أ.د. أحمد محمد وهبان

البروليتاليا .. نظرة مختصرة .. وعلااقتها بالماركسية

كاتب الموضوع الأصلي: بدر المطيري1

البروليتاريا

مصطلح يستخدم للدلالة على الطبقات الدنيا أو الطبقات الفقيرة في المجتمع.. هناك تعريفات عديدة للبروليتاريا، فأحيانا تعرف بأنها الناس الذين لا ثروة لهم سوى أولادهم، أو الطبقة التي تكسب قوتها عن طريق بيع عملها فقط، لا من أرباح أي نوع من رأس المال، وبالتالي فهي دائما تحت رحمة تأرجحات السوق بين الازدهار والكساد، ووجودها مرهون بتوفر فرص العمل.. يصفها “ماركس” بأنها الطبقة العاملة، وتهتم الشيوعية اهتماما بالغا بالبروليتاريا، حتى إن الشيوعية توصف أحيانا بعلم تحرير البروليتاريا.

البروليتاريا

ربما كان أول استخدام لكلمة البروليتاريا كان من قِـبَل المفكر الفرنسي “سان سيمون” (1760- 1825)، وقد استخدمه لوصف الذين لا يملكون نصيبا من الثروة العامة، ولا يحظون بأية ضمانة من ضمانات الحياة، وحسب تعبيره فإنها طبقة بلا ماضي ولا مستقبل. تطور المفهوم بعد ذلك على يد “كارل ماركس” (1818– 1883)، والذي يرى أنها الطبقة التي تتحمل كل أعباء المجتمع دون أن تنال أية ميزة من ميزاته، فهي طبقة لا تعيش إلا بقدر ما تجد عملا، وبالتالي فهي تتقوّت عن طريق بيع قوة عملها، فتصبح سلعة شبيهة بأية سلعة أخرى تخضع إلى قوانين السوق من عرض وطلب. ويعمل أفرادها في المصانع بالتحديد. وهي في رأيه تمثل الضياع الكامل للإنسان، وهذا الضياع لا يعوّض سوى بالثورة ضد الطبقات الأخرى.

ومع تعقد شكل الحياة الاقتصادية والاجتماعية ظهر تعبير آخر هو (البروليتاريا الرثة)، وهي تلك الفئات التي تعيش على هامش الأعمال الاقتصادية، مثل مساحي الأحذية، وخدم المنازل وغيرهم. وفي رأي المفكرين الشيوعيين فإن هذه الفئات متخلفة في الوعي، ويصعب إكسابها الوعي البروليتاري المناضل.

بداية البروليتاريا

كانت الثورة الصناعية التي نشبت في إنجلترا في القرن الثامن عشر السبب المباشر لظهور طبقة العمال الكادحين أو البروليتاريا.

بدأ الأمر باختراع الآلات البخارية ومختلف آلات الغزل والأنوال الآلية، والتي بسبب سعرها المرتفع جدا فلم يكن بمقدور أحد شراؤها سوى أصحاب رءوس الأموال الكبيرة، بمعنى آخر الرأسماليين. أدت هذه الآلات إلى الاستغناء عن الحرف التقليدية، بسبب قيام الآلات بإنتاج المنتجات بكميات ضخمة في وقت ضئيل، وبالتالي تقليل التكلفة إلى حد كبير. وبسبب حاجة الآلات إلى عمال يقومون بتشغيلها وصيانتها، فقد ظهرت طبقة العمال وانقرضت طبقة الحرفيين التقليديين الذين كانوا يقومون بما تقوم به الآلات بشكل يدوي أقل كفاءة. وقعت كل فروع الصناعة في أيدي كبار الرأسماليين الذين أنشئوا الورشات الكبرى؛ حيث المصاريف العامة أقل وإمكانية تقسيم العمل أكبر، مما أدى إلى إفلاس الورشات الصغيرة والحرفيين الصغار.

جمع الرأسماليون الأرباح وتضخمت ثرواتهم، وانتهت الملكيّات الحرفية الصغيرة لتبتلعها المصانع الرأسمالية. انتهى الآن عهد الإقطاع وبدأت الرأسمالية التي امتلكت كل شيء وسيطرت على كل شيء. وتحول العالم إلى طبقة رأسمالية تمتلك كل شيء، وطبقة أخرى كادحة لا تمتلك شيئا.

البروليتاريا والماركسية

وفقا للنظرية الماركسية فإن البروليتاريا هي طبقة المجتمع التي لا تمتلك وسائل الإنتاج. وترى الماركسية أنه لابد أن يحدث تضارب وتصادم في النهاية بين البروليتاريا وأصحاب رأس المال. فمثلا يريد العمال في المصانع أن تكون المرتبات أكبر ما يمكن، وساعات العمل أقل مما هي، بينما تتمثل مصلحة أصحاب المصنع في زيادة ساعات العمل وتقليل الأجور. بالتالي هذه المصالح المتضادة لابد أن تؤدي إلى التصادم.

وفقا لـ”ماركس” فإن الرأسمالية هي نظام يقوم على استغلال طبقة البروليتاريا لصالح البرجوازية مالكة رأس المال. ويتم هذا الاستغلال كالتالي: العمال، الذين لا يمتلكون رأس مال أو وسائل إنتاج، يبحثون عن فرصة عمل كوسيلة وحيدة للحصول على القوت. يتم تشغيلهم بواسطة رأسمالي ليعملوا لحسابه في إنتاج نوع من البضائع أو الخدمات. تصبح هذه البضائع أو الخدمات ملكا للرأسمالي، ويقوم الرأسمالي ببيع هذه البضائع أو الخدمات ويحصل مقابلها على عائد مادي.

جزء من الثروة التي تم جمعها يتم استخدامه لدفع أجور العمال/ البروليتاريا، الجزء الآخر ينقسم إلى قسمين، واحد يضاف إلى ثروة الرأسمالي الخاصة، والثاني يستخدم لتعزيز الإنتاج. وهكذا فإن الرأسمالي يمكن أن يربح أموالا من عمل العمال لديه دون أن يقوم في الواقع بأي عمل. ويقول الماركسيون إنه مادام هناك من يكوّن ثروات جديدة دون أن يعمل، فمعنى ذلك أن هناك من يعمل دون أن يحصل على الثروة التي يستحقها. معنى ذلك أن هناك طبقة يتم “استغلالها” لجمع الثروة. هذه الطبقة هي البروليتاريا.

وهكذا كان هدف الشيوعية دوما تحرير البروليتاريا عن طريق القضاء على الملكية الخاصة. وذلك عن طريق انتزاع المصانع وفروع الإنتاج الأخرى من أيدي الأفراد الخواص المتنافسين فيما بينهم ووضعها تحت إدارة وتسيير المجتمع بأسره. مما يعني أنها ستصبح مسيّرة في خدمة المصلحة العامة طبقا لخطة مشتركة وبمساهمة جميع أفراد المجتمع. وبالتالي يتم القضاء على المنافسة ويستعاض عنها بمبدأ المشاركة والتعاون.

البروليتاريا الآن

ونحن الآن في الألفية الثانية، فقد طرأت تغييرات عديدة على العالم، منها ثورة المعلومات والتطور الهائل للصناعة والتكنولوجيا، وسيطرة الشركات متعددة الجنسيات على الاقتصاد في العالم، وانهيار الشيوعية (المدافع الأعظم عن البروليتاريا) وانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم كقوة عظمى وحيدة، وانتقال معظم بلدان العالم للعمل بالنظام الرأسمالي للاندماج في العولمة.

يبدو الآن أن البروليتاريا قد خرجت من حسابات التاريخ في الغرب وأصبحت هذه الطبقة تشارك إلى حد ما في الأرباح الرأسمالية نتيجة لارتفاع الأجور، وبالتالي أصبحت هذه الطبقة هناك قانعة بالأنظمة السياسية القائمة. وفي دول العالم الثالث والدول التي كانت تتبع الأنظمة الاشتراكية والشيوعية لا تبدو البروليتاريا في حالة جيدة، حيث تعاني من أنظمة إجبارية للمعاش المبكر، وعمليات بيع لمصانع القطاع العام التي تعمل بها وفقا لبرامج الخصخصة والتحول الكامل للرأسمالية

أمريكا وانفصال جنوب السودان

كاتب الموضوع الأصلي: 1.طيبه الحسن

أحمد عمرابي

قبل بضعة أيام أعلن المبعوث الرئاسي الأميركي إلى السودان أن الولايات المتحدة تتوقع انفصال جنوب السودان. ثم أردف قائلا: «نحن مستعدون لذلك».

من هذا المنظور لماذا يصر «سكوت غرايشن» على أن تجرى الانتخابات العامة السودانية بكافة مستوياتها في موعدها المقرر أبريل الجاري؟.

فالعملية الانتخابية القومية هي الخطوة الحاسمة التي تؤدي إلى إجراء الاستفتاء في جنوب السودان (في يناير 2011)، الذي تتوقع الولايات المتحدة أن يسفر عن فوز خيار الانفصال، والذي بدوره يؤدي إلى قيام دولة مستقلة جديدة في الجنوب.

الكثير من السودانيين وغير السودانيين استقبلوا تصريح غرايشن بغير قليل من الاندهاش. لكن دعم دعوة الانفصال ظل خطا أميركيا ثابتا منذ مفاوضات السلام التي جرت بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية» الجنوبية بقيادة الزعيم الراحل جون قرنق قبل نحو سبع سنوات.

لقد انتهت العملية التفاوضية إلى توقيع اتفاق للسلام في ضاحية نيفاشا الكينية في عام 2003، وبدأت المرحلة التطبيقية في عام 2005. ومنذ الوهلة الأولى كان من الواضح أن واشنطن هي مهندس اتفاقية نيفاشا.

بداية القصة كانت قبل ذلك عند أواخر عهد الرئيس جورج بوش الابن، عندما قدم معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية ـ ومقره واشنطن ـ مشروعا إلى إدارة بوش يهدف إلى وضع نهاية للحرب في جنوب السودان وتقرير مستقبل الجنوب من خلال مفاوضات بين الجنوب كما تمثله الحركة الشعبية والشمال كما يمثله «نظام الإنقاذ».

وعلى الفور تبنى الرئيس بوش المشروع. وكخطوة تمهيدية لتحويل المشروع وأهدافه إلى خط سياسي رسمي للولايات المتحدة، قام بوش بتعيين أول مبعوث رئاسي أميركي إلى السودان: جون دانفورث.

ومن يطالع التقرير المفصل الذي تقدم به المبعوث دانفورث إلى الإدارة الأميركية يكتشف دون عناء أن المرتكزات الرئيسية لهذا التقرير هي تجسد تقريباً البنود الأساسية لوثيقة اتفاق نيفاشا. وأبرز هذه البنود النص على تمكين شعب جنوب السودان من ممارسة حق تقرير المصير عن طريق استفتاء عام يطرح خيارين:

إما استمرار الجنوب في النسيج الموحد للسودان، أو الانفصال الكامل. تقرير دانفورث نص أيضا على أن نقطة انطلاق العملية التفاوضية بين الحركة والحكومة ينبغي أن تكون مبدأ «دولتان ونظام واحد» شٌُّ َّ؟َُّّمٍَّ، َُم َُّّفُّم ولا يخفى أن معنى هذا النص هو بمثابة وضع حجر الأساس لجنوب مستقل في المستقبل.

غني عن القول إذن أن الولايات المتحدة قررت وضعاً للسودان ينتهي به إلى الانفصال الكامل بين الجنوب والشمال. وعلى هذا النحو وضعت بنود اتفاقية نيفاشا وجرى تطبيقها. وعلى مدى المرحلة الانتقالية التي بدأت عام 2005 أخذ السودانيون يرون ملامح الانفصال في الجنوب تتبلور وتتجسد على أرض الواقع:

حكومة حكم ذاتي لها جيش مستقل (قوات حركة قرنق نفسها) وبنك مركزي ومكاتب في عواصم إقليمية وعالمية، هي عملياً بعثات دبلوماسية.. بل ولها علم خاص..

علما بأنه وفقا للاتفاقية لا يخضع الجيش الجنوبي لسلطات رئيس الجمهورية في المركز باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإنما يخضع فقط لرئيس حكومة الجنوب.

تأسيسا على هذا كله يبقى سؤال كبير: لماذا تريد الولايات المتحدة قيام دولة مستقلة في جنوب السودان مما يجعلها تحبذ خيار الانفصال؟

لنستذكر أولا أن حركة التمرد الجنوبية في مختلف مراحلها منذ خمسينات القرن الماضي ظلت حركة معادية تماما للهويتين العربية الإسلامية في السودان، انطلاقا من أن أغلبية أهل الجنوب ليسوا عربا وليسوا مسلمين.

وحتى يومنا هذا تتبنى «الحركة الشعبية» كأحدث تنظيم للتمرد الجنوبي أجندة تدعو إلى فصم انتماء السودان إلى المحيط العربي والإسلامي، ليكون انتماؤه الإفريقي بديلاً، خاصة في المنظور الديني المسيحي.

من المؤكد إذن أنه لو قامت دولة مستقلة في جنوب السودان فإنها ستكون دولة إفريقية ذات طابع معادٍ للثقافة العربية والانتماء الإسلامي.

نستطيع أن نستنتج إذن أن تحبيذ الولايات المتحدة لتحول الجنوب السوداني إلى دولة مستقلة من خلال استفتاء عام يقوم على منظومة أجندة مرسومة سلفاً لجعل الدولة الجديدة قاعدة كبرى لمحاربة المد الإسلامي في عمق إفريقيا، وبخاصة الشرق الإفريقي (كينيا وأوغندا وتنزانيا).

ومما لا شك فيه أن الأجندة الأميركية تتطابق في هذا السياق مع الأجندة الإسرائيلية، خاصة إذا استدعينا إلى الأذهان ارتباط حركة التمرد الجنوبية في مراحلها المبكرة خلال عقد الستينات مع إسرائيل. فقد كانت تعتمد عسكريا على إسرائيل من حيث إمدادات الأسلحة وتدريب المقاتلين.

هذه هي الصورة المرتقبة على المستوى النظري. لكن الأمر قد يختلف لاحقا على المستوى العملي. ذلك انه من المؤكد أن تندلع فور إعلان قيام الدولة الجنوبية المستقلة حرب أهلية جنوبية – جنوبية ذات طابع قبلي داخل الدولة الوليدة، على غرار ما جرى بين التوتسي والهوتو في رواندا وبورندي.

خلال العام المنصرم اشتعلت الحرب القبلية في الجنوب بالفعل، حيث أدت إلى مقتل 2500 شخص. قيام الدولة الجنوبية المستقلة ليس موضع شك كبير. لكن الجنوب قد يتحول إلى صومال أخرى.

*نقلا عن “البيان” الإماراتية.

