أ.د. أحمد محمد وهبان

حواراً مفتوحاً مع أعضاء المنتدى

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

أقام منتدى التاريخ حواراً مفتوحاً مع أعضاء المنتدى مع مشرف الموقع الشيخ الدكتور محمد موسى الشريف ، بعضها كانت أسئلة شخصية وبعضه الأخر كان دعوياً ، وجزء ثالث منها كان تاريخياً .. حول أسئلة الحوار وأجوبته نترككم هذه اللحظات.

لما قرأت سيرة حياتك المجيدة وجدت فيها متاعب وجهد كثيراً أي من عمل إلى الآخر مثلاً من الدراسات الإسلامية إلى علم الطيران حتى قبطان الطائرة.. كيف ينسجم هذا مع هذا وكيف اخترت مجال الطيران هل هذا من ضمن تحقيق الهواية أم ماذا… ؟؟

§ نعم كانت هوايتي الطيران منذ كنت في السنة الثانية الابتدائية ، ثم إني حاولت التوفيق بينها وبين الدراسات الشرعية والعربية والتاريخية وما زلت أجتهد وأسأل الله التوفيق ، وادع لي.

ما هو الهدف الأساسي لموقع التاريخ وإلى أي نقطة يريد أن يصل ؟ وهل وصلتم به إلى الهدف منه… و ما فائدة دراسة التاريخ ؟ وهل التاريخ برأيك من العلم النافع حتى نخدم به أمتنا الإسلامية ؟

§ الهدف الأساسي من موقع التاريخ هو التوعية والتثقيف ، التوعية بالأحداث التاريخية المهمة والتثقيف التاريخي المستمر المتصل بالتاريخ المعاصر حتى نستقي منهما العبر والعظات المهمة التي تضيء لنا طريقنا.. والحق أني لا لم أصل لهدفي بعد من الموقع، والسبب تزاحم الأعمال ، والموقع من جملة هذه الأعمال ، وسأعمل على الارتقاء به قريباً إن شاء الله وإدخال اللغة الإنجليزية فيه. والهدف من دراسة التاريخ إطلاع الأجيال على كنوز أجدادها ، والاستفادة من العبر والعظات الكثيرة المبثوثة في ثناياه ، وفهم ما يجري اليوم على ضوء أحداث الأمس ، ونعم هم علم نافع اضطلع بأعبائه علماء كبار من المسلمين كابن جرير والذهبي وابن كثير وابن حجر رحمهم الله جميعاً.

وما هي فائدة من دراسة تاريخ التراجم أو الأشخاص التي والذي اختص به الدكتور محمد موسى؟ وعلم الرجال و التراجم العامة ، كيف يؤسس طالب العلم نفسه فيه، ما هي المراجع و الكتب التي يجب عليه الاعتماد عليه.

§ فائدة دراسة التراجم أنها توقف الشخص على نماذج من الشخصيات التي اقتربت كثيراً من الكمال البشري ، وأنها توضح مجاهداتهم وعملهم من أجل نصرة الإسلام والمسلمين ، وتوقفنا على أشخاص آخرين أساؤوا وكيف صنعوا في إساءتهم ، وهذا كله يثري تجاربنا ، ومن أهم الفوائد لدراسة التراجم أنها توقفنا على تطبيقات عملية لدين الإسلام ، وأن هناك أناساً استطاعوا أن يكونوا مصاحف تمشي على الأرض ، وأن المسلم يمكن أن يلتزم الكتاب والسنة كما التزمها هؤلاء بدون صعوبة ولا استحالة.. أهم شيء في علم التراجم والأشخاص قراءة كتب الذهبي مثل سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام له أيضاً ، وكتاب تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ، وهناك كتب كثيرة جداً في علم الرجال لا يسع الوقت لذكرها.

نعلم أن لفضيلتكم كتاب نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء و كذلك كتاب المختار المصون من أعلام القرون ، سؤالي هو : ما هي المعايير و الأسس التي ينبغي لطالب العلم أن يراعيها عند تهذيبه أو اختصاره لكتاب ما، بارك الله فيكم و نفعنا بعلمكم .

§ أولاً : ينبغي أن يكون قد درس علم الجرح والتعديل.

ثانياً : ينبغي أن يكون مطلعاً على التاريخ على وجه جيد.

ثالثاً : ينبغي أن يكون مطلعاً على أصول الشريعة الإسلامية وما يتعلق بها من آلات كعلم النحو.

رابعاً : أن يكون مخلصاً خالياً من التعصب.

خامساً : أن يكون عارفاً بمقاصد المؤلف من كتابه وأسلوبه وطريقته.

سادساً : أن يكون عارفاً بعلم الكتاب فإن كان الكتاب تاريخياً يكون مطلعاً على علم التاريخ وإن كان حديثاً يكون مطلعاً على عالم الحديث وهكذا حتى لا يتورط في شيء لا يحسنه.

ما رأيك شيخنا الكريم بالقومية العربية التي لا تعترف بغير العروبة رابطاً ؟

§ القومية بالمعنى الذي انتشر في السبعينات والثمانينات الهجرية – الخمسينات والستينات الميلادية – هو تقديم صلة العروبة على كل صلة ولو كانت الدين فهذه قومية منتنة بغيضة ، أما القول بأن العرب هم مادة الإسلام إن عزوا عز المسلمون وإن ذلوا ذل المسلمون وهم الذين يفهمون الكتاب والسنة وهم أساتذة الشريعة وحملة الدين فهذا القول أقول به ، لكن ينبغي أن تعرف يا أخي الكريم أن العربية هي اللسان كما قال عمر فرب رجل من آل البيت في أندونيسيا وهو لا يفهم العربية ، ورب أعجمي يعيش بيننا يفهم العربية جيداً فالذي أقصده هو عربية اللسان لا النسب فإذا اجتمعا فهو أمر حسن و إلا فالمقصود الفهم والعمل.

يا شيخ محمد بماذا يبدأ طالب العلم ؟… وكيف يضع الطالب خطة لدراسته أي ما هي أولويات طلب العلم في وقتنا المعاصر ؟؟ هلا نصحتنا بكتب مهمة يجب أن تكون في بيت كل طالب علم من وجهة نظرك شيخي الحبيب ؟؟؟

§ يبدأ طالب العلم بكتاب الله تعالى فيجوده ويحفظه ويقرأ تفسيره فإن صنع فقد حاز قدراً جيداً من العلوم ، ثم يتعلم العربية ويحتاج منها
إلى ما يقيم لسانه ، ثم يقرأ كثيراً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يتعلم الفقه ، ثم يقرأ التاريخ ففيه العبرة الكثيرة والعظات ، وكل ما سبق.

من وجهة نظرك المعتدلة , هل على الشاب في وقتنا المعاصر الذي يهيج بالمشاكل والفتن والحروب والهجمات الشرسة على الإسلام والمسلمبن , هل على الشاب أن يكون منضما لجماعة ما أو تنظيما ما , يعني هل هذا الأمر واجب…؟ أم أننا نترك باب الدعوة والعمل مفتوحا للشاب ويستقي هو بذكائه ما يراه مناسبا ؟؟؟ ما رأيك بالجماعات المعاصرة ؟؟

§ الجماعة مهمة لتنسيق العمل وضبطه، وكلما كان العمل في جماعة كان ذلك أدعى للإحسان والضبط ومقاومة خطط الكافرين لكن القول بالوجوب الشرعي أتوقف فيه.. إنما أقول : إن وجود الجماعات فرض كفاية ، ومن تيسر له الالتحاق بواحدة منها فلا يتأخر ولا يتردد فالكفار يقاتلوننا صفاً وحداً فلا ينبغي مقابلتهم ونحن مشتتون مهترئون.

ورأيي في الجماعات المعاصرة أنها كلها على خير وفيها دخن ودخَل بنسب مختلفة من جماعة لأخرى بمعنى أن بعضها أفضل من بعض وأقل خطأ وأبصر بالطريق.

عندي سؤال شيخي الحبيب ألا وهو نظرتك شيخنا للواقع ماذا ترى من وراء احتلال العراق ومن قبله احتلال أفغانستان ومن قبلهم حرب الشيشان وفلسطين الحزينة , ماذا ترى من وراء هذا كله…؟ هل تستبشر ؟؟ هل هناك بصيص أمل ؟؟ هل يؤدي الشباب دورهم على أكمل وجه ؟؟؟ بماذا تنصح شباب الصحوة والدعوة…

§ أنا أستبشر بما يحدث الآن فقد جاء زمان على الأمة نست فيه الجهاد ويئست من انبعاثه من جديد ، لكن الله تعالى قيض رجالاً عظماء جعلوه واقعاً في زماننا فلله درهم ، أما هل الشباب يؤدون ما هو مؤمل منهم فلا ولا عشر ما هو مطلوب منهم فالتقصير والتهاون وعدم الجدية وسقوط الهمة وضعف العزيمة من أهم أمراض الشباب الذي يتأخر بسببها النصر.

ما رأيك بالحوار مع الشيعة وقضية تقريب المذاهب؟؟ هل تعتقد أنه أمر مجد؟؟ وما رأيك بالموقف الشيعي السياسي والديني في العراق وهل من الممكن أن يضع أهل السنة أيديهم في أيدي الشيعة في العراق أم انه لا أمان مع مثل هؤلاء ؟؟

§ الحوار مع الشيعة أرى أنه غير مجد ؛ والسبب في ذلك هم لأنهم لا يريدون أن يتنازلوا عن مقالاتهم الشنيعة في حق الصحابة رضي الله عنهم أو القول بعصمة الأئمة أو غير ذلك ، ويريدون منا أن نتقارب معهم بلا ثمن يدفعونه ولا تنازل يقدمونه ، وهناك أمر مهم جداً وهو أنهم لم يعتذروا عن طعناتهم العديدة لأهل السنة سواء الدولة العثمانية أو ما قبلها وما بعدها ، وأفعالهم شنيعة كثيرة مبثوثة في التاريخ الموثق ، لكني أقول : إن من ابتلي بهم في بلده وكان لهم شوكة في قطرة فعليه أن يتفق معهم على ما يدفع به شرهم ويُكفي به غدرهم ..

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ** عدواً له ما من صداقته بد

ثم سؤالي شيخي عن بضعة شباب اتخذوا منابر المساجد , منابر لقدح العلماء والمربين فصار هذا كافرا عندهم وهذا فاسق وهذا مضل وهذا قصاص وهذا منافق ؟؟؟ حتى لم يبق من مشايخ عصرنا وعلماءه ألا هو وشبابه ؟؟؟ ماذا نفعل مع مثل هؤلاء كيف نصدهم ما الحكم فيهم ؟؟؟

§ هؤلاء لا حياة فيهم ، ولا بد من إيقافهم وعدم السماح لهم بالتمادي في ضلالهم وغيهم وسوء حالهم ، وللأسف إن لبعضهم صولة وجولة ودولة وزماناً وإنا لله وإنا إليه راجعون ، وإن حدثتهم أن مذهب السلف خلاف مذهبهم ثاروا ، وإن بينت لهم فساد عملهم غاروا ، وإن حاولت هدايتهم تولوا وقالوا ما قالوا ، وارجع لكتابي القدوات الكبار بين التحطيم والانبهار ففيه شيء من التفصيل والله الموفق ، وأنا أرى إهمالهم بالكلية ، والعمل على صدهم وإيقافهم بكل وسيلة والحزم في هذا وعدم التهاون فيه فجرمهم عظيم ، وفعلهم شنيع.

عن المشهد العراقي , و بالأحرى المقاومة الموجودة في العراق… ما رأيك بالمقاومة العراقية لا اقصد هيئة العلماء… بل ما يسمونه بالزرقاوي وصحبه وعملية اختطاف الرهائن وذبحهم على شاشات التلفاز بطريقة وحشية , أولاً هل حقا المقاومة من تقوم بذلك ؟؟؟ أم أنها أطراف أخرى تريد للعالم أن يؤمن بأن المقاومة الشريفة من تقوم بذلك ؟؟؟ وما حكم ذلك في ديننا ؟؟؟

§ أولاً لا بد أن نعرف أن المقاومة الجهادية في العراق للصليبيين هي فخر لنا جميعاً ، وإقلاق الكفار والعمل على طردهم من محاسن دهرنا وزماننا ، وهؤلاء قد رفعوا رؤوسنا ، وترك الصليبيين بلا مقاومة خيانة لله ورسوله والمؤمنين ، وتفريط في ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله ، أما الذين يفجرون العراقيين ويقتلون إخوانهم أو يسيئون للخطة الجهادية الرائعة فهؤلاء لا نعرف : هل هم من عملاء الموساد أو عملاء الصليبيين أو هم من هؤلاء وهؤلاء ، والله لا أدري.

كما تعلم بأن رمضان شهر الرحمة والغفران يطرق أبواب الأمة , سؤالي هو … بماذا نستغل شيخنا الحبيب هذا الشهر الطيب المبارك بما ينفع أمتنا وينفعنا جميعا … خطط … برامج … أفكار قد تكون في بالك شيخنا ولم نكن نعرفها قد تفيد أحيانا …

§ بالقرآن ثم بالقرآن ثم بحل مشكلات المسلمين وتخفيف معاناتهم والعمل على نصرة الإسلام بكل وسيلة ممكنة ، ومن أحسن الأعمال في هذا الباب الإقبال على تفهم كتاب الله تعالى وقراءة تفسيره والاطلاع على إعجاز كنوزه ، ثم الذكر والاستغفار خاصة في الأسحار والمحافظة على الصلوات في الجماعة ومحاولة التغيير الحقيقي والانتقال من طور إلى طور في الإيمانيات والفكر والتربية والثقافة والخلق الحسن والمعاملة الراقية.

برؤيتك ما هي أهم العوائق التي تقف في وجه الحركة الإسلامية في وقتنا المعاصر… ؟؟ ولماذا تتراجع الحركة الإسلامية بعد يوم فلم تعد كما كانت من ذي قبل ؟؟؟

§ أهم العوائق في وجه الصحوة الإسلامية هي تقاعس أفراد الصحوة عن أداء مهمتهم ، فالصحوة التي بزغت شمسها منذ ثلاثين عاماً تقريباً لم تؤت أكلها بعد لعوامل على رأسها تخاذل عدد كبير من شباب الصحوة وشاباتها وتقصيرهم فالله المستعان ، ونحن للأسف نلقى اللوم على أمريكا واليهود ، نعم لأولئك أثر لا يستهان به في حرب الصحوة لكن العامل الأكبر هو ضعفنا نحن وتراجعنا وتخاذلنا ولنتذكر قول الله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فيما كبست أيديكم ولنتذكر قوله تعالى أيضاً : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).

بالنسبة للتاريخ … كانت قراءة التاريخ بأسلوب (انتقائي = اختيار أمور معينة دون الأخرى) سببا في نشأة الكثير من الأفكار الهدامة المتعصبة.. إحياء الفرعونية.. واعتبارها صفة المصريين الوحيدة ، ونفس الأمر مع الفينيقية ، والآشورية، و الأمازيغية ..إلخ ، كذلك نشأت أفكار تُغلب جنساً على باقي الأجناس مثل النازية ، وتطبيقات الفاشية في إيطاليا ، كذلك نشأت بعض الأفكار القائمة على تمجيد بعض الأديان على الأخرى مثل (الصهيونية) ، والمذهب الشيعي الذي قام على أساس حادثة تاريخية.. إذا نظرنا لكل تلك النماذج فما هو موقعنا منها.. وهل أصابنا بعض ما أصابها من قراءة انتقائية في التاريخ بغرض تمجيدنا على الباقين (نحن جماعة المسلمين أو أغلبيتهم)..

وبالنسبة للمنتدى ..ألا ترى معي فضيلة الشيخ أنه من الممكن أن يصيبه هذا الداء وتصبح قراءة التاريخ انتقائية تهدف إلى استعراض مفاخر الآباء والأجداد.. مما قد يدخل التعالي في نفس المسلم ، ويجعله يتعالى على إنتاج الحضارات الأخرى.. مع ملاحظة: أن أغلب الموضوعات في المنتدى تتعلق بالتاريخ الإسلامي أو بسير الصحابة.. و غالباً لا يتم جمع الشخصيات الإسلامية مع الشخصيات الأخرى من الحضارات المختلفة..

سيدي الفاضل.. أرجو أن تلقى كلامي هذا بصدر رحب.. فهي تخوفات مسلم.. تخوفات من أن يتحول المسلمون إلى النظر إلى دينهم على أنه بديل عن القبيلة.. فيصبح الحديث عنه كالحديث عن أمجاد القبيلة.. ويصبح الدفاع عنه بسبب انتماء الفرد له بالأساس.

§ الغرض من قراءة التاريخ قراءته على وجه شامل لإيجابياته وسلبياته بدون انتقائية لكن لا بد أن يراعى أننا في الموقع نخاطب مثقفين وطلبة علم ونخاطب أيضاً العوام ، فقد لا يصلح أن تذكر لهم بعض السلبيات التي قد تبلبل أفكارهم ، ولا تنس يا أخي أثر علي رضي اله عنه المشهور : ( حدثوا الناس بما يعلمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!) ، وأثر أبي هريرة المشهور : ( حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين ، أما وعاء فبثثته فيكم وأما وعاء لو بثثته فيكم لقطع مني هذا البلعوم ).

و ما الفائدة من التفصيل في سرد الفتن التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم على سبيل المثال؟ ليس فيها إيجابية لجمهور العوام ، أما ما عدا ذلك فالموقع حريص على ذكر التجارب التاريخية بلا انتقائية ولا تجميل ولا غمض عين عن سلبيات لذكرها أثر تقويمي أو تربوي وتوجيهي.

أما قضية التعالي فمذمومة ، أما المحمود فهو استعلاء الإيمان بحيث يشعر المسلم أن حضارته موصولة بالله تعالى وحضارة الآخرين قامت على جبروت وطغيان وفساد في العقائد والتصورات والأفكار والمشاعر ، وأن حضارته قامت على عقيدة صحيحة بينما حضارات الآخرين قامت على أسس مادية لا ترتكز إلى دين ولا تركن إلى أسس سليمة بل تحمل بذور فسادها وانهيارها فاستعلاء الإيمان شيء والتعالي الكاذب شيء آخر.

المشكلة أن المنتدى هو عبارة عن مشاركة من المطلعين ولا سلطان كبيراً للموقع عليه ، لكن لا تنس أخي أن الموقع متخصص في التاريخ العام لكن عنايته أكثر بالتاريخ الإسلامي وذلك للتقصير الشديد في معرفة التاريخ الإسلامي عند المسلمين فلهذا تتجه عنايتنا للتعريف بأعلامنا وأحداثنا ، وقل لي بربك : هل تجد أحداً من عظماء العالم يقارب في سيرته عظماءنا وكبراءنا ، وأكثر عظمائهم وكبرائهم عظمتهم زائفة ومدخولة وقائمة على غير أسس صحيحة إضافة إلى فساد عقائدهم وتصوراتهم ، ونظرتهم إلى الحياة الدنيا نظرة خاطئة فماذا نقول عن هؤلاء و بماذا نترجم لهم ؟!

فضيلة الدكتور بم أن تخصصكم في القراءات فاسمح لي بهذا السؤال … ما مدى أهمية الحصول على السند ما دام أن رجاله مجهولين ، كما أننا نعلم أن الوضاعين قد تمادوا في الوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت أي تعليل فما الذي يمنع – وهذا وارد جدا – أن بعض رجال هذه الأسانيد قد وضعوها وكثير منا طلب العلم خاصة التجويد عند قراء ولا نعرف مشايخهم ؟؟ فأرجو الإجابة الصريحة المريحة في هذا الباب حفظك الله يا دكتور.

§ من قال لك : إن سند القراءات رجاله مجهولون ، بل هم من أعلام الشريعة وكبارها ، وهم من المخلصين العاملين في كثرتهم الكاثرة ، فلا تلقي – بارك الله فيك – الكلام على عواهنه ، واتق الله في هؤلاء الأئمة الأعلام.

