أ.د. أحمد محمد وهبان

الادب الجاهلي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن عسيري 704

الأدب العربي في العصر الجاهلي

العصر الجاهلي أقدم العصور الأدبية ويسميه بعض الدارسين عصر ما قبل الإسلام. وهو عصر موغل في القدم، بعيد العهد في الزمن والامتداد.
وموطن هذا الأدب العربي القديم هو الجزيرة العربية، أو شبه جزيرة العرب، ذات الصحارى الواسعة، والبطاح الممتدة، التي تحيط بها – أو تتخللها – جبال وهضاب مختلفة، منها ما يحاذي البحر الأحمر غرباً، ومنها ما يقع في اليمن جنوباً. فضلاً عن هضبة نجد التي ترتفع ممتدة في وسط الشمال، لتضم سلسلة أخرى من الجبال.
وهذه المناطق جميعاً كانت في العصر الجاهلي ميادين لحروب وغزوات، ولأحداث سياسية، وظواهر اجتماعية وتجارية واقتصادية، وأثرت في الأدب الجاهلي، شعره ونثره.
كلمة الجاهلية يراد بها الحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام، وقد استحدثت هذه الكلمة بنزول القرآن وأطلقت على الزمن الذي كان قبل البعثة حتى فتح مكة وإرساء قواعد الدولة الجديدة.
والملْحَظ في التسمية الحماسة بتحكيم العصبية والقوة، والجهل الذي يناقض الحلم والأناة ويفيد التسرع إلى الشر، ومنه قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلـــن أحــــد علينــــافنجهــــل فــــوق جهل الجاهلينـــاوقد ارتدى هذا اللفظ لبوساً إسلامياً يفيد الانغماس في الضلال والبعد عن طريق الهداية إضافة إلى الدلالة السابقة.
وقد تطلق الكلمة مجازاً على جماعة الجاهلية وأنصارها، كما جاء في آية التنزيل ]يظنّونَ باللهِ غيرَ الحقِّ ظَنَّ الجاهلية[ (آل عمران 154).
فالكلمة قرآنية الاشتقاق. ومن أقوال ابن عباس: «سمعت أبي في الجاهلية يقول…» ومن ثم نسبوا إليها فقالوا: «جاهلي»، في الشعراء والخطباء والحكماء.
الشعر الجاهلي
ومهما يكن من أمر، فقد ورثنا عن تلك الحقبة الجاهلية أدباً ناضجاً في لغته وشعره ونثره، ولكن هذا الأدب الذي وصل إلينا لا يشمل الحقبة كلها، قبل الإسلام، ذلك أننا لا نملك نصوصاً مدونة عن مبدأ الشعر عند العرب، وعن تطوره حتى بلوغه المرحلة التي كان عليها عند ظهور الإسلام. والمعروف أن أقدم ما وصل إليه علمنا من ذلك الشعر لا يرقى عهده إلى أكثر من قرنين عن الهجرة. وقد أشار الجاحظ إلى قضية قدم الشعر العربي فقال: وأما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن.. فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له – إلى أن جاء الإسلام – خمسين ومئة عام. وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمئتي عام.
ومن أقدم الشعراء الذين عرفنا أخبارهم ووصلتنا أشعارهم امرؤ القيس بن حجر الكندي، الذي يقال إنه أول من وقف بالديار واستوقف وبكى واستبكى، لكنه هو نفسه يذكر شاعراً آخر أقدم منه، بكى الأطلال قبله، وهو ابن خذام، فيقول:
عــوجا على الطلل المحيل، لعلنانبكي الديـــار كما بكى ابن خذام
ولم يكن بنو كلب بدعاً في القبائل، فكل قبيلة ادعت لشاعرها أنه الأول أو الأقدم: فامرؤ القيس في اليمانية، وعبيد بن الأبرص في بني أسد، ومهلهل بن ربيعة في تغلب، وعمرو بن قميئة والمرقش الأكبر في بكر، وأبو دواد في بني إياد. وهؤلاء جميعاً متقاربون في الزمن، ولم يعثر العلماء على شعر قديم مدون بقلم جاهلي، وكل ما يعرف من هذا الشعر مستمد من أفواه الرواة الذين كانوا يتناقلون الأشعار الجاهلية عن طريق الرواية والحفظ. وتعود أسباب ذلك إلى انتشار الأمية عند العرب، وقلة وسائل التدوين والكتابة لديهم، إذ اقتصر على الحجارة الرقيقة، والجلود، والعظام، وسعف النخيل، وما إليها. ومن ثم كان المعلمون قلة بينهم.
وفي بعض الأشعار الجاهلية إشارات إلى وجود الكتابة ونقوشها، وهي ترد في مطاوي وصف الشعراء للأطلال والرسوم الدارسة، كقول الأخنس بن شهاب التغلبي، مشبهاً أطلال المحبوبة بالكتابة على الجلد الرقيق:
لابنةِ حطّان بــن عوف منــــازلكما رقش العنوان في الرق كاتبه
على أن استعمال الكتابة يقتصر على شؤون من الحياة الاجتماعية والتجارية وما إليها، مما يكون ميدانه النثر، من دون الاتكاء عليها في كتابة الشعر؛ لأن العرب كانوا يعتمدون في حفظ الأشعار على الرواية الشفوية، حتى في خطبهم ووصاياهم وأمثالهم، يسعفهم في هذا الحفظ ذاكرة قوية تأنس بموسيقى الشعر وأوزانه، خاصة، واعتادت ذلك حتى صارت سجية من سجاياهم، وطبيعة متأصلة فيهم، فضلاً عن حبهم للشعر وعنايتهم الفائقة بروايته وتناقله، لأنه ديوان مناقبهم، وسجل حياتهم وانتصاراتهم، ولم يكن لهم – كما يقول ابن رشيق – علم أصح منه. فلا غرو أن يكون دعامة السّامرعندهم، ومدارَ حلقات القوم لديهم، في مواسمهم وندواتهم، وقد أدى ذلك أيضاً إلى ظهور حلقات من الشعراء الرواة، الذين يأخذ بعضهم عن بعض، مما يمكن أن يسمى اليوم بالمدارس الشعرية، وأشهرها تلك التي تبدأ بأوس بن حجر، وعنه أخذ الشعر ورواه زهير ابن أبي سلمى. ولزهير راويتان: ابنه كعب، والحطيئة، وكان هدبة بن الخشرم راوية الحطيئة، وعن هدبة تلقن الشعر ورواه جميل بن معمر، صاحب بثينة، وراوية جميل هو كثير عزة، الذي يُعد آخر من اجتمع له الشعر والرواية.
و«لما جاء الإسلام شغل العرب والمسلمون عن الشعر بالغزو والفتوح. ولما اطمأنوا بالأمصار، واستقرت دولتهم، راجعوا رواية الشعر – كما يقول ابن سلام – فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب. وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير».

مراسم الاحتفال الذي أقيم في معتقل أوشقتز البولندي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

شاهدت مراسم الاحتفال الذي أقيم في معتقل أوشقتز البولندي يوم الخميس 27/1/2005 والذي نقلته على الهواء مباشرة عدد من القنوات العالمية ، وهذا المعتقل نازي أقامه الألمان النازيون في الحرب العالمية الثانية وجلبوا إليه مئات الآلاف من الأسرى من مختلف أنحاء أوروبا ليلقوا حتفهم في ذلك المكان البغيض ، ويحتفلون اليوم بمرور ستين عاماً على تحرير باقي المعتقلين ودخول المعتقل على أيدي القوات السوفيتية سنة 1944، وقد حضر الاحتفال عدد من رؤساء العالم على رأسهم الرئيس البولندي والرئيس الأوكراني والرئيس فلاديمير بوتين الروسي ورئيس فرنسا جاك شيراك وغيرهم ، وأحضروا عدداً ممن نجا من المعتقل وحرر منه ، وتحدث بعضهم عما لا قى في ذلك المعتقل من الهول ، وكان عدد من يهود أوربا حاضراً ذلك الاحتفال.

