المؤسسات وفق ارادة الشعب ومشاركته ” جلاسوسنت ”
وبدلا من أن تؤدى سياسته الجديدة الى اكتساب الشعب الثقة فى قيادته
أتت برد فعل معاكس تماما
فالشعب الروسي القابع تحت القمع الفائق منذ أيام لينين عام 1918 م حتى مجئ جورباتشوف فى 1981 م ومرورا بقيادة ستالين زعيم القضبة الحديدة ثم خروشوف ثم بريجنيف .. كان شاعرا بالقمع ومستجيبا لقدره لكنه فى نفس الوقت يظن أنه فى عالم مثالى ويتحمل شظف العيش من أجل رفعة الدولة السوفياتية ورفعه النظرية الماركسية
فاذا بسياسة المصارحه تكشف أمامه فجأة أن الفترة الطويلة التى قضاها الشعب جائعا عاريا ومقهورا لم تكن تنبئ بمجئ الرخاء المنتظر بلا نهاية
بل كان الانتظار أسر فى الوهم الذى نجح قادة السوفيات فى تغييب الشعب خلفه وكانوا أول من خالف نداءات الماركسية فى بلاط حكمهم الذى فاق حكم القياصرة قهرا واستبدادا
وكشفت السياسة الجديدة أيضا حقائق الموقف الاقتصادى شبه المنهار أمام الشعب
فاذا بكل أحلام الرخاء المنتظرة تنقلب الى يأس عارم
ومع فتح الحرية نسبيا
تفجرت المظاهرات بشكل مكثف ورهيب فى موسكو نفسها وانتقلت الى مختلف جمهوريات الاتحاد السوفياتى كاشفة زيف الحلم الشيوعى ثم انتقلت أكثر حتى بلغت أوربا الشرقية التى يبسط عليها الاتحاد السوفياتى وصايته

وأفلتت الأمور تدريجيا من يد جورباتشوف
فحاول تحقيق الهدف الاستراتيجى الثانى له بسياسة الوفاق على اعتبار أن الولايات المتحدة ستنهى سباق التسلح ويصبح فى الامكان طلب معاونتها الاقتصادية مما يحقق شيئا من الرخاء للشعب المنهار
لكن الفشل كان ذريعا هنا أيضا
فمن ناحية ..
كان من المستحيل على جموع الشعب المخدوعه أن تثق من جديد فى أى قيادة قائمة على الحزب الشيوعى حتى لو كان جورباتشوف المحرر الجديد
ومن ناحية أخرى وهى الأهم
لم تكن الأمور تسري بتلك الغفلة فى المحيط السياسي
فالوفاق السياسي عبر التاريخ بين أن قوتين عظميين لم يكن أكثر من هدنه

أما جورباتشوف فقد تعامل معه على أنه معاهدة سلام دائمة .. ناسيا أن السياسة لها وجوهها المخالفة للباقة الدبلوماسية البالغه الوضوح فى المحافل العامة
فالوفاق السياسي كما قلت نوع من الهدنة يقضي باخفاء العداء الظاهر فقط .. أما بالباطن فليس هناك أى شك من أن السطح يخفي ما يجري تحت الجسور من مياه وعواصف
وعليه فقد رحبت الولايات المتحدة بمساعدة جورباتشوف الا أنها وطبقا لقواعد اللعبة كانت تمد العسل بيد وتمد فى الوقت نفسه باليد الأخرى السم الذى يضمن ابطال مفعول العسل الممنوح

واهتزت الأمور أكثر تحت قدمى جورباتشوف وفقد السيطرة فعليا على بعض الجمهوريات التابعه للاتحاد والتى ظهرت بها القوميات الداعية لفك الارتباط والاستقلال عن الشيوعية مثل كازخستان مثلا ثم الشيشان التى أحرجت السوفيات باللفعل تحت قيادة زعيمها الأسطورة
” جوهر دوداييف ”
والذى احتارت مع عقيدته القوية كل محاولات السوفيات لاقصائه حتى أرسلت طائرة حربية حديثة تكفلت بضربه بالصواريخ عبر التعرف على مخبئه عن طريق مراقبة موجات هاتفه لينسحق جسده سحقا بالصواريخ وعجز الجميع عن العثور عن أى أثر لجثته مما حوله الى أسطورة حقيقية

وكانت الضربات لا تزال تتوالى .. وكانت القاصمة بحق عندما ثار سكان ألمانيا الشرقية وتضامنوا مع النداء القادم من ألمانيا الغربية بالاتحاد من جديد لتكوين ألمانيا القديمة
وانكسر سور برلين مع نهاية الثمانينيات لينقصم ظهر الاتحاد السوفياتى كله فى الواقع
وأدى التحرر الألمانى وانتشار الفضائح التى أنتجتها سياسة المصارحه الى مزيد من الثورة على الشيوعية كمذهب وعلى الاتحاد السوفياتى كدولة

وخرج من قلب التاريخ عامل نمساوى بسيط أعلن ثورة العمال على الشيوعية ودعاتها
وأصبح ” ليخ فاونسا ” العامل البسيط واحد من أكثر الناس أثرا فى هدم الشيوعيى بأوربا الشرقية لتسقط سيطرة الاتحاد السوفياتى عن أوربا بأكملها
ثم تتابع الانفصال وطال جمهوريات الاتحاد السوفياتى نفسه ..

وكانت خاتمة الانهيار
عندما قام انقلاب عسكرى على حكم جورباتشوف .. ورغم فشل الانقلاب الا أن ميخائيل جورباتشوف كان قد استبد به اليأس نهائيا فقدم استقالته وتبعه على مقعد الرياسة ” بوريس يلتسين ”
وهو أول رئيس لروسيا البيضاء التى ورثت المقعد السوفياتى القديم بعد تفكك نظامه وتحلله الى اتحاد صورى حمل اسم ” الكومنولث “
وتفكك مع الدولة العظمى سابقا كل أجهزتها الشهيرة وعلى رأسها جهاز المخابرات السوفياتى ” كى ـ جى ـ بي ”
صاحب التاريخ العريض فى عمليات التخابر الأسطورية لا سيما ضد النظام البريطانى
وأصبحت الجهاز تابعا للدولة الجديدة وبتقسيم جديد حمل اسم ” اس ـ في ـ أر ”

وبعد السقوط الكبير للماركسية والثورة الروسية تتباع الانهيار عبر قارات العالم لتنحصر الشيوعية فقط فى الصين على تلك المبادئ التى أسسها ” كارل ماركس ” وأعاد صياغتها الزعيم الصينى العملاق ” ماو ـ تسي ـ تونج ” ..
وأيضا تبقت من دول أمريكا الجنوبية ” كوبا ” على النظام الشيوعى برياسة فيدل كاسترو

وفى الشرق الأزسط انهارت الأحزاب اليسارية
ولم يتبق منها الا أشباح تناولها أحلام اليقظة بين الحين والآخر
ومنهم من انقلب الى النقيض تماما ..
فبرز من زعماء الشيوعية القديمة فى العالم العربي رجال أعمال من عتاة الرأسمالية ..
ومنهم من أحرق النظرية بتجربتها وانطوى على نفسه

وهكذا سقطت الثورة الروسية بنظريتها الماركسية وسقط آلهتها عندما انطلقت الجماهير فى الميدان الأحمر لتنتزع جثة
” لينين ” المحنطة وتلقي بها تحت أقدامها

تعريف القانون الدولي ، تعريف القانون الدولي في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: فهد الدوسري 8

يمكن أن نعرّف القانون الدوليّ في الإسلام كالآتي: القانون الدوليّ في الإسلام هو مجموعة المبادىء والقواعد القانونيّة التي تنظّم المسائل المختلفة في العلاقات الدوليّة.
لقد أُطلق اصطلاح القواعد في هذا التعريف بمعناه الأعمّ، أي: جميع المقرّرات الملزمة التي تنظّم العلاقات الاجتماعيّة. وينبغي أن لا يلتبس مع الاصطلاح الفقهي الذي يطلق على القضايا الفقهيّة العامّة _حيث تظهر الأحكام العامّة المتعدّدة في الموضوعات الفقهيّة المتنوّعة من كلّ حالة من حالات تلك القضايا والقواعد. كما أنّ مفهوم الحقوق (القانون) هنا أيضاً قد استعمل بالمعنى المتعارف في الدراسات الحقوقيّة (القانونيّة) أي: القواعد العامّة الملزمة التي تنظّم الحياة الاجتماعيّة. ويختلف تماماً عن الاصطلاح الفقهي لهذه الكلمة. إذ إنّ (حقوق) جمع حقّ، ويعني نوعاً من الحرّيّة والاختيار، حيث يستطيع الإنسان _في ضوئه _ أن يقوم بعمل ما، أو ينتهي عنه؛ كما أنّ هذه الكلمة قد أُطلقت في المحاورات الفلسفيّة، وتعني (على الأغلب _ الأمر الثابت الذي له وجود ظاهر خارج ذهن الإنسان.

إن تعريف القانون الدوليّ في الإسلام بأنّه “مجموعة القواعد القانونيّة التي تحكم العلاقات الدوليّة لبلد إسلامي” لا ينسجم مع التعريف المتداول للقانون الدوليّ (مجموعة القواعد القانونية التي تنظّم العلاقات الدوليّة) فحسب، بل يهبط بمفهوم القانون الدوليّ في الإسلام إلى مستوى قوانين في السياسة الخارجيّة لبلد ما.

صحيح أنّ أحد الجوانب في ضوء القانون الدوليّ في الإسلام هو دار الإسلام أو أحد الأقطار الإسلامية دائماً، بيد أنّ هذا لا يعني أنّ قواعد القانون الدوليّ في الإسلام جاءت لتوضيح واجبات الحكومة الإسلاميّة وتحديد سياستها الخارجيّة فحسب.

إنّ النظرة الشموليّة للإسلام تهتمّ بالعلاقات الدوليّة بشكل عامّ، وتخاطب كافّة الحكومات من أجل نيل الأهداف الخاصّة، نحو: السلم والأمن العادلين، وإعداد الأرضيّة للتوكّؤ على المشتركات الإنسانيّة، والرجوع إلى الفطرة البشرية الواحدة. وتقدّم مبادىء وقوانين عادلة فيما يخصّ العلاقات بين الشعوب.

ولما كانت الدولة الإسلامية أو دار الإسلام مسؤولة عن تحقيق أهداف النظام القانوني في الإسلام، فإنّ لها دوراً تنفيذيّاً مؤثراً خلال ذلك. وينبغي أن تكون دائماً سبّاقة إلى تقديم هذا النظام القانوني وتطبيقه وتمسك بزمام الأمور.

من هذا المنطلق يمكن القول بأنّه متى كانت القواعد القانونيّة الخاصّة بالعلاقات الدوليّة في الإسلام تتصل بدولة إسلاميّة ما أو بدار الإسلام، فإنّها تتّخذ طابع القواعد والمبادىء التي تحدّد السياسة الخارجيّة لتلك الدولة أو دار الإسلام، وموقفها حيال العالم الخارجي وفي ميدان العلاقات الدولية. ومتى ما كانت تلك القواعد مرتبطة بالقضايا الدوليّة، فإنّها تتّخذ طابع القانون الدوليّ.

ولكن من جهة أُخرى فإنّ هذه القوانين والقواعد العامّة، بغضّ النظر عن تطبيق إحدى الدول لها في سياستها الخارجيّة، عندما تناقض في مجال القضايا الدوليّة، بصفة عامّة، فإنّها تعتبر قسماً من القانون الدوليّ في الإسلام، لأنّها تعكس الآراء القانونيّة للرسالة الإسلاميّة فيما يخصّ النظام الدوليّ وتركيبته القانونيّة.

في ضوء هذا التوضيح، يمكننا أن نقف على الخطأ الذي ارتكبه البعض في تبيان المفهومين المتباينين: السياسة الخارجيّة للحكومة الإسلامية، والقانون الدوليّ الإسلامي. ونلفت إلى أنّنا كيف نعتبر قواعد السياسة الخارجيّة للدولة الإسلاميّة ضمن قواعد القانون الدوليّ، مع وجود التباين في مفهوم كلّ منهما؟

أجاب أحد الكتّاب عن السؤال المطروح حول وجود القانون الدوليّ في الإسلام، وتعريفه، وبيّن ذلك بصورة غير مباشرة قائلاً: إذا اعتبرنا فلسفة تأسيس العلم الخاصّ بالقانون الدوليّ على أنّها تغيير في علاقات الشعوب، وصدّ لاعتداء الأقوياء والمقتدرين، ومساواة وأُخوة بين الناس، فينبغي أن نذعن بأنّ نبي الإسلام (ص) كان الواضع الأوّل للبنات القانون الدولي.

إنّ مشروع الأخلاق الدوليّة _بوصفها مجموعة قواعد تنظّم السلوك الإنساني، وتكسب قوّتها الملزمة في تطبيق معايير الخير والشرّ من الاعتقاد الباطني للناس _ اقتراح جديد طرحه الكاتب المدافع عن الإسلام في الغرب: مارسل بوازار، ودافع عنه بشدّة بديلاً عن القانون الدوليّ الذي أثبت عجزه.

إنّه يعتبر عالميّة القانون الواقعيّة رهناً لاستكمال الضمير العامّ فحسب، ويحاول أن يقدّم قواعد القانون الدوليّ في الإسلام على أنّها نوع من نظام الخلاق الدوليّة، وذلك من خلال إضافته المبدأ القائل بأنّ الضمير العامّ مؤشّر لنوع عن المعيار الذي يكمن في الأخلاق.
ولمّا كان يرى أنّ اتّساع التعميم التدريجي للضمير العامّ ممكن على أساس القيم العالميّة. فإنّه يستنتج على أنّ من أراد _حقاً _ أن تتحقّق العدالة الدوليّة. وينعم العالم الإنساني بالسلم والسعادة الحقيقيّة، فعليه أن يتعرّف على نظام الخلاق الدوليّة في الإسلام، ويدرك مدى أهميّة العالم الإسلامي؛ ويجدّ في إقرار نظام دوليّ جديد على أساس ذلك، ويتخلّى عن أفكاره السقيمة في هذا المجال. تلك الأفكار التي كانت سائدة في غرب الأرض على الصعيد الاجتماعي والفكري والحضاري منذ أربعة عشر قرناً وما زالت حتّى اليوم.
إنّ الاخلاق والقانون متباينان من حيث الهدف، والأساس، وصفة الإلزام والضمانة التنفيذيّة، فهدف الأخلاق: كمال الإنسان، وهدف القانون: النظم المطلوب. وأساس الأخلاق: الخير والشرّ. وأساس القانون: العدالة. وتفتقد الخلاق صفة الإلزام وضمانة التنفيذ بسبب توكّؤها على الضمير والوجدان، بينما نجد القانون، وبسبب طبيعته الاجتماعيّة، يمتلك صفة الإلزام وضمانة التنفيذ بواسطة الحكومة.

بالرغم من أنّ الفكر المادّي قد فصل القواعد القانونيّة عن الأخلاق، لكنّنا نرى أنّ الجذور الأصليّة لمعظم القواعد القانونيّة هي الخلاق. وأنّ استثمار الضمير العامّ للمجتمع في المحافظة على النظم وتطبيق القانون يستدعي أن يسنّ المشرّع القواعد القانونيّة على أساس القواعد الأخلاقية، حتّى أنّ ما تعتبره الحكومة قانوناً، يعتبره الناس خيراً.
إنّ تأكيد الإسلام في نظامه القانوني أن يكون تطبيق القانون متوكّئاً على الإيمان ومنطلقاً من وحي العقيدة، هو في الحقيقة لإكمال الضمانة التنفيذيّة لحق القواعد القانونيّة، ولا وجود لأيّ منافاة بينه وبين مواصفات القواعد القانونيّة، ولا يستدعي الخلط بين حقل القانون وحقل الأخلاق.

لا شكّ أنّ ميزة الإسلام في تلمّسه مصادر القانون الدوليّ في العقيدة والإيمان أكثر من الطرق العمليّة، هي من أبرز ميزات القانون الدوليّ المعاصر.
ولو درسنا حجم التأثير الذي تتركه العقيدة والمظاهر المعنويّة في الممارسات الاجتماعية (وهو أساس القانون الجديد)، فإنّنا سنقف على أهميّة هذه الميزة أكثر.

بيد أنّ مفهوم هذه الميزة، مع غاية الأهمية التي عليها، لا يعني أنّ النظام القانوني في الإسلام، حتّى في بعده الدوليّ معرّض للنقاش والمؤاخذة. أو أنّه يستدعي أن تكون الأخلاق الدوليّة في الإسلام بديلاً عن القانون الدوليّ الإسلامي.

