أ.د. أحمد محمد وهبان

الدرع الصاروخي.. هل يجدد سباق التسلّح؟

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المنجي8/6

يبدو أن مسألة الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا عادت من جديد وبدأت تأخذ أبعاداً سياسية واقتصادية وعسكرية وتنذر بأزمة حقيقية في العلاقات الروسية- الأميركية من جهة وفي العلاقات الروسيّة الأوروبية من جهة أخرى،

على الرغم من المحاولات للتخفيف من تأزيم هذه المسألة، أو تلافي تأثيراتها، حتى لا تمتد إلى العلاقات الروسية- الأوروبية التي بدأت تتحسن في الآونة الأخيرة.‏

ثمة معطيات كثيرة تشير إلى أن ظروفاً سلبية بدأت تحيط بهذه العلاقات، ولاسيما بعد الاجتماع الأخير لدول حلف الناتو الذي عقد في برشلونة منتصف تشرين الثاني 2010 حيث أصر الرئيس الأميركي أوباما وبعض الدول الأوروبية على تنفيذ برنامج بناء الدرع الصاروخي على حدود أوروبا الشرقية، مع روسيا التي تعارض ذلك وتهدد بتوسيع قواعدها العسكرية في أذربيجان وتعدها منطلقاً صلباً لمواجهة هذا الدرع الصاروخي الأميركي.‏

وقد أدت هذه المواقف المتباينة الأميركية والأوروبية والروسية بل المتناقضة إلى خلط الأوراق السياسية والعسكرية، بعد فترة من الهدوء النسبي أعقبت انهيار المنظومة الاشتراكية.. فروسيا الاتحادية تحاول في السنوات الأخيرة أن تستعيد قوتها ودورها الدولي بدلاً من الاتحاد السوفييتي السابق، مقابل حلفاء الأطلسي والولايات المتحدة التي تعتبر نفسها القطب الأوحد في العالم بلا منازع تستطيع أن تقرر ما تريد بقطع النظر عما ينجم من تأثيرات سلبية على الدول الأخرى، وحتى إن كانت صديقة لها أو حليفة، سواء في أوروبا أم في آسيا.‏

وأمام تصاعد هذه الأزمة يُطرح السؤال الملح التالي: لماذا تصر الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها في أوروبا على نصب هذا الدرع الصاروخي في شرق أوروبا، وعلى مقربة من الحدود الروسية والإيرانية؟ مع أن هذه الدول تنادي، وتدّعي، بتعميم الأمن والسلام في العالم ولا سيما أن الرئيس أوباما أعلن منذ توليه قيادة البيت الأبيض، أنه سيتعامل مع الدول على أساس الحوار والتفاهم والبعد عن استخدام القوة؟‏

الجواب بحسب تحليل المعطيات ، له بعدان لا ثالث لهما، البعد الأول ظاهر، ويتمثل في مواجهة الخطر الإيراني على أميركا وأوروبا بحجة امتلاكها الطاقة النووية، مع أن إيران أعلنت مراراً أنها لاتهدد أحداً وأن برنامجها للأغراض السلمية.. والبعد الثاني مضمر، وربما يكون الأكثر أهمية، ويتمثل في مواجهة الخطر الروسي المتنامي التي تشعر به الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون.. ولاسيما أن روسيا بدأت في السنوات الأخيرة بتطوير قدراتها العسكرية ونشرها في أماكن متعددة من الحدود الروسية لتحصين البيت الروسي، وحماية الاقتصاد الوطني بما يؤدي بالتالي إلى تقوية الموقع السياسي لروسيا إقليمياً ودولياً وهذا من حقها الطبيعي.. فضلاً عن التفكير الجدي عند القيادة الروسية في إعادة تنظيم حلف وارسو، والحوار الإيجابي مع الصين والهند بهذا الشأن، لخلق نوع من التوازن الاستراتيجي مع حلف الناتو عامة ومع القطب الأميركي خاصة.‏

وهذا ما يقلق الإدارة الأميركية منذ عهد جورج بوش الأب والابن التي لا ترى إلا نفسها ولم تستطع أن تفهم أن نظرية القطب الواحد، هي نظرية وهمية من الناحية السياسية والعسكرية وأيضاً الاقتصادية فالإدارة الأميركية مازالت تعيش فترة التسعينيات من القرن الماضي وتحاول السيطرة على مصادر الطاقة في العالم وعلى خطوط الاتصال العالمية، بما فيها التجارة والنقد والإعلام مع أن هذه السياسة فشلت في أكثر من تجربة في العالم حتى في مناطق الاحتلال العسكري ومثاله أفغانستان والعراق..‏

ومع ذلك لم تستطع الإدارة الأميركية على الرغم من تبدل قادتها، أن تتخلى عن رؤيتها هذه وتنظر إلى عالم متعدد الأقطاب تتعامل فيما بينها باحترام ووفق مصالح مشتركة ولاسيما بعد ظهور مجموعة دول نمور آسيا أو دول آسيان وفي مقدمتها الصين واليابان والهند.. إضافة إلى قوتي إيران وباكستان..!‏

فالدرع الصاروخي إذاً ليس بالضرورة أن يكون موجهاً ضد إيران بالدرجة الأولى وإنما قد يكون موجهاً ضد روسيا التي تحاول النهوض من كبوتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتعتبر نفسها الوريث الشرعي له في المحافل الدولية وتعمل على استعادة الدور الريادي كقطب دولي أساسي، في مواجهة القطب الأميركي.‏

لاشك أن روسيا الاتحادية أدركت اللعبة الأميركية المزدوجة، إظهار الرغبة في العلاقات السلمية من جهة وخلق حالة من سباق التسلح من جهة أخرى، وهذا ما يفهم من الكلام الرئيس الروسي ميدفيديف الذي مفاده: إذا لم تحل مسألة الدرع الصاروخي ستكون هناك عودة إلى سباق التسلح.‏

كما استوعبت مقررات حلف الناتو الأخير في برشلونة وهي عازمة على بناء الدولة الروسية القوية اقتصاديا وعسكرياً سواء رضيت الإدارة الأميركية وحلفاؤها أم غضبوا.. فهل تعود الحرب الباردة بين روسيا وأميركا ولكن بشكل مختلف عما كان في زمن الاتحاد السوفييتي؟ ثمة تكهنات وتوقعات.. ستكشف عنها تطورات الأيام القادمة..!‏

ماركس ولينين في المسألة القومية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المنجي8/6

إن من يتأمل جيداً في حيثيات الماركسية واللينينة في مسوحاتها القومية، فسوف يدرك وبعد مزيد من التمعن والتفكير بأن الماركسية- اللينينية تعتبر القومية وسيلة ومرحلة أولى أو الخندق الأمامي لمحاربة الاقطاع الرجعي والبرجوازية الرجعية أي بعد دخولها المرحلة الثانية من تطورها الإقتصادي، ولذلك كان ماركس يبني سياسته الأممية على تشجيع الحركات القومية على التمرد في وجه البرجوازية والاقطاع، لأنه في حساباته كان يرى أن الناس منقسمون إلى أمم متفاوتة، ولكل أمة عمالها كما أن لها برجوازيوها وإقطاعيوها في آن، ولهذا ستكون القومية العمالية في كل بلد وسيلة للقضاء على الإقطاعية والبرجوازية ثم الصعود بعدها بقوة وعنفوان نحو مرحلة الأممية البروليتارية فحسب.

فالعامل في عرف ماركس وقبل استلام البروليتاريا الحكم في بلادها يحمل قدراً لا بأس به من الذهنية القومية فهو يدافع عن وطنه ويسعى لتحريره من نير البرجوازية والإقطاع، ويتصدى لجيوش القوميات الأخرى إن فكرت بالإعتداء على بلده، أي نحن هنا أمام تاريخية القومية وظرفيتها، هذه القومية التي ستلغى حتماً بعد انتصار بروليتاريا كل أمة على برجوازيتها وفي بلدها، وعندها ستتحول البروليتاريا إلى أمة بذاتها أي بروليتاريا وطنية ستتخلى تلقائياً عن النزعة القومية وتضعها جانباً. فالقومية تم تشبيهها دوماً بالأم التي تربي صغارها حتى البلوغ، فالتربية القومية هي وسيلة والبلوغ(الأممية) هو الغاية وهو الهدف الثاني والنهائي.
ومن هنا فإن ماركس كان يشجع القوميات ويقف معها ويساندها دون أن تكون القومية هدفه الأول ولا الأخير، بل وسيلة لإيصال البروليتاريا إلى سدة الحكم، وهكذا كانت مصالح البروليتاريا على الدوام لها الأولوية في الحراك العمالي القومي وهي حتى لدى الشعوب المستعبدة المسار والهدف في آن واحد، أي أن القومية في نظر ماركس ولينين هي مرحلة في طريق النضال العمالي لاغير، وستضمحل القوميات بعد انتصار العمال على برجوازيات بلادهم لامحالة. ولهذا كان ماركس يوصي الشعوب بالعمل دوماً من أجل مصالح البروليتاريا أولاً وأخيراً وبصورة مستقلة عن القوميين البرجوازيين الذين وضعوا أنفسهم في خدمة الإمبرالية والإستعمار العالمي، وفي مثل هذه البلدان سوف لن يكون للعمال وطن، أي أنهم لن يدافعوا عن وطن ليس لهم فيها رزق ونصيب، ولهذا فكان ماركس يركز على الدوام على أنه لايمكن للثورة العالمية إلاأن تكون أممية. فقد ورد في البيان الشيوعي الذي كتبه ماركس وانكلز مايلي: (أن النضالات القومية التي يخوضها البرولتاريون في مختلف الدول، حيث يبرز الشيوعيون ويضعون في المقدمة المصالح المشتركة للبروليتاريا بأسرها وبصورة مستقلة عن كل قومية). وهنا نرى ان المسألة القومية تدخل بشكل تلقائي في خدمة نضالات البروليتاريا في كل أمة بمفردها، فالقومية لدى ماركس ولينين وسيلة لاهدفاً بحد ذاتها، حيث أن البروليتاريا بعد الإستقلال وتسلمها السلطة ستعمل وفق الخط المؤدي إلى اضمحلال القومية، وفي هذا السبيل قال ماركس وبوضوح تام: (….وبمقدار ما يزول التناحر الطبقي في كل أمة، يزول في نفس الوقت العداء والحقد بين الأمم).
ويجدر بنا أن نشير إلى أن المسألة القومية برزت لأول مرة في المؤتمر الثاني لحزب عمال روسيا الإشتراكي الديموقراطي الذي انعقد عام 1903م في كل من بروكسل ولندن وحينها انقسم الجزب إلى أنصار لينين البلشفيك وأنصار مارتوف المنشفيك، وفيه اقترح بعض الماركسيين ضرورة تبني مبدأ الإتحادية القومية، لكن سرعان ما عارضهم لينين وطرح مقولة تبني تنظيم مركزي موحد لجميع عمال الدولة السوفيتية، وكان ذلك بنظر البعض حينها كافياً لاتهام لينين بمعاداة المسألة القومية. بينما أول مناقشة حادة خاضها لينين في المسألة القومية كان أثناء جداله مع الإشتراكيين الديموقراطيين الأرمن، ومن خلاله أقر لينين مبدأين اساسيين لحل مشكلة القوميات، الأول: رفض فيه مطلب الإستقلال القومي الثقافي الذاتي لأنه مطلب ضيق اقترحه البونديون اليهود لأنه يجسد مصالحهم بالذات، بل أكد لينين على مطلب الحرية السياسية والمساواة التامة في الحقوق لجميع الأثنيات والشعوب. الثاني: أكد فيه على مطلب حق تقرير المصير لكل قومية من القوميات التي تدخل في تركيب الدولة أي حق الشعوب في الإنفصال السياسي وتشكيل دولتها المستقلة ثم الإنضمام الطوعي إلى الدولة الديموقراطية فيما بعد، ومن الضروري أن يطالب بتعديل بيان المؤتمر من مطلب جمهورية اتحادية، إلى جمهورية ديموقراطية لأنها ليس من مهمة البروليتاريا الدعوة إلى الإستقلال القومي الذاتي.(1)
ولهذا أيضاً، انتقد لينين كاوتسكي الألماني ووسمه بالمرتد لوقوفه إلى جانب برجوازية بلده في الحرب العالمية الأولى في عام 1918م تحديداً ولوصفه المناشفة بالديموقراطيين، أي أن لينين كان سيقبل الدفاع عن ألمانيا باسم القومية الألمانية في حال وجود الحكم بأيدي الطبقة العمالية، أو في حال تمرد العمال ولوباسم النضال القومي آنذاك ضد البرجوازية الألمانية ولكن كان الأمر خلاف ذلك في ألمانيا حيث البرجوازية كانت متحكمة في رقاب الطبقات الدنيا من الشعب وتستغل العمال أبشع استغلال ولهذا اعترض لينين على الماركسيين الألمان وقوفهم في الحرب إلى جانب برجوازيات بلادهم في الحرب العالمية الأولى. وبناء على هذا نرى أن تأييد القوميات العمالية تنبني على حالة ظرفية تاريخية لدى ماركس ولينين، وستكون القومية هي إحدى محطات التاريخ التي يمكن الوصول منها إلى الهدف النهائي ألا وهو حكم البروليتاريا.
حيث كان ماركس يعتبر المسألة القومية مسألة فرعية عن شجرة النضال البروليتاري في الطريق إلى الشيوعية، وقبيل ثورة اكتوبر كان لينين يرى أن الحركات القومية في الشرق ستعزز مكانة الأممية وخاصة في روسيا القيصرية التي تضطهد القوميات غير الروسية، وهو ما أدى به إلى الدعوة إلى حق تقرير المصير للشعوب وحتى الإنفصال – كما رأينا- إن أرادت، لكن – وكما قلنا- كان لينين يفضل في نفس الوقت الإتحادت الفيدرالية على أن تكون طوعية وليست قسرية أو اجبارية، فكان يرى في نداءات الإعتراف الكامل وغير المشروط بحق تقرير المصير القومي للشعوب جعجعة فارغة، أي لم يكن لينين يؤيد على الدوام حق الإنفصال للشعوب بدون شروط، فلم يؤيد مثلاً حق الإنفصال لشعب باع نفسه للإمبريالية ضد مصالح بروليتاريا بلادها، مستنداً في ذلك إلى مقولة ماركس القائلة: ( إن الإضطهاد القومي لايستدعي دوماً من وجهة النظر الديموقراطية والبروليتاريا، تطلعاً مشروعاً للإستقلال.)
لكن لم يطبق لينين مقولة تحرير الشعوب حتى البروليتارية منها على الصعيد العملي في جمهوريته السوفيتية، ماعدا حالة استثنائية واحدة هي حالة فنلندا التي منحها الإستقلال التام، ثم حالة أخرى شبيهة هي حالة تأييده لانفصال النرويج عن السويد عام 1905م، هذا رغم التململ الواضح للشعوب وحتى للبروليتاريا السوفيتية التي كانت تئن تحت وطأة الحكم السوفيتي الثقيل وخاصة في عهد ستالين الذي اتصف بالقسوة والجبروت طيلة فترة حكمه للبلاد، وبالضد من لينين كان روزا لزكسمبورغ تعارض حقوق القوميات وتهمل مسألة تأييد الحزب الديموقراطي الروسي لمسألة القوميات، ودورها في إلحاق الهزيمة أو إضعاف شوفينة البرجوازية الوطنية الجاثمة على صدور العمال، ولذا فقد انتقدها لينين بشدة حول هذه النقطة، وكانت الظروف قد فرضت نفسها على ماركس ولينين ليغيرا آرائهما بصدد القومية وحركات الشعوب التحررية كما في مسالة ايرلندة مثلا.(2)
حيث أن ماركس وفي كل أطروحاته القومية كان يؤيد حركات الشعوب القومية لأنه كان يراها في خدمة البروليتاريا ضد برجوازيات بلدها والبلدان التي تستعمرها، ماعدا المسألة الإيرلندية فإنه لم يؤيد الحركة الإيرلندية التحررية، لأنه كان يرى في وحدة إيرلندة مع إنكلترة قوة للبروليتاريا الإنكليزية، ولكنه وبعد أن وجد كرهاً متزايداً لدى الطبقة العاملة الإنكليزية للعمال الإيرلنديين وأن العمال الإنكليز يقفون إلى جانب حكومتهم البرجوازية، غير ماركس عندها رأيه في المسألة الإيرلندية وطالب بتحرير إيرلندة قائلاً: (اعتقدت أنه سيكون من الممكن الإطاحة بالنظام الإيرلندي عبر صعود الطبقة العاملة الإنكليزية. نعم مزيد من الدراسة أقنعتني بالعكس: أن الطبقة العاملة الإنكليزية لن تفعل شيئاً حاسماً هنا بإنكلترا، كما أنها لن تقطع بشكل حاد سياسة الطبقات السائدة حول القضية الإيرلندية، وليس فقط أنها لن تقوم بفعل مشترك مع الإيرلنديين، لكنها أيضاً لن تأخذ المبادرة من أجل الإتحاد الإجباري في 1801م وتعويضه بكونفيدرالية متساوية وحرة). المرجع السابق. نرى ماركس هنا وهو يقول (اعتقدت ) أي أنه أخطأ وغير رأيه بصدد المسألة الإيرلندية بزاوية 180 درجة.
وبناء على هذا أطلق ماركس قولته الشهيرة: (كل أمة تضطهد أخرى، تسبك السلاسل الخاصة بها) وهو كلام جميل بالفعل وينم عن قوة المحاكمة العقلية لدى هذا المفكر الكبيرماركس. هذا المفكر الذي اهتدى لينين بآرائه واتخذه نبراساً وشرعة ومنهاجاً له بعد ذلك حول المسائل القومية لشعوب الشرق والمستعمرات. والخلاصة أن ماركس كان يرى في الحركة العمالية القومية – إن جاز التعبير- بوادر إيجابية للقضاء على البرجوازية أينما كانت، وكما أوردنا آنفاً، وحسب رأيه فكل النضالات القومية للعمال في بلدانهم مكلفة بالقضاء على البرجوازية المعادية والمستغلة لكدح وشقاء العمال، وبعد انتصارها ستصبح الطبقة البعاملة أمة بذاتها ولذاتها وستتحد مع غيرها من الأمم البروليتارية مستقلة عن كل قومية. بهذا الشكل كانت مرحلة القومية لدى ماركس وسيلة للقضاء على الإقطاع والبرجوازية لاغير، ولهذا كان لابد للمرور بمرحلة القومية لدى شعوب الشرق للوصول بعدها إلى الأممية الحقة، أي لاجدال بعد هذا في أن تأمين مصالح البروليتاريا ستكون لها الأولوية دوماً على المصالح القومية.

