أ.د. أحمد محمد وهبان

معاهدة لوزان

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل المشوح 6

معاهدة لوزان Treaty of Lausanne (في 24 يوليو, 1923) كانت معاهدة سلام وُقـِّعت في لوزان التي سوَّت الجزء الأناضولي من تقسيم الدولة العثمانية بإبطال معاهدة سيڤر التي وقعتها الدولة العثمانية كنتيجة لحرب الاستقلال التركية بين حلفاء الحرب العالمية الأولى و المؤتمر الوطني الكبير لتركيا (الحركة الوطنية التركية). المعاهدة كان نتيجة مفاوضات مؤتمر لوزان التي استمرت 11 أسبوعاً.

تاريخ التوقيع : 24 يوليو 1923
المكان : لوزان , سويسرا
الموقعون : بريطانيا – فرنسا – إيطاليا – اليابان – اليونان – رومانيا – يوغسلافيا – تركيا

نظرة عامة والمفاوضات
المقال الرئيسي: مؤتمر لوزان
انظر أيضاً: تقسيم الدولة العثمانية و حرب الاستقلال التركية

حدود تركيا حسب معاهدة سيڤر (1920) التي تم إلغاؤها وحلت محلها معاهدة لوزان (1923) بعد سيطرة مصطفى كمال أتاتورك على مقاليد الحكم في الدولة الناشئة إثر حرب الإستقلال التركية.بعد طرد القوات اليونانية من قـِبل الالجيش التركي بقيادة مصطفى كمال (الذي أصبح لاحقاً كمال أتاتورك), رفضت الحكومة التركية حديثة التشكيل معاهدة سيڤر الموقعة حديثاً.

اشتراطات المعاهدة
المعاهدة تتكون من 141 بنداً بالأقسام الرئيسية التالية:

مؤتمر المضائق التركية
تبادل (إلغاء الإستسلامات)
تبادل السكان بين اليونان وتركيا
الإتفاقيات
الرسائل المـُلزِمة.

الحدود
المعاهدة عرّفت حدود اليونان, بلغاريا, وتركيا, وتنازلت رسمياً عن كل المطالبات التركية في قبرص, العراق وسوريا, و (سويةً مع معاهدة أنقرة) أقرت حدود الدولتين الأخيرتين. المعاهدة أيضاً أدت إلى الإعتراف الدولي بسيادة جمهورية تركيا الجديدة كالدولة الوريثة للدولة العثمانية المنقضية.

الإتفاقيات
بين العديد من الإتفاقيات, كانت هناك إتفاقية منفصلة مع الولايات المتحدة: إمتياز تشستر. وقد رفض مجلس الشيوخ الأمريكي أن يصادق على المعاهدة وبالتالي فضـَّت تركيا الإمتياز.

رمز الحرية ارنستـــو تشــي جيفـــارا

كاتب الموضوع الأصلي: محمد البابطين 6

إرنستو جيفارا دِ لا سيرنا

الميلاد14 يونيو1928
الأرجنتين الوفاة 9 أكتوبر1967
بوليفياإرنستو جيفارا دِ لا سيرنا ◄ استمع (مساعدة·معلومات) – ينطق جيفارا، (بالجيم غير المعطشة) . يلقب بـ”ثشي جيفارا”، أو بـ”التشي”، أو “تشي” 14 يونيو1928 – 9 أكتوبر1967 – ثوري كوبيأرجينتيني المولد، كان رفيق فيدل كاسترو. يعتبر شخصية ثورية فذّة في نظر الكثيرين.
درس الطب في جامعة يونس آيرس وتخرج عام 1953، وكان مصاباً بالربو فلم يلتحق بالخدمة العسكرية. قام بجولة حول أمريكا الجنوبية مع صديقه ألبيرتو غرانادو على متن دراجة نارية وهو في السنة الأخيرة من الطب وكونت تلك الرحلة شخصيته وإحساسه بوحدة أميركا الجنوبية و بالظلم الكبير الواقع من الإمبرياليين على المزارع الأمريكي البسيط. توجه بعدها إلى غواتيمالا ، حيث كان رئيسها يقود حكومة يسارية شعبية ، كانت من خلال تعديلات -وعلى وجه الخصوص تعديلات في شؤون الأرض والزراعة- تتجه نحو ثورية إشتراكية. وكانت الإطاحة بالحكومة الغواتيمالية عام 1954 بانقلاب عسكري مدعوم من قبل وكالة المخابرات المركزية.
في عام 1955 قابل جيفارا المناضلة اليسارية “هيلدا أكوستا” من “بيرو” في منفاها في جواتيمالا، فتزوجها وأنجب منها طفلته الأولى، وهيلدا هي التي جعلته يقرأ للمرة الأولى بعض الكلاسيكيات الماركسية، إضافة إلى لينين و تروتسكي و ماو تسي تونغ ماو.
سافر جيفارا للمكسيك بعد أن حذرته السفارة الأرجنتينية من أنه مطلوب من قبل المخابرات المركزية ، والتقى هناك راؤول كاسترو المنفي مع أصدقائه الذين كانوا يجهزون للثورة وينتظرون خروج فيدل كاسترو من سجنه في كوبا. ما إن خرج فيديل كاسترو من سجنه حتى قرر جيفارا الانضمام للثورة الكوبية، وقد رأى فيدل كاسترو أنهم في أمس الحاجة إليه كطبيب.
//
سيرة أرنستو تشي جيفارا

“يجب أن نتذكر دائماَ أن الإمبريالية نظام عالمي، هو المرحلة الأخيرة من الإستعمار، ويجب أن تهزم بمواجهة عالمية.”هذا ما قاله أرنستو غيفارا
ولد جيفارا في 14/5/1928 في روزاريو (الأرجنتين). أصيب بالربو منذ طفولته ولازمه المرض طوال حياته.ومراعاة لصحة ابنها المصاب بالربو استقرت أسرته في ألتا غراسيا في السيرا دو كوردوبا. وفيها أسس والده لجنة مساندة للجمهورية الإسبانية عام1937, وفي 1944 استقرت الأسرة في بيونس ايريس.
ومن 1945 إلى 1953 أتم إرنيستو بنجاح دراساته الطبية. و بسرعة جعلته صلته بأكثر الناس فقرا وحرمانا وبالمرضى مثل المصابين بالجذام، وكذا سفره المديد الأول عبر أمريكا اللاتينية، واعيا بالتفاوت الاجتماعي وبالظلم.
إمتهن الطب، إلا أنه ظل مولعاَ بالأدب والسياسة والفلسفة، سافر أرنستو تشي غيفارا إلى غواتيمالا عام 1954 على أمل الإنضمام إلى صفوف الثوار لكن حكومة كاستيلو أرماس العميلة للولايات المتحدة الأميركية قضت على الثورة. وانتقل بعد ذلك إلى المكسيك حيث التقى بفيدل كاسترو وأشعلوا الثورة ضد نظام حكم “باتيستا” الرجعي حتى سقوطه سنة 1959. وتولى منصب رئيس المصرف الوطني سنة 1959. ووزارة الصناعة (1961 -1965).
حصل تشي بالكاد على شهادته لما غادر من جديد الأرجنتين نحو رحلة جديدة عبر أمريكا اللاتينية. وقد كان عام 1951، خلال رحلته الأولى، قد لاحظ بؤس الفلاحين الهنود. كما تبين استغلال العمال في مناجم النحاس بشيلي والتي تملكها شركات أمريكية. وفي عام 1953 في بوليفيا والبيرو، مرورا بباناما وبلدان أخرى، ناقش مع منفيين سياسيين يساريين من كل مكان تقريبا، ولاسيما مع كاسترويين كوبيين. تسيس، وفي تلك اللحظة قرر فعلا الالتحاق بصفوف الثوريين. واعتبر نفسه آنذاك شيوعيا.
وفي العام 1954 توقف في غواتيمالا التي كانت تشهد غليانا ديمقراطيا في ظل حكومة جاكوب أربنز. وشارك تشي في مقاومة الانقلاب العسكري الذي دبرته المخابرات الأمريكية والذي انهى الإصلاحات الزراعية التي قام بها أربنز، وستطبع هذه التجربة فكره السياسي.
التحق آنذاك بالمكسيك. وهناك تعرف في تموز/ يوليو 1955 على فيديل كاسترو الذي لجأ إلى ميكسيكو بعد الهجوم الفاشل على ثكنة مونكادا في سانتياغو دو كوبا. وجنده كاسترو طبيبا في البعثة التي ستحرر كوبا من ديكتاتورية باتيستا. وهناك سمي بتشي وهو تعبيير تعجب يستعمله الأرجنتينيون عمليا في نهاية كل جملة.
وفي حزيران/يونيو 1956 سجن تشي في مكسيك مع فيدل كاسترو ومجموعة متمردين كوبيين. واطلق سراحهم بعد شهرين.
1956-1965 الثورة الكوبية
بدءا من 1965 ارتمى تشي مع رفاقه في التحرير الوطني
يوم 9 أكتوبر 1967 مات تشي غيفارا إذ اغتاله الجيش البوليفي ومستشارو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية

الثورة الكوبية

في 1959 اكتسح رجال حرب العصابات هافانا برئاسة فيدل كاسترو واسقطوا الديكتاتورية العسكرية لفولجنسيو باتيستا. هذا برغم تسليح حكومة الولايات المتحدة وتمويلها لباتيستا ولعملاء الـ CIA داخل جيش عصابات كاسترو.
دخل الثوار كوبا على ظهر زورق ولم يكن معهم سوى ثمانين رجلا لم يبق منهم سوى 10 رجال فقط، بينهم كاسترو وأخوه “راءول” وجيفارا، ولكن هذا الهجوم الفاشل أكسبهم مؤيدين كثيرين خاصة في المناطق الريفية، وظلت المجموعة تمارس حرب العصابات لمدة سنتين وخسروا نصف عددهم في معركة مع الجيش.
كان خطاب كاسترو سبباً في إضراب شامل، وبواسطة خطة جيفارا للنزول من جبال سييرا باتجاه العاصمة الكوبية تمكن الثوار من دخول العاصمة هافانا في يناير 1959 على رأس ثلاثمائة مقاتل، ليبدأ عهد جديد في حياة كوبا بعد انتصار الثورة وإطاحتها بحكم الديكتاتور “باتيستا”، وفي تلك الأثناء اكتسب جيفارا لقب “تشي” الأرجنتيني، وتزوج من زوجته الثانية “إليدا مارش”، وأنجب منها أربعة أبناء بعد أن طلّق زوجته الأولى.
برز تشي جيفارا كقائد ومقاتل شرس جدا لا يهاب الموت و سريع البديهة يحسن التصرف في الأزمات. لم يعد جيفارا مجرد طبيب بل أصبح قائدا برتبة عقيد، وشريك فيدل كاسترو في قيادة الثورة، وقد أشرف كاسترو على استراتيجية المعارك بينما قاد وخطط جيفارا للمعارك.
عرف كاسترو بخطاباته التي صنعت له وللثورة شعبيتها، لكن جيفارا كان خلف أدلجة الخطاب وإعادة رسم ايديولوجيا الثورة على الأساس الماركسي اللينيني.

جيفارا وزيراً

صدر قانون يعطي الجنسية والمواطنية الكاملة لكل من حارب مع الثوار برتبة عقيد، ولم توجد هذه المواصفات سوى في جيفارا الذي عيّن مديرا للمصرف المركزي وأشرف على محاكمات خصوم الثورة وبناء الدولة في فترة لم تعلن فيها الثورة عن وجهها الشيوعي، وما أن أمسكت الثورة بزمام الأمور -وبخاصة الجيش- حتى قامت الحكومة الشيوعية التي كان فيها جيفارا وزيراً للصناعة وممثلاً لكوبا في الخارج ومتحدثاً باسمها في الأمم المتحدة. كما قام بزيارة الإتحاد السوفيتي والصين، واختلف مع السوفييت على إثر سحب صورايخهم من كوبا بعد أن وقعت الولايات المتحدة معاهدة عدم اعتداء مع كوبا.
تولى جيفارا بعد استقرار الحكومة الثورية الجديدة –وعلى رأسها فيدل كاسترو- على التوالي، وأحيانا في نفس الوقت المناصب التالية:
سفير منتدب إلى الهيئات الدولية الكبرى.
منظم الميليشيا.
رئيس البنك المركزي.
مسئول التخطيط.
وزير الصناعة.
ومن خلال هذه المناصب قام الـ”تشي” بالتصدي بكل قوة لتدخلات الولايات المتحدة؛ فقرر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتفاق مع كاسترو؛ فشددت الولايات المتحدة الحصار على كوبا، وهو ما جعل الحكومة الكوبية تتجه تدريجيا نحو الاتحاد السوفيتي. كما أعلنت عن مساندتها لحركات التحرير في كل من: تشيلي،وفيتنام،والجزائر.

[عدل] اختفائه

لم يرتح جيفارا للحياة السياسية فاختفى، ونشرت مقالات كثيرة عن مقتله لكي يرد لعل رده يحدد مكانه لكنه لم يرد.
نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية شائعات تدعي فيها اختفاء إرنستو تشي جيفارا في ظروف غامضة، ومقتله على يد زميله في النضال القائد الكوبي فيدل كاسترو، ممااضطر الزعيم الكوبي للكشف عن الغموض الذي اكتنف اختفائه من الجزيرة للشعب الكوبي فأدلى بخطابه الشهير الذي ورد في بعض أجزائه ما يلي:

«لدي هنا رسالة كتبت بخط اليد، من الرفيق إرنستو جيفارا يقول فيها: أشعر أني أتممت ما لدي من واجبات تربطني بالثورة الكوبية على أرضها، لهذا أستودعك، وأستودع الرفاق، وأستودع شعبك الذي أصبح شعبي. أتقدم رسميا باستقالتي من قيادة الحزب، ومن منصبي كوزير، ومن رتبة القائد، ومن جنسيتي الكوبية، لم يعد يربطني شيء قانوني بكوبا.»
في أكتوبر 1965 أرسل جيفارا رسالة إلى كاسترو تخلى فيها نهائيا عن مسؤولياته في قيادة الحزب، وعن منصبه كوزير، وعن رتبته كقائد، وعن وضعه ككوبي، إلا أنه أعلن عن أن هناك روابط طبيعة أخرى لا يمكن القضاء عليها بالأوراق الرسمية، كما عبر عن حبه العميق لكاسترو ولكوبا، وحنينه لأيام النضال المشترك.
أكدت هذه الرسالة إصراره على عدم العودة إلى كوبا بصفة رسمية، بل كثائر يبحث عن ملاذ آمن بين الحين والآخر. ثم أوقف مساعيه الثورية في الكونغو وأخذ الثائر فيه يبحث عن قضية عالمية أخرى.
و قد قال في ذلك: “..ان الثورة تتجمد وان الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي، وأنا لا أستطيع أن أعيش و دماء الثورة مجمدة داخلي.”

في عام 1965 سافر جيفارا إلى الكونغو وسعى لإقامة مجموعات حرب عصابات فيها. ومع أن فكرته لم تلق صدى واسعا لدى بعض القادة، أصر جيفارا على موقفه، وتموه بملابس رجل أعمال ثري، لينطلق في رحلة طويلة سافر فيها من بلد إلى آخر ليواجه المصاعب تلو الأخرى.
ذهب “تشي” لأفريقيا مسانداً للثورات التحررية، قائدا لـ 125 كوبيا، ولكن فشلت التجربة الأفريقية لأسباب عديدة، منها عدم تعاون رؤوس الثورة الأفارقة، واختلاف المناخ واللغة، وانتهى الأمر بالـ”تشي” في أحد المستشفيات في براغ للنقاهة، وزاره كاسترو بنفسه ليرجوه العودة، لكنه بقي في زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية) محارباً بجانب قائد ثورة الكونغو باتريس لومومبا، لكنه فجأة ظهر في بوليفيا قائدا لثورة جديدة، ولم يوثق هذه المرحلة سوى رسائله لفيديل كاسترو الذي لم ينقطع الإتصال معه حتى أيامه الأخيرة.