الثورة البلشفية والأفكار الماركسية " الشيوعية "

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري العتيبي1

الثورة البلشفية ـ روسيا عام 1917

تعد الثورة البلشفية فى روسيا القيصرية هى التطبيق العملى لأفكار وكتابات المفكر ” كارل ماركس ” ومساعده
” فريدريك أنجلز ”
وهى الفكر الشيوعى الذى بدأه ماركس وأسسه بكتابه البالغ الشهرة ” رأس المال ”
وتقوم الفكرة الأساسية للشيوعية على حكم الطبقة العاملة والمسماه فى هذا الفكر
” بروليتاريا ” لمحاربة الطبقية وتحكم رأس المال الخاص فى الحياة الاقتصادية
بمعنى عدم جواز تحكم أى فرد وأى مؤسسة يملكها أفراد فى أى منحى من مناحى الحياة الاقتصادية ..
وعليه تكون الدولة هى المالكة لكل وسائل الانتاج دون استثناء
ولا يسمح للأشخاص بتملك أى معدة أو أداة تدر انتاجا .. ويسمح فقط بملكية الأفراد لما هو رهن باستخداهم الشخصي لمنع الاستغلال الرأسمالى كما يري هذا الفكر

وعليه
كان من الطبيعى طبقا لما توقعه وخططه كارل ماركس أن تكون الثورة الشيوعية فى بلد صناعى من الدرجة الأولى تتوافر فيه طبقة البروليتاريا ” طبقة العمال “
وكان ظنه يتجه فى ذلك الوقت الى الملكة المتحدة ” بريطانيا ” أو الى ” ألمانيا ”
واستبعد تماما فكرة قيامها فى بلد زراعى كروسيا

البداية
مع قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 م ..
ودخول الامبراطورية القيصرية فى روسيا الى الحرب مما أثر سلبا على وضع المواطنين لا سيما العمال
بدأت أفكار ماركس تتسرب وتتحول تدريجيا الى ثورة منظمة على رأسها اثنان من من المناهضين للحكم القيصري وهما
فلاديمير أوليانوف وهو المعروف فيما بعد باسم ” لينين “
جوزيف فيسرافيتش .. وهو المعروف فيما بعد باسم ” ستالين ”
وتحت تأثير الضغط هرب الاثنان من الجحيم الروسي الى ألمانيا واستعانا فى الهرب بالأسماء المستعارة لينين وستالين ليواصلا هناك المد الثورى ويستغلا بشدة تضجر الشعب الروسي بأكمله من الحرب العالمية التى كلفت الروس كثيرا دون مصلحه يراها الشعب داعية لتلك الحرب
وبدأت المعونات تتدفق عليهما وعلى الثورة من الحكومة الألمانية التى كان من مصلحتها العليا بالطبع تدعيم الثورة على النظام الروسي لصالح الثوار الذين اكتسبوا شعبيتهم الطاغية من مجرد اعلانهم أنهم ضد الحرب وعزمهم على الانسحاب منها فور أن تستتب الأمور لهما
ولأن الأمر برمته أصبح مدعاة لقلب الموازين الحربية

فقد تدخل جهاز المخابرات الألمانى بكل ثقله ليساعد الثوار عن طريق عنصرين هامين
الأول
تدعيم وتوصيل نداءات وبيانات الثورة للشعب الروسي على النحو الذى أدى لانسحاب فرق بأكملها وكتائب روسية تركت مواقعها على الجبهة استجابة واقتناعا وتمردا على القيصر
والثانى
كان قام جهاز المخابرات الألمانى بتنفيذ عملية من أشهر عملياته عرفت باسم ” عملية القطار الحديدى ”

عملية القطار الحديدى
كان التفكير منحصرا فى جهاز المخابرات الألمانى على الوسيلة المثلي لاعادة لينين وستالين الى روسيا بعد أن بلغت شعبيتهما حدا مناسبا لتتبع الشعب لهما
وبالتدريج .. انهار النظام الروسي القيصري فعليا أمام الجموع الهادرة وتم الاعداد لعودة لينين وستالين الى روسيا بقطار ينقلهما من ألمانيا الى وطنهما
وفى وسط تلك الأجواء ..
علمت المخابرات البريطانية بأمر عملية القطار الحديدى وأيقنت أن حليفتها روسيا القيصرية بصدد الخروج المحتم من الحرب لو وصل الثوار الى السلطة لا سيما اذا نجحت عملية اعادة القادة الى روسيا
وتفتق ذهن المخابرات البريطانية عن طريقة جديدة تمكنها من استشراق الأمور عن قرب ومعرفة موعد عملية القطار الحديدى لتعطيلها
فأرسل رجال المخابرات البريطانية الى الكاتب والمفكر البريطانى الأشهر ” سومرست موم ”
أحد أعلام الأدب فى أوربا وطلبت تعاونه بالسفر الى ألمانيا وتحرى الأمر بعد تدريبه على أعمال التخابر لسري بصفة عاجلة
وكان دافع الأمر للاستعانة بموم هو استحالة تطرق الشك الى شخصيته باعتباره علما معروفا فى سائر أوربا مما يسهل مهمته الى أقصي حد وعلى نحو لا يتوافر لضابط مخابرات محترف معرض لكشف أمره أمام جهاز المخابرات الألمانى اليقظ
وسافر ” سومرست موم ” الى ألمانيا وأدى مهمته بنجاح مطلق غير أن نجاح مهمته لم يمنع نجاح عملية القطار الحديدى
فقد جلب موم كل المعلومات الخاصة بالعملية ووضح الأمر أمام البريطانيين أن عملية القطار الحديدى اكتملت تماما وتنتظر التنفيذ خلال فترة بسيطة للغاية وكان هذا يعنى تأخر التدخل البريطانى بطبيعه الحال
وعاد القادة لينين وستالين الى روسيا لتنفجر الثورة البلشفية ويستولى الشيوعيون على السلطة ويتأسس الاتحاد السوفياتى على ثورة حمراء قضت على كل رموز الحكم القيصري بالقتل الجماعى

العداء التاريخى بين روسيا والولايات المتحدة
يخطى من يظن أن العداء المستحكم بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين الاتحاد السوفياتى بدأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية وصعود كليهما الى سدة القوى العظمى بعد انهيار الامبراطوريات القديمة
فالعداء بدأ مع بدايات الثورة البلشفية
فعندما وصل الثوار الى الحكم وانسحبوا قبيل نهاية الحرب العالمية الأولى من جبهة الحلفاء
أصاب الغيظ والجنون بقية الحلفاء بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة
وعلى الرغم من أن الانسحاب لم يؤثر سلبا على النتيجة التى حسمت بالفعل لصالح الحلفاء
الا أن الرئيس الأمريكى وقتها ” وودر ويلسون ” أصيب بنوبة حماقة مفاجأة ..
وأرسل عددا من قواته لتتولى ابطال الثورة الحمراء بروسيا
وفشل التدخل الأمريكى وانتهى أمره
لكن لم ينته أثره
وبقيت الصفحة الأمريكية سوداء لدى الثورة البلشفية وقوادها حتى مع تحالف الحرب العالمية الثانية

المد الشيوعى

مع سياسة تقسيم النفوذ العالمى بين القوتين الأعظم فى العالم
برز الصراع بين القطبين صراعا باردا بطبيعه الحال ونتائج السلاح النووى الذى حكم حكما نهائيا بعدم تجدد القتال المباشر بين القوى العظمى
وبالتالى أصبح الصراع قائما على مناطق النفوذ فى دول العالم عبر أقطاره الست
كما أن الصراع لم يكن صراع أسلحه ..
بل اختلف مع مقاييس العالم الجديد وفكره البازغ
فأصبح صراع عقائد بين الرأسمالية والشيوعية
وانطلقت الرأسمالية الأمريكية تغزو أوربا الغربية ومعها حلف الأطلنطى
وانطلقت الشيوعية الروسية تغزو أسيا وأوربا الشرقية ومعها حلف وارسو
اصافة الى عدة أحلاف فى عدة مناطق ساخنه من العالم الثالث مقسمة بين الجانبين

وتركز الصراع الحقيقي بين الجانبين على منطقة الشرق الأوسط وبالذات فى العالم العربي .
وفى البلاد التى شهدت ثورات على نظم الحكم وكانت بدايتها
مصر ثم سوريا ثم العراق ثم ليبيا والجزائر واليمن
ظهرت الأحزاب الشيوعية العربية المؤثرة فى ذلك الوقت واستقطبت الكثير من شباب المفكرين الحالمين بالجنة الشيوعية كما بشرهم بها أصحابها
وكان أشهرها الحزب الشيوعى المصري والذى تم ضرب نفوذه وتحجيم حركته من النظام السياسي المصري بقيادة جمال عبد الناصر بالرغم من صداقته الوطيدة للاتحاد السوفياتى وميوله الاشتراكية المستقاه من الفكر الماركسي فى ذلك الوقت
وكان داعى التناقض أمر طبيعى ..
وهو مشاركة جمال عبد الناصر لرفيقيه ” جواهر لال نهرو ” زعيم الهند الشهير و ” جوزيب بروز تيتو ” زعيم ومؤسس يوغسلافيا فى تأسيس حركة عدم الانحياز بغرض البعد بقدر معقول عن النفوذ المطلق للقوتين الأعظم فى العالم حتى وان كان هناك تقارب سياسي بين الدول النامية الثورية وبين الاتحاد السوفياتى
وكان السلوك المصري فى ذلك الوقت مدعاة غضب عنيف من الزعيم السوفياتى ” نيكيتا خروشوف ” الذى خلف ستالين على مقعد زعامة الاتحاد السوفياتى
وكان هناك أيضا الحزب الشيوعى السورى … برياسة ” خالد بكداش” والذى ظهر كأقوى الحزاب الشيوعية أثرا فى العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط بعد الضربات التى تلقتها الحركة الشيوعية المصرية
ومع عام 1958 م ..
ومع الوحدة السياسية التى تمت بين مصر وسوريا واشتراط جمال عبد الناصر على حل جميع الأحزاب بسوريا قبل اتمام الوحدة
رفض خالد بكداش الشرط المصري ولم يحل حزبه وغادر سوريا نهائيا ومارس نشاطه من الخارج خاصة مع نفوذه المهيب فى دوائر الحكم السوفياتى بقصر الكريميلين
واستمر الحال فى شد وجذب حتى انهارت الحركة الشيوعية العربية بانهيارها بمصر عقب للتوجه السياسي الجديد للرئيس المصري أنور السادات
المد الشيوعى فى بقية أنحاء العالم
مع بداية المد الشيوعى ..
انطلقت المبادئ الماركسية مبشرة بأحلام الطبقات المطحونة وحكم البروليتاريا ” الطبقة العمالية ”
وازداد المد سخونه مع تفجر الصراع المذهبي الذى كان ينسق للحرب الباردة بين الرأسمالية الأمريكية والشيوعية السوفياتية
وانتشرت الشيوعية مبدئيا فى الصين ثم فى بقية دول شرق آسيا حيث النفوذ الحقيقي للاتحاد السوفيتى ككمبوديا وفيتنام وغيرها
اضافة الى دول أوربا الشرقية وعلى رأسها ألمانيا الشرقية الخاضعه للسيطرة الروسية وفق لاتفاق ” يالطا ” الذى شهد تقسيم مناطق النفوذ بين الحلفاء الكبار عقب النصر
وبولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا

فى مواجهة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية وبقية دول أوربا الغربية

وبهذا أصبحت آسيا محمية سوفيتية وأمريكا بشقيها محمية أمريكية وتقاسم الطرفان أوربا ..
اضافة الى بعض الاستثناءات فى كلا منطقتى النفوذ
حيث تمكنت أمريكا من اخضاع ايران لسيطرتها عبر حاكمها محمد رضا بهلوى والذى قام بدور شرطى الحراسة .. وبالمثل تمكنت السيطرة السوفياتية من مساندة بعض دول أمريكا الجنوبية وأشهرها فى ذلك الوقت ” كوبا ” بقيادة
” فيدل كاسترو ”
وبهذا تحقق التعادل النسبي بين القوتين

ولم يأت الصراع ساخنا وعالى الصوت الا فى البؤرة الساخنه دوما من العالم حيث العالم العربي
فقد تقدمت الولايات المتحدة سريعا لترث الامبرطورية البريطانية فى الخليج حيث منابع النفط
وتقدم الاتحاد السوفياتى بنفس السرعه للسيطرة على حركات التحرر التى بدأت بثورة 23 يوليو بمصر لميل الأنظمة الثورية الى الاتحاد السوفياتى نظرا للانحياز الكامل من الولايات المتحدة لاسرائيل
وبعد أن تمكن ” ستالين ” الذى خلف ” لينين ” على مقعد الرياسة بالاتحاد السوفياتى وتقدم مصرا على الحصول على السر النووى ونجح بالفعل فى بداية الخمسينات عبر قضية شهيرة عرفت فى الأوساط الأمريكية باسم ” قضية روزنبرغ ” وهو العالم الأمريكى الملحق بهيئة الطاقة الأمريكية والذى قام مع زوجته بنقل أسرار القنبلة الذرية للاتحاد السوفياتى لتتساوى القوتين الأعظم فى درجة التسليح ويصبح الصراع الحربي المباشر بينهما أمرا مستحيلا
وعقب أربعين عاما من السيطرة قضاها ستالين رجلا أول للاتحاد السوفياتى توفي ليخلفه
” نيكيتا خروشوف”
وكان تولى خروشوف امتدادا لقوة الاتحاد السوفياتى ومكانته عبر العالم غير أن هناك حادثتين جديرتين بالاهتمام .. يعدها المحللون أول مسمار فى نعش الشيوعية وحدثت كلاهما فى بداية تولى خروشوف مقعد الرياسة .. وهما

_ ازدياد هوة الخلاف بين الاتحاد السوفياتى وبين الصين حول تطبيق المبادئ الشيوعية وكان هذا الصراع بلا شك خادما للسياسة الأمريكية لأن الصين فى ذلك الوقت بعد ثورة ماو ـ تسي ـ تونج الزعيم الفلته للصين أصبحت قوة عظمى دون أدنى شك ومن المفترض أن يصب هذا كله فى مصلحة الشيوعية غير أن الخلاف على التطبيق كان داعى ضعف لا مصدر قوة
_ الخطاب الأشهر لخروشوف أمام اللجنة المركزية للحزب الشيوعى والذى فضح فيه خروشوف دموية سلفه ستالين ومدى الجرائم التى ارتكبها فى حق الشعب بسياسة القمع الرهيب على يد أركان نظامه وأشهرهم ” الكلونيل ” بيريا ” وزير داخلية ستالين
فهذا الخطاب الفاضح للقمع الشيوعى ولو أنه كان سريا الا أن المخابرات المركزية الأمريكية تمكنت من تسجيله ونشرته على نطاق واسع كأسلوب لهدم الشيوعية من داخلها
وعلى الرغم من ذلك ..

فقد قام خروشوف بدوره فى بناء الدولة السوفياتية وتدعيم سيطرتها وكان عهده عهد قوة لا سيما وأنه الزعيم السوفياتى الذى تمكن من اكتساب قوى الثورة العربية الى جواره فى مصر وسوريا ليصبح الاتحاد السوفياتى متحدثا باسم الحقوق العربية
وذلك فى وسط أجواء ساخنه للغاية من الحرب الباردة
ويعد خروشوف أيضا هو الرئيس الأخير للاتحاد السوفياتى الذى شهد عهده بزوغ القوة السوفياتية وتراجعت الولايات المتحدة سياسيا أمامه فبنهاية عهد خروشوف فى منتصف الستينات اهتزت السيطرة والمقدرة السوفياتية الهائلة التى قامت مع قيام الدولة على يد لينين ثم ستالين ثم خروشوف
على النحو الذى سنراه الآن

بداية الانهيار
جاء خروشوف لرياسة الوزارة فى الاتحاد السوفياتى مقابلا لرياسة ” دوايت أيزنهاور ” فى الولايات المتحدة الأمريكية وكان خروشوف كما سبق القول صاحب سياسة الهيبة للاتحاد السوفياتى وشهدت آخر سنة من حكم الرئيس الأمريكى أيزنهاور احدة المواقف التى لا تنسي فى الصراع البارد وهو قضية طائرة التجسس التى أسقطها السوفيات وكانت تبع الاستطلاع الأمريكى وتم أسر الطيار حيا ليعترض خروشوف وتنفجر الأزمة مدوية بين القطبين
وأعلن خروشوف رفضه الكامل للتعامل مع أيزنهاور الذى قاربت ولايته على الانتهاء
وبالفعل خرج أيزنهاور من البيت الأبيض ليأتى اليه ” جون فيتزجيرالد كيندى ” أحب الرؤساء الأمريكيين اليهم وكان شابا ممتلئا بالحيوية واختار ادارته من عيون رجال السياسة والصحافة والاعلام
وبدا للجميع أن السلام العالمى من الممكن تحقيقة بين القوتين العظميين لا سيما مع اللقاء التاريخى بين الزعيمين ” كيندى وخروشوف ” فى مقر احجدى السفارات الأمريكية بأوربا ”

الا أن حقائق القوة كان لها رأى آخر
فمن الجهة الأمريكية جاء كيندى الى البيت الأبيض ليجد فى انتظاره خطة للتدخل العسكرى المباشر فى كوبا عرفت باسم ” خطة خليج الخنازير ” وذلك لردع الزعيم الكوبي ” فيدل كاسترو ” الذى كان بمساندة السوفيات يمثل صداعا دائما فى رأس السياسة الأمريكية
ولم يجد كنيدى ميلا لاستخدام التدخل العسكرى على هذا النحو
الا أنه تحت الضغوط استجاب وتمت العملية لتفشل فشلا ذريعا وينتصر كاسترو بمعاونة السوفيات فى أول مواجهة .. الا أن المواجهة الثنائية بين القطبين لم تنته بفشل التدخل الأمريكى بعد أن كشفت تقارير الولايات المتحدة وجود مساندة نووية سوفيتية لكوبا تحسبا لما يحدث هناك
وكانت تلك أولى المواجهات وآخرها فى الواقع ..
فعلى الجانب السوفياتى سقط خروشوف بتدبير من زملائه أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعى والذين قرروا تنحية خروشوف عن منصبه فى أثناء قضائه اجازة راحه على البحر
وذلك بعد أن تنبه الى مخطط كيندى المتمثل فى جر الاتحاد السوفياتى لسباق تسلح يأخذ كل اهتماماته واقتصاده وبالتالى يسقط تلقائيا
فقرر خروشوف تخفيض مبالغ التسليح الطائلة والاكتفاء بالترسانة النووية الهائلة التى تكفي لتدمير العالم عدة مرات .. لأنها تكفي وزيادة فما الداعى لكل نفقات التسليح المدمرة للاقتصاد طالما أن القدرة النووية تمثل الحاجة والردع بما يزيد عن الحاجة
لكن القيادة العسكرية لم تكن تقبل مثل هذا المنطق واتحدت الرؤي بينها وبين أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعى لتجتمع اجتماعها الشهير الذى أطاحت فيه بخروشوف من جميع مناصبه
وأتى خروشوف للاجتماع المدبر وهو يشعر بما سيحدث مسبقا ليصبح أول رئيس سوفياتى تنتهى ولايته بدون موته .. وبسقوط خروشوف جاء الى الاتحاد السوفياتى قيادة ثلاثية وليس رجلا منفردا
وهم
ليونيد بريجنيف ـ أليكسي كوسيجين ـ نيكولاى بادجورنى
لتستمر سياسة الأولوية للتسليح وتمضي فى خطاها على النسق الذى خططه الأمريكيون والغريب أن الهيبة التى كان يملكها خروشوف للاتحاد السوفياتى لم تتحقق للقيادة الجديدة على الرغم من سابق آرائها التى كانت ضد سياسة خروشوف فى الاحتفاظ بالهيبة مستندة الى ما تحقق فعليا بالقوة
والالتفات للتنمية الاقتصادية والزراعية
وبتصاريف القدر .. سقط كيندى بالاغتيال الغامض على يد أحد الشباب الأمريكى يدعى ” لى أوزوالد ”
ليأتى النائب ” ليندون جونسون ” الشخصية المكروهه فى الأوساط الأمريكية بالمصادفة رئيسا للولايات المتحدة ليهدد السلام العالمى كله على اثر سياساته الحمقاء فى فيتنام التى تورط فيها الجيش الأمريكى بشكل لم يسبق له مثيل وأيضا بسياسة التخطيط والتواطؤ الكامل فى أزمات ومعارك الشرق الأوسط أثناء حرب يونيو 1967 م .. غير عابئ بالقيادة السوفياتية العقيمة التى كانت تتحسب بشدة لخطواتها بينما الولايات المتحدة تتصرف بجرأة بلغت حد التهور