العمل العسكري في برنامج حماس

كاتب الموضوع الأصلي: محمدالنشوان

” مستقبل العلاقات الإسلامية الأمريكية في ظل الرئاسة الجديدة “

مرفت عبدالجبار

د. سعد العتيبي: ” هذا الرجل سيرته الذاتية ومواقفه لا تبشر بالاعتدال الذي يأمل فيه الكثير من العرب والمسلمين “
د اللويحق: ” سيبقى القلق الأمريكي وشماعة الإرهاب حاضرة ما دامت الملفات الساخنة في العالم الإسلامي مفتوحة “

مرفت عبدالجبار – جدة

عبّر كثير من مفكري الأمة الإسلامية عن توقعاتهم وآمالهم في العلاقات الأمريكية الإسلامية في ظل الرئاسة الأمريكية الجديدة لباراك أوباما، وذلك عبر الصحف ومواقع الإنترنت واللقاءات التلفزيونية، آخذين بعين الاعتبار العلاقات القديمة التي ربطتهما في عهد من تعاقبوا على الرئاسة الأمريكية، حيث أجمع الأغلب أنه لم يكن هناك جديد يذكر على صعيد العلاقات مع الشرق الأوسط، وعلى صفحتنا هذه نناقش التغيير الذي نادى به أوباما، هل سينعكس فعلياً على العلاقات تجاه الشرق الأوسط؟ وبخاصة أنه وعد بسحب الجيش الأمريكي من العراق والنظر في القضية الفلسطينية.
بداية مع د.سعد العتيبي، عضو هيئة التدريس بقسم السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث أجاب قائلاً:
إذا ما نُظر إلى الشعار الذي صوت له الناس ممن رشحوا أوباما من الناخبين الأمريكيين، سنجد أنه شعار: التغيير؛ وهذا يعني أن الناس قد ملّت حياتها في الولايات المتحدة، وأنهم سئموا قيادة المحافظين الجدد لهم، تلك القيادة التي استمرت قرابة عقد من الزمن، ولا سيما بعد إفرازاتها النتنة، في داخل الولايات المتحدة وخارجها بدءاً بالحروب، وانتهاء بالمعضلة الاقتصادية؛ ولهذا وجدنا اتجاهاً عالمياً يتمنى سقوط ماكين بوصفه امتداداً للمحافظين الجدد، ويود فوز أوباما نكاية بهم، وظناً منه أنه لن يكون – مهما كان – أكثر سوءا من ولايتي بوش ونائبه – وإن شئتم أستاذه – ديك تشيني.
ولكن هذه المشاعر إن عبرت عن رفض الأمريكيين في الولايات المتحدة جميعها لواقع طالما نادى به المتأمركون في عالمنا العربي والإسلامي؛ فإنَّ توقع حقيقة التغيير، واستشراف مستقبل السياسة الأمريكية فيما يتعلق بقضايانا في الشرق الأوسط فلسطين والعراق أو غيرهما، لا يمكن الركون فيه إلى تلك المشاعر، وإنما ينبغي أن يستشرف من خلال آلية نظام الحكم الأمريكي، وحقيقة الشخصيات التي تديره، ومواقفها السياسية المسبقة من قضايانا، وأقدمها وأعقدها قضية فلسطين المحتلة.
وإذا ما عدنا إلى صلاحيات الرئيس الأمريكي في الشأن الخارجي – الذي يهم العالم الإسلامي – فإنها بمقتضى المادة الثانية من الدستور الأمريكي تتمثل في: رسم السياسة الخارجية والإشراف على تنفيذها، فهو المسؤول الأول عن تنظيم العلائق الخارجية كإجراء المفاوضات، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات، والاعتراف بالدول، وتعيين الدبلوماسيين، لكن النظام السياسي الأمريكي يجعل من رئيس الدولة رئيسا فعليا للسلطة التنفيذية بخلاف أنظمة الحكم البرلمانية؛ ولذلك لا بد أن يعتمد على وجود جهاز تنفيذي، وهذا الجهاز هو الذي يقوم بوظيفة مؤثرة جداً في قيادة الدولة، ومن خلالها يتحول النظام المؤسسي الأمريكي إلى نظام تديره نخبة من الشخصيات التي غالباً ما تكون ذات تأثير بالغ في توجيه الدولة، ويتحول فيها الرئيس إلى ما يشبه الرمز، بينما تتحول بقية المؤسسات التقنينية إلى ميدان للشد والجذب في إطار يتحكم في مساره في الغالب الجهاز التنفيذي للرئيس، وبمعنى آخر: فإن الولايات المتحدة وإن كانت دولة مؤسسات في الظاهر إلا أنها تدار في حقيقة الأمر من خلال الشخصيات ذات النفوذ في الجهاز التنفيذي للرئيس، فحكومتها الحقيقية حكومة خفية…
كما أن الرئيس الأمريكي هنا مرشح حزب؛ وهذا يعني أن تصرفاته يجب ألاّ تخرج عن سياسة الحزب؛ فأوباما مرشح الحزب الديمقراطي، وليس مرشحاً مستقلاً.
ومن هنا فإن من المهم جداً أن لا نقرأ مستقبل السياسة الأمريكية من خلال شخصية الرئيس مهما كانت معتدلة الطبع، فإن اعتدالها يتحول في أحسن حالاته إلى طريقة التعامل لا إلى حقيقة السياسة، وبمعنى آخر: قد يكون أكثر دبلوماسية.
وبناء على ما سبق فإن استشراف مستقبل العلاقة الأمريكية الإسلامية يعتمد في قراءة الموقف الأمريكي في رئاسة أوباما قراءة عامة، على فهم قضيتين:
الأولى: الشخصيات المتنفّذة في الجهاز التنفيذي لأوباما بصفته رئيساً.
والثانية: موقف الحزب الديمقراطي من القضايا التي يراد استشراف مستقبل سياسة أوباما فيها.
وإذا ما أردنا النظر في القضية الأولى من خلال ما أمكن الوقوف عليه من معلومات معلنة، فسنجد ما يلي:
في وقت الحملة الانتخابية كان من مستشاريه: ديفيد آرون DAVID AARON، وهو من المشاركين في دراسات مؤسسة راند! ومن ذلك الكتاب الأخير: ” الجهاد بعباراتهم أو بأصواتهم ” (IN THEIR OWN WORDS Voices of jihad)، الذي تحدث فيه عن نقولات منسوبة لعدد من علماء الإسلام ودعاته من السابقين واللاحقين، ومنهم المجددان: أبو العباس ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب والشيخ حسن البنا وغيرهم. وليس المجال الآن للحديث عن هذا الكتاب الذي يضم عشرة فصول فيما يزيد على ثلاثمائة صفحة.
وإثر فوز أوباما في الانتخابات – وذكر أن ذلك قبل فوزه بساعتين!- اختار رام إسرائيل إيمانويل لشغل منصب كبير موظفي البيت الأبيض، وهو يشبه منصب رئيس الوزراء، بل إن من المحللين والمراقبين من يرون أنه أقوى تأثيراً من منصب نائب الرئيس! فهو ذو رأي مؤثر جداً في اختيار موظفي البيت الأبيض والوزارات المختلفة، بما في ذلك وزارة الخارجية، والمستشارين الخارجيين، يقول الباحث في الشؤون الأمريكية د.باسم خفاجي: ” إن من سيشغل هذا المنصب سيكون له تأثير فعلي في الإدارة الأمريكية القادمة، فهو من يشرف على جميع الأعمال والموظفين في البيت الأبيض، وهو من يحدد جدول الرئيس الأمريكي، وهو من يقرر من يقابل الرئيس، ومتى يقابله، وهو مسؤول عن إدارة المعلومات التي تصل للرئيس، أو تعرض عليه، وهو أيضاً حلقة الوصل بين الرئيس وبين الكونجرس الأمريكي، وغير ذلك من المهام الحساسة والمؤثرة، ويشار إليه عادة أنه أقرب منصب شبيه بمنصب رئاسة الوزراء في الدول التي تتبع ذلك النظام “.
وتابع ” العتيبي “: ورام إيمانويل: يهودي متدين، ولد لأم تحمل جنسية الكيان الصهيوني… بل إنه قد خدم كمتطوع مدني في (جيش الدفاع الإسرائيلي) عام 1991م، وأمضى في شبابه الكثير من عطلات الصيف في الكيان الصهيوني ليتعرف عليه عن قرب، وليجمع تاريخ الأسرة في مواجهة العرب في فلسطين، كما تذكر صحيفة نيويورك تايمز في مقال مطول عنه نشر في عام 1997م، أي منذ أكثر من 11 عاماً، وتنبأ المقال كذلك، أن هذا الرجل سيكون له مستقبل واعد في الحياة الأمريكية السياسية!
ويذكر أن من المهام التي اعتبرها تتويجاً لعمله في البيت الأبيض في مدة رئاسة كلينتون لارتباطها بالكيان الصهيوني، أنه كان المشرف العام على جميع ترتيبات الحفل الذي عقد في البيت الأبيض في عام 1993م لتوقيع اتفاقية أوسلو، وبقي عضواً في مجلس النواب منذ عام 2003م حتى توليه منصب كبير موظفي البيت الأبيض في الإدارة القادمة. وهو الوحيد بين الديمقراطيين من ولاية إلينوي الذي صوت لصالح الحرب على العراق، وخالف بذلك إجماع الفريق الديمقراطي للولاية في هذا القرار المهم. ومما جاء في ترجمته أنه معروف بعلاقة قوية باللوبي الصهيوني الأمريكي “إيباك”، وأنه هو من قام بنفسه بتعريف باراك أوباما بقيادات هذا اللوبي خلال الحملة الانتخابية. وعرف بأنه يلوم العرب على أنهم لا يحاربون استخدام الفلسطينيين للمقاومة، وأنه معروف بحدة طباعه، وجرأته في الحديث والتعبير عن آرائه، وقد أصدر مؤخراً كتاباً هاماً بعنوان ” الخطة: أفكار كبرى للولايات المتحدة الأمريكية”، وساهم بقوة في عودة التيار الديمقراطي إلى الفوز بالأغلبية في مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، وكان يعد الشخصية الرابعة في الترتيب القيادي للكونجرس الأمريكي الديمقراطي حتى اختياره للمنصب الجديد.
وأما تاريخ عائلته وعلاقتها بالصهاينة، وعلاقة والده بمنظمة صهيونية متطرفة وفق التصنيف البريطاني فيطول الحديث بذكره.
ولهذا قال د.باسم خفاجي: ” إن سيرته الذاتية، ومواقفه العامة لا تبشر بالاعتدال الذي يأمل فيه الكثير من العرب والمسلمين في الإدارة القادمة عند التعامل مع ملف الصراع حول فلسطين. التأثير الذي سيمارسه رام إيمانويل سيظهر سريعاً على المواقف السياسية الأمريكية من هذا الملف، ما لم يختر باراك أوباما شخصية قوية مقابلة لرام في منصب وزارة الخارجية الأمريكية، وهو ما سيعرف في القريب “.
وأما إذا ما أردنا النظر في القضية الثانية وهي موقف الحزب فربما كانت الصورة فيها أوضح، بسبب ماضي الحزب، ويكفي في هذا التذكير بماضي الحزب الديمقراطي بشأن فلسطين والعراق مثلاً، فسنجد أنه كان أقلّ حماسة من المحافظين الجدد، لكنه لا ينفك عن التزامات الولايات المتحدة تجاه الكيان الصهيوني التي بدأت واضحة، وكانت صريحة منذ لحظة الاعتراف به بُعَيد إعلان الكيان بمقدار وصول صوت الأثير من فلسطين المحتلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية فقط! حتى لا يتم الاعتراف قبل الإعلان كناحية شكلية!
أليس الحزب الديمقراطي هو الذي كانت حكومته تحتج على أعمال المقاومة وتصمت عن أعمال الصهاينة، وتشدد الحصار على العراق حتى مات بسبب حصارها مئات الآلاف من أطفال العراق… وهل نسينا مَن ضرب مصنع الشفاء للأدوية في السودان رداً على ضرب سفارتي بلاده في نيروبي ودار السلام؟!
لعل في هذه الإشارات ما يكفي لتذكر ذلك الماضي.

وأضاف د.جميل اللويحق عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بذات النقطة: من المعلوم أن الخطوط العامة في السياسة الأمريكية لا تتغير بتغير القادة السياسيين، سواء كانوا من الديمقراطيين وهم الأكثر هدوءاً في العادة أو من الجمهوريين, وأن لها أجندة شبه معلنة وخصوصاً فيما يخص المنطقة والحالة الإسلامية عموماً, وعطفاً على هذه المسلمة المعروفة فلا أظن أن من المنطق والحكمة في شيء التعويل على ظنون أو إشارات تغيير تصدر من هنا وهناك.
ومع ذلك فالمتوقع أن يحدث بعض التغيير البطيء في جانب السياسات التي تحقق تلك الخطوط العامة، فربما تأخر قليلاً مبدأ استخدام القوة العسكرية المباشرة في المرحلة الحالية عطفاً على الإرث المزعج الذي خلفته الإدارة السابقة وعلى بروز المشكلة المالية، ولن تجد الإدارة الحالية حرجاً في ذلك باعتبار أن التغيير السياسي الجديد سيكون غطاءً مناسباً لمثل هذا الترتيب.
وشخصياً أعتقد أن المرحلة القادمة ستشهد انحساراً في التجاوز الأمريكي على العالم لضخامة الأعباء الداخلية بالدرجة الأولى، ولكون العالم اليوم يشهد نفرة هائلة من العم الأمريكي بسبب حماقاته السابقة, وفي الوقت نفسه سيبقى القلق الأمريكي وشماعة الإرهاب حاضرة في التعاطي مع الحالة الإسلامية ما دامت الملفات الساخنة في العالم الإسلامي لا تزال مفتوحة, وردود الأفعال المتعلقة بها واردة وفي مقدمتها الملف الفلسطيني الذي لم تتأخر الإدارة الجديدة في الإعلان عن رؤيتها له من خلال إعلانها الانحياز التام للطرف الإسرائيلي المظلوم والذي تمثل حمايته سياسةً أمريكيةً دائمةً يورثها السابق للاحق، وإعلان ذلك كان دائماً أحد أعمدة الحملة الانتخابية لكلا المرشحين, والذي كان مصداقه العاجل تعيين كبير موظفي البيت الأبيض من رؤوس الإسرائيليين في واشنطن. وينضاف إلى ذلك الملف العراقي، والأفغاني.