إن أول ما يشد انتباه الناظر إلى خريطة سيراليون الجغرافية هو شكلها الهندسي الذي يكاد يكون دائرة تامة ، حيث تقع هذه الدولة عند الحافة الغربية للقارة الإفريقية بين غينيا وليبيريا : تحيط بها الأولى من منتصف شرقها تقريباً إلى شمال غربها ، وتحدها الثانية من وسط شرقها إلى جنوبها ، وتطل بقية حدودها الغربية إلى الجنوب على المحيط الأطلسي ، عاصمتها فريتاون، وهي ميناء طبيعي ممتاز عند مصب نهر روكيل، أما مساحتها الإجمالية ، فتبلغ 71740 كيلو متراً مربعاً ، وبهذا الموقع الاستراتيجي على ساحل المحيط الأطلسي تكون سيراليون إحدى دول المنطقة الاستوائية في القارة الإفريقية التي اتجهت إليها أنظار الغزاة الغربيين على مر التاريخ.
ولا ريب أن الاحتفال بالحرية لهؤلاء ولغيرهم أمر لا غبار عليه لكن الذي ضايقني وجلب لي أنواعاً من الهموم هو رؤيتي لرئيس مثل بوتين رئيس روسيا يحضر هذا الاحتفال بوصفه رئيساً لبلد حرر جنوده قبل ستين عاماً المعتقلين وفتحوا المعتقل وسماعي لحديثه المتناقض مع صنيعه، وسبب همي هو: متى يقام للمسلمين الناجين من هول الاتحاد السوفيتي احتفال مماثل عندما قام ستالين بقتل وتهجير ملايين المسلمين في الاتحاد السوفيتي الهالك ، ومتى يتذكر العالم ما يصنعه بوتين نفسه في الشيشان من أهوال وقتل وتشريد لأهل تلك البلاد المنسية ، وهذا هو عين النفاق السياسي ولا ريب : أن تحضر احتفالاً لتحرير المعتقلين وأنت تعتقل الشيشانيين في معتقل كبير وتذيقهم أصناف العذاب.

وتذكرت عندما رأيت جماعات اليهود الذين جاؤوا ليستفيدوا مما حدث مزيداً من الابتزاز لألمانيا وزعمائها ، وسماعي لحديث رئيس دولة المسخ اليهودي تذكرت عشرات الآلاف من إخواننا الفلسطينيين الذين هُجّروا وأخرجوا من ديارهم على أيدي اليهود ومعاونيهم الإنجليز ، وأن هناك عشرات الآلاف من الأسماء في معتقلات اليهود تحت بصر العالم وسمعه ، وكم قتل اليهود عشرات الآلاف الفلسطينيين وفعلوا بهم الأفاعيل ، لكن المسلمين لا بواكي لهم ، والهولوكوست الذي يتحدث عنه رئيس دولة المسخ اليهودي بنفاق واضح ألا يتذكر فيه مذابح الفلسطينيين وهجراتهم.

وتذكرت فرنسا التي تتباكى على بضع مئات من الفرنسيين ماتوا في هذا المعتقل.. تذكرتها وهي تحرم مئات الآلاف من أخواتنا المسلمات من حقوقهن في الحجاب وتخيرهن بين الخروج من المدارس والجامعات أو ترك الحجاب ، ولم تحترم مشاعرهن ولم ترحم دموعهن ، ولم تراع حقوق الإنسان التي تتباهي عليها في هذا الاحتفال في نفاق سياسي عجيب ومفارقة تاريخية واضحة.

فمتى تتذكر أوروبا ما جرى للملايين من المسلمين في أوزبكستان وقرقستان وبقية جمهوريات التركستان الغربية ، ومتى تتذكر أوروبا ما حدث على أيدي الصينيين وما يزال يحدث من قتل وتشريد لإخواننا في التركستان الشرقية الصينية (سنكيانج) والذي لا يبكي لما جرى عليهم كبير أحد.

ومتى تتذكر بريطانيا جرائمها في فلسطين وتقوم بالتكفير عنها تكفيراً حقيقياً وتضع حداً لمهازل اليهود فيها.

ومتى تتذكر أوروبا ويتذكر العالم ما يحدث في العراق على أيدي الصليبيين، وما حدث في أفغانستان والشيشان والفلبين وما يزال يحدث إلى الآن.

إن المحتفلين بتحرير معتقل أوشفتز اليوم عليهم أن يفهموا تماماً أن سكوتهم عن هذه الجرائم الكبيرة التي تجري اليوم بل مشاركتهم في كثير منها هي جريمة كبيرة سيلعنهم عليها التاريخ ، وأنهم عوضاً عن الاحتفال البارد هذا عليهم أن يقيموا موازين العدل فيما صنعوه بأنفسهم ويصنعونه من جرائم تتضاءل أمامها جرائم معتقل أ شفتز لكن القوم لا يريدون أن يفهموا أو يعتبروا ، ونحن المسلمين للأسف لا نملك من أسباب القوة ما نجعلهم يفهمون أو يعتبرون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

معرض الكتاب في القاهرة في دورته الرابعة والثلاثين

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

حضرت معرض الكتاب في القاهرة في دورته الرابعة والثلاثين ، وكان متميزاً كالعادة بميزات جيدة ، وكانت تخالطها بعض السلبيات ، أما الإيجابيات فهي في تصوري كالتالي :

إقبال الناس الكثيف الملاحظ على الكتاب الإسلامي ، وهجرهم للكتابات الأخرى، وأعني بالكتاب الإسلامي الكتاب الذي يتحدث عن الإسلام وحضارته وتراثه وتاريخه وثقافته ، وينضم إلى ذلك ما عبر عن كل ما سبق بالوسائل المسموعة والمرئية من أشرطة وأقراص حاسوبية ، فكل ذلك للإسلام فيه القدح المعلى والنصيب الأوفر ، وقد ولى ولله الحمد إلى غير رجعة العصر الذي كان الناس يقبلون فيه على كتابات غير إسلامية ، فلله الحمد والمنة ، ومن كان يملك أدنى بصيرة وفهم وملاحظة يدرك في هذا للوهلة الأولى ، أما الكتابات العلمية المحضة من علوم واقتصاد ورياضيات فالإقبال عليها متوسط أو ضعيف بحسب لغة الكتاب وجدته أو قدمه وأهميته.

رخص سعر الكتاب المصري – خاصة مع تدني سعر صرف الجنية – مقارنة بكتب البلدان الأخرى ، وهذا الرخص حقيقي وظاهر ، وهو فرصة لمن أراد أن يؤسس مكتبة خاصة جيدة ، وهنالك سوق داخل المعرض للكتاب المستعمل ضخم ومتنوع ومفيد ، وبعض الكتب فيها سعرها أرخص من نصف ريال سعودي !!

حسن المعاملة والبشر والاهتمام من قبل كثير من باعة الكتب وتعاونهم مع المشترين وهمتهم الظاهرة في تعاملهم معهم ، وإن كانت هذه ميزة عامة في الشعب المصري الشقيق لكنها كانت ظاهرة في المعرض واضحة ، وهي تريح الناس وتحببهم في الكتاب وترغبهم في شرائه.

طريقة عرض الكتب وتوزيعها جيدة في عمومها حيث يسهل على الناس الوصول إلى ما يريدون ، ودعنا نقل إنها مناسبة في العموم وإن كان هناك بعض النقص الذي لا يمكن أن يخلو من معرض بهذا الحجم مع ضعف المكافأة المادية.

أما السلبيات التي إذا تجنبت كان للمعرض التميز الأكبر فهي الآتي في تصوري :

عدم الإعلان عن موعد الندوات وموضوعها بطريقة مناسبة ، فمعظم الندوات لم أستطع أن أعرف عنها شيئاً وللسبب المذكور.

وقوع المعرض في فصل البرد القارس ، فلو أجل إلى الربيع مثلاً لكان أولى وأحسن خاصة أن كثيراً من المعروضات تعرض في الهواء الطلق أو داخل قاعات متصلة بالهواء الخارجي شديدة البرودة.

قلة دورات المياه قلة ملحوظة ، وقدم الموجود منها ، وهذا إن اجتمع مع تباعد المسافات جداً بين قاعات المعرض علم القارئ ما أرمي إليه في ذكري هذه السلبية، ولا تنس البرد القارس الذي يضاعف حاجة المرء إلى أماكن قضاء الحاجة هذه.

الإزعاج المنبعث من تضارب أصوات الباعة وعلوها واختلاطها ، وأيضاً منبعث من مكبرات الصوت التي تجمع بين الأغاني المائعة والأناشيد الإسلامية والقرآن في وقت واحد ، فلك أن تتصور كيف يكون الأمر حينئذ!.