نحن والغرب والعولمة المضاد، الصراع الحضاري المتجدد

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المنجي8/6

شكلت مسألة العلاقة بالغرب إحدى أبرز المعضلات / التحديات الموضوعية التي شغلت الحركات الاسلامية المعاصرة والحديثة. وبالرغم من الانجازات الكبرى التي حققتها حالة الاستنهاض النسبي في بلدان العالم الاسلامي كافة، وخصوصاً ما ظهر منها بعد إنتصار الثورة الاسلامية في ايران، فإن تلك المسألة الحافلة بالإشكاليات ما انفكت عقدة مستحكمة تحول دون تشكل علاقات مستقرة ومتوازنة ومتفق عليها بين الشعوب والدول الإسلامية وبين الغرب عموماً

۱ ـ في المنهج:

في الكلام عن العولمة والسياسات والاستراتيجيات الغربية يصعب الفصل بين القضيتين بقدر ما يصعب الفصل بين العولمة والغرب.

صحيح أن الغرب هو المصدر والمنبثق، إلا أن هذا الغرب، مفهوماً وكياناً ومشروعاً حضارياً وإرادة سياسية، مسيل في تضاعيف وانسجة سياساته واستراتيجياته حتى لتبدو (هي) بمثابة الـ (هو) ـ والعكس صحيح أيضاً في كثير من الأحيان، وبطريقة أو بأخرى .. أو كذلك يُنظر اليهما.

إلا أن هذه الحقيقة ينبغي لها أن لا تجب حقيقة تأسيسية ومنهجية أخرى، وهي أن الغرب ليس معادلاً أو مساوياً للعولمة في معادلة تكافوئية:

(الغرب = العولمة).

فالغرب تركيبة أضخم وأشد تعقيداً من أن يكون مشروعاً من مشاريع ذاته وبضعة منها.

قد يشبه الإبن الأب في كثير من الملامح والصفات والأسرار، بمبدأ أن الإبن سر أبيه، إلا أن الأب ليس إبنه وإن كان منه.

ألا يستخدم بعض اللاهوت الخاص بإخواننا المسيحيين هذا النسق المنطقي ذاته في معادلة: الأب والإبن والروح القدس، للاستدلال على أنهم من الموحدين؟

۲ ـ حقل الرؤية:

شكلت مسألة العلاقة بالغرب(۲) إحدى أبرز المعضلات / التحديات الموضوعية التي شغلت الحركات الاسلامية المعاصرة والحديثة. وبالرغم من الانجازات الكبرى التي حققتها حالة الاستنهاض النسبي في بلدان العالم الاسلامي كافة، وخصوصاً ما ظهر منها بعد إنتصار الثورة الاسلامية في ايران، فإن تلك المسألة الحافلة بالإشكاليات ما انفكت عقدة مستحكمة تحول دون تشكل علاقات مستقرة ومتوازنة ومتفق عليها بين الشعوب والدول الإسلامية وبين الغرب عموماً.

والواقع أن مسؤولية الإضطراب التاريخي في تلك العلاقات لا تقع على عاتق الغرب وحده، كما لا يزال البعض يصرّ على التوهم، بل تقع ايضاً على المسلمين أنفسهم احياناً، وإن بنسبة أقل. أما رصيد الغرب من تلك المسؤولية فهو أكثر بروزاً في الجانب الموضوعي تبعاً للخلل التاريخي في معادلات النظام الدولي في الأزمنة المتأخرة، لمصلحة القوى الإستعمارية والإمبريالية الغربية وسعيها المستمر الى ترسيخ عوامل ومفاعيل تجزئة العالم الاسلامي ونهب ثرواته والهيمنة على مقدراته وإرادة شعوبه، وإستتباعه سياسياً وإقتصادياً وثقافياً وعسكرياً لمشروعها الحضاري وصيغ الحياة المادية وقيمها ومثلها العليا، التي تهدف تلك القوى الطاغوتية الى فرضها وإستلاب الأمة من خلالها وممارسة كل صنوف الإستكبار عليها.

أما حصة المسلمين من تلك المسؤولية فتشمل، فيما تشمل، الجانب الذاتي بشكل أساسي، وذلك واضح في الوعي الزائف او التبسيطي او (الشعبوي) بالغرب لدى الأكثرية منهم، بحيث لا يرى الغرب إلا عالماً واحداً للكفر والفسوق والسقوط الاجتماعي والأخلاقي، والتحالف الاستراتيجي مع العدو الصهيوني، ومعاداة الحقوق المشروعة للشعوب العربية الاسلامية .. الخ، حتى لا يُرى فيه خير إلا نادراً، كما تشمل حال الاضطراب العام في وعيهم لذاتهم وهويتهم، وفي جهلهم مشروعهم الحضاري الإلهي، الذي يشتركون في الانتماء اليه جزئياً او كلياً مع الكثير من القوى والجماعات والفئات الداعية الى الحق والحرية والعدالة لأمم الأرض كافة من أحرار العالم وموالاة المدنية الحية، وعجزهم في كثير من الأحيان عن تقديم بدائل او نماذج حضارية منافسة وقابلة للتطبيق وعقلانية ومقنعة، قياساً الى الصيغ والنماذج والأنساق الحضارية التي أبدعها العقل الغربي، أو أعاد انتاجها وأرساها واختبرها ومأسسها، فغدت في وعي ولا وعي الكثير من الشعوب، داخل العالم الاسلامي وعالم المستضعفين عموماً والنخب، النموذج الأصلح والوصفة السحرية الناجعة و(الوحيدة) القادرة على تطوير العمران البشري في المجالات كافة، ومعالجة العلل الاجتماعية والاقتصادية ومعضلات التخلف ـ أو أكثرها بالأقل ـ التي ترزح تحت أحمالها تلك الشعوب المستضعفة والنخب العاجزة عن تقديم البدائل الأصيلة وغير المستعارة لشعوبها. وبذلك تحققت، وعلى نطاق عالمي، الغلبة الشاملة للمشروع الحضاري الغربي ومنظوماته الديمقراطية الليبرالية وللمنتمين اليها غرباً وشرقاً والمتحكمين او المستفيدين من قانون سوقها واحتياجاتها، وإن تفاوتوا قوة واقتداراً ومكراً، او تمايزوا جنوحاً الى الاستبداد والاستحواذ والسطوة، او تغايروا في نظرتهم الى الآخر واختلفوا في نسبة ومستوى (الحقوق) والثروات التي ينبغي لهم إنتزاعها منه.

وإذا كانت ضرورات التحرر الوطني والتطلعات الاستقلالية قد طغت على ما عداها في مرحلتي الاستعمار القديم والجديد مما انتج بالتالي جنوحاً إيجابياً مشهوداً للتمسك بالخصوصيات الثقافية او التاريخية والدينية لدى شعوب العالم الاسلامي والدفاع عنها بلا هوادة في مواجهة الهجوم الاستعماري المعلوم والمتماهي في المشروع الصهيوني التوسعي والإستيطاني، وقدم ذلك الجنوح الإيجابي ضرورات التصدي للغرب ولمشروعه الاستيلائي الاستحواذي وللكيان الصهيوني كأولوية لا تعلوها أية أولوية أخرى في توجهاته الايديولوجية والسياسية، وذلك على أولويات تجاوز التخلف الفكري والعلمي والاقتصادي وإعادة المشروع الحضاري الإسلامي ليكون مرجعية الحياة، وخيار النهوض والاستنهاض، ومنهج إحياء عقلاني، فكان منه أن قدم اولوية التحرر من الخارج على تلك المنطقة بالتحرر من الداخل وبالتنمية الذاتية. وإذا كانت الحرب الباردة، منذ قمة يالطا الى أواخر ثمانينات القرن العشرين، قد أوهمت العالم الاسلامي وقادته ونخبه بحدوث إنشطار حضاري عمودي في معسكر المشروع الحضاري المادي المنقسم ايديولوجياً الى شرق ماركسي وغرب ليبرالي ديمقراطي، إذا كان ذلك قد حدث فأنتج انساقاً ايديولوجية وسياسية وثقافية وتنموية، ذات عمق وطني او قومي أو ديني معادية للغرب او للشرق او لكليهما معاً، او متوجسة منهما او متحالفة معهما، أو ميالة الى اعتبارهما حضارتين / مشروعين حضاريين مختلفين ومتمايزين يمكن الاستفادة من تناقضاتهما وضرب أحدهما بالآخر، أو الإحتماء بواحد منهما في مواجهة خصمه … الخ، إذا كان كله قد حدث فإن انتهاء الحرب الباردة وتفكك المنظومة الاشتراكية وعودة الإلتحام الحضاري الى طرفي الانشطار الغربي ليلتئما ويأتلفا من جديد؛ بإعتبارهما مشروعاً حضارياً واحداً، اصلاً وصيرورة ومصيراً..، قد أعادت تدريجياً تركيب التوجه المنهجي والصحيح لفهم أكثر واقعية وعمقاً لحقيقة العلاقة التاريخية بين طرفي ما جرت تسميته معادلة الاسلام والغرب، وسمح بتكوين وعي عالمي وإسلامي أفضل بطبيعة المشروعين الحضاريين(۳) اللذين يضطلعان بحملهما، وازال الكثير من عوامل وظروف الاشتباه والالتباس او سوء الفهم التي لطالما أرخت بظلالها الكثيفة على تلك العلاقة، وما ينبغي أن تكون عليه، وذلك باتجاه اجراء قراءة لها في ضوء التحولات الاستراتيجية الكبرى، التي حدثت في الغرب وعلى أرض المشروع الحضاري المادي، وأدت الى انهيار عام للنظام العالمي القديم، وسقوط درامي لمعادلات ومنظومات الثنائية القطبية، والتي تطاول حضورها على مدى الحرب الباردة، ولم يكن ممكناً لسبل وآليات ومعايير هذه القراءة الجديدة أن تبرز في العالم الاسلامي والعربي، لولا ذاك الصعود (المفاجئ) للمشروع الحضاري الاسلامي، الذي استعادته الى الواجهة الثورة الاسلامية الايرانية، وقيام أول دولة اسلامية في التاريخ الحديث على انقاض الحكم البهلوي الاستبدادي، الوكيل الثاني للامبريالية الغربية في الشرق، بعد الكيان الصهيوني.

صحيح أن صورة العالم إبان الحرب الباردة التي أدّت الثورة الاسلامية الى كسر معادلاتها في أواخر سبعينيات القرن العشرين، كانت بخطين ايديولوجيين يتجهان وجهة واحدة، ويرميان الى الوصول الى ذات الأهداف تقريباً، بسياقين مختلفين، إلا أن المشروع الحضاري الاسلامي المستبعث، بعد لأي ويأس شاملين في العالم الاسلامي، تمكن من إعادة تشكيل تلك الصورة للنظام العالمي والعلاقات الدولية، بإضافة وجهة منهجية جديدة ومغايرة. حتى أمكن القول آنذاك أن النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية كان برأسين منبثقين من حضارة واحدة، غير أنه بعد انتصار الثورة الاسلامية الايرانية والتداعيات والامتدادات الارتجاعية التي احدثتها في كل بقعة من بقاع العالم فيها للمسلمين وجود، قد أضحى بثلاثة رؤوس منبعثة من جذعين، أي بإضافة مشروع حضاري جديد الى الساحة الثقافية والايديولوجية الدولية. وعندما أطاحت الرأسمالية رأس الاشتراكية لم يعد ظاهراً في صورة النظام الحضاري للعالم سوى رأسين / مشروعين كما وسبق وأسلفنا، ولكن في معادلة فيها للمشروع الحضاري المادي غلبة شاملة بحكم التوفق العلمي الكبير الذي حققه، والغنى الذي أنجزه، والتقدم المعرفي والثقافي، إضافة الى عصرية منظوماته السياسية وتطوره الإقتصادي الهائل.