بوليفيا

لم يكن مشروع “تشي” خلق حركة مسلحة بوليفية، بل التحضير لرص صفوف الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية لمجابهة النزعة الأمريكية المستغلة لثروات دول القارة. منذ بداية عام 1967 وجد جيفارا نفسه مع مقاتليه العشرين، وحيداً يواجه وحدات الجيش المدججة بالسلاح بقيادة السي أي إيه في براري بوليفيا الاستوائية. أراد جيفارا أن يمضي بعض الوقت في حشد القوى والعمل على تجنيد الفلاحين والهنود الحمر من حوله، ولكنه أجبر على خوض المعارك مبكراً.
وقد قام “تشي” بقيادة مجموعة من المحاربين لتحقيق هذه الأهداف، وقام أثناء تلك الفترة الواقعة بين 7 نوفمبر1966 و7 أكتوبر1967 بكتابه يوميات المعركة.

اغتياله

ألقي القبض على اثنين من مراسلي الثوار، فاعترفوا تحت قسوة التعذيب أن جيفارا هو قائد الثوار. فبدأت حينها مطاردة لشخص واحد. بقيت السي أي أيه على رأس جهود الجيش البوليفي طوال الحملة، فانتشر آلاف الجنود لتمشيط المناطق الوعرة بحثا عن أربعين رجلا ضعيفا وجائعا. قسم جيفارا قواته لتسريع تقدمها، ثم أمضوا بعد ذلك أربعة أشهر متفرقين عن بعضهم في الأدغال. إلى جانب ظروف الضعف والعزلة هذه، تعرض جيفارا إلى أزمات ربو حادة، مما ساهم في تسهيل البحث عنه ومطاردته.
في يوم 8 أكتوبر1967 وفي أحد وديان بوليفيا الضيقة هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 فرد مجموعة جيفارا المكونة من 16 فرداً، وقد ظل جيفارا ورفاقه يقاتلون 6 ساعات كاملة وهو شيء نادر الحدوث في حرب العصابات في منطقة صخرية وعرة، تجعل حتى الاتصال بينهم شبه مستحيل. وقد استمر “تشي” في القتال حتى بعد موت جميع أفراد المجموعة رغم إصابته بجروح في ساقه إلى أن دُمّرت بندقيته (م-2) وضاع مخزن مسدسه وهو مايفسر وقوعه في الأسر حياً. نُقل “تشي” إلى قرية “لاهيجيرا”، وبقي حياً لمدة 24 ساعة، ورفض أن يتبادل كلمة واحدة مع من أسروه. وفي مدرسة القرية نفذ ضابط الصف “ماريو تيران” تعليمات ضابطيه: “ميجيل أيوروا” و”أندريس سيلنيش” بإطلاق النار على “تشي”.
دخل ماريو عليه متردداً فقال له “تشي”: أطلق النار، لا تخف؛ إنك ببساطة ستقتل مجرد رجل”، لكنه تراجع، ثم عاد مرة أخرى بعد أن كرر الضابطان الأوامر له فأخذ يطلق الرصاص من أعلى إلى أسفل تحت الخصر حيث كانت الأوامر واضحة بعدم توجيه النيران إلى القلب أو الرأس حتى تطول فترة احتضاره، إلى أن قام رقيب ثمل بإطلاق رصاصه من مسدسه في الجانب الأيسر فأنهى حياته.
وقد رفضت السلطات البوليفية تسليم جثته لأخيه أو حتى تعريف أحد بمكانه أو بمقبرته حتى لا تكون مزاراً للثوار من كل أنحاء العالم.
وقد شبّت أزمة بعد عملية اغتياله وسميت بأزمة “كلمات جيفارا” أي مذكراته. وقد تم نشر هذه المذكرات بعد اغتياله بخمسة أعوام وصار جيفارا رمزاً من رموز الثوار على الظلم. نشر فليكس رودريجيس، العميل السابق لجهاز المخابرات الأميركية (CIA) عن إعدام تشي جيفارا. وتمثل هذه الصور آخر لحظات حياة هذا الثوري الأرجنتيني قبل إعدامه بالرصاص بـ”لا هيجيرا” في غابة “فالي غراندي” ببوليفيا، في 9 أكتوبر(تشرين الأول) من عام 1967. وتظهر الصور كيفية أسر تشي جيفارا، واستلقائه على الأرض، وعيناه شبه المغلقتان ووجهه المتورم والأرض الملطخة بدمه بعد إعدامه. كما تنهي الصور كل الإشاعات حول مقتل تشي جيفارا أثناء معارك طاحنة مع الجيش البوليفي. وقبيل عدة شهور، كشف السيد فليكس رودريجيس النقاب عن أن أيدي تشي جيفارا بُترت من أجل التعرٌف على بصمات أيديه. في العام 1997م كشف النقاب عن جثمانه وأعيد إلى كوبا، حيث قام الرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو بدفنة بصفة رسمية.

[عدل] الرمز والاسطورة

نصب تذكاري لدخول تشي إلى سانتا كلارا بكوبا

بعض أقوال تشي جيفارا:
•لا يهمني متى واين سأموت. •لا أعرف حدوداَ فالعالم بأسره وطني. •ان الطريق مظلم و حالك فاذا لم تحترق انت وانا فمن سينير الطريق. •اما أن ينتصر او يموت. وكثيرون سقطوا في طريق النصر الطويل. •الثوار يملؤون العالم ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء. •لن يكون لدينا ما نحيا من أجله، ان لم نكن على استعداد أن نموت من أجله. •أؤمن بأن النضال هو الحل الوحيد لأولئك الناس الذين يقاتلون لتحرير أنفسهم. •الثورة قوية كالفولاذ، حمراء كالجمر، باقية كالسنديان، عميقة كحبنا الوحشي للوطن. •أنا لست محررا، المحررين لا وجود لهم، فالشعوب وحدها هي من تحرر نفسها. •انني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني • “..ان الثورة تتجمد وان الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي، وأنا لا أستطيع أن أعيش و دماء الثورة مجمدة داخلي.”

سيظل صدى هذه الكلمات يتردد، ويلهم المئات في مكان وزمان، ما دام الظلم والعنف يسود هذا العالم.
عام 1968، غضب شبان العالم وخرجوا إلى الشوارع معلنين أنهم يستطيعون إنهاء الحروب وتغيير ملامح العالم، وقد تحول هذا الرجل الثائر بعد موته إلى شهيد لقضاياهم. أصبح يمثل أحلام ورغبات الملايين ممن يحملون صوره. علماً أنه كان يمثل أيضا مجموعة من التناقضات، وكأن الموت حول ملامحه، ما يوحي بأنه لو منحه أعداؤه الحق في الحياة، لربما عجزت أسطورته عن احتلال هذا المدى العالمي الذي تنعم به اليوم..remon

نضالاته

كره تشي اتكال الثورة الكوبية على الاتحاد السوفيتي، واستمر في ابتكار وسائل أخرى للحصول على التمويل وتوزيعه. ولأنه الوحيد الذي درس فعلا أعمال كارل ماركس بين قادة حرب العصابات المنتصرين في كوبا، فانه كان يحتقر التحريفيين ومافيا الحزب الذين صعدوا على أكتاف الآخرين في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، وفي كوبا أيضا.
كشف (آي إف ستون) كيف انهمك تشي جيفارا في نقاش علني، أثناء مؤتمر في مدينة بونتي ديل استي بأوروجواي مبكراً في 1961 (وهو المولود في الأرجنتين حيث درس الطب هناك) مع بعض شباب اليسار الجديد من نيويورك. أثناء تلك المناقشة، مر بهم اثنان من جهاز الحزب الشيوعي الأرجنتيني. لم يستطع جيفارا أن يمنع نفسه من الصياح بصوت عال، “هيي، لماذا أنتم هنا، أمن اجل أن تبدءوا الثورة المضادة؟”
مثّل تشي الكثيرين في الحركة الناشئة ارادتهم على الحركات الثورية للسكان الأصليين.
وبالفعل فإن الثورة في كوبا، على عكس المفاهيم المعاصرة للكثيرين في الولايات المتحدة اليوم، كانت مستقلة، وفي بعض الأحيان معارضة للحزب الشيوعي الكوبي. ولقد أخذ بناء مثل هذه العلاقة -التي لم يكن من السهل صنعها- عدة سنوات فقط بعد الثورة ونجحت في أخذ سلطة الدولة وتأسيسها، دافعة إلى الاندماج بين القوى الثورية والحزب -الاندماج الذي لم يضع نهاية لمشاكل جيفارا والثورة الكوبية نفسها.
إحدى تلك المشاكل هي اعتماد كوبا المتزايد على الاتحاد السوفيتي (في بعض الأوجه يماثل الاعتماد المتزايد لبعض المنظمات الراديكالية على منح المؤسسات في صورة أموال ولوازم لولبية أخرى). قررت الحكومة أثناء احتياجها اليائس للنقد من اجل شراء لوازم شعبها الضرورية -وبعد نقاش مرير- قررت أن تضيع فرصة تنويع الزراعة في كوبا من أجل التوسع في محصولها النقدي الرئيسي، قصب السكر، الذي يتم تبادله أمام البترول السوفيتي، لتستهلك جزء من هذا البترول وتعيد بيع الباقي في السوق العالمي. وبالتدريج فقدت كوبا، بالرغم من تحذيرات تشي (والآخرين)، القدرة على إطعام شعبها نفسه -وهي المشكلة التي بلغت أبعادا مدمرة بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991.
وهي نفس الأزمات التي أحدقت بالاتحاد السوفيتي والدول التي كان معترفا بها كدول اشتراكية عندما سعوا وراء النموذج الصناعي للتنمية وحاولوا أن يدفعوا ثمنه بالإنتاج والتنافس في السوق العالمي. كان رد فعل تشي: لا تنتج من أجل السوق العالمي. ارفض تحليلات التكلفة/المنفعة (cost/benefit) كمعيار لما ينبغي إنتاجه. آمن تشي بأن المجتمع الجديد حقيقة، وعليه أن يجعل طموحه هو ما يحلم به شعبه من أجل المستقبل، وأن يعمل على تنفيذه فورا في كل أوان ومكان. وحتى تبلغ ذلك، على الثورات الشيوعية أن ترفض معيار “الكفاءة” وعليها أن ترعى المحاولات المجتمعية المحلية حتى تخلق مجتمعا أكثر إنسانية بدلاً من ذلك.

أممية تشي وعلاقته بالماركسية

ارتبط تشي جيفار ارتباطا وثيقا بالماركسية اللينينية في شبابه حيث كان عضوا في الشبيبة الشيوعية الأرجنتينية .
أممية وثورية تشي وارتباطه المميز بالفقراء والمنبوذين في كل مكان، ورفضه الاعتراف بقداسة الحدود القومية في الحرب ضد إمبريالية الولايات المتحدة، ألهمت الحركات الراديكالية الجديدة في العالم كله. نادى تشي الراديكاليين لنحول أنفسنا إلى شيء جديد، أن نكون اشتراكيين قبل الثورة، هذا إذا ما كان مقدراً لنا أن يكون لدينا أمل في أن نحقق فعلا الحياة التي نستحق أن نعيشها. نداؤه “بأن نبدأ العيش بطريقة لها معنى الآن” تردد صداه عبر الجيل بأكمله، فاتحا ذراعيه ليصل بدرجة كبيرة من ناحية إلى ثورية ماو ومن ناحية أخرى ممتدا نحو ماركس. من خلال الحركة، ومن خلال انتزاع مباشرة الثورة عن طريق الاشتباك مع الظلم بكل أشكاله، في كل لحظة، ومن خلال وضع مثاليات المرء فورا في الممارسة العملية، صاغ تشي من التيارات الفلسفية المعاصرة الرئيسية موجة مد من التمرد مما جعل اطروحاته قريبة من الطرح الماوي الجديد (الماركسية اللينينية الماوية )
حب تشي للناس أخذه أولا إلى الكونغو ثم إلى بوليفيا، حيث نظم فرقة من رجال حرب العصابات لتكون، كما كان يتعشم، عاملا مساعدا على الإلهام بالثورة، ولم ينس ان يمر بمصر والجزائر في طريقه ليلتقى الزعيم المصري جمال عبد الناصر والرئيس الجزائري أحمد بن بلة اللذان كانا رموزاً للثورة العربية آنذاك.

أعماله

كمعظم الشباب اليساريين في فترات الدراسة في النصف الاول من القرن الماضي، مارس جيفارا الكتابة شعرا ونثرا. ومن أعماله قصيدة ماريا العجوز التي تكشف عن جانب من شخصية جيفارا [1]
ماريا العجوزماريا العجوز، ستموتي
احدثك بجدية
كانت حياتك مسبحة من الصعاب
انكر عليك حياة الامل
ولا تطلبي الموت رحمة
لتشاهدي غزلانك الهجين تكبر
لا تفعليها
لا تصلي لرب
انكر عليك حياة الامل

من كتبه

حرب العصابات (1961)
الإنسان والإشتراكية في كوبا (1967).
ذكريات الحرب الثورية الكوبية (1968)
الأسفار تكون الشباب … والوعي!
الإنسان الجديد
مـانسيتك
رثاء جيفارا

وهناك الكثير من الشعراء الشيوعيين وغير الشيوعيين رثوا تشي غيفارا ومن أشهرهم الشاعر أحمد فؤاد نجم في قصيدة ”جيفارا مات و الشاعر عبد الرحمن يوسف في قصيدة على بعد خلد و نصف والشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي عن موت طائر البحر ،وقصيدة الشاعر الامير طارق آل ناصر الدين

التحليل في السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: غالب بن معيكل