الازدحام الشديد واختلاط الرجال بالنساء على نحو مزعج ، وأخشى أن يكون فيه بعض الحرج الشرعي ، وعلى القائمين على المعرض مراعاة ذلك قدر الإمكان، نعم أعلم أنه أمر صعب وقد يكون غير عملي لكن يمكن تنظيم الأمر قليلاً بجعل مداخل خاصة للنساء في القاعات شديدة الازدحام ، وإقامة ما يشبه شرطة الآداب إذ بعض الناس يستغل هذا المكان ليفسد أو ليبث شيئاً من غوايته وفاحشته.

وجود بعض الكتب المخلة بالآداب ، وهذا كثير في دور الكتب القومية والحداثية ، وهو كثير أيضاً في سوق الكتب المستعملة ، فحبذا لو كان هناك مراقبة لهذا الأمر حتى لا يتأذى به الناس ويفسد به الشباب.

وفي النهاية أقول : إن تلك السلبيات المذكورة لا تقلل من قيمة المعرض ، وأدعو القراء كافة لحضوره فهو مناسبة ثقافية رائعة خاصة أن الناس في هذا العصر تكاد تنصرف عن الكتاب والمكتبات ، فالمعرض يغري أشد الناس انصرافاً عن الكتاب بشراء شيء ما منه ، والله الموفق.

حادثـة الهـجـرة العظـيمـة

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

بقلم الدكتور محمد موسى الشريف
إن حادثـة الهـجـرة العظـيمـة تذكرنا دائماً بالتـاريـخ الهجـري ، الذي هو دلالة على استقلال شخصيتنا ، وأنه ينبغي أن يكون للأمـة شيء تتميز به عن غيرها في كل شؤونها وأحوالها.
فكما أنه لها قبلتهـا وشريعتها وهيئة مخصوصة في صلواتها وصيامها وحجها ، فإنه ينبغي أن يكون لها هيئة مخصوصة في حضارتها الموصولة بالله تعالى ، وفي ثقافتهـا القائمة على دينها وتراثها .
ومن الخصائص المهمة للثقافة التأريخ الذي من جهله جهـل حاضـره ومستقبله ، والتاريخ ضبطه آباؤنا وأجدادنا بالتاريخ الهجري المجيـد ، الذي توارثه المسـلمو نكابراً عن كابر وخلفـاً عن سلف ، حتى بُلينا بالاستخراب – الاستعمار – الذي غيرالتأريخ في جملة ما غيره .
والعجيب أن أمة الإسلام العريضة اليوم يجهل أكثر أبنائها هذا التاريخ ، ومن جملة ما يجهلونه منه التأريخ بالشهـور الهجرية ، إذ قد مررت على الناس في بلدان متعددة من المحيط إلى المحيط فإذا بالفاجعة المؤلمة : إنه ملا يكادون يفقهـون شيئاً من هذا التاريخ ، بل إن أكثرهم لا يعلم في أي شهر هجري هو، ولولا أن ربط الله تعالى شعائر من الدين ببعض الشهور والأيام لاندثر التاريخ الهجري تماماً ، إنا لله وإنا إليه راجعون .
وبعض الناس يتساءل بغفلة : ما الفرق بين أن نعتمد التاريخ الهجري أو الميلادي ؟ ثم أليس هذا يعتمد على القمر وذاك على الشمس وكلاهمـا من مخلوقات الله ؟
وفي هذا التساؤل خبث ظاهر أو غلبة جهلو غفلة ، إذ أن كثيراً من عباداتنا مفروضها ومسنونها يقوم على معرفة الشهـور الهجرية ..
وهو – أي التقويم الهجري – دلالة على تميزنا واعتزازنا بكل ما يمت لديننا بصلة ، وإلا ما الذي دعا عمر الفاروق الملهم إلى أن يجمع الصحابة ليضعوا التاريخ الهجري في حادثة فريدة عزيـزة ؟! ألم يكونوا يستطيعون الاكتفاء بتاريخ أمة من الأمم الحضارية آنذاك لكنه الحرص منهم على التميز والاستقلال في كل شيء ، رضي الله عنهم .
هذا ولا مانع من استعمال التأريخين معاً على أن يكون للتاريخ الهجري السبقفي الذكر والاعتناء فقد غلبت البلية بمثقفينا حتى أن أكثرهم لا يذكـرون التأريخ الهجري ولا يعيرونه أدنى اهتمام ، والله المستعان.

وأقرا أيضا التاريخ الهجري واستقلالية الأمة

المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

حادثـة الهـجـرة العظـيمـة

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

بقلم الدكتور محمد موسى الشريف
إن حادثـة الهـجـرة العظـيمـة تذكرنا دائماً بالتـاريـخ الهجـري ، الذي هو دلالة على استقلال شخصيتنا ، وأنه ينبغي أن يكون للأمـة شيء تتميز به عن غيرها في كل شؤونها وأحوالها.
فكما أنه لها قبلتهـا وشريعتها وهيئة مخصوصة في صلواتها وصيامها وحجها ، فإنه ينبغي أن يكون لها هيئة مخصوصة في حضارتها الموصولة بالله تعالى ، وفي ثقافتهـا القائمة على دينها وتراثها .
ومن الخصائص المهمة للثقافة التأريخ الذي من جهله جهـل حاضـره ومستقبله ، والتاريخ ضبطه آباؤنا وأجدادنا بالتاريخ الهجري المجيـد ، الذي توارثه المسـلمو نكابراً عن كابر وخلفـاً عن سلف ، حتى بُلينا بالاستخراب – الاستعمار – الذي غيرالتأريخ في جملة ما غيره .
والعجيب أن أمة الإسلام العريضة اليوم يجهل أكثر أبنائها هذا التاريخ ، ومن جملة ما يجهلونه منه التأريخ بالشهـور الهجرية ، إذ قد مررت على الناس في بلدان متعددة من المحيط إلى المحيط فإذا بالفاجعة المؤلمة : إنه ملا يكادون يفقهـون شيئاً من هذا التاريخ ، بل إن أكثرهم لا يعلم في أي شهر هجري هو، ولولا أن ربط الله تعالى شعائر من الدين ببعض الشهور والأيام لاندثر التاريخ الهجري تماماً ، إنا لله وإنا إليه راجعون .
وبعض الناس يتساءل بغفلة : ما الفرق بين أن نعتمد التاريخ الهجري أو الميلادي ؟ ثم أليس هذا يعتمد على القمر وذاك على الشمس وكلاهمـا من مخلوقات الله ؟
وفي هذا التساؤل خبث ظاهر أو غلبة جهلو غفلة ، إذ أن كثيراً من عباداتنا مفروضها ومسنونها يقوم على معرفة الشهـور الهجرية ..
وهو – أي التقويم الهجري – دلالة على تميزنا واعتزازنا بكل ما يمت لديننا بصلة ، وإلا ما الذي دعا عمر الفاروق الملهم إلى أن يجمع الصحابة ليضعوا التاريخ الهجري في حادثة فريدة عزيـزة ؟! ألم يكونوا يستطيعون الاكتفاء بتاريخ أمة من الأمم الحضارية آنذاك لكنه الحرص منهم على التميز والاستقلال في كل شيء ، رضي الله عنهم .
هذا ولا مانع من استعمال التأريخين معاً على أن يكون للتاريخ الهجري السبقفي الذكر والاعتناء فقد غلبت البلية بمثقفينا حتى أن أكثرهم لا يذكـرون التأريخ الهجري ولا يعيرونه أدنى اهتمام ، والله المستعان.

وأقرا أيضا التاريخ الهجري واستقلالية الأمة

المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

قد زرعـت حادثة الهجرة فينـا آمالاً عظيمة بقرب نصر الله تعالى

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

قد زرعـت حادثة الهجرة فينـا آمالاً عظيمة بقرب نصر الله تعالى ، كيف لا وقد نجى الله المؤمنين من ظلمات الكفر ، وأخرجهم من مكة حيث لم يكن الواحد منهم بقادر على أن يصلي في المسجد الحرام ولا أن يعلن شعائر دينه ، و خرج أكثرهم مستخفياً خائفاً ، وقدوتهم العظمى صلى الله عليه وسلم يبشرهم ويؤملهم ويثبتهم بأبي هو وأمي ( يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) ، وقد جاءه خباب رضي الله عنه قبل الهجرة وقد اشتد عليه الكرب وحاصرته الهموم قائلاً : يا رسـول الله ، ألا تستنصر لنا ؟ فاحمر وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم وقال : ( قد كان فيمن كان قبلكم ينشر بالمنشار من مفرق رأسه ما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب مـن صنعـاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ) .