إضافة الى التحولات الاستراتيجية التي نوهنا بها، قيض للعالم في السنوات الأخيرة، وعلى أيدي حملة المشروع الحضاري المادي أنفسهم وبسبب من المراكمة العلمية التي أحدثوها، أن يشهد ثورة تكنولوجية وفضائية ومعلوماتية ضخمة لم تألف لها المدنيات البشرية مثيلاً، وهي، بسلبياتها وإيجابياتها، قد غيرت بحق وجه العالم الحديث، وراحت تضيف الكثير من صيغ الحياة الجديدة اليه، وفرضت ـ موضوعياً ـ أنماطاً مختلفة من العلاقات بين البشر، وصيغاً مغايرة من صيغ التبادل والتعاون والتعامل بين الأفراد والجماعات والشعوب والدول، حتى أضحى وصف العالم بالقرية الكونية خلواً من المبالغة والخيال، فانفتحت العلاقات بين الناس بلا حدود، وقصرت المسافات بين البلدان والقارات الى درجة الصفر، فانحدرت الجغرافيا الى قيمة تكاد تكون هامشية، إلا بما هي حالة حدودية تضاريسية او وطنية، وأشرعت الأبواب أمام كل الأفكار والمعلومات والمعاملات والمنظومات الاجتماعية والمثل، وتحولت جميعها الى خيار فردي وانتقاء حر يسير، ليعرف العالم بذلك مرحلة تاريخية جديدة من التطور البنيوي الذي يضع فيه من يتمنع عنه او يكابر، نفسه خارج العصر حقاً، بل خارج التاريخ، وبذلك أصبحت الدعوة / الدعوات العولمية وكأنها نتيجة موضوعية لهذا التطور لامجرد سبب من أسبابه أو آلية من آلياته.

وإذا كنا لا نبغي في هذا المقام الخوض في تفاصيل نشأة العولمة، والاختلاف فيها، ولا في مواقف مؤيديها وخصومها، كل بغاياته ومقاصده وتصوراته، فإننا نعتقد إنه من المهم الاشارة الى أن العلومة والسعي اليها هما فكرة تاريخية عضدتها موازين القوى، او اقتداء المغلوب بالغالب (بمنهج ابن خلدون)، او اقتداء المغلوب الحضاري بالغالب الحضاري (بمنهجنا)، وتجسدت فيها مجموعة تحولات في الزمان والمكان وفي التأثير عن بعد ـ بتعبير انطوني غيدنز(۴)، مما انتج جزئياً نظاماً اجتماعياً بعد تقليدي(5)، وإيديولوجية كاملة ومتخصصة اندفع فيها الفكر العولمي بلا عوائق تذكر، مغطياً ألوان الطيف السياسي داخل الغرب وخارجه من اليمين الى اليسار.(۶)

إذ نقول ذلك، فإننا ممن يؤمنون بأن العولمة ظاهرة موضوعية وبعضها الكثير من نتائج انتهاء الحرب الباردة وتطور الرأسمالية، وسواء قبلها من قبل، وعارضها من عارض، فإنها قد غدت شريكاً حضارياً وسياسياً وحياتياً في صيغ معيش الأمم، المتلقي منها والمرسل. ولا نظن أنه بات من المجدي (والعقلاني؟) تجاهل نتائجها وانعكاساتها والتداعيات. وليس أدل على هذا الأمر الواقع من كون ما يسمى (بالعالم الثالث) / عالم الجنوب معولماً تاريخياً بدرجة أو بأخرى، من غير أن يعني ذلك أنه قد انشق عن تقليديته، او انفصم كلياً عن بُنى علاقاته وصيغ حياته المحافظة. ووجود العولمة او عدم وجودها لا يلغي في شيء حقيقة كون العالم الاسلامي بخاصة والعالم الثالث بعامة، عالمين يحملان الكثير من قابليات الاستتبات الايديولوجي والسياسي والاقتصادي المعولم.

ونضيف هنا: إنه إذا كان دعاة العولمة او خصومها قد حاروا في تفسيرها والوعي فيها بين السياسي والاقتصادي الى الاثنين معاً، فإننا نميل الى الاعتقاد بأن العولمة ظاهرة حضارية بالمعنى الذي كنا قد نوهنا به آنفاً، إذ إن الحضاري / الثقافي من وجهة النظر هذه، هو منشأ السياسي او الاقتصادي، او كليهما. وبالتالي فإن العولمة إن كانت قد صنعت أدوات الاستحواذ والهيمنة ودينامياتهما، فإنها ـ وربما عن غير قصد من سدنتها ـ أفرزت في المقابل أدوات تهافتهما وتفكيكهما ودينامياتهما، فاستُحضر الكل في الجزء، واستكن الجزء في الكل، وتحررت علاقات الأفراد والجماعات من قيود الزمان والمكان لمصلحة اوسع سوق لتداول كل شيء، بدءاً بالسلع والأشياء ورؤوس الأموال والأسهم، وصولاً الى الافكار وردات الفعل والعواطف وعقود الزواج(۷) ، التي جعلتها تكنولوجيات الإتصال بمثابة الحضور المادي بمفاعيلها الحقوقية والقانونية كافة.

وللمصابين بالرِّهاب / الإرهاب العولمي نقول: سواء أكانت العولمة حالة موضوعية كما رأينا إليها، او قدراً دائماً او مؤقتاً، فإنه لا يضيرنا في شيء أن ندرسها بعمق، وأن نعيها وعياً موضوعياً بأبعادها كافة فنختار منها ـ في الأقل ـ ما يلائمنا وينسجم مع قيمنا وينضوي تحت لواء مشروعنا الحضاري الإنساني.

وفي كل حال .. ما الضير في عولمة العلم والمعرفة والتكنولوجيا والمعلومات؟

وما الضير في عولمة الحريات والديمقراطية وتداول السلطة سلمياً؟

وما الضير في عولمة حقوق الإنسان؟

وما الضير في عولمة قيم التكامل والتعاون والتعارف بين الشعوب والأمم؟

وأنى يكون الخطر في تعميم رفع الظلم والتهميش والتمييز الديني والعنصري والاقتصادي؟

أمام هذه التحولات التي طرأت مع غروب القرن العشرين، والقفزات العلمية الكبرى التي حدثت، ومنها الثورة الجينية الواعدة بثورة اخرى في حياة البشر، ثمة انجاز تاريخي آخر من إنجازات الطفرة التكنولوجية الحديثة، لم يعد ممكناً لأحد، وخصوصاً في العالم (غير الـمُمَكْنَن) او غير التقاني، الذي يستهلك التكنولوجيا والمعلومات ولا ينتجها ـ او العالم الثالث سابقاً او عالم الجنوب لاحقاً، أن ينزوي أو يتخذ مهرباً من الآخر بكل انماطه(۸): الآخر الايديولوجي، والآخر الديني، والآخر الاثني او العرقي، والآخر السياسي، … الخ، فلقد بات الآخر المتنوع، وخلافاً للأعصر السالفة، حاضراً في الذات باستئذان تارة، وبغيره تارة أخرى، وغدا حاجة وضرورة أكثر من أي وقت مضى، تتشكل العلاقة به من دون وسائط منهكة او مكلفة او بعيدة، وخارج الأطر والنماذج التقليدية، التي تفبركها المؤسسات الاستعمارية الكلاسيكية نماذج مدروسة ومخطط لها، او بصور وأشكال بنمطية معروفة الأهداف والمقاصد …

علاقة الذات بالآخر إذن، اضحت بلا قيود او محددات مفروضة ومقررة سلفاً… إن هذه المفروضات او قل بعضها باتت أكثر من أي وقت مضى ممكنة الخرق والتهافت، وذاك يتيح للبشر قاطبة ان يستعيدوا في مناخ من فوضى الاتصال الرائجة بعضاً من أصالتهم الإنسانية، وأن يتعارفوا مباشرة كما هم، وكما يريدون أن يكونوا، بلا أوهام او تصورات قبلية، وذلك بالرغم من بعض المحاولات العولمية المشبوهة الداعية الى تعميم النموذج الواحد في كل الشؤون لمصلحة كارتل أممي متعددة الاختصاصات.

۳ـ الذات والآخر … عالم جديد برؤية جديدة في ضوء المواجهة الثقافية والسياسية:

لم نكن نريد في هذا التنويه بثورة الاتصالات وتكنولوجيا الفضاء والمعلومات ومفاعيلها العولمية أن لا نرى في مستجداتها وطوارئها، إلا النفع العميم والخير الناجز والايجابيات المتفردة فحسب للناس كافة، فنحن نعرف ـ بالمقابل وفيما يعني الحركات والقوى الاسلامية الحالية تحديداً ـ أن تلك الانجازات الانسانية اللامعة والعبقرية هي سلاح ذو حدين، يصلح أحدهما ليكون وبالاً عليهم كإسلاميين استنهاضيين وتهديداً وجودياً للمشروع الحضاري التغييري، الذي يحملونه؛ وذلك لمصلحة المشروع الحضاري المادي المضاد الذي ينافسه، لكن حده الآخر ـ وهذا ما لا ينبغي تجاهله او إحتمال اهميته وتأثيره ـ يتيح للمشروع الحضاري الإلهي لو عرف أهلوه الاستفادة ـ ولو بغير قصد او تخطيط من الأول على الأرجح (كما سبق وذكرنا)، المجال لتقديم نفسه، كما يحلو له، وأن يعرف بمنظوماته وأفكاره وقيمه من غير تشوه او تشويه، وان يحلق فوق المسافات والدنى بغمضة عين ليدخل الى جناح كل مريد، ويرد على تساؤلات كل متسائل، ويستجيب لكل مطلب ممكن يطالب به مطالب في أقصى الأرض، وينقد ويفند حجج ودعاوى المنظومات والاعتقادات المناوئة، ويجلو الكثير من الأضاليل وسوء الفهم التي كانت تحيق به، ولعلنا لا نضيف جديداً إذا لاحظنا هذا التمدد والانتشار المشهودين لاستخدام تكنولوجيا المعلومات على نطاق واسع بين ظهراني دعاة الاعتقادات والأفكار والعاملين على تبليغها ونشرها.

ومع ادراكنا العميق لطبيعة التوترات والتوجسات بين الاسلام والغرب والإرث الثقيل من المواقف الثقافية والايديولوجية والسياسية التي حكمت وتحكم العلاقات فيما بينها، ومع وعينا (المتقدم) لمحاولات المؤسسات السياسية في الغرب، محاصرة العالم الاسلامي ومشروعه الحضاري، ونواياها ودأبها في الهيمنة على ارادته وثورته، ومع إدراكنا العميق بأن موجات العولمة الإكتساحية تسعى الى تنميط العالم وإنتاج نموذج إنساني واجتماعي كوسموبوليتي قد يفضي الى اغراق الخصوصيات الثقافية وطمر القيم الثقافية للشعوب المستضعفة وتحويل العالم الى سوبرماركت او مقرات مركزية للعلاقات العامة والاستثمارات … مع إدراكنا لهذا كله، فإننا نعتقد بإستحالة بقاء المشروع الاسلامي وأتباعه مجرد منفعلين هامشيين او سكونيين او تائهين عن التحولات التي أشرنا اليها. بل إننا نرى أن ثمة فرصة هامة متاحة لإحداث إختراق ـ او اختراقات ـ في كيان المشروع الحضاري المادي ومعتنقيه وفي أسواره الثقافية، وفي تغيير الصورة النمطية التي تكونت عن الإسلام والمسلمين بفعل الأوهام الإعلامية المتقنة سياسياً التي روجتها او روجت لها وسائل الإعلام الغربية ، التي لليهود فيها نفوذ لا يعلو عليه نفوذ.

لقد لاقانا احرار الغرب والعالم وقواهما الحية والمستقبلية إبان التحضيرات الاميركية البريطانية الاخيرة لاحتلال العراق في منتصف الطريق – حتى داخل الولايات المتحدة وبريطانيا نفسيهما – ورفعوا اعلى الصوت ضد الحرب على العراق وشعبه، وضد فرض الخيارات السياسية والثقافية والاقتصادية على الشعوب بالقوة وبالحديد والنار، واعلنوا تشبثهم بالسلام والحلول السلمية للنزاعات، ورفضهم سياسات التسلط والعسف والاكراه.

لكأن العالم يتهيأ لنمط جديد من العولمة لما تكتمل ملامحه ولامشروعه الاممي بعد.. لكنه نمط يتجه اتجاها معاكسا (نسبيا) لنهج العولمة الرأسمالية التي الفناها في العقد الاخير من القرن العشرين والسنتين الاوليين من القرن الواحد والعشرين. وقد لانبالغ اذا زعمنا ان هذه العولمة المستجدة هي ضرب من “العولمة المضادة” يمكن لنا وصفها بأنها (عولمة للعدالة والسلام). ولاندري بعد ما اذا كان القياس بالديالكتيك الهيغلي في هذا السياق ممكنا.

ثمة ظاهرة اخرى مستجدة شهدناها ايضا خلال (الحرب) الدبلوماسية والسياسية التي مهدت لتفرد الولايا المتحدة وبريطانيا وحلفائهما الدوليين القلة في الإصرار على الذهاب الى الحرب، رضيت الهيئات الدولية ام لم ترض، وهذه الظاهرة تتمثل في التصدع داخل الجبهة السياسية للغرب من خلال تمرد بعض اوروبا، ممثلا بفرنسا والمانيا وبلجيكا، على التوجه الاميركي – البريطاني.

لاننزه هذا التمرد الاوروبي عن الخلفيات ولعبة تناقض المصالح. لكننا بدأنا ننصت على اثرها في الغرب الى تنظيرات من مفكرين استراتيجيين ترى الى ما حدث، باعتباره سقوطا لوحدة الغرب الاستراتيجية، واستمرارها ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، (۹) والى ان الوقت قد حان (للتوقف عن الادعاء بأن الاميركيين والاوروبيين يتقاسمون رؤية واحدة للعالم). (۱۰)

صحيح ان الحرب العسكرية على العراق قد انتهت باحتلاله، وستنتهي ازمة العلاقات2 بين الطرفين الاميركي والاوروبي الى اعادة تطبيعها، غير أن (الفوارق في المسائل الاستراتيجية لن تتوقف) في رأي اولئك المنظرين. (۱۱)

وسواء صحت توقعاتهم ام لم تصح، فليس لذي بصيرة ان يغفل عن ان التشقق في ما درجت ادبياتنا السياسية على تسميته بـ(الغرب) ليس شأنا خارج نطاق الممكن، وان ما كان بعيد الاحتمال بالامس ليس كذلك اليوم. وبالتالي فان اي مشروع غربي للهيمنة، وبقطع النظر عن اية قوة عظمى تقوده، ليس محصنا من تشقق دعاته والمستفيدين منه، ومن انهيار مفاعيله السلبية وارتخاء قدرته على فرض نماذجه وتحويل الأنساق الاجتماعية والحياتية للآخرين الى ما يتلاءم مع مصالحه واهدافه..

ولانريد هاهنا ان نغرق في التفاؤل .. لكن ما نستطيع الشهادة له ان ثمة ظاهرة عولمية ايجابية وواعدة قد ولدت في مواجهة عولمة قوى السوق وقوانينها. مما قد يفضي، بما توفر له من صدقية سياسية واخلاقية نسبية، الى تشكل نمط علائقي جديد بين قوى المجتمعات المدنية في شتى الاقطار، مما قد يبشر – اذا توفرت بعض الشروط الذاتية والموضوعية المساعدة – بتحول تلك القوى لاحقا الى كتلة ضغط مدني عالمية قادرة بنسب متفاوتة على احداث تغيير في سياسات القوى العظمى تجاه القضايا والحقوق العادلة للشعوب المستضعفة.