اتجاهات تحليل السياسة الدولية الأصول الفلسفية لعلاقات السياسة العالمية
باستثناء المشكلات الدولية الكبرى فإن أحداث العلاقات الدولية لا تحظى باهتمام واسع من الناس ، ويرجع السبب في ذلك إلى تشعب تلك القضايا واختلاطها وصعوبة رصد العوامل التي تحركها ، كما يلعب ضعف إحساس الناس بآثار العلاقات الدولية على حياتهم الخاصة دوراً آخر في إضعاف اهتمامهم بتلك القضايا. إن تأثير المشاكل الدولية على أوضاع الناس العاديين تأثير كبير وأساسي إلى حد بعيد ، ولكن ضعف إحساس الناس به يتأتى من أنه يحدث في الغالب بطريق غير مباشر ، والغريب أن بعض كبار السياسيين العالميين يشاركون الناس العاديين في ضعف الإحساس بأثر الأحداث الدولية . ولعل من أبلغ ما حفظه لنا التاريخ الحديث دلالة على ذلك هو اتجاه القادة الأوروبيين إلى تجاهل الخطر النازي في البداية ، بل حتى عندما كانت الحرب العالمية الثانية على وشك الانفجار وكان هتلر يهدد باجتياح الدول تباعاً ، وعندها صرح رئيس الوزراء البريطاني آنها تشمبرلين بأن اجتياح هتلر لتشيكوسلوفاكيا إذا ما وقع فإنه لن يؤثر على الأوضاع الداخلية لبريطانيا ، ولذلك فقد رفض أن تقدم بلاده أي عون للتشيك في دفاعهم عن بلادهم ضد الألمان ، مما سهل على هتلر مهمته في توسيع مجاله الحيوي ، وتهديد الأمن الدولي برمته ، ووضع العالم على شفير الحرب التي قضت على أرواح سبعين مليون من البشر. وبالطبع فليست كل آثار السياسة الدولية على السياسات الداخلية للدول بمثل هذا الواقع المروع ، فهذا هو المثال الأكثر سطوعاً لا المثال العادي. ولكنا سقناه لنؤكد أنه حتى قادة الدول العظمى ينحون نوعاً ما ، إلى تجاهل آثار العلاقات الدولية .تفاعل مسلمي الأمس مع العلاقات الدولية: ومسلمو الأمس كانوا رغم انحصارهم في إطار مكاني بعيد عن الأثر المباشر لواقع التفاعلات الدولية، إلا أن القرآن أكد لنا أنهم كانوا شديدي الاهتمام بآثار تلك التفاعلات ، وما روته لنا سورة الروم عن قلق المسلمين من انتصار الفرس المجوس على الروم الكتابيين هو مثال لذلك ، وما روته كتب السيرة عن تسابق رجال الدولة النبوية الثلاثة الأوائل لتفقد سور المدينة هو مثال آخر . فقد حكت تلك الكتب أن سيدنا عمرعندما سمع ذات ليل جلبة عنيفة قادمة أصداؤها من عند أبواب المدينة ، تقلد سلاحه ، وخف مسرعاً يتفقد الأمر ، خوفاً من أن يكون الروم قد وصلوا إلى أبواب المدينة ، ليخنقوا دولة الإسلام الناشئة ، وفي طريقه إلى هناك وجد سيدنا أبا بكر الصديق وقد سبقه مستكشفاً جلية الأمر، وعندما اقترب الرجلان من أبواب المدينة ألفيا سيدنا رسول الله (ص) قادماً من هناك ، وقد سبقهما لاستجلاء الحدث .. وهكذا كان إحساس الجميع مرهفاً بالخطر القادم من خارج الحدود ! وهكذا فإن المسلم لا يمكن أن يعيش معزولاً عما حوله من أحداث، ولا عما بعد عنه من أحداث . وفي هذا المقال نود أن نعين القارئ العادي غير المتخصص على تكوين منهجية خاصة لفهم العلاقات الدولية ، وذلك من خلال الاستعراض المقارن لأفكار المدارس الثلاث المسيطرة على أساليب تحليل العلاقات الدولية ، وإضافة ملامح المدرسة الرابعة التي هي الآن في حال مخاض لما يسفر عن وجه واضح .تحليلات التيار الواقعـــي: إن أكثر المحللين السياسيين سواء كانوا علماء سياسة ، أو سياسيين سابقين ، أو خبراء إعلاميين ، فإنهم قد خرجوا من عباءة المدرسة الواقعية (Realist approach) وحتى نعرف اتجاهات تفكير هؤلاء ، فلابد من أن نستبطن مسلماتهم الفكرية السياسية ، التي تشكل الأرضية الفلسفية التي ينطلقون منها ، وهي أكثر التيارات معرفة عامة بهذه الفلسفة ، ولكن المعرفة الغامضة لا تكفي لمعرفة الأبعاد العقلية التي تؤطر تفكير هؤلاء المحللين . ولإيضاح ما نرمي إلى إيضاحه فلنبدأ بهذه المدرسة ، فهي الأقدم والأرسخ ، وعلى أساس مبادراتها وتفسيراتها نهضت المدارس الأخرى : مدرسة (العالمية) و (التبعية) و (الأصولية)، ويعتقد كثير من خبراء السياسة أن نظريات هذه المدارس الثلاث مهما بلغت أصالتها فما هي إلا ردود فعل لاطروحات المدرسة الواقعية .كيف هرب الغزال السمين؟ لقد ورث التيار الواقعي نزعة الشك العميق لدى الفيلسوفين الإنجليزي توماس هوبز، والفرنسي جان جاك روسو . وفي اعتقاد هذين الفيلسوفين فإن حالة عدم الثقة التي تسود المستوى الدولي هي حالة طبيعية دائمة لا يمكن أن تتغير لأنها مشتقة من طبيعة الإنسان المفطور على العدوان . وهكذا فلابد أن تؤسس تصرفات الدول في علاقاتها الخارجية على هذا الأساس . فلا أحد يثق في الآخر ، ومن ثم فلابد أن يأخذ احتياطاته بالكامل تحسباً من أي خطر أو هجوم يجترحه في حقه الآخرون ، سواء كانوا أصدقاء أم أعداء ، ولا تكمن الثقة حتى في إمكانية وفاء الآخرين ممن تدخل الدولة معهم في أحلاف أو مواثيق مكتوبة . والمثال الكلاسيكي الذي يورده هؤلاء هو مثال الصيادين الذين اتفقوا فيما بينهم على صيد غزال سمين ، كان قمينا بأن يقدم وجبة عشاء سخية تكفيهم جميعاً ، فاحتوشوا الغزال وكمن كل منهم في مرصد أو منفذ ينتظر أن يفلت منه الغزال ، بينما تفرغ البعض لمناوشته من الداخل ، غير أن أحدهم خان العهد فترك ثغرة لما رأى أرنباً صغيراً ، رأى أنه يكفي لعشائه منفرداً ، فانشغل بصيد الأرنب تاركاً مرصده لينفذ منه الغزال ويهرب ، وضاعت بذلك الوجبة الجماعية لقاء الطمع الفردي لصائد الغزال ! هذا هو مثال النظام الدولي الذي يمكنه نظرياً أن يحقق الأمن والرخاء للجميع ، طالما التزم الجميع بمقتضياته ، ولكن الواقع شيء آخر تنعدم فيه إمكانية تأسيس مثل ذلك النظام ، وتكثر فيه احتمالات بروز أمثال صائد الأرنب ممن يفكرون على مستوى المصالح الشخصية ، ويهملون أمر المصالح الجماعية الدولية. ولذا اقتضى الأمر أن تفكر كل دولة حسب مصلحتها الخاصة ومصالحها الآنية ، على وجه الخصوص ، ضاربة عرض الحائط بمصالح الآخرين أو بمصالح النظام الدولي بعيدة المدى . هذه الأفكار الغليظة قلما يصرح بها المحللون الواقعيون، وذلك بسبب بشاعتها المميتة ، وإفراطها في التشاؤم ، ولكن إيمانهم بها هو إيمان قطعي لا يتخلله الشك ، وهي تستبطن كتاباتهم جميعاً ، وبقليل من التدريب يستطيع القارئ أن يستبصر أطيافها وملامحها في معظم ما يقرأ من تحليلات السياسة الدولية التي ينتجها الاصلاء أو المقلدون في هذا الحقل . الدولة هي المؤثر الأوحد: وانسجاماً مع هذه المقدمة الفلسفية فإن وحدة التحليل عند هذه المدرسة هي الدولة القومية لا غير ، فهم لا يعترفون بأي دور في السياسة العالمية لسوي الدول القومية ، فما يسمى بالمنظمات الدولية ، والقانون الدولي ، والشركات عابرة القارات ، والحركات الثورية، ما هي سوى واجهات وهمية لأثر الدول القومية التي تسعى إلى تحقيق مصالحها وزيادة قواها العسكرية والدبلوماسية التي تضغط بها على الدول الأخرى لتكيف سلوك تلك الدول بما يتفق لا مع الصالح الدولي ولا المقتضيات الأخلاقية ، وإنما بما يتفق مع مصالح الدولة الأقوى . ويعتقد المحللون الواقعيون أن ذلك هو الوضع الطبيعي المشتق من طبيعة الإنسان الأمارة بالطمع والبخل وحب الاستعلاء، ويحذرون أي دولة لا تنفق جهدها في اكتساب القوة ، لأنها إنما تخلي بذلك مواقعها للدولة الأقوى، وتصبح بالتالي سبباً مباشراً في اندلاع الحرب . فاختلال موازين القوة إنما هو الداعي الرئيس الذي يجرئ دولة ما ، لإعلان الحرب . هذا بينما يؤدي اعتدال ذلك الميزان إلى حالة ردع متبادل بين الخصوم ويسبب استقراراً مشوباً بالحذر في الوضع الدولي .مشكلات الحرب والسلام: واستنتاجاً من ذلك فإن أهم المشكلات الدولية عند هؤلاء المحللين الواقعيين، هي مشكلات الحرب والسلام . إن االسلام مطلوب دائماً ولكنه مطلب عزيز لأن حالة الحرب هي الوضع الطبيعي ! وبدلاً من شجب الحرب وتبيان أضرارها بالجنس البشري ، وبدلاً من صرف الجهد في الدعوة إلى السلام يجب التركيز على دراسة ظاهرة الحرب دراسة موضوعية، تهدف إلى الخروج بقوانين عامة عن قضايا القوة النسبية والتحالفات الدولية والاحتواء ، والأداء الدبلوماسي وأسباب اندلاع الحروب ومحاولة التنبؤ بلحظ اندلاع الحرب وبما يعقبها من تسويات وأوضاع . وإنما عدت الحرب أهم المشكلات لأنها ظلت قدر الإنسان التاريخي كما ظلت مصدراً لأهم التغيرات والتحولات الثورية في جوانب الوضع السياسي الدولي ، فكم من دولة زالت أو وهنت قواها بسبب الحرب ، وكم من دولة نهضت كنتاج للحرب ، وكم من حدود سياسية تم تعديلها بسبب الحرب ، وكم من حكومات قد سقطت بسبب الحرب ، وحتى ميزان القوى الدولي فيمكن تغييره بسبب الحرب التي قد تنتج عنها دولة عظمى واحدة سائدة ، أو عدة دول تتوزع فيما بينها القوة الدولية أو قوتان عظميان تتنازعان النفوذ . وفي غضون ذلك كله يتهمش ما يسمى بالقانون الدولي ، وتتجرد العلاقات الدولية من كل مضمون أخلاقي أو اعتبار قيمي ، لأن الحرب والسعي إلى اكتساب القوة لا يعرفان أياً من هذه الاعتبارات ، فالأخلاق عملة فاسدة في هذا المجال ، أو بتعبير كيسنجر- وهو أعظم مراجع التيار الواقعي في الوقت الراهن- فالأخلاق لا حساب لها هنا على الإطلاق!! ومن قديم قدم المؤرخ توسيديس وصفه الشامل للحرب الاثينية -الاسبارطية بحسابات باردة، ومن دون أن يذرف دمعة واحدة على مآسي الحرب التي استعرضها وعلى الضحايا الذين أحصاهم ، وكان تبريره هو نفس التبرير الطريف التليد ، والذي مؤداه أن الحرب وكل ما تنطوي عليه من مآس إنما هو شأن طبيعي لا يستغرب ، وأكثر من ذلك فعند مطالع عصر النهضة الأوروبية جاء الفلاسفة غلاظ القلوب شأن مكيافلي و هوبز و هيجل ليبجلوا مفاهيم القوة والغزو والحرب وليؤكدوها في أذهان الساسة . حتى أن هيجل كان يعتبر الحرب بمثابة الدافع الأساسي لتطهير وصقل الجنس البشري وإنتاج الإنسان الأعلى . هذه المفاهيم حول إشكالات الواقع الدولي ما زالت هي نفس المفاهيم التي توجه مفكري التيار التحليلي الواقعي سواء المتشددين منهم والمتشائمين أمثال هنري كيسنجر وزبيغنيو برزنسكي من القائلين بحتمية استمرار الصراع الدولي بين الدول الراضية عن الواقع الدولي الراهن ، والعاملة على تمديد أجله ما استطاعت ، وبين الدول الثائرة عليه والتي تنتهز الفرص لتقويضه من الأساس . أو من مفكري التيار الواقعي المعتدلين من أمثال جورج كينان وسايروس فانس من المؤمنين بجدوى سياسة الاحتواء والمناورات الدبلوماسية التقدم العلمي ليس كفيلاً بتحقيق السلم الدولــي وفي مواجهة طروحات التيار الواقعي نشأ الاتجاه الوسطي التصالحي الذي يسمي نفسه بالتيار العالمي (global) وهي تسمية تشير إلى صلب فلسفته القائمة بعدم حتمية الصراع على المستوى الدولي ، وبأن مناخ العلاقات الدولية هو أقرب إلى حالة الاعتماد المشترك ، منه إلى حال الفوضى والحرب . فهناك نوع من النظام الدولي آخذ في الاتساع والتكامل وهو في طريقه إلى أن يفرض نفسه كنوع من العرف والقانون الدولي المقبول طواعية من كل الدول. ويلاحظ مفكرو هذا من أمثال جوزيف ناي وروبرت كوهين تناقص تركيز الدول على قضايا الحرب والسلام ، واتجاهها إلى التركيز على قضايا التطور التكنولوجي والاقتصادي ، وهي قضايا تقود بطبيعتها إلى خلق وتعزيز مناخ من التفاهم والتعاون بين الدول وإلى تخفيض درجة الاستقطاب والاستعداء بينها . وبالطبع فإن المحللين العالميين لا يمضون في ذلك الشوط إلى درجة الزعم بأن ملامح الفوضى والحرب : هي في طريقها إلى الاختفاء نهائياً . كل ما هناك أنهم لا يعطونها الأهمية العظمى في التحليل .ومعظم كتابات هؤلاء العالميين تتمحور حول تحليل دور المؤسسات الدولية ، وهم يتجاوزون شأن الدول القومية ، معتقدين أن تلك المؤسسات تستطيع أن تقود العالم نحو آفاق الاعتدال . ولذلك فهم يدعون إلى مزيد من مأسسة السياسة الدولية ، وإلى تقوية تلك المؤسسات وإعطائها استقلالية خاصة حتى تستطيع أن تشكل بتشابكها النامي نسيج النظام الدولي الحقيقي . وقد كان هؤلاء العالميون هم أشد المحللين شجباً لوثيقة البنتاغون الشهيرة التي دعت إلى تجاوز الأمم المتحدة ، ونظم الأمن الجماعي ، وسائر المنظمات الدولية ، تحقيقاً للهيمنة الأمريكية المباشرة على العالم . وفي محيط اهتمامات المحللين العالميين تتناثر قضايا كثيرة يرونها أشد إلحاحاً من قضايا الحرب مثل قضايا التوازن البيئي وحقوق الإنسان والمجاعات ، وتناقص موارد الطاقة ..إلخ ، فهذه وأمثالها تشكل قضاياهم المركزية ، وذلك على عكس تحليلات التيار الواقعي التي تناقش هذه القضايا على هامش قضايا الحرب وتعدها من نوافل القول . محللو رفض التبعيـــة: ويمثل تيار رفض التبعية اتجاها آخر في مواجهة التيار الواقعي وهو أكثر راديكالية من التيار العالمي. وعلى عكس ما يظن الكثيرون من أن تيار رفض التبعية قد قام على أساس الاستهداء بالتراث الماركسي ، فإن بعض منطلقاته ترتطم رأساً بمقولات التراث الماركسي .فكل من ماركس وانجلز أبديا تفاؤلهما بظاهرة اكتساح الرأسمالية للعلاقات الدولية باعتباره علامة تعجل بنضج الرأسمالية ومن ثم تبشر بانهيارها الوشيك كما اعتقد أن الأقطار المتخلفة يمكن أن تجني فوائد بنيوية ضخمة من جراء نزوح الرأسمالية إليها . وعلى نقيض ذلك التفكير يذهب منظرو مدرسة رفض التبعية وعلى رأسهم بول باران وقونديز فرانك وسمير أمين وولرستين إلى أن تعامل الدول الغنية مع الفقيرة لا يمكن أن يكون إلا من قبيل مباريات حاصل الصفر بمعنى أن غنم (أ) هو غرم (ب) وأن المركز لا يتطور إلا بتخلف الأطراف .ويعتقد محللو هذا التيار أن النظام الدولي قد تم تشييده سلفاً وأن مباريات السياسة الدولية إنما تدار على أساس ذلك النظام أي على أساس الاستغلال وأنماط الاستنزاف الذي تقوم به قيادات ذلك النظام . وعند تصميم النظام الدولي روعي أن يؤدي أولى متطلباته المتلخصة في ضمان نجاح الوظائف الاقتصادية التي يقوم بها المركز . هذا بينما لم تعط أي ضمانات تذكر للاطراف التي انحصر دورها في توفير المواد الخام التي تتدهور أسعارها آناً بعد آن واستيراد الموارد المصنعة التي تتصاعد أسعارها باستمرار . وهكذا فبينما يرى المحللون الواقعيون أن طبيعة النظام الدولي عادلة ومتسقة مع الواقع العلمي فإن المحللين الراديكاليين يرونها طبيعة استغلال وتأكيداً للتبعية الاقتصادية . ومن هنا تنطلق كافة تحليلاتهم لمشاكل النظام الدولي .ووحدة التحليل كما يتضح من الشرح السابق ليست هي الدولة القومية، ولا المنظمات العالمية ، وإنما النظام الرأسمالي العالمي ككل ، فهو الكتلة التي تفرخ السياسة الدولية وتؤثر في معظم قراراتها ، ويعتقد منظرو هذا التيار إنه لا أمل في أي جهد قومي منفرد لاختراق هذا النظام الدولي ، ولا يرون سبيلاً لتقدم العالم الثالث واستقلال قراراته السياسية إلا بالاتحاد في وجه النظام الدولي . ولذلك دعا الأستاذ الجزائري العظيم مالك بن نبي، رحمه الله، والذي يمكن اعتباره ببعض التجاوز من دعاة هذا التيار إلى تكوين تكتلات ومحاور تنظم بعض تجمعات العالم الثالث ، مثل محور طنجة – جاكرتا الذي رأى أنه يمكن أن يحرر العالم الإسلامي من قبضة السياسة الدولية ومقتضياتها . تحليلات التيار الأصولـــي: وبينما يرى رجال هذا التيار الراديكالي أن أساس المعضل السياسي الدولي هو ذو طابع اقتصادي ، فإن تياراً جديداً يتشكل في دوائر تحليل السياسة الدولية يرى أن ذلك المعضل نشأ لأسباب تتصل بعالم الروح والأديان. وأفكار التيار الأصولي تجد سندها المتين في كتابات بعض الفلاسفة السياسيين الأمريكيين المبرزين من تيار لي ستراوس ، وإيريك فوغلين الذين، وإن لم يكن اعتبارهم أصوليين بالمعنى الحرفي للكلمة، إلا أنهم كانت لهم الجرأة الكافية لتثبيت المعاني الفلسفية لعلم السياسة في وجه هجمات العلوم السلوكية. وإضافة إلى ذلك كانت لهم قوة عارضة وركيزة استيعابية عالية، مكنتهم من إعادة الاعتبار الأدبي للمفاهيم الأخلاقية والإنجيلية، والزج بها إلى مضمار المفاهيم والممارسات السياسية، حتى لم يعد مستغرباً على الإطلاق اندماج الدين مع السياسة في سياق الدعوة إلى تدين الحضارة الغربية . نهاية الزمن أضحت وشيكة: وإسهام الأصوليين الرئيس في قيام السياسة الدولية هو استصحابهم لمجموعة مفاهيم قدرية لا تحتمل النقاش أهمها مفهوم نهاية الزمن الذي كان قد نحته من قديم الزمان الثيولوجي الكبير أوغسطين ثم سطا عليه هيجل وقام بإفراغه من مضامينه الدينية وشحنه بمضامين علمانية ذات طابع قومي. وواصل المهمة نفسها ليبراليون آخرون آخرهم فوكاياما في حديثه نهاية التاريخ عقب سقوط الاتحاد السوفيتي ، ثم عاد وراجع أطروحته قبل وقت قليل وأخرج نفسه من زمرة المحافظين الجدد الذين ورثوا تلك الدعوة ووضعوها على محكات التنفيذ . وحسب تقدير الأصوليين فإن التاريخ يسرع الخطى نحو نهاياته بطريقة قدرية لا تحكمه فيها عوامل سياسية ولا اقتصادية وإنما تجره عوامل قدرية نحو الفصل الخاتم . فصل الصراع الدامي والمعارك المهلكة التي ستتمخض عن جيل الخلاص الذي يمسح أوضار الشرك والعلمانية ويجلب عهد السلام الأبدي .وهكذا فإن بيئة النظام الدولي ستظل بيئة الصراع الدائم والشر المستفحل . ولاثمة أمل للسلام قبل انتهاء المعركة العظمى التي يسمونها أحياناً بـ الهولوكوست النووي وأحياناً باسمها التاريخي هرمجدون وهي المعركة التي ورد عنها خبر واحد فقط في الكتب المقدسة ، يقولون بأنها تقع في آخر الزمان في أرض إسرائيل ويسيل الدم فيها لمسافة 200 ميل من القدس ، وتتحطم على أثرها كل مدن الأرض بالسلاح النووي ! وهذه الأقاصيص التي تبدو من قبيل البشارات اللاهوتية ، يروج لها الآن ساسة كبار في الغرب ، وقد قام عدد من الرؤساء الأمريكيين منذ عهد كارتر لهؤلاء المحللين السياسيين ليوجهوا مجلس الأمن القومي الأمريكي والبنتاغون . وقد دعي أقطاب ذلك التيار مراراً لتقديم تحليلاتهم لكبار صناع قرار السياسة الخارجية الأمريكية . المجتمع الديني لا القومي ولا الرأسمالي: ووحدة التحليل السياسي عند هؤلاء هي المجتمع الديني العابر للقوميات ، والدولة القومية لا تشكل وحدة تحليل إلا إذا كانت تمثل مجتمعاً دينياً بعينه كإسرائيل ، ولا يشير الأصوليون إلى النظام الرأسمالي إلا بقدر تمثيله للمجتمع الديني النصراني .واللافت للنظر أن مفهومين من مفاهيم التيار الأصولي التقطهما الدكتور صمويل هنتنجتون في حديثه صراع الحضارات وهما مفهوما نهاية الزمن وحسبان الحضارة وحدة التحليل المثلى . والمعروف عن هنتنجتون أنه سليل أسرة عريقة من طائفة البيوريتان الأصولية وأحد أجداده كان من ضمن الآباء المؤسسين للدولة الأمريكية ، وفي كل مفصل من تاريخ أمريكا كان ينهض فرد من أفراد أسرة هنتنجتون بتلك النكهة الدينية التطهرية المفتعلة، فهل يا ترى أراد هنتنجتون وهو بعد التقاعد أن يسترجع ذلك النفس البيوريتاني القديم ؟ نعم. وقد دل على ذلك بكتابه الأخير (من نحب؟) الذي فاضت منه الأفكار الدينية حتى غضت على الفكر العلماني الذي كان يصدر عنه! وعموماً فإن ظهور النكهة الدينية طفح بشكل واضح على كتاب التيار الواقعي من أمثال بيريزنسكي و رتشارد نيكسون ولكن لا يمكن اعتبار هذين ، ولا هنتنجتون من ضمن التيار الأصولي فالتيار الأصولي يرفض في حسم واضح مسلمات التيار الواقعي، ويرفض سياسته القائمة على الاحتواء، ويطالب بالاقتحام، لاسيما في هذا الزمن الأحادي، الذي يعدونه آخر فرصة لنشر الديانة النصرانية على ربوع العالم أجمع ، واتخاذها أداة لخلاص الناس من شرور الحرب والإشكالات الدولي