شيخنا الحبيب: سمعت من أحد علماء التاريخ من فترة وجيزة قوله : شمس الاستشراق دنت من المغيب ، و لم يعد لهم الأثر الكبير الذي كان لهم فيما مضى ، فما رأيكم بهذه المسألة ؟

§ هذا السؤال يوجه للأستاذ الدكتور مازن المطبقاني فهو أعرف بهذه المسألة، لكن أقول : لعل الاستشراق كعلم تراجع ، لكن بقي أوجه من الاستشراق وهي الجاسوسية الحديثة والتلصص على الشرق ومحاولة معرفة مواطن القوة والضعف فيه ، ومراكز التأثير.. إلخ فهذا العلم في ازدياد وليس في تراجع.

نعلم أن الشيخ كابتن طيار وهو في نفس الوقت متحدث وداعيه إلى الله وفي الوقت ذاته حاصل على الدكتوراه ، وهذه الأمور لا يستطيع الجمع بينها إلا رجل له همه ناطحت الثريا وربما تجاوزتها فكيف السبيل إلى تحقيق ذلك علما بان الكثيرين يبدأ مشروعا وما يلبث أن يتكاسل أو ينثني عزمه لسبب دنيوي فما رأي فضيلتكم؟!

§ أسأل الله تعالى أن يرزقني وإياكم همة السلف التي كانت تناطح السحاب فعلاً ، وأما همم المعاصرين فهي متوسطة عند أكثر من 99% منهم إلى ضعيفة.

الإسقاطات التاريخية على الواقع المعاصر وتكرار الأحداث هل هي سمه وميزه في التاريخ بان يكرر نفسه أو الإنسان هو من يحاول إثبات ذلك؟! شاكرين لك سعه صدرك ومشاركتك لنا.

§ لا ، إن التاريخ يعيد نفسه فعلاً ، فهذه الهجمة الصليبية على العالم الإسلامي الآن سبقتها هجمات في أحوال متشابهة ، والضعف الذي تعاني منه الأمة اليوم سبق أن عانت منه البارحة ، والمشكلة أن العبر والعظات الكثيرة جداً التي كان ينبغي للأمة أن تستفيد منها قد أهملتها فنتج عن ذلك دورات تاريخية متشابهة ، والكلام في ذلك يطول وهذا خلاصته.

كثرت الفتن في عصرنا هذا وكثرت ملهياته ولا بد أن لها تأثيراً كبيراً على شباب الأمة وشاباتها فكيف برأيكم يمكن أن نقي أنفسنا تلك الفتن ونحافظ على فكر إسلامي سليم. وهل ترون أن هذا الجيل الجديد هو من سينهض بالأمة ويخرجها من ذلك النفق المظلم الذي وضعت نفسها فيه. أو بمعنى آخر هل يحمل هذا الجيل مقومات النجاح – في نظركم- .

§ يمكن أن نقي شبابنا الفتن بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والنظر في تجارب السلف الصالح والتخير منها ما ينفعنا اليوم ، ولا أرى- والله أعلم – أن هذا الجيل هو جيل النصر لعدة أمور ، إنما أرى أن هذا الجيل هو الجيل الذي سيربي جيل النصر القادم إن شاء الله ، وهم أجيال أبنائنا وأحفادنا ، والله أعلم.

عندما يقوم أي مسلم منا بالسفر خارج البلاد الإسلامية ..وكانت له صداقات من غير المسلمين… كيف يكون داعية للإسلام..وما هي الصفات التي يجب أن يتحلى بها ؟ وبما إن صورة الإسلام و المسلمين مشوهه في نظرهم ..كيف له أن يدافع بشكل يؤثر عليهم ؟ وهل بالفعل ممكن أن ينجح كداعية ؟

§ يكون داعية بالقدوة وهي أهم وسائل التأثير على الإطلاق ، وينبغي بعد ذلك أن يدعو إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة إن استطاع ، و إلا فليأخذ معه من الكتب والأشرطة ما يسعفه ويعينه.

لي سؤال اجتماعي عن شباب الأمة الذين نراهم يغرقون يوما بعد يوم في ملذات الحياة و شهواتها- في عصر الفساد و انتشاره- و هم في ريعان شبابهم و أحيانا منذ نعومة أظافرهم … فكيف لو كانت هذه السلوكيات السيئة واقعة في بيت مسلم و مجتمع مسلم و أبوين صالحين ضحيا بعمريهما في تربية أبنائهم تلك التربية الصالحة واضعين أمام أعينهم سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم ثم يصاب الأبوين بدهشة مؤلمة بما حل بابنهم……؟ كيف يمكن التعامل ؟؟ في حين صارت العلاقة بين الأبوين والأبناء مفككة. قد نمنع الجيل القادم من الانهيار ، و جزاكم الله خيرا.

§ أختي الكريمة : المطلوب من الوالدين حسن التربية وحسن تعهد الأولاد ، وأن يكونا قدوة ثم بعد ذلك ليتركا الأمر لله تعالى فهو إن شاء هداهم وإن شاء أضلهم ولو نشاؤوا في بيوت صالحة ، فهذا نوح عليه الصلاة والسلام كان ابنه كافراً وزوجه كافرة، وكم نرى في بيوت فاسدة أولاداً صالحين جيدين ، وأنا لا أعرف إن كان عندك أولاد أو لا ، لكني أقول : إن من جرب أدرك ومن ذاق عرف.

يوجد في الساحة الإسلامية عدة مدارس بالنسبة لأهل السنة تحديدا, و أهم هذه المدارس الصوفية و الإخوان و السلفية و جماعة الدعوة و التبليغ, و بعض هذه المدارس بينها خلاف كثير يصل إلى تبادل الاتهام بالكفر و الشرك و البدع لدرجة أن القارئ العادي ربما تضيع عليه الحقيقة فكل يدعي لنفسه الصواب ويريد إلغاء الآخر إلا من رحم الله. فما رأي فضيلة الشيخ في هذه المسألة ؟

§ هذه بلوى عمت عدداً من مدعي السلفية وهي أنهم يسارعون في التكفير أو الاتهام بالتكفير ، و الصوفية لا يجوز تعميم الحكم في شأنهم بالتكفير ، وتكفير بعض أفرادهم إن كانوا مستحقين للتكفير فإنما مرده إلى العلماء المنصفين الأثبات.

يكثر الحديث بين المسلمين عن الفرقة الناجية ويتوسع الخلاف على نحو ما مر في السؤال السابق فهل يصح أن تثبت فرقة من المسلمين النجاة لنفسها و أن ما سواها في النار بناء على حديث ” تفترق أمتي….”؟ ثم ما رأي فضيلتكم في الحديث نفسه؟

§ الحديث الصحيح لكن حمله على جماعة معينة هو الخطأ ، والجماعات الدعوية في الساحة ليست جماعات عقدية إنما هي جماعات غرضها الدعوة، وإلحاقها بالفرق الثلاث والسبعين خطأ فاحش وجهل محض.. أنا أرى أن الخير في جميع هذه المدارس من صوفية و سلفية وإخوان وتبليغ ، لكن الخير متفاوت في تلك الجماعات ، وفي بعضها دَخَن ودخَل ، وبعضها أفضل من بعض.

ما رأي فضيلة الشيخ في الحوار والتعامل مع غير المسلمين ؟

§ جواب هذا السؤال مفصل في كتابي ( التقارب والتعايش مع غير المسلمين) فاقرأه إن شئت هناك ، وانظري جزء من رأيي في هذا الحوار في مقالي الموجود في صفحة مقالات المشرف بالموقع تحت عنوان ( نعم لمحاورة النصارى ولا لمحاورة اليهود).

ما رأي فضيلة الشيخ في الطريقة الصحيحة لاستغلال الوقت بالنسبة لطالب العلم و الداعية و كيف أواجه ما قد يعتريني وأمثالي من التكاسل و ضيق الوقت و كثرة المشاغل , و هل بالإمكان معرفة الحد الأدنى من ساعات النوم بالنسبة للجادين حسب تجربتكم الشخصية؟ وفقكم الله و حفظكم و رعاكم ونفع بعلمكم و دعوتكم و أطال عمركم في الطاعة و السعادة. و صلى الله وسلم و بارك على سيدنا وحبيبنا محمد و على آله و صحبه.. الهادي بن محمد المختار النحوي أحد طلبتكم.

§ الوقت هو الحياة لكن الإنسان الجاد لا يستطيع أن يستفيد من كل دقيقة أو ساعة من حياته بمعنى أنه لا بد أن تضيع منه أوقات لكن ليستفد من هذا الضياع في العودة بسرعة إلى الجادة الصحيحة ، و إلا استمرأ هذا الضياع واعتاده وهنا المشكلة ، لكن أرجو أن ترجع إلى سير العلماء ، ففيها توضيح كامل لهذا الأمر ، وهناك كتاب مهم للأستاذ أبي غدة رحمه الله تعالى في هذه المسألة نفيس وقوي واسمه ( صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل ).

وليس للنوم حد أدنى إنما إذا غلبك النوم نم ، وقد كتبت هذا في كتابي عن ( الترف وأثره ) فارجع إليه ، وأما كثرة المشاغل فرتبها حسب الأولوية.

وأما التكاسل والتراخي فلا ينبغي أن يكون في حياتك من ذلك إلا شيء يسير ، سرعان ما تطرحه عنك وتستأنف المسير ، إن أردت أن يكون لك ولدعوتك تأثير ، وإن أصابك شيء من ذلك استعن عليه بقراءة شيء من سير السلف والخلف تستفيد إن شاء الله.

الحكم الإسلامي لم يقم إلا أيام الخلفاء الراشدين؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

لشبهة الأولى :

الحكم الإسلامي لم يقم إلا أيام الخلفاء الراشدين

في هذه السلسلة سآخذ في تفنيد بعض الشبهات التي تثار وتتعلق بمراحل تاريخية سابقة

وهي شبهات تجد من يرددها ويسعى لتثبيتها في أذهان عامة المسلمين وخاصتهم ، وهي إن صُدّقت وأخذ بها واعتُبرت مُسلّمة فإنها ستعود بآثار خطيرة على الفكر والثقافة ، وستدمر الصورة الناصعة لأسلاف المسلمين اليوم الذين يريدون العودة بالإسلام إلى ماضيه المجيد ، وريادته السليبة.

ومن تلك الشبهات التي لفت بظلالها الثقيلة على التاريخ الإسلامي أن الحكم بالإسلام لم يقم إلا أيام الخلفاء الراشدين عليهم رضوان الله أجمعين ، وقد أثار هذه الشبهة جماعة من العلمانيين والمتحررين (الليبراليين) وأذنابهما ممن يدعي الفهم والعلم والإنصاف ، ويريد هؤلاء بمختلف أطيافهم – أو يفهم من طرحهم هذه الشبهة- ما يلي :

أولاً : إضعاف صلة مسلمي اليوم بأسلافهم ، والتشويش على تاريخهم ، وصبغه بسواد حالك حتى لا يعودوا يعتزون به أو يفتخرون.

ثانياً : قطع رجاء المسلمين اليوم من العودة إلى تحكم الإسلام من جديد ، فإذا كان الإسلام لم يحكم في العهود السلفية الأولى التي يتغنى بأمجادها الأجيال فهل سيحكم في القرن الخامس عشر / الحادي والعشرين ؟ !

ثالثاً : قطع الطريق أمام الحركات الإسلامية المطالبة بالعودة إلى تحكيم الإسلام في الأرض ، وإثارة الغبار في وجوه مطالبها بهذا الزعم الغريب والعجيب.

رابعاً : اتهام كل ما سبق من دول وسلطنات وخلافات بهذا الجرم العظيم ألا وهو عدم تحكيم الإسلام ، وبهذا يضمحل احترامهم في أذهان الأجيال القادمة.

خامساً : وليصلوا من خلال كل ذلك إلى الزعم بأن الإسلام يتناول شطر الدين في حياة الناس فقط ، أما الدنيا وسياستها وسَوس أهلها في مجالات حياتهم المختلفة فليس للإسلام فيه حظ ولا نصيب.

والعجيب أنهم بنوا شبهتهم تلك على ما يلي :

1- أن نظام الحكم الإسلامي الشوري المبني على إرادة الأمة واختيارها قد انقطع بعد الخلفاء الراشدين وأصبح الملك عضوضاً ثم جبرياً.

2- بعض مظاهر الظلم الذين كان يمارس من قبل بعض الأنظمة الحاكمة على امتداد التاريخ الإسلامي.

ولنقض هذه الشبهة ينبغي أن يعلم ما يلي :

أولاً : إن نظام توريث الحكم الذي أخذ به بنو أمية ومن بعدهم من الخلفاء والسلاطين هو ملك عضوض وجبري ، ويمثل مخالفة واضحة لطريقة الحكم الإسلامية ، لكن يظل جزءاً من كل ، ولبنة نزعت من بناء محكم ، نعم هي لبنة مهمة ومؤثرة لكن البناء لم يزل قائماً وبقوة على امتداد تاريخ الإسلام ، وأعني بالبناء أن المرجعية في شؤون الحياة المختلفة كانت في أغلب الأحيان للإسلام ، وكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما المرجع للأمة في شؤونها ولم يسقط هذا البناء إلا بعد أن وطئت قدما المستخرب العالمي ديار الإسلام ونحى الحكم بالقرآن وبسنة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام وأنشأ المحاكم التي تحكم بالقوانين البشرية وأضعف المحاكم الشرعية أو ألغاها ، ونحى الإسلام عن تناول شؤون السياسة ، والاقتصاد ، والإعلام ، والفكر ، والثقافة ، وأتى بجملة من الحكام كانت صلتهم بالإسلام ضعيفة أو معدومة ساهموا في تعطيل مسيرة الحكم الإسلامي أو إضعافها وإماتة أثرها.

ثانياً : إن المستقرئ لتاريخ الإسلام استقراء تاماً واعياً متأنياً ليخرج بقناعة تامة أن هذه الأمة سيست بالإسلام ، وكان الإسلام هو مدار حياتها والقائم على شؤونها، والمهيمن على حركتها ، ولتوضيح ذلك لا بد من ذكر التالي :

أ‌- النظام القضائي : كان في الجملة مرتبطاً بالإسلام ارتباطاً وثيقاً ، وكان القضاء في أغلب أحيانه مستقلاً عن السلطة التنفيذية ، وضرب كثير من القضاة على مدار التاريخ أروع المثل على النزاهة والاستقلال والعدل.

ب‌- النظام الاقتصادي : يخلو أو يكاد من الربا ، والمرابون من اليهود وغيرهم في خبايا الزوايا لا يجرأون أن يجاهروا بصنيعهم إلا في العصر الحديث ، وللسيطرة الاستخرابية العالمية في العصر الحديث السبب الأكبر في هذا كما بينت آنفاً.

ت‌- النظام السياسي : والذي يمثله الخليفة أو السلطان ومن يساعدهما من الوزراء والأمراء كانوا في الجملة مسلمين مخلصين وإن تناولوا شيئاً من الشهوات ، والسياسة الخارجية كانت تدور حول الإسلام ونصرته وإعداد العدة للجهاد إذا لزم الأمر واحتدم الخطب ، وكان الحكام – على سوء في بعضهم – في الجملة مناصرين للإسلام ، مخلصين ، لا يفكرون في خذلان المسلمين ولا تضييع شعائر الدين ، وكان بين الساسة خلاف لكنه لنصرة الإسلام الذي يأخذ به كل منهم – والخلاف بين الحكام السنة والشيعة مثال على هذا – أي أن الخلاف لم يكن غالباً إلا لمصلحة الإسلام.

ث‌- نظام الحسبة : كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاشياً في الدولة الإسلامية ، ولو خالطه ضعف في بعض الأزمنة لكنه ظل قائماً ، مرعي الجانب ، موفور المهابة ، يتناول كثيراً من جوانب حياة المسلمين ، ويقوم كثيراً من خللهم وضعفهم. وكانت المنكرات مستورة ، فمن ذا الذي يجرؤ على فتح حانة للخمور ، أو بيت للدعارة ، أو مكان للقمار على وجه الاستعلان والظهور ؟ ! ومن كان يفكر بأن يكتب الكتب في التهوين من شأن الإسلام وتقويض أركانه وإهانة علمائه ودعاته كما يحصل اليوم ؟ !

إن كل هذا الذي ذكرته كان قائماً وبقوة في الألف سنة الأولى لحكم الإسلام ، ثم أخذ في التقهقر والضعف لكن لا الزوال ، ولكن يتقهقر في منطقة ويقوى في أخرى لكن الخط البياني كان إلى نزول ، لكن ليس إلى زوال ، ثم أخذ في الصعود منذ ثلاثين سنة خلت تقريباً إلى اليوم ، وكل المؤشمرات تدل على أنه في صعود مستمر ولله الحمد إلى أن يبلغ غايته.

ثالثاً : إن كثيراً من الدول قامت بنصرة الإسلام ورعايته وحياطته ، وتطبيقه في الأرض ، فالدولة الأموية التي يتهمها أهل الشبهات اليوم بأنها فرطت في الحكم الإسلام بتوارثها الملك هي الدولة لبتي نصرت الشريعة وفتحت البلاد ، وأنارت قلوب ملايين العباد ، وأزالت عنهم الشرك والظلم والظلام ، وكذلك فعل بنو العباس في كثير من مراحل حكمهم ، وكذلك فعل الأيوبيون والمماليك ، ودولة نور الدين زنكي التي كانت هدية من الله لأهل الإسلام ، وكذلك الحال في زمان كثير من سلاطين السلاجقة وبني عثمان ، والدولة المغولية في الهند وسيدها أورانج زيب عالمكير الذي حكم الهند خمسين سنة أعادت للأذهان ذكرى حكم الراشدين ، والغزنوي وسلطنته الباهرة في أفغانستان ، وابن تاشفين وسلطنة المرابطين ، وسلاطين الموحدين في المغرب ، وممالك أفريقيا وسلطنة ابن فودي ، وسلطنة المهدي وخلفائه في السودان ، وكثير من حكام اليمن وغير أولئك كثير من الممالك والسلطنات والإمارات التي قامت على الإسلام وبالإسلام وضربت أروع المثل في تحكيم الكتاب والسنة ، أفإن قامت بتوريث الملك يقال إنها لم تحكم بالإسلام أو أن الإسلام لم يُحكّم فيها إلا زمن الراشدين ، اللهم إن هذا تلبيس مقرون بتدليس ، وغش وخداع.

رابعاً : قد قامت في الإسلام دول لا تأخذ بمبدأ التوريث وقام عليها الزيدية والإباضية ، فلا يورثون الحكم إلا لمن يرونهم أصلحهم وأعدلهم وأجدرهم بتولي مقاليد الحكم ، وهذا حدث في دولة الزيدية في جيلان وطبرستان وتلك البقاع ، وبعض مدد حكم الإباضية وغيرهم من الخوارج ، وقامت دول على هذا الأساس بل هناك تجارب لأهل السنة فسليمان بن عبد الملك لم يورث أولاده ولا إخوانه إنما ورثها عمر بن عبد العزيز وكان أصلح أهل بيته بل ربما كان أصلح المسلمين في زمانه لتولي مقاليد الحكم.

والمأمون ولي ولاية العهد علي بن موسى الرضا وهو ليس من العباسيين أصلاً بل هو من آل البيت وأحد ثقات أهل السنة والجماعة ولولا أنه مات قبل المأمون لتولى الخلافة ، والمماليك كانوا يولون – في الغالب – الأصلح منهم أو الأقوى ولا يعرفون نظام الوراثة هذا إلا نادراً وقد امتد حكمهم قرابة ثلاثة قرون ، إذن كانت هناك تجارب لأهل السنة والجماعة وغيرهم وهي تجارب قوية في عدم توريث الحكم، فالتعميم غير صحيح ولا تساعده الحقائق التاريخية ولا الكتابات السياسية الإسلامية.