انها فرصة قد لاتعوض لاقامة هذه الجبهة العالمية لاعادة الحد الادنى من التوازن للعلاقات الدولية، اذا لم نحسن جميعا استغلالها، وبخاصة الاسلاميون المستنيرون وحركاتهم الاستنهاضية.

وإذا قُيِّض للظاهرة العولمية المضادة والوليدة المنوه بها أن تـُجهض أو تـُوأد في المهد، فسيشكل ذلك إحدى أجَلِّ الخدمات للمشروع العولمي الإمبريالي بقيادته الأميركية.

وعندئذ ستكون الولايات المتحدة الأميركية قد هزمت، في حرب احتلال العراق العالم بأسره، بما في ذلك جزءاً لا يُستهان به من الشعب الأميركي نفسه مِمَّنْ خرج إلى الشارع محتجاً على الحرب مُندداً.. وأيُّ حَدِّ عن ذاك سيوقف “الطوفان” العولمي الاستبكاري؟..

ومن لطيف المصاديق في التدافع بين الحضارات هنا، ان الحرب الاميركية – البريطانية على العراق لم تكن صداماً بين الحضارات – كما حلا لبعض الباحثين والمحللين ان يتوهموا – بدليل وقوف تيار جماهيري دافق من داخل الكتلة الحضارية الغربية ذاتها ضد تلك الحرب. ولانستبعد – اذا قيض لهذا التيار ان يتنامى ويعضد من داخل ومن خارج – ان يكون له في المستقبل غير البعيد انعكاسات ايجابية على صورة الاسلام والمسلمين النمطية في بنية المخيال والوعي الغربيين بالرغم من مواقف ومخططات المؤسسات السياسية الغربية واجهزتها والاعلام النمطي الذي يسوق خطابها ومواقفها.

لقد آن لنا ان ندرك بان الديمقراطية ولادة للمجتمعات المدنية في الغرب، وان القوى الحية في هذه المجتمعات هي الوجود بالقوة للتحول في موقف تلك المجتمعات من قضايانا المحقة وهي في انتظار قوى مجتمعاتنا المدنية للتحرك لجعل الوجود بالقوة وجودا بالفعل ولن يكون أحد في هذا العالم ملكيا أكثر من الملك – كما يُقال.

ولايخافن احد من مصطلح مفهوم المجتمعات المدنية والعلاقة بها وقد غدا موضع حساسية وتوجس الكثيرين عندنا بلا مبرر وجيه او مقنع. فبعض مظاهره الاساسية لطالما كانت معروفة في المجتمعات المسلمة القديمة والحديثة، ومجتمعاتنا اولى بتجسيد مضمونه قبل اية مجتمعات اخرى.

ان المجتمع المدني، هو بمصطلح علماء الاجتماع: الفضاء الاجتماعي الذي لايخضع للسلطة السياسية بشكل مباشر، ولا يذعن لاجهزتها الرسمية، بل ينأى عنها حتى حدود الرقابة عليها ومحاسبتها.

والمجتمع المدني هو جميع الهيئات والمؤسسات والتنظيمات والقوى الحية التي تتصل بادارة جوانب هامة واساسية في حياة الفرد والجماعة، وتنظم انشطتها. وتحدد مواقفها بقدر مشهود من الحرية والاستقلالية.

في التاريخ العلائقي الصدامي بين الاسلام والغرب كانت المجتمعات المدنية الغربية مؤتلفة مع مؤسساتها السياسية في (المواجهة الشاملة) التي حدثت في بعض الحقب مع المسلمين، وكذلك كانت حال المجتمعات المدنية والمؤسسات السياسية في الجانب المسلم في بعض المراحل والحقب. ولامفر من بذل الجهود اللازمة لفك ذلك الائتلاف تدريجيا، والضغط الدائم في هذا الاتجاه، وما كنا ألمحنا اليه سابقا من استفاقة وعي وضمير الرأي العام الدولي حيال الحرب على العراق، هو اول الغيث في هذا السبيل.

ان بيننا وبين الغرب تاريخا متطاولا من التنازع الايديولوجي والسياسي والعسكري (والديني احيانا) فضلا عن الممانعات الاخلاقية والفلسفية غير ان هذا التنازع مكتنز ايضا بالكثير من عوامل سوء الفهم المتبادل التي شكلت في بعض الحقب بنية تحتية او خفائض (وخاصة من جهة الغرب والنخب الغربية)، صالحة للاثارات العدوانية والهروب والتصورات السلبية المقررة سلفا. والدارس الموضوعي، قبل التنافر والتناحر السياسيين والايديولوجيين وبعدهما، ومن الطرفين، اذ يعاود النظر في المشروعين الحضاريين: المادي والالهي الاسلامي يعثر فيهما على نقاط كثيرة مثيرة للتباين والاختلاف، لكنه يجد فيهما وبينهما – بالمقابل – الكثير من القواسم المشتركة التي يحسن الانطلاق منها والبناء عليها في التوجه الى الآخر، دون ان يعني ذلك التماهي فيه والانصياع والاذعان لارادته والارتخاء في براثنه وتصديق خدعه وجعله قادرا على فرض املاءاته ومصالحه. ولقد اضافت مستجدات الاعصر المتأخرة الى تلك القواسم هموما ومسؤوليات وأعباء مشتركة جديدة، لامحيد عن مواجهتها والتصدي لها بتصور وآليات وجهود وامكانيات وتعاون متبادل.

ولايبدو لنا في فهم علاقة (المسلمين) بالغرب وفيما ينبغي لهذه العلاقة ان تكون عليه افضل من الشعار القرآني الذي رفعه واكد عليه الامام الخميني(قدس سره): “لاتـَظلمون ولاتـُظلمون” ولا في وصف الواقع الحضاري والاجتماعي للطرفين، ادق من عبارة الشيخ محمد عبده: “ذهبت الى الغرب فوجدت اسلاما ولم اجد مسلمين، وعدت الى الشرق فوجدت مسلمين ولم اجد اسلاما”.

۴ – العولمة.. الحضور النقدي:

بينما تحضر العولمة بنماذجها الكونية الكوسموبوليتية في دورنا وامزجتنا، وتتغلغل في نسيج ثقافتنا وحياتنا وتتدخل فيما نحب وفيما نكره، وتتمدد غلبتها في مغلوبيتنا، فان الرد عليه من قبل المغلوبين لايكون باضافة (لا) جديدة الى (لاءاتنا) السابقة لكل ماهو غربي لمجرد كونه غربيا، كما لايكون الرد بالغياب الحضاري ما دام حضورنا المادي معلوما موضوعيا. ومنذ أمد بعيد، فلا فراغ في الكون، وان لم نسد (فراغاتنا) فسيملأها الآخرون حتما وقسرا، وسنفقد اي فرصة في استعادة الحد الادنى من التوازن مع المشروع العولمي، وقد امسى واقعا في وجوده وشبكة نفاذه ونفوذه، لكنه واقع غير ثابت دائما، وفي كل الشؤون والمسائل، كما ان الحقل العولمي وموقع اختباره ليسا مؤاتيين على الدوام.

ان سؤال اين الـ(نحن)؟ يظل مشروعا في وجود الـ (هم) الموضوعي.

ان كوننا مجرد ردة فعل على كثير من الفعال التي تصيبنا، وان كوننا في موقع الاستلاب والضحية، لا يغفران – ولايبرران – البتة لنا الغياب، ولا الاستسلام والاكتفاء بالصراخ (الخافت؟!) نتيجة لما يعصف بنا وحولنا. فليست “التجربة” العولمية اول ولا آخر المطاف في علاقة اللاتوازن المتفاقم بيننا وبين التفوق الغربي. واذا كانت لنا مع تلك التجاريب هزائم، ونحن على ما هو مشهود من تهافت وتخلف ومواضع ضعف، فان لنا ايضا تاريخا من الممانعة والمقاومة ينبئ بأن مسؤولية الهزائم تتحملها، في الاعم، النخب التي اضطلعت بأعباء المواجهة (في حال وجودها) لا الامة بأسرها. اما عندما كانت الامة هي المعنية بالمواجهة فان احدى النتيجتين كانت المآل: اما جعل انتصار الخصم صعبا ومنهكا وظرفيا، واما إلحاق الهزيمة به ودفعه الى الانكفاء، او حتى الى فرض الاندحار عليه.

ان للهزيمة شروطها.. لكن للمقاومة شروطها ايضا.. كما لها ادواتها ومستوياتها وخطتها واعدادها، وفي طليعة ذلك كله المعرفة الوثيقة بمن، وبما نواجه .. وليست مشاريع الهيمنة العولمية خارج سنة نقاط الضعف ونقاط القوة، ولا خارج سنة الايجابيات والسلبيات.

ولاريب في ان قدرة المغلوب على الاختيار بينها ليست مطلقة، بيد انها ايضا غير معطلة بالكامل. فاستعادة مجتمعاتنا بعضا من سيطرتها على اقتصادها والخروج من هوس الاستحواذ والانحطاط الثقافي والسياسي والاجتماعي ليسا شأنين مستحيلين.(۱۲)

أما البدائل المجدية والمقنعة والمتفق عليها فهي مسؤولية الرافض أو الممانع… وبذا وبغيره يتشكل حضورنا في السوح العولمية، أو بعضها في الاقل.. وأما الاستنكاف والحرد المجانيان، فشعوب العالم الاسلامي والعربي أدرى بنتائجهما والمحصلات، ولن يغيرا من العولمة الواقعة وفيها شيئا.. ولعلهما يقدمان خدمة جليلة لها ولاستحكامها بنا.

صحيح الكثير مما يقال ويكتب عن المشاريع العولمية واهدافها.. الا ان الصحيح ايضا ان (السباق الكبير الى الاستهلاك) (۱۳) في ازمة، وان الشعور بالهامشية والاحباط والمرارة والقهر باتت كلها اشد وطأة في العالم اليوم من الفقر والجوع والامراض والحروب. (۱۴) فليست الطريق العولمية سالكة وآمنة الا جزئيا. وكنا قد اشرنا آنفا الى ان الاعتراض على مواقف وممارسات المؤسسات السياسية الغربية وجنوحها العولمي قد بدأ يراكم تجارب احتجاجية، جعلت بعض الحكومات الغربية تقف في واد، بينما تقف شعوبها في واد آخر. فالدارونية السياسية والاقتصادية والعسكرية والزعم بأن البقاء الأقوى، وان الضحية تستحق مصيرها لم يعودا في سوق التداول بلا منازع.

اما الفكر السياسي والفلسفة السياسية في الغرب فما فتئا يرفعان وتيرة نقدهما الذاتي، ويدعوان الى نظرة مغايرة لاداء اقتصاد الاعلام الموجّه، ولطريقة تصوير ما يحدث في العالم الثالث بضغوط ايديولوجية.. حتى ان اصواتاً مستنيرة قد بدأت تلقى تجاوبا شعبيا، عندما راحت تدعو الى اعادة النظر في وعي الغرب بالعالم. وهذا شأن كان حتى الامس القريب بمثابة المحرم، او في عداد غير المفكر فيه، الا في النادر من الحالات والنماذج. وانها لمهمة محفوفة بالصعوبات لان جميع العادات والاعراف والمصطلحات الثقافية هي بلسان هؤلاء الحداثويين الغربيين الجدد (من مخلفات العالم القديم). (۱۵) المهيمن فكره على المؤسسات السياسية في عدد من دول الغرب والموصوف هناك باليمين الذي يعتبره انطوني غيدنز راديكاليا اذ يدعو الى التغيير عن طريق الجراحة الراديكالية. (۱۶)

ان الحضور النقدي للمسلمين والعرب في المشهد الدولي المعولم يعني حضور المواجهة التي لاتستقيم في رأينا الا بالتوازي في العمل باتجاهات عدة في الوقت نفسه:

اولا : ذاتيا وداخليا:

وذلك من خلال القيام بخطوات التحصين الآيلة الى تعزيز عوامل الممانعة للسلبيات العولمية. ولعل في طليعة تلك الخطوات الآتي:

۱ – ضرورة تحديث وعصرنة آليات وديناميات المشروع الحضاري الاسلامي (اصولا وفقها وعلم كلام وموضوعات) بما يتلاءم والتطورات الحديثة في جميع المجالات، لاسيما منها قضايا الحريات العامة والخاصة، والمرأة، والاقتصاد والمال، والتكنولوجيا والفنون والآداب.. الخ.

۲ – المبادرة العاجلة الى توفير جميع الشروط الآيلة الى اقامة حوار داخلي موضوعي بين الحركات والقوى الاسلامية، بهدف تكوين رؤية مشتركة (في الحدود الممكنة) ]تطمح الى التوحد[ للمشروع الحضاري الاسلامي وللدين الاسلامي نفسه حتى لايبدو مجموعة من الاسلامات المتباعدة (يجب الاقرار بهذه الحقيقة الكارثية) التي تختلف فيما بينها في كثير من الشؤون الاساسية بدءا من الهوية ووعينا لذاتنا وصولا الى الحداثة وحقوق الانسان والوعي بالآخر وسبل التحرر وبرنامج الاولويات واقامة العداوات او الصداقات او التحالفات، ونظن اننا في أسوأ حال امام: الاسلام الاميركي والاسلام على طريقة ابن لادن، والاسلام الصدامي، والاسلام السوداني، والاسلام الايراني، والاسلام الباكستاني، وإسلام الطالبان، واسلام ماليزيا.. واسلام تركيا.

۳ – فتح اوسع الابواب للنقاش الداخلي لجميع قضايانا باتجاه تأمين اوسع مشاركة وتكامل بين قوى المجتمع المدني باتجاه تكريس سلم اجتماعي بين مختلف الجماعات الايديولوجية الاتنية والدينية والسياسية، وباتجاه تقريب المواقف والرؤى من كل شؤوننا، وتشكيل كتل ضغط و تحريك لقوى المجتمع كافة، وتوفير افضل الآليات والديناميات الديمقراطية لتحقيق تلك الاغراض ولتداول السلطة سلميا.

4 – استكمالا للبند (۲): لعل في اولويات ديناميات تنميتنا المدنية ضرورة قيام احزاب ومرجعيات اهلية متعاونة ومتكاملة لتكون بمثابة مرجعيات للرأي العام في شتى الشؤون العامة والوطنية، تكون قادرة على تفعيل دوره، وتنظيم حراكه، ورص صفوف فئاته كافة في وجهة واحدة على طريق تحقيق الاهداف المشتركة.

۵ – توثيق العلاقات، خاصة، بالمرجعيات الدينية غير المسلمة وبمواطنينا غير المسلمين (المسيحيين تحديدا) على قاعدة المساواة التامة في الحقوق والواجبات مع مواطنيهم المسلمين، وعلى اساس اقامة اصح تعارف ديني واجتماعي ووطني وحقوقي.. بين الملتين بهدف تكوين بنية اجتماعية وسياسية متراصة، ووحدة وتكامل وطنيين في المجالات كافة. ففي قناعتنا ان مواطنينا المسيحيين، بعد توحدنا الداخلي والوطني، هم بعض اهم عدتنا في احداث اختراق مؤثر في اوساط الرأي العام المسيحي في الغرب وفي ترشيد او تصويب علاقاته بالعالم العربي والاسلامي، مما سيقدم افضل العون للجهود المشتركة في احباط المشروع العولمي الامبريالي او اعاقته.