أرأيت أخي القارئ كيف كان رسولنا الأعظم صـلى الله عليه وسلم يثبت أصحابه ويؤملهم ، ويبشـر النبي صلى الله عليه وسلم سـراقة بسواري كسرى ويؤمله في أمر لم يكن أكثر الناس تفاؤلاً ولا أوسعهم خيالاً يفكر فيه أدنى تفكير ، حتى إذا أوصلته الهجرة إلى المدينة النبوية المنورة بنى فيها دولة استعصت على الكافرين ألف سنة أو تزيد ، وكان لها السيادة العالمية .

واليوم يصيب كثيراً من الناس يأس مقعد وإحباط ظاهر ، وذلك لما حل بساحة المسلمين من المصائب ، ولما اجتمع عليهم من الكيد العالمي الخطير ، ويكاد هذا اليأس وذلك الإحباط يعصفان بقدراتهم ويطيحان بآمالهم ، ويقللان إلى حد كبير من عملهم وجهدهم .

وذلك هو الأمر الخطـير والمرض القاتل ، إذ يجب أن يملأ الأمل قلوبنـا بعودة الإسلام وعز المسلمين ، والبشائر تترى اليوم بهذا ، فتركيا عرفت طريق الإسلام ، والشيشان انتفض على الإلحاد ، وكشمير انتفضت على عباد الفقر ، وجنـوب الفليبين تغلي بالمجاهـدين ، وفلسطـين الأرض المباركة فيها جهاد مبارك عظيم ، وديار الإسـلام يرفرف على سمائهـا الدين بعد سحب مظلمـة طويلة ، وعناد وكفـر فعلا بها الأفاعـيل ، فلنلتمس من حادثة الهجرة الأمل ، ولتستضيء قلوبنـا بنوره ، فإنه والله لولا الأمل بنصر الله تعالى لنا ولو بعد حين لكان بطن الأرض خيراً لنا من ظهرها، والله المستعان .

فوجئ العالم كله بحادث مزعج ،

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

فوجئ العالم كله بحادث مزعج ، تناول الإسلام ورسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام ، واستيقظ على خطاب للبابا نكد ، غير موفق ولا مسئول ،أسدل به الستار على مؤتمرات الحوار ، وكشف به المستور عما يكنه صدره الموتور ، ولقد تابع العالم كله تفصيلات اتهامه الإسلام ورسوله العظيم عليه الصلاة والسلام بما يغنيني عن إعادته هاهنا ، وبما لا أجد نفسي في حل من ترداده ، لكن كانت هذه مناسبة مهمة لتأكيد المعاني التالية في نفوس المسلمين :
أولا : قوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم …الآية } . البقرة آية 120

فمهما حاولنا أن نبين لهم عظمة ديننا ، وسمو شريعتنا ، وروعة قيمنا فإن القوم قد تعاهدوا على العماية ، واتفقوا على الغواية ، فلا يبصرون غير حقدهم الأسود ، وإذا تكلموا فلا ينطقون إلا بما تخبئه صدورهم من الغيظ ، وإلا فالإسلام أنصع من أن ندافع عنه ، وأوضح من أن ندل عليه ، وأكبر من أن نبين عظمته وسموه ، لكن ما الحيلة مع أقوام يرون محاسن الإسلام عيوبا ، وكمال شريعته نقصا ، ورحمته قسوة ، وخيره شرا ، ونفعه ضررا .

ثانياً : إفلاس هذا الطاعن هو وكنيسته :

من المعلوم من شأن العقلاء أن الواحد منهم إذا ابتلي ببلية عظيمة أن يستتر ، وأن يخشى على نفسه الفضيحة والانكشاف ، فما بال هذا الرجل وقد ابتلي بدين لا يقبله العقل ولا المنطق السليم ، ورمي بملة شوهاء خلطت الوثنية بالملة السماوية ، وأصيب بداهية دهياء أفسدت عليه دنياه وأخراه ، ما باله يعمد إلى التهجم على المنبع الصافي ، ويرمي الإسلام العظيم بما هو أهله وأحق به !!

لكني أقول : إن ما قام به من كلام هو نفثات المصدور , وحزن المفلس المطعون ، فكنائسه تباع في أوروبا ويشتريها المسلمون ولله الحمد ، وقد انفض شيبهم وشبابهم عن سائر كنائسهم فلا يحضرون إلا قليلا ، وغزا قومه الإلحاد والشدة وضعف الإيمان ، ولقد رأيت من هذا وسمعت عجائب في عقر ديارهم ، وأصبحت النصرانية حمية بعد أن كانت ملة ، وتاريخا وتراثا بعد أن مل منها الناس الملة تلو الملة ، وليت شعري كيف لا يقول البابا وأمثاله ما قاله وهو يرى إقبال الناس على الإسلام زرافات ووحداناً ، ويرى نصارى الأمس وقد صاروا مسلمي اليوم ، ويرى الإسلام وهو يغزو القلوب والعقول ، ويلج إلى الأفئدة فيلقى منها كل القبول ؟! وكيف لا تتحرك نفسه وهو يسمع بما تقره المحافل الدولية وعقلاؤها من عظمة الإسلام وسمو رسالته في جميع الجوانب، وتتهم النصرانية في الوقت نفسه بتهم عديدة ، ويرميها أهلها بكل نقيصة ، وينفض عنها العقلاء الذين يئسوا من منطقها ، وتخلو منها معاقل كانت بالأمس هي المستولية عليها وفارسها ، اللهم لا شماتة .

ثالثاً : الإخفاق في نتائج الحوار مع هؤلاء وأمثالهم :

إن المتابع لمؤتمرات الحوار التي جرت بين الإسلام والنصرانية ليلحظ بوضوح ضعف نتائجها، وهزال مقرراتها، ناهيك عن بقاء تلك المقررات حبراً على ورق غالباً، وأي حوار هذا مع ديانة كان رئيسها السابق ( يوحنا ) قد جاب برحلاته العالم محرضاً على الإسلام ؟ ومع ديانة اجتمع أربابها سنة 1398- 1978 في كلورادو بأمريكا ليقرروا تنصير مسلمي أفريقيا بكل الوسائل ، وأنواع الترغيب والترهيب ؟.

وأي حوار مع ديانة اعتذر رئيسها لليهود ولم يعتذر للمسلمين عن المجازر الرهيبة التي ارتكبتها الكنيسة بالتنسيق مع الدول الاستخرابية الكبرى في القرون الماضية ؟ يعتذر لليهود الذين تتهمهم الكنيسة رسمياً بالتحريض على قتل عيسى عليه الصلاة والسلام _ كما يزعمون ، ونحن براء من عقيدة الصلب هذه , ونؤمن بأن عيسى رفع إلى السماء _ ويبرئهم من هذه التهمة التي هي عند النصارى لا تقبل تشكيكاً ولا مراءً ولا جدالاً ، ثم لا يعتذر للمسلمين الذين ذاقوا من النصارى المر ورأوا منهم الهول .

يقول د/ محمد عمارة: إنه زهد في مؤتمرات الحوار عندما وضع النصارى مقاعد المسلمين أثناء الحوار مع البوذيين , ولم يضعوها مع مقاعد اليهود والنصارى , في إشارة لعدم اعترافهم بالإسلام ديانة سماوية ، وبنبي الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام.

وأي حوار مع نصارى يوصوننا باليهود خيراً في المؤتمرات الحوارية , ويساوون بين الضحية و الجلاد ؟!

ولم نسمع لهم يوماً كلمة حقٍ في ديننا وفي رسولنا ، ثم نزعم بعد ذلك أننا نحاور ، بل نحن قوم مخدوعون بأمثال هؤلاء .

ومن المعلوم أننا ضعفاء عسكرياً وسياسياً فهل يطمع الضعيف يوماً أن ينتزع حقاً من قويٍ بحوار هو أشبه بحوار الطرشان ، وألصق بكلام الخُرس ونظر العُمي ؟!