ثم إن أنظمة الحكم الإسلامي كانت تأخذ بالشورى في أغلب أوقاتها ، وكان الحكم الدكتاتوري الفردي أمراً قليل الحدوث ، وكانت مجالس الحل والعقد قائمة من الأندلس إلى الهند ، وكان أكثر العلماء ينصحون الحكام ويبتعدون عن دنياهم ، ويتقربون إلى الله تعالى بمواقفهم الصلبة التي تسدد الحكام وتعيدهم إلى رشدهم ، والأمثلة أكثر من أن تحصر ، ولو ذهبت أدون أمثلة على كل ما قلت فسيطول المقال وينقلب إلى كتاب كبير.

أما المظالم والمظاهر التي تخالف النظام الإسلامي والتي كانت قائمة في العهود الإسلامية فأمر لا ينكر لكن ليس على وجه التعميم والشمول ، ثم إنها كانت مظالم مغمورة في بحر من الحسنات والإيجابيات فلماذا يركز عليها وتترك الجوانب المضيئة الكثيرة في تاريخ الحكم الإسلامي؟!!

يتضح إذاً أن المقولة التي تقول بأن الإسلام لم يطبق إلا زمن الراشدين هي مقولة خداعة ، لا تستند إلى دليل صريح أو تاريخ صحيح ، وأنها مقولة ابتسارية تريد أن تهدم البناء كله بسبب خلل بعض لبناته ، وهي على كل حال مقولة مريبة لا نثق في قائليها ولا مروجيها ونتهم نياتهم وبواعثهم أو نقول إن بعضهم مخدوع أو جاهل .

الشيخ عبد العزيز بن باز

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

مقدمة:

إن المتصدي لترجمة الشيخ عبد العزيز بن باز – وأمثاله من العلماء العالمين– ليجد عنتاً مرهقاً إن أراد استيعاب جوانب سيرته،و الإحاطة بأحواله، والإشادة بمناقبه ، وحسبي أن أقول مفتتحا ًالحديث عنه: إن عدداً من علماء العصر ومشايخه كانوا يقاربون الشيخ في علمه، وربما فاقه بعضهم في بعض الجوانب، لكني أرى أن الشيخ فارق علماء عصره ومشايخه في أربعة أمور وهي :

1- التفات عوام الناس حوله على اختلاف طبقاتهم ومراكزهم ، وحاجتهم إلى علمه ووجاهته .

2- التفات الخواص من المشايخ وطلبة العلم والدعاة حوله ، وحاجتهم إليه.

3- اهتمامه الشديد بقضايا المسلمين أينما كانوا، وإرساله البيانات التي تحث على نصرتهم ، ومخاطبة كل من يستطيع من الرؤساء والكبراء في هذا الشأن .

أما الأمر الرابع الذي انفرد فيه ولم يكن له مثيل هو مراعاة الدولة له ، ومداراتها إياه ، وتنفيذها كثيراً من توجيهاته وإرشاداته، وسماعها نصائحه ، وهذه الصفة قد فقدت عند أكثر علماء أهل السنة والجماعة فلم تعد أكثر الحكومات الإسلامية تلتفت إليهم ولا تأبه بهم ولا بفتاواهم ونصائحهم ،هذا إن تقدموا إليها بنصيحة أصلا ً، بينما كان الشيخ أحسن حالاً بكثير ، وكان لفتواه صدى كبير تتأثر به الدولة وتلتفت إليه ، وأستطيع أن أقول : إن الشيخ أعاد للأذهان شيئاً من عزة علماء السلف ومكانتهم عند الدولة .

هذه الجوانب الأربعة التي أظن أن الشيخ فارق بها علماء عصره ومشايخه ، لكن ليس من غرضي هاهنا مناقشة هذه الجوانب لأنها أشهر من أن يُدلل عليها وتساق لها الحجج ، وهي أيضاً مضخمة لبحثي هذا إن نوقشت ، ولم أكتب هذا البحث من أجل هذا الغرض ، وإنما من أجل جانب أغفله الباحثون في سيرة الشيخ، وقد شارك فيه الشيخ نوع مشاركة أردت تسليط الضوء عليها وإبرازها للباحثين جلية واضحة، وهذا الجانب الذي أحسبه جديداً على بساط البحث هو شخصية الشيخ عبد العزيز الفكرية والثقافية، ولذلك كتبت هذا البحث،وأحسبه جديداً مهماً، وذلك للأسباب التالية:

1- تسليط الضوء على جوانب من حياة الشيخ ليست معروفة عند كثير من الناس، أو لم يُربط بينها على وجه من الترابط المنتج هذه الصورة الثقافية الفكرية.

2- صورة الشيخ الثقافية الفكرية قد تكون مشوشة في أذهان كثير من الناس، وهي ليست موضع بحث الباحثين من المثقفين المفكرين، وهي أيضاً ليست موضع بحث الذين مافتئوا يتحدثون عن الشيخ وعلاقته بالفقراء والمساكين ، وهي علاقة رائعة حقاً، أو الحديث عن زهد الشيخ وورعه الذي كان مضرب الأمثال ، أو الحديث عن حسن خلقه وعظيم تحمله وهو أمر قد تناقلته الركبان، أو الحديث عن جلده وصبره وهو شيء عجيب، أو الحديث عن تجرده وعدم تردده في اتباع ما يراه حقاًً وإن خالفه الناس بعضهم أو كلهم، وهذا أمر متواتر من سيرته، أما الحديث عن الفكر والثقافة فلا تكاد تجد إلا شذرات ليست تذكر تحت هذين العنوانين بالطبع، إنما تذكر ضمن جوانب أخرى من سيرته أولا تذكر على الإطلاق، وهناك عدد كبير من الباحثين والمفكرين قد استقر في ذهنه أن الشيخ ضعيف الوعي وفيه ضيق في أفقه وتصوراته، ويلزم من هذا أن الشيخ ضعيف في الجوانب الفكرية والثقافية،هكذا يتصور عدد كبير من الباحثين، وهذا في الحقيقة فيه شيء من الجناية على الشيخ، وفيه إفراط في الحكم على جوانب من شخصيته بلا روية ولا تمحيص ، والذي ساعد في تعميق هذا الحكم على الشيخ في أذهان هؤلاء هو الآتي:

أ‌- كون الشيخ من بيئة اشتهرت عند عموم الناس زماناً طويلاًً بأنها بيئة منغلقة متقوقعة على نفسها، لها أدبياتها ونظراتها التي تكاد تخالف فيها أكثر الناس وتنفرد عنهم، وهذه البيئة لها أثر على أصحابها، نعم إن هذه البيئة قد اختلفت اليوم وتغيرت إلى حد كبير، وأصبحت مقاربة للبيئات الأخرى، لكن ينبغي ألا ننسى أن الشيخ قد عمّر زمانًا طويًلا، وأنه كان في صدر شبابه وأوان مناهل علمه يعيش في البيئة القديمة المنغلقة، والذي أراه أن هذا الأمر يعد محمدة للشيخ , ومفخرة حيث إنه استطاع أن يخرج من أسر بيئته ويتفوق عليها.

ب- لم تُعرف المنطقة النجدية بالمشاركة الفعالة القوية في الجوانب الفكرية الثقافية، حيث لم يظهر فيها إلاّ- نادراً- مفكرون مثقفون على مستوى يقارب أو ينافس ما في البلاد العربية والإسلامية التي اشتهرت بتخريج المفكرين والمثقفين مثل مصر والشام والعراق وبعض بلدان المغرب العربي ، وبعض البلدان غير العربية ، وهذا الوضع قد اختلف في العقد الأخير حيث صرنا نرى عدداً من المفكرين والمثقفين قد ظهروا وشاركوا في المسيرة الفكرية والمسيرة الثقافية ، لكن لا ننسى أن الحديث هنا يدور على عقود خلت وليس العقد الأخير فقط ، وأيضاً هناك عدد كبير من الناس لم يستوعب هذا التغير الأخير بعد فظل الانطباع الأول سائداً سائغاً عندهم ، وهؤلاء مازالوا أكثرية سائدة.

ج- العاهة التي أصابت الشيخ وهو لما يبلغ العشرين بعد ، وهذه العاهة – عاهة العمى – لها تأثير عظيم عند أكثر الناس بحيث يظلون محكومين في تلقي مصادر معرفتهم بالبيئة والعرف ، ومدى علم وفكر وثقافة الأشخاص المصاحبين والمرافقين ، وعمق الصلات الشخصية، والصفات الخلقية كالنباهة والذكاء ،الخ …

لكني أجزم – مع هذا كله – أن الشيخ استطاع أن يتجاوز هذا ، ويرتقي إلى سُدة لم يبلغها أكثر أمثاله وأقرانه ممن أصيبوا في أبصارهم وليس في بصائرهم .

وهذا الأمر – أي أن العميان يظلون محدودي العلم والثقافة والفكر إلا نادراً – كان متعارفاً عليه منذ زمن طويل ، فهذا الإمام الشاطبي المقرئ الكبير القاسم بن فِِيّرة – المتوفى سنة590 للهجرة بالقاهرة- قد جرت مسألة فقهية بمحضره فذكر فيها نصاً واستحضر كتاباً فقال لهم : اطلبوها منه في مقدار كذا وكذا ، ومازال يعيد لهم موضوعها حتى وجدها حيث ذكر ، فقالوا له : أتحفظ الفقه؟ فقال لهم : إني أحفظ وِقرَ جمل – أي حمولة جمل – من كتب ، فقيل له: هلا دَرستها ؟ فقال : ليس للعميان إلا القرآن .

وقال صهره أبو الحسن علي بن سالم بن شجاع – وكان أيضا ًضريراً وأخذ القراءات عنه :

أردت مرة أن أقرأ شيئاً من الأصول على ابن الوراق ، فسمع بذلك فاستدعاني فحضرت بين يديه ، فأخذ بأذني ثم قال لي : أتقرأ الأصول ؟ فقلت : نعم ، فمد بأذني ثم قال لي : من الفضول : أعمى يقرأ الأصول.

ثم إننا على مر العصور لم نرى أعمى – إلا القليل النادر – برز في الجوانب الفكرية والثقافية، أو غيرها من دقائق العلوم التي تتطلب اطلاعاً واسعاً ومعرفة بحال الناس وتقلبات الدهر بأهله .

د- انشغال الشيخ الكبير بالعوام إجابةً لأسئلتهم وقضاء لحوائجهم ، وهذا مما تفرد فيه – تقريباً- بين علماء عصره، واشتهر عنه وعرف به ، وهؤلاء العوام إذا التفوا حول شخص ما فإنهم لا يكادون يتركونه، فمن كان مشغولاً هذا الانشغال فإنه لا يستطيع التفلت من هذا الإسار، لكن الشيخ مع ذلك استطاع أن يحصل جوانب من الفكر والثقافة سأتحدث عنها فيما يأتي – إن شاء الله تعالى – متغلباً على عوامل الانشغال الصادرة عن مزيد من المعرفة لأحوال الزمان وواقع الناس .

هـ- انشغال الشيخ الكبير بالمناصب الرسمية مثل توليه رئاسة الإفتاء ، ورئاسة هيئة كبار العلماء ، ورابطة العالم الإسلامي ، والمجلس الأعلى للمساجد ، وغير ذلك مما يملأ عليه وقته ، لكن مع هذا فإن هذه الهيئات كانت صاقلة لشخصية الشيخ الفكرية والثقافية ولاشك .

وهذه العوامل الخمسة ربما اجتمع معها غيرها ساعدت على ترسيخ الانطباع لدى عدد كبير من الخواص أن الشيخ محدود الثقافة والفكر، وأنه لا يستطيع أن يكون إلا كذلك .

وليس من مهمتي في هذا البحث تلميع صورة الشيخ , أو تكميل جوانب شخصيته بما ليس فيه ، أو ادعاء ما ليس عنده ـ معاذ الله ـ لكني أردت أن ألفت نظر القراء الكرام إلى بعض المشاركات الفكرية والثقافية التي شارك بها الشيخ في حياته العامرة الطويلة ، وهذه المشاركات ترقى – في ظني – إلى أن تُكَوّن ما يمكن أن يطلق عليه : الشخصية الفكرية والثقافية للشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله تعالى- وهذه المشاركات قد جاوزت الحد الأدنى الضروري من المشاركات التي ينبغي أن يشاركها من تصدر لفائدة الناس وتوجيههم.

والذي ينبغي أن يُعرف ويدرك أن هذه الشخصية الفكرية والثقافية ليست متميزة تميز الجوانب الأخرى في شخصيته ، لكني أذهب إلى أنها حاضرة موجودة ، وهي- في رأيي – التي فارق بها الشيخ جُلّ أو كل قرنائه في بيئته .

المبحث الأول : العوامل التي ساعدت على تكوين شخصية الشيخ الفكرية والثقافية

تعريف الفكر والثقافة :

إذا أردنا فهم أو معرفة الجوانب الفكرية والثقافية في حياة الشيخ رحمه الله تعالى والعوامل التي رسختها فلا بد من أن نطّلع على تعريف الفكر والثقافة ، أما الفكر فعرفه بعضهم بأنه : إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة مجهول ، وفَكَر في الأمر فَكراً أعمل العقل فيه ، ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى مجهول ، وأفكر في الأمر : فَكَر فيه فهو مُفكَّر .

وفكر في الأمر : مبالغة في فكر ، وهو أشيع في الاستعمال من فكر ، وفكّر في المشكلة : أعمل عقله فيها ليتوصل إلى حلها فهو مفكر .

وعلى هذا فإن مثل الشيخ في علمه وفقهه وفهمه وذكائه ونباهته لا يخلو من أن يكون مفكراً، ولا يمكن أن تسلب منه هذه الصفة تحت أي دعوى مهما كانت .

أما الثقافة فقد اختلف في تعريفها كبار المفكرين والمنظرين ، ولم يهتدوا إلى تعريف جامع لها بعد ، لكن من التعريفات لها :

“العلوم والثقافة والفنون التي يُطلب الحِذق فيها “.

هي أسلوب الحياة السائد في مجتمع ما ، وهذا الأسلوب إنما هو ثمرة الصفات الخلقية ، والقيم الاجتماعية ، والمبادئ الروحية ، والأصول العقائدية ، فالثقافة على ذلك هي المحيط الذي يشكل طباع الفرد وشخصيته .

والثقافة الإسلامية هي التي يبني الإسلام فيها عقيدة الأمة وأخلاقها وطرائق حياتها في السلوك والاقتصاد والسياسة والاجتماع والتشريع ، والثقافات الأخرى العالمية تختلف طريقة وعوامل بنائها من أمة إلى أخرى .

وهناك ضبط لطيف للثقافة وإن كان لا يصلح تعريفاً لها ، وهو : (تعلم شيئاً عن كل شيء لتكون مثقفاً ، وتعلم كل شيء عن شيء لتكون عالماً).

إذاً الثقافة تتطلب كثرة القراءة وتنوعها ، وسعة الإطلاع وعمقه – أحياناً- والأخذ من كل شيء بطرف ، وليست بالضرورة مرتبطة بالتعمق في دراسة علم من العلوم.

والشيخ – رحمه الله – لا أدعي له الثقافة الشاملة بهذا المعنى ، لكني أجزم أنه كان محيطاً ببعض جوانبها ، لا تفوته جملةً كما يدعي ذلك من يدعيه .

العوامل التي ساعدت على تكوين الشخصية الفكرية الثقافية عند الشيخ :

أولاُ :الاستعداد الشخصي من ذكاء ونباهة :

وهذا أمر متواتر ومشهور يعلمه الكثير عن الشيخ .

ثانياً :حياته الطويلة المباركة:

حيث عاش قرابة تسعين سنة ، وهذا له أثر لا ينكر في اطلاع الشيخ على كثير جداً من الأحداث والأخبار العالمية ، والاستفادة من كل ذلك في بناء شخصيته الثقافية والفكرية .

ثالثاُ : معاصرته لتكون عدد من الحركات الإسلامية والجماعات الدعوية :

امتد عمر الشيخ وطالت حياته المباركة ، لذا فإنه قد عاصر تكوّن عدد من الحركات الإسلامية والجماعات الدعوية داخل البلاد وخارجها ، واختلط بأفرادها وقادتها ، وصار عنده تصور واضح – تقريباً- لأهدافها وطرائق عملها ، وكل ذلك طبع شخصيته الفكرية والثقافية بطابع متنوع مهم ، خاصة أن بعض هذه الحركات قد اشتهر بعنايته الكبيرة بالثقافة والفكر .

رابعاً: معاصرته الفورةَ الكبيرة لحركات ومذاهب هدامة :

مثل الشيوعية ، والبعثية ، والقومية العربية الغالية ، والناصرية ، وهذا لاشك أنه طبع شخصيته الفكرية والثقافية بطابع ما ، وأتاح له الاطلاع على جوانب كثيرة من منهاج تلك الحركات البائدة حينما كانت متغلغلة سائدة .

خامساً : الصلات المتميزة بقادة المجاهدين في العالم الإسلامي :

وهذا أمر مشهور معلوم في حياة الشيخ ، فما من حركة جهادية – تقريباً- إلا وللشيخ صلة ما بها ، ومن الأمثلة على ذلك :

الصلات المتميزة بالمجاهدين الأفغان يوم كانوا يجاهدون الروس ، وقد كان يرسل لهم الرسائل ويوجههم ، ويحث أئمة البلاد على القنوات والدعاء لهم ، وقد حاول إصلاح الخلاف بين الشيخ جميل الرحمن – رحمه الله – وبين سائر مشايخ الجهاد، وله جهود مشكورة في هذا الباب .

سادساً: الرسائل الكثيرة التي كانت تأتيه من العالم الإسلامي :

قد كانت رسائل كثيرة ترد على الشيخ من شتى أنحاء العالم الإسلامي ، وتعرفه بكثير من الأوضاع ، وتنقل إليه مآسي المسلمين ومشكلاتهم، وهذا لاشك يثري فكر الشيخ ويعمق فهمه وثقافته الإسلامية ، فإن علمنا أن الشيخ شارك في حل عدد من تلك المشكلات وخفف من شدتها على الناس تيقنا أن الشيخ انتقل بالفكر والثقافة من طور المعرفة إلى طول العمل ، وهذه هي الثمرة المطلوبة من المعرفة الفكرية والثقافية .

سابعاً: خلطته مع عدد من الدعاة والمثقفين والمفكرين :

كان للشيخ – رحمه الله تعالى – صلة جيدة بعدد من الدعاة والمثقفين والمفكرين داخل البلاد من السعوديين وغير السعوديين، ومن تلك الصلات على سبيل المثال :

1- صلته بعدد من الدعاة والمفكرين والمثقفين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة منذ الثمانينات الهجرية- أي الستينات الميلادية- وكان هؤلاء موضع ثقته وتقديره .

وقد أخبرني الشيخ الفاصل الدكتور عبد الله القادري الأهدل – وهو ممن عاش في المدينة منذ سنة1382 للهجر ه ,وكان له صلة جيدة بالشيخ ابن باز في الجامعة الإسلامية – أن الشيخ عبد العزيز بن باز كانت له صلات جيدة مع بعض الدعاة والمفكرين والمثقفين الذين وفدوا للبلاد في حقبة الثمانيات الهجرية ، وعاشوا في المدينة المنورة النبوية ، ومنهم الشيخ سعيد حوى ، والشيخ محمد الوكيل رحمهما الله تعالى ، والأستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات، وهؤلاء تركوا بصماتهم على فكر الشيخ وثقافته .

2- كان للشيخ مجلس أسبوعي في الرياض يضم نخبة من الدعاة والمثقفين والمفكرين السعوديين الذين كانوا يطلعونه على كثير من القضايا ، ويستشيرونه فيها ، ويرجعون إلى رأيه تارةً ويرجع إلى رأيهم تارة أخرى .

