أ.د. أحمد محمد وهبان

الهولوكوست ( المحرقة النازية )

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الردادي 6

التعريف بالهولوكوست :
هو مصطلح استخدم لوصف الحملات الحكومية المنظمة من قبل حكومة ألمانيا النازية وبعض من حلفائها لغرض الاضطهاد والتصفية العرقية لليهود في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية.
وفي القرن التاسع عشر استعملت هذه الكلمة لوصف الكوارث والمآسي العظيمة .

* أول استخدام للهولوكوست :
أول مرة استعملت فيها كلمة هولوكوست لوصف طريقة معاملة هتلر لليهود كانت في عام 1942 ولكن الكلمة لم تلق انتشاراً واسعا لحد الخمسينيات، ومع السبعينيات أصبحت كلمة هولوكوست تستعمل حصرياً لوصف حملات الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود بالتحديد على يد السلطات الألمانية أثناء هيمنة الحزب النازي بقيادة أدولف هتلر. اليهود أنفسهم كانوا يستعملون كلمة شواه في الأربعينيات بدلا من هولوكوست وهي كلمة مذكورة في التوراة وتعني الكارثة .

* أنواع الهولوكوست :
1ـ الهولوكوست الآسيوي :
استعملت لوصف أوضاع جزر المحيط الهادي وأقصى شرق آسيا تحت احتلال الإمبراطورية اليابانية .
2ـ الهولوكوست الأسود :
لوصف موت أعداد كبيرة من الزنوج على السفن التي كانت تقلهم إلى عبوديتهم في الولايات المتحدة .
3ـ والهولوكوست الصيني :
لوصف أوضاع الصين تحت الاحتلال الياباني .

* القائمون بعمليات الهولوكوست :
رومانيا وقامت بقتل 380 ألف يهودي بصورة مباشرة ،وقام بينيتو موسوليني بإرسال 8،369 يهودي إلى معسكرات الإبادة. يبقى الشخص الرئيسي المسؤول عن إصدار الأمر الرئيسي للبدأ بعمليات الهولوكوست في نظر التاريخ هو هتلر على الرغم من عدم وجود أية وثيقة رسمية تربط اسمه بصورة مباشرة بالعمليات ولكن هناك الكثير من الخطابات التي ألقاها هتلر في مناسبات مختلفة كانت تدعو إلى إبادة اليهود وغير المرغوبين فيهم، ومعظم هذه التسجيلات احتفظ بها جوزيف غوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر .
* إنكار الهولوكوست :
هناك العديد من الكتب والمنشورات الأخرى على هذا السياق، ويمكن اختصار النقاط الرئيسية الذي يثيره هذا التيار بالنقاط التالية:
• إبادة 6 ملايين يهودي هو رقم مبالغ به كثيرا إذ أنه استنادا على إحصاءات أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية كان العدد الإجمالي لليهود في أوروبا 6 ملايين ونصف المليون وهذا يعني أنه في الهولوكوست تم تقريبا القضاء على اليهود في أوروبا عن بكرة أبيهم وهذا ينافي أرقاما أخرى من دوائر الهجرة الأوروبية التي تشير إلى أنه بين 1933 و1945 هاجر مليون ونصف يهودي إلى بريطانيا، السويد، إسبانيا، أستراليا، الصين، الهند، فلسطين والولايات المتحدة. بحلول عام 1939 واستنادا إلى إحصاءات الحكومة الألمانية فقد هاجر 400,000 يهودي من ألمانيا الذي كانت تحتوي على 600,000 يهودي، وهاجر أيضا 480,000 يهودي من النمسا وتشيكوسلوفاكيا، وهاجر هذا العدد الكبير ضمن خطة لتوطين اليهود في مدغشقر ولكنهم توجهوا إلى دول أخرى ولم يتم مصادرة أملاكهم وإلا لما كان اليهود اليوم من أغنى أغنياء العالم، وهناك أرقام أخرى تشير إلى أن أكثر من 2 مليون يهودي هاجروا إلى الاتحاد السوفيتي. كل هذه الأرقام تعني بالنهاية أنه كان هناك على الأغلب أقل من 2 مليون يهودي يعيشون في دول أوروبا التي كانت تحت الهيمنة النازية، ويصر العديد أن السجناء اليهود في المعتقلات النازية لم يزد عددهم عن 20,000. ويورد هؤلاء المؤرخون أن العدد الإجمالي لليهود في العالم في سنة 1938 كانت 16 مليون ونصف المليون، وكان العدد الإجمالي لليهود في العالم بعد 10 سنوات أي في عام 1948 كانت 18 مليون ونصف المليون، وإذا تم القبول جدلا بأن 6 ملايين يهودي قد تمت إبادتهم أثناء الحرب العالمية الثانية فإن العشر ملايين المتبقين يستحيل أن يتكاثروا بهذه النسبة الضخمة التي تنافي قوانين الإحصاء والنمو البشري ليصبح 10 ملايين يهودي 18 مليونا بعد عشر سنوات! .
• عدم وجود وثيقة رسمية واحدة تذكر تفاصيل عمليات الهولوكوست، وأن ماتم ذكره في الاجتماع الداخلي في منطقة وانسي جنوب غرب برلين في 20 يناير 1942 وعلى لسان هينريك هيملر كان ما مفاده أن السياسة الحكومية بتشجيع هجرة اليهود إلى مدغشقر ليتخذوه وطنا تعتبر غير عملية في الوقت الحاضر بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية وأن ألمانيا تحتاج إلى الأيدي العاملة لتسيير عجلة الحرب وأنه واستنادا على المؤرخ الفرنسي بول راسنير الذي كان نفسه يعمل في أحد المعسكرات التي وصفها بالمعسكرات الإنتاجية لدعم الحرب حيث ذكر في كتابه “دراما اليهود الأوروبيين” The Drama of the European أن مايسمى وثيقة الحل النهائي هي في الحقيقة خطة لتأجيل عملية استيطان اليهود في مدغشقر كما كان مقررا وأنه تم تأجيله لحد انتهاء الحرب لحاجة ألمانيا للأيدي العاملة والإنتظار لحد فتح قنوات دبلوماسية مع الدول الأخرى لحين إيجاد وطن مناسب ليهود أوروبا .
• التضخيم الأعلامي لمعسكرات الاعتقال المكثف ومعسكرات الموت لاأساس له من الصحة وأن هذه المعسكرات كانت وحدات إنتاجية ضخمة لدعم آلية الحرب، وأن أكبر المعتقلات التي أثير حوله جدل كبير ألا وهو معسكر أوشوتز قد تمت السيطرة عليها لأول مرة من قبل القوات السوفيتية التي لم تسمح لأي جهة محايدة من دخولها لمدة 10 سنين حيث يعتقد أن الاتحاد السوفيتي قام بتغير ملامح المعسكر خلال هذه السنوات العشر، وأنه لم يكن يوجد على الإطلاق ماتم تسميته بمستودعات الغاز الذي كان اليهود يوضعون فيه بالآلاف لغرض تسميمهم وإنما كانت هناك غرف صغيرة لغرض تصنيع مبيدات الحشرات والآفات الزراعية، وكان هناك بالفعل عدد من المحارق في تلك المعسكرات ولكنها كانت لغرض حرق جثث الموتى الذين قضوا نحبهم من داء التيفوئيد في السنوات الأخيرة من الحرب نتيجة نقص الخدمات الطبية بسبب انهيار البنى التحتية الألمانية في سنوات الحرب الأخيرة وعليه فإنه من غير المعقول أن تصرف ألمانيا كل هذا الوقود والطاقة التي كانت بأمس الحاجة إليها في الحرب لغرض إحراق ملاين الجثث .
• كثير من الصور التي عرضت على العالم وفي محاكم نورمبرغ هي في الحقيقة صور مأخوذة من الأرشيف الألماني نفسه حيث أن الألمان حاولوا أن يظهروا مدى تفشي المجاعة ومرض التيفوئيد في ألمانيا وخاصة في سنوات الحرب الأخيرة، وأن أهم الصور الذي قدمت في محاكم نورمبرغ على أنها إبادة جماعية لليهود هي في الواقع صور من القصف المثير للجدل الذي قامت به الطائرات الحربية لدول الحلفاء لمدينة دريسدن الألمانية بين 13 فبراير و15 فبراير 1945 الذي يعتبر لحد هذا اليوم من أكثر حوادث الحرب العالمية الثانية إثارة للجدل حيث القي حوالي 9،000 طن من القنابل عل تلك المدينة وتم تدمير 24،866 منزلا من أصل 28،410 منزلا وتم تدمير 72 مدرسة و 22 مستشفى و 18 كنيسة و 5 مسارح و 50 مصرفا و 61 فندقا و 31 مركزا تجاريا، ويعتقد أن 25,000 إلى 35,000 مدنيا لقوا حتفهم في ذلك القصف .
• هناك نوع من نظرية المؤامرة حول التضخيم الإعلامي لحوادث الهولوكوست شارك بها الاتحاد السوفيتي من طرف حيث بث هذه الإشاعات لبسط هيمنته على أوروبا باعتباره البديل الأفضل لألمانيا ولكي يصرف النظر عن سوء معاملته للسجناء في معتقلات الگولاگ السوفيتية السيئة الصيت، وشارك في هذه المؤامرة من الناحية الأخرى الدول الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية والذين لم يتقبلوا الفكرة الألمانية باتخاذ مدغشقر وطنا لليهود وإنما فضلوا فكرة إقامة دولة إسرائيل في فلسطين كوطن ليهود العالم.