ولئن زعم زاعم أننا كسبنا منهم مواقف جيدة في مؤتمرات السكان يوم تمالأ الغرب والشرق على إقرار الفاحشة ، وتثبيت البائقة فأقول : نعم ، لكن هل كان ذلك بسبب الحوار أو أنه أمر تابع لقناعاتهم وما يرونه حسناً ؟!

ثم إني لا أقول بعدم جدوى التنسيق لكن الحوار هو الذي أزعم بعدم جديته في ظل عدم اعتراف القوم بالإسلام ونبيه علي الصلاة و السلام ، ثم أي حوار نريد مع ديانة هذه وجة نظر رئيسها حول الإسلام ونبي الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام ؟!

رابعاً : وجوب الإلتزام بالإسلام :

كل هذا الذي يجري من حولنا اليوم ابتداءً من غطرسة أمريكا وعنجهيتها ، ومروراً بتجبر إخوان القردة ، وبتخاذل أوروبا والصين عن نصرة المسلمين ، وبتصريحات البابا الحالي والسابق ، هذا التكالب الكبير للأحداث على أمة الإسلام ألا يغري البعيدين منا من دينهم بالاقتراب ، وعض النواجذ عليه والكف عن الاغتراب .

ألا تحث هذه الأحداث العلمانيين منا والمتحررين على مراجعة شأنهم ، وتغيير طريقتهم ، وإعلان التوبة النصوح، والتبرؤ من التمرد والجموح ؟!

ألا تنبه هذه الأحداث المغرورين من الحكام والمحكومين بخطر ما نحن مقبلون عليه من الأحداث ؛ فيقدموا تقوى الله على كل شيء ، ويرجعوا إلى المولى فيحكموا شريعته ، ويرفعوا لواء دينه ؟

خاصة إذا فهمنا أن تصريحات البابا تزامنت مع تصريحات بوش حول الإسلاميين الفاشيين ، وتصريحات بلير في أمريكا عندما قارن بين حضارة الغرب وحضارة الإسلام ، وهذا كله يدق جرس الإنذار عند أولي الألباب بأن شيئاً عظيماً كائن ، وبأن أمراً جللاً قادم .

أنا لا أريد الفتنة ولا التهييج لكن أحذر بأن المسلمين لن يصبروا طويلاً على الاستهانة و الاستخفاف بدينهم عقيدة و شريعة ، وعلى الهجوم المبرمج المخطط له الذي يتواصى به القوم ، ويقذفون به في وجوهنا بين الفينة والأخرى .

ثم هل يستطيع أحد أن يلوم الشباب المتحمس على انتصاره لدينه وإسلامه بعد هذا كله ، أم سنظل نرميه بكل التهم ، والمذنب الحقيقي يصول ويجول ؟!.

ثم أليست هذه الهجمات على الإسلام هي التي تغذي الغلو وتقوي التطرف ، وتضرب عرض الحائط بكل دعوات التفاهم والتسامح ؟!

لذلك كله :

– أدعوا علماء المسلمين ليكون لهم موقف قوي ضد هذه الهجمة القوية _ من البابا وغيره من الساسة_ على الإسلام والمسلمين ، وأن يفندوا شبهاتهم ، وأن يقفوا بقوة في وجوههم حتى يظهر للمسلمين مكر أولئك وكيدهم ، وليكونوا على بصيرة من دينهم .

– وأدعو عقلاء الغرب والشرق ومفكريهما من الملل المختلفة لقراءة هذه التصريحات الشوهاء ، ودراسة هذا الدين العظيم ، والمقارنة بين جواهره وما يتهمه به أولئك ومن ثم التبين والتبصر ، وألا ينساقوا خلف شبهات الطغاة والجبارين والضالين ، وليقفوا على مكامن العظمة ليتلمسوها بأنفسهم عسى أن يهتدوا لهذا الدين ويصبحوا من جنده الموحدين ، ويفارقوا ملل الضلال والكفر.

– وختاماً أخاطب إخواني من المسلمين والمسلمات قائلاً :

لا تقلقوا فهذا دين الله تعالى ، وهو جلَ جلاله يريد أمراً من وراء ذلك كله لن يخذلنا فيه ولن يسلمنا ، وأن بوادر النصر التي بدأت تظهر هي التي أفقدت القوم صوابهم وأورثتهم خطأً في القول وخطلاً في العمل ، فاثبتوا على دينكم ، وأعلموا أن النصر قادم والإسلام ممكن له في الأرض ولو بعد حين ، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ، والله أكبر والعاقبة للمتقين ، وأقول للعالمين : ولتعلمن نبأه بعد حين .

حال المسلمين في قزقستان وقير

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

سبق أن كتبت تسع حلقات وصفت فيها حال المسلمين في قزقستان وقيرغيزيا بعد مرور سنوات على فك أسر الجمهوريات الإسلامية الخمس من الاتحاد السوفيتي الهالك، وهي قزقستان وقيرغيزيا وتركمانستان وأوزبكستان وطاجكستان، والجمهوريتان قزقستان وقرغيزيا هما الأقرب لجمهور المسلمين لانفتاحهما النسبي على العالم ، أما باقي الجمهوريات فهي منعزلة قليلاً ، وأما أوزبكستان فهي الجمهورية المغلقة في وجه العرب خاصة للأسف الشديد فهم غير مرحب بهم هنالك ، هذا على أن فيها معظم الآثار الإسلامية بخارى وطشقند وسمرقند ومرغلان ووادي فرغانة إلى آخر المدن الإسلامية التي سمعنا بها في تاريخنا ، وبخارى وحدها فيها قرابة تسع مائة معلم إسلامي يمكن زيارته ، وأسال الله تعالى أن يوفق أولى الأمر في سائر الجمهوريات الإسلامية آنفة الذكر إلى الانفتاح على العالم الإسلامي والعربي .

أما جمهوريتا قزقستان وقيرغيزيا فإني أدعو كل المسلمين الراغبين في السياحة للخارج لزيارة تلك الجمهوريتين ، وسبب ذلك هو التالي : هاتان الجمهوريتان مثل سائر الجمهوريات عزلتا طويلاً عن العالم الإسلامي ، فلم تعد أجيال المسلمين فيهما يعرفون شيئاً عن الإسلام والمسلمين ، فمعلوماتهم الإسلامية قليلة جداً ، وتطبيقهم لأركان الإسلام نادر أو معدوم ، حتى إن القوم انتشر فيهم التنصير انتشاراً خطيراً واستغل جهلهم بالإسلام استغلالاً معيباً.

فزيارة المسلمين بأعداد كبيرة لهاتين المنطقتين يساعد في تضييق الهوة الشاسعة بينهم – أي أهل الجمهوريتين- وبين الإسلام، ويرون إخوانهم المسلمين ويتصلون بهم ، وستعمر المساجد الخالية هنالك ، والأهم أن القوم هنالك سيشاهدون المسلمات المحجبات ، وقد مكثت في المنطقة عشرة أيام فلم أر من النساء المحجبات إلا ما يعد على أصابع اليدين.

وفي سفر المسلمين لتلك المناطق تعميق لمعنى الأخوة الإسلامية الذي هو قد نسي تماماً هنالك ، وتأكيد لكثير من المظاهر الإيمانية ، والمشاعر الإسلامية.

المسلمون الذين سيسافرون للسياحة في هاتين الجمهوريتين سيساعدون في تقوية الاقتصاد الضعيف هنالك بما سيصرفون من أموالهم وينفقونه من صدقاتهم ، والأسعار في الجمهوريتين رخيصة مقارنة بكثير من البلاد التي يقصدها المسلمون للسياحة ، وهناك من المناظر الطبيعية الخلابة خاصة في قزقستان ما يفوق ما هو موجود في كثير من الدول التي تقصد للسياحة.

وأدعو الراغبين في الاستثمار لزيارة تلك الجمهوريتين ، فأسعار الأراضي رخيصة والمصانع قليلة ، واليهود قد سبقونا إلى هنالك كعادتهم ، فلا ينبغي أن نترك البلاد لهم يتحكمون في اقتصادها وينهبون ثرواتها ويستعبدون أهلها.