الصراع مع الصهيونية

كاتب الموضوع الأصلي: محمدالنشوان

” مستقبل العلاقات الإسلامية الأمريكية في ظل الرئاسة الجديدة “

مرفت عبدالجبار

د. سعد العتيبي: ” هذا الرجل سيرته الذاتية ومواقفه لا تبشر بالاعتدال الذي يأمل فيه الكثير من العرب والمسلمين “
د اللويحق: ” سيبقى القلق الأمريكي وشماعة الإرهاب حاضرة ما دامت الملفات الساخنة في العالم الإسلامي مفتوحة “

مرفت عبدالجبار – جدة

عبّر كثير من مفكري الأمة الإسلامية عن توقعاتهم وآمالهم في العلاقات الأمريكية الإسلامية في ظل الرئاسة الأمريكية الجديدة لباراك أوباما، وذلك عبر الصحف ومواقع الإنترنت واللقاءات التلفزيونية، آخذين بعين الاعتبار العلاقات القديمة التي ربطتهما في عهد من تعاقبوا على الرئاسة الأمريكية، حيث أجمع الأغلب أنه لم يكن هناك جديد يذكر على صعيد العلاقات مع الشرق الأوسط، وعلى صفحتنا هذه نناقش التغيير الذي نادى به أوباما، هل سينعكس فعلياً على العلاقات تجاه الشرق الأوسط؟ وبخاصة أنه وعد بسحب الجيش الأمريكي من العراق والنظر في القضية الفلسطينية.
بداية مع د.سعد العتيبي، عضو هيئة التدريس بقسم السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث أجاب قائلاً:
إذا ما نُظر إلى الشعار الذي صوت له الناس ممن رشحوا أوباما من الناخبين الأمريكيين، سنجد أنه شعار: التغيير؛ وهذا يعني أن الناس قد ملّت حياتها في الولايات المتحدة، وأنهم سئموا قيادة المحافظين الجدد لهم، تلك القيادة التي استمرت قرابة عقد من الزمن، ولا سيما بعد إفرازاتها النتنة، في داخل الولايات المتحدة وخارجها بدءاً بالحروب، وانتهاء بالمعضلة الاقتصادية؛ ولهذا وجدنا اتجاهاً عالمياً يتمنى سقوط ماكين بوصفه امتداداً للمحافظين الجدد، ويود فوز أوباما نكاية بهم، وظناً منه أنه لن يكون – مهما كان – أكثر سوءا من ولايتي بوش ونائبه – وإن شئتم أستاذه – ديك تشيني.
ولكن هذه المشاعر إن عبرت عن رفض الأمريكيين في الولايات المتحدة جميعها لواقع طالما نادى به المتأمركون في عالمنا العربي والإسلامي؛ فإنَّ توقع حقيقة التغيير، واستشراف مستقبل السياسة الأمريكية فيما يتعلق بقضايانا في الشرق الأوسط فلسطين والعراق أو غيرهما، لا يمكن الركون فيه إلى تلك المشاعر، وإنما ينبغي أن يستشرف من خلال آلية نظام الحكم الأمريكي، وحقيقة الشخصيات التي تديره، ومواقفها السياسية المسبقة من قضايانا، وأقدمها وأعقدها قضية فلسطين المحتلة.
وإذا ما عدنا إلى صلاحيات الرئيس الأمريكي في الشأن الخارجي – الذي يهم العالم الإسلامي – فإنها بمقتضى المادة الثانية من الدستور الأمريكي تتمثل في: رسم السياسة الخارجية والإشراف على تنفيذها، فهو المسؤول الأول عن تنظيم العلائق الخارجية كإجراء المفاوضات، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات، والاعتراف بالدول، وتعيين الدبلوماسيين، لكن النظام السياسي الأمريكي يجعل من رئيس الدولة رئيسا فعليا للسلطة التنفيذية بخلاف أنظمة الحكم البرلمانية؛ ولذلك لا بد أن يعتمد على وجود جهاز تنفيذي، وهذا الجهاز هو الذي يقوم بوظيفة مؤثرة جداً في قيادة الدولة، ومن خلالها يتحول النظام المؤسسي الأمريكي إلى نظام تديره نخبة من الشخصيات التي غالباً ما تكون ذات تأثير بالغ في توجيه الدولة، ويتحول فيها الرئيس إلى ما يشبه الرمز، بينما تتحول بقية المؤسسات التقنينية إلى ميدان للشد والجذب في إطار يتحكم في مساره في الغالب الجهاز التنفيذي للرئيس، وبمعنى آخر: فإن الولايات المتحدة وإن كانت دولة مؤسسات في الظاهر إلا أنها تدار في حقيقة الأمر من خلال الشخصيات ذات النفوذ في الجهاز التنفيذي للرئيس، فحكومتها الحقيقية حكومة خفية…
كما أن الرئيس الأمريكي هنا مرشح حزب؛ وهذا يعني أن تصرفاته يجب ألاّ تخرج عن سياسة الحزب؛ فأوباما مرشح الحزب الديمقراطي، وليس مرشحاً مستقلاً.
ومن هنا فإن من المهم جداً أن لا نقرأ مستقبل السياسة الأمريكية من خلال شخصية الرئيس مهما كانت معتدلة الطبع، فإن اعتدالها يتحول في أحسن حالاته إلى طريقة التعامل لا إلى حقيقة السياسة، وبمعنى آخر: قد يكون أكثر دبلوماسية.
وبناء على ما سبق فإن استشراف مستقبل العلاقة الأمريكية الإسلامية يعتمد في قراءة الموقف الأمريكي في رئاسة أوباما قراءة عامة، على فهم قضيتين:
الأولى: الشخصيات المتنفّذة في الجهاز التنفيذي لأوباما بصفته رئيساً.
والثانية: موقف الحزب الديمقراطي من القضايا التي يراد استشراف مستقبل سياسة أوباما فيها.
وإذا ما أردنا النظر في القضية الأولى من خلال ما أمكن الوقوف عليه من معلومات معلنة، فسنجد ما يلي:
في وقت الحملة الانتخابية كان من مستشاريه: ديفيد آرون DAVID AARON، وهو من المشاركين في دراسات مؤسسة راند! ومن ذلك الكتاب الأخير: ” الجهاد بعباراتهم أو بأصواتهم ” (IN THEIR OWN WORDS Voices of jihad)، الذي تحدث فيه عن نقولات منسوبة لعدد من علماء الإسلام ودعاته من السابقين واللاحقين، ومنهم المجددان: أبو العباس ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب والشيخ حسن البنا وغيرهم. وليس المجال الآن للحديث عن هذا الكتاب الذي يضم عشرة فصول فيما يزيد على ثلاثمائة صفحة.
وإثر فوز أوباما في الانتخابات – وذكر أن ذلك قبل فوزه بساعتين!- اختار رام إسرائيل إيمانويل لشغل منصب كبير موظفي البيت الأبيض، وهو يشبه منصب رئيس الوزراء، بل إن من المحللين والمراقبين من يرون أنه أقوى تأثيراً من منصب نائب الرئيس! فهو ذو رأي مؤثر جداً في اختيار موظفي البيت الأبيض والوزارات المختلفة، بما في ذلك وزارة الخارجية، والمستشارين الخارجيين، يقول الباحث في الشؤون الأمريكية د.باسم خفاجي: ” إن من سيشغل هذا المنصب سيكون له تأثير فعلي في الإدارة الأمريكية القادمة، فهو من يشرف على جميع الأعمال والموظفين في البيت الأبيض، وهو من يحدد جدول الرئيس الأمريكي، وهو من يقرر من يقابل الرئيس، ومتى يقابله، وهو مسؤول عن إدارة المعلومات التي تصل للرئيس، أو تعرض عليه، وهو أيضاً حلقة الوصل بين الرئيس وبين الكونجرس الأمريكي، وغير ذلك من المهام الحساسة والمؤثرة، ويشار إليه عادة أنه أقرب منصب شبيه بمنصب رئاسة الوزراء في الدول التي تتبع ذلك النظام “.
وتابع ” العتيبي “: ورام إيمانويل: يهودي متدين، ولد لأم تحمل جنسية الكيان الصهيوني… بل إنه قد خدم كمتطوع مدني في (جيش الدفاع الإسرائيلي) عام 1991م، وأمضى في شبابه الكثير من عطلات الصيف في الكيان الصهيوني ليتعرف عليه عن قرب، وليجمع تاريخ الأسرة في مواجهة العرب في فلسطين، كما تذكر صحيفة نيويورك تايمز في مقال مطول عنه نشر في عام 1997م، أي منذ أكثر من 11 عاماً، وتنبأ المقال كذلك، أن هذا الرجل سيكون له مستقبل واعد في الحياة الأمريكية السياسية!
ويذكر أن من المهام التي اعتبرها تتويجاً لعمله في البيت الأبيض في مدة رئاسة كلينتون لارتباطها بالكيان الصهيوني، أنه كان المشرف العام على جميع ترتيبات الحفل الذي عقد في البيت الأبيض في عام 1993م لتوقيع اتفاقية أوسلو، وبقي عضواً في مجلس النواب منذ عام 2003م حتى توليه منصب كبير موظفي البيت الأبيض في الإدارة القادمة. وهو الوحيد بين الديمقراطيين من ولاية إلينوي الذي صوت لصالح الحرب على العراق، وخالف بذلك إجماع الفريق الديمقراطي للولاية في هذا القرار المهم. ومما جاء في ترجمته أنه معروف بعلاقة قوية باللوبي الصهيوني الأمريكي “إيباك”، وأنه هو من قام بنفسه بتعريف باراك أوباما بقيادات هذا اللوبي خلال الحملة الانتخابية. وعرف بأنه يلوم العرب على أنهم لا يحاربون استخدام الفلسطينيين للمقاومة، وأنه معروف بحدة طباعه، وجرأته في الحديث والتعبير عن آرائه، وقد أصدر مؤخراً كتاباً هاماً بعنوان ” الخطة: أفكار كبرى للولايات المتحدة الأمريكية”، وساهم بقوة في عودة التيار الديمقراطي إلى الفوز بالأغلبية في مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، وكان يعد الشخصية الرابعة في الترتيب القيادي للكونجرس الأمريكي الديمقراطي حتى اختياره للمنصب الجديد.
وأما تاريخ عائلته وعلاقتها بالصهاينة، وعلاقة والده بمنظمة صهيونية متطرفة وفق التصنيف البريطاني فيطول الحديث بذكره.
ولهذا قال د.باسم خفاجي: ” إن سيرته الذاتية، ومواقفه العامة لا تبشر بالاعتدال الذي يأمل فيه الكثير من العرب والمسلمين في الإدارة القادمة عند التعامل مع ملف الصراع حول فلسطين. التأثير الذي سيمارسه رام إيمانويل سيظهر سريعاً على المواقف السياسية الأمريكية من هذا الملف، ما لم يختر باراك أوباما شخصية قوية مقابلة لرام في منصب وزارة الخارجية الأمريكية، وهو ما سيعرف في القريب “.
وأما إذا ما أردنا النظر في القضية الثانية وهي موقف الحزب فربما كانت الصورة فيها أوضح، بسبب ماضي الحزب، ويكفي في هذا التذكير بماضي الحزب الديمقراطي بشأن فلسطين والعراق مثلاً، فسنجد أنه كان أقلّ حماسة من المحافظين الجدد، لكنه لا ينفك عن التزامات الولايات المتحدة تجاه الكيان الصهيوني التي بدأت واضحة، وكانت صريحة منذ لحظة الاعتراف به بُعَيد إعلان الكيان بمقدار وصول صوت الأثير من فلسطين المحتلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية فقط! حتى لا يتم الاعتراف قبل الإعلان كناحية شكلية!
أليس الحزب الديمقراطي هو الذي كانت حكومته تحتج على أعمال المقاومة وتصمت عن أعمال الصهاينة، وتشدد الحصار على العراق حتى مات بسبب حصارها مئات الآلاف من أطفال العراق… وهل نسينا مَن ضرب مصنع الشفاء للأدوية في السودان رداً على ضرب سفارتي بلاده في نيروبي ودار السلام؟!
لعل في هذه الإشارات ما يكفي لتذكر ذلك الماضي.

وأضاف د.جميل اللويحق عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بذات النقطة: من المعلوم أن الخطوط العامة في السياسة الأمريكية لا تتغير بتغير القادة السياسيين، سواء كانوا من الديمقراطيين وهم الأكثر هدوءاً في العادة أو من الجمهوريين, وأن لها أجندة شبه معلنة وخصوصاً فيما يخص المنطقة والحالة الإسلامية عموماً, وعطفاً على هذه المسلمة المعروفة فلا أظن أن من المنطق والحكمة في شيء التعويل على ظنون أو إشارات تغيير تصدر من هنا وهناك.
ومع ذلك فالمتوقع أن يحدث بعض التغيير البطيء في جانب السياسات التي تحقق تلك الخطوط العامة، فربما تأخر قليلاً مبدأ استخدام القوة العسكرية المباشرة في المرحلة الحالية عطفاً على الإرث المزعج الذي خلفته الإدارة السابقة وعلى بروز المشكلة المالية، ولن تجد الإدارة الحالية حرجاً في ذلك باعتبار أن التغيير السياسي الجديد سيكون غطاءً مناسباً لمثل هذا الترتيب.
وشخصياً أعتقد أن المرحلة القادمة ستشهد انحساراً في التجاوز الأمريكي على العالم لضخامة الأعباء الداخلية بالدرجة الأولى، ولكون العالم اليوم يشهد نفرة هائلة من العم الأمريكي بسبب حماقاته السابقة, وفي الوقت نفسه سيبقى القلق الأمريكي وشماعة الإرهاب حاضرة في التعاطي مع الحالة الإسلامية ما دامت الملفات الساخنة في العالم الإسلامي لا تزال مفتوحة, وردود الأفعال المتعلقة بها واردة وفي مقدمتها الملف الفلسطيني الذي لم تتأخر الإدارة الجديدة في الإعلان عن رؤيتها له من خلال إعلانها الانحياز التام للطرف الإسرائيلي المظلوم والذي تمثل حمايته سياسةً أمريكيةً دائمةً يورثها السابق للاحق، وإعلان ذلك كان دائماً أحد أعمدة الحملة الانتخابية لكلا المرشحين, والذي كان مصداقه العاجل تعيين كبير موظفي البيت الأبيض من رؤوس الإسرائيليين في واشنطن. وينضاف إلى ذلك الملف العراقي، والأفغاني.

فلسفه سقــراط ..

كاتب الموضوع الأصلي: امل السحالي 1

تمثل الحقبة التي عاش فيها سقراط نهاية المرحلة الثانية من تطور الفلسفة اليونانية وإنتهاء عصر السوفسطائيين؛ وقد افتتح سقراط بفلسفته مرحلة جديدة في ازدهار الفلسفة اليونانية، ومهَّد لتلميذه أفلاطون تطوير هذه الفلسفة الى مجالات واسعة، انتهت إلى ذروتها على يد تلميذ الأخير أرسطو.

حياته (469-399 ق.م):

سقراط بن سفرنيقوس، ولد في أثينا حـوالي469 ق. م، كـان والـده يشـتغل فـي صـناعة التماثيل، اشتغل سقراط في صباه بصناعة والده، ثم توجه إلـى الفكـر الذي أغرم به، واشتغل بالجدل والحوار، وإثارة المشاكل الفكرية، والشكوك في نفـوس الناس حول القضايا التي أثارها السوفسطائيون.

وقد كان سقراط حكيمًا، امتاز بسرعة الفهم وحدة الذهن، وحضور البديهة والبراعة في إخفاء سخريته، وطبع بمزيج غريب من الـتحكم فـي الـنفس، والمهـارة والحماس وبراعته في المناقشات، والدقة في كشف خداع الناس له.

ولقد ذاع صيت سقراط، واشتهر أمره في زمانه، ورغم ذلك تألَّب الناس عليه لأنه نهى الرؤساء في زمانه عن الشرك وعبادة الأوثان، فاتهموه بالإلحـاد وإنكـار آلهـة اليونان، والدعوة إلى آلهة جدد، وإفساد عقول الشباب، نتيجة ذلك قُدِّم للمحاكمة؛ فحكـم عليه بالإعدام بسقايته سم الشوكران، مات وعمـره سبعين سـنة 399 ق.م.

فلسفة سقراط:

تدور فلسفة سقراط حول موضوع واحد هو الإنسان، وإذا ما تناولـت الكـون الطبيعي وموجوداته الحسية وظواهره؛ فإنما لكونها مركز الإنسان وبيئته، ومكان نشأته ونموه، ويمكن القول بأن الأساسين الكبيرين لكل آرائه هما:

1- اعتقاده بوجود الحقيقة، وبإمكان معرفتها.

2- ربطه العمل بالعلم، أي جعله المعرفة أساسًا للسلوك.