معاملات اسرى الحرب فالاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله باكوبن

معاملة أسرى الحرب في الإسلام.

مادام القتال مشروعا في الإسلام من أجل تحقيق الأهداف السابقة فإن أولئك الذين يقعون أسرى تحت أيدي المسلمين أوصى الإسلام وقرر مبادئ تقوم عليها معاملتهم وهي: الرحمة واللطف والرفق بهم والإحسان إليهم
﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا ¦ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ الإنسان: 8، 9.
ثم تحريم قتل الأسرى إلا في حدود ضيقة كأن يقتل الأسير عمدًا فيقتص منه، أو لظروف خاصة تمليها ضرورة العداوة وإمعان في الأذى من قبلهم، أو لنقض العهد المتكرر، أو الاستخفاف بالمسلمين فيكون قتلهم عندئذ استئصالا لجذور الشر ومصادر الفتنة.
هذه بعض المبادئ والأسس التي قررها الإسلام في معاملة أسرى الحرب.

أما قتلى الكفار فإن الإسلام اهتم بضرورة احترام الميت، وكان المسلمون يدفنون قتلى عدوهم ويوارونهم كما حدث ذلك في غزوة أحد، ونهى الإسلام نهيا قاطعا عن التمثيل بالميت لما في ذلك من امتهان لكرامة الإنسان، والبعد عن الفضيلة.. وفي الحديث الذي سقنا نحوه آنفًا: (سيروا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ولا تمثِّلوا ) .
وكما نهى عن التمثيل نهى عن حرق الجثث بالنار أو التعذيب بالنار حتى الموت، كما ورد ذلك في صحيح مسلم أن هشام بن حكيم بن حزام مر على أناس من الأنباط (هم فلاحو العجم) بالشام قد أقيموا في الشمس فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية فقال هشام: أشهد سمعت رسول الله ³ يقول: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ) .

فالعدالة هي الميزان الذي يحدد به الإسلام العلاقات بين الناس في السلم والحرب، ففي السلم يكون حُسن الجوار قائما على العدالة وكل العلاقات الدولية والإنسانية في الإسلام يحكمها ميزان العدل، وإذا استعرت نيران الحرب يكون العدل.

رمز الديمقراطية الأمريكية "ابراهام لينكولن"

كاتب الموضوع الأصلي: ديمه عامر الغرير

رمز الديمقراطيةالأمريكية “ابراهام لينكولن”
1809 _ 1865م

ولد ابراهام عام 1809م في ولاية كنتكي في أمريكا وكان أبواه في حالة فقر مدقع ، وكانت أسرة لينكولن الكثيرة العدد تعيش في كوخ خشبي صغير عند طرف الغابة .
اضطرته ظروف حياته إلى أن يتولى تحصيل علمه بنفسه عن طريق الكتب التي من الصعب الحصول عليها في منطقة نائية على الحدود وقد أفلح ذات يوم في شراء عدد كبير من الكتب من مسافر كان يحملها في برميل كبير . والواقع أن هذه الكتب قد زودته بمادة وافرة من الدروس والتحصيل .
قام لينكولن بأول رحلة له فتحت أبواب الفرص أمامه وهو في سن التاسعة عشر من عمره ، حين سافر كأجير في مركب وجهته ميناء نيوأورلاينز ، وقد تركت هذه المغامرة أثراً بالغاً في قرارة نفسه .
بعد ذلك سافر إلى مدينة نيو سالم حتى يستقل في حياته ، وكان أول عمل يعمله هناك هو سكرتير لجنة الانتخابات في المدينة وأتاح له عمله التعرف على أهل المدينة وكان الجميع يحملون له مشاعر الحب والود .. فهو بالنسبة لهم شخصية متدينة مثقفة قادرة على اجتذاب كل من يتعامل معها ، فرشح ابراهام نفسه في انتخابات المجلس التشريعي للولاية ولكن الحظ لم يحالفه رغم حب الناس له .. لأنه رشح نفسه عن حزب الأقلية .

وبعد تجربة الانتخابات هذه التحق بهيئة بريد مدينة نيوسالم وعمل مديراً لمكتب البريد رغم افتقاره للرشاقة في الحركة والتعبير، وكعادته كان يحب عمله ويجيده مما دفع المتعاملين معه إلى الإعجاب بشخصيته وأخلاقه ، ومن ثم تعرف على عدة شخصيات كبيرة حاولت أن تخدمه بقدر استطاعتها .. حتى أصبح عضوا في نقابة المحاميين وهو في الثامنة والعشرين من عمره .
وتفتحت الأبواب أمام ابراهام فبعد دراسة القانون ونجاحه كامحامي جيد ، رشح نفسه مرة ثانية في انتخابات المجلس التشريعي وأصبح عضوا فيه .. وهكذا لم يستسلم لليأس أو الفشل بل كان يعتد بنفسه ويثق في مواهبه واستعداده ، ثم يعمل لتحقيق ما يريد .
كان يعظ الناس ويحب العدالة كثيرا ويكره الظلم ويعطف على الفقراء حتى أنه تزعم الحركة التي تدعو لإلغاء الرق في وقت كان العبيد يباعون في الأسواق .

وجد ابراهام لنفسه فرصة للدفاع عن المظلمين واشباع حبه للعدالة والإنسانية وفي هذا يقول هو : “المحامي الشريف لا يجعل جمع المال نصب عينيه ، إذ أن أعظم أجر يتقاضاه المحامي الحر هو انتصار في قضية ترافع فيها عن متهم برئ ، أو فقير مظلوم أو يتيم أو أرملة أرجع إليهم جميعاً حقوقهم المهضومة ، أما المال فهوهدف التاجر ، وهناك فروق بين التجارة والمحاماه .. “
التف أصحاب القضايا والمظلومين حوله ومع ذلك كان فقيراً غارقاً في الديون رغم أنه كان يستطيع أن يحصل على ثروة طائلة من عمله لكن حبه للناس دفعه إلى الدفاع عنهم بأقل أجر .

كان من الطبيعي أن ينجح ابراهام لنكولن في انتخابات الرئاسة بعد أن رشح نفسه عن الحزب الجمهوري فقد عُرف عنه نزاهته ووطنيته ، والتف الناس حوله وأحبوه وانتخبوه عام 1861م رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية ليكون الرئيس رقم (16) لها .. ولم تتغير شخصيته بعد أن فاز بالرئاسة بل ظل كما هو بسيطاً متواضعاً يصافح الناس في الشوارع ويفتح باب داره بنفسه للضيوف وكانت بساطته هذه تثير غيظ زوجته الارستقراطية ولكنه لم يهتم بتعليقاتها وكان أول زيارة يقوم بها بعد توليه منصب الرئاسة زيارة زوجة أبيه التي كان لها فضل كبير في تربيته فقد سافر هو بنفسه في ذلك الجو القارس ليأتي بها تسكن معه في البيت الأبيض اعترافاً منه بجميلها عليه واحترامه لها ..

على الرغم من المدة القصيرة التي رأس فيها ابراهام الولايات المتحدة والتي لم تزد عن خمس سنوات إلا أنها تركت بصمة واضحة في تاريخ أمريكا ومستقبلها فقد كان أول من ناد بحرية الصحافة لأنها خير ضمان لحرية الأمة وهو أول من وضع المبادئ الإنسانية السامية في الدستور الأمريكي وهو الرجل الذي حارب الرق وألغاه تماماً رغم الصعوبات التي واجهها في هذا المجال التي يطول شرحها .. وكرس كل جهده لإبقاء إتحاد الولايات المتحدة فاعلاً ولكن عملاء التمرد والانفصال كرسوا كل جهودهم للقضاء على الاتحاد وأشعلوا نار الحرب التي كان حريص بالإبتعاد عنها .. ولكن قامت الحرب بين ولايات الشمال وولايات الجنوب .. وما كان إلا النصر للشمال الذي كان يتفوق في عدد الولايات والبشر رغم تفوق الروح العسكرية عند الجنوب .. ويرجع النصر له من أجل بقاء الولايات المتحدة متحدة دائمة وقوية ومن أجل تحرير العبيد .