وأدعو الراغبين في الاستثمار في جنة الآخرة أن يسارعوا لبناء المساجد وإقامة المؤسسات الإسلامية التعليمية والتربوية ، فالمساجد هنالك قليلة أو نادرة ، وصوت الأذان لا يكاد يسمع ، والقوم بحاجة ماسة لمؤسسات ثقافية وتربوية وعلمية تقوم على أساس الإسلام وتأخذ بأيديهم للهدى والرشاد ، فكما أن الحكومتين قد سمحتا للنصارى بالعمل فقد سمحتا للمسلمين أيضاً فهل من مشمر راغب في الآخرة ؟

لكل أمة تاريخها التي تعتز به وتدرسه للأجيال

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

ان لكل أمة تاريخها التي تعتز به وتدرسه للأجيال ، وتتناقله الألسن والدواوين ، وتهفو إليه القلوب والأفئدة.

وإن أمة الإسلام ليست ببدع من الأمم في هذا الباب بل تاريخها عظيم وجليل لا يدانيه تاريخ أمة من الأمم الأخرى ولا يضارعه ، فهو قد امتاز عن غيره بجملة خصائص وضعته في الصدارة بين تواريخ الأمم ، فمن هذه الخصائص الجليلة :

أولاً : تاريخنا موصول بالرسل والأنبياء :

ينبغي أن يعلم أن تاريخ هذه الأمة الإسلامية العظيمة لا يبدأ ببعثة أعظم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم إنما يبدأ منذ بداية الرسالة والنبوة على هذه الأرض ، إذ كل الأنبياء والرسل مسلمون جاؤوا برسالة خالدة تداولها الأنبياء حتى وصلت إلى سيدهم وعظيمهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد قال تعالى : (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى).

وقال تعالى : (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً ونحن له مسلمون).

وقال تعالى قاصاً حال إبراهيم عليه أفضل الصلوات والتسليم : (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين).

فهو إذاً تاريخ موغل في القدم ، تحفه الرسالات والرسل العظام الكرام ، وهو ليس تاريخاً خاصاً بجنس أو شعب بل كل من أسلم لله تعالى على مدار التاريخ فهو من هذه الأمة المسلمة الراشدة ، وهذا يرتقى بتاريخنا إلى الشمول والعالمية التي تحتاجها الحضارات التي تبنى على أساس سليم.

ثانياً : تاريخنا منضبط دقيق :

ليس لأمة من الأمم تواريخ صحيحة منضبطة دقيقة مثل ما لأمتنا ، بل ليس عندهم عشر معشار ما عندنا (أي واحدة بالمئة) ، فهذا تاريخنا يتناقل معظمه بالسند ، وليس لأمة من أمم الأرض اليوم سند لا صحيح ولا موضوع ، وتاريخنا يمكن أن يحاكمه أي ناقد مدقق إذ هو مؤسس على قواعد دقيقة منضبطة ، أما الأمم الأخرى فهم لم يضبطوا تواريخ أنبيائهم فضلاً عن عظمائهم وفضلائهم، ولم يصح منها إلا شيء يسير ولا نستطيع أن نعينه غالباً ، وكثير من الحوادث التاريخية في هذه الأمة الإسلامية مذكور في كتاب الله تعالى وهو أصح نص في دنيا الناس وبين أيديهم ، ومذكور كذلك في صحيح السنة ، ومعلوم كم من الجهود بذلت لضبطها وتدقيقها وتصحيحها.

ثالثاً : تاريخنا مليء بالحيوية والتجدد :

إذ كلما خبا ضوء الأمة في مكان سطع في مكان آخر ، فسقوط الأندلس عوّض بفتح القسطنطينية ، ويبعث الله تعالى في كل زمان ومكان من يرتقي بهذه الأمة ويصلها بأمجاد تاريخها وروعة ماضيها ، ويتكئ على موروثها العظيم لصنع حاضر مضيء ومستقبل مشرق رائع.

رابعاً : تاريخنا مليء بالتفاصيل المهمة الرائعة :

وهذه ميزة ليست لغيرنا من الأمم ، فنحن نعرف من تواريخ عظمائنا وأبطالنا وفضلائنا الكثير الكثير ، وننهل من تجارب من مات منذ أكثر من ألف سنة وأحواله ودقائق حياته ، ما يعيننا على إصلاح عيوبنا والارتقاء بأحوالنا ، وهناك كتب كثيرة تكفلت بعرض هذه الروائع ، وضبط هذه الدقائق والرقائق ، وحفظ تلك الكنوز والوثائق.

خامساً : تاريخنا يحمل البشرى لمستقبلنا :

في ثنايا تاريخنا مبشرات رائعات منقولات ومعقولات تبشر بمستقبل رائع مشرق ، وأعني بالمنقولات ما جاء من بشريات في كتب السنة بالنصر والتمكين ، وأعني بالمعقولات ما يفهمه قارئ التاريخ استئصالاً وزوالاً ، وأنه على مدار تاريخ هذه الأمة الرائع حصلت أحوال وحوادث كان يخشى فيها على هذه الأمة من الزوال لكن نورها أشرق من جديد، وضياؤها انتشر بعد ظلام مديد ، وهذا من فضل الله علينا ، ودليل واحد من أدلة كثيرة أننا على الحق ، وأن الله تعالى لن يخذلنا ولن يسلمنا سبحانه وتعالى ، والله الموفق.

بقلم : د. محمد بن موسى الشريف

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

ربيع الثاني 1428/مايو 2007

لم يكن يدور في خلدي أبداً وأنا أذهب إلى كليرمونت في ربيع الثاني 1428هـ/مايو 2007 أني سأجد ما وجدته فيها، ولا أني سأقف على ما وقفت عليه، فقد كانت هذه الرحلة إلى هذه المدينة هي أهم وجهة اتجهت إليها في فرنسا، وذلك لما سأذكره للقراء بعد.

وهذه المدينة هي من مقاطعة الأوفيرن المشهور أهلها بالحرص الشديد لما كانت عليه حياتهم من ضيق في المعيشة وصعوبة في التضاريس، ففيها سلسلة جبال بركانية، والمدينة – كليرمونت – تقع في وسط تلال وجبال، وجل المياه المعدنية منها، وفي كليرمونت تنبع مياه فولفيك الشهيرة وهي منطقة المياه الساخنة التي يقصدها الناس من كل مكان للاستشفاء، وفي منطقة الأوفيرن، وبالقرب من كليرمونت تقع مدينة فيشي التي كانت مقراً للحكومة الفرنسية الموالية للألمان النازيين لما احتل الألمان فرنسا في الحرب العالمية الثانية، وفيها اليوم أحد أشهر المعاهد لتدريس اللغة الفرنسية للطلبة الوافدين، وقد درس فيه طلاب عرب من السعودية وغيرها.

قرار عظيم :

وفيها أكبر مصنع للإطارات في العالم وهي إطارات ميشلان المشهورة، وهي مدينة جيسكار ديستان رئيس فرنسا السابق الذي حرر دستور أوروبا، صاحب القرار التاريخي بإلحاق عائلات العمال العرب بهم، وهذا سبب انتقال مئات الآلاف من المغرب العربي الكبير إلى فرنسا، وهو القرار الذي يجاهرون اليوم بالندم على إصداره لأنه أدى إلى زيادة هائلة في عدد المسلمين في فرنسا.

أهمية تاريخية :

وفي هذه المدينة كليرمونت أهمية تاريخية كبرى لنا نحن معشر المسلمين، حيث انطلقت منها جحافل الصليبيين تجاه بلاد الشام في أواخر القرن الخامس الهجري، هذا ، وقد أخذني الإخوة إلى ساحة فيها تمثال لباباهم أوربان الثاني الذي جاء المدينة سنة 1095 للميلاد قبل هلاكه بأربع سنوات، وحث النبلاء وقادة الجند على التوجه إلى بيت المقدس، وكانت الاستجابة ضعيفة، فما كان منه إلا أن أحلّ لهم الغنائم وهذا حرام في دينه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في سياق تعداد خصائصه الشريفة التي خُصّ بها من دون الأنبياء والرسل الكرام عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم السلام : “وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي”، فلما أحل لهم الغنائم ووعدهم بأرض السمن والعسل، هبوا إلى الغزو، وحصل ما حصل من مآسٍ بعد ذلك؛ نتيجة همجية الجنود وتوحشهم، ولم يسلم منهم حتى أهل دينهم من الأرثوذكس في المشرق، فقد عمموا بالذبح كل أحد، وفعلوا من القبائح ما يضاعف لهم العذاب عند الواحد الأحد.