التحليل في السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: غالب بن معيكل


بسم الله الرحمن الرحيم

اتجاهات تحليل السياسة الدولية الأصول الفلسفية لعلاقات السياسة العالمية
باستثناء المشكلات الدولية الكبرى فإن أحداث العلاقات الدولية لا تحظى باهتمام واسع من الناس ، ويرجع السبب في ذلك إلى تشعب تلك القضايا واختلاطها وصعوبة رصد العوامل التي تحركها ، كما يلعب ضعف إحساس الناس بآثار العلاقات الدولية على حياتهم الخاصة دوراً آخر في إضعاف اهتمامهم بتلك القضايا. إن تأثير المشاكل الدولية على أوضاع الناس العاديين تأثير كبير وأساسي إلى حد بعيد ، ولكن ضعف إحساس الناس به يتأتى من أنه يحدث في الغالب بطريق غير مباشر ، والغريب أن بعض كبار السياسيين العالميين يشاركون الناس العاديين في ضعف الإحساس بأثر الأحداث الدولية . ولعل من أبلغ ما حفظه لنا التاريخ الحديث دلالة على ذلك هو اتجاه القادة الأوروبيين إلى تجاهل الخطر النازي في البداية ، بل حتى عندما كانت الحرب العالمية الثانية على وشك الانفجار وكان هتلر يهدد باجتياح الدول تباعاً ، وعندها صرح رئيس الوزراء البريطاني آنها تشمبرلين بأن اجتياح هتلر لتشيكوسلوفاكيا إذا ما وقع فإنه لن يؤثر على الأوضاع الداخلية لبريطانيا ، ولذلك فقد رفض أن تقدم بلاده أي عون للتشيك في دفاعهم عن بلادهم ضد الألمان ، مما سهل على هتلر مهمته في توسيع مجاله الحيوي ، وتهديد الأمن الدولي برمته ، ووضع العالم على شفير الحرب التي قضت على أرواح سبعين مليون من البشر. وبالطبع فليست كل آثار السياسة الدولية على السياسات الداخلية للدول بمثل هذا الواقع المروع ، فهذا هو المثال الأكثر سطوعاً لا المثال العادي. ولكنا سقناه لنؤكد أنه حتى قادة الدول العظمى ينحون نوعاً ما ، إلى تجاهل آثار العلاقات الدولية .تفاعل مسلمي الأمس مع العلاقات الدولية: ومسلمو الأمس كانوا رغم انحصارهم في إطار مكاني بعيد عن الأثر المباشر لواقع التفاعلات الدولية، إلا أن القرآن أكد لنا أنهم كانوا شديدي الاهتمام بآثار تلك التفاعلات ، وما روته لنا سورة الروم عن قلق المسلمين من انتصار الفرس المجوس على الروم الكتابيين هو مثال لذلك ، وما روته كتب السيرة عن تسابق رجال الدولة النبوية الثلاثة الأوائل لتفقد سور المدينة هو مثال آخر . فقد حكت تلك الكتب أن سيدنا عمرعندما سمع ذات ليل جلبة عنيفة قادمة أصداؤها من عند أبواب المدينة ، تقلد سلاحه ، وخف مسرعاً يتفقد الأمر ، خوفاً من أن يكون الروم قد وصلوا إلى أبواب المدينة ، ليخنقوا دولة الإسلام الناشئة ، وفي طريقه إلى هناك وجد سيدنا أبا بكر الصديق وقد سبقه مستكشفاً جلية الأمر، وعندما اقترب الرجلان من أبواب المدينة ألفيا سيدنا رسول الله (ص) قادماً من هناك ، وقد سبقهما لاستجلاء الحدث .. وهكذا كان إحساس الجميع مرهفاً بالخطر القادم من خارج الحدود ! وهكذا فإن المسلم لا يمكن أن يعيش معزولاً عما حوله من أحداث، ولا عما بعد عنه من أحداث . وفي هذا المقال نود أن نعين القارئ العادي غير المتخصص على تكوين منهجية خاصة لفهم العلاقات الدولية ، وذلك من خلال الاستعراض المقارن لأفكار المدارس الثلاث المسيطرة على أساليب تحليل العلاقات الدولية ، وإضافة ملامح المدرسة الرابعة التي هي الآن في حال مخاض لما يسفر عن وجه واضح .تحليلات التيار الواقعـــي: إن أكثر المحللين السياسيين سواء كانوا علماء سياسة ، أو سياسيين سابقين ، أو خبراء إعلاميين ، فإنهم قد خرجوا من عباءة المدرسة الواقعية (Realist approach) وحتى نعرف اتجاهات تفكير هؤلاء ، فلابد من أن نستبطن مسلماتهم الفكرية السياسية ، التي تشكل الأرضية الفلسفية التي ينطلقون منها ، وهي أكثر التيارات معرفة عامة بهذه الفلسفة ، ولكن المعرفة الغامضة لا تكفي لمعرفة الأبعاد العقلية التي تؤطر تفكير هؤلاء المحللين . ولإيضاح ما نرمي إلى إيضاحه فلنبدأ بهذه المدرسة ، فهي الأقدم والأرسخ ، وعلى أساس مبادراتها وتفسيراتها نهضت المدارس الأخرى : مدرسة (العالمية) و (التبعية) و (الأصولية)، ويعتقد كثير من خبراء السياسة أن نظريات هذه المدارس الثلاث مهما بلغت أصالتها فما هي إلا ردود فعل لاطروحات المدرسة الواقعية .كيف هرب الغزال السمين؟ لقد ورث التيار الواقعي نزعة الشك العميق لدى الفيلسوفين الإنجليزي توماس هوبز، والفرنسي جان جاك روسو . وفي اعتقاد هذين الفيلسوفين فإن حالة عدم الثقة التي تسود المستوى الدولي هي حالة طبيعية دائمة لا يمكن أن تتغير لأنها مشتقة من طبيعة الإنسان المفطور على العدوان . وهكذا فلابد أن تؤسس تصرفات الدول في علاقاتها الخارجية على هذا الأساس . فلا أحد يثق في الآخر ، ومن ثم فلابد أن يأخذ احتياطاته بالكامل تحسباً من أي خطر أو هجوم يجترحه في حقه الآخرون ، سواء كانوا أصدقاء أم أعداء ، ولا تكمن الثقة حتى في إمكانية وفاء الآخرين ممن تدخل الدولة معهم في أحلاف أو مواثيق مكتوبة . والمثال الكلاسيكي الذي يورده هؤلاء هو مثال الصيادين الذين اتفقوا فيما بينهم على صيد غزال سمين ، كان قمينا بأن يقدم وجبة عشاء سخية تكفيهم جميعاً ، فاحتوشوا الغزال وكمن كل منهم في مرصد أو منفذ ينتظر أن يفلت منه الغزال ، بينما تفرغ البعض لمناوشته من الداخل ، غير أن أحدهم خان العهد فترك ثغرة لما رأى أرنباً صغيراً ، رأى أنه يكفي لعشائه منفرداً ، فانشغل بصيد الأرنب تاركاً مرصده لينفذ منه الغزال ويهرب ، وضاعت بذلك الوجبة الجماعية لقاء الطمع الفردي لصائد الغزال ! هذا هو مثال النظام الدولي الذي يمكنه نظرياً أن يحقق الأمن والرخاء للجميع ، طالما التزم الجميع بمقتضياته ، ولكن الواقع شيء آخر تنعدم فيه إمكانية تأسيس مثل ذلك النظام ، وتكثر فيه احتمالات بروز أمثال صائد الأرنب ممن يفكرون على مستوى المصالح الشخصية ، ويهملون أمر المصالح الجماعية الدولية. ولذا اقتضى الأمر أن تفكر كل دولة حسب مصلحتها الخاصة ومصالحها الآنية ، على وجه الخصوص ، ضاربة عرض الحائط بمصالح الآخرين أو بمصالح النظام الدولي بعيدة المدى . هذه الأفكار الغليظة قلما يصرح بها المحللون الواقعيون، وذلك بسبب بشاعتها المميتة ، وإفراطها في التشاؤم ، ولكن إيمانهم بها هو إيمان قطعي لا يتخلله الشك ، وهي تستبطن كتاباتهم جميعاً ، وبقليل من التدريب يستطيع القارئ أن يستبصر أطيافها وملامحها في معظم ما يقرأ من تحليلات السياسة الدولية التي ينتجها الاصلاء أو المقلدون في هذا الحقل . الدولة هي المؤثر الأوحد: وانسجاماً مع هذه المقدمة الفلسفية فإن وحدة التحليل عند هذه المدرسة هي الدولة القومية لا غير ، فهم لا يعترفون بأي دور في السياسة العالمية لسوي الدول القومية ، فما يسمى بالمنظمات الدولية ، والقانون الدولي ، والشركات عابرة القارات ، والحركات الثورية، ما هي سوى واجهات وهمية لأثر الدول القومية التي تسعى إلى تحقيق مصالحها وزيادة قواها العسكرية والدبلوماسية التي تضغط بها على الدول الأخرى لتكيف سلوك تلك الدول بما يتفق لا مع الصالح الدولي ولا المقتضيات الأخلاقية ، وإنما بما يتفق مع مصالح الدولة الأقوى . ويعتقد المحللون الواقعيون أن ذلك هو الوضع الطبيعي المشتق من طبيعة الإنسان الأمارة بالطمع والبخل وحب الاستعلاء، ويحذرون أي دولة لا تنفق جهدها في اكتساب القوة ، لأنها إنما تخلي بذلك مواقعها للدولة الأقوى، وتصبح بالتالي سبباً مباشراً في اندلاع الحرب . فاختلال موازين القوة إنما هو الداعي الرئيس الذي يجرئ دولة ما ، لإعلان الحرب . هذا بينما يؤدي اعتدال ذلك الميزان إلى حالة ردع متبادل بين الخصوم ويسبب استقراراً مشوباً بالحذر في الوضع الدولي .مشكلات الحرب والسلام: واستنتاجاً من ذلك فإن أهم المشكلات الدولية عند هؤلاء المحللين الواقعيين، هي مشكلات الحرب والسلام . إن االسلام مطلوب دائماً ولكنه مطلب عزيز لأن حالة الحرب هي الوضع الطبيعي ! وبدلاً من شجب الحرب وتبيان أضرارها بالجنس البشري ، وبدلاً من صرف الجهد في الدعوة إلى السلام يجب التركيز على دراسة ظاهرة الحرب دراسة موضوعية، تهدف إلى الخروج بقوانين عامة عن قضايا القوة النسبية والتحالفات الدولية والاحتواء ، والأداء الدبلوماسي وأسباب اندلاع الحروب ومحاولة التنبؤ بلحظ اندلاع الحرب وبما يعقبها من تسويات وأوضاع . وإنما عدت الحرب أهم المشكلات لأنها ظلت قدر الإنسان التاريخي كما ظلت مصدراً لأهم التغيرات والتحولات الثورية في جوانب الوضع السياسي الدولي ، فكم من دولة زالت أو وهنت قواها بسبب الحرب ، وكم من دولة نهضت كنتاج للحرب ، وكم من حدود سياسية تم تعديلها بسبب الحرب ، وكم من حكومات قد سقطت بسبب الحرب ، وحتى ميزان القوى الدولي فيمكن تغييره بسبب الحرب التي قد تنتج عنها دولة عظمى واحدة سائدة ، أو عدة دول تتوزع فيما بينها القوة الدولية أو قوتان عظميان تتنازعان النفوذ . وفي غضون ذلك كله يتهمش ما يسمى بالقانون الدولي ، وتتجرد العلاقات الدولية من كل مضمون أخلاقي أو اعتبار قيمي ، لأن الحرب والسعي إلى اكتساب القوة لا يعرفان أياً من هذه الاعتبارات ، فالأخلاق عملة فاسدة في هذا المجال ، أو بتعبير كيسنجر- وهو أعظم مراجع التيار الواقعي في الوقت الراهن- فالأخلاق لا حساب لها هنا على الإطلاق!! ومن قديم قدم المؤرخ توسيديس وصفه الشامل للحرب الاثينية -الاسبارطية بحسابات باردة، ومن دون أن يذرف دمعة واحدة على مآسي الحرب التي استعرضها وعلى الضحايا الذين أحصاهم ، وكان تبريره هو نفس التبرير الطريف التليد ، والذي مؤداه أن الحرب وكل ما تنطوي عليه من مآس إنما هو شأن طبيعي لا يستغرب ، وأكثر من ذلك فعند مطالع عصر النهضة الأوروبية جاء الفلاسفة غلاظ القلوب شأن مكيافلي و هوبز و هيجل ليبجلوا مفاهيم القوة والغزو والحرب وليؤكدوها في أذهان