لم يستطع ابراهام أن يتمتع بانتصاره فقد انتهت حياته بعد ذلك بقليل وكانت نهاية مأساوية إذ بينما كان يشاهد مسرحية “ابن عمى الأمريكي” مع زوجته أطلق عليه ممثل مجنون يدعى “جون بوث” الرصاص فظل في غيبوبة حتى فارق الحياة وعمره (56) عاماً ..

ويعتبر الساسة ابراهام لينكولن من كبار الرؤساء الأمريكيين الذين أوصلوا الولايات المتحدة إلى ما هي عليه اليوم من تقدم وازدهار.
:)

العلاقات الدوليه فالاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله باكوبن

الأسس التي بنى عليها الإسلام علاقاته الدولية والإنسانية.

هناك أسس كثيرة بنى عليها الإسلام علاقاته الدولية والإنسانية، ولعل من المناسب الإشارة إلى أهم تلك الأُسس:

1- العدل في المعاملة والحكم بين الناس بالعدل مطلقا بغض النظر عن أديانهم، وأجناسهم، وألوانهم. ولقد تضافرت النصوص التي تحض وتأمر بالعدل حتى مع الأعداء والأولياء
﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنَّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ المائدة: 8.

2- احترام الكرامة الإنسانية انطلاقًا من إيمانه بأن الناس كلهم من أصل واحد، ومن نفس واحدة، وإنما جعلوا شعوبًا وقبائل ليتعارفوا ويتآلفوا، لا ليختلفوا، ويتنافروا
﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾ الحجرات: 13.

3- اعتبار الناس كلهم أمة واحدة (كلكم لآدم وآدم من تراب )
وذلك بعد أن يقرر أن أصل الناس كلهم واحد، وأن الأجنبي ليس عدوًا مطلقًا مادام الأصل واحدًا.

4- الحث على التعاون الإنـساني على نصرة المظلـوم، وإغاثـة الملهوف ورفـع الظــلم، وردع الظالمــين المجرمــين، ولذلك ليـس من عجـب أن يكـون التعاون أصـلاً من أصول الإيمـان
﴿وتعاونوا على البرّ والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ المائدة: 2.

5- بناء العلاقات الإنسانية على التسامح غير الذليل وهذا التسامح أساسٌ طبّقه الرسول ³ مع ألدّ أعدائه في حروبه، كما حدث في غزوة بني المصطلق، وطبَّقه في معاهداته كما يشهد لذلك جليا موقفه من قريش الذين منعوه من العمرة ودخول المسجد الحرام ظلما وشططا عام الحديبية.

6- بناء العلاقات الإنسانية على مراعاة الحرية الشخصية لأن في ذلك تحريرا للنفوس من سيطرة الأهواء والشهوات، ولذلك لم يشأ الإسلام إكراه أحد على اعتناق العقيدة
﴿لا إكراه في الدين﴾ البقرة: 256.

7- التمسك بالفضيلة في معاملة الناس وحمايتها في كل الأحوال واعتبارها أساس العلاقات الدولية في حالتي الحرب والسلم. ولا غرو أن يحفظ التاريخ على أزهى صفحاته وأنصعها تلكم الوصية الخالدة التي يقولها رسول الإسلام ³ لجيوشه عندما يبعثهم: (اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع ) رواه أحمد في المسند بإسناد حسن.

8- وجوب الوفاء بالعهد ضمانًا لبقاء عنصر الثقة في التعامل بين الناس أفرادًا وجماعات وحكومات، ولذلك جعل الإسلام هذا الأساس مستلزمًا من مستلزمات الإيمان بالله،
﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب ¦ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ الرعد: 19، 20.

9- تأمين الرسل والسفراء على أنفسهم حتى يعودوا سالمين إلى من بعثهم، ولهذا الأساس أهمية قصوى، وأهداف كبرى، وذلك أنه مدعاة إلى فتح باب الدعوة على مصراعيه إلى الدين وتعريف الناس به، ويعتبر وسيلة من وسائل تبادل الأسرى والفداء في الوقت نفسه، إضافة إلى تسهيل تبادل الود بين أمم الأرض، وفض المنازعات وعقد المعاهدات؛ لذلك أقر الإسلام الحصانة الشخصية لمبعوثي الدول والسفراء ـ الدبلوماسيين ـ فلم يُجِز التعرض لأشخاصهم وأموالهم وأسرهم، وأتباعهم، وأقر كذلك الحصانة القضائية لهم، فلم يلزم الوالي بتنفيذ العقوبات التعزيرية عليهم بل مال بعض الفقهاء إلى إعفائهم من المسؤولية الجنائية المتعلقة بحق الله ـ كالزنى والسُكْر ـ وقرر الإسلام الحصانة المالية لهم، فذهب الفقهاء إلى القول بإعفائهم من متعلقات الحصانة المالية.

هذه بعض الأسس التي بنى عليها الإسلام علاقاته الدولية والإنسانية، وليس هناك من ريب أن الغرب تأثر بها أو بأكثرها ـ وإن لم يصرح بذلك ـ وخاصة تلك التي تتعلق بقواعد ومبادئ معاملة أسرى الحرب والجرحى ـ كما سيأتي ـ وقواعد الهدنة والحرب والصلح، أضف إلى ذلك تأمين المبعوثين والسفراء والرسل ليقوموا بمهامهم لمصلحة الأطراف المتنازعة. وإذا كانت هذه هي بعض الأسس التي بنى عليها الإسلام علاقاته الدولية والإنسانية، فلماذا شرع القتال ـ الحرب ـ وما أهدافه؟

لماذا شرع القتال.

يمكننا تلخيص أسباب وأهداف القتال في الإسلام في النقاط الآتية: تأمين حرية نشر الدعوة، وكفالة حرية العقيدة، ومنع الفتنة في الدين، ورد العدوان، وحماية الأوطان من الاعتداء على الأعراض والمقدسات. وفي ذلك كله إعلاء لكلمة الله والمحافظة على القيم والأخلاق الفاضلة، ودرء الفتنة ومنع الردة والبغي داخل المجتمع الإسلامي وخارجه.

الفلسفة

كاتب الموضوع الأصلي: شادن الشعيبي

الفلسفة كلمة يونانية الأصل معناها الحرفي “حب الحكمة” . حتى السؤال عن ماهية الفلسفة ” ما هي الفلسفة ؟ ” يعد سؤالا فلسفيا قابلا لنقاش طويل . و هذا يشكل أحد مظاهر الفلسفة الجوهرية و ميلها للتساؤل و التدقيق في كل شيء و البحث عن ماهيته و مظاهره و قوانينه . لكل هذا فإن المادة الأساسية للفلسفة مادة واسعة و متشعبة ترتبط بكل أصناف العلوم و ربما بكل جوانب الحياة ، و مع ذلك فالفلسفة مادة تحوي بقية العلوم و التخصصات . توصف الفلسفة أحيانا بأنها “التفكير في التفكير ” أي التفكير في طبيعة التفكير و التأمل و التدبر ، كما تعرف الفلسفة بأنها محاولة الإجابة عن الأسئلة الأساسية التي يطرحها الوجود و الكون .( البحث عن الحقيقة ومن يمتلك الحقيقة)
شهدت الفلسفة تطورات عديدة مهمة ، فمن الإغريق الذين أسسوا قواعد الفلسفة الأساسية كعلم يحاول بناء نظرة شمولية للكون ضمن إطار النظرة الواقعية ، إلى الفلاسفة المسلمين الذين تفاعلوا مع الإرث اليوناني دامجين إياه مع التجربة و محولين الفلسفة الواقعية إلى فلسفة إسمية ، إلى فلسفة العلم و التجربة في عصر النهضة ثم الفلسفات الوجودية و الإنسانية و مذاهب الحداثة و ما بعد الحداثة و العدمية .
الفلسفة الحديثة حسب التقليد التحليلي في أمريكا الشمالية و المملكة المتحدة ، تنحو لأن تكون تقنية أكثر منها بحتة فهي تركز على المنطق و التحليل المفاهيمي conceptual analysis . بالتالي مواضيع اهتماماتها تشمل نظرية المعرفة ، و الأخلاق ، طبيعة اللغة ، طبيعة العقل .
هناك ثقافات و اتجاهات أخرى ترى الفلسفة بأنها دراسة الفن و العلوم ، فتكون نظرية عامة و دليل حياة شامل . و بهذا الفهم ، تصبح الفلسفة مهتمة بتحديد طريقة الحياة المثالية و ليست محاولة لفهم الحياة .
في حين يعتبر المنحى التحليلي الفلسفة شيئا عمليا تجب ممارسته ، تعتبرها اتجاهات أخرى أساس المعرفة الذي يجب اتقانه و فهمه جيدا .
صورة

قصة وصول الوثائق الأمريكية إلى ويكيليكس

كاتب الموضوع الأصلي: حصه العبدالكريم

قصة وصول الوثائق الأمريكية إلى ويكيليكس

في وقت سابق من العام الجاري وصل جهاز للذاكرة الصلبة لا يتجاوز حجمه حجم الإصبع إلى أحد مراسلي صحيفة الغارديان. كان الجهاز صغيرا جدا بحيث يمكن تعليقه بحاملة مفاتيح، ولكن محتواه ضخم وتسبب نشره في هزة عنيفة طالت حكومات العالم.