۶ – لم يعرف تاريخ المدنية الاسلامية نهضة وتنويرا وازدهارا الا من خلال ابداعات فلاسفتها ومفكريها وعلمائها ومثقفيها وفنانيها.. الذين كانت لهم اياد بيض في استنهاض اوروبا في حينه.

ولعل احد ابرز ظواهر انحطاط هذه المدنية وتعثرها في مشهد الازمنة المتأخرة يتجلي في ان اكثرية هؤلاء: اما مستتبعون مستأجرون لخدمة السلطان فأهدروا في هذا الموقع مواهبهم وكفاءاتهم، واما مهمشون لاحول لهم ولاقوة، واما كتاب اعمدة في الصحافة اليومية تؤسس كتاباتهم لاشخاصهم اكثر مما تؤسس لوجهة فكرية يراكم كمها نوعها، فتحدث في محيطها الاجتماعي مخاضات وعي واستنهاض مبشرة، واما موظفون او معلمون محترفون تأكلهم هواجسهم اليومية، واما مهجرون في دياسبورا علمية وثقافية تطوي البلاد بحثا عن حرية عزيزة او حياة كريمة.. واما.. واما..

ان امر هذه المدنية الاسلامية لايصلح في رأينا، الا بكثير مما صلح به اولها. وما لم تستعد الامة لنخبها العلمية والثقافية والابداعية دورها الاستنهاضي، فالكبوات ولادة اخواتها. وكيف لجماعة مواجهة مشاريع عولمية تنبض علما وتقنيات وخبرات واختصاصات معمقة وتخطيط استراتيجي بغير هذه الاسلحة المواضي؟!..

ثانيا: في الدائرة الدولية:

أ – القيام بأوسع الحملات باتجاه المجتمعات المدنية الغربية (لقد جربنا عشرات السنين من الترك والاهمال للرأي العام الغربي فلنجرب بضع سنوات باتجاه مختلف).

ب – المبادرة السريعة الى تقوية وتعزيز اوسع للعلاقات مع المرجعيات المسيحية في اوروبا واميركا، وبخاصة المرجعيات الكاثوليكية وعلى رأسها الفاتيكان، الذي كان له باع طولى في التأثير على مسيحيي العالم، وجعل الكثيرين منهم ينخرطون في الحملة المناهضة للحرب على العراق واعتبار هذه الحرب شرا مستطيرا.

ذلك كله في اتجاه تصحيح صورة المسلمين والاسلام في الذاكرة والوعي المسيحيين في العالم، وبهدف اقامة حوار بناء لبيان المشتركات الكثيرة، وكشف مجالات التقارب، مع السعي الحثيث الى محاصرة او تعطيل تأثير الجماعات المسيحية المهودة في الغرب على الرأي العام واستشراء تغلغله في وسائل الاعلام المتنوعة الاختصاص.

يقتضي التعقل والحنكة ايضا فتح ابواب الحوار حتى مع تلك الجماعات المهودة باتجاه مساجلتها في معتقداتها وقناعاتها المحرفة او المنحرفة، وتأويلاتها الطائشة وبعضهم لاقى من صنوف العنت الكثير.

ج – في السياق نفسه نشير الى ضرورة بذل كل جهد ممكن لتوسيع دائرة التمييز في فكرنا وخطابنا السياسيين والثقافيين والاعلاميين بين اليهودية والصهيونية.. وهذه قضية خلافية قيل وكتب فيها وعنها الكثير.. ولقد آن اوان الحسم فيها على قاعدة التمييز، الذي ماجَـرَّ نقيضه على قضايانا الا المزيد من الارباك واصطناع الاعداء بكلفة مرتفعة. فلا يؤخذن الصديق، او الحليف، بالعدو، ولا الصحيح بالسقيم. فبين الشخصيات والقوى الداعية الى السلام ولوازمه في العالم رجال ونساء كثر ممن ينتمون الى اليهودية غير التحريفية، أو الى اليهود العلمانيين، او هم من الذين يقفون الى جانب حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وفي مقاومة محتلي ارضها، وبخاصة الاغتصاب الصهيوني لفلسطين.. او هم من المناهضين المشهود لهم بالصدقية في معاداة الصهيونية والفاشية، ومواجهة الجنوح العولمي، انى تكن توجيهاته.. وبعض من هؤلاء قد لاقوا العنت والهوان وصنوف الاضطهاد من الصهاينة، او المتصهينين الكثر، ولايزالون..

نرى الى انه بات بـِـهَدْي ما اوردنا، بات بحكم المستحيل ان تغيب السياسات الغربية الجائرة المعتمدة حيال قضيانا، عربا ومسلمين، كما حيال قضايا المستضعفين في العالم، عن “اجندة” علاقاتنا الدولية، وبالتالي فان كل استراتيجية او سياسة عولمية تخرجهما اليد السوداء للامساواة الكونية ستظل عندنا وعند اصرار العالم بلاشرعية، ولن تستولدا الاستقرار الدولي الذي تتوهمانه، بل الانفجار تلو الانفجار،(۱۷) ولن يكون اصحابها انفسهم في مأمن من شظايا تلك الانفجارات. (۱۸)

وفي كل حال، ينبغي – في رأينا – لعلاقاتنا بالغرب (الكلي او الجزئي) وبأي طفوح عولمية تصدر عنه، بالجملة او بالمفرق، ان تخرج عن مجموعة مسلمات استراتيجية هي الآتية:

أ – رفضنا ومواجهتنا لاي نظام دولي او اي مشروع عولمي يقوم على اساس الغائنا ومصادرة حقوقنا وشطب خصوصياتنا الاعتقادية والاخلاقية والاجتماعية.

ب – مواجهة كل انماط تدخل المؤسسة السياسية الغربية، او محاولات تدخلها، في شؤوننا الداخلية وفي سعيها الى فرض املاءاتها السياسية علينا.

ج – مواجهة محاولات هيمنتها على اقتصادنا ونهب ثرواتنا واستتباعنا بعناوين وشعارات نفاقية تدس السم في الدسم.

د – مواجهة تحالفها مع اسرائيل وامعانها في المشاركة والاعانة على احتلال فلسطين وتشريد اهلها.

هـ – الحؤول دون منعنا من السعي الجاد الى انماء مجتمعاتنا وتعطيل عوامل استضعافها، والى امتلاك جميع وسائل القوة والمنعة التي تكفل تطوير قدراتنا المادية والعسكرية، بما يضمن تحسين جاهزيتنا للدفاع عن بلادنا وحقوقنا ضد اي اعتداء، من اي نوع ومن اي مصدر جاء.

و – استعدادنا الدائم للانخراط في كل مشروع يعولم الحق والعدل وقيم الخير والسلام والحرية

إرهاب الإعلام الصهيوني وطمس الحقائق!!!

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المنجي8/6

الإعلام الصهيوني يلعب دوراً موازياً للدور العسكري الذي يضطلع به الكيان إن لم يكن أكثر فاعلية، وأشد خطورة، وفي مقابل تلك الاستراتيجية الإعلامية الصهيونية نجد أن العرب لا يملك ولو جزءاً يسيراً من استراتيجية مقابلة قادرة على مواجهة التغلغل الصهيوني.

دراسات كثيرة تناولت آلية الإعلام الصهيوني وهي على تنوعها أجمعت على أن الدعاية الصهيونية ارتكزت إلى الغرب، ما قبل احتلال فلسطين، بالعزف على نغمة المحرقة اليهودية و”العذابات اليهودية” وتضخيم عقدة الشعور بالذنب تجاه اليهود واضطهادهم في الضمير الرسمي والشعبي الغربي، وتوازى ذلك مع قيام دعاة الصهاينة بالترويج لأسطورة أن “فلسطين أرض بلا شعب، واليهود شعب بلا أرض”، إلى جانب “التبشير” بواحة للحضارة والديمقراطية فيما لو وُجِدت “إسرائيل” في الأرض العربية.

عملت الدعاية الصهيونية على خطين متوازيين موجهة إعلامها للداخل والخارج، فواصلت التعبئة من جهة لمحاولة “توحيد البنيان اليهودي” على أرض فلسطين وتوطيد دعائمه في إطار الكيان الصهيوني وأطلقت حملة لمحاربة “الاندماج” اليهودي في الخارج والعمل على استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين والمحافظة على ارتباط اليهود بمؤسساتهم في العالم بشبكة اتصال متينة مع “إسرائيل”.

رفع الإعلام الصهيوني وتيرة خطابه في أوساط الغرب، ونجح إلى حد كبير في تشويه الحقائق التاريخية والوقائع السياسية، بل إنه استطاع إخفاء مشاهد المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في كفر قاسم ودير ياسين وقبية ونحالين وأبو شوشة وغيرها مستفيداً في ذلك من ضعف الإعلام العربي وهشاشته. وذكرت دراسات كثيرة أن الغرب كان يرى ما يحدث على أرض فلسطين من خلال المنظور الصهيوني، فترسخت اعتقادات في الرأي العام الشعبي الغربي مفادها أن “إسرائيل” بلد صغير يحاول العرب “المتوحشون” التهامه، في وقت كانت الماكينة الإعلامية الصهيونية تقدم العربي والشخصية العربية على هيئة قطاع الطرق وسافكي الدماء، وانتشرت في وسائل الإعلام الغربية المختلفة وبظل صهيوني صورة البداوة المتخلفة للعربي الواقف بين الجمل والخيمة والذي لا يرى أفقاً أمامه أبعد من كثبان الصحراء، واعتمدت الدعاية الصهيونية في ذلك على التذكير بحكايات ألف ليلة وليلة والتركيز على جوانبها التي تظهر العربي كسولاً يرتع بين المحظيات والجواري، مستسلماً للبلادة والجهل.

ويذكر الدارسون أن مساحة التدفق الإعلامي الصهيوني المتعدد الأشكال اتسعت في معظم أنحاء العالم، وفي فترة قياسية، وعلى سبيل المثال بلغ عدد الصحف والمجلات اليهودية التي صدرت خارج الكيان الصهيوني وبلغات مختلفة بعد عام 1967، 760 جريدة ومجلة موزعة على النحو التالي: 224 صحيفة في الولايات المتحدة الأميركية، 30 في كندا، 18 في أميركا اللاتينية، 348 في أوروبا، 3 في الهند، 5 في تركيا، 42 في أفريقيا، إلى جانب عدد كبير من دور النشر والتوزيع ومحطات الإذاعة والتلفزيون والمسارح وشركات الإنتاج السينمائي، وأعداد أكبر من الوسائل الإعلامية الغربية التي خضعت للنفوذ الصهيوني عن طريق عمل المحررين والمؤلفين والكتاب فيها أو بالاتفاق المالي المباشر.

كان التخطيط لهذه الوسائل يجري في الكيان الصهيوني على يد علماء بالسياسة وعلم النفس السياسي. ويعتمد هذا الإعلام حتى الآن على مختلف المداخل مهما بدت متواضعة وبسيطة بهدف الترويج للموقف الصهيوني، وتوسيع نطاقه لخدمة الأغراض السياسية الصهيونية في مراحل مختلفة وطمس الصوت الآخر.

وشهدت أعوام الثمانينيات والتسعينيات تغيرات مهمة في الإعلام الصهيوني تتوازى مع المتغير السياسي ويعني ذلك انتقال الكيان الصهيوني إلى إدخال مفردات “السلام العربي الإسرائيلي” ليس فقط في خطابه الموجه إلى الغرب والعالم وإنما أيضاً إلى شعوب المنطقة العربية بمجتمعاتها العربية الإسلامية. وبشكل عام قدم الإعلام الصهيوني “إسرائيل” كدولة مسالمة تحاول إدراك “التغيرات” الحاصلة على صراعها مع العرب والتحولات الحاصلة في الموقف الدولي، ولذلك فقد دفعت إلى “تطبيع العلاقات” مع جيرانها العرب، إلا أن هؤلاء مازال بينهم مَن لا يدرك “قيمة السلام”، واستمرت ذريعة الخطر على وجود “إسرائيل” ماثلة في الإعلام الصهيوني كأحد العناصر الرئيسية في خطابه، وإن كان قد طرأ تغير على الأسلوب بالانتقال من التلويح بـ “الخطر العسكري العربي” على “إسرائيل”، إلى استخدام تعبير “الإرهاب” والتحذير من “خطره” على السلم الإقليمي، والعالمي والتجييش ضده بالتالي.

إرهاب الإعلام الصهيوني

كشفت السنوات الأخيرة قضية خطيرة تأخر الرأي العام والإعلام الأمريكي في إدراكها وهي قضية الإرهاب الإعلامي الإسرائيلي وقد دفع ذلك الكتاب السياسيين الأمريكيين إلى التصريح علنا بأن ذلك كان السبب الرئيسي لما حدث في 11 سبتمبر نتيجة حتمية للدعم الأعمى، ونجد كاتباً مثل ديفيد ديوك يقول: “اسمحوا لي أن أقول لكم وبكل صراحة، إن السبب الرئيسي الكامن وراء تنفيذ هذه العمليات الإرهابية ضدنا هو دعمنا المباشر للممارسات الإجرامية الإسرائيلية”.

ويشير الدارسون والسياسيون إلى أن الولايات المتحدة طالها الإرهاب الصهيوني ضمن الدول التي تعرضت له، وفي واقع الأمر فإن “إسرائيل” كانت سبباً لإثارة عدة حروب ضد الولايات المتحدة الأمريكية. ويعود تاريخ الإرهاب الإسرائيلي ضد أميركا إلى عام 1954، ففي ذلك العام قررت دولة “إسرائيل” تفجير منشآت أمريكية في القاهرة والإسكندرية وتحميل القوميين المصريين مسؤولية ذلك، إلا أن الصدفة لعبت دوراً في كشف هذه المؤامرة واحباطها، هذه الحادثة عرفت باسم قضية لافان-الشخص الذي خطط لهذه المؤامرة. وقد استقال هاس لافان وزير الحرب الإسرائيلي من منصبه في عام 1955 في أعقاب فشل هذه المؤامرة وفي عام 1967 هاجمت الطائرات الحربية الإسرائيلية وعن عمد السفينة الحربية الأمريكية ليبرتي وهي راسية في البحر المتوسط على بعد 15 ميلاً من الساحل الشمالي لشبه جزيرة سيناء،كما فتحت نيران أسلحتها الرشاشة على قوارب الإنقاذ الصغيرة الموجودة على سطح هذه السفينة، وقد أدى الهجوم إلى مقتل 31 بحاراً أمريكياً وإصابة 170 آخرين بجروح.

لقد كان الإسرائيليون بصدد إغراق السفينة الحربية الأمريكية وقتل معظم أفراد طاقمها، ثم تحميل المصريين مسئولية ذلك الحادث، وذلك من أجل كسب دعم أمريكي أكبر يساعدهم في احتلال مساحات أوسع ومناطق عربية أكثر، مهاجمة السفينة الحربية الأمريكية لم يكن سوى إجراء حربي إسرائيلي ضد أمريكا ورغم أن وزير الخارجية (دين راسك) وقائد القوة البحرية الأمريكية الأدميرال (مورر) أعلنا أن الهجوم الإسرائيلي على السفينة الحربية ليبرتي كان عن عمد، إلا أن اللوبي الصهيوني المتنفذ في أمريكا حال دون أن يتخذ الكونغرس الأمريكي قراراً رسمياً يدعو للتحقيق في الحادث بعد العدوان الإسرائيلي على السفينة الحربية الأمريكية ليبرتي.