وركزت القيادة السوفياتية الجديدة اهتمامتها فى زيادة التسلح والسباق النووى كما لو أنها تنفذ الخطة الأمريكية تماما ..
وشيئا فشيئا وبمضي السنوات شاخت قيادة بريجنيف على القمة فى الاتحاد السوفياتى وتزايد عمق الخلافات بين السياستين السوفيتية والصينية والتى يكفي للتدليل عليها
ذلك الحوار الذى جرى بين ماوتسي تونج وخروشوف حيث قال الأخير للأول
” نحن بحاجة الى فك الخلافات المذهبية ”
فقال له ماو ..
” نحن بحاجة الى ألف عام لحل تلك الخلافات ”
فاندهش خروشوف وقال له
” لكننا من الممكن أن نخفض المدة بمزيد من الجهد “
فقال ماو
” من الممكن بأقصي جهد أن نحل الخلافات فى 900 عام
النهاية ..
تسارعت السنوات والحوادث وشاخ بريجنيف بحكم السن والمرض وطال انتظار موته فى الاتحاد السوفياتى زهاء عشرين عاما حتى نهاية الثمانينيات
فى الوقت نفسه تعاقب على البيت الأبيض قيادات مختلفة وفت العهد لخطة جون كيندى القاضية بجذب القيادة السوفياتية لسباق تسلح بلا نهاية مما يؤدى لانهيار اقتصادى لا شك فيه
ومع القمع وعدم وجود محاسبات ديمقراطية للسلطة
استمر الروتين السوفياتى فى محاولة اللهاث الأعمى للتسليح الفوق عادى ..
وعلى العكس من هذا ..
كانت القيادات الأمريكية وعلى الرغم من اختلاف انتماءاها السياسية ومشاربها .. تحرص تماما على المضي قدما فى السياسة المرسومة من المؤسسات السيادية بالدولة دونما أن يغير شخص رئيس الدولة من تلك الطبيعه .. طالما كانت الخطط والاستراتيجيات معتمدة وسارية
وتتابع على القيادة الأمريكية منذ تغير الوضع فى الاتحاد السوفياتى وسقوط خروشوف وبزوغ القيادة الثلاثية ومنهم بريجنيف عام 1962 .. وحتى عام 1980 م حيث انتهى عصر هذا الأخير
تتابع على البيت الأبيض كل من
( ليندون جونسون ـ ريتشارد نيكسون ـ جيمى كارتر ـ رونالد ريجان )
وكان الرئيس الأميركى رونالد ريجان الذى تولى فى بداية الثمانينيات وانتهت ولايته عام 89 بالفترة الثانية له هو الرئيس الأمريكى الذى شهد الانهيار والتفكك الرسمى لجمهوريات الاتحاد السوفياتى السابق

كان رحيل بريجنيف ومجئ تلميذه ” رومانوف ” لمدة سنتين فقط .. تولى بعدهما ” ميخائيل جورباتشوف ” رياسة الاتحاد السوفياتى ايذانا ببدء العد التنازلى للمرحلة الأخيرة من انهيار الدولة الماركسية
على الرغم من أن ميخائيل جورباتشوف كان سياسيا شابا بارعا وشهد له معاصروه
الا أن نواياه الحسنة لم تكن تصلح للسياسة الدولية التى لا وجود فيها لحالم بسلام عالمى حقيقي ..
بينما كان رونالد ريجان على الجانب الآخر يسير وفق خطى ثابتة لمشروع حرب النجوم فى اطار نفس السياسة المتبعه لزيادة واستمرار سباق التسلح

بدا جورباتشوف حالما بما لا يمكنه وفقا لحقائق الأشياء أن يحقق شيئا منه على الاطلاق
كان يظن أن بمقدرته انتزاع الشيوعية من براثن الأسلوب القمعى للشعب الروسي
وفوق هذا تحقيق وفاق سياسي ينهى الحرب الباردة بين قطبي العالم الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتى على غرار الوفاق التى تم بين القوتين العظميين فى بداية القرن الماضي بريطانيا وفرنسا عام 1907 م

وفى اطار سعيه للهدف الأول
ابتكر جورباتشوف سياستيه الشهيرتين
” البروسترويكا ”
وتعنى سياسة اعادة البناء
” الجلاسوسنت “
وتعنى سياسة المصارحة بالحقائق بالصوت العالى

وعليه بسط أمام الشعب الروسي فتحا جديدا يتمثل فى حرية ابداء الرأى ” بروسترويكا ”
وفى اعادة البناء لكل المؤسسات وفق ارادة الشعب ومشاركته ” جلاسوسنت ”
وبدلا من أن تؤدى سياسته الجديدة الى اكتساب الشعب الثقة فى قيادته
أتت برد فعل معاكس تماما
فالشعب الروسي القابع تحت القمع الفائق منذ أيام لينين عام 1918 م حتى مجئ جورباتشوف فى 1981 م ومرورا بقيادة ستالين زعيم القضبة الحديدة ثم خروشوف ثم بريجنيف .. كان شاعرا بالقمع ومستجيبا لقدره لكنه فى نفس الوقت يظن أنه فى عالم مثالى ويتحمل شظف العيش من أجل رفعة الدولة السوفياتية ورفعه النظرية الماركسية
فاذا بسياسة المصارحه تكشف أمامه فجأة أن الفترة الطويلة التى قضاها الشعب جائعا عاريا ومقهورا لم تكن تنبئ بمجئ الرخاء المنتظر بلا نهاية
بل كان الانتظار أسر فى الوهم الذى نجح قادة السوفيات فى تغييب الشعب خلفه وكانوا أول من خالف نداءات الماركسية فى بلاط حكمهم الذى فاق حكم القياصرة قهرا واستبدادا
وكشفت السياسة الجديدة أيضا حقائق الموقف الاقتصادى شبه المنهار أمام الشعب
فاذا بكل أحلام الرخاء المنتظرة تنقلب الى يأس عارم
ومع فتح الحرية نسبيا
تفجرت المظاهرات بشكل مكثف ورهيب فى موسكو نفسها وانتقلت الى مختلف جمهوريات الاتحاد السوفياتى كاشفة زيف الحلم الشيوعى ثم انتقلت أكثر حتى بلغت أوربا الشرقية التى يبسط عليها الاتحاد السوفياتى وصايته

وأفلتت الأمور تدريجيا من يد جورباتشوف
فحاول تحقيق الهدف الاستراتيجى الثانى له بسياسة الوفاق على اعتبار أن الولايات المتحدة ستنهى سباق التسلح ويصبح فى الامكان طلب معاونتها الاقتصادية مما يحقق شيئا من الرخاء للشعب المنهار
لكن الفشل كان ذريعا هنا أيضا
فمن ناحية ..
كان من المستحيل على جموع الشعب المخدوعه أن تثق من جديد فى أى قيادة قائمة على الحزب الشيوعى حتى لو كان جورباتشوف المحرر الجديد
ومن ناحية أخرى وهى الأهم
لم تكن الأمور تسري بتلك الغفلة فى المحيط السياسي
فالوفاق السياسي عبر التاريخ بين أن قوتين عظميين لم يكن أكثر من هدنه

أما جورباتشوف فقد تعامل معه على أنه معاهدة سلام دائمة .. ناسيا أن السياسة لها وجوهها المخالفة للباقة الدبلوماسية البالغه الوضوح فى المحافل العامة
فالوفاق السياسي كما قلت نوع من الهدنة يقضي باخفاء العداء الظاهر فقط .. أما بالباطن فليس هناك أى شك من أن السطح يخفي ما يجري تحت الجسور من مياه وعواصف
وعليه فقد رحبت الولايات المتحدة بمساعدة جورباتشوف الا أنها وطبقا لقواعد اللعبة كانت تمد العسل بيد وتمد فى الوقت نفسه باليد الأخرى السم الذى يضمن ابطال مفعول العسل الممنوح

واهتزت الأمور أكثر تحت قدمى جورباتشوف وفقد السيطرة فعليا على بعض الجمهوريات التابعه للاتحاد والتى ظهرت بها القوميات الداعية لفك الارتباط والاستقلال عن الشيوعية مثل كازخستان مثلا ثم الشيشان التى أحرجت السوفيات باللفعل تحت قيادة زعيمها الأسطورة
” جوهر دوداييف ”
والذى احتارت مع عقيدته القوية كل محاولات السوفيات لاقصائه حتى أرسلت طائرة حربية حديثة تكفلت بضربه بالصواريخ عبر التعرف على مخبئه عن طريق مراقبة موجات هاتفه لينسحق جسده سحقا بالصواريخ وعجز الجميع عن العثور عن أى أثر لجثته مما حوله الى أسطورة حقيقية

وكانت الضربات لا تزال تتوالى .. وكانت القاصمة بحق عندما ثار سكان ألمانيا الشرقية وتضامنوا مع النداء القادم من ألمانيا الغربية بالاتحاد من جديد لتكوين ألمانيا القديمة
وانكسر سور برلين مع نهاية الثمانينيات لينقصم ظهر الاتحاد السوفياتى كله فى الواقع
وأدى التحرر الألمانى وانتشار الفضائح التى أنتجتها سياسة المصارحه الى مزيد من الثورة على الشيوعية كمذهب وعلى الاتحاد السوفياتى كدولة

وخرج من قلب التاريخ عامل نمساوى بسيط أعلن ثورة العمال على الشيوعية ودعاتها
وأصبح ” ليخ فاونسا ” العامل البسيط واحد من أكثر الناس أثرا فى هدم الشيوعيى بأوربا الشرقية لتسقط سيطرة الاتحاد السوفياتى عن أوربا بأكملها
ثم تتابع الانفصال وطال جمهوريات الاتحاد السوفياتى نفسه ..

وكانت خاتمة الانهيار
عندما قام انقلاب عسكرى على حكم جورباتشوف .. ورغم فشل الانقلاب الا أن ميخائيل جورباتشوف كان قد استبد به اليأس نهائيا فقدم استقالته وتبعه على مقعد الرياسة ” بوريس يلتسين ”
وهو أول رئيس لروسيا البيضاء التى ورثت المقعد السوفياتى القديم بعد تفكك نظامه وتحلله الى اتحاد صورى حمل اسم ” الكومنولث “
وتفكك مع الدولة العظمى سابقا كل أجهزتها الشهيرة وعلى رأسها جهاز المخابرات السوفياتى ” كى ـ جى ـ بي ”
صاحب التاريخ العريض فى عمليات التخابر الأسطورية لا سيما ضد النظام البريطانى
وأصبحت الجهاز تابعا للدولة الجديدة وبتقسيم جديد حمل اسم ” اس ـ في ـ أر ”

وبعد السقوط الكبير للماركسية والثورة الروسية تتباع الانهيار عبر قارات العالم لتنحصر الشيوعية فقط فى الصين على تلك المبادئ التى أسسها ” كارل ماركس ” وأعاد صياغتها الزعيم الصينى العملاق ” ماو ـ تسي ـ تونج ” ..
وأيضا تبقت من دول أمريكا الجنوبية ” كوبا ” على النظام الشيوعى برياسة فيدل كاسترو

وفى الشرق الأزسط انهارت الأحزاب اليسارية
ولم يتبق منها الا أشباح تناولها أحلام اليقظة بين الحين والآخر
ومنهم من انقلب الى النقيض تماما ..
فبرز من زعماء الشيوعية القديمة فى العالم العربي رجال أعمال من عتاة الرأسمالية ..
ومنهم من أحرق النظرية بتجربتها وانطوى على نفسه

وهكذا سقطت الثورة الروسية بنظريتها الماركسية وسقط آلهتها عندما انطلقت الجماهير فى الميدان الأحمر لتنتزع جثة
” لينين ” المحنطة وتلقي بها تحت أقدامها

العلاقات الدولية بين منهج الإسلام والمنهج الحضاري المعاصر

كاتب الموضوع الأصلي: فهد الدوسري 8

والعدل في الإسلام قيمة مطلقة ذات ميزان واحد يلتزم به المسلم كواجب أساسي في المنشط والمكره، وفي حالة الصداقة والعداوة، في القول والعمل، وفي الفعل والترك. قال تعالى: (( يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهدآء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )) (المائدة: 8
بقلم معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين
الفصل الثانيالعلاقات الدولية في الإسلام

(العدل) هو القاعدة الأساسية في تنظيم علاقة المسلم بغيره، ويشمل ذلك العلاقات الدولية – كما سنرى. والعدل في هذا المجال – وكما تظهر نصوص القرآن والسنة – هو القيمة الأولى بين القيم الإسلامية، وفي القرآن ورد الأمر بالعدل والإشادة بالمتَّصفين به، والنهي عن الظلم والتشنيع على مرتكبيه في أكثر من 350 موضعاً. ويعبر عن العدل أحياناً بالقسط وإقامة الميزان أو بما يدل على هذا المعنى، كما يعبر عن الظلم بالبغي والعدوان والبخس والطغيان.والعدل في الإسلام قيمة مطلقة ذات ميزان واحد يلتزم به المسلم كواجب أساسي في المنشط والمكره، وفي حالة الصداقة والعداوة، في القول والعمل، وفي الفعل والترك. قال تعالى: (( يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهدآء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )) (المائدة: 8).قال المفسرون: المعنى: لا يحملكم بغض قوم يقاتلونكم في الدين على أن لا تعدلوا في معاملتهم.ويشهد لهذا التفسير الآية الأخرى: (( ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) (المائدة: 2).ولم يكن أحد أعدى للمسلمين من الذين صدوهم عن المسجد الحرام وقاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم. (انظر أيضاً الآية 135 من سورة النساء).والعدل مطلوب في القول والعمل: (( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا )) (الأنعام: 152).العدل هو الحد الأدنى في معاملة المسلم لغيره، ولكن المسلم مدعو وراء العدل إلى درجات أعلى: فإذا كان العدل يتحقق بالمقابلة بالمثل، فالمسلم مدعو في القرآن والسنة إلى الصبر والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة والبر والإحسان.قال تعالى: (( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور )) (آل عمران: 18).وقال تعالى: (( والذين إذآ أصابهم البغى هم ينتصرون (39) وجزاؤا سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور )) (الشورى: 39-43).وقال تعالى: (( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير )) (البقرة: 109).وقال تعالى: (( ادفع بالتي هي أحسن السيئة )) (المؤمنون: 96).وقال تعالى: (( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبيمه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم )) (فصلت: 34-35).وفي وصف عباد الرحمن قال تعالى: (( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما )) (الفرقان: 63).

وعلى القاعدة الأساسية – العدل تبنى أحكام العلاقات الدولية في الإسلام، سواء في حالة الحرب وفي حالة السلم، على التفصيل الآتي.أولاً: في حالة الحرب:يلاحظ في البداية من نصوص القرآن دلالتها على أن أشنع عمل للإنسان في علاقته بغيره (سفك الدماء، وإرادة العلو في الأرض، والفساد فيها).قال تعالى: ((قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء )) (البقرة: 30).وقال تعالى: (( من أجل ذلك كتبنا على بني إسراءيل ظظانه من قتل نفسا بغير نفس ظاو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )) (المائدة: 32).وقال تعالى: (( وقضينا إلى بني إسراءيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتبن ولتعلن علواً كبيراً )) (الإسراء: 4).وقال تعالى: (( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الرحث والنسل والله لا يحب الفساد )) (البقرة: 205).وقال تعالى: (( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا )) (الإسراء: 33).وفي وصف المستحقين للجزاء الأخروي الحسن: (( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فدساداً والعاقبة للمتقين )) (القصص: 83).وقال تعالى: (( ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين )) (هود: 85 والشعراء: 183).وفي التشنيع على فرعون قال تعالى: (( وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين )) (يونس: 83 والدخان: 31).وقال تعالى: (( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهله شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين )) (القصص: 4).وقال تعال: (( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض )) (البقرة: 27 والرعد:25).وفي ذم اليهود قال تعالى: ((كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين )) (المائدة: 64).وبالجملة فإن ذم القتل بغير حق والعلو في الأرض والفساد فيها ورد في القرآن في أكثر من 120 موضعاً.لكل ما سبق كان من الطبيعي أن تكون الحرب في الإسلام مكروهة في الجملة، ينبغي ما أمكن تفاديها، وفي المعنى جاء الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا )) (متفق عليه). وكان من الطبيعي أن لا يسمح الإسلام بالحرب إلا في حالة الضرورة الشرعية، وفي هذه الحال تحكم الحرب مبادئ ترتكز على القيمة الأساسية (العدل).تتخلص المبادئ التي تحكم الحرب في ثلاثة مبادئ تضمنها الآية الكريمة: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) (البقرة: 190).

المبدأ الأول: أن يكون القتال في سبيل اللهبأن يخلص القصد منه إلى أن تكون كلمة الله هي العليا، فالمصلحة الشخصية أو القومية لا يبرر الحرب، بل تجعل الحرب غير شرعية في حكم الإسلام.وأهمية هذا المبدأ تظهر من أن القتال أو الجهاد نادراً ما يرد في القرآن دون تقييده بأن يكون في سبيل الله، وأحياناً يكون مقروناً بالأمر بالتقوى.و(التقوى) اصطلاح قرآني لا يوجد له مرادف في اللغة العربية، وربما لا يوجد في غيرها من اللغات، فهو يعني درجة عالية من الحساسية الخلقية، بأن يتصرَّف الإنسان وأوامر الله ونواهيه بين عينيه وأن يشعر بأن الله يراقبه في تصرفه ويراه، وأن الله إليه المآب والمصير.