سعة الجهاز التخزينية كانت 1.6 غيغابايت، واحتوى على ملايين الكلمات هي محتوى أكثر من ربع مليون وثيقة من وثائق وزارة الخارجية الأميركية، أرسلت من وإلى السفارات الأميركية في كافة أنحاء العالم.

ما ظهر وسيظهر في الأسابيع القادمة هو كشف غير مسبوق للدبلوماسية السرية للقوة العظمى الوحيدة في العالم، وطريقة تعاملها مع حلفائها وأعدائها، وكيف تفاوضهم وتضغط عليهم في بعض الأحيان، ويصل الأمر إلى نعت الزعماء بأبغض النعوت، وكل ذلك خلف الكواليس ومن خلال قنوات خلفية وتصنيفات سرية، ظنّ الدبلوماسيون أنها عالمهم السري الخاص الذي لن يطلِّع عليه أحد غير أميركي في يوم من الأيام.

حبس انفرادي
الجيش الأميركي يعتقد أن المسؤول عن التسريبات هو الجندي برادلي ماننغ البالغ من العمر 22 عاما، والذي يحتجز في زنزانة انفرادية منذ سبعة أشهر، وينتظر محاكمة عسكرية في أوائل العام المقبل.

المحلل السابق في جهاز المخابرات متهم بتنزيل وثائق مصنفة على أنها سرية بدون تخويل رسمي، عندما كان يخدم في قاعدة عسكرية أميركية قرب العاصمة العراقية بغداد.

ماننغ مشتبه فيه على أنه قام بتصوير نسخ من أرشيف وزارة الخارجية، وكذلك تسريب ملف فيديو يحتوي على تصوير لطائرة مروحية أميركية تقتل مدنيين عراقيين، بالإضافة إلى آلاف الوثائق المتعلقة بالحرب في العراق وأفغانستان.

ماننغ وصف لأحد رفاقه عملية تسريبه للوثائق بأنها سهلة إلى درجة ساذجة. قال ماننغ “آتي إلى العمل ومعي قرص مدمج عليه موسيقى مثل “ليدي غاغا” (مغنية أميركية).. أمسح الموسيقى.. ثم أنسخ مكانها ملفات مضغوطة ولا يشك أحد في أي شيء… أصغي لأغنية “تليفون” لليدي غاغا، وأحرك شفتي مع الموسيقى بينما أقوم بتهريب ما يمكن أن يكون أكبر عملية تسريب في التاريخ الأميركي”.

تخويل غير مسبوق
ماننغ قال إنه تمتع بتصريح غير مسبوق لمدة 14 ساعة طوال أيام الأسبوع للدخول إلى شبكات مصنفة على أنها سرية، وإن تصريحه استمر لمدة ثمانية أشهر كاملة.

وأضاف ماننغ لشريكه أدريان لامو (الذي أرشد في النهاية السلطات للقبض على ماننغ) “هيلاري كلينتون والآلاف من الدبلوماسيين حول العالم سوف يصابون بنوبة قلبية عندما يستيقظون ذات صباح ليجدوا أن كامل أرشيفهم المصنف الخاص بالسياسة الخارجية قد أصبح متاحا وبصيغة تتيح البحث لكافة الناس.. في أي بقعة من العالم حيث توجد سفارة أميركية هناك فضيحة دبلوماسية سوف يكشف النقاب عنها. فوضى على مستوى العالم بصيغة حاسوبية مبسطة.. إنه لأمر ممتع ومرعب”.

وأضاف ماننغ “تلك المعلومات هي ملك الناس، وتنتمي لهم”.
وحسب تلك المحاورات، فإن ماننغ قام بتحميل الوثائق التي رفعها على موقع ويكيليكس الذي وصفه بأنه “ناشط في حرية تداول المعلومات”، والذي يقوده قرصان الحاسوب السابق جوليان أسانج.

ويظهر أن أسانج ومجموعته قرروا فورا تمرير المعلومات إلى النشر، إضافة إلى معلومات أخرى متوفرة لديهم “لتضخيم الصدمة السياسية”، حسب ما قالوه على موقعهم الإلكتروني.

خسائر جانبية
في أبريل/نيسان الماضي أعلنوا في مؤتمر صحفي بواشنطن إطلاق تصوير مروحية الأباتشي الأميركية الذي أطلقوا عليه عنوان “القتل كخسائر جانية”.

نيك ديفز أحد أفراد طاقم الغارديان اتفق مع أسانج على تسليمه نموذجين من الوثائق العسكرية المصنفة سرية عن العمليات الميدانية في حربي العراق وأفغانستان، ليتسنى للصحفيين المتخصصين تحليلها.

وقد أظهرت الوثائق -التي نشرت في وقت سابق من هذا العام في صحف مثل نيويورك تايمز وديرشبيغل الألمانية بالتزامن- أن قوات التحالف قتلت مدنيين في السابق ولم يتم الإفصاح عن ذلك، كما أنها سلمت سجناء إلى جهات كانت تعلم جيدا أنها ستعذبهم.

ورغم أن التسريبات قد أكسبت أسانج وموقعه صيتا عالميا واسعا، فإنها أيضا تسببت في غضب عارم في البنتاغون واليمين المتطرف الذي تعالت أصوات من داخله تطالب بالقبض على أسانج أو حتى اغتياله.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أصدرت السويد مذكرة اعتقال دولية بحق أسانج للتحقيق معه في جرائم جنسية مزعومة. لكن محاميه يقول إن تلك مجرد مزاعم لا تستند إلى الحقائق.

ويقول ويكيليكس إنه بصدد نشر مجموعة مختارة أخرى من الوثائق. وقد حصلت أيضا الناشطة في مجال حرية المعلومات هيثر بروك -من خلال اتصالاتها- على نسخة من الوثائق والتحقت بفريق عمل الغارديان.

وتتوقع الغارديان أن تنشر الوثائق القادمة بصورة مستقلة، ولكن بالتزامن مع نيويورك تايمز ودير شبيغل ولوموند الفرنسية وإلباييس الإسبانية.

الجزيرة عن الغارديان البريطانية

وصلة بالموضوع :
الإتجاه المعاكس – تسريبات ويكيليكس فضيحة أم مؤامرة

http://www.youtube.com/watch?feature=ch … JD7LdFLMU0

عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية

كاتب الموضوع الأصلي: حصه العبدالكريم

عمرو موسى
من مواليد أكتوبر 1936 بالقاهرة، وتنتمي عائلته إلى محافظتي القليوبية والغربية،حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة القاهرة 1957 والتحق بالعمل بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية المصرية عام 1958.

عمل مديرا لإدارة الهيئات الدولية بوزارة الخارجية المصرية عام 1977 ومندوبا دائما لمصر لدى الأمم المتحدة عام 1990 ووزيرا للخارجية عام 1991 وامينا عاما للجامعة العربية عام 2001.

وسبق موسى عددا من الامناء السابقون منهم عبد الرحمن عزام أول امين عام للجامعة فيما كان محمد عبد الخالق حسونة ثاني الامناء منذ الفترة من 1952 إلى 1972 فيما حل محمود رياض ثالث امين للجامعة منذ الفترة من 1972 إلى 1979.وحل الشاذلي القليبي رابعا كامين عام للجامعة العربية منذ عام 1979 إلى 1990 فيما أصبح الدكتور أحمد عصمت عبد المجيد خامسا منذ الفترة من عام 1991 إلى 2001 ومن ثم عمرو موسى انتخب في عام 2001 إلى الآن.

وهو سياسي ووزير الخارجية المصري السابق، وأمين جامعة الدول العربية العام. ولد في 1936.تخرج من كليه الحقوق عمل كوزير للخارجية في مصر من 1991 إلى 2001. تم أنتخابه كأمين عام لجامعة الدول العربية في مايو 2001، وما زال قائما بهذا المنصب إلى يومنا هذا.