الساسة . حتى أن هيجل كان يعتبر الحرب بمثابة الدافع الأساسي لتطهير وصقل الجنس البشري وإنتاج الإنسان الأعلى . هذه المفاهيم حول إشكالات الواقع الدولي ما زالت هي نفس المفاهيم التي توجه مفكري التيار التحليلي الواقعي سواء المتشددين منهم والمتشائمين أمثال هنري كيسنجر وزبيغنيو برزنسكي من القائلين بحتمية استمرار الصراع الدولي بين الدول الراضية عن الواقع الدولي الراهن ، والعاملة على تمديد أجله ما استطاعت ، وبين الدول الثائرة عليه والتي تنتهز الفرص لتقويضه من الأساس . أو من مفكري التيار الواقعي المعتدلين من أمثال جورج كينان وسايروس فانس من المؤمنين بجدوى سياسة الاحتواء والمناورات الدبلوماسية التقدم العلمي ليس كفيلاً بتحقيق السلم الدولــي وفي مواجهة طروحات التيار الواقعي نشأ الاتجاه الوسطي التصالحي الذي يسمي نفسه بالتيار العالمي (global) وهي تسمية تشير إلى صلب فلسفته القائمة بعدم حتمية الصراع على المستوى الدولي ، وبأن مناخ العلاقات الدولية هو أقرب إلى حالة الاعتماد المشترك ، منه إلى حال الفوضى والحرب . فهناك نوع من النظام الدولي آخذ في الاتساع والتكامل وهو في طريقه إلى أن يفرض نفسه كنوع من العرف والقانون الدولي المقبول طواعية من كل الدول. ويلاحظ مفكرو هذا من أمثال جوزيف ناي وروبرت كوهين تناقص تركيز الدول على قضايا الحرب والسلام ، واتجاهها إلى التركيز على قضايا التطور التكنولوجي والاقتصادي ، وهي قضايا تقود بطبيعتها إلى خلق وتعزيز مناخ من التفاهم والتعاون بين الدول وإلى تخفيض درجة الاستقطاب والاستعداء بينها . وبالطبع فإن المحللين العالميين لا يمضون في ذلك الشوط إلى درجة الزعم بأن ملامح الفوضى والحرب : هي في طريقها إلى الاختفاء نهائياً . كل ما هناك أنهم لا يعطونها الأهمية العظمى في التحليل .ومعظم كتابات هؤلاء العالميين تتمحور حول تحليل دور المؤسسات الدولية ، وهم يتجاوزون شأن الدول القومية ، معتقدين أن تلك المؤسسات تستطيع أن تقود العالم نحو آفاق الاعتدال . ولذلك فهم يدعون إلى مزيد من مأسسة السياسة الدولية ، وإلى تقوية تلك المؤسسات وإعطائها استقلالية خاصة حتى تستطيع أن تشكل بتشابكها النامي نسيج النظام الدولي الحقيقي . وقد كان هؤلاء العالميون هم أشد المحللين شجباً لوثيقة البنتاغون الشهيرة التي دعت إلى تجاوز الأمم المتحدة ، ونظم الأمن الجماعي ، وسائر المنظمات الدولية ، تحقيقاً للهيمنة الأمريكية المباشرة على العالم . وفي محيط اهتمامات المحللين العالميين تتناثر قضايا كثيرة يرونها أشد إلحاحاً من قضايا الحرب مثل قضايا التوازن البيئي وحقوق الإنسان والمجاعات ، وتناقص موارد الطاقة ..إلخ ، فهذه وأمثالها تشكل قضاياهم المركزية ، وذلك على عكس تحليلات التيار الواقعي التي تناقش هذه القضايا على هامش قضايا الحرب وتعدها من نوافل القول . محللو رفض التبعيـــة: ويمثل تيار رفض التبعية اتجاها آخر في مواجهة التيار الواقعي وهو أكثر راديكالية من التيار العالمي. وعلى عكس ما يظن الكثيرون من أن تيار رفض التبعية قد قام على أساس الاستهداء بالتراث الماركسي ، فإن بعض منطلقاته ترتطم رأساً بمقولات التراث الماركسي .فكل من ماركس وانجلز أبديا تفاؤلهما بظاهرة اكتساح الرأسمالية للعلاقات الدولية باعتباره علامة تعجل بنضج الرأسمالية ومن ثم تبشر بانهيارها الوشيك كما اعتقد أن الأقطار المتخلفة يمكن أن تجني فوائد بنيوية ضخمة من جراء نزوح الرأسمالية إليها . وعلى نقيض ذلك التفكير يذهب منظرو مدرسة رفض التبعية وعلى رأسهم بول باران وقونديز فرانك وسمير أمين وولرستين إلى أن تعامل الدول الغنية مع الفقيرة لا يمكن أن يكون إلا من قبيل مباريات حاصل الصفر بمعنى أن غنم (أ) هو غرم (ب) وأن المركز لا يتطور إلا بتخلف الأطراف .ويعتقد محللو هذا التيار أن النظام الدولي قد تم تشييده سلفاً وأن مباريات السياسة الدولية إنما تدار على أساس ذلك النظام أي على أساس الاستغلال وأنماط الاستنزاف الذي تقوم به قيادات ذلك النظام . وعند تصميم النظام الدولي روعي أن يؤدي أولى متطلباته المتلخصة في ضمان نجاح الوظائف الاقتصادية التي يقوم بها المركز . هذا بينما لم تعط أي ضمانات تذكر للاطراف التي انحصر دورها في توفير المواد الخام التي تتدهور أسعارها آناً بعد آن واستيراد الموارد المصنعة التي تتصاعد أسعارها باستمرار . وهكذا فبينما يرى المحللون الواقعيون أن طبيعة النظام الدولي عادلة ومتسقة مع الواقع العلمي فإن المحللين الراديكاليين يرونها طبيعة استغلال وتأكيداً للتبعية الاقتصادية . ومن هنا تنطلق كافة تحليلاتهم لمشاكل النظام الدولي .ووحدة التحليل كما يتضح من الشرح السابق ليست هي الدولة القومية، ولا المنظمات العالمية ، وإنما النظام الرأسمالي العالمي ككل ، فهو الكتلة التي تفرخ السياسة الدولية وتؤثر في معظم قراراتها ، ويعتقد منظرو هذا التيار إنه لا أمل في أي جهد قومي منفرد لاختراق هذا النظام الدولي ، ولا يرون سبيلاً لتقدم العالم الثالث واستقلال قراراته السياسية إلا بالاتحاد في وجه النظام الدولي . ولذلك دعا الأستاذ الجزائري العظيم مالك بن نبي، رحمه الله، والذي يمكن اعتباره ببعض التجاوز من دعاة هذا التيار إلى تكوين تكتلات ومحاور تنظم بعض تجمعات العالم الثالث ، مثل محور طنجة – جاكرتا الذي رأى أنه يمكن أن يحرر العالم الإسلامي من قبضة السياسة الدولية ومقتضياتها . تحليلات التيار الأصولـــي: وبينما يرى رجال هذا التيار الراديكالي أن أساس المعضل السياسي الدولي هو ذو طابع اقتصادي ، فإن تياراً جديداً يتشكل في دوائر تحليل السياسة الدولية يرى أن ذلك المعضل نشأ لأسباب تتصل بعالم الروح والأديان. وأفكار التيار الأصولي تجد سندها المتين في كتابات بعض الفلاسفة السياسيين الأمريكيين المبرزين من تيار لي ستراوس ، وإيريك فوغلين الذين، وإن لم يكن اعتبارهم أصوليين بالمعنى الحرفي للكلمة، إلا أنهم كانت لهم الجرأة الكافية لتثبيت المعاني الفلسفية لعلم السياسة في وجه هجمات العلوم السلوكية. وإضافة إلى ذلك كانت لهم قوة عارضة وركيزة استيعابية عالية، مكنتهم من إعادة الاعتبار الأدبي للمفاهيم الأخلاقية والإنجيلية، والزج بها إلى مضمار المفاهيم والممارسات السياسية، حتى لم يعد مستغرباً على الإطلاق اندماج الدين مع السياسة في سياق الدعوة إلى تدين الحضارة الغربية . نهاية الزمن أضحت وشيكة: وإسهام الأصوليين الرئيس في قيام السياسة الدولية هو استصحابهم لمجموعة مفاهيم قدرية لا تحتمل النقاش أهمها مفهوم نهاية الزمن الذي كان قد نحته من قديم الزمان الثيولوجي الكبير أوغسطين ثم سطا عليه هيجل وقام بإفراغه من مضامينه الدينية وشحنه بمضامين علمانية ذات طابع قومي. وواصل المهمة نفسها ليبراليون آخرون آخرهم فوكاياما في حديثه نهاية التاريخ عقب سقوط الاتحاد السوفيتي ، ثم عاد وراجع أطروحته قبل وقت قليل وأخرج نفسه من زمرة المحافظين الجدد الذين ورثوا تلك الدعوة ووضعوها على محكات التنفيذ . وحسب تقدير الأصوليين فإن التاريخ يسرع الخطى نحو نهاياته بطريقة قدرية لا تحكمه فيها عوامل سياسية ولا اقتصادية وإنما تجره عوامل قدرية نحو الفصل الخاتم . فصل الصراع الدامي والمعارك المهلكة التي ستتمخض عن جيل الخلاص الذي يمسح أوضار الشرك والعلمانية ويجلب عهد السلام الأبدي .وهكذا فإن بيئة النظام الدولي ستظل بيئة الصراع الدائم والشر المستفحل . ولاثمة أمل للسلام قبل انتهاء المعركة العظمى التي يسمونها أحياناً بـ الهولوكوست النووي وأحياناً باسمها التاريخي هرمجدون وهي المعركة التي ورد عنها خبر واحد فقط في الكتب المقدسة ، يقولون بأنها تقع في آخر الزمان في أرض إسرائيل ويسيل الدم فيها لمسافة 200 ميل من القدس ، وتتحطم على أثرها كل مدن الأرض بالسلاح النووي ! وهذه الأقاصيص التي تبدو من قبيل البشارات اللاهوتية ، يروج لها الآن ساسة كبار في الغرب ، وقد قام عدد من الرؤساء الأمريكيين منذ عهد كارتر لهؤلاء المحللين السياسيين ليوجهوا مجلس الأمن القومي الأمريكي والبنتاغون . وقد دعي أقطاب ذلك التيار مراراً لتقديم تحليلاتهم لكبار صناع قرار السياسة الخارجية الأمريكية . المجتمع الديني لا القومي ولا الرأسمالي: ووحدة التحليل السياسي عند هؤلاء هي المجتمع الديني العابر للقوميات ، والدولة القومية لا تشكل وحدة تحليل إلا إذا كانت تمثل مجتمعاً دينياً بعينه كإسرائيل ، ولا يشير الأصوليون إلى النظام الرأسمالي إلا بقدر تمثيله للمجتمع الديني النصراني .واللافت للنظر أن مفهومين من مفاهيم التيار الأصولي التقطهما الدكتور صمويل هنتنجتون في حديثه صراع الحضارات وهما مفهوما نهاية الزمن وحسبان الحضارة وحدة التحليل المثلى . والمعروف عن هنتنجتون أنه سليل أسرة عريقة من طائفة البيوريتان الأصولية وأحد أجداده كان من ضمن الآباء المؤسسين للدولة الأمريكية ، وفي كل مفصل من تاريخ أمريكا كان ينهض فرد من أفراد أسرة هنتنجتون بتلك النكهة الدينية التطهرية المفتعلة، فهل يا ترى أراد هنتنجتون وهو بعد التقاعد أن يسترجع ذلك النفس البيوريتاني القديم ؟ نعم. وقد دل على ذلك بكتابه الأخير (من نحب؟) الذي فاضت منه الأفكار الدينية حتى غضت على الفكر العلماني الذي كان يصدر عنه! وعموماً فإن ظهور النكهة الدينية طفح بشكل واضح على كتاب التيار الواقعي من أمثال بيريزنسكي و رتشارد نيكسون ولكن لا يمكن اعتبار هذين ، ولا هنتنجتون من ضمن التيار الأصولي فالتيار الأصولي يرفض في حسم واضح مسلمات التيار الواقعي، ويرفض سياسته القائمة على الاحتواء، ويطالب بالاقتحام، لاسيما في هذا الزمن الأحادي، الذي يعدونه آخر فرصة لنشر الديانة النصرانية على ربوع العالم أجمع ، واتخاذها أداة لخلاص الناس من شرور الحرب والإشكالات الدولي