ولم تكتف الإدارة الأمريكية بمواصلة تقديم الدعم العسكري والمالي “لإسرائيل” فحسب بل عمدت بعد عدة أيام من وقوع الحادث إلى حذف الأخبار المتعلقة بالحادث من كافة وسائلها الإعلامية، وفي عام 1986 تسببت “إسرائيل” في أن تهاجم أمريكا خطأ شعباً آخر، فالموساد نصب مرسلة في طرابلس عاصمة ليبيا، وأخذت تبث من تلك المرسلة رسائل إرهابية بشفرات ليبية، وهذه الرسائل حملت عناصر المخابرات الليبية مسؤولية تفجير مرقص في ألمانيا والذي أدى إلى مقتل أمريكيين “فيما بعد ثبت أنه لم يكن لليبيا أي دور في حادث تفجير المرقص المذكور” وفق مصادر إعلامية أمريكية كثيرة. أدى استخدام مثل هذه الأساليب من قبل “إسرائيل” إلى أن تتعرض ليبيا لقصف أمريكي خلف وراءه المزيد من الخراب والدمار.

مما لاشك فيه أن تشجيع أو دفع شعب لمهاجمة شعب آخر، يعد إجراء حربياً، ويدرك كل فلسطيني وكل عربي جيداً بأن الإرهاب الإسرائيلي على مدى نصف قرن لم يكون ليستمر لولا الدعم المالي والعسكري والسياسي الأمريكي، وأن اللوبي اليهودي هو الذي يوجه السياسة الأمريكية حيال منطقة الشرق الأوسط، وأن الصهاينة باستطاعتهم أن يحصلوا كل ما يحتاجونه من الكونغرس الأمريكي الذي يقدم الدعم الشامل “لإسرائيل” ولا يمكن نسيان أن الدعم الأمريكي في الثمانينيات شجع الإسرائيليين على مهاجمة الأراضي اللبنانية واحتلال مساحات واسعة منها، الآمر الذي أدى فيما بعد إلى تفجير مقر مشاة البحرية الأمريكية وقتل “300” جندي أمريكي، كما إنه لا يمكن تجاهل أن العراق لم يقم بأي عمل ضد الولايات المتحدة، ألا أنه بعد أن تحول إلى عدو “صوري” لـ “إسرائيل”، وهو بذلك ارتكب خطأ كبيراً وخطيراً. يقول “ديوك” في ذلك: وعلى هذا الأساس جعل اليهود ووسائل الإعلام والبيروقراطيون من “غير اليهود” الخاضعون لهيمنة اليهود، صديقنا وحليفنا السابق صدام حسين عدواً لدوداً لنا، وخلال عدة أسابيع، ألقينا على العراق كميات كبيرة من القنابل تفوق ما استخدم خلال أحداث الحرب العالمية الثانية، وقتلنا مئات الآلاف من العراقيين بينهم عشرات الآلاف من المدنيين، ثم فرضنا حظراً اقتصادياً على العراق صادقت عليه المنظمة الدولية أيضاً، وأدى حتى الآن إلى وفاة مليون و”500″ ألف طفل والآلاف من المسنين”.

ويضيف ديوك: “دعوا أولئك الأمريكيين الذين لم يفهموا بعد هذا السؤال وهو لماذا الإرهاب، أن يفكروا بعمق بهذه الحقيقة المروعة، مليون و 500 ألف طفل يموتون من جراء سياساتنا ضد العراق، بعض الأمريكيين الذين يقرأون مقالاتي لا يصدقون ذلك، لا يصدقون أن أمريكا تعمدت في قتل مئات آلاف من الأطفال، وهنا ننقل مقطعاً مما قالته وزيرة الخارجية الأمريكية المنحدرة من أصل يهودي “مادلين اولبرايت” لمراسلة “سي-بي-اس” (لزلي استال) في الحادي عشر من أيار (مايو) عام 1996، التي وجهت السؤال التالي لأولبرايت، سمعنا أن نصف مليون طفل عراقي توفوا حتى الآن، وهذا العدد يفوق بكثير عدد الأطفال الذين ماتوا في هيروشيما، وأنتِ تعلمين بذلك، فهل يستحقون ذلك؟! فماذا أجابت مادلين اولبرايت لقد قالت: “أنا اعتقد أن الخيار صعب للغاية، ولكن هل يستحقون ذلك أم لا، نعم أنا اعتقد إنهم يستحقون ذلك”. وبعد فإن بعض الأمريكيين يتعجبون لماذا نحن مكروهون لهذا الحد، اللوبي اليهودي ووسائل الإعلام العاملة تحت إشراف اليهود، تبذل قصارى جهدها لتحول دون أن يدرك الشعب الأمريكي وبشكل كامل السبب الحقيقي لحربنا ضد العراق، والقضايا الواقعية بخصوص الفلسطينيين، إنهم حقاً لا يرغبون بأن يعرف الشعب ذلك”.

لعبت “إيباك” دوراً مهماً رغم أنه لا يتجاوز في أهميته بأي حال دور منظمة مثل “بناي بري” أو مجلس رؤساء المنظمات اليهودية ويشير الدارسون إلى أن الفارق هو أن هذه المنظمات طبقت تقسيماً دقيقاً للعمل فيما بينها. “بناي بريث” مثلاً ومجلس رؤساء المنظمات أيضاً يهتم بالاتصالات الشخصية بالمسئولين الحكوميين، وإيباك تهتم بأعضاء الكونغرس، “كاميرا” تهتم بالإعلام، إلا أن ذلك لا يعني أن هذه المنظمات وضعت سوراً صينياً عظيماً فيما بينها بحيث أصبحت مكونات مستقلة إحداها عن الأخرى، إن منظمات العمل السياسي مثلاً تعمل بتوجيه من “إيباك” وذلك بجمع التبرعات لهذا المرشح “للكونغرس” بدلاً من ذاك ومنظمة بناي بريث تدعم حملات مرشحين.. وهكذا.

وواقع الحال أن “إيباك” التي تأسست عام 1954 تعرضت لمطبات كثيرة في مسارها السياسي في واشنطن. ولعل أصعب هذه المطبات هو الأزمة التي اكتنفتها عند مواجهة جناحين بداخلها، أحدهما عمالي والآخر ليكودي في مطلع الثمانينيات.. إلا أنها حافظت على تماسكها وتأثيرها الخارجي في كل الأحوال.

أدى اعتراف الولايات المتحدة المبكر هذا بـ “إسرائيل” إلى 50 عاماً من العنف القاتل والتخبط الدموي وتحطيم ما قال الصهاينة” إنه حلم التعايش المشترك بين المسلمين والمسيحيين واليهود. وقد اعترف سياسيون كثر من بينهم (جون كينيدي) بأن تاريخ الحروب المريرة التي شهدها الشرق الأوسط منذ إنشاء “إسرائيل” مرير، وأكد على “أن الاختراع المتعجل لهذه الدولة أدى إلى تسميم أفكار الولايات المتحدة في مجالات كثيرة”.

وتابع يقول: “إن التاريخ لا يقدم سابقة مماثلة لما حدث، أي أن تختطف أقلية لا تتجاوز 2% من سكان الولايات المتحدة كل هذه الأموال لتخترع وطناً. ولو قال الكاثوليك لدينا مثلاً، وهم عشرات الملايين، إنهم يريدون جمع أموال لدعم البابا في إقامة دولة كاثوليكية في أوروبا الغربية لثار الكونغرس ضدهم. ولكن الكونغرس لا يثور ضد 2% من السكان أقاموا دولة يهودية، لقد اشترى اللوبي مجلسنا التشريعي أيضاً.

الاعتراف الصريح بالتأثير اليهودي على الإعلام والسياسة الأمريكية ليس جديداً، وتذكر المصادر على سبيل المثال أنه في تشرين الثاني (نوفمبر) 1976م قام (ناحوم غولدمان) رئيس المجلس اليهودي العالمي بزيارة إلى واشنطن حيث التقى بالرئيس جيمي كارتر وبوزير الخارجية (سايروس فانس) وبمستشار الأمن القومي (زبيجنو بريزنسكي). وقدم غولدمان للمسؤولين الثلاثة طلباً مذهلاً: “ابدأوا فوراً في تفكيك اللوبي” الإسرائيلي “في الولايات المتحدة. إنه سيئ لنا” أي لإسرائيل “وسيئ للولايات المتحدة” وفق ما ذكرت مجلة “شتيرن” النيويوركية ـ 24 إبريل 1978 ولكن الرئيس ومن معه قالوا له: “ليس بوسعنا أن نفعل ذلك لأنه ليس لدينا صلاحيات تمكننا من هذا، إن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى إطلاق موجة من معاداة السامية”. يذكر ذلك “حوار مع سايروس فانس أجراه إدوارد تيفنان ونشر في كتاب “اللوبي” عام 1987″.

لم يخف القادة اليهود قضية الولاء أبداً. لقد قال بن غوريون “حين يقول يهودي في أميركا أو في جنوب أفريقيا: حكومتنا، فإنه يعني حكومة “إسرائيل” وفق المصير: إسرائيل. لجاك شتاين…. وتمضي الفقرات أيضاً بلا نهاية تقريباً كدليل على ما أشار اليهشارون من أن “إسرائيل” تملك أمريكا.

ويذكر أن لدى اللوبي نحو 70 من كتاب الأعمدة المشهورين على المستوى القومي، وهو يسيطر على عشرات من أجهزة الإعلام التي تخاطب المستويات السياسية والشعبية وبعبارة أخرى فإن اللوبي اليهودي استطاع أن يجعل معركة “إسرائيل” هي معركة الولايات المتحدة التي تقوم بذلك نيابة عن “إسرائيل” ومع أعداء “إسرائيل” وهو يعد بمثابة خلق أعداء للولايات المتحدة هم أصلاً أعداء الصهيونية.

سلبية المواجهة العربية بالتأكيد مع كل ذلك العرض المبسط للتأثير الإسرائيلي على القرار السياسي الأمريكي عبر إعلام مستلب كلياً ومملوك للآلة الصهيونية، كان الإعلام العربي سلبياً فأدواته معدومة وهو بالتالي أسير للآلة الإعلامية الغربية ووسائلها، إضافة لانعدام الفعل السياسي المستقل عن الأرضية الأمريكية وبالتالي عن الهيمنة الصهيونية.

وقد أشار خبراء عرب كثر إلى أن الإعلام العربي :

– لا يملك رؤيا سياسية أو برنامجاً أو خطة عامة لمواجهة التغلغل الصهيوني، حيث تصبح مقاومة التطبيع مجرد جزء من هذه الخطة.

– إن خطاب العولمة والنيوليبرالية والخصخصة تغلغلت في الخطاب السياسي العربي وفي البنية العربية وهي إحدى أدوات الهجمة الإعلامية الصهيونية على الوطن العربي لأنها تؤدي إلى التفكيك، وتدمير الانتماء إلى الوطن والأمة والتراث، محولة الولاء للسوق العالمية، ولأنها تساهم في خلق هوية تاريخية وهمية على أنقاض هوية تاريخية فعلية.

– سيطر عليه الخطاب الإعلامي والثقافي والترفيهي من جهة، والتغلغل الصهيوني من جهة أخرى، ابتداء من خلق حالة من اللا انتماء إلى التحييد والتجهيل والإلهاء وصولاً إلى كسر الحواجز النفسية مع العدو الصهيوني.

– شيوع المصطلحات التضليلية على نمط “الشرق الأوسط” بدلاً من “الأمة العربية”، أو “عرب إسرائيل”، أو “شعوب المنطقة”، ومثل طرح قضايا جانبية كحوار الأديان أو تشويه الرموز الوطنية والتي تعد جزءاً من الاختراق الإعلامي.

إن عملية كسر الحواجز مع الكيان الصهيوني وضرب الهوية القومية ضمن ما يسعى الإعلام غير المباشر إلى خلقه دون أن يدرك العرب تمهيداً لقطف الثمار ولتحقيق ذلك عمدت الآلة الصهيونية إلى إيجاد مؤسسات وتقنيات التبرير الإعلامي في الصراع العربي الصهيوني وهي بالطبع تعتني بها مؤسسات غربية حكومية تستخدم بدورها كافة الوسائل مثل، إذاعة لندن، إذاعة صوت أميركا. ونجد أننا نركن إلى الاستماع إلى إذاعة لندن لأنها أفضل من العربيات، وتدّعي الموضوعية وتقدم معلومات دقيقة نتابعها حتى توجه باللحظة المناسبة لنا السم في الدسم ويكون ثمنه باهظاً جداً..

وهناك مؤسسات غربية خاصة مثل CNN ومؤسسات صهيونية مباشرة ومؤسسات عربية حكومية ومؤسسات إعلامية متخصصة ومؤسسات عربية، وهناك أخيراً إنتاج إعلامي من دوائر مختصة مثل بيانات جهات رسمية، بيانات ودوائر أمنية وغيرها، جميعها خاضعة بشكل أو آخر للتأثير الصهيوني أو ما يسمى بالتطبيع.

فماذا تستعمل هذه الإذاعات والمؤسسات؟ وفق دراسات كثيرة لخصت عمل هذه المؤسسات نجد:

1 – إنها تخلق أولاً جواً مقبولاً عند المتلقي… فالذين يعملون في مجال الإعلام يعرفون أن هناك: المرسل والمتلقي ووسيلة الإرسال ومادة الإرسال… وأول شيء تتبعه هذه المؤسسات للإيقاع بالمتلقي هو إقناعه بقبول المادة المرسلة إليه.

2 – أنهم يدّعون الموضوعية: يُحضرون الخبر من مكان الحدث مع ادعاء التخصص، مثلاً الـ CNN متخصصة في الأخبار إلى آخر ذلك.

3 – الإقناع بمعرفة المجتمع ودراسته ويلجأون إلى الدراسات التي تقوم بها منظمات التمويل الأجنبي.. عن طريق بعض المأجورين وغيرها وهذه الدراسة في ظاهرها بريئة مع أنها في الحقيقة مساهمة واضحة للتجسس لصالح الخطة الإعلامية الأجنبية.

4 – محاولة تبرير كل شيء حيث يكون لكل شيء غطاء وتبريراً جاهزاً للمتلقي.

أما أسس العمل الإعلامي التي تقوم عليه هذه الجهات فهي وفق نفس الدراسات:

أ – دراسة المجتمع الذي سيحاولون اختراقه اجتماعياً واقتصادياً وعاداته ومفاهيمه.

ب – دراسة مشاكل المجتمع بكل أنواعها.

ووسائل الهجوم يمكن تلخيصها في ما توصل إليه الباحثون:

ـ الحرب النفسية والإشاعة.

ـ تعظيم قدرات العدو.

ـ تعظيم قوة أصدقاء العدو، حيث لابد من إرهابنا وتخويفنا.

ـ تهويل الخسائر وتخفيف قيمة الانتصارات.

ـ تشويه قيمة الرموز الوطنية والقومية.

ـ الخوض في التفاصيل غير المهمة من أجل تفريغ الخبر المهم.

ـ تشتيت الاهتمام عن طريق طرح قضايا جانبية مثل حوار الأديان ومشاكل المرأة.

ـ تحويل التفاصيل إلى قضايا مهمة للابتعاد عن قضايا مهمة أخرى مثل تفاصيل المفاوضات “يقولون مثلاً توصلنا إلى نتائج مهمة”، كانت “مباحثات مفيدة”، “كانت مباحثات ناجحة” ولكن ما الذي يحدث في الداخل؟ لا أحد يعرف ولا يريدون لأحد أن يعرف.