المناصب التي تقلدها1958:
ملحق بوزارة الخارجية المصرية.
1958 ـ 1972 : عمل بالعديد من الإدارات والبعثات المصرية ومنها البعثة المصرية لدى الأمم المتحدة
1974 ـ 1977 : مستشار لدى وزير الخارجية المصري
1977-1981 :1986-1990 : مدير إدارة الهيئات الدولية بوزارة الخارجية المصرية
1981-1983 : مندوب مناوب لمصر لدى الأمم المتحدة بنيويورك
1983-1986 : سفير مصر في الهند
1990-1991 : مندوبا دائما لمصر لدى الأمم المتحدة بنيويورك
1991-2001 : وزيرا للخارجية المصرية
2001 : أمينا عاما لجامعة الدول العربية
2003 : عضو في اللجنة الرفيعة المستوى التابعة للأمم المتحدة المعنية بالتهديدات والتحديات والتغيير المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين

الأوسمة والجوائز
حاصل على وشاح النيل من جمهورية مصر العربية في مايو 2001
حاصل على وشاح النيلين من جمهورية السودان في يونيو 2001
حصل على عدة اوسمة رفيعة المستوى من كل من الدول التالية : الاكوادور – البرازيل – الأرجنتين – ألمانيا

كيف تصنع لنفسك تاريخاً؟

كاتب الموضوع الأصلي: هديل الثقفي

كيف تصنع لنفسك تاريخاً؟

سامح محمد عيد محمد

التاريخ سلسلة من الحلقات المتصلة والمترابطة وكثير منا عندما يذكر التاريخ يستحضر الماضي مباشرة وما به من أمجاد وانتصارات تفوق الوصف والتخيلات، فما بالنا اليوم وقد توقفنا عن صناعة تاريخ لنا ولأمتنا الإسلامية، أمة الانتصارات والفتوحات، أمة المشارق والمغارب، أمة كانت وستكون هي وأبناؤها صنّاعا للتاريخ…
حقاً ما أعظمه من عملٍ أن نصنع التاريخ، التاريخ المجيد الذي يفخر به الناس بعد مئات السنين، ويعملون على التواصل معه، والارتباط به واستكمال مسيرته دون توقفٍ أو تباطؤٍ أو تراجعٍ…
ولا أعني بصناعة التاريخ خلقه وإيجاده من العدم؛ فهذا من شأن رب العالمين تبارك وتعالى، وإنما أعني به صناعة أحداثٍ تؤتي نتاجاً مباركاً في تحقيق أهدافٍ للأمة الإسلامية؛ تؤثر في حاضرها ومستقبلها، وتضيء الجوانب المظلمة فيها، وتحي ما مات من آمالها، ومرّ من انتصاراتها، وطُمس من أحلامها، دون انتظارٍ لأحدٍ أن يسبق؛ فالمسلم هو أجدر وأقرب من يكون الصانع لتاريخه السابق لغيره..
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والاتباع الجميل حيث ضرب أروع الأمثلة في السبق والريادة والشجاعة وعدم الانتظار؛ روى البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال: … فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهْوَ يَقُولُ: ((لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا)).. (رواه البخاري (5686)، ومسلم (6146)).
فهنا صلى الله عليه وسلم لم يسبقه أحد إلى الحدث، ولم ينتظر أن يقوم به أحد – فأصحابه كثر ولن يتأخروا أو يتباطؤا رضي الله عنهم جميعاً – بل ذهب صلى الله عليه وسلم وكأنه لا يوجد في المدينة سواه!!
ولكن الآن وفي ظل التجهيل بإسلامنا وقيمنا ومبادئنا واحترامنا لأنفسنا أصبح السبّاقون لصناعة التاريخ فضلا عن المبادرين والساعين لصناعته قلة قليلة جدا، والله المستعان.
نعم فهو مطلب ليس من السهل الحصول عليه والوصول إليه، ولكن لنأخذ بالأسباب والنتائج وآليات الصناعة أقصد آليات صناعة الرجال.
فنصنع تاريخاً لأنفسنا من أجل تحقيق آمال أمتنا وتضميد بعض جراحها التي ما زالت تسيل منها الدماء بل تُقذف قذفاً؛ فصناعة تاريخ لي هو نفسه صناعة تاريخ لأمتي التي أنا جزء منها وهي كلٌّ لي، فكيف تهون النفس على الإنسان أن يكون كأنه غير كائن، كأنه غير إنسان حقيقي، فهو في طريق لا يعلم سبب وجوده فيه ولا هدفه، ولا يعلم إلى أين سيأخذه هذا الطريق هل إلى المجد المنتظر أم إلى الحضيض وسفال الفِكَر؟
واعلم أن هناك من الناس من هم حولنا يصنع تاريخاً لنفسه يومياً ولكن تاريخاً مزيفاً لا يترك بصمات فهو لا يشغله من أي الأبواب يدخل فهدفه الدخول ولو على حساب دينه ومعتقده وولائه وبرائه هدفه صناعة تاريخ لنفسه بدون هدف أو دافع سوى حب النفس وشهرة الصيت وجمع المال، أنانية ظاهرة جلية واضحة، وحيْد عن الطريق القويم، ليته يرجع لعل الأمة تتباه به يوماً من الأيام، حقاً لعلها تتباه به…

فمن دخلوا بوابة التاريخ كُثُر منهم: المجرمون والعصاة بل والمرتدون، وأدعياء العلم، والطغاة، والثوار، وأباطرة الحرب والمال، والممثلون والراقصون، واللاعبون..
منهم الدول، والممالك، والفرق, والجماعات, والطوائف, والأحزاب… وقائمة طويلة لا تنتهي من غثاء الأمة وفضالة رجالها!!

فالخوارج والشيعة حفلت بهم الكتب، والمعتزلة والأشعرية شغلوا الناس بفلسفاتهم وأفكارهم وكلامهم, والمغول والصهاينة دخلوا التاريخ من باب وحشي دموي, والبهائية دخلوه من باب الخيانة والاستعمار الإنجليزي، وغيرهم ممن مضوا دون إنجاز، دون صناعة حقيقية لتاريخ أنفسهم.

نعم ليس كل من دخل التاريخ صنعه كما يرضي رب العالمين، وكما نريد لأمتنا الأبيّة؛ فليس كل من كًُتب اسمه في الكتب أو الصحف أو المجلات أو ظهر في وسائل الإعلام بنى حضارة أو ترك أثراً أو بصمة أو ذكرى طيبة أو أسس مبدأ أو دافع عن قضية إسلامية.

أقول هذا ونحن في عصر التقدم العلمي والتقني؛ التكنولوجيا والفضائيات والشبكات العنكبوتية (الإنترنت)، أقول هذا وفي قلبي بل وفي قلب كل مسلم مخلص لدينه مرارة الأسى والحسرة وذلك حيث قامت إحدى الدول التي يدين أغلبها بالإسلام بتكريم مرتدٍ كافرٍ وإعطائه جائزة تقديرية لجهوده الباطلة ونواياه الفاسدة ضد دين الإسلام ثوابته ومقدساته، أليس مثل هذا ممن يعتبر ورقياً صَنع تاريخا مزيفاً لنفسه؟!!

أليس هذا ممن لُمّع وجهه من فلاشات الكاميرات وتسليط الأضواء؟ أليس هذا ممن كذب على مستمعيه وقرائه وأتباعه؟ أليس هذا ممن حرّف وانحرف؟ أليس هذا ممن ساق وانساق ومال واستمال؟ أليس هذا ممن بهرته الهتافات والحشود وتصفيق الجهال وأعمته السرادقات ومد البسط الحمراء حتى سكر وثمل من الشعارات فتجشأ قذراً وردةً وكفراً؟ {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178]، {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى:20].

فعلى هذا النكرة ومن شابهه أن يعلموا جيدا بأن التاريخ لن يتغير ولن يضيفهم بين دفتيه إلا على سبيل أنهم عاصون لله ولرسوله، منحرفون عن الدين القويم والفكر السليم، كما عليهم أن يعرفوا أن صناعة التاريخ لها رجالها الذين يصنعونه بدينهم واستقامتهم وطاعتهم لرب الأرض والسموات؛ فليست بصدفةٍ أو هي مهنة يمكن لمن يشاء أن يمتهنها، لكنها عزيمة وإصرار وطموح وآمال وإبداع نفوس خلقها الله لذلك وبث فيها من القوة والصبر والتضحية وبذل النفس والمال والولد فصناع التاريخ {… رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]

وهي مهمة كانت من مهمات الأنبياء والصديقين والشهداء والتابعين والرجال المخلصين من أهل الاستقامة والخير والتقوى أمثال: نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، وقطز، وأورخان غازي، ومحمد الفاتح، وعمر المختار، وعبد الله عزام، وأحمد ياسين، وخطاب، وشامل باسييف وغيرهم الكثير والكثير، حقاً إنهم (أقمار في زمن الظلمة).
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر:10]
أليست رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة فمن سيبدأ بهذه الخطوة أنا أنت هو هي؟ من سيكون له السبق في أن يصنع لنفسه تاريخاً له ولأمته؟ ألا تعلم أن للوقت دوره المؤثر في صناعة التاريخ بعد أن تنحى عن دوره فقط في تسلسلها؟!! فبادر ولتكن أنت الأسبق {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26]
قال أحدهم: (أما الرجل الصانع للأحداث فهو رجل أحداث، أفعاله هي نتائج طاقات وملكات، ذكاء حاد وإرادة قوية وشخصية بارزة أكثر مما هي نتائج حوادث عارضة ناجمة عن مركزه).
ونزيد على قوله بدايةً وقبل كل ذلك: توفيق من الله ومنّ منه على صاحبه بأن يكون من صناع التاريخ.