|| جيمس مونرو ||

كاتب الموضوع الأصلي: محمد البابطين 6

صورة

جيمس مونرو (1758 – 1831)، خامس رؤساء الولايات المتحدة من 1817 إلى 1825. يرجع إليه الفضل في الحصول على ولاية فلوريدا لإدارته بعام 1819 والتوصل إلى تسوية ميسوري في عام 1820 والتي أعلن فيها أحقية ولاية ميسوري في تملك العبيد وإعلان مبدأ مونرو بعام 1823 الذي أبدى فيه معارضة الولايات المتحدة لأي تدخل أوروبي في شئون الأمريكتين.

نشأته

عمل والده سبنس مونرو (Spence Monroe) بالنجارة وزارعة التبغ وكانت والدته إليزابيث جونز مونرو(Elizabeth Jones Monroe) من مالكى الأراضى ولكن لم يكن لديها من المال ما يكفى لاستغلال أرضها. وُلد جيمس مونرو في مقاطعة ويستمورلاند(Westmoreland County) بولاية فيرجينيا وتعلم في مدرسة تُدعى اكاديمية كامبل تاون(Campbelltown Academy) ثم في كلية (وليام ومارى) (College of William and Mary)و كان كلاهما بولاية فيرجينيا وبعد تخرجه عام (1776) قاتل مونرو في صفوف الجيش واظهر تميزه في معركة ترينتون (Battle of Trenton)و التي اصيب فيها بكتفه الايسر وبعد ادائه للخدمة العسكرية مارس مهنة المحاماة بمقاطعة فريدريكسون(Fredericksburg)بفيرجينيا وتزوج جيمس مونرو من إليزابيث كورترايت(16 فبراير 1786) بكنيسة ترينيتى (Trinity Church) بنيويورك. تم انتخابه كعضو في مجلس النواب (Virginia House of Delegates)بولاية فيرجينيا عام 1782 وخدم في الكونجرس القارى(Continental Congress)في الفترة من عام (1783 حتى 1786) وكناشط سياسى انضم إلى المعارضين للفيدرالية بمؤتمر فيرجينيا(Virginia Convention) والذي انتهى بالتصديق على الدستورثم في عام (1790) انتُخب كسيناتور في الكونجرس الأمريكي وقد أظهر تعاطف شديد مع الثورة الفرنسيةأثناء عمله كوزير مفوض في فرنسا في الفترة من عام (1794 حتى 1796) وقد ساهم في المفاوضات حول صفقة شراء لويزيانا تحت إدارة الرئيس توماس جفرسون وعمل حاكماً لفيرجينيا في الفترة (1799 – 1802) ثم عاد للعمل ثانية كوزير مفوض بفرنسا عام (1803) وبعدها في المملكة المتحدة (كورت سانت جيمس the Court of St. James)من عام (1803 – 1807) وعمل ثانية كنائب بمجلس النواب بفيرجينيا وأعيد انتخابه لفترة جديدة كحاكم لولاية فيرجينيا عام (1811) ولكنه قدم استقالته قبل نهاية فترة حكمه بعدة شهور وبعد ذلك شغل منصب سكرتير الولايات المتحدة في الفترة (1811 – 1814) ثم كُلف رسمياً بالعمل كسكرتير حرب في (1 أكتوبر عام 1814) وظل كسكرتير مؤقت للولايات المتحدة حتى أعيد توليته منصب سكرتير دائم الولايات المتحدة في (28 فبراير 1815) تاركاً منصبه كسكرتير حرب وبذلك شغل مونرو كلا المنصبين في الفترة (1814 – 1814) وظل مونرو سكرتيراً للدولة حتى نهاية الفترة الرئاسية ل جيمس ماديسون وبدأ مونرو في اليوم التالى فترة رئاسته(1817 – 1825) كرئيس جديد للولايات المتحدة.

فترة رئاسته

تبنى الرئيس الجديد سياسة استرضائية اتجاه الناقدين للحرب وفي مستهل فترته الرئاسية قام بجولة في ولايات نيوانجلاند حيث تمت محادثات عن وحدة لفترة وجيزة يعقُبها انفصال.

يرجع إليه مبدأ العزلة الذي أبقى أمريكا مهتمة بشئونها الداخلية ولا تتدخل في صراع خارجي.

تملُك فلوريدا

تكمن أهم انجازات مونرو كرئيس للبلاد في العلاقات الخارجية

الفترة التي اعقبت رئاسته

بعد مغادرته للرئاسة في 4 مارس 1825 عاش مونرو في “مونرو هيل” في محيط أراضى جامعة فرجينيا حيث يمثل الحرم الجامعي الحالى أحد مزارع عائلة مونرو من (1788 – 1817) ولكنه باعها في السنة الأولى من رئاسته إلى الجامعة والتي عمل بها ضمن اللجنة التوجيهية.

ثم تراكمت عليه العديد من الديون خلال فترة حياته المتبقية ونتيجة لذلك اضطر إلى طرح (هايلاند بلانتيشن) للبيع والتي تملكتها جامعته التي تخرج منها “ويليام اند ماري” وطوال حياته لم يكن ميسور مادياً وجاءت حالة زوجته المرضية لتجعل الأمور أكثر سوءاً لهذه الأسباب عاش هو وزوجته في (أوك هيل) حتى وفاة إليزابيث عام 1830

وفاته

بعد وفاة زوجته إليزابيث انتقل مونرو للعيش مع ابنته ماريا هيستر مونرو في مدينة نيويورك حيث وافته المنية إثر اصابته بإخفاق في عضلة القلب وتعرضه للإصابة بمرض الدرن في 4 يوليو 1833 عن عمر يناهز 55 عاماً وكان ذلك بعد إعلان استقلال الولايات المتحدة رسمياً وبعد وفاة الرئيسين جون آدامز وتوماس جفرسون بخمسة اعوام وتم دفنه اولاً في نيويورك واعيد دفنه فيما بعد عام (1858) بولاية فيرجينيا.

معتقداته الدينية

“عندما نذكر مونرو……… يتبادر إلى أذهاننا معتقداته الدينية” يعلق بليس ايزلى في كتابه الرؤساء: رجال الإيمان ” قليلاً ما يُعرف عن مونرو مقارنة بغيره من الرؤساء لقد أحرق كثير من مراسلاته مع زوجته ولم ينجو أى خطاب مما يناقش معتقداته الدينية وليس هناك أحد من أصحابه أو عائلته أو ممن له صلة به قد كتب عن هذه المعتقدات حتى أن الخطابات التي بقيت وكان أحدها قد كُتب إثر وفاة ابنه لم يتناول المسائل الدينية”.

المعروف أن مونرو تربى في عائلة تنتمى للكنيسة الأنغليكانية عندما كانت كنيسة ولاية فرجينيا وعندما بلغ تردد على كنائس الايبسكوبليان وقد صنفه بعض المؤرخين على أنه ديست (Deist) – من المؤمنين بأن الله خالق الكون دون أن يؤمن الديانات المُنزلة- وقد هوجم توماس جفرسون من قبل على انه ملحد وكافر لإعتقاده في الربوبية (Deism) فقط بينما لم يحدث ذلك لمونرو لأنه لم يكن ضد النظام الكنسي مثل جفرسون

(مشاركه)اسباب ومراحل الحرب العالميه الثانيه وابرز نتائجها

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد بن ضبيب العنزي

لم يكد العالم يتجاوز مخلفات الحرب العالمية الأولى، حتى دخل في
حرب عالمية ثانية أكثر تدميرا وذلك ما بين سنتي 1939و1945.

– فما هي أسباب هذه الحرب، ومراحلها؟
– وما هي أبرز نتائجها؟

І – تعددت أسباب ومراحل الحرب العالمية الثانية:
1 ـ أسباب الحرب:
ساهمت مجموعة من العوامل في قيام حرب عالمية ثانية، ومنها:
• مخلفات الحرب العالمية الأولى: عملت الدول المنتصرة على معاقبة
ألمانيا بشروط قاسية مما دفع الألمان إلى تحين فرصة مراجعة مسألة
الحدود والاقتطاعات الترابية والتعويضات الباهضة نفس الشيء بالنسبة
لدول أوربا الوسطى، أما إيطاليا المنتصرة فأصيبت بخيبة أمل كبرى لعدم
تحقيق مطامعها الترابية التوسعية.
• الأزمة الإقتصادية لسنة 1929: كانت الأزمة الاقتصادية عامة إلا أن بعض
الدول الديمقراطية كفرنسا وإنجلترا تمكنتا من تجاوزها اعتمادا على احتياطاتها
الذهبية وعلى مستعمراتها، لكن الدول الديكتاتورية كألمانيا وإيطاليا واليابان بحثت
عن حلول للأزمة بإتباع أسلوب التوسع الامبريالي في مناطق لا تريد الدول الأولى
التنازل عن نصيب منها،مما أدى إلى توثر في العلاقات الدولية وإضعاف الأنظمة
البرلمانية الديمقراطية.
• فشل عصبة الأمم: عجزت هيئة الأمم عن فرض المهمة التي أنشئت من أجلها
وهي ضمان السلم العالمي وحل المشاكل الدولية بالطرق السلمية، واتضح ذلك
بعد مهاجمة ألمانيا واليابان للدول المجاورة، واحتلال إيطاليا لأثيوبيا.
2 ـ مراحل الحرب:
مرت الحرب العالمية الثانية بمرحلتين أساسيتين:
• امتدت المرحلة الأولى من 1939 إلى سنة 1942، وكانت لصالح دول المحور
وقد بدأت بغزو ألمانيا لبولونيا والسيطرة على حوض البحر المتوسط ومعظم الدول
الأوربية والشروع في غزو الاتحاد السوفياتي سنة 1941، كما لجأت اليابان على
تدمير أهم قاعدة أمريكية في المحيط الهادي “بيرل هاربور” 1942.
• تمتد المرحلة الثانية من 1942 إلى 1945، وتبدأ بدخول الولايات المتحدة الأمريكية
الحرب، حيث انقلبت موازين القوى لصالح الحلفاء فانهزمت ألمانيا في معركة ستالينغراد
واستسلمت سنة 1945 ثم إيطاليا وكذلك اليابان بعد ضربها بالقنبلة الذرية (مدينتي
ناكازاكي وهيروشيما).
ІІ – خلفت الحرب نتائج بشرية ومادية وسياسية:
1 ـ الخسائر البشرية والمادية:
• بشريا: خلفت الحرب أعدادا كبيرة من القتلى مدنيين وعسكريين (أزيد من 50 مليون)
بسبب استعمال أسلحة متطورة كما دمرت مدن بكاملها، وقد كانت لذلك عواقب ديمغرافية
كارتفاع الوفيات وقلة الولادات واختلال هرم الأعمار ونقص اليد العاملة.
• ماديا : دمرت الحرب البنيات الاقتصادية والاجتماعية وطرق المواصلات، مما أدى على
انخفاض الإنتاج الفلاحي بما يفوق الثلث والصناعي ب 50 % وارتفاع الأسعار والضرائب
وإفلاس مالية مجموعة من الدول التي اضطرت للاقتراض من الخارج كما تراجع الدور
الاقتصادي لأوربا وتزايدت مكانة الولايات المتحدة التي أصبحت أكبر قوة اقتصادية عالمية.
2 ـ النتائج السياسية:
أدت الحرب العالمية الثانية على تغيير موازين القوى على الصعيد العالمي، حيث عقد الحلفاء
عدة مؤتمرات فرضوا خلالها مجموعة من المعاهدات على الدول المنهزمة (باستثناء ألمانيا
المنقسمة)، كما أن مؤتمر يالطا وضع خريطة العالم لما بعد الحرب، واستغلت المستعمرات هذا
الوضع لتطالب حركاتها التحررية بالاستقلال.
انقسمت القارة الأوربية إلى قسمين:
• أوربا غربية رأسمالية ليبرالية، تدور في فلك الولايات المتحدة الأمريكية.
• أوربا شرقية شيوعية تابعة للاتحاد السوفياتي.
من أجل تجاوز مخلفات الحرب العالمية الثانية، والحفاظ على السلم العالمي أنشأت الدول
العظمى «منظمة الأمم المتحدة» التي تشكلت من عدة أجهزة كمجلس الأمن والجمعية العمومية…
بالإضافة إلى هيئات إقليمية متخصصة كمنظمة الزراعة والتغذية – منظمة الصحة العالمية – صندوق
النقد الدولي.

خاتمـة:
تعد الحرب العالمية الثانية مرحلة مهمة في تاريخ العالم الذي لازال

يعيش بعض مخلفاتها

العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية

كاتب الموضوع الأصلي: علي الشهري 6

مقدمة: أخفت الحرب العالمية الثانية التناقضات الأيديولوجية بين دول الحلفاء، حيث كان هدفهم الأول هو القضاء على الأنظمة الفاشية التي سببت توسعاتها في اندلاع الحرب. وبنهاية الصراع المشترك، برزت التناقضات الأيديولوجية و انقسم العالم إلى معسكر شرقي يتزعمه الاتحاد السوفيتي و معسكر غربي بزعامة الولايات المتحدة، فتوترت العلاقات الدولية، رغم محاولة التوازن التي حاولت الدول الحديثة الاستقلال تحقيقها حسب مبدأ عدم الانحياز

عقد الحلفاء عدة مؤتمرات ومعاهدات توجت بإحداث منظمة الأمم المتحدة.

1): المؤتمرات:

عقد الحلفاء مؤتمرات قبيل و بعد نهاية الحرب و منها:

ـ مؤتمر طهران: دجنبر1943 حضره روزفلت، ستالين، تشرشيل وبموجبه فتحت الولايات المتحدة جبهة عسكرية جديدة في أوربا ضد ألمانيا. وتمت مناقشة مصير أوربا الشرقية والوسطى بعد الحرب.