وهذه الخلطة ساهمت بلا شك في صياغة فكر الشيخ وثقافته .

ثامناً: الوفود التي تفد عليه في المواسم وغيرها:

كانت وفود من العلماء والدعاة والمثقفين والمفكرين ترد على الشيخ في المواسم في مكة ، وفي الصيف في الطائف ، وسائر السنة في الرياض ، وكانت هذه الوفود تحمل معها هماً متنوعاً وقضايا كثيرة ساهمت في تبيان كثير من الأمور للشيخ، وتعريفه بها ، وأوقفته على عدد من الحقائق الفكرية والثقافية في شتى أنحاء العالم الإسلامي .

وقد أخبرني الشيخ القادري الذي كان مسؤولاً عن الإشراف الاجتماعي في الجامعة الإسلامية أن الجامعة – يوم كان الشيخ ابن باز نائباً لرئيسها ثم رئيساً لها – كانت ملتقى لكبار مشايخ العالم الإسلامي ومفكريه وسياسييه يوم كانوا يزورون المدينة، وكان الشيخ يستقبلهم جميعاً تقريباً ، ويتذاكر معهم أحوال العالم الإسلامي ، ويحتفي بهم، فمن المشايخ الذين وفدوا على الجامعة الشيخ أبو الأعلى المودودي – وكان عضو المجلس الأعلى للجامعة – والشيخ أبو الحسن الندوي ، ومحمود فايد من الجمعية الشرعية بمصر، رحمهم الله جميعاً، والشيخ عبد المجيد الزنداني حفظه الله تعالى ، ومن الساسة الشيخ عبد الله بن حسن الأحمر من اليمن – وهو الآن رئيس مجلس النواب اليمني- والدكتور محمد ناصر من إندونيسيا، وكان الشيخ يثني عليه ، وأحمدو بيللو من نجيريا – وهو عضو المجلس الأعلى للجامعة- ووفود مثل هؤلاء على الشيخ واختلاطه بهم يثري ثقافته ويعمق فكره .

تاسعاً: خلطته مع الطلاب في الجامعة الإسلامية :

وهذه الخلطة لها قصة على النحو التالي :

كان للشيخ رحمه الله تعالى يد طولى في الحفاظ على الطلاب الذين كانوا يدرسون في المدينة آنذاك ، وكان في الوقت نفسه يستمع لمشكلات بلادهم، فقد أخبرني الشيخ الفاضل د. عبد الله القادري أن الشيخ عينه مسؤولاً عن الإشراف الاجتماعي في الجامعة الإسلامية، وجاء الشيخ عبد الله الأحمر والشيخ عبد المجيد الزنداني حفظهما الله تعالى إلى الشيخ و معهما عدد من مشايخ قبائل اليمن ، وطلبوا من الشيخ العناية بالطلاب اليمنيين لأن الشيوعية والقومية كانت منتشرة في اليمن آنذاك – الثمانينات الهجرية ، الستينات الميلادية- ، فطلب الشيخ ابن باز من الشيخ القادري أن يشرف على الطلاب اليمنيين ، و أن يجمعهم له كل أسبوع في دار الحديث بالمدينة حتى يوجههم، فكان ذلك ، وكان بعض المشايخ يتحدثون مع الطلاب اليمنيين مثل الشيخ عبد المجيد الزنداني ، فكان الشيخ يحضر محاضراتهم ويعلق عليها بكلمة مختصرة .

وكان للشيخ منهج لطيف مع الطلاب اليمنيين ، حيث كان الطلاب من مناطق مختلفة من اليمن ، فكان يقوم أحدهم كل أسبوع ليتحدث عن مشكلة في بلده ، سواء أكانت من قبل الشيوعيين ، أو القوميين الناصريين ، أو الصوفيين الغالين إلخ 000ويسمع الشيخ ويعلق ، فهذا الأمر سمح للشيخ بالإطلاع على مشكلات اليمن آنذاك . وهذا أيضاً كان يجري مع مجموعات الطلاب الأخرى ، إذ كان الشيخ القادري يجمع له مجموعات أخرى من الطلبة كلّ بحسب بلده ، فهناك مجموعات للطلبة الهنود، وأخرى للباكستانيين ، وثالثة لشرق أفريقيا ، ورابعة لغربها ، وخامسة لشمالها ، وهكذا ، وكان الطلاب يذكرون مشكلاتهم للشيخ ويتباحث معهم في كيفية حلها .

وكل هذا أورث الشيخ علماً واسعاً عن العالم الإسلامي : أحواله ومشكلاته ، وهذا لاشك ساعد في البناء الفكري والثقافي للشيخ، ومكنه من معرفه أحوال كثير من مناطق العالم الإسلامي في ذلك الوقت الذي كان فيه الإعلام عموماً والإسلامي منه خصوصاً ضعيفاً.

عاشراً: ما كان يُقرأ عليه من الكتب الفكرية والثقافية :

قد قرأ على الشيخ – رحمه الله تعالى- عدد من الكتب الفكرية والثقافية المهمة، ومن الأمثلة على ذلك أنه قرأ عليه كتاب (رسائل الإمام البنا ) وهو كتاب فكري ثقافي دعوي متفوق مشهور ، وهذا الشيخ محمد الموسى – ملازم الشيخ ومعاونه- يقول :

ربما طلب هو بعض الكتب لبعض المعاصرين لقراءتها إذا دعت الحاجة لذلك .

أذكر أنه لما كثر الكلام عن جماعة الإخوان المسلمين وكبارهم قال لي سماحته: كنت أرغب في قراءة كتبهم والإطلاع عليها ، ثم أمرني بإحضار جملة منها، وقال : أحضر لي رسائل الشيخ حسن البنا- رحمه الله – فأحضرتها ، وشرعت في قراءتها حتى أنني قرأت عليه منه ما يزيد على مائتي صفحة ، وهي على هيئة رسائل ، وكلما قرأت رسالة عليه كتب عليها تعليقاً يسيراً بعد قراءته لها ، وربما لم يكتب أي ملاحظة ، وربما أبدى إعجابه ببعضها .

وقراءته مثل هذا الكتاب عامل مهم في بنائه الفكري والثقافي ، ذلك لأن كتاب (رسائل البنا) من الكتب ذوات الصَّدارة في الموضوعات الفكرية .

وسيأتي في الفصل الثاني أنه قرأ كتباً للشيخ أبي الحسن الندوي ، والشيخ محمد الغزالي ، رحمهما الله تعالى ، وهما من الدعاة المعاصرين والمشهورين بسعة الثقافة والعلم وجودة الفكر ، وقد استشهد بكلامهما في مواضع من كتابه ” نقد القومية العربية ” كما سيأتي بسطه إن شاء الله تعالى في المبحث القادم .

هذه العوامل العشرة مجتمعةً ساعدت على تكوين شخصية ثقافية فكرية للشيخ عبد العزيز- رحمه الله تعالى- وأزعم أنها لم تتيسر مجتمعة لأكثر علماء العصر ، خاصة العامل الخامس والسادس والثامن ، أما بالنسبة لعلماء بلده ومنطقته فأنا أرى أنه فارقهم جميعاً في اجتماع هذه العوامل له فلم يكن أحد منهم مثله أو قريباً منه ، والله أعلم.

****

المبحث الثاني: صورة من الجوانب الفكرية والثقافية في شخصية الشيخ

كان هناك صورة على مشاركة الشيخ الثقافية والفكرية في حياة الأمة الإسلامية ، وهي صورة دالة على أن الشيخ قد اكتسب شيئاً لا بأس به من الثقافة والفكر ، وأن حياته الطويلة لم تكن لتخلو منهما كما يزعم الزاعمون ، فمن ذلك :

1 ـ تأليفه بعض الرسائل الدالة على مشاركة فكرية وثقافية ، فمن ذلك :

أ‌- “نقد القومية العربية”:

وهي رسالة مهمة، يظهر فيها مدى تغلغل القومية العربية في بلاد الإسلام العربية آنذاك – وقد ألفها في الثمانينات الهجرية – والقومية على قسمين : قسم لا يعارض الإسلام ولكنه يرى فصله عن واقع الحياة وإبعاده عن السياسة، وهذا القسم على خطورته ومخالفته للإسلام الصحيح أخف من القسم الآخر الذي يرفض الإسلام جملة وتفصيلاً مثل قومية حزب البعث العربي الاشتراكي ، والشيخ- رحمه الله تعالى – في رسالته على وجازتها يرد على أهل القسمين رداً وسطاً بين الإجمال والتفصيل ، وفي هذه الرسالة تظهر مشاركة الشيخ في الجوانب الفكرية والثقافية ، فمن ذلك قوله :

” فمن سبَرَ أحوال القوميين ، وتدبر مقالتهم وأخلاقهم وأعمالهم عرف أن غرض كثيرين منهم من الدعوة إلى القومية أمور أخرى يعرفها من له أدنى بصيرة بالواقع وأحوال المجتمع ، ومن تلك الأمور: فصل الدين عن الدولة، وإقصاء أحكام الإسلام عن المجتمع، والاعتياض عنها بقوانين وضعية ملفقة من قوانين شتى ، وإطلاق الحرية للنزعات الجنسية والمذاهب الهدامة – لا بلغهم الله مناهم – ولا ريب أن دعوة تفضي إلى هذه الغايات يرقص لها الاستعمار طرباً ، ويساعد على وجودها ورفع مستواها – وإن تظاهر بخلاف ذلك – تغريراً للعرب عن دينهم ، وتشجيعاً لهم على الاشتغال بقوميتهم والدعوة إليها ، والإعراض عن دينهم 000 “.

ثم قال رحمه الله تعالى :”وإذا عرفت أيها القارئ ما تقدم فاعلم أن هذه الدعوة – أعني الدعوة إلى القومية العربية – أحدثها الغربيون من النصارى لمحاربة الإسلام والقضاء عليه في داره بزخرف من القول ، وأنواع من الخيال ، وأساليب من الخداع ، فاعتنقها كثير من العرب وأعداء الإسلام واغترّ بها كثير من الأغمار ومَن قلدهم من الجهال ، وفرح بذلك أرباب الإلحاد وخصوم الإسلام في كل مكان 000″

ثم قال رحمه الله تعالى :” هذه الفكرة – أعني الدعوة إلى القومية العربية – وردت إلينا من أعدائنا الغربيين وكادوا بها المسلمين ، ويقصدون بها من ورائها فصل بعضهم عن بعض، وتحطيم كيانهم ، وتفريغ شملهم على قاعدتهم المشؤومة ” فَرِّق تَسُد “وكم نالوا من الإسلام وأهله بهذه القاعدة النحيسة مما يحزن القلوب ويدمي العيون .

وذكر كثير من مؤرخي الدعوة إلى القومية العربية- ومنهم مؤلف الموسوعة العربية – أن أول من دعا إلى القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي هم الغربيون على أيدي بعثات التبشير في سوريا ليفصلوا الترك عن العرب ويفرقوا بين المسلمين ، ولم تزل الدعوة إليها في الشام والعراق ولبنان تزداد وتنمو حتى عُقد لها أول مؤتمر في باريس وذالك عام1910 م ، وكثرت بسب ذلك الجمعيات العربية ، وتعددت الاتجاهات ، فحاول الأتراك إخمادها بأحكام الإعدام التي نفذها جمال باشا في سوريا في ذلك الوقت إلى آخر ما ذكروا …”.

ثم نقل نقو لا ًمهمة عن عدد من الدعاة فقال :” ولقد أحسن الكاتب الإسلامي الشهير أبو الحسن الندوي في رسالته المشهورة : ( اسمعوها مني صريحة أيها العرب ) حيث يقول … “وقال :” ولنختم الكلام في هذا المقام بنبذة من كلام الكاتب المصري الشهير الشيخ محمد الغزالي تتعلق بالقومية ، قد أجاد فيها وأفاد ، حيث قال في كتابه (مع الله ) … “.

ثم نقل نقلاً من كتاب الشيخ الغزالي ختمه بقوله : “انتهى المقصود من كلام الغزالي في كتابه ” مع الله ” ولعظم فائدته نقلته ها هنا ” .

وهذه الرسالة متميزة فكرياً وثقافياً ، وأظن أن الشيخ لم يؤلف مثلها في الجوانب الفكرية والثقافية ، فهي من رسائله المتميزة ، مع أنه قد كتبها قبل وفاته بنحو أربعين سنة رحمه الله تعالى .

ب – رسالة “الدعوة إلى الله سبحانه وأخلاق الدعاة ” :وهي رسالة موجزة للشيخ – رحمه الله تعالى – بدأها بالحكمة من إيجاد الخليقة ، والحكمة من إرسال الرسل – عليهم الصلاة والسلام- ثم تحدث عن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكيف تعب من أجلها بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، وكيف اجتهد الصحابة رضي الله عنهم في إبلاغ الرسالة إلى أرجاء المعمورة آنذاك ، ثم تحدث عن الدعوة إلى الله عز وجل حديثاً موجزاً في نقاط أربع، وهي :

حكمها وفضلها ، كيفية أدائها وأساليبها ، بيان الأمر الذي يُدعى إليه ، بيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها .

وقد قال في كيفية أداء الدعوة كلاماً فكرياً جيداً ، كان منه الحديث عن شمول الدعوة الإسلامية وأن الإسلام :”عبادة وقيادة : ويكون ( أي المسلم ) عابداً ويكون قائداً للجيش ، عبادة وحكم : ويكون عابداً مصلياً صائماً ويكون حاكماً بشر ع الله منفذاً لأحكامه عز وجل ، عبادة وجهاد : ويدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله ، مصحف وسيف ، يتأمل القران ويتدبره ، وينفذ أحكامه بالقوة ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه ، سياسة واجتماع : فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والأخوة الإيمانية والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم …

فدين الله يدعو إلى الاجتماع وإلى السياسة الصالحة الحكيمة التي تجمع ولا تفرق، تؤلف ولا تباعد…

وهو يدعو إلى أداء الأمانة والحكم بالشريعة وترك الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل …

وهو أيضاً سياسة واقتصاد ، كما أنه سياسة وعبادة وجهاد ، فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط ليس رأسمالياً غاشماً ظالماً لا يبالي بالحرمات ويجمع المال بكل وسيلة وبكل طريق ، وليس اقتصاداً شيوعياً إلحادياً لا يحترم أموال الناس ولا يبالي بالضغط عليهم وظلمهم والعدوان عليهم ، فليس هذا ولا هذا بل هو وسط بين الاقتصادين ، ووسط بين الطريقين ، وحق بين الباطلين ، فالغرب عظموا المال وغالوا في حبه وفي جمعه حتى جمعوه بكل وسيلة ، وسلكوا فيه ما حرم الله عز وجل ، والشرق من الملحدين من السوفييت ومن سلك سبيلهم لم يحترموا أموال العباد بل أخذوها واستحلوها ولم يبالوا بما فعلوه في ذلك بل استعبدوا العباد ، واضطهدوا الشعوب ، وكفروا بالله ، أنكروا الأديان ، وقالوا لا إله والحياة المادة …

ثم قال :” وعليك أن تأخذ الإسلام كله ولا تأخذ جانباً دون جانب ، لا تأخذ العقيدة وتدع الأحكام والأعمال ، ولا تأخذ الأعمال والأحكام وتدع العقيدة ، بل خذ الإسلام كله ، خذه عقيدة ، وعملاً ، وعبادة ، وجهاداً ، واجتماعاً ، وسياسةً ، واقتصاداً ، أو غير ذلك ، خذه من كل الوجوه … يجب على كل مسلم أن يتمسك بالإسلام كله ، وأن يدين بالإسلام كله ، وأن يعتصم بحبل الله عز وجل ، وأن يحذر أسباب الفرقة والاختلاف في جميع الأحوال “.

وهذا الكلام يكاد يتطابق مضمونه ومجمله مع كلام الأستاذ البنا رحمه الله تعالى حيث قال في الأصل الأول من الأصول العشرين :

” الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً ، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة ، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة ، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء ، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى ، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة ، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواءً ” .

ولهذا الكتاب قصة لطيفة أخبرني بها الشيخ الدكتور عبد الله القادري الأهدل الذي كان مسئولاً عن الإشراف الاجتماعي في الجامعة الإسلامية زمان تولي الشيخ ابن باز رئاستها ، فقد جاء إليه وقال له : يا شيخ : ما هو الإسلام ؟ أهو عقيدة فقط أم هو عبادة فقط ؟ أم دعوة فقط ؟ أم هو شامل لكل ذلك ؟ وكان بجوار الشيخ ابن باز ملازمه الخاص في المدينة الشيخ إبراهيم الحصين ، الذي اتصل به بعد أسبوع ، وقال : لقد قرر الشيخ إلقاء محاضرة عن هذه المعاني مجتمعة ، و فعلاً ألقيت هذه المحاضرة التي طبعت في هذه الرسالة التي استقيت منها النصوص السالفة ، وقد أخبرني الشيخ القادري – حفظه الله تعالى – بأن عدداً من الطلبة قالوا بعد خروجهم من المحاضرة : لقد أصبح الشيخ عبد العزيز تلميذاً للبنا !!

2 ـ متابعته الدقيقة للأخبار وتفاعله معها :

قد كان الشيخ مداوماً على متابعة الأخبار على وجه يوميّ ، وهذا لاشك ينمي الجوانب الثقافية في شخصية الشيخ ، وهذا أحد المتابعين لحياة الشيخ يقول : ” سماحته يتلقى تقريراً يومياً من وكالة الأنباء السعودية يحتوي على أهم الأحداث إجمالاً وتفصيلاً .

وفي مداومته يومياً على سماع الأخبار ردٌّ على كثير من المشايخ والصالحين الذين لا يكادون يسمعون الأخبار العالمية ولا يتابعونها ، بل يلمزون من يصنع هذا بدعوى ضياع الزمان والاشتغال بما لا ينفع ، فنتج من جراّء ذلك الإهمال أن صاروا في واد وأحداث العالم في واد آخر ، ولم يكن الشيخ – رحمه الله تعالى- كذالك ولا كان من أولئك القوم المنعزلين .

وبعض الناس يلمز المتابعين للأخبار على هذا الوجه بأنهم من أهل فقه الواقع !! وكأن فقه الواقع ليس مطلوباً ، أو كأنه عيب من العيوب التي ينبغي الفرار منها وعدم التلبس بها .

وإذا ضممنا إلى صنيع الشيخ ما ذكرته سابقاً من الرسائل الكثيرة التي كانت تصله من العالم الإسلامي وتعرفه بحال المسلمين ، وإذا ضممنا إلى هذا أيضاً الوفود الكثيرة التي كانت تفد إليه وتخبره عن تفاصيل الأمور ودقائقها ، وإذا ضممنا هذا كله بعضه إلى بعض اتضح لنا جلياً أن الشيخ لم يعش بمعزل عن أحداث العصر ، وما كان شيء من مهمات الأخبار يفوته في الجملة ، رحمه الله تعالى ، وقد كان يتعامل مع هذه الأخبار بإيجابية فيحزن لما فيها من المحزنات ، ويحاول حل ما استطاع حله من المشكلات ، وهكذا ينبغي أن يكون صنيع من يتابع الأخبار من العلماء والدعاة .

3 ـ موقفه الجيد من الجماعات الإسلامية الحركية وغير الحركية :

وقد كان للشيخ موقف جيد مشجع للجماعات الإسلامية مما يدل على أن له فكراً معتدلاً، وحسن اطلاع وتصور ، فها هو يقول :” وما هذه الحركات الإسلامية التي تنبع من الشباب في كل بلد إسلامي إلاّ عودة جديدة لدين الإسلام “.