ولكي يصنع المسلم لنفسه تاريخاً ولأمته يجب عليه عدة أشياء منها:
• أن يتجرد من مخاوفه الدنيوية كالخوف على الجاه والسلطان والمال والأهل والولد، ويعلي من همته فهو مقبل على صناعة تاريخ بأكمله ويا له من شرفٍ ((إن الله تعالى يحبُّ معاليَ الأمور وأشرافَها، ويكره سفسافها))؛ (رواه الطبراني 3/131، وصححه الألباني)

• أن يتجنب أهواءه وحساباته الضيقة فهو ليس يهدف بصناعة التاريخ هدف ذاتي، بقدر ما هو يهدف إلى إنجاز وصناعة تاريخ لأمته يدفعها إلى النور بعيدا عن الانجرار إلى الظلمة ويسمو ويعلو بها بعيدا عن الدنو {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40]
• أن يوسع تفكيره المحدود ويعمق نظرته السطحية؛ فتفكيره منصب وموجه لأمته، وصناعة تاريخه؛ ويعلم بأن التدين المنعزل عن الحياة تديُّنٌ مرفوض، لا يُقبَل من صاحبه، إذ ذات الصلاح لا يُنقذ الإنسان من فساد الدنيا، ومن مسؤوليته عن هذا الفساد، {وَمَا كانَ ربُّكَ ليُهْلكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهلُهَا مُصِْلحُون} [هود: 117].
• أن يدرس العلوم الشرعية؛ كالعقيدة والفقه، والحديث، وغيرها، وكذلك العلوم الحياتية التي تحتاجها الأمة ولا تستقيم الحياة بدونها التي تساعده على صنع تاريخه وتاريخ أمته، فالحياة في تطور دائم، والحاجات تتجدد وتختلف من عصر إلى عصر.
وعليه فتضافر العلم مع العمل يثمر تغييرًا في السلوك، فسمة الإسلام هي الوَحْدة بين الشعور والسلوك، بين العقيدة والعمل، بين الإيمان القلبي والإحسان العملي، بذلك تستحيل العقيدة منهجًا للحياة كلها، وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها، وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله؛ {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]
• أن يعلم بأنه من المستخلفين في الأرض قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:65]
• أن يعمل على نشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة مفاهيم النصر والاستعلاء والتقدم وأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة ما سواه هي السفلى حيث تُوجِد المناخ الجيد، وهو بدوره يُبْرز أحسن ما في الإنسان! لا المفاهيم الخبيثة القاتلة مفاهيم الهزيمة النفسية التي جعلت من الفعالية والمسارعة والإحساس بالمسؤولية حالات فردية، وطفرات شاذة، بعد أنْ كانت منهجًا عاماً للأمة كلها!
• أن يضع نصب عينيه بعضاً من السنن الإلهية العامة للنصر وهي:
أن النصر من عند الله لا من عند غيره: قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ} [آل عمران: 126]
الإخلاص: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، وهذه هي قاعدة دين الله على الإطلاق: عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والميل عن الشرك وأهله.. (في ظلال القرآن (8/80)).
فالإخلاص هو الذي تقبل به الأعمال وترفع به الدرجات وهو سبب الفوز في الدنيا والنجاة في الآخرة.
التوكل على الله سبحانه وتعالى في كل الأمور؛ {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].
الثبات وعدم الوهن: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا…} [آل عمران: 146]؛ فلن يأتني الوهن ممن حولي من المثبطين ودعاة التغريب والمرتدين والعلمانيين ولو كثروا فأنا عازم لا محالة على صناعة تاريخٍ لي ولأمتي.
الصبر: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].
ولقد تعمق مفهوم الصبر في نفوس الصحابة.. فها هو الصحابي الجليل عمير بن الحمام رضي الله عنه يردد وهو يقاتل في بدر:
ركضاً إلى الله بغير زاد — إلا التقى وعمل المعاد.
والصبر في الله على الجهاد — وكل زاد عرضة للنفاد.
غير التقى والبر والرشاد
الإيمان بالله وتقواه: لأن النصر لا يتحقق على يد جنود يقاتلون بلا إيمان، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128]
تجنب النزاع والشقاق: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]
إرادة الجهاد: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)) (رواه مسلم (1910)).
إعداد العدة: الإعداد في حقيقته هو الأخذ بالأسباب {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60]، أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم؛ فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْي، والشجاعة والتدبير. (تفسير السعدي (ص324))
ومن صور الإعداد:
الإعداد الديني والروحي: ويأتي بإعداد الأفراد الربانيين بقوة الإيمان، وقوة الشكيمة والعزيمة، وحب الشهادة في سبيل الله عز وجل، وجعل الآخرة أحب إليه من الدنيا، وكثرة الدعاء والإلحاح على الله والإخلاص والإيمان بالقضاء والقدر قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] فتقوى عزيمته للجهاد في سبيل الله، ويقوى كَلَبه على أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم.
الإعداد التربوي والعلمي: بالتفرغ لأصحاب القدرات المتميزة في مجال العلم والتربية والدعوة والإعلام والسياسة والاقتصاد والمال، وإعدادهم، والاهتمام بمراكز المعلومات والبحوث وهي من أهم حاجات العصر.
العِلْمُ يَبْنِي بُيُوتًا لا عِمَادَ لَهَا وَالجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ العِزِّ وَالكَرَمِ
التخطيط والإدارة: والاستعداد بقوة لأمر مستقبلي {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77]
الإعداد الاقتصادي: بوصول الأموال إلى قبضة المسلمين، وتحكم المنظومة الإسلامية في الاقتصاد العالمي، ومن خلاله يتحقق الاكتفاء الذاتي للأمة.
الإعداد الإعلامي: وهو ذو أهمية خطيرة لتزويده الناس بالمعلومات والحقائق، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وإحداث التغيير فيها للأفضل، والمحافظة على شخصية المجتمع بكل معتقداته وآدابه وتراثه وتاريخه..
الإعداد الأمني: بتشكيل الأجهزة الأمنية ومكاتب المعلومات التي تقدم للقيادة التقارير لوضع الخطط المناسبة؛ فاستطلاع أخبار العدو ومعرفة مواطن الضعف فيه ومواقع آليته ومنشآته يوصل للتخطيط السليم المؤدي إلى الظفر به.
الإعداد العسكري: بأخذ القوة من الرمي، ومعرفة أساليب القتال والجهاد في سبيل الله عز وجل.
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْىُ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْىُ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْىُ)) (رواه مسلم (5055)) والرمي يكون حسب آلات كل عصر وما يناسبه كالمدافع على اختلاف أنواعها والقنابل والصواريخ والطائرات والدبابات..
مداولة الأيام بين الناس: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]، من الشدة إلى الرخاء، ومن الرخاء إلى الشدة، ومن النصر إلى الهزيمة، ومن الهزيمة إلى النصر، {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140].
وهذه السنة نافذة بحسب ما تقتضيه سنة تغيير ما بالأنفس: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53].
وهنا يضع الله عز وجل أيدينا على سر عظيم، وهو ارتباط المداولة بين الأمم والدول والمجتمعات مع التغيير النفسي والذاتي في الأمة؛ فسقوط الحضارات ونهوضها، والأمم في ارتفاعها وهبوطها، مرتبطة بهذا التغيير النفسي في مسارها عبر التاريخ والحاضر والمستقبل، وهي سنة ماضية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل.