ولكن من الناحية العملية متى يكون القتال في سبيل الله؟لقد عرضت الآيات الآتية صوراً يمكن الاهتداء بها لتحديد (ما هو في سبيل الله)، وما يوجد به شرط إباحة الحرب على النحو التالي:(أ) – رد العدوان:قال تعالى: (( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين )) (البقرة: 194).وقال تعالى: (( الا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة )) (التوبة: 13).وقال تعالى: (( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون )) (الشورى: 39).وقال تعالى: (( وجزاؤا سيئة سيئة مثلها )) (الشورى: 40).وقال تعالى: (( ولمن إنتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل )) (الشورى: 41).وقال تعالى: (( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين )) (التوبة: 36).وقال تعالى: (( فإن قاتلوكم فاقتلوهم )) (البقرة: 191).

(ب) – الدفاع ضد الظلم وحماية المظلومين:قال تعالى: (( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلآ أن يقولوا ربنا الله )) (الحج: 39-40).وقال تعالى: (( قالوا ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا ديارنا وأبنائنا )) (البقرة: 24).وقال تعالى : (( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم )) (الممتحنة: 9).وقال تعالى: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله )) (الحجرات: 9).وقال تعالى: (( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا )) (النساء: 75).وقال تعالى: (( وإن إستنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق )) (الأنفال: 72 ).

(جـ) – الدفاع ضد الإفساد في الأرض:قال تعالى: (( إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا في الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم(33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم )) (المائدة: 33-34).وقال تعالى: (( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض )) (البقرة: 251).وقال تعالى: (( ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره )) (الحج: 40).(د) – القتال لحماية حق الإنسان في اختيار أن يكون الله هو إلهه، لا إله سواه.وهذا الحق يقع على رأس حقوق الإنسان في الإسلام، لأنه الغاية من الحياة.قال تعالى: (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) (الذريات: 56).وقال تعالى: (( قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءً بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله وأن لا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله )) (آل عمران: 64).وفد فهم المسلمون في القرون الأولى أن مهمتهم الكبرى إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، كما عبَّر عن ذلك الصحابي الجليل ربعي بن عامر في مفاوضات المسلمين مع الفرس، في حرب القادسية.قال تعالى: (( يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا )) (البقرة: 217).وقال تعالى : (( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم )) (البقرة: 191).قال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: (( والفتنة أشد من القتل )) : (( يعني الشرك بالله أشدُّ من القتل … وقد بينت أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار، فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركاً بالله من بعد إسلامه أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يقتل مقيماً على دينه متمسكا عليه محقا فيه )).وقال الإمام القرطبي في تفسيرها: (( أي: الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشدُّ من القتل )). وقال في تفسير (( والفتنة أكبر من القتل )): (( قال مجاهد وغيره: الفتنة هنا الكفر… وقال الجمهور: معنى الفتنة هنا فتنة المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا، أي: إن ذلك أشدُّ اجتراماً من قتلكم في الشهر الحرام )).ويلاحظ أنه لا خلاف بين التفسيرين، فمن فسَّر (( الفتنة )) بالشرك أو الكفر عنى النتيجة، ومن فسَّرها بتعذيب المسلم حتى يكفر عنى السبب.وقال تعالى: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله )) (البقرة: 193).أخرج البخاري في تفسير هذه الآية عن نافع أنَّ رجلاً أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله )) ؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الإسلام قليلاً فكان الرجل يُفتن عن دينه، إما قتلوه وإما يعذبونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة.

المبدأ الثاني: أن يكون القتال ضدَّ من يقاتلقال تعالى: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) وإن حنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم )) (الأنفال: 60-61).وقال تعالى: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين )) (البقرة: 193).قال الإمام الطبري: عن مجاهد (( فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين )) يقول: (( لا تقاتلوا إلا من يقاتلكم )).وقال في تفسير قوله تعالى: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) (البقرة: 190): عن سعيد بن عبد العزيز قال: (( كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: إني وجدت آية في كتاب الله: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) ، أي: لا تقاتل من لا يقاتلك )). وردَّ الطبري على من قال بنسخ الآية بقوله: (( وأولى هذين القولين بالصواب القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز، لأنَّ دعوى المدَّعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكُّمٌ، والتحكُّم لا يعجز عنه أحدٌ )).وقال تعالى: (( فإن إعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليها سبيلا )) (النساء: 90).قال ابن كثير: (( أي: فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك )).وقال تعالى: (( فإن لم يعتزلوكم وياقوا إليكم السلام ويكفوا أيديهم فخذزهم واقتلوهم حيث ثقفتوهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا )) (النساء: 91).فسَّر ابن كثير (( السلم )) بالمسالمة والمهادنة والمصالحة.وقال تعالى: (( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم )) (الممتحنة: 8-9).

المبدأ الثالث: عدم تجاوز ضرورات الحربوهذا المبدأ قيد على قاعدة “المعاملة بالمثل”، فلا خيار للمسلم في عدم الالتزام بالمعايير الأخلاقية الإسلامية في معاملة العدو، وإن كان العدو لم يلتزم بها. ولا خيار للمسلم في عدم الوقوف عند حدود الله، وإن كان عدوه المحارب تجاوز هذه الحدود، فإذا مثَّل محاربو المسلمين بقتلى المسلمين فلا يجوز للمسلمين معاملتهم بالمثل، وإذا قتل الأعداء نساء المسلمين وصبيانهم أو غير المقاتلين منهم فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوا نساء الأعداء أو صبيانهم أو غير المقاتلين منهم.وقد أفاض المفسرون عند تفسيرهم للآية السابقة: ((وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)) في ذكر ما ورد من النصوص عن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه تطبيقاً لهذه الآية.من ذلك ما روى مسلم عن بريدة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان [ إذا بعث جيشاً ] يقول: (( اغْزُوا وَلاَ تغلوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد، ولا أصحاب الصوامع )).وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر الصديق بعث جيوشاً إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان … فقال: (( إنَّك ستجد قوماً زعموا أنَّهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا، إنهم حبسوا أنفسهم له … وإني موصيك بعشر: لا تقتلنَّ امرأةً ولا صبياًّ ولا كبيرا هرماً، ولا تقطعنَّ شجراً مثمراً، ولا تخربنَّ عامراً، ولا تعقرنَّ شاةً ولا بعيراً إلا لمأكلةٍ، ولا تحرقنَّ نحلاً ولا تفرقنَّه ولا تغلل، ولا تجبن )).قال الطبري: عن يحيى الغساني قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن قوله تعالى: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) قال: فكتب إليَّ أنَّ ذلك في النساء والذرية، ومن لم ينصب لك الحرب منهم.وعن ابن عباس في تفسير الآية: (( يقول: لا تقتلوا النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى إليكم السلم وكفَّ يده، فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم )).وروى الطبري عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلى على الظالمين )) قال: (( يقول: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم )).وقال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة (( ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا )) (المائدة: 2): (( معناها ظاهر، أي: لا يحملكم بغض قوم قد كانوا صدُّوكم عن المسجد الحرام … عن أن تعتدوا حكم الله فيهم، فتقتصوا منهم ظلما وعدواناً، بل احكموا بما أمركم الله من العدل في حق كل أحد … وهذه الآية كما سيأتي في قوله: (( ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا )) أي: لا يحملكم بغض قوم على ترك العدل، فإنَّ العدل واجبٌ على كلِّ أحدٍ لكلِّ أحدٍ في كلِّ حال )).وقال الإمام القرطبي في تفسير الآية الكريمة (( ولا يجرمنكم شنئان قوم على إلا تعدلوا )): (( دلَّت الآية أيضاً على أنَّ كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه … وأنَّ المثلة بهم غير جائزةٍ، وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمُّونا بذلك فليس لنا أن نقتلَهم بمثله، قصداً لإيصال الهمِّ والحزن إليهم )).وقال في تفسير قوله تعالى: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا )) : (( قال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: هي محكمةٌ، أي: قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم )).وقال عمر بن الخطاب: (( اتقوا الله في الذرية والفلاَّحين الذين لا ينصبون لكم الحرب )).وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حرَّاثاً.ويدلُّ تاريخ الإسلام في كل العصور على أنَّ المسلمين الملتزمين طبَّقوا هذا المبدأ دون استثناء.

ثانياً: في حالة السلمأبرز مظهر للعلاقات الدولية في حالة السلم المعاهدات.وقد عني القرآن في زهاء 30 موضعا منه بالتأكيد على وجوب وفاء المسلم بالعهد وتحريم الإخلال به.على سبيل المثال قال تعالى: (( يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود )) (المائدة: 1).قال ابن كثير: (( (( أوفوا بالعقود )) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك )).قال: (( (والعقود) ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره )).وعن ابن عباس [ في تفسيرها ]: (( لا تغدروا ولا تنكثوا )).وقال تعالى: (( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا )) (الإسراء: 34).وقال تعالى: (( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين )) (التوبة: 7).وقال تعالى – في ذكر صفات الناجين -: (( والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون )) (المؤمنون: 8، والمعارج: 32).وقال تعالى: (( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين )) (آل عمران: 76).وقال تعالى: (( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا )) (البقرة: 177).وقال تعالى: (( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق )) (الرعد: 20).وقال تعالى – عن الناكثين -: (( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار )) (الرعد: 25).وأكد القرآن أنه حتى في حالة ظهور شواهد نقض العهد من الطرف الثاني، واضطرار المسلمين الذين أبرموا العهد اضطرارهم بسبب ذلك إلى إنهاء العهد، فإنه لا يجوز لهم استغلال هذا الإنهاء لتحقيق مصلحة لهم على حساب الطرف الثاني، بل يجب أن يتم إنهاء العقد في وضع من التوازن بين الطرفين. قال تعالى: (( وإما تخافن من قوم خيانة فنبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين )) (الأنفال: 58).وروى الترمذي وأبو داود عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية والروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم. فجاء رجل على فرسٍ أو برذونٍ وهو يقول: (( الله أكبر، الله أكبر، وفاءٌ لا غدر ))، فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مَن كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشُدَّ عُقْدَةً ولا يحُلَّها حتى ينقضي أمدُهُ، أو ينبِذَ إليهم على سواءٍ) )). فرجع معاوية بالناس.والعقود في الإسلام على العموم واجبة الاحترام، ويجب الدخول فيها بنية الوفاء بشروطها مهما تغيَّرت الظروف. ولكنَّ المعاهدات الدولية في الإسلام لها تميُّزٌ في هذا، فقد روى مسلمٌ في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن النبيَّ r قال: (( لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة، يُرْفَعُ له بقدر غدره، ولا غادرَ أعظمُ غدراً مِن أميرِ عامَّة )).والفقهاء وهم يرون أن الجهاد يكون مع الأمير الصالح والفاسق، يذهب أكثرُهم إلى أنَّ الجهادَ لا يكون مع الأمير الذي لا يلتزم الوفاء بالعهود.وعلى خلاف القانون الدولي في الحضارة المعاصرة فإن تغير الظروف لا يبرِّر نكث العهد، وحتى إذا عجز المسلمون في ظروف معينة عن الوفاء بالتزاماتهم يجب عليهم مراعاة التزامات الطرف الثاني.ومن هذا الباب القصة المشهورة أيضاً عندما استولى القائد المسلم أبو عبيدة بن الجراح على حمص ثم اضطر إلى الانسحاب منها فردَّ الجزية التي أخذها من السكَّان، وقال: إننا أخذنا الجزية مقابل حمايتكم، وما زلنا الآن لا نستطيع أن نحميكم فقد وجب أن نردَّها.والأمثلة كثيرة من هذا النوع في التاريخ الإسلامي.فتغيُّر الظروف، والمصلحة القومية لا تبرِّر في الإسلام نقض العهد، كما لا يُبرِّره أن يرى المسلمون أنفسهم في مركز القوة تجاه الطرف الثاني. وقد ورد النص الصريح في القرآن يؤكِّد ذلك، قال تعالى:)) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة أربى من أمة إنما يبلوكم الله به )) (النحل: 91-92).ثم يقول بعد ذلك: )) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون )) (النحل: 95).مما له دلالة أن نتذكَّر أن الآيات القرآنية نزلت بالتشديد على المسلمين بالوفاء بالعهد في وقت وفي بيئة لم تكن القاعدة فيهما الوفاء بالعهود، يقدم لنا القرآن صوراً لهذه البيئة في قوله: (( إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون )) (الأنفال: 55-56).وقال تعالى: (( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (8) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون )) (التوبة: 7-10).وقال عن اليهود: (( أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم )) (البقرة: 100).