والذي يهمنا من فلسفة سقراط أمران، وهما اللذان يمثلان الصورة المتباينة عن فلسفة السوفسطائيين[1]:

الأول: تحديده لمنهج المعرفة لما يترتب عليه من تحول كبيـر فـي موضـوع الفلسـفة ومنهجها في تاريخ الفكر اليوناني.

الثاني: تحديده لمفهوم الفضيلة لما يترتب عليها من وجهة نظره الأخلاقية.

أولًا: المعرفة:

كان السوفسطائيون يرون أن المعرفة مقصورة على الإحسـاس، وهـي لـذلك تختلف باختلاف الأشخاص، فما يراه الشخص حقًا فهو عنده حـق، وإن رآه الآخـرون بخلافه، لأن الإحساسات تختلف باختلاف الناس.

فلما جاء سقراط أنكر قولهم في المعرفة، وأثبت أن العلم إنما هو في المدركات العقلية، وأن المعرفة تتكون من حقائق كلية، يستخلصـها العقـل لا الحـواس مـن الجزئيات المتغيرة، ولما كان العقل عنصًرا مشتركاً؛ لزم أن تكون الحقيقة عنـد شـخص معين هي نفسها الحقيقة عند شخص آخر، وهكذا.

ثانيًا: الفضيلة:

قال سقراط أن الفضيلة أمر بديهي في أساس تكوين الإنسان، لكن الإنسان حين يخطـيء معاينة الفضيلة يظن الباطل حقًا والشر فضيلة؛ لهذا فإن الحقيقة التي يراها سقراط أنه على الناس إعادة فحص ما هم متيقنون من معرفته.

وذهب سـقراط إلـى الربط بين الفضيلة والمعرفة، فالإنسان الذي يرغب أن يكون فاضلًا فلا بـد أن يكـون عارفًا، وبمقدار ما يتحصل المرء من المعرفة؛ معرفة عن نفسه وما تشتمل عليـه مـن مَلَكات وقوى، ومعرفة عن الكون؛ بمقدار ما يكون المرء فاضلًا.

وذلك لأن معرفة الخير ستدفع إلى فعله، ومعرفة الشر تحض المرء على تركه، والإنسان يبتعد عن فعل الخير ويسـلك الشر لأنه جاهل بالخير والشر.

ويرى سقراط أن الإنسان روح وعقل يُسيِّر الجسم ويدبره، ولـيس مركبـًا مـن الهوى والشهوة كما ذهب السوفسطائيون، وذهب إلى أن القوانين العادلة لا مصدر لها إلا العقل، وهي متفقة مع القوانين غير المكتوبة التي رسمتها الآلهة في قلوب البشر، فمـن يحترم القوانين العادلة إنما هو في الواقع يحترم العقل والنظام الإلهي.

بحثه فيما وراء الطبيعة:

بحث سقراط فيما وراء الطبيعة، فذهب إلى أن النفس ليست مجرد مبدأ الحيـاة، بل هي أهم من ذلك، هي” الذات الأخلاقية”، وقال بخلود النفس، وأقام الأدلة على وجـود الإله، وهو في نظره إله خير لا يدركه العقل، ولا يحيط به الوصف، ولا يصـدر عنه إلا كل صلاح، ولا يشبه الحوادث في قول أو فعل، وأنه واحد لا يتغير ولا يتبدل، والواجب على الإنسان أن يطيع أوامره مهما كلفه من مشقة وتعب[2].

وكان سقراط يتحدث كثيرًا عن “الإله “المفرد أو عن الألوهية، مخالفًا ما يتحـدث به الآخرون بلفظ الجمع” الآلهة”، وكان ينهى عن عبادة الأصنام، وشدد في نهيـه علـى الملك، وقال له: ( إن عبادة الأصنام نافعة للملك ضارة لسقراط، لأن الملك يصلح بها رعيته ويستخرج بها خراجه، وسقراط يعلم أنها لا تضره، ولا تنفعه، إذا كان مُقرًّا بأن له خالقًا يرزقه، وجازيه بما قدم من سيئ أو حسن )[3].

منهجه في البحث والتفكير:

ابتدع سقراط منهجًا جديدًا في التفكير والمحاورة يقوم على أمرين:

-1 التهكم: بناه على تصنُّع الجهـل، والتظـاهر بالتسـليم لوجهـة نظـر الخصوم، ثم الانتقال إلى إثارة الشكوك حولها، ثم يستخلص من آراء الخصوم لوازم لا يستطيعون الالتزام بها، لكونها متناقضة مع آرائهم ومعتقداتهم، وبذلك يوقعهم فـي الحرج والتناقض، وكان قصد سقراط من هذا تنقية أذهان النـاس مـن المعلومـات الفاسدة، وتطهيرها من القضايا الكاذبة والمعارف الخاطئـة التـي ورثوهـا عـن السوفسطائيين.

-2التولد: أي تولد الحقيقة من نفوس الخصوم، من خلال استنباطها عن طريق توجيـه الأسئلة إليهم في نسق منطقي وترتيب فكري، ولم يكن حـواره ينتهـي إلـى نتيجـة معينة، وإنما كان القصد منه تنبيه الأذهان إلى ضرورة التزام الدقة في اختيـار الألفـاظ، وإلى أن المعاني موجودة في النفس، ولا سبيل إلى استخراجها إلا بالحوار.

مستقبل العلاقات

كاتب الموضوع الأصلي: محمدالنشوان

” مستقبل العلاقات الإسلامية الأمريكية في ظل الرئاسة الجديدة “

مرفت عبدالجبار

د. سعد العتيبي: ” هذا الرجل سيرته الذاتية ومواقفه لا تبشر بالاعتدال الذي يأمل فيه الكثير من العرب والمسلمين “
د اللويحق: ” سيبقى القلق الأمريكي وشماعة الإرهاب حاضرة ما دامت الملفات الساخنة في العالم الإسلامي مفتوحة “

مرفت عبدالجبار – جدة

عبّر كثير من مفكري الأمة الإسلامية عن توقعاتهم وآمالهم في العلاقات الأمريكية الإسلامية في ظل الرئاسة الأمريكية الجديدة لباراك أوباما، وذلك عبر الصحف ومواقع الإنترنت واللقاءات التلفزيونية، آخذين بعين الاعتبار العلاقات القديمة التي ربطتهما في عهد من تعاقبوا على الرئاسة الأمريكية، حيث أجمع الأغلب أنه لم يكن هناك جديد يذكر على صعيد العلاقات مع الشرق الأوسط، وعلى صفحتنا هذه نناقش التغيير الذي نادى به أوباما، هل سينعكس فعلياً على العلاقات تجاه الشرق الأوسط؟ وبخاصة أنه وعد بسحب الجيش الأمريكي من العراق والنظر في القضية الفلسطينية.
بداية مع د.سعد العتيبي، عضو هيئة التدريس بقسم السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث أجاب قائلاً:
إذا ما نُظر إلى الشعار الذي صوت له الناس ممن رشحوا أوباما من الناخبين الأمريكيين، سنجد أنه شعار: التغيير؛ وهذا يعني أن الناس قد ملّت حياتها في الولايات المتحدة، وأنهم سئموا قيادة المحافظين الجدد لهم، تلك القيادة التي استمرت قرابة عقد من الزمن، ولا سيما بعد إفرازاتها النتنة، في داخل الولايات المتحدة وخارجها بدءاً بالحروب، وانتهاء بالمعضلة الاقتصادية؛ ولهذا وجدنا اتجاهاً عالمياً يتمنى سقوط ماكين بوصفه امتداداً للمحافظين الجدد، ويود فوز أوباما نكاية بهم، وظناً منه أنه لن يكون – مهما كان – أكثر سوءا من ولايتي بوش ونائبه – وإن شئتم أستاذه – ديك تشيني.
ولكن هذه المشاعر إن عبرت عن رفض الأمريكيين في الولايات المتحدة جميعها لواقع طالما نادى به المتأمركون في عالمنا العربي والإسلامي؛ فإنَّ توقع حقيقة التغيير، واستشراف مستقبل السياسة الأمريكية فيما يتعلق بقضايانا في الشرق الأوسط فلسطين والعراق أو غيرهما، لا يمكن الركون فيه إلى تلك المشاعر، وإنما ينبغي أن يستشرف من خلال آلية نظام الحكم الأمريكي، وحقيقة الشخصيات التي تديره، ومواقفها السياسية المسبقة من قضايانا، وأقدمها وأعقدها قضية فلسطين المحتلة.
وإذا ما عدنا إلى صلاحيات الرئيس الأمريكي في الشأن الخارجي – الذي يهم العالم الإسلامي – فإنها بمقتضى المادة الثانية من الدستور الأمريكي تتمثل في: رسم السياسة الخارجية والإشراف على تنفيذها، فهو المسؤول الأول عن تنظيم العلائق الخارجية كإجراء المفاوضات، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات، والاعتراف بالدول، وتعيين الدبلوماسيين، لكن النظام السياسي الأمريكي يجعل من رئيس الدولة رئيسا فعليا للسلطة التنفيذية بخلاف أنظمة الحكم البرلمانية؛ ولذلك لا بد أن يعتمد على وجود جهاز تنفيذي، وهذا الجهاز هو الذي يقوم بوظيفة مؤثرة جداً في قيادة الدولة، ومن خلالها يتحول النظام المؤسسي الأمريكي إلى نظام تديره نخبة من الشخصيات التي غالباً ما تكون ذات تأثير بالغ في توجيه الدولة، ويتحول فيها الرئيس إلى ما يشبه الرمز، بينما تتحول بقية المؤسسات التقنينية إلى ميدان للشد والجذب في إطار يتحكم في مساره في الغالب الجهاز التنفيذي للرئيس، وبمعنى آخر: فإن الولايات المتحدة وإن كانت دولة مؤسسات في الظاهر إلا أنها تدار في حقيقة الأمر من خلال الشخصيات ذات النفوذ في الجهاز التنفيذي للرئيس، فحكومتها الحقيقية حكومة خفية…
كما أن الرئيس الأمريكي هنا مرشح حزب؛ وهذا يعني أن تصرفاته يجب ألاّ تخرج عن سياسة الحزب؛ فأوباما مرشح الحزب الديمقراطي، وليس مرشحاً مستقلاً.
ومن هنا فإن من المهم جداً أن لا نقرأ مستقبل السياسة الأمريكية من خلال شخصية الرئيس مهما كانت معتدلة الطبع، فإن اعتدالها يتحول في أحسن حالاته إلى طريقة التعامل لا إلى حقيقة السياسة، وبمعنى آخر: قد يكون أكثر دبلوماسية.
وبناء على ما سبق فإن استشراف مستقبل العلاقة الأمريكية الإسلامية يعتمد في قراءة الموقف الأمريكي في رئاسة أوباما قراءة عامة، على فهم قضيتين:
الأولى: الشخصيات المتنفّذة في الجهاز التنفيذي لأوباما بصفته رئيساً.
والثانية: موقف الحزب الديمقراطي من القضايا التي يراد استشراف مستقبل سياسة أوباما فيها.
وإذا ما أردنا النظر في القضية الأولى من خلال ما أمكن الوقوف عليه من معلومات معلنة، فسنجد ما يلي:
في وقت الحملة الانتخابية كان من مستشاريه: ديفيد آرون DAVID AARON، وهو من المشاركين في دراسات مؤسسة راند! ومن ذلك الكتاب الأخير: ” الجهاد بعباراتهم أو بأصواتهم ” (IN THEIR OWN WORDS Voices of jihad)، الذي تحدث فيه عن نقولات منسوبة لعدد من علماء الإسلام ودعاته من السابقين واللاحقين، ومنهم المجددان: أبو العباس ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب والشيخ حسن البنا وغيرهم. وليس المجال الآن للحديث عن هذا الكتاب الذي يضم عشرة فصول فيما يزيد على ثلاثمائة صفحة.
وإثر فوز أوباما في الانتخابات – وذكر أن ذلك قبل فوزه بساعتين!- اختار رام إسرائيل إيمانويل لشغل منصب كبير موظفي البيت الأبيض، وهو يشبه منصب رئيس الوزراء، بل إن من المحللين والمراقبين من يرون أنه أقوى تأثيراً من منصب نائب الرئيس! فهو ذو رأي مؤثر جداً في اختيار موظفي البيت الأبيض والوزارات المختلفة، بما في ذلك وزارة الخارجية، والمستشارين الخارجيين، يقول الباحث في الشؤون الأمريكية د.باسم خفاجي: ” إن من سيشغل هذا المنصب سيكون له تأثير فعلي في الإدارة الأمريكية القادمة، فهو من يشرف على جميع الأعمال والموظفين في البيت الأبيض، وهو من يحدد جدول الرئيس الأمريكي، وهو من يقرر من يقابل الرئيس، ومتى يقابله، وهو مسؤول عن إدارة المعلومات التي تصل للرئيس، أو تعرض عليه، وهو أيضاً حلقة الوصل بين الرئيس وبين الكونجرس الأمريكي، وغير ذلك من المهام الحساسة والمؤثرة، ويشار إليه عادة أنه أقرب منصب شبيه بمنصب رئاسة الوزراء في الدول التي تتبع ذلك النظام “.
وتابع ” العتيبي “: ورام إيمانويل: يهودي متدين، ولد لأم تحمل جنسية الكيان الصهيوني… بل إنه قد خدم كمتطوع مدني في (جيش الدفاع الإسرائيلي) عام 1991م، وأمضى في شبابه الكثير من عطلات الصيف في الكيان الصهيوني ليتعرف عليه عن قرب، وليجمع تاريخ الأسرة في مواجهة العرب في فلسطين، كما تذكر صحيفة نيويورك تايمز في مقال مطول عنه نشر في عام 1997م، أي منذ أكثر من 11 عاماً، وتنبأ المقال كذلك، أن هذا الرجل سيكون له مستقبل واعد في الحياة الأمريكية السياسية!
ويذكر أن من المهام التي اعتبرها تتويجاً لعمله في البيت الأبيض في مدة رئاسة كلينتون لارتباطها بالكيان الصهيوني، أنه كان المشرف العام على جميع ترتيبات الحفل الذي عقد في البيت الأبيض في عام 1993م لتوقيع اتفاقية أوسلو، وبقي عضواً في مجلس النواب منذ عام 2003م حتى توليه منصب كبير موظفي البيت الأبيض في الإدارة القادمة. وهو الوحيد بين الديمقراطيين من ولاية إلينوي الذي صوت لصالح الحرب على العراق، وخالف بذلك إجماع الفريق الديمقراطي للولاية في هذا القرار المهم. ومما جاء في ترجمته أنه معروف بعلاقة قوية باللوبي الصهيوني الأمريكي “إيباك”، وأنه هو من قام بنفسه بتعريف باراك أوباما بقيادات هذا اللوبي خلال الحملة الانتخابية. وعرف بأنه يلوم العرب على أنهم لا يحاربون استخدام الفلسطينيين للمقاومة، وأنه معروف بحدة طباعه، وجرأته في الحديث والتعبير عن آرائه، وقد أصدر مؤخراً كتاباً هاماً بعنوان ” الخطة: أفكار كبرى للولايات المتحدة الأمريكية”، وساهم بقوة في عودة التيار الديمقراطي إلى الفوز بالأغلبية في مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، وكان يعد الشخصية الرابعة في الترتيب القيادي للكونجرس الأمريكي الديمقراطي حتى اختياره للمنصب الجديد.
وأما تاريخ عائلته وعلاقتها بالصهاينة، وعلاقة والده بمنظمة صهيونية متطرفة وفق التصنيف البريطاني فيطول الحديث بذكره.
ولهذا قال د.باسم خفاجي: ” إن سيرته الذاتية، ومواقفه العامة لا تبشر بالاعتدال الذي يأمل فيه الكثير من العرب والمسلمين في الإدارة القادمة عند التعامل مع ملف الصراع حول فلسطين. التأثير الذي سيمارسه رام إيمانويل سيظهر سريعاً على المواقف السياسية الأمريكية من هذا الملف، ما لم يختر باراك أوباما شخصية قوية مقابلة لرام في منصب وزارة الخارجية الأمريكية، وهو ما سيعرف في القريب “.
وأما إذا ما أردنا النظر في القضية الثانية وهي موقف الحزب فربما كانت الصورة فيها أوضح، بسبب ماضي الحزب، ويكفي في هذا التذكير بماضي الحزب الديمقراطي بشأن فلسطين والعراق مثلاً، فسنجد أنه كان أقلّ حماسة من المحافظين الجدد، لكنه لا ينفك عن التزامات الولايات المتحدة تجاه الكيان الصهيوني التي بدأت واضحة، وكانت صريحة منذ لحظة الاعتراف به بُعَيد إعلان الكيان بمقدار وصول صوت الأثير من فلسطين المحتلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية فقط! حتى لا يتم الاعتراف قبل الإعلان كناحية شكلية!
أليس الحزب الديمقراطي هو الذي كانت حكومته تحتج على أعمال المقاومة وتصمت عن أعمال الصهاينة، وتشدد الحصار على العراق حتى مات بسبب حصارها مئات الآلاف من أطفال العراق… وهل نسينا مَن ضرب مصنع الشفاء للأدوية في السودان رداً على ضرب سفارتي بلاده في نيروبي ودار السلام؟!
لعل في هذه الإشارات ما يكفي لتذكر ذلك الماضي.