حقاً: فلا نامت أعين الجبناء…
قال مصطفى السباعي رحمه الله: الشباب يصنعون التاريخ بقلوبهم، والعلماء يصنعونه بعقولهم، والحكماء يصنعونه بأرواحهم، فإذا تعاون القلب والعلم والروح على صنع التاريخ، كان تاريخًا لا ينطفئ نورُه، ولا تخبو ناره، وكذلك صنعنا التاريخ أول مرة.
فالتمكين قادم لا محالة له ولمن على جادته من القادمين لصناعة تاريخهم وتاريخ أمتهم ولكن علينا بأسبابه من الاتباع وترك الابتداع، علينا بكل الأسباب التي توصلنا إليه مهما كانت العقبات والتحديات ومهما كانت المحن والابتلاءات فمع كل محنةٍ نجد منحًا وعطايا.
فمحن النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين وهو يصبر ويدعو ربه وينافح عن الدين فكانت منحه بأن يكون سيد ولد آدم وخير البشر وأفضل الخلق وحبيب الرحمن ويكون دين الإسلام هو الدين عند الله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ} [آل عمران:19]
ومحنة المسلمين وهم يتسللون مستخفينَ من مكة إلى المدينة تركوا وطنهم وهم له محبون فكانت منحتهم صنع تاريخ البشرية، ووضع حجر الأساسِ لقيام الدولة الإسلامية.
ومحنة الحديبية وعدم ذهابهم للبيت العتيق وحزنهم الشديد لذلك؛ فكانت المنحة بعدها بالفتح المبين لمكة.
ومحنة الردة التي قام لها الصديق الرجل الذي وزن قدر أمة في وقته، تحولت إلى منحة يوم أن أعلنها صريحة مدوية: ((وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)) (رواه البخاري (1335))، وكشف الله المرتدين وعاقبهم بأيدي المؤمنين.
ومحنة آلاف الأسرى من بلاد الروم والفرس التي فتحَها المسلمون؛ فدخل الإسلام بلادهم فإذا هم يتبوءون نعيمَ الهداية، ويحرزونَ فوز الآخرة.
ومحنة التتارُ الذين أطبقوا على الأمة وقتلوا في بغداد وحدها مليوني مسلم تقريبا؛ فكسر الله أعداءه في عين جالوت وعاد للأمة مجدها ودخل التتار في الإسلام وأصبحوا شوكة في أعناق الكافرين.
وهكذا {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 19]. {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

ولنعلم أن من صنعوا تاريخهم أناس ليسوا خلقا من عالم آخر بل بشرا مثلنا أكثرهم عاصر ظروف القهر والظلم والاستبداد، ولكن الفارق بينهم وبين جميع الناس أنهم كانت لديهم الإرادة والنية والجد والمثابرة لتغيير واقعهم إلى الأفضل والأحسن، مع الاستعداد الدائم لدفع الثمن مهما كانت تكلفته…
واعلم أن الخير ما زال في هذه الأمة ما دامت الحياة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]
يقول سيد قطب: “وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة؛ لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها هي خير أمة، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض، ومِن ثَم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية، إنما ينبغي دائمًا أن تعطي هذه الأممَ مما لديها، وأن يكون لديها دائمًا ما تعطيه، ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح، والتصور الصحيح، والنظام الصحيح، والخلق الصحيح، والمعرفة الصحيحة، والعلم الصحيح، هذا واجبها الذي يُحَتِّمه عليها مكانها، وتحتمه عليها غاية وجودها، واجبها أن تكون في الطليعة دائمًا، وفي مركز القيادة دائمًا، ولهذا المركز تبعاته، فهو لا يؤخذ ادِّعاءً، ولا يسلَّم لها به إلا أن تكون هي أهلاً له، وهي – بتصورها الاعتقادي، وبنظامها الاجتماعي – أهلٌ له، فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي، وبعمارتها للأرض – قيامًا بحق الخلافة – أهلاً له كذلك، ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير، ويدفعها إلى السبق في كل مجال، لو أنها تتبعه وتلتزم به، وتدرك مقتضياتِه وتكاليفَه، وفي أول مقتضيات هذا المكان أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد، وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فهي خير أمة أخرجت للناس”.
فالأمة في حاجة إلى علماء فقهاء، يفقهون تزكية النفوس، وصياغة العقول، وتوحيد الجهود، ويفقهون قوانين بناء وانهيار المجتمعات، وقوانين التغيير، لا خطباء يدغدغون المشاعر والعواطف، ويَدَعُون الأمة تتلهى بالأماني دون أن تفقه كيف تجابه التحديات التي تواجهها.
فالمسلمون في عصرنا إنّما سقطوا وبعدوا عن صناعة تاريخ لهم ولأمتهم؛ لأنّهم اتّبعوا الشرق والغرب، اتبعوا كل ناعقٍ، بينما عندهم الإسلام وهو الأفضل من مناهج الغرب ومن مناهج الشرق، ولا صلاح لهم ولا للبشرية إلاّ بالرجوع إلى الإسلام، فإنّه الدين الوحيد، المطابق للعقل، والفطرة، والبرهان، والمنطق.
أسأل الله أن يستعملنا في طاعته، ويجعل منا صناعا للتاريخ بما يرضيه عنا…
والحمد لله..

العلم النافع وعلامات أهلة

كاتب الموضوع الأصلي: هديل الثقفي

االعلم النافع وعلامات أهله
مختصر من رسالة صغيرة
للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله المتوفى سنة 795
بعنوان:
“فضل علم السلف على علم الخلف”

قال ابن رجب رحمه الله بعد ذكره لجملة من العلوم:
فالعلم النافع من هذه العلوم كلها:
ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق، والمعارف وغير ذلك.
والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أوّلا.
ثمّ الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانياً.
وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشُغْلٌ لمن بالعلم النافع عُنِي واشتَغَل.
ومن وقف على هذا وأخلص القصد فيه لوجه الله عز وجل واستعان عليه‎؛ أعانه وهداه، ووفقه وسدده، وفهّمه وألهمه، وحينئذٍ يثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة به، وهي خشية الله، كما قال عزوجل: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}…

وسبب ذلك أن هذا العلم النافع يدل على أمرين:
أحدهما : على معرفة اللَه وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة. وذلك يستلزم إجلاله، وإعظامه، وخشيته، ومهابته، ومحبته، ورجاءه، والتوكل عليه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه.
والأمر الثاني : المعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه؛ من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال، فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة اللَه ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه:
فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا فهو علم نافع، فمتى كان العلم نافعاً ووقر في القلب فقد خشع القلب للَّه وانكسر له. وذل هيبة وإجلالا وخشية ومحبة وتعظيما. ومتى خشع القلب للَّه وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا وشبعت به فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا…
فالشأن في أن العبد يكون بينه وبين ربه معرفة خاصة بقلبه؛ بحيث يجده قريباً منه، يستأنس به في خلوته، ويجد حلاوة ذكره ودعائه ومناجاته وخدمته. ولا يجد ذلك إلا من أطاعه في سره وعلانيته. كما قيل لوهيب بن الورد: يجد حلاوة الطاعة من عصى؟ قال: لا، ولا من هم. ومتى وجد العبد هذا فقد عرف ربه وصار بينه وبينه معرفة خاصة، فإذا سأله أعطاه، وإذا دعاه أجابه …

فالعلم النافع ما عرف به العبد ربه، ودل عليه حتى عرف ربه ووحده وأنس به واستحى من قربه، وعبده كأنه يراه…
ومن فاته هذا العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلي الله عليه وسلم: وصار علمه وبالا وحجة عليه، فلم ينتفع به؛ لأنه لم يخشع قلبه لربه. ولم تشبع نفسه من الدنيا بل ازداد عليها حرصاً ولها طلباً. ولم يُسمع دعاؤه لعدم امتثاله لأوامر ربه. وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه…

وعلامة هذا العلم الذي لا ينفع أن يكسب صاحبه الزهو والفخر والخيلاء وطلب العلو والرفعة في الدنيا، والمنافسة فيها، وطلب مباهاة العلماء، ومماراة السفهاء، وصرف وجوه الناس إليه، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن من طلب العلم لذلك فالنار النار.
وربما ادعى بعض أصحاب هذه العلوم معرفة الله وطلبه، والأعراض عما سواه وليس غرضهم بذلك إلا طلب التقدم في قلوب الناس من الملوك وغيرهم، وإحسان ظنهم بهم وكثرة اتباعهم. والتعاظم بذلك على الناس…

ومن علامات ذلك عدم قبول الحق والانقياد إليه، والتكبر على من يقول الحق خصوصاً إن كان دونهم في أعين الناس، والإصرار على الباطل خشية تفرق قلوب الناس عنهم بإظهار الرجوع إلى الحق …

ومن علامات أهل العلم النافع : أنهم لا يرون لأنفسهم حالا ولا مقاما، ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح، ولا يتكبرون على أحد، قال الحسن: إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المواظب على عبادة ربه …

ومن علامات العلم النافع : أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع.
فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكراً واستدراجاً كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته.

ومن علامات العلم النافع : أن صاحبه لا يدعى العلم، ولا يفخر به على أحد، ولا ينسب غيره إلى الجهل إلا من خالف السنة وأهلها فإنه يتكلم فيه غضباً للَّه لا غضباً لنفسه ولا قصداً لرفعتها على أحد.