وبالرغم من إيقان المسلمين بأنه لا خيار لهم في عدم الوفاء بالعهد تحت أي ظرف، وبالرغم من معرفتهم أن الطرف المقابل لا يحمل مثل هذا الالتزام، إلا أنهم كانوا – كما يظهر ذلك تاريخ الإسلام – يقبلون على إبرام العهد تفادياً للحرب كلما كان ذلك ممكناً بصرف النظر عن عدم تعادل الشروط.ومعاهدة الحديبية (( بالرغم مما تضمنته من شروط تبدو للوهلة الأولى مجحفة في حق المسلمين ))، مثل بارز في هذا.ومثل آخر بارز في العهد العمري بين المسلمين والفلسطينيين سكان إيلياء. فبعد انتصار المسلمين على الروم في معركة اليرموك الفاصلة، وهزيمة جيش أرطبون كانت فلسطين مفتوحة أمام جيش المسلمين ولم يكن شيء يحول بينهم وبين الاستيلاء على إيلياء عنوة، فلما عرض السكان إبرام معاهدة الصلح لم يتردَّد المسلمون في قبولها، بالرغم من اشتراط الفلسطينيين شرطاً غير عادي، وهو أن يحضر الخليفة نفسه – في سفر لمدة شهر – ليوقع المعاهدة، والذي يقرأ المعاهدة الآن خالي الذهن من ظروف إبرامها لا يتوقع أبداً أن تكون معاهدة بين جيش منتصر وجيش مهزوم.ومن المناسب ذكر جزء من المعاهدة، فهي تجري هكذا: (( هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم … وعليهم أن يخرجوا الروم واللصوت، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن … ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله إلى الروم ويخلي بينهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم… ومن أراد من الروم أن يبقى في إيلياء فله ما لأهلها، وعليه ما عليهم، وإن أراد أن يلحق بالروم فإنَّ له الأمان على نفسه وماله حتى يبلغ مأمنه )).ليتذكر القارئ انه وقت كتابة العهد المشار إليه كانت الحرب لا تزال قائمة وعلى أشدها بين المسلمين والروم.هل منهج الإسلام في العلاقات الدولية واقعي؟قد يخيَّل لشخص يعيش في هذا العصر أن منهج الإسلام في العلاقات الدولية وما يقتضيه من مبادئ حاكمة، منهج مثالي ليس قابلاً للتطبيق في عالم الواقع، ولكن يرد هذا أنه بالرغم من أن هذا المنهج كان يطبق من جانب واحد فقد طبقه المسلمون كما يشهد تاريخهم على مساحة واسعة من الزمان والمكان. صحيح أن تطبيق المبدأ الثاني من مبادئ الحرب لم يظهر بالوضوح الكافي بسبب أن حالة الحرب الدائمة في العالم كانت هي القاعدة. وصحيح أن المبدأ الأول وجد الإخلال به عدة مرات بخاصة في الحروب بين الجماعات أو الدويلات الإسلامية، ولكن هذه الحروب لم تعتبر قط جهاداً ولا حروباً مشروعة لا من قبل الفقهاء الذين عاصروها ولا من قبل كتاب التاريخ اللاحقين.ولكن المبدأ الثالث طبق باستمرار من قبل المسلمين، وربما لا يذكر التاريخ حالة واحدة تم الإخلال فيها من قبل المسلمين الملتزمين بأحكام الإسلام.يوضح ما سبق ذكر بعض الأمثلة والمقارنات:(1) – كما سبق أن ذكر كان المسلمون بعد وقعة اليرموك الحاسمة وهزيمة جيش أرطبون قادرين على الاستيلاء عنوةً على القدس. واستيلاؤهم عليها عنوة يعطيهم مزايا مادية أهم وأكثر مما لو فتحوها صلحا، ومع ذلك رغبة منهم في فتحها صلحاً فضَّلوا حصارها – وتكبَّدوا في ذلك خسائر مادية وبشرية – حتَّى قبل سكَّانها الصلح، وأبرمت معاهدةُ الصلح، بشروطٍ لا تُنبئ أبداً أنَّها كانت معاهدة صلح بين جيشٍ منتصرٍ وجيشٍ منهزمٍ.فمثلاً تضمَّنت هذه المعاهدةُ – والمسلمون لا يزالون في حرب مع الرومان – تخييرَ قادة وجنود جيش الرومان بين أن يبقوا في القدس ويكون لهم ما لسكانها الفلسطينيين وعليهم ما عليهم، أو أن يلحقوا بجيش الروم. وفي هذا الحالة يضمن المسلمون حياتهم وأموالهم حتى يبلغوا مأمنهم.ودخل جيش المسلمين القدس فلم يهرق دم، ولم ينهب مال، ولم يهدم معبدٌ. بل إنَّ النصارى حينما دعوا الخليفة للصلاة في كنيسة القيامة تكريماً له، امتنع عن ذلك معلِّلاً امتناعَهُ بخوفه مِن أن يمثل سابقةً فيعتاد المسلمون الصلاة في الكنيسة حتى يغلبوا النصارى عليها.قبل انتصار المسلمين على الرومان وفتحهم القدس على النحو الذي ذكرنا بعشرين عاماً تقريباً انتصر الفرس على الرومان واستولوا على القدس. فكيف تمَّ ذلك، يذكر كتب التاريخ للمؤرخين الغربيين أنَّ المدينة أحرقت ونهبت، وجرت دماء النصارى السكان في مذابح مروعة، وأحرقت الكنائس، وأهين المكان الذي يعتقد النصارى أنَّ المسيح دُفِن فيه، وحملت النفائس والمقدَّسات، ومن بينها الصليب الكبير (True cross) الذي يعتقد النصارى أنَّ المسيح صُلب عليه. وقد احتفل رجالُ الدين الفرسُ ابتهاجاً بانتصارهم على رجالِ الدين النصارى. وساعد اليهودُ الفرسَ في النهب والمذابح بسبب عدمِ رضاهم عن سيطرةِ النصارى، ممَّا أوجب نقمة النصارى عليهم عندما انتصر الرومان على الفرسِ بعد بضعِ سنواتٍ.(2) – تعتبر المستشرقة الألمانية الراحلة زيجريد هونكه من أوسعِ المستشرقين اطِّلاعاً على تاريخ الإسلام، وقد وصفت بعباراتٍ مؤثِّرةٍ انتصارَ الصليبيين على المسلمين، واستيلاءهم على القدس، فقالت: (( عقب وصول [ الصليبيين ] إلى هدفهم المنشود (( بيت المقدس )) طغت حماستهم فجرفت أمامها كلَّ السدود، وانطلقوا سيلاً بشعاً بربريا يأتي على الأخضر واليابس، وقد أجَّج ذلك صيامُهم ثلاثين يوماً حماسةً متعصبة ونذرا للرب تقربا. ولقي هذا كله ردَّ فعلٍ لدى سفاكي الدماء … من فرسان “الفرنجة” من فرنسيين ونورمان وجموعهم التي انحدرت في طرقات بيت المقدس تحصد الأرواح حصداً، لا تقع على إنسان إلا قتلته … رجالاً ونساءً وشيوخاً وولدانا. وتذكر مصادرُنا الغربيةُ ذاتها أن ذلك الحصاد الوحشي بلغ عشرة آلاف ذبيح. ويصف المؤرخ الأوروبي ميشائيل دارسيرر كيف كان البطريرك نفسه يعدو في زقاق بيت المقدس وسيفه يقطر دماً حاصداً به كلَّ من وجد في طريقه، ولم يتوقَّف حتى بلغ كنيسة القيامة وقبر المسيح، فأخذ في غسل يديه تخلصاً من الدماء اللاصقة بها، مردِّداً كلمات المزمور التالي: (( يفرح الأبرار حين يرون عقاب الأشرار، ويغسلون أقدامهم بدمهم، فيقول الناس: حقا، إنَّ للصديق مكافأة، وإن في الأرض إلها يقضي )) [ المزمور 58: 10-11 ]. أما الميدان الذي يتحلَّق قبة الصخرة والمسجد الأقصى الذي لجأ إليه معظم الأهالي المسلمين الهاربين هلعاً واحتماءً به، فقد تحوَّل تحت زحف الفرنجة المدمر … إلى حمام دماء خاض فيه مهاجمو النصارى حتى الكعبين، مواصلين الإجهاض على المسلمين. لقد كانت الحملة الصليبية الأولى … (1095م) بمثابة المقدمة الموسيقية الحزينة لواحدةٍ من كبريات مآسي العبث في تاريخ الإنسانية. لقد حفر ذلك اليوم حفراً يتأبى على المحو أبداً في ذاكرة التاريخ … ولئن كانت الحملة الصليبية الأولى قد انتهت لوقت مؤقت معلوم بالغلبة الساحقة لمقاتلي النصارى دفاعاً عن المسيح!، فإنَّها كانت في الوقت نفسه هزيمةً أخلاقيةً مهولة سجَّلها تاريخ الإنسانية بحروفٍ من الخزي … ولقد أيقظت تلك الحملة البربرية ما أيقظت في نفوس المسلمين في شتى بقاع العالم الإسلامي … ولن تزال تلك الحملة الصليبية الأولى بقعة عارٍ وخزيٍ لاصقةً بالغرب مشيرةً إليه بإصبع الاتهام )) (ص 21-22).كتب جود فرى قائد الحملة على (القدس) إلى البابا يبشِّره بأنَّ خيولَ جيشِهِ ظلَّت تخوض الدماءَ التي كانت تسيل من أجسام الكفار (المسلمين).وبعدَ عدَّة عقودٍ من السنين هزم صلاح الدين الأيوبي الصليبيين في موقعة حطين الحاسمة، وفتحت أمامه (القدس) فدخلها المسلمون منتصرين وأظهروا من ضروب السماحة والإنسانية وأخلاق الفروسية ما أجبر حتى المتعصِّبين من مؤرخي الغرب على الاعتراف به.وفي سبيل المقارنة بين سلوك الصليبيين والمسلمين بهذه المناسبة كتبت زيجريد هونكه: (( نذكر هنا الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد، الذي نشأ في الغرب تنشئة الملوك الشرفاء. فقد مرغ تلك السمعة الطيبة في العار، ودأب على تلويثها بشكلٍ مخزٍ دائماً أبداً، فبينما أقسم بشرفه لثلاثة آلاف أسير عربي أنَّ حياتهم آمنة فإذا هو فجأة منقلب المزاج، فيأمر بذبحهم جميعاً، ويحذو قائد الجيش الفرنسي حذوه سريعاً. وهكذا لطخ بفعلته النكراء وسفكه تلك الدماء سمعتَه إلى الأبد، وضيَّع ثمرة انتصاره في أذيال الخزيِ والعار. وعلى العكس من هذا عرفنا صلاح الدين الذي أخزى قوَّاد جيوش النصارى، فلم ينتقم قطُّ من أسراهم النصارى الذين كانوا تحت رحمته، رداًّ على خيانتهم وغدرهم وفظاعتهم الوحشية، التي ليس لها حدٌّ. ولقد أخزاهم صلاح الدين مرةً أخرى حين تمكَّن من استرداد بيت المقدس، التي كان الصليبيون قد انتزعوها من قبلُ بعد أن سفكوا دماء أهلها في مذبحةٍ لا تدانيها مذبحةٌ وحشية وقسوةً، فإنَّه لم يسفك دمَ سكَّانها من النصارى انتقاماً لسفك دم المسلمين، بل إنه شملهم بمروءته وأسبغ عليهم من جوده ورحمته، ضارباً المثل في التخلُّقِ بروح الفروسية العالية. على العكس من المسلمين لم تعرف الفروسية النصرانية أي التزامٍ خلقي يفرض عليها أن تسمح لأولئك (( الكفار )) بممارسةِ حقوقهم الطبيعية … كما شعرت تلك الفروسية النصرانية بأنَّه ليس لزاماً عليها أن تلتزم بكلمة الشرف التي تعطيها لغير النصراني … والحقُّ أنَّ الفروق الحاسمة مع أتباع الملَّة الأخرى راسخةٌ في تفهُّم كلٍّ من الإسلام والنصرانية لطبيعته وفي اختلاف تفهُّم كلٍّ منهما للبشر )) (ص 34-35).(3) – عقدت زيجريد مقارنة بين سلوك الصليبيين وسلوك المسلمين بمناسبة استيلاء الصليبيين على دمياط، ثم هزيمتهم على يد السلطان الكامل، فكتبت:(( ليس الخيال وحده إذن هو الحافل بالشهادات القيمة في معاملة الخصم معاملة تخلو من التجني الظالم، وتقيمه موضوعيا، وتقدم له ما يستحق من احترام وتقدير، وتتيح للصداقة أن تنمو وتترعرع بين الخصوم … ومن الشواهد الدالة على هذا الموقف الأخلاقي أن أحد الألمان الذين شاركوا في الحروب الصليبية بعد عودته إلى وطنه على نهر الراين لم يجد بداًّ من تحرير رسالة إلى سلطان مصر الملك الكامل يعبر فيها عن مشاعره تعبيراً مؤثِّراً، وقد ترسَّخت في مخيلته المذابح الفظيعة التي أبيد فيها أهل دمياط بمصر جميعهم بناءً على أوامر البابا ومبعوثيه الكرادلة ورجال الكنيسة، وذلك بعد الاستيلاء على حصن دمياط بعد حصار طال.لم يكن ذلك الألماني سوى عالم الفلسفة اللاهوتية (( اوليفروس )) من كولونيا على نهر الراين بألمانيا الذي بهره ما اكتشفه من المروءة والفروسية العربية التي أثبتها في شخصية السلطان الكامل، على الرغم من جميع الأهوال والفظائع التي اعتادها السلطان من قبل النصارى.ولقد سجَّل ذلك الشاهد ما لمسه بعينه كما لو كان ذلك حدثاً سعيداً لا يمكن للعقل أن يتصوره. فقام بكتابة الرسالة التالية إلى السلطان الكامل عام 1221 … إذ أنه لم يقتص من الصليبيين العين بالعين والسن بالسن، وإنما أطعمهم في مسغبتهم مرسلاً إلى جيشهم المتضور جوعا كل يوم ثلاثين ألف رغيف ومواد غذائية أخرى، وكتب يقول:(( منذ تقادم العهود لم يسمع المرء بمثل هذا الترفق والجود، خاصة إزاء أسرى العدو اللدود، ولما شاء الله أن نكون أسراك لم نعرفك مستبداًّ طاغية، ولا سيداً داهية، وإنما عرفناك أباً رحيماً شملنا بالإحسان والطيبات، وعوناً منقذاً في كل النوائب والملمات. ومن ذا الذي يمكن أن يشكَّ لحظةً في أن مثل هذا الجود والتسامح والرحمة من عند الله … إن الرجال الذين قتلنا آباءهم وأبناءهم وبناتهم وإخوانهم وأخواتهم وأذقناهم مر العذاب، لما غدونا أسراهم وكدنا نموت جوعاً راحوا يؤثروننا على أنفسهم على ما بهم من خصاصة، وأسدوا إلينا كلَّ ما استطاعوا من إحسان، بينما كنا تحت رحمتهم لا حول لنا ولا سلطان )).هنا كان ينبغي أن يقرع ناقوس، وأن تتجاوب لرنينه نواقيس أخرى، وإذا كان عربي قد قدم مثل هذا البرهان على السمو الإنساني والمروءة المتناهية، فإن ذلك ليس بدعاً ولا حدثاً مفرداً، فثمَّة شواهد أخرى في هذا الصدد )) (ص32-34).(4) – وتعقد زيجريد هونكه مقارنة أخرى بين فتح المسلمين للأندلس وحكمهم لها، ثم استيلاء النصارى الكاثوليك عليها واضطهادهم للمسلمين واليهود والمذاهب الأخرى في المسيحية، فتقول:(( ولا مراء أنَّ تاريخ الغرب نفسه يثبت بالبراهين العكسية الدامغة التي تدحض وتفند التشويهات التي ألصقت بالإسلام زورا، والتي تحفل بها كتب التاريخ، حيث تسم الإسلام ظلماً وعدوانا بأنه يشكل خطراً يهدد البشرية والحضارة الإنسانية. وحسبُك مثل واحد فريد في نوعه إبان تلك العصور، لتفنيد تلك التخرصات. ولك أن تقول: الوجه المشرق لتلك الميدالية الحالكة السواد، والذي أشرق على البشرية حقبة مباركة لم تكن بالقصيرة، وإنما قرابة ثمانية قرون، نعنى إسبانيا.إن إسبانيا تحت حكم العرب مثال يبين أنه بينما كانت أوروبا الكاثوليكية دون جبال البرانس تقضي قضاءً مبرماً على كلِّ دينٍ آخر يجرؤ على الظهور إلى جانب دينها الكاثوليكي – بصفته الدين الأوحد للخلاص -، وذلك باتباعها سياسة التفرقة الصارمة إزاءَ غير النصارى، نرى أن النصرانية لم تُسْتَأصل ولم تَضِعْ تحت حكم العرب … كذلك اليهودية … تمتَّعت في ظلال الحكم العربي … لأول مرة بعد الشتات بمطلق الحرية إلى أن استعادت النصرانية الحكم في إسبانيا وطردت اليهود … فوق هذا كله، يبين مثال إسبانيا هذا أن تلك البلاد التي كانت قبل الحكم العربي تتسم بالفقر والخراب والاستعباد، قد استحالت إلى إسبانيا أخرى يرفرف الثراء والرخاء على كلِّ سكَّانها وتميزت بارتفاع مستوى كل طبقات الشعب وازدهار الحضارة والتمدُّن فيها وتقدُّمها في كافة العلوم والفنون … واستمرَّ ذلك خمسمائة عام، كما هو ثابت في تاريخنا بلا جدال، إلى أن زحفت إسبانيا النصرانية من الخارج فقوضت كل ذلك وحطمته تحطيماً … إن سماحة النفس العربية وتسامحها … تلك السماحة التي يراها الإسلام شيئاً مفهوماً بداهةً جعله يرتضي ويتقبل وجود النصرانية مطلقاً … إن تلك الحضارة الزاهرة التي غمرت بأشعتها أوروبا لمدة قرون تجعلنا نعجب أشدَّ العجب، إذ هي لم تكن امتداداً حضارياً لبقايا حضارات غابرة … أو أخذاً لنمط حضاري موجود، كما نعرف في الأقطار الأخرى … على أن التربة التي فوقها نمت أغصان الحضارة وبراعمها فجأة تحت حكم العرب أقفرت وظلت عقيماً، استشرى فيها الجدب الجدب ولم تتعهدها بالرعاية منذ ذلك الحين قوى حضارية خلاقة تذكر. إن العرب هم الذين أبدعوا إبداعاً يكاد يكون من العدم، هذه الروعة الحضارية الشامخة في إسبانيا تلك الجنة الفريدة الجمال لأساتذة فنِّ المعمار، والمغنِّين والمغنِّيات، والشعراء والشاعرات، والعلماء، بل جنة المرأة التي نسج الغرب حولها صوراً خيالية … غاية في الوحشية دون أن يكون له أدنى معرفة أو حتى إلهام طفيف ضحل بها )) (ص 52-54).(( إن الشيء الذي يتأبى على فهم الكنيسة فهو دخول شعوب الأقطار المفتوحة في الإسلام أفواجاً بمحض إرادتها، دون مساعي إرساليات التبشير، ودون الإكراه في الدين. أجل، لقد كانت السماحة العربية والروح العربي وأسلوب الحياة العربي مما استحوذ على نصارى إسبانيا، وليس كما يزعم المبطلون زوراً عظيماً … بأنهم أرغموا على الإسلام خشية السيف … أما الإجهاز على السماحة والتسامح نهائيا في إسبانيا فقد تمَّ على أيدي الدويلات النصرانية التي اعتصمت في شمال إسبانيا، والتي أقصت العرب شيئاً فشيئاً إلى أن تمكَّنت من صدِّهم وطردهم، متوجة انتصارها باستعادتها عام 1492 ميلادية الدرَّتَين العربيتين غرناطة والحمراء. إذ لم يكن انتصار النصرانية يعني سوى طرد اليهود والمسلمين واضطهادهم وإكراههم على التنصير واستئناف نشاط محاكم التفتيش التي قامت بتعقب كل من يتخذ سوى الكاثوليكية دينا، والحرق العلني في احتفالات رسمية تحفُّها الطقوس والشعائر الكنسية لكلِّ من اعتنق الإسلام أو اليهودية.وما إن دالت دولة العرب في إسبانيا حتى اندثرت معهم أزهى وأخصب حضارة ملكتها أوروبا في العصور الوسطى، وغرقت في بحر من الرعب وأتت فيه أمواج التعصب الديني على كل شيء وابتلعته ابتلاعاً. ولم تلغ محاكم التفتيش إلا في 1834 )) (44-45).(5) – مثال حديث للمقارنة: سلوك المحاربين الصرب في البوسنة والهرسك الذين ارتكبوا أفظع الجرائم التي لم يستطع حتى الإعلام الغربي المتحيِّز أن يتجاهلَها. وقد تمَّ ذلك بالمعونة اللوجستية الإيجابية للصرب من بعض دول أوربا، وبحجب الإمداد اللوجستي عن المسلمين من قبل دول غربية أخرى، بل لقد تمَّ ارتكاب الجرائم بمعونة أو تواطؤ عناصر غربية في قوة حفظ السلام.وبالعكس فإن المجاهدين المسلمين في البوسنة والهرسك، وإن كانوا محاربين أقوياء إلا أن التزامهم الخلقي حال دون أن يجد الإعلام الغربي من سلوكهم ما يخالف قواعد الشرف العسكري. ولقد حقَّقوا في النهاية انتصاراتٍ ربما كانت عاملا في مبادرة الغرب بوضع اتفاقية دايتون التي تضمن أحد نصوصها وجوب إخراج المجاهدين المسلمين من البوسنة والهرسك، وكذلك وقع.وسلوك المجاهدين الملتزمين بالإسلام في الشيشان في حربيه الماضية والجارية مثال آخر.(6) – أما المثال الطازج فهو ما أظهرته المعلومات التي أفلتت من الحصار الإعلامي من سلوكيات القوات البرية والجوية في التحالف الدولي في حرب أفغانستان الجارية. لقد أظهرت المعلومات المشار إليها صوراً من السلوك لو نسبت لغير قوات التحالف الدولي المتحضِّر لوصفت بأنَّها همجيَّةٌ ووحشية وجرائم حرب.ولو لم يكن الإعلام هالوكستيًّا بيد الدجال، ولو وجد إعلامٌ غير متحيِّز لربما صلحت صورة طالبان لتكون هي الصورة المقابلة، وعلى كل فإنه حتى الإعلام المتحيِّز لم يتَّهم جيوش طالبان في أوقات انتصارها باغتصاب النساء أو إحراق أسراهم بالديزل، أو إغراقهم، أو قصفهم إستراتيجيا بقاذفات القنابل أو تصيُّدهم بطائرات الهيلكوبتر أو العجن الإستراتيجي لقرى بكاملها حيث تختلط أجسام البشر بأجسام حيواناتهم وأنقاض بيوتهم وأثاثهم وتمسح من على الأرض مسحاً.على أنَّ طالبان لو ارتكبت مخالفاتٍ لقواعد القانون الدولي أو المعاهدات الدولية لكان من السهل افتراض أنَّ هذه القواعد لم تخطر لها ببال وربما لم تسمع بها.ولكن القادة العسكريين والمدنيين على السواء لا يجهلون هذه القواعد، وربما كان هذا ما أدى بجرمياه يورك أن يضع هذا السؤال:The biggest [whopper] is that the vast majority of those who understand what the Geneva Conventions are, and what they say, just don’t care anymore. So who are the barbarians now? Are they those who don’t know better, or who do, and choose not to care?مَن البرابرة الآن، الذين لا يعلمون عن اتفاقيات جنيف أو الذين يعلمون ثم لا يأبهون بانتهاكها؟