وقال أيضاً متحدثاً عن الصحوة حديثاً إيجابياً بينما بعض أقرانه ينكر حتى اسم الصحوة :”هذه الصحوة التي تسر كل مؤمن – ويصح أن تسمى حركة إسلامية ، وتجديداً إسلامياً ، ونشاطاً إسلامياً – يجب أن تشجع ، وأن توجه إلى الاعتصام بالكتاب والسنة ، وأن يحذر قادتها وأفرادها من الغلو والإفراط ” .

وقال أيضاً رحمه الله :” يجب على الدعاة إلى الله أن يستغلوا هذه الحركة الإسلامية بالتعاون مع القائمين عليها والمذاكرة معهم ، والحرص على إزالة الشبه التي قد تعرض لبعضهم “.

أ- موقفه من جماعة التبليغ :

كان للشيخ موقف من جماعة التبليغ يدل على فكر معتدل منضبط بضوابط الشريعة، فقد حاول أحد المشايخ النيل منهم فنصحه الشيخ ووعظه وطلب منه الكف ، فلما تكرر منه هذا قال له مبيناً فساد طريقته التي سلكها :” ولا أكتمك سراً إذا قلت إني لم أرتح لها ولم ينشرح لها صدري ، لأن هذه الطريقة التي سلكت لا تفيد الدعوة شيئاً لأنها تهدم ولا تبني ، وتفسد ولا تصلح ، وضَرُّها أقرب من نفعها ، ولم يعد ضررها إلا على الدعوة وعلى إخوانك في الله من خيرة المشايخ وطلبة العلم الذين نشأوا على التوحيد والعقيدة الصحيحة علماً وتعليماً ودعوة وإرشاداً .

وقد استغلها من لا بصيرة له في مناصبتهم العداء و تكفير بعضهم لهم واستباحة بعضهم دماءهم والعياذ بالله ، مع الوشاية بهم واستعداء المسؤولين عليهم وتهويل أمرهم عندهم وتخويفهم منهم ورميهم بالعظائم وإلصاق التهم بهم مما هم برآء منه حتى حصل على الدعوة والدعاة من الضرر ما الله به عليم ، أما من أقمتم الدنيا وأقعدتموها من أجلهم فينطبق عليكم قول الشاعر :

وناطح صخرةً يوماً ليوهنها فلم يَضرها وأوهى قرنه الوَعلُ

لكونهم بمنأى عنكم في بلادهم سائرين في دعوتهم في حماية من دولتهم لاحترامها لهم لأنك ذكرت في كتاباتك لنا أن رئيس الحكومة يحضر اجتماعاتهم ويشجعهم ، كما ذكر لنا هذه الأيام بعض أبنائنا المتخرجين من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية ممن شاركهم في الدعوة سنين طويلة أن مركزهم في رايوند مفتوح أربعة وعشرين ساعة ، وجماعات تخرج في سبيل الله وجماعات ترجع ، فما دام الأمر هكذا فلن تخضعهم كتابات أمثالك المشتملة على الفظاظة والغلظة والسب والشتم بل إن هذه الكتابات ستكون سبباً في نفرتهم من الحق وبعدهم عنه لقول الله سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي أدَّبه ربه فأحسن تأديبه :

(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك).

وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله “.

“إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه “.

” إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ولا على ما سواه “.

والله سبحانه نهى عن سب الكفار إذا كان يفضي إلى سب الله فكيف بسب المسلمين إذا كان يفضي إلى تنفيرهم من الحق وبُعدهم عنه وعن الداعين إليه ، فالواجب أن تسعوا في الإصلاح لا في الإفساد ، وأن تخالطوهم وتنهوهم على ما قد يقع من بعضهم من الخطأ بالرفق واللين لا بالعنف والقسوة .

أما تشديدك في إنكار البيعة على التوبة فقد اقترحت على قادتهم – لما اجتمعت بهم في موسم الحج الماضي بمكة وحصل بيني وبينهم من التفاهم ما نرجو فيه الفائدة- أن يكون عهداً بدل بيعة فقبلوا ذلك ، ولعلهم تعلَّقوا بما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الجزء 28- ص12 ) من الفتاوى من عدم إنكار ذلك .

وكذلك تشديدك النكير عليهم في إبقائهم أحد الدعاة في المسجد للدعاء لهم ، ولعل قصدهم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حين بقي في العريش يوم بدر مع الصدَّيق يناشد ربه النصر حتى سقط رداؤه عن منكبيه فردّه الصدّيق وقال : يا رسول الله : بعضَ مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما يعدك .

ولا يوجب هذا العمل هذا التشنيع الفظيع هدانا الله وإياك ، وقد تمنيت أنك قبلت نصيحتي المتكررة لك وما أشرت به عليك سابقاً ولاحقاً في كتبي المرفق بعضها مع بعض صور ما صدر منك في الموضوع لأني كتبتها عن بصيرة وتأنٍّ ونظر في العواقب وموازنة بين جلب المصالح ودفع المضار وخبرة تامة بهم لتكرر اجتماعي بهم في مكة والمدينة والرياض مع ما استفدته من ثقات المشايخ الذين سافروا إليهم وحضروا اجتماعاتهم واطلعوا عليها عن كَثب وأعجبوا بها ، وكنتُ نصحتك بما نصحتَ به … لما تهجم عليهم على غير بصيرة كحال أكثر من شنّ عليهم الغارة في هذا الوقت بدافع الجهل والهوى نعوذ بالله من ذلك ، وقد قلت في رسالتك المذكورة … :

” وصلتني رسالة منك حول جماعة التبليغ ، ويؤسفني أن ينهج أحد الدعاة إلى الله هذا المنهج المسيء لشرع الله في سب أقرانه في الدعوة إلى الله وشتمهم وتضليلهم واتهامهم بتنفيذ مخططات أعداء الله في الكيد للإسلام والمسلمين ، كل ما في الأمر أن جماعة التبليغ نهجت في الدعوة إلى الله منهجاً أخطأت – فيما نرى – في بعض جوانب منه ونرى من الواجب أن ننبههم على هذا الخطأ ، كما نرى من الواجب الاعتراف بما في منهجهم من صواب ، وليت أخي يخرج معهم ليتعلم منهم اللين بدل القسوة ، والدعاء للمسلمين بدل الدعاء عليهم ، والجدل بالتي هي أحسن بدل الجهر بالسوء ، وكلنا محتاج لتفّقد نفسه وتصحيح منهجه والرجوع إلى الله وإلى سنّة رسوله في طاعة الله والدعوة إلى الله ” 0

انتهى كتابك بحروفه ، وقد كتبتَه بعد اختلافك معهم في الرأي, ولكن الله أنطقك بالحق والحمد لله على ذلك .

وإليك رسالتك المذكورة مع شكرنا لك عليها برَفقه ، وربما اغتر َّ بكتاباتك القاسية – ثقةً بك – مَن لم يخالطهم في عمره ولم يخرج معهم ولم يعرف عنهم شيئاً إلا من كلامك فيكون عليك وزرك ومثل أوزار مَن انخدع بما كتبت إلى يوم القيامة .

” فاتهم الرأي يا بني ! واعلم أن الله عند لسان كل قائل وقلبه ، وأن الله سيحاسب الإنسان عما يلفظ به أو يعمله ، والجأ إلى ربك واضرع إليه أن لا يجعلك سبباً في الصدَّ عن سبيله وأذية المسلمين ، وأسأل الله عزّ وجل أن يشرح صدرك لما هو الأحب إليه والأنفع لعباده ، وأن يختم لي ولك وللمسلمين بالخاتمة الحسنة إنه جواد كريم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ” الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ” .

وهذا الكلام يدل على اعتدال فكري جيد ، وفقه للموازنة متميز ، والله أعلم ..

ب‌- موقفه المعتدل من المتصوفة :

كان للشيخ – رحمه الله تعالى – موقف من الصوفية معتدل جيدٌ ، فهو يرد على بدع الصوفية ، ويفند أقوالهم ، ويزنها بميزان الشرع المطهر لا بميزان العاطفة الذي يسرف في استعماله كثير من الصوفية ، لكنه مع ذلك لم يكن يقبل التعميم في الحكم عليهم كما وقع لكثير من العلماء المعاصرين ، ولا يضلل إلا من ثبت عنده ضلاله .

وأذكر هاهنا أني اجتمعت به في مكة قبل وفاته بسنتين تقريباً – فيما أذكر – في مجالس خاص ، وقلت له يا شيخ عبد العزيز : قد سمعت في برنامج ” نور على الدرب ” أحد العلماء الأفاضل يسرف في التشنيع على الصوفية ، ويبدعهم جميعهم ، و يأمر بإتلاف جميع كتبهم ، فلماذا هذا التعميم ؟ ولماذا لا نذهب فيهم إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث ذكر كلاماً حاصله أنهم طائفة من المسلمين فيهم خير وفيهم شر ، فيحمد ما عندهم من خير و يذمّ ما فيهم من شر وضلال ، فقال لي رحمه الله تعالى : هذا رأيي ,هذا رأيي .

وهذا موقف معتدل منه رحمه الله تعالى خالف فيه كثيراً من علماء عصره ، وهو يدل على جودة في التفكير ، وحسن اطلاع ، وورع في إطلاق الأحكام .

ج- موقفه المعتدل من الحركات الإسلامية عموماً :

كان للشيخ موقف من الحركات الإسلامية العاملة ينم عن اعتدال فكري كبير ، وقد قال في إحدى مقالاته بعنوان : ” الحركات الإسلامية ودور الشباب فيها ” :

” وما هذه الحركات الإسلامية التي تنبع من الشباب في كل بلد إسلامي إلا عودة جديدة لدين الإسلام الذي تريح أوامره وشرائعه النفوس ، وتتجاوب مع متطلبات المجتمعات في كل عصر ومكان …

وهذه الحركات كان للشباب فيها دور كبير وأفعال مؤثرة ، تدعو للتبصر والمؤازرة، إلا أن بعضها وخاصة في بعض الدول الإسلامية قد تعرض للكبت والمضايقة والاضطهاد والملاحقة . وبعضها استمر في أداء الدور الذي تنادى به تعاليم الإسلام في سبيل الدعوة والاهتمام بتبصير المسلمين عما جد في حياتهم ولا يسير وفق منهج الإسلام .

وقد كان لهذا النوع ، وما زال أثر طيب بحمد الله في إصلاح أوساط الشباب ، وإقامة الكثير من المجتمعات على جادة الحق والهدى ، في داخل العالم الإسلامي وخارجه عن طريق الكتاب الإسلامي ، والمنبر ، والمحاضرات ، والمخيمات والمعسكرات الإسلامية التي يلتقي المسلمون فيها عدة أقطار ، فيتذكرون علوم دينهم ، ومشكلات مجتمعهم ، ويتفهمون الواقع من حولهم ويعملون بقول الله تعالى : (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ).

وهذه فتوى للشيخ تدل على اعتدال فكري جيد ، وموضوعها نفي علاقة الجماعات الإسلامية الحركية وغير الحركية بالفرق الضالة ، حيث سأله سائل : يا شيخنا الكريم الذي يقول بأن هذه الجماعات الإسلامية من الفرق التي تدعو إلى جهنم والتي أمر النبي باعتزالها ؟

ابن باز : ” الذي يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليس من الفرق الضالة ، الفرقة الناجية هم أهل الحق وهم دعاة الهدى ، ولو تفرقوا في البلاد يكون منهم في الشام ، يكون منهم في أمريكا ، يكون منهم في مصر ، يكون منهم في أفريقيا ، يكون منهم في آسيا ، هم جماعات كثيرة المقصود هدفهم ما هو؟ وعقيدتهم ما هي ؟ فإذا كانوا على طريقة التوحيد والإيمان باللّه ورسوله والاستقامة على دين الله الذي جاء به الكتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هم أهل السنة والجماعة وإن كانوا في جهات كثيرة لكن في آخر الزمان قد يقلون جداً .

فالحاصل أن الضابط ماداموا على الحق ، فإذا وجد إنسان أو جماعة تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتدعو إلى توحيد الله و اتباع شريعته هؤلاء هم الجماعة هم الفرق الناجية ، وأما من دعا إلى غير كتاب الله أو إلى غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ليس من الجماعة بل من الفرق الضالة الهالكة .

وإنما الفرقة الناجية دعاة الكتاب والسنة إن كانت منهم جماعة هنا وجماعة هنا مادام الهدف والعقيدة واحدة فلا يضر كون هذه تسمى أنصار السنة وهذه تسمى الإخوان المسلمين ، وهذه تسمى كذا ، المهم عقيدتهم وعملهم فإذا استقاموا على الحق وعلى توحيد الله والإخلاص له واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً وعقيدة فالأسماء لا تضرهم ، لكن عليهم أن يتقوا الله وأن يصدقوا في ذلك ، وإذا تسمى بعضهم بأنصار السنة وتسمى بعضهم بجماعة كذا وجماعة كذا لا يضره إذا جاء الصدق حصل الصدق باتباع الكتاب والسنة وتحكيمها والاستقامة عليها قولاً وعملاً.

وإذا أخطأت الجماعة في شيء تُنبه ، إذا أخطأت أي جماعة في أمر من أمور الدين ينبهها الآخرون ولا نتركهم ، لا بد أن نتعاون على البر والتقوى إذا أخطأوا ننبههم، فإذا أخطأوا في شيء مما يتعلق بالعقيدة أو بما أوجب الله أو ما حرم الله نُبهوا بالأدلة الشريعة بالرفق والحكمة والأسلوب الحسن حتى ينصاعوا للحق وحتى يقبلوه وحتى لا ينفروا منه ، هذا هو الواجب ، على أهل الإسلام أن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يتناصحوا فيما بينهم وألا يتخاذلوا فيطمع فيهم العدو ” , وهذه فتوى في غاية من الاعتدال وفقه الواقع .

وهناك فتوى أخرى أيضاً ونص سؤالها :يتساءل كثير من شباب الإسلام عن حكم الانتماء للجماعات الإسلامية ، والالتزام بمنهج جماعة معينة دون سواها ؟

وأجاب عنها الشيخ بما يلي :” الواجب على كل إنسان أن يلتزم بالحق ، قال الله عز وجل ، وقال رسول الله عليه وسلم ، وألا يلتزم بمنهج أي جماعة لا إخوان مسلمين ولا أنصار سنة ولا غيرهم ، ولكن يلتزم بالحق ، وإذا انتسب إلى أنصار السنة وساعدهم في الحق ، أو إلى الإخوان المسلمين ووافقهم على الحق من دون غلو ولا تفريط فلا بأس .

أما أن يلزم قولهم ولا يحيد عنه فهذا لا يجوز ، وعليه أن يدور مع الحق حيث دار، إن كان الحق مع الإخوان المسلمين أخذ به ، وإن كان مع أنصار السنة أخذ به ، وإن كان مع غيرهم أخذ به ، يدور مع الحق ، يعين الجماعات الأخرى في الحق ، ولكن لا يلتزم بمذهب معين لا يحيد عنه ولو كان باطلاً ، ولو كان غلطاً ، فهذا منكر، وهذا لا يجوز ، ولكن مع الجماعة في كل حق ، وليس معهم فيما أخطأوا فيه.

4 ـ موقفه الجيد من المشاركة في الأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية :

قد كان للشيخ موقف من الأحزاب السياسية المعاصرة حسن جيد يدل على اعتدال كبير فكري وثقافي ، فقد كان يشجع على الانخراط فيها لمن كان قادراً على التأثير، وله فتوى يوم كان رئيساً للجنة الدائمة للإفتاء مهمة جداً ، ومنبع أهميتها أنها بشأن الانتساب للأحزاب غير الإسلامية ، وقد وافق الشيخ على الانتساب لها إن كان المسلم يظن أنه سيؤثر تأثيراً حسناً ، فكيف بالأحزاب الإسلامية إذاً !!

وهذا الموقف سبق فيه بعض رموز العلم والدعوة الذين يحرّمون الانتساب إلى الأحزاب الإسلامية فكيف بالانتساب لغيرها ، ويحرمون المشاركة في البرلمانات تبعاً لذلك أو استقلالاً ، فهذه الفتوى موفقة ومناسبة لحد بعيد لمتطلبات العصر ، ونص السؤال هو : بعض الناس مسلمون ولكنهم ينخرطون في الأحزاب السياسية ، ومن بين الأحزاب إما تابع لروسيا أو تابع لأمريكا ، وهذه الأحزاب متفرعة وكثيرة ؛ أمثال : حزب التقدم والاشتراكية ، حزب الاستقلال ، حزب الأحرار ، حزب الأمة ، حزب الشبيبة الاستقلالية ، حزب الديمقراطية .. إلى غيرها من الأحزاب التي تتقارب فيما بينها ، ما هو موقف الإسلام من هذه الأحزاب ، ومن المسلم الذي ينخرط في هذه الأحزاب، هل إسلامه صحيح ؟

الجواب : “من كان لديه بصيرة في الإسلام وقوة إيمان وحصانة إسلامية وبُعد نظر في العواقب وفصاحة لسان ، ويقوى مع ذلك على أن يؤثر في مجرى الحزب ، فيوجهه توجيهاً إسلامياً فله أن يخالط هذه الأحزاب ، أو يخالط أرجاهم لقبول الحق؛ عسى أن ينفع الله به ، ويهدي على يديه من يشاء فيترك تيار السياسات المنحرفة إلى سياسة شرعية عادلة ينتظم بها شمل الأمة ، فتسلك قصد السبيل والصراط المستقيم ، لكن لا يلتزم مبادئهم المنحرفة ، ومن ليس عنده ذلك الإيمان ولا تلك الحصانة ويخشى عليه أن يتأثر ولا يؤثر فليعتزل تلك الأحزاب اتقاء للفتنة ومحافظة على دينه أن يصيبه منه ما أصابهم ، ويبتلى بما ابتلوا به من الانحراف والفساد .

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم “.

5 ـ دفاعه عن الدعاة والمفكرين :

وهذا بارز وواضح في حياة الشيخ، فالدعاة والمفكرون والمثقفون قريبون منه وهو لهم محب ، مدافع عنهم، و يشعر بمصابهم ، وهذا- أي محبة الدعاة والمدافعة عنهم- أيضاً يدل على اعتدال فكري جيد، واسمع إلى قول الشيخ محمد الموسى الملازم للشيخ ابن باز رحمه الله تعالى :

” عندما أصدرت محكمة البغي قرارها بإعدام سيد قطب وإخوانه اعترى الشيخ ما يعتري كل مؤمن من الغم في مثل هذه النازلة , التي لا تستهدف حياة البرآء المحكومين بقدر ما تستهدف الإضعاف من منزلة الإسلام نفسه بإرهاب المعتصمين به لتخذيلهم عنه .

وكلفني الشيخ يومئذ صياغة البرقية المناسبة لهذا الموقف فكتبتها بقلم يقطر ناراً وكرهاً وغيرة ، وجئته به وملئي اليقين بأنه سيدخل على لهجتها من التعديل ما يجعلها أقرب إلى لغة المسؤولين منها إلى لغة المنذرين ، ولكنه حطم كل توقعاتي حين أقرها جميعاً ، ولم يكتف حتى أضاف إليها قول الله تعالى في سورة النساء: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ) (النساء:93).

وأرسلت يومئذ البرقية التي كانت – فيما أظن – الوحيدة من أنحاء العالم الإسلامي بهذه المناسبة بما تحمله من عبارات أشد على الطغاة من لذع السياط ” .

وقد كان من المعروف من الشيخ رحمه الله تعالى أنه لم يكن يقبل أن يطعن أحد في الدعاة والصالحين وهو حاضر سامع، وهناك موقف جيد له مع الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى – على ما بينهما من اختلاف في المنهج وطريقه التناول –حيث زاره الشيخ الغزالي يوماً في بيته ، وهذا مرافق الشيخ يقص ما جرى :

لما قدم الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله تعالى – إلى الرياض ، لاستلام جائزته المقدمة من لجنة جائزة الملك فيصل العالمية زار سماحة الشيخ في منزله 0

وكانت في ذلك الوقت ضجة حول كتاب الشيخ الغزالي : ” السنة النبوية بين أهل الفقه ، وأهل الحديث ” وقد قرئ ذلك الكتاب على سماحة الشيخ ، فلما زاره الغزالي احتفى به ، وأكرمه ولاطفه ، وسأله عن الدعوة في الجزائر ، وعن حاجتهم ، وأخبره بأنه على أتم الاستعداد لدعمهم ، وكان الشيخ الغزالي آنذاك رئيساً لجامعة في الجزائر .