ـ ترويج الفن غير الهادف كالغناء السخيف والمسلسلات غير الهادفة، وإشاعة وتسويغ الانحلال الاجتماعي وهو ما يحتل اليوم 98% من التلفزيونات العربية.

ـ الهجوم الشرس على المفاهيم والقيم.

ـ الأخبار الكاذبة وتشويه الحقائق وتشويه الأخبار وتفريغها من محتواها.

ـ الترويج للحكام الإقليميين “السلطة من الله”، “السياسة ورجالها” وإصدار القوانين القمعية وتشويه مفاهيم حقوق الإنسان وتعظيم الحكام وحماية الفساد في السلطات المحلية.

أما وسائل التأثير المستخدمة فهي:

ـ التكرار.

ـ النخر المستمر.

ـ الإرهاق الجسدي باستمرار العرض والتشويق والإغراءات الجسدية.

المصطلحات وتثبيت جزء منها في استخدامنا حتى تؤثر فينا ومنها:

ـ الإرهاب حيث النضال يسمى إرهاباً.

ـ السلام العادل والشامل اللذان ليس لهما وجود.

ـ الرفض “كل من يتعلم كلمة هذا رفض” و”هذا عمل للرفض فقط”.

ـ إسرائيل، الشرق الأوسط، حدود 67، عرب إسرائيل، دول الجوار، شعوب المنطقة، الأرض مقابل السلام، جيش الدفاع الإسرائيلي، الحمائم والصقور، بلد الأديان الثلاث، أبناء العم، أبناء إبراهيم، سقوط العداء…

هذه كلها مصطلحات يحاولون التأثير بها على الشعب العربي وعلى أدمغته بجعلها أمراً واقعاً وهي أخطر أساليب الإعلام الصهيونية.

نرى بعد ذلك أن هناك أهدافاً تسمى بما قبل النهائية تعمل على تشبيه الأمر الراهن على أنه حالة سلم مستمرة، ثم تعمد للتجهيل والتحييد لإضعاف المخزون المعرفي، لتصل في نهاية الأمر إلى الهدف النهائي وهو هيمنة الإمبريالية والاستسلام وقبول الكيان الصهيوني كجزء من المنطقة والتطبيع معه.

نصل في النهاية إلى أن الإعلام الصهيوني يلعب دوراً موازياً للدور العسكري الذي يضطلع به الكيان إن لم يكن أكثر فاعلية، وأشد خطورة، ويجري تسويق حجج رئيسة خاصة على الصعيد العربي، لمبررات قيام الكيان الصهيوني، فدينياً يجري التركيز على الوعد الإلهي أي على الأرض الموعودة، وتاريخياً يجري التركيز على التواجد اليهودي القديم في البلاد أي بعث “إسرائيل”، وقانونياً تتمحور هذه الدعاية حول تصريح بلفور وصك الانتداب وقرار التقسيم، وإنسانياً تتمحور حول الملجأ الآمن لليهود ووضع حد لشتاتهم، وإنشائياً يجري التركيز على الحضارة المتفوقة للكيان ومكاسب العرب من الاستعمار اليهودي، وتقريرياً يجري تسويق سياسة الأمر الواقع والإشادة بحالاتٍ من الرضا العربي، أو لنقل التسليم العربي بالأمر الواقع تحت يافطة العقلانية. تعتبر هذه الحجج الست هي المناهل الرئيسة للإعلام الصهيوني.

وفي مقابل تلك الاستراتيجية الإعلامية الصهيونية نجد أننا كعرب لا نملك ولو جزءاً يسيراً من استراتيجية مقابلة قادرة على مواجهة التغلغل الصهيوني في كل مفاصلنا بدءاً من السياسة مروراً بالاقتصاد، فالحياة الاجتماعية ثم التاريخ إلى آخر قائمة لا تنتهي، وهكذا ترانا نتشبث بتصريح كالذي أدلى به تيرنر أو حديث مقتضب لسياسي أو اعتراف أدبي أو خطابي بحقوقنا دون النظر أو التوقع بالحصول على أكثر من ذلك، إنه عالم فقد ميزاته كحضارة كان يمكن بها أن يغزو كل العقول لكنه وجد نفسه أسيراً لآلة غسل الدماغ الصهيونية والممثلة بالإعلام

أهمية الإعلام و الدعاية في السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المنجي8/6

تلعب الدعاية بوسائلها وطرقها المختلفة دوراً بارزاً في العلاقات الدولية وتعد إحدى الوسائل الهامة التي تلجأ إليها الدول لتنفيذ سياستها ومخططاتها الداخلية والخارجية.

الإعلام سلاح اجتماعي سياسي من اخطر الأسلحة التي تستخدم في مجال الحرب النفسية، وصراع الإرادات والقوى في العصر الحديث، زاد من خطورته التطور التقني الهائل في وسائل الاتصالات، والدور الذي يلعبه الخبر، والتعليق والصورة، في خلق القناعات والأفكار، وتشكيل وصياغة الرأي العام، حيث امتد تأثير وسائل الإعلام، ليطال مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. وقد مهدت هذه الثورة الإعلامية لظهور نظام ” العولمة ” بعد أن أصبح العالم كله بمثابة ” قرية كبيرة “. وقد صاحب هذا التطور زوال الحدود الإعلامية بين الدول، بحيث لم يعد في وسع الدولة- أية دولة- أن تحمي نفسها من تدفق المعلومات التي تصلها عبر عشرات الوسائل الحديثة للاتصالات ولعلّ أهمها الفاكس، والبريد الإلكتروني، والصور المرسلة عبر المحطات الفضائية، والانترنت، وغيرها.

وهكذا أصبح شعب كل دولة معرضاّ، سواءً شاء أم أبى، لتلقي الصور والأخبار والمعلومات يومياً من أجهزة الإعلام الأجنبية، مما زاد في حجم تأثير الرأي العام الدولي على الرأي العام الداخلي. وبما أن لكل دولة سياسة خارجية معينة تحرص على تحقيقها، وبما أن إمكانية تحقيق هذه السياسة تتعلق كثيراً بإمكانية إقناع الدول الأخرى وشعوبها بعدالة هذه السياسة ومصداقيتها، لذا تقوم الدعاية الإعلامية بدور كبير في هذا المجال، وتزداد أهميته يوماً بعد يوم.
وهكذا فإن الدعاية كنشاط إنساني يهدف إلى التأثير في سلوك الآخرين عن طريق غرس بعض الأفكار والآراء والمعتقدات في أذهانهم، تتميز بأنها عملية نفسية تركز على الجانب الانفعالي عند الإنسان فتخاطب عواطفه وميوله واستعداداته وكل مامن شأنه أن يؤدي إلى خلق حالة من التهيؤ النفسي الذي يساعد على تحقيق عنصر الاستجابة عند الإنسان، ويدفعه إلى تبني مضمون الأفكار التي يطرحها وتتقصدها الدعاية، كذلك تتميز الدعاية بأنها عملية اجتماعية تحقق وظيفة اتصالية في المجتمع رغم أنها أداة من أدوات السياسة وتستهدف هدفاً سياسياً بعينه، ومن هنا تبرز الغائية في العملية الدعائية فهي عملية هادفة بطبيعتها تعمل لتحقيق غاية معينة. وتستخدم الدعاية في مجال الحرب النفسية وتتخذ طابع العداوة والانتقام مما أعطاها بعداً سياسياً هاماً.

إذاً تلعب الدعاية بوسائلها وطرقها المختلفة دوراً بارزاً في العلاقات الدولية وتعد إحدى الوسائل الهامة التي تلجأ إليها الدول لتنفيذ سياستها ومخططاتها الداخلية والخارجية. وإذا كانت الدعاية قد بدأت كأداة ووسيلة سياسية أو عسكرية فإنها اليوم تأخذ مضامين وأبعاد اقتصادية، واجتماعية وعلمية، وثقافية، وتجارية. وأصبحت تستخدم في كل مرفق من مرافق الحياة والمجتمع.
وانتقلت الدعاية من طرق وأساليب تقليدية، إلى طرق وأساليب متطورة رافقت مجمل التطورات القائمة في المجتمع. فأصبحت اليوم تعتمد على أسس وقواعد ونظريات علمية منهجية، تستند إلى جملة من العلوم والمعطيات مثل: علم النفس، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والجغرافية، والعلاقات الدولية، وتستخدم تقنيات علمية حديثة تساعدها على التكيف مع طبيعة الهداف التي تسعى لتحقيقها. بالإضافة إلى ذلك اتسم استخدام الدعاية ” بالاستمرار ” فأصبحت اليوم تستخدم زمن السلم كما تستخدم زمن الحرب، وكيّفت طرقها وأساليبها زمن السلم، وزمن الحرب بشكل يسهل تحقيق الهداف الموضوعة والمحددة…
إذاً الدعاية في عالمنا المعاصر أصبحت علماً متكاملاً. فهي تظهر على أنها عمل واعٍ ومخطط ومبرمج يأخذ بعدين متكاملين فهي توجه إلى داخل الدولة لإحداث تأثير في الجماهير او توجه إلى الخارج لإحداث تأثير في الرأي العام العالمي.
إن هذا الاتجاه للدعاية أصبح يلعب دوراً أساسياً وواسعاً في المجتمع الدولي،والعلاقات الدولية وأصبح أحد الوسائل المساعدة على تنفيذ سياسة الدولة الخارجية، وتحقيق مصالحها ومخططاتها المختلفة.

من كل ما سبق ومن دراسة تاريخية تحليلية ” للصهيونية ” يتبين لنا كيف أن الدعاية الصهيونية – الاسرئيلية كانت ومازالت تنفذ استراتيجية دعائية تحولت ليس فقط إلى أداة هامة في تنفيذ السياسة الخارجية لإسرائيل، وإنما بما تحمله في طياتها من أساليب التضليل والتزييف والكذب والخداع والتشويه…- أصبحت أداة خطرة تستخدمها إسرائيل والصهيونية العالمية ضد العرب من خلال عملها على خداع الرأي العام العالمي وتأجيجه ضد كل ما اسمه عربي أو يمت بالصلة له، بعدان كان ذلك لفترة طويلة يمارس ضدهم ” الصهاينة ” نظراً لما تحمله عقائدهم الدينية والإيديولوجية من أفكار وتعاليم ضد الإنسانية.
لقد أصبحت كلمة ” عربي ” مرادفة في الرأي العام العالمي في أغلبه – رديفة – للتخلف والعدوانية والسقوط والإرهاب … فهل جاء هذا كله من فراغ ؟!
ولما بقي الوضع على حاله ولم يتغير، ماذا فعلنا كعرب لمواجهة هذه الهجمة على ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا؟! علينا آن لا نبقى مكتوفي الأيدي منتظرين الفرج من السماء.

للإعلام والدعاية الصهيونية أساليب مختلفة يستخدمها في خدمة أهدافه وأطماعه، فلقد عرفت الدعاية الصهيونية أن تخاطب الناس حسب مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية، أو حسب توجهاتهم الفكرية والعقائدية. إن هذه التوجهات المختلفة لمخاطبة الناس وكسبهم قد فرضت على الدعاية الصهيونية أن تنتهج أساليب متنوعة لمخاطبة الناس من اجل تحقيق أهدافها، ولاشك بأن الأساليب الإعلامية المختلفة التي ينتهجها الإعلام الصهيوني هي دليل واضح على أن الحركة الصهيونية هي من الحركات القليلة في هذا العالم التي أحسنت استخدام سلاح الإعلام وسخرته لكي يصبح أداة قوية ومؤثرة في أيديها.
و الأساليب المستعملة في الإعلام الصهيوني كثيرة ومتشعبة ومتداخلة مع بعضها البعض، ولكن جميعها تفي بالغرض المطلوب، فالإعلام الصهيوني لايعرف الحدود ولاالقيود من أجل تنفيذ أهدافه، والوصول إلى أغراضه وطموحاته، ومن أهم هذه الأساليب على سبيل الذكر لا الحصر:
– الإشاعات ( الكذب والتلفيق ).
– اختلاق الوقائع وقلب سياقها ( التشويه والتحريف ).
– الإثارة والتحريض ( اللعب على الأوتار الحساسة).
– تحويل الانتباه ( التضليل والتزييف والخداع ).
– التضخيم والتهويل ( المبالغة ).
– التكرار والملاحقة.
– استغلال النكتة والكاريكاتير.
ما من قضية لعب الإعلام دوراً أساسياً وبارزاً في الوصول إلى الأهداف كقضية الاحتيال الصهيوني والسعي إلى ترسيخ السيطرة الصهيونية على العالم.. ومامن جهة أو مؤسسة استغلت وسائل الإعلام والدعاية في الوصول إلى أهدافه وكان استغلالها عقلانياً وعلمياً إلى أبعد الحدود كالحركة الصهيونية في صراعها مع الأمة العربية وسعيها إلى السيطرة على مراكز القرار في العالم وخاصة في الدول المتنفذة منه كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وغيرها.

الحرب العالمية الثانية

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الأحمري 344

بسم الله الرحمن الرحيم

الحرب العالميّة الثانية هي نزاع دولي مدمّر بدأ في 7 يوليو 1937 في آسيا و1 سبتمبر 1939 في أوروبا وانتهى في عام 1945 باستسلام اليابان. قوات مسلحة من حوالي سبعين دولة شاركت في معارك جوية وبحرية وأرضية.
تعدّ الحرب العالميّة الثانية من الحروب الشموليّة، وأكثرها كُلفة في تاريخ البشريةً لاتساع بقعة الحرب وتعدّد مسارح المعارك والجبهات، شارك فيها أكثر من 100 مليون جندي، فكانت أطراف النزاع دولاً عديدة والخسائر في الأرواح بالغة، وقد أزهقت الحرب العالمية الثانية زهاء 70 مليون نفسٍ بشريةٍ بين عسكري ومدني.
تكبّد المدنيون خسائر في الأرواح إبّان الحرب العالميّة الثانية أكثر من أي حرب عبر التاريخ، ويُعزى السبب للقصف الجوي الكثيف على المدن والقرى الذي ابتدعه الجيش البريطاني بمجرد وصول ونستون تشرتشل إلى السلطة ورد عليه الجيش النازي بالمثل، فسقط من المدنيين من سقط من كلا الطرفين، أضف إلى ذلك المذابح التي ارتكبها الجيش الياباني بحق الشّعبين الصيني والكوري إلى قائمة الضحايا المدنيين ليرتفع عدد الضحايا الأبرياء والجنود إلى 51 مليون قتيل، أي ما يعادل 2% من تعداد سكان العالم في تلك الفترة.

** النتائج السياسية
أسفرت الحرب العالمية الثانية عن هزيمة الدكتاتوريات في إيطاليا وألمانيا واليابان وتراجعت مكانة القارة الأوروبية فلم تعد فرنسا وبريطانيا تهيمنان على العالم بل برز قطبان جديدان هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي كما تغيرت أنظمة الحكم بأوروبا الوسطى والشرقية حيث نشأت الديمقراطيات الشعبية وتطورت المستعمرات خارج أوروبا واتضحت المطالب المشروعة لحركات التحرر من الاستعمار وانقسم العالم إلى كتلتين متنافستين الكتلة الغربية برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية والكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي ثم ظهرت على إثر حصول العديد من المستعمرات على استقلالها الدول النامية التي شكلت ما سمي بالعالم الثالث وقد كان للدول العربية الإسلامية دور فعال ضمن هذه المجموعة.
كان من نتائج الحرب العالمية الثانية عودة جميع بلدان أوروبا إلى حدودها القديمة باستثناء بولندا التي توسعت على حساب ألمانيا وانقسمت أوروبا إلى منطقتي نفوذ سوفييتية في الشرق وأمريكية في الغرب كما قسمت ألمانيا إلى دولتين واحدة في الشرق وعاصمتها برلين والثانية في الغرب وعاصمتها بون.