وأضاف د.جميل اللويحق عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بذات النقطة: من المعلوم أن الخطوط العامة في السياسة الأمريكية لا تتغير بتغير القادة السياسيين، سواء كانوا من الديمقراطيين وهم الأكثر هدوءاً في العادة أو من الجمهوريين, وأن لها أجندة شبه معلنة وخصوصاً فيما يخص المنطقة والحالة الإسلامية عموماً, وعطفاً على هذه المسلمة المعروفة فلا أظن أن من المنطق والحكمة في شيء التعويل على ظنون أو إشارات تغيير تصدر من هنا وهناك.
ومع ذلك فالمتوقع أن يحدث بعض التغيير البطيء في جانب السياسات التي تحقق تلك الخطوط العامة، فربما تأخر قليلاً مبدأ استخدام القوة العسكرية المباشرة في المرحلة الحالية عطفاً على الإرث المزعج الذي خلفته الإدارة السابقة وعلى بروز المشكلة المالية، ولن تجد الإدارة الحالية حرجاً في ذلك باعتبار أن التغيير السياسي الجديد سيكون غطاءً مناسباً لمثل هذا الترتيب.
وشخصياً أعتقد أن المرحلة القادمة ستشهد انحساراً في التجاوز الأمريكي على العالم لضخامة الأعباء الداخلية بالدرجة الأولى، ولكون العالم اليوم يشهد نفرة هائلة من العم الأمريكي بسبب حماقاته السابقة, وفي الوقت نفسه سيبقى القلق الأمريكي وشماعة الإرهاب حاضرة في التعاطي مع الحالة الإسلامية ما دامت الملفات الساخنة في العالم الإسلامي لا تزال مفتوحة, وردود الأفعال المتعلقة بها واردة وفي مقدمتها الملف الفلسطيني الذي لم تتأخر الإدارة الجديدة في الإعلان عن رؤيتها له من خلال إعلانها الانحياز التام للطرف الإسرائيلي المظلوم والذي تمثل حمايته سياسةً أمريكيةً دائمةً يورثها السابق للاحق، وإعلان ذلك كان دائماً أحد أعمدة الحملة الانتخابية لكلا المرشحين, والذي كان مصداقه العاجل تعيين كبير موظفي البيت الأبيض من رؤوس الإسرائيليين في واشنطن. وينضاف إلى ذلك الملف العراقي، والأفغاني.

مصطلحات سياسية دااارجة 3

كاتب الموضوع الأصلي: بدر المطيري1

أطفال الحجارة

أطفال الحجارة سمة من سمات المقاومة الفلسطينية يتعلق بمقاومة الأطفال لآلية الحرب الإسرائيلية خلال الانتفاضة الأولى. وهي عمليات احتجاج جماعية للأطفال الفلسطينين في القرى والمدن الفلسطينية حيث تقف مجموعات الصغار عزل من السلاح إلا من الحجارة أمام القوات الإسرائيلية المدججة بالسلاح والدروع الواقية ويبدأ الاطفال برمي الحجارة على الجنود الإسرائيليين الذين يقابلونهم بإطلاق النار الكثيف باستخدام الطلقات المطاطية التي فقأت عيون مئات الأطفال. هذا النوع من المقاومة أكسب الفلسطينيين تعاطفا إعلاميا عالميا.
بدأت الانتفاضة الأولى خلال نوفمبر عام 1987 وخفت وطأتها عام 1991 وانتهت عند عقد اتفاقية أوسلو عام 1993..

أمن عربي

الأمن العربي مصطلح يشير إلى أمن جميع الدول العربية ابتداء من الدول العربية المطلة على الخليج العربي شرقاً، إلى الأرض المغربية على ساحل المحيط الأطلسي غرباً، ومن السواحل الشمالية للجمهورية العربية السورية شمالاً، إلى الأرض السودانية في عمق القارة الأفريقية جنوباً. وتعد هذه المنطقة من وجهة النظر الاستراتيجية أهم منطقة إقليمية في مجال الأمن العالمي..

أهلانية

الأهلانية هي نهج سياسي يقوم على حماية مصالح أهل البلاد الأصليين وتقديمها على مصالح المهاجرين.
ظهر هذا المصطلح لأول مرة في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأمريكية.

أوليغاركية

الأوليغاركية (أحيانا: الأوليغارشية) أو حكم القلة هي شكل من أشكال الحكم بحيث تكون السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية. الكلمة “أوليغاركية” مشتقة من الكلمة اليونانية: ὀλιγαρχία أوليغارخيا.
وقد كان أفلاطون هو أول من أشار إلى حكم الأوليغاركية وذلك في كتابه “الجمهورية” حيث قسم أنظمة الحكم إلى: الدولة المثالية “جمهوريته” ثم الدولة الديمقراطية ثم الأوليغاركية ثم عاد في كتابه “السياسة” وقدم تقسيما أنضج وأوضح هو من ستة أنواع: منها ثلاثة تتقيد وتحترم القانون وثلاثة لا تلتزم بالقانون ومنها حكم الأوليغاركية.
وجاء أرسطو بعد أفلاطون وقدم مزيدا من التفاصيل لمواصفات حكم القلة فقال أنها تشترط نصابا ماليا معينا في الذي يتمتع بصفة المواطن. وأضاف أرسطو أن نوع الحكم يتوقف على الثروة والملكية، ويتوقف مدى اتساع الحكومة الأوليغاركية على مدى اتساع طبقة أصحاب الأملاك. وبهذا يكون أرسطو قد مهّد لاستخدام هذا المصطلح كمرادف لحكم الأثرياء أو البلوتوقراطية، إلا أن الأوليغاركية لا تعني دائما حكم القلة الأثرياء، وإنما هي مصطلح أوسع يشمل أيضا أي ميزة أخرى غير الثراء.
وفي رأي أرسطو أن الأوليغاركية تنتهي دائما بحكم الطغيان وتصبح مشكلتها الرئيسية هي الاستئثار بالسلطة.
ويستخدم هذا التعبير في العصر الحديث لوصف الحكومات التي تعتمد على نفوذ أجنبي، أو التي ليس لها رصيد جماهيري بحيث تعتمد على دوائر التأثير في السلطة مثل رجال المال أو الصناعة.[/font]

صدام الحضارات

كاتب الموضوع الأصلي: محمدالنشوان

صدام الحضارات(Clash of Civilizations)

قام لويس (Lewis, 1990) باستخدام مصطلح “النموذج الحضاري” لأول مرة في مجال العلاقات الدولية لتفسير والتنبؤ بالعلاقات بين الأمم. وقد استخدمه المؤرخ هانتنغتون (Huntington, 1993) على نطاق أوسع. وقد استخدم في العلاقات الدولية ليشير إلى طريقة تفسير توازن القوى والمخاطر المحتملة. ومع انتهاء الحرب الباردة (التي قامت بشكل أساسي على الصراع بين الأيديولوجيات السياسية)، ويناقش هانتنغتون أن العلاقات الدولية سوف تتم ترجمتها في المستقبل بلغة الصدامات الثقافية (أو الحضارية).
“سوف يسود صدام الحضارات السياسات العالمية. وستكون الخطوط الفاصلة بين الحضارات هي خطوط المعارك في المستقبل” (Huntington, 1993: 24)، وسوف تتصارع الحضارات لأنها: (1) حقيقية وأساسية، (2) العالم يصغر شيئاً فشيئاً، (3) التغير الاقتصادي والاجتماعي يصرف الناس عن هويتهم المحلية (الذي بدوره يضعف علاقتهم بالدول القومية وغالباً ما يتسبب هذا في جلب الدين إلى السلطة)، (4) دور الغرب المزدوج، “يواجه الغرب في أوج قوته اللاغرب الذي تزداد لديه الرغبة والإرادة والموارد ليشكل العالم بطرق غير غربية”، (5) الثقافة أصبحت أقل طواعية، (6) النزعة الإقليمية الاقتصادية تتصاعد.
ولا يعني التشديد على الحضارات أنّ الدول القومية لم يعد لها دور في نموذج هانتنغتون. ولكن بالأحرى ستكون الاختلافات بين الحضارات نقطة مركزية في تحديد الصراعات والقضايا التي تثيرها. ويحتمل أن تعتمد التكتلات الحضارية على “عناصر موضوعية عامة مثل اللغة والتاريخ والدين والعادات والمؤسسات والتعريف بالهوية الشخصية للناس” (Huntington, 1996: 43). ويتضح جلياً أن هذه العناصر ترتبط عموماً بالدول القومية. وبالتأكيد يمكن أن تؤدي هذه العناصر إلى تعريف الحضارة في المقام الأول، ولاسيما إذا كان هناك شعور بأن هذه العناصر مهددة بطريقة ما.
وبافتراض أنه قد أجريت هذه الدراسة عام 1993، أي قبل أحداث 2001، يعد عمل هانتنغتون تنبؤياً.
“إن هذا التفاعل العسكري الذي امتد لقرون بين الغرب والاسلام من غير المحتمل أن ينمحي، بل يحتمل أن يصبح أكثر قسوة” (Huntington, 1993: 31).

العلاقات الدولية بين منهج الاسلام والمنهج الحضاري

كاتب الموضوع الأصلي: محمدالنشوان

العلاقات الدولية بين منهج الإسلام والمنهج الحضاري المعاصر (4/4)
18-4-2002

لم يكن الهدف من المقارنة السابقة هدفاً نظرياًّ، وإلا لكان هدفاً هيناً، وإنما يلتمس الكاتب هدفاً عملياًّ، هو أن يثور السؤال: هل يمكن أن يقدم المنهج الإسلامي – في العلاقات الدولية – العلاج الإيجابي لأزْمة الجنس البشري المعاصرة؟
بالرغم من سيادة الثقافة الطاغية لمنهج الحضارة الغربية – في العلاقات الدولية – إلا أن من الصعب افتراض أن هذا المنهج هو نهاية التاريخ.
إن انتشار أسلحة الدمار الشامل يجعل العالم أمام خيارين:
(أ) التهديد بالفناء المادي أو المعنوي أو كليهما،
أو (ب) تغيير المنهج السائد في العلاقات الدولية. ولتغيير هذا المنهج لا مناصَ – فيما يبدو – من اختيار منهج مثل المنهج الإسلامي حيث تقوم العلاقات الدولية على أساس العدل المرتكز على أساس الالتزام الخلقي أو الديني.
بقلم معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين
الفصل الثالث