ـ مؤتمر يالطا: فبراير 1945(قبيل استسلام ألمانيا) خلاله تم الاتفاق على تقسيم ألمانيا إلى أربع مناطق نفوذ للحلفاء، وعلى مبدأ إحداث منظمة دولية. و تعهد الاتحاد السوفياتي بمحاربة اليابان بعد استسلام ألمانيا، ومنح حق استرجاع الأراضي التي خسرها في1905 لصالح اليابان.

ـ مؤتمر بوتسدام: يوليوز وغشت 1945(بعد انهزام ألمانيا)، حضره ترومان ستالين، تشرشيل، ثم خلفه أتلي. وخلاله تمت مناقشة وضعية المناطق التي أصبحت تحت النفوذ السوفياتي وكذلك معاهدات السلام مع الدول التي حاربت إلى جانب ألمانيا.

2): المعاهدات:

عقد في باريس 1945 مؤتمر، ظهرت فيه خلافات بين الحلفاء حول المشكل الألماني، واتفقوا على عقد معاهدات مع إيطاليا ورومانيا وبلغاريا وهنغاريا وفنلندا، كانت في أغلبها لصالح الاتحاد السوفياتي. وتم عقد معاهدات متأخرة مع النمسا و اليابان.

3): بروز منظمة دولية جديدة: الأمم المتحدة:

بدأ الاستعداد لإحداث منظمة دولية تعوض عصبة الأمم، لتحقيق السلم العالمي منذ توقيع روزفلت و تشرشيل على ميثاق الأطلسي 1941. وفي سنة 1942 أعربت 26 دولة عن موافقتها على ميثاق الأطلسي وسمت نفسها بالأمم المتحدة. و تأسست منظمة الأمم المتحدة عقب التوقيع على ميثاقها في مؤتمر سان فرانسيسكو26 يونيو 1945. ولها نفس أهداف عصبة الأمم. أهم أجهزتها: الجمعية العامة التي تتألف من مندوبي الدول الأعضاء، تجتمع كل سنة اجتماعا عاديا. وتنتخب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن وأعضاء المحكمة الدولية والأمين العام للمنظمة. وتناقش القضايا المختصة بها وتصدر حولها توصيات بعد تصويت ثلثي أعضائها. ومجلس الأمن المؤلف من 15 عضو، منهم 5 دائمين، يتمتعون بحق النقض(الفيتو) وهم مندوبو الولايات المتحدة، فرنسا، إنجلترا، الصين الشعبية و الاتحاد السوفياتي سابقا وروسيا حاليا. ويعمل مجلس الأمن على تنفيذ توصيات الجمعية العامة. لكنه في الواقع هو الذي يمثل السلطة الحقيقية للمنظمة لتمتع الأعضاء الدائمين بحق الفيتو. والأمانة العامة التي تتولى إدارة الشؤون المالية والإدارية للمنظمة بواسطة عدد من الموظفين، يرأسهم الأمين العام الذي ينتخب لمدة 5سنوات من طرف الجمعية العامة وبمصادقة مجلس الأمن. وتتوفر المنظمة على عدة أجهزة متخصصة في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والقانونية مثل محكمة العدل الدولية والمكتب الدولي للشغل وصندوق النقد الدولي وغيرها.( أنظر الخطاطة ص 92):

أدى الخلاف بين المعسكرين إلى ما سمي بالحرب الباردة وعقد تحالفات عسكرية.

1): الخلاف الأيديولوجي:

يتجلى في كون الدول الاشتراكية ترى ضرورة التطور من نظام ديمقراطي إلى نظام اشتراكي يختفي فيه الصراع الطبقي كمرحلة لتحقيق الشيوعية حيث تختفي الطبقات، وبذلك يتم تحرير الإنسان. أما الدول الرأسمالية فترى ضرورة مواجهة المد الشيوعي دفاعا عن الحرية الفردية بضمانها دستوريا وبتعدد الأحزاب وحرية الانتخابات، عكس النظام الاشتراكي الذي يعتمد على الحزب الواحد. فكل من المعسكرين يدافع عن الحرية بمفاهيم وسبل مختلفة.

2): المد الشيوعي في أوربا الشرقية وموقف الولايات المتحدة:

رفض الاتحاد السوفياتي فكرة توحيد ألمانيا وعمل على مساعدة الأحزاب الشيوعية لتولي السلطة في مناطق نفوذه (بلغاريا، رومانيا، ألبانيا، بولونيا ما بين 1944ـ 1945)، ثم هنغاريا في1947 وتشيكوسلوفاكيا في 1948. وأمام المد الشيوعي تدخلت الولايات المتحدة لتطبيق سياسة محاصرة الشيوعية بتقديم مساعدات مالية لأوربا دون استثناء، تمثلت في مشروع مارشال 1947 الذي رفضته الدول الاشتراكية. واتخذ الاتحاد السوفياتي نفس الإجراء بتأسيس الكومنفورم في نفس السنة، وهو مكتب الإعلام الشيوعي للحفاظ على تضامن الأحزاب الشيوعية. وبذلك شكلت سنة1947 تاريخ القطيعة بين الحليفين.

3): الحرب الباردة الأولى(1947ـ 1953) تمثلت في مواجهات مسلحة في عدد من المناطق:

أ) ـ مشكلة برلين:

فشل الحلفاء في توحيد ألمانيا، وأعلنت الدول الرأسمالية قيام جمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية) في يونيو 1948 في مناطق نفوذها. واعترض الاتحاد السوفياتي عن ذلك بمحاصرته لبرلين الغربية إلى حدود ماي 1949، حيث فشل في إخراج قوات الحلفاء منها، وأعلن قيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) في شتنبر 1949 واتخذت برلين الشرقية عاصمة لها.

ب) ـ مشكلة اليونان:

بعد طرد قوات الفاشية، دخلت اليونان تحت السيطرة الإنجليزية. وفي 1946 نظم الحلفاء استفتاء دون الاتحاد السوفياتي للحد من الخلاف بين الشيوعيين وأنصار الملكية. وكانت نتيجته لصالح الملكيين، فقامت حرب أهلية بين التيارين تدخل فيها الاتحاد السوفياتي لمساعدة الشيوعيين، والولايات المتحدة التي مكنت الملكيين من القضاء على الشيوعيين في1949.

ج) ـ الحرب الكورية (1950ـ 1953):

بعد التراجع الياباني في كوريا، انقسمت إلى شمال اشتراكي وجنوب رأسمالي. وفي 1950 هاجمت قوات الشمال المناطق الجنوبية، فتدخلت الولايات المتحدة بقواتها تحت ستار القوات الدولية إلى أن تجاوزت خط الحدود (خط عرض 38°شمالا). وتدخلت الصين الشعبية إلى جانب كوريا الشمالية، مما أرغم الولايات المتحدة على التراجع. وبعد مفاوضات بين الطرفين توقفت الحرب الكورية في يوليوز1953.

د) ـ حرب الفيتنام:

بعد نجاح الثورة الاشتراكية في الصين في 1949، فقدت فرنسا الأمل في القضاء على الحركة التحررية الفيتنامية، خاصة بعد هزيمتها في معركة ديان بيان فو DIEN BIEN PHU سنة 1954. وانقسم الفيتنام إلى شمال اشتراكي وجنوب رأسمالي تؤيده الولايات المتحدة، مما جعل الصراع يستمر بين الطرفين.

4): قيام التحالفات العسكرية:

عقدت الولايات المتحدة مجموعة من الأحلاف العسكرية هدفا لمحاصرة الشيوعية، بتكوين شريط من الدول المرتبطة فيما بينها بمعاهدات عسكرية تمتد من النرويج إلى اليابان ومنها: حلف شمال الأطلسي 1949 و حلف الأنزوسA.N.Z.U.S. و منظمة حلف جنوب شرق آسيا وحلف بغداد. وأمام هذه التحالفات عقد الاتحاد السوفياتي مع الديمقراطيات الشعبية حلف وارسو 1955.(بقي منها الآن حلف شمال الأطلسي= NATO).

استمر الصراع بين المعسكرين رغم سياسة التعايش السلمي وظهورحركة دول عدم الانحياز.

1): سياسة التعايش السلمي:

اتبع المعسكران سياسة التعايش السلمي، بعد وفاة ستالين سنة 1953، تجنبا لاندلاع حرب جديدة. ففي1955 اعترف الاتحاد السوفياتي بألمانيا الغربية وحل مكتب الأحزاب الشيوعية(الكومنفورم). وربط علاقات دبلوماسية مع يوغسلافيا و النمسا. وأوقفت الولايات المتحدة حملتها ضد الشيوعية. وفي نفس السنة ظهرت كتلة جديدة تمثلها دول عدم الانحياز، انطلاقا من مؤتمر باندونغ 1955. وعقد بجونيف أول مؤتمر دولي لنزع السلاح.

2): استمرار الصراع بين المعسكرين:

رغم تبني فكرة التعايش السلمي، استمر الصراع بين المعسكرين وتمثل في عدة قضايا منها: قضية برلين؛ حيث حاول الاتحاد السوفياتي توحيد المدينة كعاصمة لألمانيا الشرقية ما بين 1953ـ1961. وعارضته الدول الرأسمالية، فتم الاتفاق على بناء جدار برلين. وقضية كوبا: قامت بها ثورة اشتراكية في1959 بقيادة فديل كاسترو، وفشلت الولايات المتحدة في الإطاحة بنظامه. ولما اكتشفت في كوبا في1962 قواعد عسكرية سوفياتية لإطلاق الصواريخ، حاصرتها، وحذر الرئيس الأمريكي كينيدي من قيام حرب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، فتراجع هذا الأخير وحل قواعده العسكرية لإطلاق الصواريخ. وقضية الفيتنام حيث استمر الصراع بين شمال وجنوب الفيتنام بظهور حركة (الفيتكونغ) بالجنوب ذات الميول الاشتراكية، مدعمة من طرف الصين والاتحاد السوفياتي. وتدخلت الولايات المتحدة عسكريا للدفاع عن الفيتنام الجنوبية ونظامها الرأسمالي مابين 1965ـ1973. وبعد فشلها توحدت الفيتنام في إطار النظام الاشتراكي.

3): ظهور كتلة عدم الانحياز:

تألفت من الدول الحديثة الاستقلال، التي استفادت من الصراعات الدولية للدفاع عن الحرية والاستقلال؛ حيث شاركت المستعمرات في الحرب العالمية الثانية دفاعا عن هذه المبادئ. واستغلت تنافس المعسكرين على النفوذ في العالم، وموقف الدول الاشتراكية المناهض للإمبريالية. وبعد استقلالها شكلت كتلة غير منحازة للدفاع عن استقلال المستعمرات الأخرى، ولتحقيق السلم العالمي والتوازن بين المعسكرين المتصارعين. ونشأت هذه الحركة بمبادرة المارشال تيتو وجمال عبد الناصر وجواهر لال نيهرو، عقب مؤتمر باندونغ في أبريل 1955. وعقد أول مؤتمر لحركة عدم الانحياز في1961 في بلغراد بيوغسلافيا.

4): نهاية التعايش السلمي وبداية المرحلة الثانية من الحرب الباردة:

انتهت حرب الفيتنام وبدأ الصراع بين المعسكرين في مناطق أخرى من العالم الثالث منذ بداية السبعينات، حيث وقعت مجموعة من الانقلابات الثورية في بعض الدول المتخلفة وأيدها الاتحاد السوفياتي مثل أفغانستان، أنغولا، إثيوبيا، الموزمبيق (أنظري جدول ص96). ودفعت الحرب الباردة إلى السباق في تطوير الأسلحة الاستراتيجية، حيث بدأت الولايات المتحدة في عهد الرئيسين ريكان وجورج بوش، في تنفيذ برنامجها المعروف بحرب النجوم انطلاقا من 1989. لكن النفقات العسكرية أثرت على اقتصاديات المعسكر الشرقي، ولاحت بوادر التغيير في عهد ميخائيل غورباتشوف بتطبيق البيرسترويكا والكلاصنوست. وأسفرت عن سقوط الأنظمة الاشتراكية بأوربا الشرقية وسقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي. وبذلك انتهت مرحلة القطبية الثنائية وظهر النظام العالمي الجديد. ورغم تعدد ملامحه، فإنه ارتكز عقب حرب الخليج على دور الأمم المتحدة كمنظمة دولية، ووسيلة للتدخل في حل مختلف النزاعات. كما ارتكز على القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ويتجلى ذلك في دعم التكتلات الاقتصادية كإنشاء مجموعة آسيا والمحيط الهادي للتعاون الاقتصادي سنة 1991، واتفاق دول الاتحاد الأوربي على معاهدة ماستريخت في نفس السنة. وإنشاء منطقة أمريكا الشمالية للتبادل الحر سنة 1993 بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. كما ارتكز النظام العالمي الجديد على التلويح بالدفاع واحترام حقوق الإنسان.

خـاتـمة: عرف العالم توترا في العلاقات الدولية تمثل في الحرب الباردة منذ بروز القطبية الثنائية بعد الحرب العالمية الثانية. وبنهايتها وظهور النظام العالمي الجديد، أصبح العالم يواجه مشاكل جديدة

(مشاركه)اسباب ومراحل الحرب العالميه الثانيه وابرز نتائجها

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد بن ضبيب العنزي

لم يكد العالم يتجاوز مخلفات الحرب العالمية الأولى، حتى دخل في
حرب عالمية ثانية أكثر تدميرا وذلك ما بين سنتي 1939و1945.