فيما سبق كان الحديث عن منهج الإسلام في التطبيق في حالة الحرب، أما في حالة السلم فإن المسلمين الملتزمين بالإسلام في كل زمان وكان قد اعتبروا القوة الإلزامية للمعاهدات قوة مطلقة، وهذا بالطبع يختلف تماماً مع المنهج الغربي للعلاقات الدولية، إذ يحكم المعاهدة كما يحكم غيرها المصلحة القومية والقوة. فإذا كانت المصلحة القومية للدولة الحديثة انتهاك المعاهدة وكانت قادرة على ذلك بحيث لا تتوقع أيَّ جزاءٍ، فإنها لا تتردَّد في تلبية ما تقتضيه المصلحة الوطنية:( أ ) – على سبيل المثال والمقارنة، كلا الدولتين إسرائيل والمملكة العربية السعودية وقعا الاتفاقية الدولية الخاصة بالملكية الفنية. ومع ذلك لا تضج الشركات الأمريكية من انتهاك حقوقها بموجب الاتفاق في أي دولةٍ بقدر ما تضجُّ من انتهاكها في إسرائيل. إسرائيل بالطبيعة صديقة لأمريكا وشريكة إستراتيجية. ولكنها كدولةٍ حديثةٍ لا تهتمُّ أجهزتها التنفيذية بحماية حقوق الملكية لدولةٍ أجنبيةٍ على حساب مصلحتها القومية في حدود استطاعتها. وبالعكس فإن الأجهزة التنفيذية في المملكة العربية السعودية تطبيقاً للاتفاق الدولية لا تحمي الحقوق الأمريكية الفنية بأكثر من حماية الولايات المتحدة الأمريكية لحقوق المملكة العربية السعودية فحسب، بل أكثر من حماية الأجهزة التنفيذية الأمريكية نفسها حقوق المواطنين الأمريكيين.وبصرف النظر عن حكمة أو عدم حكمة سلوك الأجهزة التنفيذية السعودية في الالتزام بما لا يلزمها قانوناً، إلا أنَّ المقصود (وهو المطلوب) الدلالة على الروح التي تحكم المسلم تجاه المعاهدات.(ب) – وللمقارنة أيضاً، في حرب الخليج وقعت مجندة أمريكية أسيرة في يد العراقيين، فاهتمَّت إذاعة B.B.C. بالسؤال عن قواعد الإسلام التي تحكم الأسرى، بالطبع السؤال لا محلَّ له، لأنَّ حكومة العراق حكومة بعثيَّة علمانية، وعقيدة البعث لا محلَّ فيها لتحكيم الدين أي دين. فحكومة العراق بمقتضى الحال لن تبحث عن أحكام الإسلام لتطبقها على أسراها، ولا أدري بماذا كان الجواب على سؤال الإذاعة. ولكن الجواب الصحيح في حالة الدولة المسلمة التي وقعت على اتفاقيات جنيف الدولية التي تحكم معاملة الأسرى، سوف تلتزم كحد أدنى بما تنص عليه هذه الاتفاقيات، ثم من وراء ذلك ومن فوقه ستعامل الأسير وفق المعايير الخلقية التي يهدي إليها القرآن والسنة الصحيحة، وهي بالطبع أوفى من الحد الأدنى الذي تلزم به الاتفاقيات الدولية.نقارب هذا المثل بمثل (( طازج ))، هو معاملة قوات التحالف الدولي لأسرى الحرب في أفغانستان. بالطبع لا نتوقع من اتفاقيات جنيف أن تسمح بقصف الأسرى، أو حرقهم بالديزل، أو إغراقهم بالماء المجمد، أو رميهم بالرصاص وهم مكتوفو الأيدي من الخلف، أو وهم يصلون، أو المعاملات اللاإنسانية الأخرى.ولكن الأسوأ من ذلك أن الأمر لم يقتصر على انتهاك أحكام الاتفاقيات، بل تعدى إلى الجناية على نصوصها، إذ لكي يفر التحالف الدولي من نسبته إلى انتهاك الاتفاقيات الدولية أو نسبته إلى ارتكاب جرائم الحرب سمى المحاربين الذين أسروا وهم في حالة الدفاع الحقيقي عن النفس في المعركة الحربية إرهابيين ومعتقلين، مقرِّراً سابقة خطيرةً لإلغاء الالتزام كلياًّ بقواعد القانون الدولي والمعاهدات الدولية عن طريق تغيير الاسم والتلاعب بالألفاظ.بالطبع ليس المقصود هجاء أحد، وليست هذه المقالة مجال هجاء، وإنما كان المقصود رد الحقائق المقلوبة والمشوَّهة إلى وضعها الصحيح.

الحقيقة أن المعاهدات محور ارتكاز في منهج العلاقات الدولية في الإسلام.لقد طبق المسلمون الملتزمون بالإسلام منهج الإسلام في العلاقات الدولية في حالة الحرب وفي حالة السلم، في كل وقت، وفي كل مكان – بالرغم من أن هذا المنهج كان دائماً يطبق من جانب واحد -. وذلك أكبر دليل على إمكانية تطبيقه عملياً.لو تحوَّلت الدول الغربية إلى دول متحضِّرةٍ فعلاً، لارتضت الالتزام بتطبيق القانون ومعايير الأخلاق الإنسانية.تذييل:لا يفوت التنبيه إلى أن التأثير الثقافي الطاغي للحضارة الغربية على العالم الإسلامي جعل دول العالم الإسلامي في كثير من الأحيان تطبِّق المنهج الغربي في العلاقات الدولية، سواء فيما بينها وبين الغرب، أو ما بين بعضها البعض، وغابت في كثير من الأحيان عن الفكر الإسلامي المعاصر مبادئ المنهج الإسلامي، ولم يسلم من ذلك حتى الحركات والجماعات الداعية لتطبيق الإسلام منهج حياة.والمجال لا يتَّسع للتفصيل وإيراد الأمثلة، وإنما المقصود التنبيه ليتذكَّر من تنفعه الذكرى.

العلاقات الدولية بين منهج الإسلام والمنهج الحضاري المعاصر

كاتب الموضوع الأصلي: فهد الدوسري 8

والعدل في الإسلام قيمة مطلقة ذات ميزان واحد يلتزم به المسلم كواجب أساسي في المنشط والمكره، وفي حالة الصداقة والعداوة، في القول والعمل، وفي الفعل والترك. قال تعالى: (( يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهدآء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )) (المائدة: 8
بقلم معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين
الفصل الثانيالعلاقات الدولية في الإسلام

(العدل) هو القاعدة الأساسية في تنظيم علاقة المسلم بغيره، ويشمل ذلك العلاقات الدولية – كما سنرى. والعدل في هذا المجال – وكما تظهر نصوص القرآن والسنة – هو القيمة الأولى بين القيم الإسلامية، وفي القرآن ورد الأمر بالعدل والإشادة بالمتَّصفين به، والنهي عن الظلم والتشنيع على مرتكبيه في أكثر من 350 موضعاً. ويعبر عن العدل أحياناً بالقسط وإقامة الميزان أو بما يدل على هذا المعنى، كما يعبر عن الظلم بالبغي والعدوان والبخس والطغيان.والعدل في الإسلام قيمة مطلقة ذات ميزان واحد يلتزم به المسلم كواجب أساسي في المنشط والمكره، وفي حالة الصداقة والعداوة، في القول والعمل، وفي الفعل والترك. قال تعالى: (( يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهدآء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )) (المائدة: 8).قال المفسرون: المعنى: لا يحملكم بغض قوم يقاتلونكم في الدين على أن لا تعدلوا في معاملتهم.ويشهد لهذا التفسير الآية الأخرى: (( ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) (المائدة: 2).ولم يكن أحد أعدى للمسلمين من الذين صدوهم عن المسجد الحرام وقاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم. (انظر أيضاً الآية 135 من سورة النساء).والعدل مطلوب في القول والعمل: (( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا )) (الأنعام: 152).العدل هو الحد الأدنى في معاملة المسلم لغيره، ولكن المسلم مدعو وراء العدل إلى درجات أعلى: فإذا كان العدل يتحقق بالمقابلة بالمثل، فالمسلم مدعو في القرآن والسنة إلى الصبر والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة والبر والإحسان.قال تعالى: (( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور )) (آل عمران: 18).وقال تعالى: (( والذين إذآ أصابهم البغى هم ينتصرون (39) وجزاؤا سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور )) (الشورى: 39-43).وقال تعالى: (( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير )) (البقرة: 109).وقال تعالى: (( ادفع بالتي هي أحسن السيئة )) (المؤمنون: 96).وقال تعالى: (( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبيمه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم )) (فصلت: 34-35).وفي وصف عباد الرحمن قال تعالى: (( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما )) (الفرقان: 63).

وعلى القاعدة الأساسية – العدل تبنى أحكام العلاقات الدولية في الإسلام، سواء في حالة الحرب وفي حالة السلم، على التفصيل الآتي.أولاً: في حالة الحرب:يلاحظ في البداية من نصوص القرآن دلالتها على أن أشنع عمل للإنسان في علاقته بغيره (سفك الدماء، وإرادة العلو في الأرض، والفساد فيها).قال تعالى: ((قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء )) (البقرة: 30).وقال تعالى: (( من أجل ذلك كتبنا على بني إسراءيل ظظانه من قتل نفسا بغير نفس ظاو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )) (المائدة: 32).وقال تعالى: (( وقضينا إلى بني إسراءيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتبن ولتعلن علواً كبيراً )) (الإسراء: 4).وقال تعالى: (( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الرحث والنسل والله لا يحب الفساد )) (البقرة: 205).وقال تعالى: (( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا )) (الإسراء: 33).وفي وصف المستحقين للجزاء الأخروي الحسن: (( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فدساداً والعاقبة للمتقين )) (القصص: 83).وقال تعالى: (( ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين )) (هود: 85 والشعراء: 183).وفي التشنيع على فرعون قال تعالى: (( وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين )) (يونس: 83 والدخان: 31).وقال تعالى: (( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهله شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين )) (القصص: 4).وقال تعال: (( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض )) (البقرة: 27 والرعد:25).وفي ذم اليهود قال تعالى: ((كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين )) (المائدة: 64).وبالجملة فإن ذم القتل بغير حق والعلو في الأرض والفساد فيها ورد في القرآن في أكثر من 120 موضعاً.لكل ما سبق كان من الطبيعي أن تكون الحرب في الإسلام مكروهة في الجملة، ينبغي ما أمكن تفاديها، وفي المعنى جاء الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا )) (متفق عليه). وكان من الطبيعي أن لا يسمح الإسلام بالحرب إلا في حالة الضرورة الشرعية، وفي هذه الحال تحكم الحرب مبادئ ترتكز على القيمة الأساسية (العدل).تتخلص المبادئ التي تحكم الحرب في ثلاثة مبادئ تضمنها الآية الكريمة: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) (البقرة: 190).

المبدأ الأول: أن يكون القتال في سبيل اللهبأن يخلص القصد منه إلى أن تكون كلمة الله هي العليا، فالمصلحة الشخصية أو القومية لا يبرر الحرب، بل تجعل الحرب غير شرعية في حكم الإسلام.وأهمية هذا المبدأ تظهر من أن القتال أو الجهاد نادراً ما يرد في القرآن دون تقييده بأن يكون في سبيل الله، وأحياناً يكون مقروناً بالأمر بالتقوى.و(التقوى) اصطلاح قرآني لا يوجد له مرادف في اللغة العربية، وربما لا يوجد في غيرها من اللغات، فهو يعني درجة عالية من الحساسية الخلقية، بأن يتصرَّف الإنسان وأوامر الله ونواهيه بين عينيه وأن يشعر بأن الله يراقبه في تصرفه ويراه، وأن الله إليه المآب والمصير.

ولكن من الناحية العملية متى يكون القتال في سبيل الله؟لقد عرضت الآيات الآتية صوراً يمكن الاهتداء بها لتحديد (ما هو في سبيل الله)، وما يوجد به شرط إباحة الحرب على النحو التالي:(أ) – رد العدوان:قال تعالى: (( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين )) (البقرة: 194).وقال تعالى: (( الا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة )) (التوبة: 13).وقال تعالى: (( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون )) (الشورى: 39).وقال تعالى: (( وجزاؤا سيئة سيئة مثلها )) (الشورى: 40).وقال تعالى: (( ولمن إنتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل )) (الشورى: 41).وقال تعالى: (( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين )) (التوبة: 36).وقال تعالى: (( فإن قاتلوكم فاقتلوهم )) (البقرة: 191).

(ب) – الدفاع ضد الظلم وحماية المظلومين:قال تعالى: (( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلآ أن يقولوا ربنا الله )) (الحج: 39-40).وقال تعالى: (( قالوا ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا ديارنا وأبنائنا )) (البقرة: 24).وقال تعالى : (( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم )) (الممتحنة: 9).وقال تعالى: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله )) (الحجرات: 9).وقال تعالى: (( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا )) (النساء: 75).وقال تعالى: (( وإن إستنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق )) (الأنفال: 72 ).

(جـ) – الدفاع ضد الإفساد في الأرض:قال تعالى: (( إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا في الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم(33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم )) (المائدة: 33-34).وقال تعالى: (( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض )) (البقرة: 251).وقال تعالى: (( ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره )) (الحج: 40).(د) – القتال لحماية حق الإنسان في اختيار أن يكون الله هو إلهه، لا إله سواه.وهذا الحق يقع على رأس حقوق الإنسان في الإسلام، لأنه الغاية من الحياة.قال تعالى: (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) (الذريات: 56).وقال تعالى: (( قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءً بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله وأن لا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله )) (آل عمران: 64).وفد فهم المسلمون في القرون الأولى أن مهمتهم الكبرى إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، كما عبَّر عن ذلك الصحابي الجليل ربعي بن عامر في مفاوضات المسلمين مع الفرس، في حرب القادسية.قال تعالى: (( يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا )) (البقرة: 217).وقال تعالى : (( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم )) (البقرة: 191).قال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: (( والفتنة أشد من القتل )) : (( يعني الشرك بالله أشدُّ من القتل … وقد بينت أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار، فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركاً بالله من بعد إسلامه أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يقتل مقيماً على دينه متمسكا عليه محقا فيه )).وقال الإمام القرطبي في تفسيرها: (( أي: الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشدُّ من القتل )). وقال في تفسير (( والفتنة أكبر من القتل )): (( قال مجاهد وغيره: الفتنة هنا الكفر… وقال الجمهور: معنى الفتنة هنا فتنة المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا، أي: إن ذلك أشدُّ اجتراماً من قتلكم في الشهر الحرام )).ويلاحظ أنه لا خلاف بين التفسيرين، فمن فسَّر (( الفتنة )) بالشرك أو الكفر عنى النتيجة، ومن فسَّرها بتعذيب المسلم حتى يكفر عنى السبب.وقال تعالى: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله )) (البقرة: 193).أخرج البخاري في تفسير هذه الآية عن نافع أنَّ رجلاً أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله )) ؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الإسلام قليلاً فكان الرجل يُفتن عن دينه، إما قتلوه وإما يعذبونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة.

المبدأ الثاني: أن يكون القتال ضدَّ من يقاتلقال تعالى: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) وإن حنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم )) (الأنفال: 60-61).وقال تعالى: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين )) (البقرة: 193).قال الإمام الطبري: عن مجاهد (( فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين )) يقول: (( لا تقاتلوا إلا من يقاتلكم )).وقال في تفسير قوله تعالى: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) (البقرة: 190): عن سعيد بن عبد العزيز قال: (( كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: إني وجدت آية في كتاب الله: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) ، أي: لا تقاتل من لا يقاتلك )). وردَّ الطبري على من قال بنسخ الآية بقوله: (( وأولى هذين القولين بالصواب القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز، لأنَّ دعوى المدَّعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكُّمٌ، والتحكُّم لا يعجز عنه أحدٌ )).وقال تعالى: (( فإن إعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليها سبيلا )) (النساء: 90).قال ابن كثير: (( أي: فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك )).وقال تعالى: (( فإن لم يعتزلوكم وياقوا إليكم السلام ويكفوا أيديهم فخذزهم واقتلوهم حيث ثقفتوهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا )) (النساء: 91).فسَّر ابن كثير (( السلم )) بالمسالمة والمهادنة والمصالحة.وقال تعالى: (( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم )) (الممتحنة: 8-9).