وبعد، فلم يكن الهدف من المقارنة السابقة هدفاً نظرياًّ، وإلا لكان هدفاً هيناً، وإنما يلتمس الكاتب هدفاً عملياًّ، هو أن يثور السؤال: هل يمكن أن يقدم المنهج الإسلامي – في العلاقات الدولية – العلاج الإيجابي لأزْمة الجنس البشري المعاصرة؟بالرغم من سيادة الثقافة الطاغية لمنهج الحضارة الغربية – في العلاقات الدولية – إلا أن من الصعب افتراض أن هذا المنهج هو نهاية التاريخ.إن انتشار أسلحة الدمار الشامل يجعل العالم أمام خيارين:(أ)التهديد بالفناء المادي أو المعنوي أو كليهما، أو (ب) تغيير المنهج السائد في العلاقات الدولية. ولتغيير هذا المنهج لا مناصَ – فيما يبدو – من اختيار منهج مثل المنهج الإسلامي حيث تقوم العلاقات الدولية على أساس العدل المرتكز على أساس الالتزام الخلقي أو الديني.إن هذه الفكرة البسيطة هي ما انتهى إليه فيما يبدو أغلب المفكرين الغربيين، وللتدليل على ما أقول أقدِّم فيما يلي عينة من الآراء لمشاهير من المفكرين الذين عاصروا الحربين العالميتين، وكما يلاحظ القارئ حرصت على أن تضم هذه العينة على التوالي: عالما طبيعيا، ومؤرخا، وفيلسوفا كاثوليكيا أوربيا، وفيلسوفا بروتستانتيا أمريكيا، وفيلسوفاً لا دينيا. راجيا أن تكون هذه العينة معبرة بصدق عن اتجاه عام للتفكير العاقل الحكيم في الغرب.في سنواته الأخيرة كتب البرت اينشتاين:(( لقد ربحنا الحرب، ولكنا خسرنا السلام … لقد وعد العالم – بعد الحرب – بالتحرر من الخوف، ولكن الخوف – بعد انتهائها – زاد في الواقع. لقد وعد العالم بالحرية والعدل، ولكننا لا نزال نرى قوى “الحرية” تصب النار وتقصف بالقنابل شعوباً لا لشيء إلا أنها تطالب بالحرية والعدل والاستقلال. وتدعم بقوة السلاح الأحزاب والأفراد الذين يحققون المصالح الأنانية لتلك القوى )).(( لقد أوجدت التكنولوجيا وسائل للتدمير جديدة وفعالة، لم يعهد مثلها الإنسان من قبل، وهذه الوسائل حين تقع في أيدي أمم تدعي أن لها الحق في الحرية المطلقة للعمل تصبح تهديداً محدقاً بفناء الجنس البشري )).(( إن وسائل الاتصال والإعلام حينما تتحد مع الأسلحة الحديثة فإنه يمكن حينئذ أن يوضع الجسد والروح كلاهما تحت سيطرة القوة الأقوى، ونكون حينئذ أمام مصدر آخر للخطر يهدِّد المجتمع الإنساني )).وكتب: (( إن المجتمع الإنساني يجتاز الآن أزمة حقيقية، وقد انهار استقراره انهياراً شديداً، ومن نتائج مثل هذا الوضع أن لا يكترث الأفراد بمصير الجماعة، بل لعلهم أن يهدِّدوا هذا المصير … كنت أتحدَّث منذ وقت قصير – مع رجل ذكي متزن عن وعيد حرب عالمية أخرى قد تعرض فيما أرى – الجنس البشري لخطر الفناء، فقال – في برود وهدوء شديد -: “ولكن لماذا تنزعج من فناء الجنس البشري؟!” إني على يقين أنه قبل قرن واحد فقط ما كان يمكن أن ترد مثل هذه العبارة على لسان إنسان، إن هذه العبارة لا يمكن أن تصدر إلا عن شخص فقد الأمل في الحصول في نفسه على التوازن بعد أن حاول عبثاً أن يحصل عليه، إن هذا السؤال يعبر عن عزلة أليمة ووحشة ويأس يعاني منها – هذه الأيام – جمهور من الناس. فما السبب في ذلك، وهل هناك مخرج؟ … إن محور الأزمة في عصرنا يتعلق بالصلة بين الفرد والجماعة … إن موقف الفرد من الجماعة يحمل على تضخيم دوافعه الفردية في حين أن دوافعه الاجتماعية – وهي بالطبع أضعف – تتدهور شيئاً فشيئاً، وكل فرد مهما كان مركزه في المجتمع يشكو هذا التدهور، إن الناس يحسون – وهم سجناء أنانيتهم من حيث لا يعلمون – أنهم يعيشون في قلق وعزلة محرومين من الاستمتاع بالحياة الاجتماعية استمتاعاً عفوياًّ وبسيطاً لا تعقيد فيه، والواقع أن الإنسان لا يستطيع أن يجد لحياته – برغم قصرها – معنى إلا إذا أعطى من نفسه للمجتمع )).ويرى البرت اينشتاين أن المخرج هو في الإيمان بالقيم الإنسانية، أو بالعودة إلى نوع من الدين، ويقول: (( إن الشخص المستنير من الناحية الدينية يبدو لي كأنه رجل حرَّر نفسه – على قدر ما يستطيع – من قيود أنانيته ورغباته الفردية، وشغل نفسه بالأفكار والمشاعر والآمال التي يتعلَّق بها لقيمتها التي تسمو على ذاته )). (( الرجل المتدين هو كذلك، لأنه على يقين من أهمية تلك الأهداف التي تسمو على الذات.. وهي أهداف لا تتطلب أساساً من المحاكمة العقلية، لأنها موجودة كأمر ضروري واقعي … والدين بهذا المعنى محاولة قديمة من الإنسان لكي يعي هذه القيم والأهداف.. وينشر آثارها على الدوام، فإذا تصورنا الدين والعلم بهذا التصور أصبح الخلاف بينهما مستحيلاً، لأن العلم إنما يحقق فيما هو كائن لا فيما ينبغي أن يكون، ويبقى القيم من الضروريات التي لا تدخل في نطاقه. أما الدين فلا يتعرض إلا إلى تقويم الفكر البشري والأعمال البشرية، وبالرغم من انفصال مجال الدين عن مجال العلم فإنه تقوم علاقات متبادلة قوية ويرتكز أحدهما على الآخر في بعض النواحي، فالدين قد تكون وظيفته تحقيق الهدف، إلا أنه يأخذ عن العلم بأوسع معانيه الوسائل الموصلة لهذا الهدف، والعلم لا يخترعه إلا أولئك المتشبعون حقا بحب الحق والحكمة، ومصدر هذا الشعور ينبع من الدين … ولا أستطيع أن أتصوَّر عالماً حقاًّ بغير الإيمان العميق بأن من الممكن أن تكون القواعد التي تطبق على عالم الوجود معقولة، ويمكن التعبير عن هذا الرأي بهذه الصورة: العلم بغير دين أعرج، والدين بغير علم أعمى )).ويكتب أرنولد توينبي: (( إن التاريخ قد أعاد نفسه عشرين مرة تقريباً، وفي كل مرة توجد مجتمعات بشرية من النوع الذي ينتمي إليه مجتمعنا الغربي، هذه المجتمعات قد بادت، أو هي في دور الاحتضار، وحين ندرس تاريخ هذه الحضارات البائدة نجد ما يشبه النموذج المتكرر في طريقة انهيارها وتدهورها ))، (( إني لأعجب كيف يعمى عن حقيقة أن الحضارة الغربية ليست أقوى حصانة من الحضارات البائدة )). (( إذا نحن بحثنا عن العلة في تدهور الحضارات نجد أنه دائماً وبدون استثناء: الحرب أو نظام الطبقات أو كلاهما )). (( إن نظام الحرب ونظام الطبقات ليسا إلا انعكاساً للجانب السلبي من الطبيعة البشرية، والآثار الاجتماعية الناتجة عن هذه الطبيعة لم تضعف بسبب التقدم المشؤوم الحديث في معرفتنا التكنولوجية، بل تعاظمت وزاد خطرها فأصبح نظام الطبقات قادراً على تفكيك روابط المجتمع بشكل قاطع، كما أصبحت الحرب قادرة على إفناء الجنس البشري بأكمله )). (( إن المشكلات التي أحاطت بالحضارات الأخرى وقهرتها في النهاية قد بلغت اليوم ذروتها في عالمنا )).(( إن علينا أن نواجه تحدياً لم يسبق لمن سبقونا أن يواجهوه فإما أن نقضي على نظامي الحرب والطبقات، وإما أن نشهر انتصارهما على الإنسان نصراً يكون هذه المرة نهائيا وحاسما )).

ويكتب جاك ماريتان: (( لقد أفصح عالم الإنسان الحاضر عن الشر وفاض به حتى حطم ثقتنا، كم من جريمة شهدناها لا يعوضها أي عقاب عادل… وكم من مواقف من الامتهان المذل للطبيعة البشرية… لقد اتجه العلم والتقدم نحو دمارنا، وكياننا أصبح مهدَّداً بالخطر من جراء التحلل لقوى الحكمة والأخلاق واللغة ذاتها قد انحرفت فأصبح اللفظ كأنما لا ينقل إلا خداعا، إننا نعيش – حقاًّ – في عالم كافكا )). (( إن القوة بغير هدف إنساني أصبحت وثناً يقود الحضارة المعاصرة إلى حافة الفوضى والانهيار )). (( إن روح الوثنية التي تشرَّبتها حضارتنا ساقت الإنسان إلى أن يجعل هدفه القوة، والقدرة على الكراهية في حين أن المثل السياسي الأعلى يجب أن يكون العدل )). (( إن كنا نود أن نمهد للسلام … في وعي الأمم فلن يكون ذلك إلا إذا اقتنعنا بأن السياسة الصحيحة هي أولاً وقبل كلِّ شيءٍ السياسة العادلة… على كل شعب أن يجاهد لكي يفهم نفسية الشعوب الأخرى وتطورها وتقاليدها وحاجاتها المادية والمعنوية، ويعترف بكرامتها ودورها التاريخي. وكل شعب لا يجوز له أن ينظر إلى مصلحته فقط، بل إلى الصالح العام لكل الشعوب… إن وضع المصلحة القومية فوق كل شيء وسيلة مؤكدة لفقد كل شيء، إن العالم الحر لا يمكن تصوره إلا بالاعتراف بأن الصدق هو التعبير عمَّا هو واقع، والصواب هو التعبير عمَّا هو عادل، وليس هو التعبير عمَّا هو نافع في وقت معين لمصلحة مجموعة بشرية معينة )). (( إن المساواة الحقة بين الناس تجعل التعصب العنصري والطبقي والطائفي والتميز العنصري جرائم ترتكب في حق الإنسان، كما تجعله تهديداً قوياًّ للسلام )).(( الحقيقة الواقعة أننا فقدنا الإيمان بالإنسان ))، (( العقل يقتضينا أن نؤمن بالإنسان ما دام الإنسان جزءاً من الطبيعة، وفي الطبيعة – بالرغم من سيادة قانون تنازع البقاء – نجد أن السلام يتخلَّلها في أعماقها، والإنسان كجزء من الطبيعة لديه جوهر خَيْر في حدِّ ذاته، إن تطوُّر الكون عبارة عن حركة دائمة – بالرغم من انحرافها الدائم أيضاً – نحو صورٍ أسمى من الحياة، حركة تنتهي دائماً بالفوز النهائي للإنسانية … إن التقدم البطيء للجنس البشري هذا التقدم الذي يمر خلال سلسلة من المعاناة والألم، يدل على وجود طاقات عند الإنسان تجعل أي ازدراء للجنس البشري صبيانيا لا يستند إلى تفكير سليم )).

وكتب رينولد نيبر: (( إن الوضع في الحياة الجماعية للإنسان في الوقت الحاضر يدل على أننا حطمنا حياتنا العامة عن طريق القوى الجديدة والإمكانيات التي وضعتها في أيدينا المدنية والتكنولوجيا. وهذه الحياة المحطمة التي تظهر في بؤس العالم كله وقلقه هي حكم تاريخي موضوعي علينا، هي حقيقة الموت الذي ترتب على حياة الغرور التي تعيشها الأمم والشعوب، وهي بغير إيمان ليست إلا فناء )).(( إن تاريخنا المعاصر – هو في واقعه – مثل ناصع للوسيلة التي يباغت بها الإله كبرياء الإنسان وغروره واستعلاءه، وللطريقة التي يوقع بها الحكم الإلهي العقوبة على الأفراد والشعوب الذين يرفعون أنفسهم فوق مستواهم )).(( إن فرصة انتصارنا على عدونا تكون أقرب إذا نحن قلَّلنا من ثقتنا بما عندنا من طهارة … وفضيلة، إن غرور الأمم القوية وإيمانها بفضلها أشد خطراً على نجاحها في مجال السياسة من كيد الأعداء )).(( إن الحياة الجديدة التي نحتاج إليها مجتمعين في عصرنا إنما يتحقق بقيام مجتمع يتسع لأن يجعل تعاون كل أمة مع غيرها – في هذا العصر التكنولوجي – أمراً محتَّماً وعدالةً متزنة اتزاناً دقيقاً ))، (( إن العامل الحاسم في إيجاد التماسك الاجتماعي في المجتمع العالمي هو القوة الروحية )).

وكتب برتراند رسل: (( إن خطر الحرب يبقى دائماً محلَّقاً فوق رؤوسنا )). (( ما دام نظامنا السياسي قائما كما هو، إنَّ من المؤكد أن الحروب العظمى سوف تقع بين الحين والحين، ولا مفر من حدوث ذلك ما دامت هناك دولٌ مختلفة لكل منها سيادتها، ولكل منها قواتها المسلَّحة، ولكل منها حكمها المطلق فيما يختص بمصلحتها وحقوقها في أيِّ نزاع ينشب )). (( الحرب الحديثة بغض النظر عن شدة فتكها أسوأ في كثير من الوجوه من الحروب التي وقعت في الماضي )). (( في الحروب المسلية المطمئنة التي وقعت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان المحاربون هم الذين يتعرضون فيها للآلام، أما في هذه الأيام فإن وقع الحرب يتزايد على المدنيين. وإن رجلاً بلغ من العمر مثل ما بلغت ليذكر ذلك الوقت الذي فيه كانت الحرب التي تصيب النساء والأطفال أمراً لا يقع في الحسبان، غير أن هذا العصر السعيد قد انتهى وفات )).(( إن العالم يواجه كارثة محدقة، وهو يتساءل في حيرة: لماذا لا يلوح في الأفق مجال للنجاة من مصير مؤسف لا يرغب فيه إنسان؟! إن السبب الرئيسي في ذلك أننا لم نهيئ عقولنا للتعامل مع وسائلنا التكنولوجية وما زلنا نسمح لأنفسنا بطرق للتفكير ربما كانت تتلاءم مع عصر أكثر بساطة في وسائله التكنولوجية. فإن أردنا أن نحيا حياة سعيدة بوسائلنا التكنولوجية … فلا مناص لنا من نبذ بعض الآراء والاستعاضة عنها بغيرها، فنستعيض بالمساواة عن حب السيطرة، وبالذكاء عن الأعمال الوحشية، وبالتعاون عن التغالب، ونستعيض بالعدالة عن حب الغلبة وشهوة الانتقام )).