وكان مجلس سماحته- كالعادة – عامراً بالزائرين ، والسائلين ، و المحتاجين ، والضيوف ، وكان الهاتف لا يتوقف رنينه ، وكان كُتَّاب سماحته حوله يقرؤون ، وهكذا .

وكلما سنحت لسماحته فرصة التفت إلى الشيخ الغزالي وحيّاه ولاطفه ، فأعجِبَ الشيخ الغزالي بما رأى ، وكان ذلك بادياً عليه .

وفي تلك الأثناء قال سماحته للشيخ الغزالي : لقد قرأت كتابكم المذكور ، ولا يخفى عليكم أن البشر عرضة للخطأ ، ونحن وغيرنا عرضة لذلك ، وقد قرأت شيئاً من كتابكم ، وعليه بعض الملحوظات .

فقال الشيخ الغزالي : أنا يسعدني أن تكملوا قراءته ، وأن توافوني بما تلاحظونه ، وأنا إن شاء الله أصلحه ، وذكر كلاماً نحو هذا .

وبينما كان سماحة الشيخ يرد على مكالمة هاتفية دار حديث بين الشيخ الغزالي وبين أحد المشايخ الحاضرين وهو الشيخ خير الدين و انلي من سوريا ، فقال الشيخ خير الدين : أنتم قلتم : كذا وكذا ، فانقض الغزالي عليه : واشتد النقاش , ولما سمع سماحته كلامهما التفت إلى الغزالي وقال : ماذا عندكم ؟قال : كذا وكذا .

فخاطبهما جميعاً بأن هذه المسائل ينبغي أن توضع في إطارها ، وأن نحرص كل الحرص على جمع كلمتنا والبعد عن الخلاف ، فنحن أمام أمور كبار تتعلق بأصول المسائل ، وسكّن من غضبهما وانتهى الجدال .

وكان الشيخ الغزالي مدعواً للغداء ، ولكنه تأخر على من دعاه ، وجلس عند سماحة الشيخ ، وتناول معه الغداء , ولما هم بالخروج ألقى نظرة على سماحة الشيخ وقال : نحن بخير مادام فينا هذا الرجل .

وبلغني أنه لما وصل إلى من دعاه قالوا له : لماذا تأخرت ؟ قال : كنا في عالم ثان! وهذا الذي حصل من الشيخ رحمه الله تعالى يدل على اعتدال فكري كبير ، ولاشك.

6 ـ اعتداله في مسائل الخلاف الفقهي :

كان للشيخ موقف جيد وسط في قضايا الخلاف الفقهي ، وخلاصته أنه يذهب فيها إلى الحق الذي لا يعتقد غيره ، ولكنه يعذر المخالف ولا يسفهه ، وهذا يدل على اعتدال فكري جيد .

فها هو يقول متحدثاً عن مسألة فقهية خلافية في شأن الصلاة والإرسال والقبض بعد الركوع فيه : ” لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يتخذ من الخلاف في هذه المسألة وأشباهها وسيلة إلى النزاع و التهاجر والفرقة فإن ذلك لا يجوز للمسلمين … الواجب على الجميع بذل الجهود في التعاون على البر والتقوى وإيضاح الحق بدليله ، والحرص على صفاء القلوب وسلامتها من الغل والحقد من بعضهم على بعض .

كما أن الواجب الحذر من أسباب الفرقة والتهاجر …الواجب على الجميع التناصح والتفاهم في معرفة الحق بدليله مع بقاء المحبة والصفاء والأخوة الإيمانية ، فقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم – رضي الله عنهم – والعلماء بعدهم ، رحمهم الله ، يختلفون في المسائل الفرعية ولا يوجب ذلك بينهم فرقة ولا تهاجراً ، لأن هدف كل واحد منهم هو معرفة الحق بدليله ، فمتى ظهر لهم اجتمعوا عليه ، ومتى خفي على بعضهم لم يضلل أخاه ، ولم يوجب له ذلك هجره ومقاطعته “.

وهذا الكلام قريب من كلام الأستاذ البنا رحمه الله حيث قال في الأصل السابع من الأصول العشرين التي وضعها ليضبط بها الفهم في مسائل من الشريعة عظيمة ، قال رحمه الله تعالى : “ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماماً من أئمة الدين ، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة إمامه ، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صدق من أرشده وكفايته ، وأن يستكمل نقصه العلمي – إن كان من أهل العلم – حتى يبلغ درجة النظر “.

وقال الأستاذ البنا رحمه الله تعالى في الأصل الثامن : ” والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سبباً للتفرق في الدين ، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ، ولكل مجتهد أجره ، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب ” .

أرأيت إلى كلام هذين الإمامين كيف خرج من مشكاة واحدة ، مشكاة الاعتدال الفكري الكبير ، والاهتمام العظيم بالأخوة الإسلامية وتقديمها على ما يمكن أن يحل بالساحة الإسلامية من خلاف وتفرق بشأن فروع المسائل ، والله أعلم .

وقال أيضاً متحدثاً عن الأناشيد الإسلامية :” إذا كانت سليمة ليس فيها إلا الدعوة إلى الخير والتذكير بالخير وطاعة الله ورسوله ، والدعوة إلى حماية الأوطان من كيد الأعداء ، والاستعداد للأعداء ونحو ذلك فليس فيها شيء ، إما إذا كان فيها غير ذلك من دعوة إلى المعاصي واختلاط النساء بالرجال ، أو تكشفهن عندهم ، أو أي فساد كان فلا يجوز استماعها ” , وهذا توسط يدل على جودة الفكر واعتداله .

وقال عن التلفاز :” أما التلفزيون فآلة لا يتعلق بها في نفسها حكم ، وإنما يتعلق الحكم باستعمالها ، فإن استعملت في محرم فذلك حرام ، وأن استعمل في الخير … فذلك جائز ، وإن استعمل فيهما فالحكم التحريم إن تساوى الأمران أو غلب جانب الشر فيه ” , وهذه فتوى معتدلة أيضاً إلى حد كبير .

7 ـ استشهاده ببعض أقول الغربيين واطلاعه على كلامهم :

كان للشيخ رد على قضية اختلاط المرأة بالرجل والفساد الحاصل من التساهل في مثل هذا ، وقد استشهد في رده بالكاتبة الإنجليزية الليدي كوك ، واستشهد بكلام شوبنهور الألماني ، وبكلام اللورد بيرون ، وبقول سامويل سمايلس الإنجليزي ، وبكلام الدكتورة أيد إلين ، وبقول عضوين من الكونجرس الأمريكي ، وكل هذه الأقوال لهؤلاء تشجع على منع الاختلاط ووجوب إشغال المرأة بما هو مناسب لطبيعتها وفطرتها .

واستفادته من كلام هؤلاء يدل على اطلاع جيد ، ومشاركة ثقافية مناسبة ، وأخذ الجيد النافع من كلام الناس وإن كانوا كافرين ، وهذا أيضاً يدل على اعتدال فكري وجودة في منهج التلقي ، وقد سبق أقرانه في هذا الأمر وتجاوزهم .

8 ـ اطلاعه على ما يجري في العالم من كيد للإسلام وإساءة له وللمسلمين :

كان للشيخ اطلاع حسن واسع على المكائد التي تواجه المسلمين وتفت في عضدهم، وكان له مشاركة في الرد على ذلك وإظهار الحق ، فمن ذلك :

رده على ما يجري في التلفزيون السويسري من إظهار للإسلام والمسلمين في مصر بصورة سيئة .

وكذلك رده على ما يجري في مؤتمر بكين من مناقضة الشريعة الإسلامية في عدد من جوانبه ، ونشر الإباحية ، وهتك للحرمات ، وتخريب للمجتمعات إلخ .

وهذا الاطلاع وتلك المشاركة يدلان على اهتمام فكري ثقافي ، ومتابعة دقيقة لما يجري في الساحة الإسلامية والساحة العالمية ، ويدلان أيضاً على اعتدال في التصور مستقىً من منهج جيد إيجابي في تلقي الأخبار والتعامل مع كل خبر بما يناسبه .

9 ـ اهتمامه الكبير بالمسلمين أينما كانوا واطلاعه على أخبارهم :

وهذا متواتر عنه معلوم ، ويكفي فيه قول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمهما الله تعالى :” لا يوجد رجل في العالم يهتم بأمور المسلمين كسماحة الشيخ عبد العزيز “.

وهذا القول – وإن كان فيه جزم مبالغ فيه ونوع من التجاوز من مثل الشيخ الأمين – يدل على اهتمام الشيخ الكبير بحال المسلمين ، وهذا الاهتمام وتلك المتابعة الكبيرة أورثاه ثراء لا بأس به في الناحيتين الفكرية والثقافية ، وقد سبق ذكر جوانب من هذا الاهتمام والاطلاع مثل متابعته الأخبار ، وتلقيه الرسائل ، واستقباله الوفود إلخ “.

****

المبحث الثالث : حقائق عن شخصية الشيخ الفكرية والثقافية

هناك جملة حقائق تمخضت عن دراسة هذين الجانبين في شخصية الشيخ عبد العزيز : الثقافي والفكري ، وهي الآتي :

التبعية الفكرية والثقافية للشيخ :

الشيخ رحمه الله ليس له مذهب فكري ثقافي محدد ، بمعنى أنه ليس مجتهداً في قضايا الفكر والثقافة اجتهاداً استقلالياً ولا جزئياً ، وهو تابع فيها لغيره ، لكن مع هذا فقد كان له رأي في عدد من المسائل الفكرية والثقافية بقطع النظر عن صوابه أو خطئه ، ولا يعيبه أنه لم يكن في الطبقة الأولى من المفكرين والمثقفين ، ويكفي أن له مشاركة جيدة في هاتين القضيتين إضافة إلى بروزه الكبير وتفرده في كثير من علوم الشرع فإن المرء لا يمكن أن يحوز الكمال ولا أن يُجمع له كل المواهب وعظيم الخصال .

انشغاله في آخر عمره عن المتابعة الثقافية :

الظاهر أن الشيخ رحمه الله تعالى كان قد كون شخصيته الثقافية في المراحل الوسطى من حياته ، أما القسم الأخير منها فلم يظهر لي أنه اكتسب شيئاً كبيراً في هذا الباب ، ومما يدل على هذا أنه قد قرأ 55 كتاباً في آخر 16 عاماً من حياته لم يكن فيها شيء يمكن أن يعد من كتب الفكر أو الثقافة ، وهذا مما ظهر لي بالدرس والبحث لكن لعله قد قرئ عليه شيء لم يصلنا ، لكني أستبعد ذلك ؛ إذ الذي نقل عنه هذا هو ملازمه الشيخ محمد الموسى ، وهو من أعرف الناس به لكن لقاء الشيخ بكثير من الناس وتلقيه لكثير من الرسائل ، وسماعه للأخبار ومداومته عليها قد يعوض النقص الناشئ عن عدم المتابعة للجديد من الكتب الفكرية والثقافية ، أو على الأقل يمنع من إلصاق تهمة الاعتزال الفكري والثقافي بالشيخ .

لكن هذا الانشغال أثر على الشيخ في ناحية أخرى مهمة وهي أنه صار يتلقى كثيراً من معلوماته الثقافية والفكرية ممن حوله أو ممن يستطيع أن يصل إليه أولاً ، وقد لا تكون هذه المعلومات صحيحة أو دقيقة في بعض الأحوال ، وهذا يؤثر على بعض التصورات الفكرية والثقافية عند الشيخ – رحمه الله تعالى – فتبدر منه بعض أمور قد لا تكون مُرضية أو سائغة لكن الكمال عزيز ، وهذا الذي قد قُدر له .

بعض الآراء الثقافية الخاطئة التي اشتهرت عنه :

اشتهر الشيخ ببعض الآراء في بعض القضايا الثقافية ذوات الطابع العلمي الطبيعي، وهذه القضايا مخالفة للثابت المعلوم القطعي من العلوم ، وأنا ليس غرضي إثارة مثل هذا الأمر الآن ولا تفصيل الحديث عنه ، لكني رأيت أنه لا يتم هذا البحث إلا بالإشارة إليه ، وهذا من الأمور التي ضخمها بعض شانئي الشيخ ، وهو بشر يخطئ ويصيب ، وإن كنت تمنيت أن الشيخ لم يخض في هذه القضايا أصلاً ، لكن الشيخ تمسك ببعض الأدلة الشرعية العامة التي لا تدل على ما ذهب إليه على وجه القطع واليقين ولم يشأ أن يحيد عنها ، وكل بني آدم يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم ، ولا يعني خطأ الشيخ في مثل هذا الأمر ضعفه في هذا الباب فقد سبق مني أني أنفي عنه الضعف ، كما أنفي عنه التميز في هذا الباب ، وجل ما قد يقال في هذه القضية وأمثالها أن الشيخ جانبه الصواب فيها، وأنه كان ينبغي له ألا يخوض في مثل هذه القضايا ، وأن يذرها لأهل العلوم الطبيعية الذين هم أدرى من غيرهم فيها .

ولا ينبغي أن يطعن على الشيخ بسبب هذا – كما فعل بعض الشانئين – فحسبه أن أخطاءه معدودة ، وكفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه ، فرحمه الله رحمة واسعة .

****

الخاتمة :

أن ما كتبته عن الشيخ في هذا البحث لم يكن لغرض مدحه أو التعريف به فهو أشهر وأكبر من أن يعرف به مثلي ، لكني أردت إظهار بعض الجوانب في حياة الشيخ عبد العزيز التي ربما تخفى على الأكثرين من المتابعين للحركة الثقافية الفكرية .

وأظن هذه الدراسة مهمة لأنها حققت الجوانب التالية :

1- هذه الدراسة تظهر أن الشيخ المتصدر للعامة المهتم بأحوال أمته الإسلامية لا يمكن أن يكون ضعيفاً في فهم القضايا الفكرية والثقافية أو أن يكون مهملاً لها ، بل لابد أن تكون له نوع مشاركة فيهما تبعده عن وصمة الضعف في هذه القضايا أو إهمالها .

2- هذه الدراسة تبرئ الشيخ رحمه الله تعالى من تهمة ذائعة وهي الأفق الضيق أو قلة الوعي ، وهذا ليس فقط انتصاراً للشيخ أو لعموم الإسلاميين بل هو في غاية الأهمية لقطع ألسنة العلمانيين الذين ما فتئوا يرددون مقولة إن الإسلاميين ضيقو الأفق ضعيفو الوعي ، وغرضهم من هذا التقليل من شأن العلماء والدعاة والعاملين، من ثم تنحيتهم عن حياة الناس .

3- الشيخ رحمه الله تعالى تغلب على كثير من العوامل التي كانت مجتمعة كفيلة بأن تؤدي إلى التقليل من حركته ونشاطه وحيويته ، واطلاعه ومشاركته في حل كثير من القضايا التي برزت في زمانه ، لكنه تمكن من تجاوزها إلى حد كبير ، وحافظ على توازن معقول في شخصيته وفكره ، وهذا يشجع الأجيال من بعده على تجنب كل عوامل الضعف والعجز وتجاوزها والانطلاق القوي لتحقيق ما يظنه الآخرون غير قابل للتحقيق .

وأخيراً أقول :

أنا أرى بأن بيئة الشيخ ومنطقته لم يبرز منها أحد بروزه ، ولم يكن أحد يساويه في عموم جوانب شخصيته ، وأرى أن الشيخ قد ارتفع إلى مصاف الطبقة الأولى من العلماء والدعاة والعاملين في العالم الإسلامي ، وكان من القلائل في زمانه الذين تركن العامة والخاصة إليهم ، وتأنس بهم ، وتعتد برأيهم ، وتجعلهم رموزاً للأجيال .

والله تعالى أعلم وأحكم ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .

***

المصادر والمراجع

# ” الأبريزية في التسعين البازية ” : د0 حمد الشتوي . نشر دار العاصمة . الرياض . الطبعة الأولى سنة 1420 للهجرة.

# ” الأعلام ” : الأستاذ خير الدين الزر كلي . نشر دار العلم للملايين . بيروت . الطبعة الخامسة سنة 1980 م .

# ” الشيخ ابن باز و مواقفه الثابتة “: أحمد الفريح . نشر مكتبة الراشد . الكويت . الطبعة الأولى سنة 1420 للهجرة .

# ” جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز ” رواية الشيخ محمد الموسى . إعداد محمد الحمد . نشر دار خزيمة الرياض . الطبعة الأولى سنة 1423 للهجرة .

# ” خطر مشاركة المرأة للرجل في ميدان عمله ، وحكم الاختلاط في التعليم وخطورة تعليم النساء للأولاد ” : الشيخ ابن باز . نشر دار طيبة . مكة الرياض .

# ” الدعوة إلى الله سبحانه وأخلاق الدعاة ” : الشيخ عبد العزيز بن باز . مطبوعات الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد . المملكة العربية السعودية . الرياض سنة 1400 للهجرة .

# ” فتاوى وكلمات في الموقف من الجماعات ” : د.عبد الرزاق الشايجي . دار التجديد للنشر والتوزيع . الكويت .

# ” ماذا ينقمون من ابن باز “: خالد العنبري . الطبعة الأولى سنة 1412للهجرة . توزيع مؤسسة الجريسي.

# ” مجموع فتاوى ومقالات “: الشيخ عبد العزيز بن باز .

# مختصر “الفتح المواهبي في سيرة الإمام الشاطبي” : الأصل للإمام القسطلاني ، والمختصر لمحمد موسى الشريف . نشر جمعية القرآن الكريم بجدة.

# “المعجم الوسيط ” تأليف مجموعة من الأساتذة . نشر مجمع اللغة العربية . القاهرة.

# “نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع”: الشيخ عبد العزيز بن باز. نشر المكتب الإسلامي .الطبعة الثالثة. بيروت. سنة 1399 للهجرة.

حتى لا نفرِّط في العصفور!