المبدأ الثالث: عدم تجاوز ضرورات الحربوهذا المبدأ قيد على قاعدة “المعاملة بالمثل”، فلا خيار للمسلم في عدم الالتزام بالمعايير الأخلاقية الإسلامية في معاملة العدو، وإن كان العدو لم يلتزم بها. ولا خيار للمسلم في عدم الوقوف عند حدود الله، وإن كان عدوه المحارب تجاوز هذه الحدود، فإذا مثَّل محاربو المسلمين بقتلى المسلمين فلا يجوز للمسلمين معاملتهم بالمثل، وإذا قتل الأعداء نساء المسلمين وصبيانهم أو غير المقاتلين منهم فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوا نساء الأعداء أو صبيانهم أو غير المقاتلين منهم.وقد أفاض المفسرون عند تفسيرهم للآية السابقة: ((وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)) في ذكر ما ورد من النصوص عن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه تطبيقاً لهذه الآية.من ذلك ما روى مسلم عن بريدة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان [ إذا بعث جيشاً ] يقول: (( اغْزُوا وَلاَ تغلوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد، ولا أصحاب الصوامع )).وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر الصديق بعث جيوشاً إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان … فقال: (( إنَّك ستجد قوماً زعموا أنَّهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا، إنهم حبسوا أنفسهم له … وإني موصيك بعشر: لا تقتلنَّ امرأةً ولا صبياًّ ولا كبيرا هرماً، ولا تقطعنَّ شجراً مثمراً، ولا تخربنَّ عامراً، ولا تعقرنَّ شاةً ولا بعيراً إلا لمأكلةٍ، ولا تحرقنَّ نحلاً ولا تفرقنَّه ولا تغلل، ولا تجبن )).قال الطبري: عن يحيى الغساني قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن قوله تعالى: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) قال: فكتب إليَّ أنَّ ذلك في النساء والذرية، ومن لم ينصب لك الحرب منهم.وعن ابن عباس في تفسير الآية: (( يقول: لا تقتلوا النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى إليكم السلم وكفَّ يده، فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم )).وروى الطبري عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلى على الظالمين )) قال: (( يقول: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم )).وقال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة (( ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا )) (المائدة: 2): (( معناها ظاهر، أي: لا يحملكم بغض قوم قد كانوا صدُّوكم عن المسجد الحرام … عن أن تعتدوا حكم الله فيهم، فتقتصوا منهم ظلما وعدواناً، بل احكموا بما أمركم الله من العدل في حق كل أحد … وهذه الآية كما سيأتي في قوله: (( ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا )) أي: لا يحملكم بغض قوم على ترك العدل، فإنَّ العدل واجبٌ على كلِّ أحدٍ لكلِّ أحدٍ في كلِّ حال )).وقال الإمام القرطبي في تفسير الآية الكريمة (( ولا يجرمنكم شنئان قوم على إلا تعدلوا )): (( دلَّت الآية أيضاً على أنَّ كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه … وأنَّ المثلة بهم غير جائزةٍ، وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمُّونا بذلك فليس لنا أن نقتلَهم بمثله، قصداً لإيصال الهمِّ والحزن إليهم )).وقال في تفسير قوله تعالى: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا )) : (( قال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: هي محكمةٌ، أي: قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم )).وقال عمر بن الخطاب: (( اتقوا الله في الذرية والفلاَّحين الذين لا ينصبون لكم الحرب )).وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حرَّاثاً.ويدلُّ تاريخ الإسلام في كل العصور على أنَّ المسلمين الملتزمين طبَّقوا هذا المبدأ دون استثناء.

ثانياً: في حالة السلمأبرز مظهر للعلاقات الدولية في حالة السلم المعاهدات.وقد عني القرآن في زهاء 30 موضعا منه بالتأكيد على وجوب وفاء المسلم بالعهد وتحريم الإخلال به.على سبيل المثال قال تعالى: (( يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود )) (المائدة: 1).قال ابن كثير: (( (( أوفوا بالعقود )) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك )).قال: (( (والعقود) ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره )).وعن ابن عباس [ في تفسيرها ]: (( لا تغدروا ولا تنكثوا )).وقال تعالى: (( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا )) (الإسراء: 34).وقال تعالى: (( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين )) (التوبة: 7).وقال تعالى – في ذكر صفات الناجين -: (( والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون )) (المؤمنون: 8، والمعارج: 32).وقال تعالى: (( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين )) (آل عمران: 76).وقال تعالى: (( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا )) (البقرة: 177).وقال تعالى: (( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق )) (الرعد: 20).وقال تعالى – عن الناكثين -: (( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار )) (الرعد: 25).وأكد القرآن أنه حتى في حالة ظهور شواهد نقض العهد من الطرف الثاني، واضطرار المسلمين الذين أبرموا العهد اضطرارهم بسبب ذلك إلى إنهاء العهد، فإنه لا يجوز لهم استغلال هذا الإنهاء لتحقيق مصلحة لهم على حساب الطرف الثاني، بل يجب أن يتم إنهاء العقد في وضع من التوازن بين الطرفين. قال تعالى: (( وإما تخافن من قوم خيانة فنبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين )) (الأنفال: 58).وروى الترمذي وأبو داود عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية والروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم. فجاء رجل على فرسٍ أو برذونٍ وهو يقول: (( الله أكبر، الله أكبر، وفاءٌ لا غدر ))، فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مَن كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشُدَّ عُقْدَةً ولا يحُلَّها حتى ينقضي أمدُهُ، أو ينبِذَ إليهم على سواءٍ) )). فرجع معاوية بالناس.والعقود في الإسلام على العموم واجبة الاحترام، ويجب الدخول فيها بنية الوفاء بشروطها مهما تغيَّرت الظروف. ولكنَّ المعاهدات الدولية في الإسلام لها تميُّزٌ في هذا، فقد روى مسلمٌ في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن النبيَّ r قال: (( لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة، يُرْفَعُ له بقدر غدره، ولا غادرَ أعظمُ غدراً مِن أميرِ عامَّة )).والفقهاء وهم يرون أن الجهاد يكون مع الأمير الصالح والفاسق، يذهب أكثرُهم إلى أنَّ الجهادَ لا يكون مع الأمير الذي لا يلتزم الوفاء بالعهود.وعلى خلاف القانون الدولي في الحضارة المعاصرة فإن تغير الظروف لا يبرِّر نكث العهد، وحتى إذا عجز المسلمون في ظروف معينة عن الوفاء بالتزاماتهم يجب عليهم مراعاة التزامات الطرف الثاني.ومن هذا الباب القصة المشهورة أيضاً عندما استولى القائد المسلم أبو عبيدة بن الجراح على حمص ثم اضطر إلى الانسحاب منها فردَّ الجزية التي أخذها من السكَّان، وقال: إننا أخذنا الجزية مقابل حمايتكم، وما زلنا الآن لا نستطيع أن نحميكم فقد وجب أن نردَّها.والأمثلة كثيرة من هذا النوع في التاريخ الإسلامي.فتغيُّر الظروف، والمصلحة القومية لا تبرِّر في الإسلام نقض العهد، كما لا يُبرِّره أن يرى المسلمون أنفسهم في مركز القوة تجاه الطرف الثاني. وقد ورد النص الصريح في القرآن يؤكِّد ذلك، قال تعالى:)) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة أربى من أمة إنما يبلوكم الله به )) (النحل: 91-92).ثم يقول بعد ذلك: )) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون )) (النحل: 95).مما له دلالة أن نتذكَّر أن الآيات القرآنية نزلت بالتشديد على المسلمين بالوفاء بالعهد في وقت وفي بيئة لم تكن القاعدة فيهما الوفاء بالعهود، يقدم لنا القرآن صوراً لهذه البيئة في قوله: (( إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون )) (الأنفال: 55-56).وقال تعالى: (( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (8) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون )) (التوبة: 7-10).وقال عن اليهود: (( أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم )) (البقرة: 100).