وأما من علمه غير نافع فليس له شغل سوى التكبر بعلمه على الناس وإظهار فضل علمه عليهم ونسبتهم إلى الجهل وتَنَقُّصهم ليرتفع بذلك عليهم وهذا من أقبح الخصال وأرداها…

وأهل العلم النافع : يسيئون الظن بأنفسهم، ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها …

ومن علمه غير نافع إذا رأى لنفسه فضلا على من تقدمه في المقال وتشقق الكلام ظن لنفسه عليهم فضلا في العلوم أو الدرجة عند اللَه لفضل خص به عمن سبق فاحتقر من تقدمه واجترأ عليه بقلة العلم ولا يعلم المسكين أن قلة كلام من سلف إنما كان ورعا وخشية للَّه، ولو أراد الكلام وإطالته لما عجز عن ذلك…
فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام وكثرة الجدال والخصام والزيادة في البيان على مقدار الحاجة لم يكن عياً ولا جهلا ولا قصوراً وإنما كان ورعا وخشية للَّه واشتغالا عما لا ينفع بما ينفع …

فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يُقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.
وكانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم قصداً. وكان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه وقال (( إن من البيان سحراً )) وإنما قاله في ذم ذلك لا مدحاً له كما ظن ذلك من ظنه ومن تأمل سياق ألفاظ الحديث قطع بذلك وفي الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً (( أن اللَه ليبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها )) وفي المعنى أحاديث كثيرة مرفوعة وموقوفة على عمر وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم من الصحابة فيجب أن يعتقد أنه ليس كل من كثر بسطة للقول وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك.
وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين انه أعلم ممن تقدم.
قال ابن مسعود: إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه.
فمن كثر علمه وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم.

والسلف أقل الناس كلاماً وتوسعاً في العلوم، لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك. وهذا هو الفقه والعلم النافع فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثوراً عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم الذين سميناهم فيما سبق [كابن المبارك، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، واسحق، وأبي عبيد، ونحوهم].
فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم، مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه، إلا أن يكون شرحاً لكلام يتعلق من كلامهم.
وأما ما كان مخالفاً لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه. وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة.
فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة مالا يهتدى إليه من بعدهم ولا يلم يه.
فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم.
قال الأوزاعي: العلم ما جاء به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما كان غير ذلك فليس بعلم.
وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم وهو أشد مخالفة لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله.

وفي الجملة ففي هذه الأزمان الفاسدة إما أن يرضى الإنسان لنفسه أن يكون عالماً عند اللَه ولا يرضى إلا بأن يكون عند أهل الزمان عالماً. فإن رضي بالأول فليكتف بعلم اللَه فيه. ومن كان بينه وبين اللَه معرفة اكتفى بمعرفة اللَه إياه: ومن لم يرض إلا بأن يكون عالماً عند الناس دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه؛ فليتبوأ مقعده من النار)).
فنسأل اللَه تعالى علماً نافعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع، اللهم إنّا نعوذ بك من هؤلاء الأربع.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

مصطفى كمال أتاتورك

كاتب الموضوع الأصلي: فهد البلوي6

مصطفى كمال أتاتورك (بالتركية: Mustafa Kemal Atatürk) ولد في 19 مايو 1881 في مدينة سلانيك اليونانية وكانت تابعة للدولة العثمانية وقتئذ وتوفي في 10 نوفمبر 1938. أطلق عليه اسم الذئب الأغبر، واسم اتاتورك (أبو الاتراك) وذلك للبصمه الواضحة التي تركها عسكريا في الحرب العالمية الأولى وما بعدها وسياسيا بعد ذلك وحتي الآن في بناء نظام دولة تركيا الحديثة.
في عام 1905 تخرج مصطفى كمال من الكلية العسكرية في إسطنبول برتبة نقيب أركان حرب وأرسل إلى دمشق حيث بدأ مع العديد من زملائه بإنشاء خلية سرية أطلق عليها اسم الوطن والحرية لمحاربة استبداد السلطان وقد ازدهر سلوك مصطفى كمال عندما حصل على الشهرة والترقيات أمام بطولاته في كافة أركان الامبراطورية العثمانية بما فيها ألبانيا وليبيا كما خدم فترة قصيرة كضابط أركان حرب في سالونيك وإسطنبول وكملحق عسكري في صوفيا.
عندما شنت حملة الدردنيل عام 1915 أصبح الكولونيل مصطفى كمال بطلا وطنيا عندما حقق انتصارات متلاحقة وأخيراً رد الغزاة ورقي إلى رتبة جنرال عام 1916 وعمره 35 سنة وقام بتحرير مقاطعتين رئيستين في شرق أنطاليا في نفس السنة وفي السنتين التاليتين خدم كقائد للعديد من الجيوش العثمانية في فلسطين وحلب وحقق نصرا رئيسيا اخر عندما اوقف تقدم الاعداء عند حلب. في 19 مايو 1919 نزل مصطفى كمال في ميناء البحر الاسود سامسون لبدء حرب الاستقلال وفي تحدي لحكومة السلطان نظم جيش التحرير في الأناضول وحشد جموع الارزورم وسيفاس الذين اسسوا قاعدة الجهاد الوطني تحت قيادته وفي 23 أبريل 1920 تأسس مجلس الأمة الكبير وانتخب مصطفى كمال لرئاسته.
قاد جيوشه في الحرب على عدة جبهات إلى النصر ضد معارضيه والجيوش الغازية محققا النصر التركي في معركتين رئيسيتين في انونو في غرب تركيا واجتمع المجلس الوطني العظيم حيث اعطى مصطفى كمال لقب رئيس الاركان برتبة مارشال وفي 31 أغسطس 1922 ربحت الجيوش التركية حربها النهائية خلال أسابيع عدة وأصبحت الأرض التركية الرئيسية محررة بالكامل وتم توقيع الهدنة وانتهي حكم السلالة العثمانية.
في يوليو عام 1923، وقعت الحكومة الوطنية معاهدة لوزان مع بريطانيا، فرنسا ومملكة اليونان وإيطاليا وآخرين.
مصطفى كمال أتاتورك كان ضابطا عاديا في الجيش التركى وانضم له الكثير من ضباط الجيش التركى وبدأ اعضاء الجمعية يزدادوا وخاصة من الشباب المتطلع للحرية والمساواة..ونجحوا فعلا في قلب نظام الحكم في تركيا…..وظهر أتاتورك وكأنه المنقذ والزعيم الملهم والاب الروحى لحركة التجديد.وأصبح أول رئيس للجمهورية التركية الجديدة
من الجيش إلى الحكم

أتاتورك في لقاء مع الملك عبد الله الأول بن الحسين
تلقّى مصطفى كمال دراسة عسكرية وتولى مناصب مهمّة في الجيش العثماني وشارك في الحرب الليبية ضدّ الاحتلال الإيطالي وقاد حرب التحرير التركية ضد قوات الحلف في الحرب العالمية الأولى بمنطقة جاناق قلعة مضيق الدردنيل ثم ساهم في الانقلاب ضد السلطان العثماني وحيد الدين محمد (محمد السادس سلطان عثماني وليس ملك المغرب الحالي) وعبد الحميد الثاني آخر خليفة عثماني غير صوري وأعلن في أنقرة قيام جمهورية تركية قومية على النمط الأوروبي الحديث.
الغاء الخلافة العثمانية

انتخبته الجمعية الوطنية الكبرى رئيسًا شرعيًا للحكومة، فأرسل مبعوثه “عصمت باشا” إلى بريطانيا (1340هـ = 1921م) لمفاوضة الإنجليز على استقلال تركيا. وفي منتصف أكتوبر أصبحت انقرة عاصمة الدولة التركية الحديثة وفي 29 أكتوبر أعلنت الجمهورية وأنتخب مصطفى كمال باشا بالإجماع رئيساً للجمهورية.
في 3 مارس1924م ألغى مصطفى كمال الخلافة العثمانية، وطرد الخليفة وأسرته من البلاد، وألغى وزارتي الأوقاف والمحاكم الشرعية، وحوّل المدارس الدينية إلى مدنية، وأعلن أن تركيا دولة علمانية، واستخدم الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلاً من الأبجدية العربية.
خلال الخمسة عشر عام التي أمضاها أتاتورك في الرئاسة أورد نظاما سياسيا وقضائيا جديدا، محى الخلافة وأنهاها وجعل كلا من الحكومة والتعليم علمانيا وحقق تقدما في الفنون والعلوم والزراعة والصناعة من خلال المساعدات من الانجليز، حل برلمان إسطنبول المعارض له واستبدله ببرلمان أنقرة. في عام 1934 عندما تم تبني قانون التسمية اعطاه البرلمان الجديد اسم أتاتورك (أبو الاتراك).