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

بسم الله الرحمن الرحيم
حتى لا نفرِّط في العصفور!
(فمن الغالب أن يكون الإنسانُ في مَلَكَةَ غيرهِ ولابد).
بهذه الكلمات الرائعة من رائد علم الاجتماع العلامة عبد الرحمن ابن خلدون رحمه الله، في مقدمته؛ تحدث حول (أثر أو دور الحالة السياسية للمجتمعات على الحالة الفكرية للشعوب أو الأمم والأفراد)!؟.
أو تأثير المناخ الاجتماعي على السلوك الفكري للأمم والأفراد.
وذلك تحت عنوان: (معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنفعة منهم).
حيث ربط بين رفق وعدل السلطة؛ وبين نفوس الأمة المتتطبعة والمنجبلة على الحرية الفكرية، وعلى الإبداع، وعلى الشجاعة الأدبية، والبوح بما في النفوس دون خوف!.
والعكس بالعكس!؟.
فالحرية الفكرية والإبداع عند الأفراد والأمم؛ تنمو وتترعرع في ظل الحالة السياسية السوية العادلة!.
والعكس بالعكس!؟.
أثر المناخ الاجتماعي على الأفكار:
وحول أهمية وجود المناخ الاجتماعي الذي يسوده جو من الحرية الفكرية، وكيف أنها من ضروريات انتشار الأفكار والدعوة.
فإن القرآن الكريم قد قص علينا مثالين مشهورين، عن هذه الحالة؛ عن دولتين كافرتين، اختلفت فيهما النتيجة، لاختلاف طبيعة نظام الدولة، وطبيعة الحاكم!.
الحالة الأولى:
تبدو في قصة مسيرة الدعوة داخل دولة الطاغية فرعون؛ والتي من طبيعة نظامها السياسي القهر والاستبداد.
وهي دولة يسودها مناخ اجتماعي (أوتوقراطي) استبدادي تسلطي و(ديكتاتوري).
ونجمل أبرز وأهم سمات الحالة السياسية لهذه الأمة:
1-فحاكمها، مستبد وظالم يرى نفسه فوق النصيحة: “قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ”. [الزخرف 51]
2-ويرى رأيه هو الرأي؛ ويحمل المذهب الاستئصالي للآخر: “ما أُريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”. [غافر 29]
3-بل والعياذ بالله نراه قد تمادى في تكبره فتجرأ ـ وذلك لكفره ولغيبة أو لتغييب المعارضة ـ، حتى بلغ به الشطط كل مبلغ، “فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى”. [النازعات 24]
4-ونظراً لقناعته وتبنيه للمذهب الاستقصائي للآخر؛ فإنه لا يحترم الآخر، ولا يقر بالتعددية، وتصوره للآخر تصور شائه: “أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ. فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ”. [الزخرف 52و53]
5-والشعب نظراً لحالته الأخلاقية المتدنية، فإنه مُستخفٌ به، ولا يحمل أهلية الاحترام من قيادته، ورغم هذا فإنه يطيعها قهراً: “فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ”. [الزخرف 54]
وكانت النتيجة، لمسيرة الحركة الدعوية في هذا المناخ المريض الفاسد، أن توقفت الدعوة وحوربت، وجففت منابعها، وطورد الداعية!.
وكانت المحصلة النهائية، هي تحقق سنته سبحانه الإلهية؛ وهي النجاة للمؤمنين، وهلاك الظالمين سواء الحاكم والمحكومين؛ فغرق فرعون وملؤه!.
وكان التعقيب القرآني حول هذه السنة الإلهية، التي تنتظر كل مفسد: “فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ؟!”. [الأعراف 103]
والحالة الأخرى:
تبدو في قصة حركة الدعوة والداعية، داخل دولة كافرة أيضاً؛ ولكن من طبيعة نظامها الحرية والشورى.
وهي حالة تمثل مسيرة الفكرة، في مناخ اجتماعي حر، وذو توجهات شورية (ديموقراطية).
ونجمل أهم وأبرز سمات الحالة السياسية لهذه الأمة:
1-فحاكمتها تحترم الآخر، وتؤمن بمبدأ المشاركة السياسية في اتخاذ القرار، وتلتزم بمبدأ الشورى: “قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ”. [النمل 32]
2-ولكن لها تصور تعميمي حول بعض القضايا: “قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ”. [النمل 34]
3-وتتمتع بالحكمة والفراسة القيادية، مثل نظرتها إلى قوة المال، وتعتبر قبول الرشوة مقياس لاختبار النفوس: “وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ”. [النمل 35]
4-ومن حكمتها أيضاً، أنها عندما رأت العرش، عند سليمان عليه السلام لم تتلعثم، أمام هول المفاجأة، لما قيل لها: “أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟!”. [النمل 42]
فامتصت الصدمة المذهلة، وقالت وهي متماسكة: “كَأَنَّهُ هُوَ!”. [النمل 42]
5-والشعب رغم قوته، ورغم الحرية السياسية والفكرية التي يتمتع بها، فإنه ـ وقد يكون لكفره ـ يُقَدِّس الحاكم، ويفوضه ويخوِّل إليه حرية التفاوض، والبت في كل الأمور خاصة العلاقات الخارجية: “قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ”. [النمل 33]
6-وكان من طبيعة الأخذ والرد والحوار، داخل مؤسسات الدولة، وهذه المساحة الرحبة من الحرية التي أعطت الفرصة لاختبار صدق نوايا الداعية؛ الذي ظهر استعلاؤه، وقال: “أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ”. [النمل 36]
وكانت النتيجة، والمحصلة النهائية؛ لهذه الحرية داخل هذا المناخ الحر؛ هي قبول الفكرة، والنجاة في الدنيا والآخرة للجميع سواء الحاكم والمحكومين: “قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”. [النمل 44]
الأفكار تعشق مناخ الحرية!:
وهكذا يتضح لنا علاقة الحرية السياسية بانتشار الأفكار!.
فالأفكار تعشق مناخ الحرية؛ حتى ولو كانت الدولة لا تدين بالإسلام.
ولهذا أمر الحبيب صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم بالهجرة إلى الحبشة لأن حاكمها النجاشي عادل لا يظلم عنده أحد.
وكذلك لنتأمل كيف تنتشر الدعوة والأفكار داخل المجتمعات الغربية التي تتمتع بالحرية والديموقراطية وحرية التدين.
وبالعكس في مجتمعاتنا العربية بل والتي ترفع شعار الإسلام نجد حالة من الخنق للأفكار المغايرة والحصار للدعوة، ومطاردة الدعاة وتشويه الإصلاحيين!.
والكارثة أن بعضها يقوم بدور الوكالة لتعذيب متهمين لحساب دول الغرب!؟.
انتقائية تخدعنا … وازدواجية تمنعها عنا:
ولكننا لا يجب أن ننخدع بشعارات الحرية؛ التي يرفعونها لأنها انتقائية؛ فهم يطلقون الحرية في بلادهم، لأن قوانينهم تحمي معارضيهم داخل بلادهم؛ ثم يحاربونها في العالم وسلوكياتهم مشهورة في فيتنام والعراق، ومع ثورات الربيع العربي؛ التي يشجعونها طالما لم تؤثر على هيمنة إسرائيل أو لم تأت بإسلاميين!.
ولنتذكر لماذا أنشأوا معتقل (جوانتناموا) على أرض غير أمريكية حتى لا يقعوا تحت طائلة قوانيهم هم أنفسهم!؟.
تماماً كازدواجيتهم في أن مجرد البصق على الأرض، يعتبرونها جريمة في بلادهم ولكنهم يجعلون من بلادنا صناديق قمامة لنفاياتهم!؟.
الحرية التي ركلناها … هي أولوياتنا:
أما نحن فقد تعاملنا مع الحرية التي اقتنصناها بثورة 25 يناير؛ كمن يركل النعمة!؟.
وكررنا نفس الخطأ الغنائمي الذي امتد من أحد إلى حنين إلى بلاط الشهداء؛ كما بيناه في (بلاط الشهداء وجزرة ثورتنا)!.
ومن أجل إنقاذ مسيرتنا الدعوية التي أهملناها وطمسناها بمكاسب سياسية خادعة، ونسيناها بفخاخ نصبوها على طريقنا؛ علينا أن نضع على سلم أولوياتنا؛ عودة الحرية أو الديموقراطية التي تثمر مناخاً يسمح بحرية المسيرة الدعوية التي هي منهجنا الأساسي.
فلِمَ لا نجعلها قضية قومية أو حتى عالمية تجتمع حولها كل الفئات والقوى المجتمعية؟.
فالحرية هي لحركة الأفكار ومسيرة الدعوة كالماء بالنسبة للسمك!؟.
هل فرّطنا في عصفورنا وأغضبناه؟:
هل تعاملنا مع حريتنا التي اقتنصناها بعد عقود؛ بحسن نية لا تعترف بها ألاعيب السياسة.
فخدعنا ونستحق المحاكمة بالتهمة الشهيرة؛ التي اتهم بها ذات يوم من وثق بخصمه وصدق العسكر؛ فقيل عنه: أنه يستحق المحاكمة بتهمة السذاجة والحماقة السياسية؟!.
كما تعامل الصياد مع العصفور في الأسطورة الشعبية؛ التي تحكي أنه ذات يوم اصطاد أحد الصيادين عصفوراً جميلاً واستقل أن يأكله لصغر حجمه ففضل أن يبيعه في السوق كعصفور زينة.
فقال له العصفور: أطلق سراحي لأعول أولادي وسأكافئك بثلاثة حكم، تسعدك في حياتك؛ الأولى وأنا في القفص والثانية وأنا على النافذة والثالثة وأنا على الشجرة.
ففرح الصياد وطلب الأولى؛ فقال له: لا تصدق المستحيل.
ثم أطلقه، وطلب الثانية؛ فقال العصفور: لا تندم على ما فاتك.
ولكن أيها الأحمق إن في بطني جوهرتان ثمينتان من الذهب؛ فصاح الصياد: واأسفاه!. فأين الثالثة؟.
فقال العصفور غاضباً: إنك لم تأخذ بالأولى؛ فصدقت المستحيل، ولا بالثانية؛ فندمت على ما فاتك؛ فلا تستحق الثالثة؟!.
د. حمدي شعيب
زميل الجمعية الكندية لطب الأطفال (CPS)

الصداع وألم الوجه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

الصداع وألم الوجه

د. رضوان نحّاس
اختصاصي في طب الأسرة

الصداع من أكثر الأعراض العصبية مصادفةً في العيادات والمشافي؛ ومن النادر أن يكون سببه مرضاً عصبياً مهماً ما لم ترافقه أعراض أو علامات عصبية أخرى رغم أن أكثر المرضى قد يخشون وجود مرض دماغي خطر؛
ومن حسن تدبير الطبيب لمريضه الحذر والبراعة في تقويم العلاقة بين مخاوفه والاحتمال الفعلي لوجود المرض.
وعادةً ما يساعد التقويم السريري الجيد في تصنيف الحالة ضمن أحد متلازمات الصداع وألم الوجه وأشيعها:
صداع التوتر، الشقيقة، الصداع العنقودي، صداع زيادة الضغط ضمن القحف، الصداعات الانتيابية الحميدة ، ألم مثلث
التوائم، ألم الوجه اللانمطي والألم العصبي التالي للحلأ.

وفي الأغلب لاداعي للاستقصاءات بعد أخـذ قصة سريريـة مفصلـة وإجراء فحص عصبي دقيـق ، ولابد من طمأنة
المريض وكسب ثقته قبل وصف المعالجة العرضية.

الفيزيولوجيا المرضية:

يتعذر غالباً تفسير ألم الصداع – خاصةً غير الناجم عن مرض عصبي خطر – استناداً إلى الفهم العصبي الحيوي
الحديث لآليات الألم؛ فالبنى الأساسية الحساسة للألم ضمن الجمجمة هي: الجافية( وتشمل جيوب الجافية ومنجل المخ
Flax cerebri) والأقسام الدانية من الأوعية الدموية الحنونية الكبيرة. أما متن(برنشيم)الدماغ وبطيناته والشرايين
الحنونية على التحدبات والضفائر المشيمية فغير حساسة للألم. وتتعصب معظم البنى الحساسة للألم بفروع من مثلث
التوائم ، والقلة الباقية تعصبها فروع من الأعصاب الرقبية العلوية. وقد يعلل هذا أنماط توزع الألم عنـد إثارة البنى الحساسة بالشد أو التمدد كما يشاهد في بعض الحالات المرضية.

المقاربة التشخيصية لمريض الصداع:

فيما يلي بعض النقاط الهامة في القصة السريرية والتي تساعد في وضع تشخيص واضح لسبب الصداع:
1- سرعة البدء
2- ف أي وقت من اليوم يكون الألم على أشده
3- أثر الوضعة أو السعال أو الجهد
4- مقع الألم
5- الراض المرافقة
ويمكن تقسيم الصداعات إجمالاً إلى ثلاث مجموعات:
1-الصداع الحاد( أي الذي يتطور خلال ثوانٍ إلى ساعات ): ومن أمثلته:النرف تحت العنكبوتية( ثوانٍ )، الصداع
العنقودي( دقائق)،الشقيقة( ساعات)، نزف قليل من أم دم(قد يسبق النزف تحت العنكبوتية في 50% من الحالات)،
بعض حالات النزف ضمن متن الدماغ،تسليخ الشريان السباتي أو الفقري،احتشاء الدماغ،نشبة عابرة،خثار وريدي
دماغي، الصداع المرتبط بالجنس، الصداع الجهدي، الزرق الحاد، التهاب العصب البصري، التهاب الجيوب الحاد،
وأحياناً الكيسة الغروانيةColloid cyst وأورام البطينات.
2-الصداع تحت الحاد(أسابيع إلى أشهر):مثل صداع الأورام،الخراجات،تجمعات الدم تحت الجافية،والتهاب السحايا
السرطانويCarcinomatous.
3-الصداع المزمن(أشهر إلى سنوات): مثل صداع التوتر والصداع التالي لإصابات الرأس.
إن مريضاً يعاني صداعاً ذا بدء مفاجئ جداً يجب أن يثير الشك بمشكلة خطرة ؛ فالنزف تحت العنكبوتية SAH
مثلاً يسبب صداعاً مفاجئاً جداً،شديداً جداً(كقصف الرعد)،قد يكون موضعاً في القذال؛ رغم أن واحداً فقط من كل 8 أشخاص يعانون مثل هذا الصداع مصاب ب SAH وستتطور عنده في الأغلب أعراض وعلامات أخرى كالقياء
وصلابة النقرة والتي قد لا تظهر إلا بعد عدة ساعات. ويقع التشخيص التفريقي الرئيس لمريض بمثل هذا الصداع
بين SAH وأحد أشكال الشقيقة. أما صداع التهاب السحايا فأقل حدّة من حيث البدء، ويتظاهر الالتهاب الجرثومي
عادةً بحالة عامة سيئة وحمى مع علامات تهيج السحاياMeningism ، أما التهاب السحايا الفيروسي فقد يتظاهر بحمى وصداع مفاجئ شديد إلى حد ما يتطور خلال ساعة تقريباً مع قلة صلابة النقرة وعلامات التهيج السحائي نسبياً.
أما الصداع الذي يتطور خلال ساعات فيندر أن ينجم عن آفة عضوية، ويغلب أن يكون سببه الشقيقة إلا إذا رافقته أعراض وعلامات موجٍّهة، وقد يرافق هجمة الشقيقة أو يسبقها القياء والأعراض العصبية البؤرية ( عادةً على شكل
عُتمات وامضة متعرجة Zigzag fortification spectra أو نخز يتحرك ببطء على جزء من الجسم). ومن
الصفات التي ترجح الشقيقة أن الألم يتصف بالتقطع أكثر من الاستمرار أياماً أو أسابيع ؛ ومما يجدر ذكره ضرورة
الانتباه إلى الوقت من اليوم الذي يحدث فيه الصداع وإلى وجود أو غياب العوامل المؤهبة.
يكون الصداع الناجم عن زيادة الضغط ضمن القحف موجوداً عند الاستيقاظ، وغالباً مايتحسن أو يختفي بمسكن
بسيط أو بأخذ المريض وضعاً قائماً(مما ينقص الضغط ضمن القحف).ومن صفاته المميزة ما يلي:
1-أسوأ صباحاً ويتحسن خلال اليوم
2-كثيراً ما يرافقه قياء صباحي خاصةً عند الأطفال
3-يسوء بالانحناء أماماً
4-يزول بالمسكنات
5-ألم غامض خفيف غالباً
ويندر أن يدفع الصداع وحده المريض إلى مراجعة طبيبه لأن شدته لاتكفي عادةً لتنبيه المريض إلى خطورة
الأمر، والأغلب أن ينتبه المريض عندما تحدث الكتلة المسببة لزيادة الضغط ضمن القحف نوبة صرعية مثلاً أو
خللاً وظيفياً عصبياً بؤرياً كالحُبسة أو الفالج.. ، ويستثنى من ذلك مرضى مَوَه الرأس الحاد الذي يتظاهر بصداع
أكثر حدة ، كما أن الموه قد لايتظاهر بأي عرض سوى رنح المشية، وقد يكشف الفحص وذمة الحليمة البصرية.
وفيما يلي مجموعة من الأعراض والعلامات التي يجب أن تثير قلق الطبيب عند مرضى الصداع عموماً:
1- البدء المفاجئ أو أثناء الجهد
2- موجودات غير طبيعية في الفحص العصبي(متضمناً الحالة العقلية)
3- العمر أكثر من 50 عاماً
4- ازدياد الصداع سوءاً أثناء المراقبة
5- علامات حيوية غير طبيعية خاصةً الحمى أو منعكس كوشينغ(فرط ضغط الدم، بطء قلب،عدم انتظام تنفسي)
6- صداع حديث البدء عند مريض سرطان أو إيدز
7- الصداع الأول أو الأسوأ الشديد
8- اختلاجات
إن صداعاً يدوم أسابيع، يبقى موجوداً طوال اليوم، ولا يستجيب جيداً للمسكنات البسيطة هو في الأغلب صداع
توتري مهما كانت صفاته الأخرى . أما الصداع المحدد في بقعة صغيـرة من الرأس إلى درجة أن المريض يشير
إليها بأصبع واحدة فلا يمكن أن يكون مرافقاً لمرض معتبَر.
أما كبار السن فيغلب أن يصابوا بالتهاب الشريان الصدغي ذي الخلايا العرطلة،والذي يعتمد تشخيصه على توفر
ثلاث على الأقل من المعايير الخمس التالية:
1- العمر أكثر من 50 عاماً
2- صداع حديث البدء موضع في أحد الصدغين
3- مضض، توسع، نقص أو انعدام نبض الشريان المصاب
4- سرعة التثفل تساوي أو تزيد عن 50 ملم في الساعةالأولى
5- دراسة نسجية إيجابية
وفيما يلي حالات الصداع التي يجب فيها اللجوء إلى التصوير العصبي:
*باعتبار ملامح وتوقيت الصداع:
-الصداع الأول أو الأسوأ- صداعات تحت حادة زادت تواتراً أو شدةً- صداع مترقي أو يومي ثابت حديث- صداع يومي مزمن- صداع وحيد الجانب دائماً- صداع لايعنو للعلاج.
*باعتبارات ديموغرافية(علم سكانية):
– صداع حديث البدء عند مريض بسرطان أو بفحوص إيجابية للخمج بHIV- صداع حديث البدء بعمر أكثر من
50 عاماً- صداع مع نوب اختلاجية.
*باعتبار الأعراض والعلامات المرافقة:
– صداع مع أعراض مثل الحمى، صلابة النقرة، الغثيان والقياء- صداع ترافقه أعراض وعلامات عصبية بؤرية وليس شقيقة مع أورة – صداع مع وذمة الحليمة البصرية، خلل الاستعرافCognition أو تبدل الشخصية.
مقارنة بين التصوير الطبقي المحوريCT والرنين المغنطيسيMR:
يفضل CT في تقويم النزف تحت العنكبوتية الحاد،رضح الرأس الحاد والشذوذات العظمية؛ أما MR فأكثر حساسية
في تحري آفات الحفرة الخلفية،الآفات الرقبية البصلية،الإقفار،شذوذات المادة البيضاء،الخثار الدماغي الوريدي،الأورام
الدموية فوق وتحت الجافية،الأورام(خاصة في الحفرة الخلفية)،أمراض السحايا(مثل السُراطCarcinomatosis،
التبدلات السحائية المنتشرة في متلازمة انخفاض ضغط السائل النخاعي،الغرناويةSarcoid،التهاب وخراج المخ
وآفات النخامى. ومما تقدم فإنMR مفضل عموماً في تقويم الصداع؛ ومن مضادات استطبابه وجود ناظم خطى أو
ملاقطClips أم دم. يوجد لدى 8% من المرضى رهاب الانغلاق Claustrophobia ، ولا يحتمل 2% من
المرضى فقط الدراسة بالمرنان إطلاقاً. أما الحمل فلا يمنع إجراء MR أو CT بشرط وضع الواقي الرصاصي
على البطن عند إجراء الأخير فقط ، وتجنب المواد الظليلة إن أمكن.
واستكمالاً للموضوع نستعرض أسباب الصداع التي قد لايشخصها الCT الروتيني للرأس:
*أمراض وعائية:أمهات الدم الكيسية،الأشواه الشريانية الوريدية(خاصة في الحفرة الخلفية)،النزف تحت العنكبوتية،
تسليخ الشريان السباتي أو الفقري، الاحتشاءات، الخثار الوريدي المخي، التهاب الأوعية (شذوذات المادة البيضاء)،
الأورام الدموية فوق وتحت الجافية.
*أمراض ورمية:الأورام(خاصة الحفرة الخلفية)، سُراط السحايا، ورم أو نزف النخامى.
*آفات رقبية بصلية:أشواه أرنولد شياري(انزياح اللوزتين المخيخيتين والبصلة والبطين الرابع ضمن القناة الشوكية،
مع أودون قيلة سحائية نخاعية، مع أو دون تكهف النخاع)،الورم السحائي في الثقبة العظمى.
*أخماج:التهاب الجيوب،التهاب السحايا والدماغ،التهاب وخراج المخ.
وفي الصفحة التالية جدولان أولهما حول دواعي البزل القطني لتقويم الصداع، والثاني يبين استطبابات الفحوص
الدموية عند التقويم.