وبالرغم من إيقان المسلمين بأنه لا خيار لهم في عدم الوفاء بالعهد تحت أي ظرف، وبالرغم من معرفتهم أن الطرف المقابل لا يحمل مثل هذا الالتزام، إلا أنهم كانوا – كما يظهر ذلك تاريخ الإسلام – يقبلون على إبرام العهد تفادياً للحرب كلما كان ذلك ممكناً بصرف النظر عن عدم تعادل الشروط.ومعاهدة الحديبية (( بالرغم مما تضمنته من شروط تبدو للوهلة الأولى مجحفة في حق المسلمين ))، مثل بارز في هذا.ومثل آخر بارز في العهد العمري بين المسلمين والفلسطينيين سكان إيلياء. فبعد انتصار المسلمين على الروم في معركة اليرموك الفاصلة، وهزيمة جيش أرطبون كانت فلسطين مفتوحة أمام جيش المسلمين ولم يكن شيء يحول بينهم وبين الاستيلاء على إيلياء عنوة، فلما عرض السكان إبرام معاهدة الصلح لم يتردَّد المسلمون في قبولها، بالرغم من اشتراط الفلسطينيين شرطاً غير عادي، وهو أن يحضر الخليفة نفسه – في سفر لمدة شهر – ليوقع المعاهدة، والذي يقرأ المعاهدة الآن خالي الذهن من ظروف إبرامها لا يتوقع أبداً أن تكون معاهدة بين جيش منتصر وجيش مهزوم.ومن المناسب ذكر جزء من المعاهدة، فهي تجري هكذا: (( هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم … وعليهم أن يخرجوا الروم واللصوت، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن … ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله إلى الروم ويخلي بينهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم… ومن أراد من الروم أن يبقى في إيلياء فله ما لأهلها، وعليه ما عليهم، وإن أراد أن يلحق بالروم فإنَّ له الأمان على نفسه وماله حتى يبلغ مأمنه )).ليتذكر القارئ انه وقت كتابة العهد المشار إليه كانت الحرب لا تزال قائمة وعلى أشدها بين المسلمين والروم.هل منهج الإسلام في العلاقات الدولية واقعي؟قد يخيَّل لشخص يعيش في هذا العصر أن منهج الإسلام في العلاقات الدولية وما يقتضيه من مبادئ حاكمة، منهج مثالي ليس قابلاً للتطبيق في عالم الواقع، ولكن يرد هذا أنه بالرغم من أن هذا المنهج كان يطبق من جانب واحد فقد طبقه المسلمون كما يشهد تاريخهم على مساحة واسعة من الزمان والمكان. صحيح أن تطبيق المبدأ الثاني من مبادئ الحرب لم يظهر بالوضوح الكافي بسبب أن حالة الحرب الدائمة في العالم كانت هي القاعدة. وصحيح أن المبدأ الأول وجد الإخلال به عدة مرات بخاصة في الحروب بين الجماعات أو الدويلات الإسلامية، ولكن هذه الحروب لم تعتبر قط جهاداً ولا حروباً مشروعة لا من قبل الفقهاء الذين عاصروها ولا من قبل كتاب التاريخ اللاحقين.ولكن المبدأ الثالث طبق باستمرار من قبل المسلمين، وربما لا يذكر التاريخ حالة واحدة تم الإخلال فيها من قبل المسلمين الملتزمين بأحكام الإسلام.يوضح ما سبق ذكر بعض الأمثلة والمقارنات:(1) – كما سبق أن ذكر كان المسلمون بعد وقعة اليرموك الحاسمة وهزيمة جيش أرطبون قادرين على الاستيلاء عنوةً على القدس. واستيلاؤهم عليها عنوة يعطيهم مزايا مادية أهم وأكثر مما لو فتحوها صلحا، ومع ذلك رغبة منهم في فتحها صلحاً فضَّلوا حصارها – وتكبَّدوا في ذلك خسائر مادية وبشرية – حتَّى قبل سكَّانها الصلح، وأبرمت معاهدةُ الصلح، بشروطٍ لا تُنبئ أبداً أنَّها كانت معاهدة صلح بين جيشٍ منتصرٍ وجيشٍ منهزمٍ.فمثلاً تضمَّنت هذه المعاهدةُ – والمسلمون لا يزالون في حرب مع الرومان – تخييرَ قادة وجنود جيش الرومان بين أن يبقوا في القدس ويكون لهم ما لسكانها الفلسطينيين وعليهم ما عليهم، أو أن يلحقوا بجيش الروم. وفي هذا الحالة يضمن المسلمون حياتهم وأموالهم حتى يبلغوا مأمنهم.ودخل جيش المسلمين القدس فلم يهرق دم، ولم ينهب مال، ولم يهدم معبدٌ. بل إنَّ النصارى حينما دعوا الخليفة للصلاة في كنيسة القيامة تكريماً له، امتنع عن ذلك معلِّلاً امتناعَهُ بخوفه مِن أن يمثل سابقةً فيعتاد المسلمون الصلاة في الكنيسة حتى يغلبوا النصارى عليها.قبل انتصار المسلمين على الرومان وفتحهم القدس على النحو الذي ذكرنا بعشرين عاماً تقريباً انتصر الفرس على الرومان واستولوا على القدس. فكيف تمَّ ذلك، يذكر كتب التاريخ للمؤرخين الغربيين أنَّ المدينة أحرقت ونهبت، وجرت دماء النصارى السكان في مذابح مروعة، وأحرقت الكنائس، وأهين المكان الذي يعتقد النصارى أنَّ المسيح دُفِن فيه، وحملت النفائس والمقدَّسات، ومن بينها الصليب الكبير (True cross) الذي يعتقد النصارى أنَّ المسيح صُلب عليه. وقد احتفل رجالُ الدين الفرسُ ابتهاجاً بانتصارهم على رجالِ الدين النصارى. وساعد اليهودُ الفرسَ في النهب والمذابح بسبب عدمِ رضاهم عن سيطرةِ النصارى، ممَّا أوجب نقمة النصارى عليهم عندما انتصر الرومان على الفرسِ بعد بضعِ سنواتٍ.(2) – تعتبر المستشرقة الألمانية الراحلة زيجريد هونكه من أوسعِ المستشرقين اطِّلاعاً على تاريخ الإسلام، وقد وصفت بعباراتٍ مؤثِّرةٍ انتصارَ الصليبيين على المسلمين، واستيلاءهم على القدس، فقالت: (( عقب وصول [ الصليبيين ] إلى هدفهم المنشود (( بيت المقدس )) طغت حماستهم فجرفت أمامها كلَّ السدود، وانطلقوا سيلاً بشعاً بربريا يأتي على الأخضر واليابس، وقد أجَّج ذلك صيامُهم ثلاثين يوماً حماسةً متعصبة ونذرا للرب تقربا. ولقي هذا كله ردَّ فعلٍ لدى سفاكي الدماء … من فرسان “الفرنجة” من فرنسيين ونورمان وجموعهم التي انحدرت في طرقات بيت المقدس تحصد الأرواح حصداً، لا تقع على إنسان إلا قتلته … رجالاً ونساءً وشيوخاً وولدانا. وتذكر مصادرُنا الغربيةُ ذاتها أن ذلك الحصاد الوحشي بلغ عشرة آلاف ذبيح. ويصف المؤرخ الأوروبي ميشائيل دارسيرر كيف كان البطريرك نفسه يعدو في زقاق بيت المقدس وسيفه يقطر دماً حاصداً به كلَّ من وجد في طريقه، ولم يتوقَّف حتى بلغ كنيسة القيامة وقبر المسيح، فأخذ في غسل يديه تخلصاً من الدماء اللاصقة بها، مردِّداً كلمات المزمور التالي: (( يفرح الأبرار حين يرون عقاب الأشرار، ويغسلون أقدامهم بدمهم، فيقول الناس: حقا، إنَّ للصديق مكافأة، وإن في الأرض إلها يقضي )) [ المزمور 58: 10-11 ]. أما الميدان الذي يتحلَّق قبة الصخرة والمسجد الأقصى الذي لجأ إليه معظم الأهالي المسلمين الهاربين هلعاً واحتماءً به، فقد تحوَّل تحت زحف الفرنجة المدمر … إلى حمام دماء خاض فيه مهاجمو النصارى حتى الكعبين، مواصلين الإجهاض على المسلمين. لقد كانت الحملة الصليبية الأولى … (1095م) بمثابة المقدمة الموسيقية الحزينة لواحدةٍ من كبريات مآسي العبث في تاريخ الإنسانية. لقد حفر ذلك اليوم حفراً يتأبى على المحو أبداً في ذاكرة التاريخ … ولئن كانت الحملة الصليبية الأولى قد انتهت لوقت مؤقت معلوم بالغلبة الساحقة لمقاتلي النصارى دفاعاً عن المسيح!، فإنَّها كانت في الوقت نفسه هزيمةً أخلاقيةً مهولة سجَّلها تاريخ الإنسانية بحروفٍ من الخزي … ولقد أيقظت تلك الحملة البربرية ما أيقظت في نفوس المسلمين في شتى بقاع العالم الإسلامي … ولن تزال تلك الحملة الصليبية الأولى بقعة عارٍ وخزيٍ لاصقةً بالغرب مشيرةً إليه بإصبع الاتهام )) (ص 21-22).كتب جود فرى قائد الحملة على (القدس) إلى البابا يبشِّره بأنَّ خيولَ جيشِهِ ظلَّت تخوض الدماءَ التي كانت تسيل من أجسام الكفار (المسلمين).وبعدَ عدَّة عقودٍ من السنين هزم صلاح الدين الأيوبي الصليبيين في موقعة حطين الحاسمة، وفتحت أمامه (القدس) فدخلها المسلمون منتصرين وأظهروا من ضروب السماحة والإنسانية وأخلاق الفروسية ما أجبر حتى المتعصِّبين من مؤرخي الغرب على الاعتراف به.وفي سبيل المقارنة بين سلوك الصليبيين والمسلمين بهذه المناسبة كتبت زيجريد هونكه: (( نذكر هنا الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد، الذي نشأ في الغرب تنشئة الملوك الشرفاء. فقد مرغ تلك السمعة الطيبة في العار، ودأب على تلويثها بشكلٍ مخزٍ دائماً أبداً، فبينما أقسم بشرفه لثلاثة آلاف أسير عربي أنَّ حياتهم آمنة فإذا هو فجأة منقلب المزاج، فيأمر بذبحهم جميعاً، ويحذو قائد الجيش الفرنسي حذوه سريعاً. وهكذا لطخ بفعلته النكراء وسفكه تلك الدماء سمعتَه إلى الأبد، وضيَّع ثمرة انتصاره في أذيال الخزيِ والعار. وعلى العكس من هذا عرفنا صلاح الدين الذي أخزى قوَّاد جيوش النصارى، فلم ينتقم قطُّ من أسراهم النصارى الذين كانوا تحت رحمته، رداًّ على خيانتهم وغدرهم وفظاعتهم الوحشية، التي ليس لها حدٌّ. ولقد أخزاهم صلاح الدين مرةً أخرى حين تمكَّن من استرداد بيت المقدس، التي كان الصليبيون قد انتزعوها من قبلُ بعد أن سفكوا دماء أهلها في مذبحةٍ لا تدانيها مذبحةٌ وحشية وقسوةً، فإنَّه لم يسفك دمَ سكَّانها من النصارى انتقاماً لسفك دم المسلمين، بل إنه شملهم بمروءته وأسبغ عليهم من جوده ورحمته، ضارباً المثل في التخلُّقِ بروح الفروسية العالية. على العكس من المسلمين لم تعرف الفروسية النصرانية أي التزامٍ خلقي يفرض عليها أن تسمح لأولئك (( الكفار )) بممارسةِ حقوقهم الطبيعية … كما شعرت تلك الفروسية النصرانية بأنَّه ليس لزاماً عليها أن تلتزم بكلمة الشرف التي تعطيها لغير النصراني … والحقُّ أنَّ الفروق الحاسمة مع أتباع الملَّة الأخرى راسخةٌ في تفهُّم كلٍّ من الإسلام والنصرانية لطبيعته وفي اختلاف تفهُّم كلٍّ منهما للبشر )) (ص 34-35).(3) – عقدت زيجريد مقارنة بين سلوك الصليبيين وسلوك المسلمين بمناسبة استيلاء الصليبيين على دمياط، ثم هزيمتهم على يد السلطان الكامل، فكتبت:(( ليس الخيال وحده إذن هو الحافل بالشهادات القيمة في معاملة الخصم معاملة تخلو من التجني الظالم، وتقيمه موضوعيا، وتقدم له ما يستحق من احترام وتقدير، وتتيح للصداقة أن تنمو وتترعرع بين الخصوم … ومن الشواهد الدالة على هذا الموقف الأخلاقي أن أحد الألمان الذين شاركوا في الحروب الصليبية بعد عودته إلى وطنه على نهر الراين لم يجد بداًّ من تحرير رسالة إلى سلطان مصر الملك الكامل يعبر فيها عن مشاعره تعبيراً مؤثِّراً، وقد ترسَّخت في مخيلته المذابح الفظيعة التي أبيد فيها أهل دمياط بمصر جميعهم بناءً على أوامر البابا ومبعوثيه الكرادلة ورجال الكنيسة، وذلك بعد الاستيلاء على حصن دمياط بعد حصار طال.لم يكن ذلك الألماني سوى عالم الفلسفة اللاهوتية (( اوليفروس )) من كولونيا على نهر الراين بألمانيا الذي بهره ما اكتشفه من المروءة والفروسية العربية التي أثبتها في شخصية السلطان الكامل، على الرغم من جميع الأهوال والفظائع التي اعتادها السلطان من قبل النصارى.ولقد سجَّل ذلك الشاهد ما لمسه بعينه كما لو كان ذلك حدثاً سعيداً لا يمكن للعقل أن يتصوره. فقام بكتابة الرسالة التالية إلى السلطان الكامل عام 1221 … إذ أنه لم يقتص من الصليبيين العين بالعين والسن بالسن، وإنما أطعمهم في مسغبتهم مرسلاً إلى جيشهم المتضور جوعا كل يوم ثلاثين ألف رغيف ومواد غذائية أخرى، وكتب يقول:(( منذ تقادم العهود لم يسمع المرء بمثل هذا الترفق والجود، خاصة إزاء أسرى العدو اللدود، ولما شاء الله أن نكون أسراك لم نعرفك مستبداًّ طاغية، ولا سيداً داهية، وإنما عرفناك أباً رحيماً شملنا بالإحسان والطيبات، وعوناً منقذاً في كل النوائب والملمات. ومن ذا الذي يمكن أن يشكَّ لحظةً في أن مثل هذا الجود والتسامح والرحمة من عند الله … إن الرجال الذين قتلنا آباءهم وأبناءهم وبناتهم وإخوانهم وأخواتهم وأذقناهم مر العذاب، لما غدونا أسراهم وكدنا نموت جوعاً راحوا يؤثروننا على أنفسهم على ما بهم من خصاصة، وأسدوا إلينا كلَّ ما استطاعوا من إحسان، بينما كنا تحت رحمتهم لا حول لنا ولا سلطان )).هنا كان ينبغي أن يقرع ناقوس، وأن تتجاوب لرنينه نواقيس أخرى، وإذا كان عربي قد قدم مثل هذا البرهان على السمو الإنساني والمروءة المتناهية، فإن ذلك ليس بدعاً ولا حدثاً مفرداً، فثمَّة شواهد أخرى في هذا الصدد )) (ص32-34).(4) – وتعقد زيجريد هونكه مقارنة أخرى بين فتح المسلمين للأندلس وحكمهم لها، ثم استيلاء النصارى الكاثوليك عليها واضطهادهم للمسلمين واليهود والمذاهب الأخرى في المسيحية، فتقول:(( ولا مراء أنَّ تاريخ الغرب نفسه يثبت بالبراهين العكسية الدامغة التي تدحض وتفند التشويهات التي ألصقت بالإسلام زورا، والتي تحفل بها كتب التاريخ، حيث تسم الإسلام ظلماً وعدوانا بأنه يشكل خطراً يهدد البشرية والحضارة الإنسانية. وحسبُك مثل واحد فريد في نوعه إبان تلك العصور، لتفنيد تلك التخرصات. ولك أن تقول: الوجه المشرق لتلك الميدالية الحالكة السواد، والذي أشرق على البشرية حقبة مباركة لم تكن بالقصيرة، وإنما قرابة ثمانية قرون، نعنى إسبانيا.إن إسبانيا تحت حكم العرب مثال يبين أنه بينما كانت أوروبا الكاثوليكية دون جبال البرانس تقضي قضاءً مبرماً على كلِّ دينٍ آخر يجرؤ على الظهور إلى جانب دينها الكاثوليكي – بصفته الدين الأوحد للخلاص -، وذلك باتباعها سياسة التفرقة الصارمة إزاءَ غير النصارى، نرى أن النصرانية لم تُسْتَأصل ولم تَضِعْ تحت حكم العرب … كذلك اليهودية … تمتَّعت في ظلال الحكم العربي … لأول مرة بعد الشتات بمطلق الحرية إلى أن استعادت النصرانية الحكم في إسبانيا وطردت اليهود … فوق هذا كله، يبين مثال إسبانيا هذا أن تلك البلاد التي كانت قبل الحكم العربي تتسم بالفقر والخراب والاستعباد، قد استحالت إلى إسبانيا أخرى يرفرف الثراء والرخاء على كلِّ سكَّانها وتميزت بارتفاع مستوى كل طبقات الشعب وازدهار الحضارة والتمدُّن فيها وتقدُّمها في كافة العلوم والفنون … واستمرَّ ذلك خمسمائة عام، كما هو ثابت في تاريخنا بلا جدال، إلى أن زحفت إسبانيا النصرانية من الخارج فقوضت كل ذلك وحطمته تحطيماً … إن سماحة النفس العربية وتسامحها … تلك السماحة التي يراها الإسلام شيئاً مفهوماً بداهةً جعله يرتضي ويتقبل وجود النصرانية مطلقاً … إن تلك الحضارة الزاهرة التي غمرت بأشعتها أوروبا لمدة قرون تجعلنا نعجب أشدَّ العجب، إذ هي لم تكن امتداداً حضارياً لبقايا حضارات غابرة … أو أخذاً لنمط حضاري موجود، كما نعرف في الأقطار الأخرى … على أن التربة التي فوقها نمت أغصان الحضارة وبراعمها فجأة تحت حكم العرب أقفرت وظلت عقيماً، استشرى فيها الجدب الجدب ولم تتعهدها بالرعاية منذ ذلك الحين قوى حضارية خلاقة تذكر. إن العرب هم الذين أبدعوا إبداعاً يكاد يكون من العدم، هذه الروعة الحضارية الشامخة في إسبانيا تلك الجنة الفريدة الجمال لأساتذة فنِّ المعمار، والمغنِّين والمغنِّيات، والشعراء والشاعرات، والعلماء، بل جنة المرأة التي نسج الغرب حولها صوراً خيالية … غاية في الوحشية دون أن يكون له أدنى معرفة أو حتى إلهام طفيف ضحل بها )) (ص 52-54).(( إن الشيء الذي يتأبى على فهم الكنيسة فهو دخول شعوب الأقطار المفتوحة في الإسلام أفواجاً بمحض إرادتها، دون مساعي إرساليات التبشير، ودون الإكراه في الدين. أجل، لقد كانت السماحة العربية والروح العربي وأسلوب الحياة العربي مما استحوذ على نصارى إسبانيا، وليس كما يزعم المبطلون زوراً عظيماً … بأنهم أرغموا على الإسلام خشية السيف … أما الإجهاز على السماحة والتسامح نهائيا في إسبانيا فقد تمَّ على أيدي الدويلات النصرانية التي اعتصمت في شمال إسبانيا، والتي أقصت العرب شيئاً فشيئاً إلى أن تمكَّنت من صدِّهم وطردهم، متوجة انتصارها باستعادتها عام 1492 ميلادية الدرَّتَين العربيتين غرناطة والحمراء. إذ لم يكن انتصار النصرانية يعني سوى طرد اليهود والمسلمين واضطهادهم وإكراههم على التنصير واستئناف نشاط محاكم التفتيش التي قامت بتعقب كل من يتخذ سوى الكاثوليكية دينا، والحرق العلني في احتفالات رسمية تحفُّها الطقوس والشعائر الكنسية لكلِّ من اعتنق الإسلام أو اليهودية.وما إن دالت دولة العرب في إسبانيا حتى اندثرت معهم أزهى وأخصب حضارة ملكتها أوروبا في العصور الوسطى، وغرقت في بحر من الرعب وأتت فيه أمواج التعصب الديني على كل شيء وابتلعته ابتلاعاً. ولم تلغ محاكم التفتيش إلا في 1834 )) (44-45).(5) – مثال حديث للمقارنة: سلوك المحاربين الصرب في البوسنة والهرسك الذين ارتكبوا أفظع الجرائم التي لم يستطع حتى الإعلام الغربي المتحيِّز أن يتجاهلَها. وقد تمَّ ذلك بالمعونة اللوجستية الإيجابية للصرب من بعض دول أوربا، وبحجب الإمداد اللوجستي عن المسلمين من قبل دول غربية أخرى، بل لقد تمَّ ارتكاب الجرائم بمعونة أو تواطؤ عناصر غربية في قوة حفظ السلام.وبالعكس فإن المجاهدين المسلمين في البوسنة والهرسك، وإن كانوا محاربين أقوياء إلا أن التزامهم الخلقي حال دون أن يجد الإعلام الغربي من سلوكهم ما يخالف قواعد الشرف العسكري. ولقد حقَّقوا في النهاية انتصاراتٍ ربما كانت عاملا في مبادرة الغرب بوضع اتفاقية دايتون التي تضمن أحد نصوصها وجوب إخراج المجاهدين المسلمين من البوسنة والهرسك، وكذلك وقع.وسلوك المجاهدين الملتزمين بالإسلام في الشيشان في حربيه الماضية والجارية مثال آخر.(6) – أما المثال الطازج فهو ما أظهرته المعلومات التي أفلتت من الحصار الإعلامي من سلوكيات القوات البرية والجوية في التحالف الدولي في حرب أفغانستان الجارية. لقد أظهرت المعلومات المشار إليها صوراً من السلوك لو نسبت لغير قوات التحالف الدولي المتحضِّر لوصفت بأنَّها همجيَّةٌ ووحشية وجرائم حرب.ولو لم يكن الإعلام هالوكستيًّا بيد الدجال، ولو وجد إعلامٌ غير متحيِّز لربما صلحت صورة طالبان لتكون هي الصورة المقابلة، وعلى كل فإنه حتى الإعلام المتحيِّز لم يتَّهم جيوش طالبان في أوقات انتصارها باغتصاب النساء أو إحراق أسراهم بالديزل، أو إغراقهم، أو قصفهم إستراتيجيا بقاذفات القنابل أو تصيُّدهم بطائرات الهيلكوبتر أو العجن الإستراتيجي لقرى بكاملها حيث تختلط أجسام البشر بأجسام حيواناتهم وأنقاض بيوتهم وأثاثهم وتمسح من على الأرض مسحاً.على أنَّ طالبان لو ارتكبت مخالفاتٍ لقواعد القانون الدولي أو المعاهدات الدولية لكان من السهل افتراض أنَّ هذه القواعد لم تخطر لها ببال وربما لم تسمع بها.ولكن القادة العسكريين والمدنيين على السواء لا يجهلون هذه القواعد، وربما كان هذا ما أدى بجرمياه يورك أن يضع هذا السؤال:The biggest [whopper] is that the vast majority of those who understand what the Geneva Conventions are, and what they say, just don’t care anymore. So who are the barbarians now? Are they those who don’t know better, or who do, and choose not to care?مَن البرابرة الآن، الذين لا يعلمون عن اتفاقيات جنيف أو الذين يعلمون ثم لا يأبهون بانتهاكها؟

فيما سبق كان الحديث عن منهج الإسلام في التطبيق في حالة الحرب، أما في حالة السلم فإن المسلمين الملتزمين بالإسلام في كل زمان وكان قد اعتبروا القوة الإلزامية للمعاهدات قوة مطلقة، وهذا بالطبع يختلف تماماً مع المنهج الغربي للعلاقات الدولية، إذ يحكم المعاهدة كما يحكم غيرها المصلحة القومية والقوة. فإذا كانت المصلحة القومية للدولة الحديثة انتهاك المعاهدة وكانت قادرة على ذلك بحيث لا تتوقع أيَّ جزاءٍ، فإنها لا تتردَّد في تلبية ما تقتضيه المصلحة الوطنية:( أ ) – على سبيل المثال والمقارنة، كلا الدولتين إسرائيل والمملكة العربية السعودية وقعا الاتفاقية الدولية الخاصة بالملكية الفنية. ومع ذلك لا تضج الشركات الأمريكية من انتهاك حقوقها بموجب الاتفاق في أي دولةٍ بقدر ما تضجُّ من انتهاكها في إسرائيل. إسرائيل بالطبيعة صديقة لأمريكا وشريكة إستراتيجية. ولكنها كدولةٍ حديثةٍ لا تهتمُّ أجهزتها التنفيذية بحماية حقوق الملكية لدولةٍ أجنبيةٍ على حساب مصلحتها القومية في حدود استطاعتها. وبالعكس فإن الأجهزة التنفيذية في المملكة العربية السعودية تطبيقاً للاتفاق الدولية لا تحمي الحقوق الأمريكية الفنية بأكثر من حماية الولايات المتحدة الأمريكية لحقوق المملكة العربية السعودية فحسب، بل أكثر من حماية الأجهزة التنفيذية الأمريكية نفسها حقوق المواطنين الأمريكيين.وبصرف النظر عن حكمة أو عدم حكمة سلوك الأجهزة التنفيذية السعودية في الالتزام بما لا يلزمها قانوناً، إلا أنَّ المقصود (وهو المطلوب) الدلالة على الروح التي تحكم المسلم تجاه المعاهدات.(ب) – وللمقارنة أيضاً، في حرب الخليج وقعت مجندة أمريكية أسيرة في يد العراقيين، فاهتمَّت إذاعة B.B.C. بالسؤال عن قواعد الإسلام التي تحكم الأسرى، بالطبع السؤال لا محلَّ له، لأنَّ حكومة العراق حكومة بعثيَّة علمانية، وعقيدة البعث لا محلَّ فيها لتحكيم الدين أي دين. فحكومة العراق بمقتضى الحال لن تبحث عن أحكام الإسلام لتطبقها على أسراها، ولا أدري بماذا كان الجواب على سؤال الإذاعة. ولكن الجواب الصحيح في حالة الدولة المسلمة التي وقعت على اتفاقيات جنيف الدولية التي تحكم معاملة الأسرى، سوف تلتزم كحد أدنى بما تنص عليه هذه الاتفاقيات، ثم من وراء ذلك ومن فوقه ستعامل الأسير وفق المعايير الخلقية التي يهدي إليها القرآن والسنة الصحيحة، وهي بالطبع أوفى من الحد الأدنى الذي تلزم به الاتفاقيات الدولية.نقارب هذا المثل بمثل (( طازج ))، هو معاملة قوات التحالف الدولي لأسرى الحرب في أفغانستان. بالطبع لا نتوقع من اتفاقيات جنيف أن تسمح بقصف الأسرى، أو حرقهم بالديزل، أو إغراقهم بالماء المجمد، أو رميهم بالرصاص وهم مكتوفو الأيدي من الخلف، أو وهم يصلون، أو المعاملات اللاإنسانية الأخرى.ولكن الأسوأ من ذلك أن الأمر لم يقتصر على انتهاك أحكام الاتفاقيات، بل تعدى إلى الجناية على نصوصها، إذ لكي يفر التحالف الدولي من نسبته إلى انتهاك الاتفاقيات الدولية أو نسبته إلى ارتكاب جرائم الحرب سمى المحاربين الذين أسروا وهم في حالة الدفاع الحقيقي عن النفس في المعركة الحربية إرهابيين ومعتقلين، مقرِّراً سابقة خطيرةً لإلغاء الالتزام كلياًّ بقواعد القانون الدولي والمعاهدات الدولية عن طريق تغيير الاسم والتلاعب بالألفاظ.بالطبع ليس المقصود هجاء أحد، وليست هذه المقالة مجال هجاء، وإنما كان المقصود رد الحقائق المقلوبة والمشوَّهة إلى وضعها الصحيح.

الحقيقة أن المعاهدات محور ارتكاز في منهج العلاقات الدولية في الإسلام.لقد طبق المسلمون الملتزمون بالإسلام منهج الإسلام في العلاقات الدولية في حالة الحرب وفي حالة السلم، في كل وقت، وفي كل مكان – بالرغم من أن هذا المنهج كان دائماً يطبق من جانب واحد -. وذلك أكبر دليل على إمكانية تطبيقه عملياً.لو تحوَّلت الدول الغربية إلى دول متحضِّرةٍ فعلاً، لارتضت الالتزام بتطبيق القانون ومعايير الأخلاق الإنسانية.تذييل:لا يفوت التنبيه إلى أن التأثير الثقافي الطاغي للحضارة الغربية على العالم الإسلامي جعل دول العالم الإسلامي في كثير من الأحيان تطبِّق المنهج الغربي في العلاقات الدولية، سواء فيما بينها وبين الغرب، أو ما بين بعضها البعض، وغابت في كثير من الأحيان عن الفكر الإسلامي المعاصر مبادئ المنهج الإسلامي، ولم يسلم من ذلك حتى الحركات والجماعات الداعية لتطبيق الإسلام منهج حياة.والمجال لا يتَّسع للتفصيل وإيراد الأمثلة، وإنما المقصود التنبيه ليتذكَّر من تنفعه الذكرى.