وقد رأيت التمثال لباباهم ويده متوجهة نحو المشرق، وأمامه كاتدرائية ضخمة، منها أجيز قرار حل الغنائم ومنها بورك الغزو الهمجي، وهي كنيسة متماسكة البناء موغلة في القدم، وهي قلب المدينة كعادتهم آنذاك.

وقد رأيت تمثال قائد الفرنسيين المسمين ب “الغال” قديماً، وهو الذي ساقهم إلى النصر على الغزاة الرومان، ورأيت في الساحة صورة باسكال عالم الفيزياء الذي وضع معيار الضغط الجوي، وقد حفظ القوم موقع بيته، والعجيب أنهم وضعوا صور باسكال وباباهم والقائد الغالي منحوتة في ألواح من معدن، وثبتوها على الأرض في مواقع عديدة من الساحة، فيأتي الناس ولا يبالون بدوسها بأقدامهم فانظر إلى صنيعهم وبعده عن التوفيق.

هذا وقد تحدثت إلى المصلين في مسجد السلام، وكان الحديث في الموضوع الأثير لدي القريب إلى قلبي (أثر المرء في دنياه)، وقد حثثتهم على العمل ووضع الأهداف الجليلة، وكان فيما حدثتهم عنه، ضرورة بناء مدارس للبنات تحفظ عليهن دينهن، وكان فيما اقترحته عليهم أن يؤسسوا لحملة كبيرة عنوانها حملة شرب الماء ومعنى ذلك أن يمتنعوا عن شرب العصير مدة ستة أشهر لتوفير المال اللازم لبناء مدارس للبنات، وقد ضربت لهم العصير مثلاً لتعلقهم به ودفعهم أموالاً طائلة من أجله، فقد بينت لهم كيف يستطيعون أن يوفروا الملايين من امتناعهم عن شرب العصير واستبدال الماء به. فكيف لو امتنعوا عن سائر الكماليات من أجل بناء مدارس لبناتهم الممنوعات من الحجاب في مدارس الدولة.

ولا أملّ أبداً في فرنسا من ذكر هذا الأمر والتشجيع عليه والتحريض على بدئه. فالقوم شبه غافلين عن خطورة أثر هذه المدارس العامة الحكومية على بناتهم، وأحرص فيما أحرص عليه، على إيقاظ الغيرة والنخوة والشهامة فيهم بوسائل متعددة وهم لا يغضبون؛ لعلمهم أني إنما أريد الحفاظ على بناتهم، وجرت مناقشات أعدها إيجابية إلى الغاية التي أردت، وأظنها قد أذكت في القوم الرغبة في بدء أمر كهذا، وهم سليمو الفطرة؛ لكن غطت عليها سحائب التصور الأوروبي للحياة.

دوائر ثلاث :

هذا وقد أنعم الله علي بأن لقنت إحدى الفرنسيات الشهادة عن طريق مكبر الصوت، حيث كانت في القسم النسائي. فلله الحمد والمنة، ونصحتها بفهم الإسلام والدعوة إليه، وذكرتها بفضل الله عليها حيث اختارها من ملايين النساء من بني جنسها وهداها للإسلام.

وهذا المسجد مسجد السلام هو من المساجد التابعة لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، وكنت قد تحدثت إلى المصلين في مسجد الوحدة بعد صلاة العصر قبل حديثي في مسجد السلام، وهو مسجد للمغاربة، وبينت لهم أن المسلم يعيش في دوائر ثلاث دائرة نفسه والمسؤولية التامة عنها، ودائرة الأهل والأولاد، ودائرة المجتمع، وبينت لهم ما ينبغي أن يصنعوه في كل دائرة من هذه الدوائر، فلما أخذت في بيان مسؤوليتهم وما ينبغي صنعه في الدائرة الثالثة ضاق الوقت، فدعوتهم لإكمال الحديث في مسجد السلام الذي كانت المحاضرة فيه في السابعة والنصف، وكانت عن أثر المرء في دنياه كما قدمت آنفاً، وكان غرضي أن يجتمع المصلون في مسجد واحد لما في ذلك من اجتماع القلوب، وأن أحثهم على التحرك والانتقال من أجل الفائدة، وقد تحدثت معهم أيضاً عن مدارس البنات وأهمية إنشائها.

مسجد أصله كنيسة :

وقد ذهبت في اليوم التالي إلى مسجد للجزائريين كان كنيسة قديمة حُولت إلى مسجد، وقد أحسن الشيخ محجوب، إمام المسجد استقبالي للغاية، وأثنى عليّ ثناءً لم أرغب فيه ولم أرده والله، لكن طبيعتي منعتني من إيقافه أو التخفيف من غلواء ثنائه، ولا أدري والله ماذا أصنع في مثل هذه المواقف الحرجة والعواطف المتأججة، وأخشى من الله إن سكتّ، وأخشى من تأثر المقدم سلباً إن اعترضت لكن أقول: “اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون”.

وقد أخبرني الإمام أنهم يبنون مسجداً آخر في المكان نفسه الذي انطلق منه الصليبيون، وأوقفني على هذا المسجد المهندس المعماري الذي خطط له ووضع رسمه وهو مسلم ذو عاطفة قوية، فإذا به في مراحل البناء الأخيرة، وهو آية في موقعه وجمال بنائه وتنوع أنشطته.

وقد جاء رجل مصري ثري ليتعالج في مياه المدينة الساخنة فلما رأى ضيق المسجد الذي كان كنيسة ورأى أنهم قد اشتروا أرضاً ليبنوها تبرع لهم بجملة وافرة من ثمن البناء، وأرسل لهم من مصر المنبر والأسماء الحسنى الإلهية منحوتة على الجبس ليفرقوها في جنبات المسجد الجديد، وأرسل لهم أشياء أخرى، فسبحان الله كيف سيق ذلك.

بين الأتراك :

وفي اليوم نفسه زرت مسجد الأتراك ضحى مع عدد من الإخوة، وقابلنا المسؤول عنه، وجال بنا في جنبات المسجد، وهو مسجد جليل أشبه بمساجد تركيا بل هو صورة أخرى منها، وأتمنى أن يكون هناك مشاركة أكبر من قبل الجالية التركية مع إخوانهم العرب، فإني قد رأيتهم قليلي المشاركة، ورأيتهم في ألمانيا وهم قليلو المشاركة أيضاً وهم عدة ملايين، وربما كان لحاجز اللغة أثر في هذا، على أن الإسلام دين عالمي لا ينبغي أن تكون فيه مثل هذه الحواجز.

في مسجد السلام :

وفي مسجد السلام خطبت الجمعة، وكانت عن الاعتزاز بالإسلام ومظاهر هذه العزة وتبعاتها ومقتضياتها، وتُرجمت إلى الفرنسية بين الخطبتين، حيث إني أقصر الخطبة الثانية على الدعاء فقط في مثل هذه الأحوال.

وفي مسجد السلام أيضاً عقدت حلقة للفرنسيين المسلمين رجالاً ونساء، وحضرت معهم الأخت الفرنسية المسلمة التي ذكرتها آنفاً، وقد حضرت بحجابها ولله الحمد والمنة، وأجبت عن أسئلتهم المتنوعة، ومما لفت نظري شكاية عدد منهم من أن بعض الإخوة المغاربة يريدونهم أن ينقلبوا عرباً بتعبيرهم، وأن يتبعوا التقاليد العربية، وأن يتحدثوا بالعربية، وأن يغيروا أسماءهم فبينت لهم أن الحكمة ينبغي أن تكون ضالتهم فليتخيروا من التقاليد العربية ما يرونه مناسباً لهم، وليس بهم ضرورة أن يغيروا أسماءهم، وليس من مقاصد الإسلام أن يُقسَر القوم على عربية في اللغة أو الهيئة أو الأسماء، لكن فليتعلموا من العربية ما تصح به عباداتهم وما تنضبط به تصوراتهم وفهومهم عن الإسلام والمسلمين.

هذا وقد أكدت بقوة في جميع المحاضرات.. الأهمية القصوى للعناية بالعربية حتى لا تضيع من أولاد العرب، وأن العربية سياج للدين، فهي الطريق إلى فهمه، والوسيلة إلى إدراك مقاصده، وهي التي يقرأ بها القرآن فيتلذذ بمعانيه وبوقع ألفاظه على الآذان، وقد رأيت ما آلمني من ضياع لهذه العربية ورطانة بالأعجمية من أولاد العرب الأقحاح، وهذه ظاهرة متفشية هناك، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فأنا أعد هذا من جملة المصائب.