– فما هي أسباب هذه الحرب، ومراحلها؟
– وما هي أبرز نتائجها؟

І – تعددت أسباب ومراحل الحرب العالمية الثانية:
1 ـ أسباب الحرب:
ساهمت مجموعة من العوامل في قيام حرب عالمية ثانية، ومنها:
• مخلفات الحرب العالمية الأولى: عملت الدول المنتصرة على معاقبة
ألمانيا بشروط قاسية مما دفع الألمان إلى تحين فرصة مراجعة مسألة
الحدود والاقتطاعات الترابية والتعويضات الباهضة نفس الشيء بالنسبة
لدول أوربا الوسطى، أما إيطاليا المنتصرة فأصيبت بخيبة أمل كبرى لعدم
تحقيق مطامعها الترابية التوسعية.
• الأزمة الإقتصادية لسنة 1929: كانت الأزمة الاقتصادية عامة إلا أن بعض
الدول الديمقراطية كفرنسا وإنجلترا تمكنتا من تجاوزها اعتمادا على احتياطاتها
الذهبية وعلى مستعمراتها، لكن الدول الديكتاتورية كألمانيا وإيطاليا واليابان بحثت
عن حلول للأزمة بإتباع أسلوب التوسع الامبريالي في مناطق لا تريد الدول الأولى
التنازل عن نصيب منها،مما أدى إلى توثر في العلاقات الدولية وإضعاف الأنظمة
البرلمانية الديمقراطية.
• فشل عصبة الأمم: عجزت هيئة الأمم عن فرض المهمة التي أنشئت من أجلها
وهي ضمان السلم العالمي وحل المشاكل الدولية بالطرق السلمية، واتضح ذلك
بعد مهاجمة ألمانيا واليابان للدول المجاورة، واحتلال إيطاليا لأثيوبيا.
2 ـ مراحل الحرب:
مرت الحرب العالمية الثانية بمرحلتين أساسيتين:
• امتدت المرحلة الأولى من 1939 إلى سنة 1942، وكانت لصالح دول المحور
وقد بدأت بغزو ألمانيا لبولونيا والسيطرة على حوض البحر المتوسط ومعظم الدول
الأوربية والشروع في غزو الاتحاد السوفياتي سنة 1941، كما لجأت اليابان على
تدمير أهم قاعدة أمريكية في المحيط الهادي “بيرل هاربور” 1942.
• تمتد المرحلة الثانية من 1942 إلى 1945، وتبدأ بدخول الولايات المتحدة الأمريكية
الحرب، حيث انقلبت موازين القوى لصالح الحلفاء فانهزمت ألمانيا في معركة ستالينغراد
واستسلمت سنة 1945 ثم إيطاليا وكذلك اليابان بعد ضربها بالقنبلة الذرية (مدينتي
ناكازاكي وهيروشيما).
ІІ – خلفت الحرب نتائج بشرية ومادية وسياسية:
1 ـ الخسائر البشرية والمادية:
• بشريا: خلفت الحرب أعدادا كبيرة من القتلى مدنيين وعسكريين (أزيد من 50 مليون)
بسبب استعمال أسلحة متطورة كما دمرت مدن بكاملها، وقد كانت لذلك عواقب ديمغرافية
كارتفاع الوفيات وقلة الولادات واختلال هرم الأعمار ونقص اليد العاملة.
• ماديا : دمرت الحرب البنيات الاقتصادية والاجتماعية وطرق المواصلات، مما أدى على
انخفاض الإنتاج الفلاحي بما يفوق الثلث والصناعي ب 50 % وارتفاع الأسعار والضرائب
وإفلاس مالية مجموعة من الدول التي اضطرت للاقتراض من الخارج كما تراجع الدور
الاقتصادي لأوربا وتزايدت مكانة الولايات المتحدة التي أصبحت أكبر قوة اقتصادية عالمية.
2 ـ النتائج السياسية:
أدت الحرب العالمية الثانية على تغيير موازين القوى على الصعيد العالمي، حيث عقد الحلفاء
عدة مؤتمرات فرضوا خلالها مجموعة من المعاهدات على الدول المنهزمة (باستثناء ألمانيا
المنقسمة)، كما أن مؤتمر يالطا وضع خريطة العالم لما بعد الحرب، واستغلت المستعمرات هذا
الوضع لتطالب حركاتها التحررية بالاستقلال.
انقسمت القارة الأوربية إلى قسمين:
• أوربا غربية رأسمالية ليبرالية، تدور في فلك الولايات المتحدة الأمريكية.
• أوربا شرقية شيوعية تابعة للاتحاد السوفياتي.
من أجل تجاوز مخلفات الحرب العالمية الثانية، والحفاظ على السلم العالمي أنشأت الدول
العظمى «منظمة الأمم المتحدة» التي تشكلت من عدة أجهزة كمجلس الأمن والجمعية العمومية…
بالإضافة إلى هيئات إقليمية متخصصة كمنظمة الزراعة والتغذية – منظمة الصحة العالمية – صندوق
النقد الدولي.

خاتمـة:
تعد الحرب العالمية الثانية مرحلة مهمة في تاريخ العالم الذي لازال

يعيش بعض مخلفاتها

من هو نوري السعيد

كاتب الموضوع الأصلي: علي الشهري 6

هو نوري بن سـعيد بن صالح ابن الملا طه ، من عشيرة القره غولي البغدادية : سياسي ، عسكري المنشأ ، فيه دهاء وعنف . ولد ببغداد سنة 1888م، من عائلة من الطبقة الوسطى ،حيث كان والده يعمل مدققاً في إحدى الدوائر في العهد العثماني وتعلم في مدارسها العسكرية . وتخرج بالمدرسة الحربية في الاستانة ( 1906 ) ودخل مدرسة أركان الحرب فيها ( 1911 ) وحضر حرب البلقان (1912-13 19) وشارك في اعتناق « الفكرة العربية» أيام ظهورها في العاصمة العثمانية . فكان من أعضاء « جمعية العهد » السرية[1] . وكان نوري السعيد في الواقع رئيس حزب العهد [2]

وقامت الثورة في الحجاز ( 1916 ) ولحق بها ، فكان من قادة جيش الشريف ( الملك ) فيصل بن الحسين في زحفه إلى سورية . ودخل قبله دمشق [3]. كما انضم العديد من الضباط الآخرين إلى الملك فيصل الأول عندما تولى عرش سوريا لفترة وجيزة ،حيث قدر عددهم آنذاك بحوالي 300 ضابطاً . وكان دور نوري السعيد دور خطير في تاريخ العراق بعد الحرب العالمية الاولى وقام باعمال لاتقدر بثمن في تنظيم الثورة العربية بصفته رئيس اركان جيش [4]

لكن القوات الفرنسية أسقطت نظام حكم الملك فيصل وطردته من سوريا،وقرر البريطانيون فيما بعد تنصيبه ملكاً على العراق،وقد رافقه الضباط الشريفيون عند انتقاله إلى العراق،وكان من بينهم (نوري السعيد ) و( جعفر العسكري ) و(علي جودت الأيوبي ) و(جميل المدفعي) و(ياسين الهاشمي) وأخيه( طه الهاشمي ) و(تحسين العسكري ) و( شاكر الوادي ) ، وقد شغل هؤلاء جميعاً مناصب عليا في الدولة العراقية من بينها رئاسة الوزارات ،واتخذ الملك فيصل ابن الحسين السيد ( رستم حيدر ) سكرتيراً خاصاً له وأمين أسراره ،ورافقه حتى وفاته وتقلد العديد من المناصب على عهده كان أهمها رئاسة الديوان الملكي ووزارة المالية [5].

ورغم أن هؤلاء المجموعة من الضباط الشريفيين كانوا من الطبقة الوسطى الدنيا ،باستثناء عدد قليل منهم ،لكنهم بمرور الزمن قد تملكوا الأراضي الزراعية من الدولة وبذلك أصبحوا من طبقة الملاكين وكونوا لهم روابط قوية مع عائلات الطبقة العليا في المجتمع العراقي [6].

لقد كان واضحاً لكل المؤرخين والمتتبعين أن الأمير فيصل لم يكن له حضاً في حكم العراق لولا الدعم البريطاني ،ومجموعة الضباط الشريفيين ، فقد كان هناك العديد من الشخصيات العراقية التي كانت ترى نفسها أحق من الملك فيصل في حكم العراق ،وكان من أبرزهم السيد ( عبد الرحمن النقيب ) والسيد ( طالب النقيب) الذي أعلن صراحة أنه أحق من فيصل (الغريب) في حكم العراق ،وقد اتخذ المندوب السامي قراراً بنفي السيد طالب النقيب إلى سيلان في 16 نيسان 1921 ،بعد أن وجد أنه يمثل خطورة كبيرة على المشروع البريطاني بتنصيب الأمير فيصل ابن الحسين بن علي ملكاً على العراق[7] .

كان الملك فيصل أكثر اعتماداً على نوري السعيد من أي من الضباط الشريفيين الأوائل ،حيث كلفه في بادئ الأمر مهمة بناء جهازي الشرطة والأمن ،وبوأه منصب مدير الشرطة العام ،وقد عمل السعيد جهده لتعيين أصدقائه ومناصريه من الضباط الشريفيين الأوائل في المناصب الحساسة بهذا الجهاز .

كما عين الملك فيصل نوري السعيد نائباً للقائد العام للقوات المسلحة ،عندما باشر في تكوين الجيش العراقي ،حيث يكون الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة بموجب الفقرة الثامنة من المادة 26 من الدستور[8].

كما أشغل نوري السعيد وزارة الدفاع في أغلب الوزارات، وكان بحكم منصبه كنائب للقائد العام مشرفاً على عمل وزارة الدفاع في كافة الوزارات التي لم يكن يشغل فيها الوزارة المذكورة وقد حرص نوري السعيد على جمع أكبر عدد من الضباط الشريفيين القدامى في الجيش الوليد ،وبوأهم أعلى المناصب فيه بحيث وصل عددهم إلى 12ً من أصل 19 من الضباط ذوي الرتب العالية [9].

لقد مكنت هذه المناصب نوري السعيد من زيادة وتعاظم نفوذه السياسي في البلاد لدرجة أوصلت العديد من الشخصيات السياسية إلى القناعة من أن نوري السعيد قد أصبح من العسير اقتلاعه ،فقد كان يتميز بعلاقاته الواسعة ،واختلاطه برجال المجتمع،وإخلاصه لأصدقائه،وكان يتميز بالحيوية والنشاط ،فقد وصفه السيد (توفيق السويدي ) بأنه شخص واسع الحيلة،يقظاً بشكل غير معتاد استطاع بدهائه أن يصبح في منتصف العشرينات اليد الطولى للملك فيصل عملياً[10].

كما شبهه السيد ( طالب مشتاق) ببكرة الثلج التي تكبر وتكبر باستمرار [11]،أي يكبر نفوذه باستمرار،وكان السياسيون يخشون أحابيله ومؤامراته،حيث كان لا يتوانى عن القيام بأي عمل إذا كان ذلك العمل يحقق طموحه السياسي ويوصله إلى أرفع مراكز السلطة لدرجة جعلت منافسيه من السياسيين يخشونه ويشعرون منه بالرعب ،فقد كان باستطاعته أن يدبر بكل سهولة اغتيال معارضيه،فقد دبر عملية اغتيال السيد( توفيق الخالدي) وزير الداخلية في 25 شباط 1924 ،وكان للخالدي ميولاً معادية لدور الضباط الشريفيين ،وسعى لتقليص دورهم في إدارة أمور البلاد،وقد تم اغتياله على يد شخصين من أزلام نوري السعيد هما كل من ( شاكر القره غولي) و( عبد الله سرية ) ،بتحريض منه شخصياً،وقيل أن الملك فيصل وجعفر العسكري كانت لهم يد في عملية الاغتيال بدعوى أن توفيق الخالدي كان من أنصار النظام الجمهوري[12].

لكن الحقيقة أن اشتراك الملك فيصل مشكوك بها ،وقد تم حشر اسم الملك من أجل طمس إسم المدبر الحقيقي للاغتيال نوري السعيد.

كما أن الشكوك كانت تدور حول وفاة الملك فيصل في سويسرا في 7 ايلول 1933 ،واختفاء مذكراته فور وفاته ،فقد ثارت الشكوك حول وفاته ،وكان هناك شك أن السبب الحقيقي للوفاة هو التسمم ،وأن لنوري السعيد يد فيها ،وقيل أن الإنكليز هم الذين كانوا وراء العملية[13] .

وكانت السفارة البريطانية في سويسرا قد رفعت تقريراً يشير إلى بعض الشكوك في سبب موت الملك ،وجاء في التقرير:

( إن الموت يمكن أن يكون نتيجة التسمم بعد اختلافه مع السيدة التي كانت له علاقة حب لها!!،أو التحريض من قبل الوكلاء السياسيين ).

وكان نوري السعيد ورستم حيدر ملازمين للملك حين وفاته،ومما يعزز هذا الشك هو فتور العلاقة الذي حصل بين الملك فيصل ونوري السعيد في السنة الأخيرة من حكمه على الرغم من العلاقة الحميمة التي ربطتهما ببعضهما في الفترة الماضية لدرجة أن لقاءاتهما كانت قد تباعدت ،وأخذت تقل تدريجياً عن المعتاد حتى وصل الأمر بنوري السعيد إلى أن يسر في أذن مسؤول كبير في وزارة الخارجية البريطانية عام 1933بقوله :

( لن اعد أتحمل مرة أخرى مسؤولية رئاسة الوزارة طالما بقي الملك فيصل على عرش العراق ) .

أما ملابسات قضية مقتل الملك غازي فإن كل الدلائل كانت تشير إلى عملية اغتيال مدبرة من قبل البريطانيين وأن من خطط لتنفيذها كل من نوري السعيد وعبد الإله.

استمر نجم نوري السعيد بالصعود حتى تبوأ منصب رئيس الوزراء لأول مرة بتاريخ 23 آذار 1930،بإيعاز من السفارة البريطانية لكي ينفذ لهم أخطر مهمة ناءَ بحملها الآخرين من رجال السياسة،إلا وهي توقيع معاهدة عام 1930 التي ربطت العراق بعجلة الإمبريالية البريطانية لزمن طويل .

وائتلف مع عبد الاله بن علي ، الوصي على عرش العراق في أيام الملك فيصل الثاني . وقامت الثورة في بغداد ( 14 تموز 1958 ) فكان فيصل وعبد الاله من قتلاها . واختفى نوري السعيد يومين ، ثم خرج في زي امرأة ، فعرفه بعض أهل بغداد ، فقتلوه[14] .

وله آثار كتابية مطبوعة ، منها:

(1) « أحاديث في الاجتماعات الصحفية »

(2) « استقلال العرب ووحدتهم »

(3) « محاضرات عن الحركات العسكرية للجيش العربي في الحجاز وسورية »[15]

:. معاهدة سان جرمان .:

كاتب الموضوع الأصلي: محمد البابطين 6

* معاهدة سان جرمان *

معاهدة سان جرمان Treaty of Saint-Germain-en-Laye اتفاقية وقعتها القوى الحليفة في الحرب العالمية الأولى والنمسا في سبتمبر 1919م. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى تم التوقيع على هذه الاتفاقية التي كسرت قوى النمسا من قبل 27 دولة حليفة ومشاركة. كانت رومانيا، والدولة التي سميت فيما بعد بيوغوسلافيا الدولتين الوحيدتين اللتين أخرتا التوقيع على هذا الاتفاق من بين الدول الحليفة. اعترضت هاتان الدولتان على ضمانات المعاهدة التي أُعطيت للأقليات حيث مضت عدة أشهر قبل أن تقتنع الدولتان بالتوقيع على الوثيقة.

وافق البرلمان النمساوي على المعاهدة في 17 أكتوبر عام 1919م. ووُضعت المعاهدة موضع التنفيذ في 16 يوليو 1920م. أقامت الولايات المتحدة التي وقعت المعاهدة ولم توافق عليها قط ـ اتفاق سلام منفصل مع النمسا في 24 أغسطس 1921م. ينص الجزء الأول من المعاهدة على أن النمسا يمكن أن تنضم إلى عصبة الأمم بعد فترة كافية من حسن السلوك، بينما يخفض الجزء الثاني من الاتفاقية مساحة النمسا من 297,800كم² إلى 83,835كم² فقط. وهكذا انخفض عدد السكان من 30 مليونا إلى 6 ملايين. وتضمن ثمانية بنود من الاتفاقية استقلال وسلامة الأقليات النمساوية.

أعطت معاهدة سان جرمان استقلالا كاملا لكل من بولندا وتشيكوسلوفاكيا (السابقة)، والمجر، والدولة التي سميت فيما بعد بيوغوسلافيا. واستطاعت هذه الدول بالإضافة إلى إيطاليا أن تستعيد بعض الأراضي التي كانت تحت سيطرة النمسا قبل الحرب. كما قلصت البنود العسكرية حجم الجيش النمساوي إلى 30,000 جندي ويسمح لمصنع واحد فقط بإنتاج الأسلحة. كما آل أكثر الأسطول النمساوي ـ المجري إلى الحلفاء حيث احتفظت النمسا بأربعة قوارب للحراسة فقط.

وتمنع أهم بنود المعاهدة قيام أي اتحاد بين ألمانيا والنمسا. وبالرغم من ذلك، استطاع هتلر أن يفرض اتحادات مع النمسا عام 1938م. ألغت الحرب العالمية الثانية (1939- 1945م) هذه الاتفاقية.

تاريخ التوقيع : 10 سبتمبر 1919م
المكان : سان جيرمان بفرنسا
الموقعون : النمسا – بريطانيا – اليابان – إيطاليا – فرنسا – الولايات المتحدة
القوى المتحالفة الأخرى : بلجيكا – البرتغال – يوغسلافيا – رومانيا –