وبعد، فحتى لو قبلنا رأي المفكر الأمريكي الشهير جون موريس كلارك في الحضارة المعاصرة بأنها حضارة تخرت جذورها حتى لم تعد تستطيع حمل ثقل جذعها، وفروعه المنتشرة على مساحة واسعة، وأن القوة بغير هدف إنساني أصبحت وثناً يعبد ويقود الحضارة إلى حافة الانهيار، وأنه لا معنى أن نأمل – في عالم أسلحة الدمار الشامل – بقيام عالم آمن تسوده الحرية والديمقراطية، حتى لو قبلنا هذا الرأي فلا أقل من أن نقبل النتيجة التي انتهى إليها هذا المفكر من أنه: لا بدَّ من تنمية قدرتنا على التفكير السليم والعمل البنَّاء، إذ أن ذلك هو فرصتنا الوحيدة للكفاح بالرغم من سيف داموكليز المسلط على رقابنا.في هذا السبيل ماذا يمكن أو ما يجب أن يعملأوَّلاً: بالنسبة للمسلمين.لا حظ برتراند رسل أن (( الغرب أهدى للشرق مساوئه: القلق، وعدم الرضا، والروح العسكرية، والإيمان الغالي بالآلة. ولكن الدول القوية في الغرب تحاول دائماً صرف الشرق عن أفضل ما لدى الغرب: روح البحث الحر، والتعرف على الظروف التي تؤدي إلى الرفاهية التامة، والتحرر من الخرافة )).كمثل على صحَّة ملاحظة رسل فإن الإرهاب الذي يعتبر الآن مرادفاً للفظ مسلم في لغة الغرب – كان ضمن هدايا الغرب للعالم الإسلامي. ألا نتذكر أنَّ أول مبنى عام تم تفجيره على سكانه في الشرق الأوسط (وهو فندق ديفيد في القدس)، وأن أول طائرة مدنية أسقطت في الشرق الأوسط (وهي طائرة الخطوط المصرية) كلاهما نفذا بأيدي أناس ينتمون لعالم الغرب المتحضِّر.لكن ربما كان أسوأ هدايا الغرب للعالم الإسلامي في مجال السياسة تقديس الميكيافيلية وقبول المقياس المزدوج للعدل، والتسليم بمبادئ الغرب في العلاقات الدولية. وقد ساعد على ضعف جهاز المناعة الإسلامي ضد هذه الشرور، غلبة الشعور بالنقص الناشئ عن الانبهار بما لدى الغرب من قوى الفكر والتكنولوجيا، وبما استطاع الغرب أن يحقِّقه داخل مجتمعاته من الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة أمام القانون بالمقارنة بما ترزح تحته مجتمعات العالم الإسلامي – أحياناً بمساعدة الغرب – من تخلُّف، وظلم، واستبداد، وحرمان من الحرية، والعدل الاجتماعي، والقانوني.غير أن العالم الإسلامي لم يكن في يوم من الأيام منذ أن بدأ تعرضه للغزو الغربي في ميدان الثقافة الشريرة مهيَّئاً لصحوة النائم، وإدراك الجانب السلبي للحضارة الغربية كما هو مهيَّؤٌ في الوقت الحاضر. ذلك أن الإنسان مفطور بطبعه على كراهية الظلم – إذا كان صادرا من غيره – حتى لو كان واقعاً على غيره، فكيف إذا كان هو الضحية؟!وفي السنوات الأخيرة – وهي سنوات أصبحت فرص الوعي فيها أكبر – مرت المجتمعات الإسلامية بسلسلة من أشنع المظالم ظهرت في صورة من الوحشية والهمجية والتنكر لكل المعاني الإنسانية، وقد صدرت من العالم “المتحضر” وبمباركته مثلاً في فلسطين، والبوسنة والهرسك، والشيشان، بل إن ما كان الإعلام الغربي يصفه على حقيقته بأنه حركة ضد الظلم والاستعباد في تركستان الشرقية، وكشمير أصبح على لسان الساسة الغربيين إرهاباً يبرِّر التحالف الدولي للقضاء عليه.مَغْزَى ما سبق أن البيئة الفكرية في العالم الإسلامي مهيَّئة الآن للتعرف على الجانب السلبي للحضارة الغربية وإدراك خطر وخطل المبادئ السياسية الغربية في العلاقات الدولية. وأصبح المسلم الآن أكثر استعداداً للثقة بمنهج الإسلام وأنه طوق النجاة للعالم إذا أراد أن يتغلَّب على قوى الشر.وإذاً، فعلى أهل الفكر والرأي أن يبذلوا أقصى جهد لتوعية الجماهير في العالم الإسلامي بأمرين:1) المنهج الإسلامي في علاقة الإنسان بغيره، وأنه لا خيار للمسلم – إذا أراد أن يبقى مسلماً حقيقياًّ – إلا الالتزام بهذا المنهج والمبادئ التي تبنى عليه، وأن واجبه الديني في ذلك لا يقل عن واجبه في أداء العبادات من الصلاة والصوم والحج.2) كشف حقيقة الجوانب السلبية للحضارة الغربية، والتوعية بتنائج هذه الجوانب الفكرية والعملية، والإلحاح على تعرية صورها الحقيقية ممثَّلة في الحوادث الواقعية، وفي تصريحات الساسة والمفكِّرين لا بقصد إثارة الكراهية ضد الغرب، وإنما إثارة الكراهية ضد المبادئ الشريرة في الثقافة الغربية.وأبلغ أثراً من كل هذا أن يهتمَّ المربُّون بهذه النواحي، ويضمنوا مناهج الدراسة عناصر كافية للوفاء بهذا الفرض، ليس في مادة التاريخ والجغرافيا فحسب، بل في غيرهما من مواد الدراسة، ولا سيما دروس الدين.ولا بد بعد ذلك وقبله من إنعاش روح الأمل لدى المسلم، وتذكيره بأن من مقتضى دينه الإيمان الذي لا يتزعزع بأن السلام ممكن على الأرض، وأنها سوف تملأ عدلاً كما ملئت جوراً، وأن نور الله – الذي تريد قوى الشر أو الإشراك أن يطفؤوه بأفواههم – لا بدَّ أن يتم: (( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون )) (سورة الروم: 6).

ثانياً: بالنسبة لغير المسلمين:إذا كانت الحقيقة الواقعة كما يرى جاك ماريتان (( إن الغرب فقد الإيمان بالإنسان ))، فلا بدَّ لتهيئة العالم الغربي لقبول تغير منهجه السياسي اللاأخلاقي، أن يعاد إليه الإيمان بالإنسان كمطلب أولى للتغيير.ويتشابه الفيلسوفان الكاثوليكي واللاديني في الحكم بإمكانية التغيير، وطريقه.فبينما يؤكد ماريتان الكاثوليكي على ضرورة إنعاش الإيمان والأمل لدى الإنسان ويرى (( أنه في أسعد فترات التاريخ كان الشر يعمل في خفية لتحقيق أهدافه، وكذلك فإنه في أحلك العصور ظلمة يظل الخير على أهبة دائمة يعمل باستمرار لتحقيق انتصارات غير متوقعة وغير ظاهرة ))، ويرى (( التطور التاريخي … لا يتحقق في يوم واحد، فلا بدَّ من عامل الزمن ليتمكن العقل من السيطرة على الوسائل المادية المروعة التي وضعتها في أيدينا الثورة الصناعية التكنولوجية، ولا بدَّ من عامل الزمن لإنضاج الثورة الخلقية والروحية وبعثها من أعماق الخبرة البشرية )).يرى رسل اللاديني (( أننا يجب أن نتعلم أن ننظر إلى الجنس البشري كأسرة واحدة ))، و (( إن التغيير العقلي المنشود شاقٌّ جداًّ، ولا يتمُّ في يوم واحد، على أنه إن أدرك المربون إلحاح هذا الهدف وعملوا له، وإذا أمكن بجهودهم أن ينشأ الصغار كمواطنين عالميين لا كأفراد في عالم من المتقاتلين الذين يعيشون على السلب والاستعباد، فإنه يمكن حينئذ أن نأمل في إنقاذ الجنس البشري من الهلاك العالمي الشامل الذي يهدِّدنا به السعي في سبيل تحقيق أفكار بائدة )).

إنه لمنطقي جدا الاعتقاد بأنه في عصر ثورة المعلومات والاتصالات تكون المسؤولية الأولى للعمل من أجل الخلاص من براثن الخطر المحدق بالفناء تقع على المفكرين وعلى المربين.ومن أجل هذا الهدف جرؤ قلم متواضع على كتابة هذه الورقة.

العلاقات الدولية بين منهج الاسلام والمنهج الحضاري

كاتب الموضوع الأصلي: محمدالنشوان

العلاقات الدولية بين منهج الإسلام والمنهج الحضاري المعاصر (4/4)
18-4-2002

لم يكن الهدف من المقارنة السابقة هدفاً نظرياًّ، وإلا لكان هدفاً هيناً، وإنما يلتمس الكاتب هدفاً عملياًّ، هو أن يثور السؤال: هل يمكن أن يقدم المنهج الإسلامي – في العلاقات الدولية – العلاج الإيجابي لأزْمة الجنس البشري المعاصرة؟
بالرغم من سيادة الثقافة الطاغية لمنهج الحضارة الغربية – في العلاقات الدولية – إلا أن من الصعب افتراض أن هذا المنهج هو نهاية التاريخ.
إن انتشار أسلحة الدمار الشامل يجعل العالم أمام خيارين:
(أ) التهديد بالفناء المادي أو المعنوي أو كليهما،
أو (ب) تغيير المنهج السائد في العلاقات الدولية. ولتغيير هذا المنهج لا مناصَ – فيما يبدو – من اختيار منهج مثل المنهج الإسلامي حيث تقوم العلاقات الدولية على أساس العدل المرتكز على أساس الالتزام الخلقي أو الديني.
بقلم معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين
الفصل الثالث

وبعد، فلم يكن الهدف من المقارنة السابقة هدفاً نظرياًّ، وإلا لكان هدفاً هيناً، وإنما يلتمس الكاتب هدفاً عملياًّ، هو أن يثور السؤال: هل يمكن أن يقدم المنهج الإسلامي – في العلاقات الدولية – العلاج الإيجابي لأزْمة الجنس البشري المعاصرة؟بالرغم من سيادة الثقافة الطاغية لمنهج الحضارة الغربية – في العلاقات الدولية – إلا أن من الصعب افتراض أن هذا المنهج هو نهاية التاريخ.إن انتشار أسلحة الدمار الشامل يجعل العالم أمام خيارين:(أ)التهديد بالفناء المادي أو المعنوي أو كليهما، أو (ب) تغيير المنهج السائد في العلاقات الدولية. ولتغيير هذا المنهج لا مناصَ – فيما يبدو – من اختيار منهج مثل المنهج الإسلامي حيث تقوم العلاقات الدولية على أساس العدل المرتكز على أساس الالتزام الخلقي أو الديني.إن هذه الفكرة البسيطة هي ما انتهى إليه فيما يبدو أغلب المفكرين الغربيين، وللتدليل على ما أقول أقدِّم فيما يلي عينة من الآراء لمشاهير من المفكرين الذين عاصروا الحربين العالميتين، وكما يلاحظ القارئ حرصت على أن تضم هذه العينة على التوالي: عالما طبيعيا، ومؤرخا، وفيلسوفا كاثوليكيا أوربيا، وفيلسوفا بروتستانتيا أمريكيا، وفيلسوفاً لا دينيا. راجيا أن تكون هذه العينة معبرة بصدق عن اتجاه عام للتفكير العاقل الحكيم في الغرب.في سنواته الأخيرة كتب البرت اينشتاين:(( لقد ربحنا الحرب، ولكنا خسرنا السلام … لقد وعد العالم – بعد الحرب – بالتحرر من الخوف، ولكن الخوف – بعد انتهائها – زاد في الواقع. لقد وعد العالم بالحرية والعدل، ولكننا لا نزال نرى قوى “الحرية” تصب النار وتقصف بالقنابل شعوباً لا لشيء إلا أنها تطالب بالحرية والعدل والاستقلال. وتدعم بقوة السلاح الأحزاب والأفراد الذين يحققون المصالح الأنانية لتلك القوى )).(( لقد أوجدت التكنولوجيا وسائل للتدمير جديدة وفعالة، لم يعهد مثلها الإنسان من قبل، وهذه الوسائل حين تقع في أيدي أمم تدعي أن لها الحق في الحرية المطلقة للعمل تصبح تهديداً محدقاً بفناء الجنس البشري )).(( إن وسائل الاتصال والإعلام حينما تتحد مع الأسلحة الحديثة فإنه يمكن حينئذ أن يوضع الجسد والروح كلاهما تحت سيطرة القوة الأقوى، ونكون حينئذ أمام مصدر آخر للخطر يهدِّد المجتمع الإنساني )).وكتب: (( إن المجتمع الإنساني يجتاز الآن أزمة حقيقية، وقد انهار استقراره انهياراً شديداً، ومن نتائج مثل هذا الوضع أن لا يكترث الأفراد بمصير الجماعة، بل لعلهم أن يهدِّدوا هذا المصير … كنت أتحدَّث منذ وقت قصير – مع رجل ذكي متزن عن وعيد حرب عالمية أخرى قد تعرض فيما أرى – الجنس البشري لخطر الفناء، فقال – في برود وهدوء شديد -: “ولكن لماذا تنزعج من فناء الجنس البشري؟!” إني على يقين أنه قبل قرن واحد فقط ما كان يمكن أن ترد مثل هذه العبارة على لسان إنسان، إن هذه العبارة لا يمكن أن تصدر إلا عن شخص فقد الأمل في الحصول في نفسه على التوازن بعد أن حاول عبثاً أن يحصل عليه، إن هذا السؤال يعبر عن عزلة أليمة ووحشة ويأس يعاني منها – هذه الأيام – جمهور من الناس. فما السبب في ذلك، وهل هناك مخرج؟ … إن محور الأزمة في عصرنا يتعلق بالصلة بين الفرد والجماعة … إن موقف الفرد من الجماعة يحمل على تضخيم دوافعه الفردية في حين أن دوافعه الاجتماعية – وهي بالطبع أضعف – تتدهور شيئاً فشيئاً، وكل فرد مهما كان مركزه في المجتمع يشكو هذا التدهور، إن الناس يحسون – وهم سجناء أنانيتهم من حيث لا يعلمون – أنهم يعيشون في قلق وعزلة محرومين من الاستمتاع بالحياة الاجتماعية استمتاعاً عفوياًّ وبسيطاً لا تعقيد فيه، والواقع أن الإنسان لا يستطيع أن يجد لحياته – برغم قصرها – معنى إلا إذا أعطى من نفسه للمجتمع )).ويرى البرت اينشتاين أن المخرج هو في الإيمان بالقيم الإنسانية، أو بالعودة إلى نوع من الدين، ويقول: (( إن الشخص المستنير من الناحية الدينية يبدو لي كأنه رجل حرَّر نفسه – على قدر ما يستطيع – من قيود أنانيته ورغباته الفردية، وشغل نفسه بالأفكار والمشاعر والآمال التي يتعلَّق بها لقيمتها التي تسمو على ذاته )). (( الرجل المتدين هو كذلك، لأنه على يقين من أهمية تلك الأهداف التي تسمو على الذات.. وهي أهداف لا تتطلب أساساً من المحاكمة العقلية، لأنها موجودة كأمر ضروري واقعي … والدين بهذا المعنى محاولة قديمة من الإنسان لكي يعي هذه القيم والأهداف.. وينشر آثارها على الدوام، فإذا تصورنا الدين والعلم بهذا التصور أصبح الخلاف بينهما مستحيلاً، لأن العلم إنما يحقق فيما هو كائن لا فيما ينبغي أن يكون، ويبقى القيم من الضروريات التي لا تدخل في نطاقه. أما الدين فلا يتعرض إلا إلى تقويم الفكر البشري والأعمال البشرية، وبالرغم من انفصال مجال الدين عن مجال العلم فإنه تقوم علاقات متبادلة قوية ويرتكز أحدهما على الآخر في بعض النواحي، فالدين قد تكون وظيفته تحقيق الهدف، إلا أنه يأخذ عن العلم بأوسع معانيه الوسائل الموصلة لهذا الهدف، والعلم لا يخترعه إلا أولئك المتشبعون حقا بحب الحق والحكمة، ومصدر هذا الشعور ينبع من الدين … ولا أستطيع أن أتصوَّر عالماً حقاًّ بغير الإيمان العميق بأن من الممكن أن تكون القواعد التي تطبق على عالم الوجود معقولة، ويمكن التعبير عن هذا الرأي بهذه الصورة: العلم بغير دين أعرج، والدين بغير علم أعمى )).ويكتب أرنولد توينبي: (( إن التاريخ قد أعاد نفسه عشرين مرة تقريباً، وفي كل مرة توجد مجتمعات بشرية من النوع الذي ينتمي إليه مجتمعنا الغربي، هذه المجتمعات قد بادت، أو هي في دور الاحتضار، وحين ندرس تاريخ هذه الحضارات البائدة نجد ما يشبه النموذج المتكرر في طريقة انهيارها وتدهورها ))، (( إني لأعجب كيف يعمى عن حقيقة أن الحضارة الغربية ليست أقوى حصانة من الحضارات البائدة )). (( إذا نحن بحثنا عن العلة في تدهور الحضارات نجد أنه دائماً وبدون استثناء: الحرب أو نظام الطبقات أو كلاهما )). (( إن نظام الحرب ونظام الطبقات ليسا إلا انعكاساً للجانب السلبي من الطبيعة البشرية، والآثار الاجتماعية الناتجة عن هذه الطبيعة لم تضعف بسبب التقدم المشؤوم الحديث في معرفتنا التكنولوجية، بل تعاظمت وزاد خطرها فأصبح نظام الطبقات قادراً على تفكيك روابط المجتمع بشكل قاطع، كما أصبحت الحرب قادرة على إفناء الجنس البشري بأكمله )). (( إن المشكلات التي أحاطت بالحضارات الأخرى وقهرتها في النهاية قد بلغت اليوم ذروتها في عالمنا )).(( إن علينا أن نواجه تحدياً لم يسبق لمن سبقونا أن يواجهوه فإما أن نقضي على نظامي الحرب والطبقات، وإما أن نشهر انتصارهما على الإنسان نصراً يكون هذه المرة نهائيا وحاسما )).