حادثة عجيبة :

وقد قابلت الأستاذ “البشير بوخزر” في كليرمونت، وهو رئيس الجمعيّة المسيّرة لمسجد السلام والمسؤول الإعلامي في اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، وقد أخبرني بأمر عجيب، ألا وهو أن رجل أعمال فرنسي كبيراً أخبره أن والده كان من كبار المستشارين العسكريين للرئيس الفرنسي السابق المشهور شارل ديجول، ولما مات هذا المستشار خرجوا به في جنازة رسمية وطنية، وكان هذا المستشار قد ترك وصية ومن بينها ترك لابنه هذا من ميراثه صندوقاً مغلقاً، وكان أبوه يحبه ويؤثره، فلما فتح ابنه الصندوق وجد فيه مصحفاً وسجادة، فاندهش ابنه اندهاشاً عظيماً لأنه كان يرى في والده قدوة ووطنية فكيف يكون مسلماً، وظل الابن مصدوماً لمدة أكثر من سنتين، يبحث فيها عن الأسباب التي أدت بوالده إلى أن يكون مسلماً، وبعد سنتين من الحيرة ذهب إلى المركز الإسلامي في “كان” وهي مدينته ومدينة أبيه وهي مدينة المهرجان السينمائي ومدينة السياحة المشهورة واسم المركز “المدينة المنورة”، وناقش مدير المركز بما حدث، فقال له مدير المركز : إن هذا أمر سهل، فإن أباك كان مسلماً، لكن موقعه في الدولة لم يكن يسمح له بإظهار إسلامه، لكنه لما ترك لك ما ترك كان يريد أن يرسل رسالة لك مضمونها أن تقوم بما عجز هو عن إظهاره، وأن تكون أنت الصورة الظاهرة لحاله الباطنة!!

فطلب منه الإمام أن يفهم الإسلام وأن يتم رسالة أبيه، فظل ملازماً للإمام بضعة أشهر ثم طلب منه أن يعلن إسلامه، فطلب منه الإمام أن يعلن إسلامه يوم الجمعة، لأن الناس يجتمعون فيه وذلك يوم مشهود، فقال: لا، إنما أعلنه في اليوم الذي يوافق ميلادي حتى أولد من جديد فنظر في التقويم التاريخي فإذا باليوم الذي يوافق ميلاده يوافق يوم الجمعة، فاقشعر جسد الإمام لهذا الاتفاق العجيب، وهذا فعل إلهيّ جليل، وفكر الإمام أن يهدي هذا الرجل حديث الإسلام مصحفاً وسجادة ليذكره بعهد أبيه، فأرسل أحد الإخوة إلى باريس ليشتري له من هناك سجادة تليق بالحدث، فذهب الأخ وعاد لكنه نسي أن يحضر السجادة فوقع عليه الخبر وقع الصاعقة؛ لأن هذا الناسي أبلغه بنسيانه صباح يوم الجمعة وأحاط به الهمّ من كل جانب، فإذا بالله تعالى يرسل له امرأة لم يرها من قبل ولا من بعد، وطرقت عليه باب المركز ففتح لها وهو غارق في همّه لتهديه ثلاث سجادات ينسي جمال كل واحدة منها الأخرى فسألها فقالت: إن هذه السجادات قد أعجبتها فاشترتها هدية للمسجد!! الله أكبر، الله أكبر.

ففرح الإمام بهذه الهدية التي جاءت في وقت حرج، وخطب الجمعة بمضمون كل ما حدث، وأهدى هذا الرجل المصحف والسجادة وسمى الرجل نفسه شمساً ليظهر النور الذي كان عليه أبوه، وصار يدرس الفرنسية في المعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية في باريس، وهو معهد إسلامي، وله نشاط في المحاضرات والكتابات، فسبحان الله ما أجمل الهداية وما أروعها.

وهناك قصة أخرى أخبرنيها الأستاذ البشير ألا وهي أنه كان في المركز الإسلامي فاتصلت به عائلة أحد الموتى فقالوا له: إن والدنا توفي وترك وصية، فلما فتحناها وجدنا أنه كان مسلماً لكن مستواه الاجتماعي كان لا يسمح له بإظهار إسلامه، وكان في الوصية أنه يريد أن يغسل ويكفن ويدفن في مقابر المسلمين، وقالوا له: نحن منزعجون ولسنا راضين عن إسلامه لكن لا بد لنا أن نستجيب لوصيته !! فأرسلوا للعائلة من تسلم جثته ونفذوا وصيته، فسبحان الله العظيم.

بداية الدعوة :

وسكان مدينة كليرمونت قرابة ربع مليون نسمة، عدد المسلمين منهم قرابة ثلاثين ألفاً، وفي كليرمونت تمثيل واسع لكثير من جنسيات العالم الإسلامي ففيها سبعون عائلة شيشانية !! وفيها عائلات بوسنية، وفيها عائلات من السنغال والهند وسورية ولبنان والعراق والمغرب والجزائر وتونس وليبيا، وفيها جالية تركية كبيرة هي الثانية بعد الجالية المغربية، وهناك طلبة من الخليج والمملكة، والسفير السعودي في فرنسا الحالي قد حضر الدكتوراه في كلية الحقوق بجامعة الأوفيرن في كليرمونت.

وقد بدأ الوجود الإسلامي في المدينة بعمال من المغرب العربي الكبير، وقد أخبرني أحدهم وهو الأخ يوسف العلوي، وقد أولم لي في بيته وأحسن إليّ جزاه الله خيراً وهو مؤذن مسجد السلام بالمدينة والقائم بحاجاته، وهو ممن جاء إلى كليرمونت سنة 1390/1970، أخبرني أنهم قد بدأوا حملة للدعوة إلى الله تعالى على طريقة جماعة التبليغ سنة 1392هـ /1972م من الساحة نفسها التي تحركت منها جيوش الصليبيين إلى المشرق الإسلامي قبل تسعة قرون، فسبحان الله.

وفي المدينة رجل فرنسي أسلم وصار شيخاً للطريقة الشاذلية وجمع حوله عدداً من الفرنسيين المسلمين، وللتصوف عند القوم منزلة لأنه يسد حاجة روحية ماسة هي مفقودة تماماً عندهم، وأيضاً لأن أنشطة المسلمين اليومية ومعاناتهم واهتماماتهم ربما لا تشبع رغبة الفرنسيين المسلمين ولا تناسب اهتمامات كثير منهم.

وقد دعاني الأخ العربي شقرون وهو من المغرب مع مجموعة كبيرة إلى بيته لتناول طعام العشاء، ودار تقديم الطعام على الطريقة المغربية، المرهقة لنا نحن الشرقيين، وذلك بأنهم يقدمون الطعام تباعاً وليس جملة، فإذا أعجبني الطعام المقدم أولاً فلا أدري هل أمعن في الأكل منه أو أقلل من الطعام؛ أملاً بأن يكون القادم أفضل، وقد خاب ظني مراراً وصح أملي مراراً أخرى، فالحمد لله على كل حال، وفي بعض المرات سقطت في فخ أنه لم يكن هناك طعام آخر آت وذلك لأن الإخوة المغاربة يتفاوتون بين تقديم لونين أو ثلاثة ألوان، فلا تدري كم لوناً من الطعام سُيقدم لك، وقضية عدّ السُفر التي ذكرتها في أيام في تولوز التي بها يُعرف كم لوناً سيقدم قد لا يُلتزم بها فيسقط الطاعم في الفخ، وأذكر هذا من باب التفكه والمداعبة وإلا فجزاهم الله خيراً فقد أكرموني وأحاطوني بحبهم وعنايتهم.

وفي الختام لا بد أن أحمد للإخوة نشاطهم، وأخص بالذكر، د.حسن يونس خبير التغذية في جامعة مرسيليا وهو لبناني فرنسي، فقد شد الرحال إلى المعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية في شاتو شينو، وهي بعيدة عن مدينته ثلاث ساعات تقريباً ليقنعني بالذهاب إلى كليرمونت، وأخذني بسيارته وأنزلني في بيته وأوسع لي فيه، فلله ما أجمل الأخوة في الله، وما أعظم المشاعر التي أبداها لي، فلا أملك إلا أن أدعو له ولسائر الإخوة بحسن الجزاء.