صداع التوترTension headache:

هو أشيع أنواع الصداع، يعانيه -بشكل أو بآخر- أغلب الناس في وقت ما من حياتهم.يكون الألم عادة ثابتاً،شاملاً الرأس، قد ينتشر- وهو الأغلب – من القذال إلى الأمام؛ يصفه المريض بأنه غامض،شاد،أو ضاغط ، مع الإحساس
وكأن شريطاً يلف الرأس أو شيئاً ما يضغط على قمته. وعلى خلاف الشقيقة، فالألم قد يستمر أسابيع أو شهوراً دون
توقف، وقد تتفاوت شدته، ولا يرافقه قياء أو رهاب الضوء، وقد يخف بانشغال المريض ؛ ويتميز بأنه أقل شدة في
بداية اليوم، ويزداد إزعاجه للمريض بتقدم الوقت. قد يلاحَظ بالفحص مضض على قبة القحف أو القذال ، ويجب
تمييزه عن الألم الحاد المحرض بلمس الجلد في ألم مثلث التوائم، وعن المضض الشديد لالتهاب الشريان الصدغي.
كما أن من الصفات المذكورة للألم ضعف استجابته للمسكنات المألوفة.
الإمراض:
لايزال سبب صداع التوتر غامضاً، ولاتوجد براهين قوية على صحة نظرية فرط تقلص عضلات الرأس والعنق.
ومن العوامل المؤهبة المعروفة القلق والضغط العاطفي ، كما يشيع وجود اكتئاب خفي عند المريض. إن القلق بشأن الصداع بحد ذاته قد يؤدي إلى ديمومة الأعراض مما يجعل أغلب المعانين يعتقدون وجود سبب مرضي خطرلشكواهم.
التدبير:
يستفيد المرضى غالباً من اهتمام الطبيب بتقويم مشكلتهم وإيضاح المؤهبات المحتملة وأن الأعراض لاتخفي وراءها
أي مرض مشؤوم أكثر مما يستفيدون من المسكنات،ومن الثابت أن المرضى ينتفعون جيداً من إدراك أن الطبيب يعامل
مشكلتهم بجدية تامـة ، إلا أن المبالغة في الاستقصاءات قد تسيء إلى المريض وتزيده قلقاً . ومما يساعـد المرضى في التغلب على صداع التوتر تمرينات الاسترخاء وتدبيـر الكرب . وقـد تفيـد مضادات الالتهاب اللاســـــتيروئيــديــة أو الأسيتامينوفين في تسكين الألم الحاد ، كما قـد ينتفع المرضى الذين يعانون صداعاً متكرراً شديداً من أدويـة الشقيقـة الوقائية.وينصح بعض الأطباء بمضادات الاكتئاب.

السيرة الذاتيـة لــ حسني مبارك ..

كاتب الموضوع الأصلي: ريان الحارثي704

ولد محمد حسني السيد مبارك في 4 أيار 1928, في كفر المصلحة محافظة المنوفية, و هو رابع رؤساء الجمهورية المصرية, إذ تولى منصب الرئاسة 14 تشرين الأول 1981 بعد اغتيال الرئيس أنور السادات في أحد الاستعراضات العسكرية في 6 تشرين الأول 1981, و استمر في منصبة كرئيس لمصر حتى 11 شباط 2011, بعد تنحيه على إثر مطالبات شعبية واسعة عرفت بثورة 25 يناير, ليكون بذلك صاحب رابع أطول فترة حكم في الوطن العربي.

صورة

أنهى حسني مبارك دراسته الثانوية من مدرسة المساعي المشكورة الثانوية, و التحق بعدها مباشرة بالكلية الحربية ليتخرج منها في شباط 1949 برتبة ملازم ثاني, ثم التحق بكلية الطيران لمدة عام بعد أن رشحته الكلية مع 11 أخرين من خرجي الكلية الحربية لذلك, فتخرج منها في آذار 1950بشهادة بكالوريوس علوم الطيران, و تابع فيما بعد دراساته العسكرية العليا في أكاديمية فرونز العسكرية في الاتحاد السوفيتي*عام 1964.
أما عن الحياة الوظيفية لحسني مبارك, فقد بدأ كظابط في القوات الجوية في العريش 1950, وانتقل إلى مطار حلوان لتلقي تدريبات على طائرات مقاتلة في 1951-1953, ليصبح بعد ذلك مدرسا في كلية الطيران, ثم مساعد أركان حرب الكلية, و في 1959 كان أركان حرب الكلية و قائد سرب.
ابتعث حسني مبارك أكثر من مرة للاتحاد السوفيتي لتلقي التدريبات على أنواع قاذفات قنابل مختلفة, و بعد أن أنهى الدرسات الحربية العليا أصبح قائدا للواء قاذفات قنابل, و قائدا لقاعدة غرب القاهرة الجوية بالوكالة حتى عام 1966. كان حسني مبارك قائدا لقاعدة بني سويف الجوية في كانون الثاني 1967, ثم عين كمدير للكلية الجوية في شباط من نفس العام, و شهد حرب الاستنزاف في صفوف الجيش المصري, وقد شغل حسني مبارك أيضا منصب رئيس أركان حرب القوات الجوية بعد حصوله على رتبة عميد في منتصف 1969, ثم أصبح قائد القوات الجوية في نيسان 1972 و نائبا لوزير الحربية.
شارك حسني مبارك في حرب أكتوبر 1973 كقائد للقوات المصرية الجوية في ذلك الوقت, وكان برتبة لواء, وحصل بعدها على رتبة فريق أول طيار في عام 1974, و بعد تولي السادات حكم مصر في عام 1975 قام بتشكيل الحرب الوطني الجمهوري برئاسته وعين حسني مبارك نائبا له في الحزب الحاكم, و قد بدأ من خلال ذلك المنصب علاقته السياسية بالدول العربية من خلال الكثير من الزيارات.
تولى حسني مبارك حكم مصر في 14 تشرين الأول عام 1981, بعد ترشيحه من قبل مجلس الشعب و نجاحه في الاستفتاء الشعبي الذي اقيم بعد اغتيال السادات, تعرض منصب حسني مبارك إلى عدد من الهزات مثل تلك المظاهرات الحاشدة في 2005 التي طالبت بتنحية عن السلطة, و كذلك محاولات اغتيال متعددة, حتى كانت نهاية حكمه بعد ثورة 25 يناير 2011. بعد انتهاء حكم مبارك, وقف أمام القضاء المصري الذي أمر بسجنة طيلة مدة المحاكمة على ذمة التحقيق في قضية قتل المتظاهرين, و حكم عليه بالسجن المؤبد في 2 حزيران 2011, لينقل بعد جلسة الحكم إلى السجن, الذي تردى فيه وضعه الصحي بصورة كبيرة.
من الناحية الشخصية ولد مبارك لأب كان يعمل مفتشا في وزارة العدل, و قد تزوج من السيدة سوزان مبارك, و له ولدان هما جمال و علاء مبارك, تعرض حسني مبارك إلى عدد من الوعكات الصحية خلال حكمه كان أشهرها استئصال أورام سرطانية في عام 2010.

الشيخوخة

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

الشيخوخة
أن وصول الإنسان إلى مرحلة الشيخوخة يصاحبه العديد من التغيرات الفسيولوجية و النفسية التي تتطلب تقديم عناية خاصة بالمسن تضمن الوصول به غلأى شيخوخة سعيدة على المستوى النفسي و الصحي
مواصلة المسنين لنشاطهم ضمان لصحتهم
كيف تبدأ إختيارات نمط الحياة الذي يسهم في تحقيق النشاط عند التقدم في العمر
تبدأ اختيارات نمط الحياة في مرحلة مبكرة من العمر وتشمل:
· العائلية و المجتمعية.
· المشاركة في الحياة.
· اعتياد نظام غذائي صحي ومتوازن.
· اجتناب التدخين.
· اجتناب تعاطي الخمور.
· إدخال تعديلات مادية في البيئة كي تتناسب مع احتياجات المسنين.
· ممارسة التمارين الرياضية.
· الفحص الطبي المنتظم.
· متطلبات الحياة في عالم كبار السن
· إدراك أن المسن ثروة قيمة ومكافحة “التحيز” ضد المسنين.
· مساعدة المسنين على المشاركة الناشطة في العملية التنموية.
· توفير رعاية صحية كافية للمسنين وتعزيز صحتهم.
· تعزيز التضامن بين الأجيال.
الصحة النفسية للمسن
على الأسرة أن تتفهم التغيرات النفسية والانفعالية التي تطرأ على المسن لذلك فأنه يجب:
· الأخذ برأي المسن في المواضيع المختلفة.
· تكليفه ببعض المسئوليات العائلية.
· إشراك المسن بالمناسبات الاجتماعية والعائلية.
· محاولة البحث في أسباب الحزن والضيق ومساندته للتخلص منها.
· إحاطة كبار السن بالرعاية الصحية الشاملة
· الفحص الدوري للمسن الذي يمكّن الطبيب من الكشف المبكر للأمراض المختلفة كضغط الدم والسكري والأورام وأمراض القلب والجهاز العصبي والحركي.
· إشراف الطبيب على المسن يعزز الصحة الجيدة لديه.
النظافة والإستحمام
على الأسرة مراعاة النظافة الجسدية للمسن حتى لا يصاب بالأمراض الجلدية أو المعدية.
البيئة المنزلية:
· ترتيب الأثاث والسجاد بطريقة لا يتعثر بها المسن أثناء المشي.
· توفير العكازات والوسائل المعينة كالسماعات والنظارات والأسنان الاصطناعية.
تغذية المسن
من أهم سبل الاهتمام بالصحة الاعتناء بالغذاء المتناول كماً ونوعاً. ويحتاج كل المسنين إلى نفس نوع التغذية، فمع التقدم في العمر تتناقص الحاجة للطاقة، كما أن بعض التغيرات الوظيفية والتي تحدث في الجسم مع تقدم العمر وبعض الحالات المرضية مع تعاطي الأدوية تؤثر على الاحتياجات الغذائية لكبير السن.
ما هي الإحتياجات الغذائية للمسن
· أن يحتوي على كمية عالية من الألياف الغذائية (الخبز الأسمر –الحبوب- الخضراوات -الفواكه) وذلك لتفادي الإصابة بالإمساك
· التقليل من شرب الشاي والإكثار في المقابل من شرب السوائل والعصائر الطبيعية
· تناول الحليب من 2-3 أكواب يوميا ومشتقاته من الألبان والأجبان– لإمداد الجسم بالكالسيوم وفيتامين د.
· الأكل بانتظام، ويفضل أن تكون الوجبات صغيرة ومتتابعة.
· التقليل قدر الإمكان من الدهون في الطعام ومن الأطعمة الدسمة المتناولة.
· تجهيز طعام المسن بطريقة تساعده في التغلب على مشاكل المضغ والبلع وذلك بسلق الطعام جيدا وتقطيعه الى أجزاء صغيرة
· تخفيف التوابل والبهارات في الأكل قدر الإمكان حتى لا تتعب معدته وجهازه الهضمي
الرياضة والهوايات
· تشجيع المسن لممارسة أي نشاط رياضي على أن لا يصل ذلك إلى درجة الإرهاق.
· تشجيع المسن على ممارسة بعض الهوايات التي تبعد عنه الملل كالعناية بالنباتات المنزلية ومراقبة حديقة المنزل … وغيرها.
الــنوم
المسن بحاجة إلى أخذ قدر كافي من النوم وأخذ قسط من الراحة في ساعات النهار، حيث أن نوم المسن بالليل يتصف بالتقطع وقد يعاني من الأرق، ويستحسن أن يكون فراشه مريحاً بعيداً عن مجرى الهواء.
كيف يمكن تثمين ما يقدمه كبار السن
· معرفة وإدراك أدوار المسنين في التنمية.
· تمكين المسنين من المشاركة في الأعمال التطوعية.
· دعم الإسهامات التي يقدمها المسنون للمجتمع، ولا سيما ما يقدمونه من جوانب الرعاية المختلفة.
· تشجيع فرع للتعليم، الذي يستمر من المهد إلى اللحد.

السمنة: الأجسام إجاصية الشكل

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

السمنة: الأجسام إجاصية الشكل

الأشخاص من ذوي الأجسام إجاصية الشكل ( تسمية تطلق على اشخاص من ذوي السمنة البطنية على شكل اجاصة لانهم يتّسمون بأوراكهم أعرض من أكتفاهم )،تجمع أجسامهم الدهون عند الوركين والفخذين.

وتحمل هذه الأجسام إجاصية الشكل، الوزن الزائد في القسم السفلي من الجسم تحت الخصر، ولا يبدو أنّهم معرضون كسواهم للإصابة بمشاكل صحية مثل داء السكري، أمراض القلب، السكتة الدماغية، ضغط الدم المرتفع، إلخ، مقارنةً بالأشخاص من ذوي الأجسام تفاحية الشكل. يفقد الأشخاص من ذوي الأجسام إجاصية الشكل الدهون في القسم العلوي من الجسم، ولذلك فان مظهر جسمهم العام لا يتغيّر كثيرا عندما يفقدون الوزن.

مع الوقت، حيث تسوء مقاومة الأنسولين، يبدأ الاشخاص الذين يجمعون الدهون تحت الحزام (اي تحت الخصر) ، بتجميعها ايضا فوق الحزام ايضا (اي فوق الخصر) ويبدأون فوراً يعانون من نفس المشاكل التي تهدّد صحة ويتعرّض لها أصحاب شكل الجسم التفاحي الآن.
المرجع : http://www.bmi-calculator.net/waist-to- … -body-shap

ماهو محيط الخصر وكيف يقاس ؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

ماهو محيط الخصر وكيف يقاس ؟

· اظهرت الدراسات ان زيادة تجمع الدهون في منطقة الخصر تعتبر مؤشر قوي على زيادة احتمالات الاصابة بامراض مثل السكرالنوع الثاني وارتفاع ضغط الدم وامراض القلب الوعائية (خصوصا اذا كان مؤشر كتلة الجسم يقع ما بين 25 – 34.9.
· من المعروف ان مؤشر كتلة الجسم فوق 25 يعتبر زيادة وزن وفوق 30 يعتب سمنة. ، أعلم أن الدهن المتجمع حول خصرك هو أشد خطرا من الدهن في محيط الأرداف أو في أي جزء من الجسم، فإذا تراجع قياس خصرك فهذا يعني تراجع أو انخفاض كمية الدهن في جسمك، ويعتمد محيط خصرك كذلك كمؤشر لتحديد الأخطار الصحية الكامنة التي ذكرناها سابقا.

· تقول منظمة الصحة العالمية ان زيادة محيط الخصر عن 95 سم عند الرجال و 80 سم عند السيدات يعد امراً مقلقاً. ويتسخدم قياس محيط الخصر عند الاشخاص المصنفين عاديين او زائدي الوزن.
· وتلخص المنظمة بعض النصائح لاستخدام طريقة قياس محيط الخصر:
– يقوم الشخص اولا بتحديد منطقة القياس الصحيحة وتكون اعلى عظام الحوض الجانبية التي تمثل نهايات عظم الفخذ وهي المنطقة التي يثبت عليها حزام الوسط.
– يلف شريط القياس حول الوسط عند المنطقة المحددة.
– يراعي الزفير وعدم كتم التنفس او محاولة شفط البطن حتى يكون القياس دقيقاً.
– التأكد من عدم كون شريط القياس اوسع او اضيق من اللازم على الخصر كما يعمل الشخص على عدم امساك الشريط بميل.
– عدم القياس فوق ملابس سميكة حتى لا تضيف الى القياس.

قم بقياس محيط خصرك بشريط القياس المخصص لذلك حيث يعتمد محيط خصرك كذلك كمؤشر لتحديد الأخطار الصحية الكامنة التي ذكرناها سابقا ، استعن بالجدول أدناه لمقارنة قياسك مع الأرقام الدقيقة الواردة فيه، سجل قياس خصرك الحالي ودرجة الخطر في قسيمة الهدف المطلوب لضبط الوزن

الخطر الشديد
الخطر الشديد الفعلي
رجال
94 سم
102 سم
نساء
80 سم
88 سم

ترجمة عن Source: http://www.bmi-calculator.net/waist-to- … -shape.php

الإلتهاب الجلدي التماسي (بالملامسة) من الحفاضات

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العياضي336

الإلتهاب الجلدي التماسي (بالملامسة) من الحفاضات

إن الإلتهاب الجلدي من الحفاضات شائع جداً. فبعض الأطفال يعانون من مؤخرة حساسة تكون عرضة للالتهاب والاحمرار بسرعة، على خلاف غيرهم من الأطفال الذين لا يختبرون مثل هذه الأعراض إلا نادراً. لكن هذه العوارض تزول لدى جميع الأطفال حالما يتوقفون عن ارتداء الحفاضات.

ما هي أسباب الإلتهاب الجلدي التماسي (بالملامسة) من الحفاضات؟
الإلتهاب الجلدي التماسي (بالملامسة) : يتسبب البول والبراز بطفح جلدي في حال الاحتكاك بالبشرة لفترة طويلة. في بعض الأحيان، يؤدي ذلك إلى ظهور الأمونيا التي تحرق البشرة.
الإلتهاب الجلدي الفطري: التهاب ناتج عن البكتيريا وخمائر المبيّضات.
الاضطرابات الجلدية الأخرى: يمكن لداء الصدفية والتهاب الجلد التأتبي أن يصيبا الجلد عند منطقة الحفاض.

إن نوع الحفاضات ومساحيق الغسيل ومنظفات الحفاضات لا تتسبب بالطفح الجلدي شرط القيام بتشطيف الحفاضات بكمية وافرة من الماء قبل إخراجها من الغسالة.

كيفية الوقاية من الإلتهاب الجلدي التماسي (بالملامسة) من الحفاضات ومعالجته:
يُفضّل استخدام الحفاضات للاستعمال الواحد إذا أمكن، وبخاصة تلك التي تحتوي على جِل ذي قوة امتصاص عالية. فهي تمنع البول من تبليل البشرة.
في حال استعمال حفاضات القماش، يُنصح بوضع البطانات تحت الحفاض لتفادي جفاف البشرة. ويجب التأكد من أن الحفاضات قد تمّ شطفها جيداً بالمياه بعد غسلها. يُوصى بعدم استعمال السراويل الداخلية المصنوعة من الأقمشة الصناعية فوق حفاضات القماش، وباستبدالها بتلك المصنوعة من الصوف.

يجب تغيير الحفاضات بصورة متكررة – فلا يجوز ترك الطفل في حفاض مبلول أو متّسخ، حتى ولو اقتضى ذلك تغيير الحفاض 12 مرة يومياً.

يُنصح بتقديم السوائل للطفل في ساعة مبكرة، للحدّ من احتمال تبليله من البول في الليل. ويجب تغيير حفاض الطفل قبل الخلود إلى النوم.