تأسست الأمم المتحدة على إثر انعقاد مؤتمر سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية في يونيو 1945 وقد حضر هذا المؤتمر نواب عن خمسون دولة محبة للسلام.
تمثلت أهداف منظمة الأمم المتحدة في الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، تطوير التعاون الدولي، ضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحماية حقوق الإنسان.
اتفق واضعو ميثاق منظمة الأمم المتحدة على اتخاذ مدينة نيويورك مقرا رئيسيا لها وتتألف أجهزة هذه المنظمة من الهيئات التالية:
مجلس الأمن: تكون هذا المجلس في الأصل من 11 عضو (15 حاليا) من بينهم خمس أعضاء دائمين (الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد السوفييتي، بريطانيا، فرنسا، والصين) وتتمتع هذه الدول بحق النقض أو الفيتو وينتخب باقي الأعضاء لمدة سنتين ويعد مجلس الأمن صاحب السلطة الفعلية في المنظمة إذ تخول له قوانينها صلاحية استعمال القوة المسلحة للحفاظ على السلم.
المجلس الاقتصادي والاجتماعي: ينسق جهود الدول الأعضاء في المجلات الاجتماعية والاقتصادية.
محكمة العدل الدولية: مقرها لاهاي بهولندا ومهمتها حل النزاعات التي تنشب بين الدول

الحرب العالمية الأولى

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الأحمري 344

بسم الله الرحمن الرحيم

الحرب العالمية الأولى وتسمى كذلك الحرب العظمى هي حرب قامت في أوروبا ثم امتدت لباقي دول العالم خلال أعوام ما بين 1914 و1918. بدأت الحرب حينما قامت إمبراطورية النمسا والمجر بغزو مملكة صربيا إثر حادثة اغتيال ولي عهد النمسا وزوجته من قبل طالب صربي أثناء زيارتهما لسراييفو.
قامت روسيا بتعبئة قواتها بعد يوم واحد من إعلان النمسا الحرب على صربيا فعبئت ألمانيا قواتها في 30 يوليو ثم عبئت في 1 أغسطس فرنسا قواتها. أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا في اليوم نفسه بعد أن وجدت عدم تجاوب الروس بشأن طلب ألمانيا إلغاء التعبئة العامة للجيش ثم أعلنت الحرب على فرنسا واجتاحت بلجيكا مما دفع بريطانيا لدخول الحرب بسبب خرق الألمان حياد بلجيكا، وقد كانت الدول الأوروبية قبل الحرب مشكّلة من معسكرين أولهما الوفاق الثلاثي بين روسيا وفرنسا والمملكة المتحدة، بينما تشكل الحلف الثلاثي من إمبراطورية النمسا والمجر وألمانيا وإيطاليا على الرغم من دخول إيطاليا الحرب في جانب الحلفاء.
استعملت لأول مرة الأسلحة الكيميائية في الحرب العالمية الأولى كما تم قصف المدنيين من السماء لأول مرّة في التاريخ.
شهدت الحرب ضحايا بشرية لم يشهدها التاريخ من قبل وسقطت السلالات الحاكمة والمهيمنة على أوروبا والتي يعود منشأها إلى الحملات الصليبية، وتم تغيير الخارطة السياسية لأوروبا.
تعد الحرب العالمية الأولى البذرة للحركات الإيديولوجية كالشيوعية وصراعات مستقبلية كالحرب العالمية الثانية، بل وحتى الحرب الباردة.
شكلت الحرب البداية للعالم الجديد ونهاية الأرستقراطيات والملكيات الأوروبية، وكانت المؤجج للثورة البلشفية في روسيا التي بدورها أحدثت تغيرًا في السياسة الصينية والكوبية كما مهدّت الطريق للحرب الباردة بين العملاقين، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ويُعزى سطوع بريق النازية لهزيمة ألمانيا في الحرب وترك الكثير من الأمور معلقة حتى بعد الحرب. وأخذت الحروب شكلاً جديدًا في أساليبها بتدخل التكنولوجيا بشكل كبير في الأمور الحربية ودخول أطراف لا طاقة لها بالحروب ولا حمل وهي شريحة المدنيين. فبعدما كانت الحروب تخاض بتقابل جيشين متنازعين في ساحة المعركة بعيدًا عن المدنية، فقد كانت المدن المأهولة بالسكان ساحات للمعركة مما نتج عن سقوط ملايين الضحايا.
وكانت روسيا قد تعهدت بالدفاع عن السيادة الصربية، فقامت روسيا بتحريك قواتها نتيجة ضغوط الجنرالات الروس للدفاع عن الصرب. وطالبت ألمانيا من روسيا عدم تحريك القوات وأن تتراجع القوات الروسية عن حالة الاستعداد، ولمّا لم تمتثل روسيا للمطالب الألمانية، أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا في 1 أغسطس 1914 ولحقتها بإعلان آخر ضد فرنسا في 3 أغسطس.

حرب الغواصات والولايات المتحدة

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الأحمري 344

بسم الله الرحمن الرحيم

خلال عام 1916 وقعت حرب بحرية في بحر الشمال بين الأسطول الألماني والإنجليزي عرفت باسم جاتلاند، خرج خلالها الأسطول الألماني من موانيه لمقاتلة الأسطول الإنجليزي على أمل رفع الحصار البحري المفروض على ألمانيا، ولم تكن المعركة حاسمة إذ انسحب الألمان على الرغم من أنهم قد ألحقوا بالأسطول الإنجليزي خسائر كبيرة، ولجأ الألمان في تلك الفترة إلى “حرب الغواصات” بهدف إغراق أية سفينة تجارية دون سابق إنذار، لتجويع بريطانيا وإجبارها على الاستسلام، غير أن هذه الحرب استفزت الولايات المتحدة، ودفعتها لدخول الحرب في أبريل 1917، خصوصًا بعد أن علمت أن الألمان قاموا بمحاولة لإغراء المكسيك لكي تهاجم الولايات المتحدة في مقابل ضم ثلاث ولايات أمريكية إليها.
وكانت الولايات المتحدة قبل دخولها الحرب تعتنق مذهب رئيس أمريكي الذي يقوم على عزلة أمريكا في سياستها الخارجية عن أوروبا، وعدم السماح لأية دولة أوروبية بالتدخل في الشؤون الأمريكية، غير أن القادة الأمريكيين رؤوا أن من مصلحة بلادهم الاستفادة من الحرب عن طريق دخولها.
وقد استفاد الحلفاء من الإمكانات والإمدادات الأمريكية الهائلة في تقوية مجهودهم الحربي، واستطاعوا تضييق الحصار على ألمانيا على نحو أدى إلى إضعافها.

الثورة العربية الكبرى (1916)

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الأحمري 344

بسم الله الرحمن الرحيم

كان العرب قد التفوا حول الشريف الحسين بن علي شريف مكة وحامي الديار المقدسة الإسلامية وقد كان بينه وبين الخلافة العثمانية جفاء وكانت تراوده هو وأبنائه آمال في إنشاء دولة عربية كبرى ولما كانت بريطانيا حريصة على اجتذاب العرب إلى جانبها فقد دخلت في مفاوضات سرية مع الشريف حسين وتم تبادل رسائل بين الشريف حسين ممثلا للعرب والسير هنري مكماهون مندوب بريطانيا في مصر والسودان في مراسلات حسين – مكماهون وأوضح فيها الشريف ما يشترطه العرب لدخول الحرب إلى جانب بريطانيا وهذه الشروط تتلخص في استقلال البلدان العربية القائمة على الساحل الشرقي للالبحر الأبيض المتوسط وإقامة دولة عربية كبرى تشمل مختلف أرجاء الوطن العربي باستثناء مصر والشمال الإفريقي وعلى الرغم من الاختلاف مع مكماهون حول حدود الدولة العربية الموعودة دخل العرب الحرب إلى جانب بريطانيا.

بدأت الثورة العربية الكبرى في 10 يونيو 1916 بإعلان الشريف حسين الجهاد المقدس والثورة على العثمانيين بمساعدة ضابط الاستخبارات البريطانية لورنس الشهير بلورنس العرب، واستطاع أبنائه السيطرة على الحجاز بمساعدة الإنجليز ثم تقدم ابنه فيصل بن حسين نحو الشام ووصل بمساعدة الإنجليز إلى دمشق حيث خرج العثمانيون منها وأعلن فيها قيام الحكومة العربية الموالية لوالده الذي كان قد أعلن نفسه ملكا على العرب غير أن الحلفاء لم يعترفوا به إلا ملكا على الحجاز وشرق الأردن.

وعلى الرغم من تعهدات بريطانيا للعرب بقيام دولة عربية كبرى فقد أجرت هذه الدولة مفاوضات واتفاقيات سرية مع فرنسا وروسيا تناولت اقتسام الأملاك العثمانية بما فيها البلاد العربية ثم انفردت بريطانيا وفرنسا في اتفاقية سرية عرفت باتفاقية سايكس بيكو 1916 نسبة إلى كل من المندوب البريطاني مارك سايكس والمندوب الفرنسي فرانسوا جورج بيكو وقد قاما بهذه المفاوضات التي فضح أمرها بعد الثورة البلشفية في روسيا سنة 1917 وفي السنة نفسها غدرت بريطانيا بالعرب مرة أخرى إذ وعد العرب بتحرر ووعد لزعماء الصهاينة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين من خلال ما عرف بوعد بلفور الصادر في 2 نوفمبر 1917.

الثورة المجرية 1956

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الأحمري 344

بسم الله الرحمن الرحيم

الثورة المجرية 1956، المعروفة أيضاً بالانتفاضة المجرية، كانت ثورة معادية للسوفيت في المجر دامت من 23 أكتوبر إلى 4 نوفمبر 1956. هيأت التغيرات السياسية بعد الستالينية في الإتحاد السوفيتي، والحركات القومية للأحزاب الاشتراكية في أوروبا الشرقية، والاضطراب الاجتماعي بسبب الأحوال الاقتصادية السيئة لعامة المجريين الظروف لظهور انتفاضة شعبية في أكتوبر/تشرين الأول عام 1956.
في عام 1945، أثناء الحرب العالمية الثانية، قدم الروس لتحرير المجر من النازيين، ولكن عندما سيطر الشيوعيون في عام 1949، أصبح التحرير هيمنة، وأصبحت الحكومة المجرية بالكامل تحت السيطرة السوفيتية. توفي الدكتاتوري السوفيتي جوزيف ستالين قبل ثلاثة سنوات من ذلك؛ وفي مارس/آذار 1956، كان نيكيتا خراشتشيف ضد ستالين في كونجرس الحزب العشرين. بقيادة الطلاب والعمّال، بدأت الثورة المجرية التلقائية. شعر السوفييت بأنهم قد يفقدون السيطرة في المجر، لذا أرسلوا إليها دباباتهم وقواتهم. قاوم مقاتلو التحرير المجريين بشدة، ولكنهم انهزموا مع حلول 4 نوفمبر. في عام 1989 مع سقوط حائط برلين، انهار الاتحاد السوفيتي أخيراً. كانت الثورة المجرية من أول الأخطار الصريحة للنظام السوفيتي.
حينما ذهبت القوات السوفيتية إلى بودابست في 24 أكتوبر، حمل المجريون السلاح للدفاع عن النفس. رد ناغي على النداءات المطالبة بإلقاء الأسلحة واستسلم بوعد من العفو. لكن الجماهير المجرية رفضت الثقة بناغي. تظاهروا بأنهم لا يثقون بأحد سوى أنفسهم. في 25 أكتوبر بدأ العمال بإضراب عام.
خلال عدة أيام، تحشد كامل البلاد ضد البيروقراطية الحاكمة والقوات السوفيتية. بدأ العمال المجريون بتنظيم أنفسهم للمحافظة على النظام ولتوزيع المأكل والملبس. المجالس، وهي أجزاء من قوى العمال، كانت مشابهة لتلك التي بنيت من قبل العمال الروس في عام 1917. وقد أبدوا إصرارهم لانهاء الانتهاكات البيروقراطية، والامتيازات، وسوء الإدارة.
تبنى الدستور مجلس عمال بودابست الأعظم في 31 أكتوبر 1956، وهو يصور عمق هذا الكفاح لديمقراطية العمال. يذكر الدستور بأن “المصانع تعود للعمال”. مهام مجلس العمال، كما اشترط الدستور، تضمنت التالي: “موافقة وتصديق كل المشاريع التي تتعلق بالاستثمار؛ وإقرار مستويات الأجر الأساسية والطرق التي تقام بها؛ وإقرار كل الأمور التي تتعلق بالعقود والإئتمان الأجنبي؛ وتوظيف وإقالة العمال المستخدمين في المشروع؛ وفحص الميزانيات وإقرار استعمال الأرباح”.
بخلاف مقولات الحركة الستالينية الدولية حول الثورة المجرية 1956، العمال المجريون لم يطلبوا إعادة الرأسماليين وعلاقات الملكية الرأسمالية. من بين آلاف القرارات التي تبنتها مجالس العمال، لا يوجد قرار يدعو إلى تجريد الجنسية للمصانع والمزارع. العمال المجريون رفضوا الستالينية وجميع الرموز البيروقراطية المشابهة. لكنهم لم يرفضوا جوهر البرنامج الإشتراكي: الرقابة السياسية والاقتصادية للطبقة العاملة تبدى خلال منظمتهم الرسمية الخاصة. منذ البداية حاول ناغي خدمة البيروقراطية السوفيتية والعمال. ولكن انتهى به الأمر بعدم الرضاء من قبل الطرفين. نداءاته المتواصلة إلى العمال لنزع أسلحتهم لم تحظى بأي رد.
ولكن وضع القوة الثنائية التي ظهرت في البلاد لم تسمح بأية من التسويات. عندما أعلن ناغي تحت الضغط الجماهير في 1 نوفمبر انحلال الحزب الستاليني الحاكم وحياد المجر من حلف وارسو، كان ذلك كثيراً على البيروقراطية السوفيتية.
في 4 نوفمبر، بدأ الهجوم الثاني على بودابست. ولكن هذا الوقت، سحبت البيروقراطية السوفيتية قواتها المستعملة في الهجوم الأول لأنهم أصبحوا “مصابين بروح التمرد” ولذا كانوا “عديمي الثقة”. عوضاً عن ذلك، جلبت قوات سوفيتية جديدة للمواجهة النهائية.
حينما اقتربت الدبابات السوفيتية، استقالت معظم حكومة ناغي. ناغي ومؤيدوه لجؤوا إلى السفارة اليوغوسلافية. ترك ناغي السفارة اليوغوسلافية بعدما أعطى تأمينات للعبور الآمن، ولكنه اعتقل من قبل الشرطة السرية وقتل بعد سنتين.
لعدة أسابيع، قاوم العمال المجريون أسلحة القوات السوفيتية. نظمت مجالس العمال المقاومة وقامت بهجوم ناجح في 11 ديسمبر، ولكن قوة الدبابات السوفيتية والشرطة السرية اكتسحتا العمال المجريين في النهاية.