ويكتب جاك ماريتان: (( لقد أفصح عالم الإنسان الحاضر عن الشر وفاض به حتى حطم ثقتنا، كم من جريمة شهدناها لا يعوضها أي عقاب عادل… وكم من مواقف من الامتهان المذل للطبيعة البشرية… لقد اتجه العلم والتقدم نحو دمارنا، وكياننا أصبح مهدَّداً بالخطر من جراء التحلل لقوى الحكمة والأخلاق واللغة ذاتها قد انحرفت فأصبح اللفظ كأنما لا ينقل إلا خداعا، إننا نعيش – حقاًّ – في عالم كافكا )). (( إن القوة بغير هدف إنساني أصبحت وثناً يقود الحضارة المعاصرة إلى حافة الفوضى والانهيار )). (( إن روح الوثنية التي تشرَّبتها حضارتنا ساقت الإنسان إلى أن يجعل هدفه القوة، والقدرة على الكراهية في حين أن المثل السياسي الأعلى يجب أن يكون العدل )). (( إن كنا نود أن نمهد للسلام … في وعي الأمم فلن يكون ذلك إلا إذا اقتنعنا بأن السياسة الصحيحة هي أولاً وقبل كلِّ شيءٍ السياسة العادلة… على كل شعب أن يجاهد لكي يفهم نفسية الشعوب الأخرى وتطورها وتقاليدها وحاجاتها المادية والمعنوية، ويعترف بكرامتها ودورها التاريخي. وكل شعب لا يجوز له أن ينظر إلى مصلحته فقط، بل إلى الصالح العام لكل الشعوب… إن وضع المصلحة القومية فوق كل شيء وسيلة مؤكدة لفقد كل شيء، إن العالم الحر لا يمكن تصوره إلا بالاعتراف بأن الصدق هو التعبير عمَّا هو واقع، والصواب هو التعبير عمَّا هو عادل، وليس هو التعبير عمَّا هو نافع في وقت معين لمصلحة مجموعة بشرية معينة )). (( إن المساواة الحقة بين الناس تجعل التعصب العنصري والطبقي والطائفي والتميز العنصري جرائم ترتكب في حق الإنسان، كما تجعله تهديداً قوياًّ للسلام )).(( الحقيقة الواقعة أننا فقدنا الإيمان بالإنسان ))، (( العقل يقتضينا أن نؤمن بالإنسان ما دام الإنسان جزءاً من الطبيعة، وفي الطبيعة – بالرغم من سيادة قانون تنازع البقاء – نجد أن السلام يتخلَّلها في أعماقها، والإنسان كجزء من الطبيعة لديه جوهر خَيْر في حدِّ ذاته، إن تطوُّر الكون عبارة عن حركة دائمة – بالرغم من انحرافها الدائم أيضاً – نحو صورٍ أسمى من الحياة، حركة تنتهي دائماً بالفوز النهائي للإنسانية … إن التقدم البطيء للجنس البشري هذا التقدم الذي يمر خلال سلسلة من المعاناة والألم، يدل على وجود طاقات عند الإنسان تجعل أي ازدراء للجنس البشري صبيانيا لا يستند إلى تفكير سليم )).

وكتب رينولد نيبر: (( إن الوضع في الحياة الجماعية للإنسان في الوقت الحاضر يدل على أننا حطمنا حياتنا العامة عن طريق القوى الجديدة والإمكانيات التي وضعتها في أيدينا المدنية والتكنولوجيا. وهذه الحياة المحطمة التي تظهر في بؤس العالم كله وقلقه هي حكم تاريخي موضوعي علينا، هي حقيقة الموت الذي ترتب على حياة الغرور التي تعيشها الأمم والشعوب، وهي بغير إيمان ليست إلا فناء )).(( إن تاريخنا المعاصر – هو في واقعه – مثل ناصع للوسيلة التي يباغت بها الإله كبرياء الإنسان وغروره واستعلاءه، وللطريقة التي يوقع بها الحكم الإلهي العقوبة على الأفراد والشعوب الذين يرفعون أنفسهم فوق مستواهم )).(( إن فرصة انتصارنا على عدونا تكون أقرب إذا نحن قلَّلنا من ثقتنا بما عندنا من طهارة … وفضيلة، إن غرور الأمم القوية وإيمانها بفضلها أشد خطراً على نجاحها في مجال السياسة من كيد الأعداء )).(( إن الحياة الجديدة التي نحتاج إليها مجتمعين في عصرنا إنما يتحقق بقيام مجتمع يتسع لأن يجعل تعاون كل أمة مع غيرها – في هذا العصر التكنولوجي – أمراً محتَّماً وعدالةً متزنة اتزاناً دقيقاً ))، (( إن العامل الحاسم في إيجاد التماسك الاجتماعي في المجتمع العالمي هو القوة الروحية )).

وكتب برتراند رسل: (( إن خطر الحرب يبقى دائماً محلَّقاً فوق رؤوسنا )). (( ما دام نظامنا السياسي قائما كما هو، إنَّ من المؤكد أن الحروب العظمى سوف تقع بين الحين والحين، ولا مفر من حدوث ذلك ما دامت هناك دولٌ مختلفة لكل منها سيادتها، ولكل منها قواتها المسلَّحة، ولكل منها حكمها المطلق فيما يختص بمصلحتها وحقوقها في أيِّ نزاع ينشب )). (( الحرب الحديثة بغض النظر عن شدة فتكها أسوأ في كثير من الوجوه من الحروب التي وقعت في الماضي )). (( في الحروب المسلية المطمئنة التي وقعت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان المحاربون هم الذين يتعرضون فيها للآلام، أما في هذه الأيام فإن وقع الحرب يتزايد على المدنيين. وإن رجلاً بلغ من العمر مثل ما بلغت ليذكر ذلك الوقت الذي فيه كانت الحرب التي تصيب النساء والأطفال أمراً لا يقع في الحسبان، غير أن هذا العصر السعيد قد انتهى وفات )).(( إن العالم يواجه كارثة محدقة، وهو يتساءل في حيرة: لماذا لا يلوح في الأفق مجال للنجاة من مصير مؤسف لا يرغب فيه إنسان؟! إن السبب الرئيسي في ذلك أننا لم نهيئ عقولنا للتعامل مع وسائلنا التكنولوجية وما زلنا نسمح لأنفسنا بطرق للتفكير ربما كانت تتلاءم مع عصر أكثر بساطة في وسائله التكنولوجية. فإن أردنا أن نحيا حياة سعيدة بوسائلنا التكنولوجية … فلا مناص لنا من نبذ بعض الآراء والاستعاضة عنها بغيرها، فنستعيض بالمساواة عن حب السيطرة، وبالذكاء عن الأعمال الوحشية، وبالتعاون عن التغالب، ونستعيض بالعدالة عن حب الغلبة وشهوة الانتقام )).

وبعد، فحتى لو قبلنا رأي المفكر الأمريكي الشهير جون موريس كلارك في الحضارة المعاصرة بأنها حضارة تخرت جذورها حتى لم تعد تستطيع حمل ثقل جذعها، وفروعه المنتشرة على مساحة واسعة، وأن القوة بغير هدف إنساني أصبحت وثناً يعبد ويقود الحضارة إلى حافة الانهيار، وأنه لا معنى أن نأمل – في عالم أسلحة الدمار الشامل – بقيام عالم آمن تسوده الحرية والديمقراطية، حتى لو قبلنا هذا الرأي فلا أقل من أن نقبل النتيجة التي انتهى إليها هذا المفكر من أنه: لا بدَّ من تنمية قدرتنا على التفكير السليم والعمل البنَّاء، إذ أن ذلك هو فرصتنا الوحيدة للكفاح بالرغم من سيف داموكليز المسلط على رقابنا.في هذا السبيل ماذا يمكن أو ما يجب أن يعملأوَّلاً: بالنسبة للمسلمين.لا حظ برتراند رسل أن (( الغرب أهدى للشرق مساوئه: القلق، وعدم الرضا، والروح العسكرية، والإيمان الغالي بالآلة. ولكن الدول القوية في الغرب تحاول دائماً صرف الشرق عن أفضل ما لدى الغرب: روح البحث الحر، والتعرف على الظروف التي تؤدي إلى الرفاهية التامة، والتحرر من الخرافة )).كمثل على صحَّة ملاحظة رسل فإن الإرهاب الذي يعتبر الآن مرادفاً للفظ مسلم في لغة الغرب – كان ضمن هدايا الغرب للعالم الإسلامي. ألا نتذكر أنَّ أول مبنى عام تم تفجيره على سكانه في الشرق الأوسط (وهو فندق ديفيد في القدس)، وأن أول طائرة مدنية أسقطت في الشرق الأوسط (وهي طائرة الخطوط المصرية) كلاهما نفذا بأيدي أناس ينتمون لعالم الغرب المتحضِّر.لكن ربما كان أسوأ هدايا الغرب للعالم الإسلامي في مجال السياسة تقديس الميكيافيلية وقبول المقياس المزدوج للعدل، والتسليم بمبادئ الغرب في العلاقات الدولية. وقد ساعد على ضعف جهاز المناعة الإسلامي ضد هذه الشرور، غلبة الشعور بالنقص الناشئ عن الانبهار بما لدى الغرب من قوى الفكر والتكنولوجيا، وبما استطاع الغرب أن يحقِّقه داخل مجتمعاته من الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة أمام القانون بالمقارنة بما ترزح تحته مجتمعات العالم الإسلامي – أحياناً بمساعدة الغرب – من تخلُّف، وظلم، واستبداد، وحرمان من الحرية، والعدل الاجتماعي، والقانوني.غير أن العالم الإسلامي لم يكن في يوم من الأيام منذ أن بدأ تعرضه للغزو الغربي في ميدان الثقافة الشريرة مهيَّئاً لصحوة النائم، وإدراك الجانب السلبي للحضارة الغربية كما هو مهيَّؤٌ في الوقت الحاضر. ذلك أن الإنسان مفطور بطبعه على كراهية الظلم – إذا كان صادرا من غيره – حتى لو كان واقعاً على غيره، فكيف إذا كان هو الضحية؟!وفي السنوات الأخيرة – وهي سنوات أصبحت فرص الوعي فيها أكبر – مرت المجتمعات الإسلامية بسلسلة من أشنع المظالم ظهرت في صورة من الوحشية والهمجية والتنكر لكل المعاني الإنسانية، وقد صدرت من العالم “المتحضر” وبمباركته مثلاً في فلسطين، والبوسنة والهرسك، والشيشان، بل إن ما كان الإعلام الغربي يصفه على حقيقته بأنه حركة ضد الظلم والاستعباد في تركستان الشرقية، وكشمير أصبح على لسان الساسة الغربيين إرهاباً يبرِّر التحالف الدولي للقضاء عليه.مَغْزَى ما سبق أن البيئة الفكرية في العالم الإسلامي مهيَّئة الآن للتعرف على الجانب السلبي للحضارة الغربية وإدراك خطر وخطل المبادئ السياسية الغربية في العلاقات الدولية. وأصبح المسلم الآن أكثر استعداداً للثقة بمنهج الإسلام وأنه طوق النجاة للعالم إذا أراد أن يتغلَّب على قوى الشر.وإذاً، فعلى أهل الفكر والرأي أن يبذلوا أقصى جهد لتوعية الجماهير في العالم الإسلامي بأمرين:1) المنهج الإسلامي في علاقة الإنسان بغيره، وأنه لا خيار للمسلم – إذا أراد أن يبقى مسلماً حقيقياًّ – إلا الالتزام بهذا المنهج والمبادئ التي تبنى عليه، وأن واجبه الديني في ذلك لا يقل عن واجبه في أداء العبادات من الصلاة والصوم والحج.2) كشف حقيقة الجوانب السلبية للحضارة الغربية، والتوعية بتنائج هذه الجوانب الفكرية والعملية، والإلحاح على تعرية صورها الحقيقية ممثَّلة في الحوادث الواقعية، وفي تصريحات الساسة والمفكِّرين لا بقصد إثارة الكراهية ضد الغرب، وإنما إثارة الكراهية ضد المبادئ الشريرة في الثقافة الغربية.وأبلغ أثراً من كل هذا أن يهتمَّ المربُّون بهذه النواحي، ويضمنوا مناهج الدراسة عناصر كافية للوفاء بهذا الفرض، ليس في مادة التاريخ والجغرافيا فحسب، بل في غيرهما من مواد الدراسة، ولا سيما دروس الدين.ولا بد بعد ذلك وقبله من إنعاش روح الأمل لدى المسلم، وتذكيره بأن من مقتضى دينه الإيمان الذي لا يتزعزع بأن السلام ممكن على الأرض، وأنها سوف تملأ عدلاً كما ملئت جوراً، وأن نور الله – الذي تريد قوى الشر أو الإشراك أن يطفؤوه بأفواههم – لا بدَّ أن يتم: (( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون )) (سورة الروم: 6).

ثانياً: بالنسبة لغير المسلمين:إذا كانت الحقيقة الواقعة كما يرى جاك ماريتان (( إن الغرب فقد الإيمان بالإنسان ))، فلا بدَّ لتهيئة العالم الغربي لقبول تغير منهجه السياسي اللاأخلاقي، أن يعاد إليه الإيمان بالإنسان كمطلب أولى للتغيير.ويتشابه الفيلسوفان الكاثوليكي واللاديني في الحكم بإمكانية التغيير، وطريقه.فبينما يؤكد ماريتان الكاثوليكي على ضرورة إنعاش الإيمان والأمل لدى الإنسان ويرى (( أنه في أسعد فترات التاريخ كان الشر يعمل في خفية لتحقيق أهدافه، وكذلك فإنه في أحلك العصور ظلمة يظل الخير على أهبة دائمة يعمل باستمرار لتحقيق انتصارات غير متوقعة وغير ظاهرة ))، ويرى (( التطور التاريخي … لا يتحقق في يوم واحد، فلا بدَّ من عامل الزمن ليتمكن العقل من السيطرة على الوسائل المادية المروعة التي وضعتها في أيدينا الثورة الصناعية التكنولوجية، ولا بدَّ من عامل الزمن لإنضاج الثورة الخلقية والروحية وبعثها من أعماق الخبرة البشرية )).يرى رسل اللاديني (( أننا يجب أن نتعلم أن ننظر إلى الجنس البشري كأسرة واحدة ))، و (( إن التغيير العقلي المنشود شاقٌّ جداًّ، ولا يتمُّ في يوم واحد، على أنه إن أدرك المربون إلحاح هذا الهدف وعملوا له، وإذا أمكن بجهودهم أن ينشأ الصغار كمواطنين عالميين لا كأفراد في عالم من المتقاتلين الذين يعيشون على السلب والاستعباد، فإنه يمكن حينئذ أن نأمل في إنقاذ الجنس البشري من الهلاك العالمي الشامل الذي يهدِّدنا به السعي في سبيل تحقيق أفكار بائدة )).

إنه لمنطقي جدا الاعتقاد بأنه في عصر ثورة المعلومات والاتصالات تكون المسؤولية الأولى للعمل من أجل الخلاص من براثن الخطر المحدق بالفناء تقع على المفكرين وعلى المربين.ومن أجل هذا الهدف جرؤ قلم متواضع على كتابة هذه الورقة.