أ.د. أحمد محمد وهبان

مصر ودول حوض وادي النيل

كاتب الموضوع الأصلي: ماهر عبدالرحمن

مصر ودول حوض وادي النيل *

ترتكز السياسه المائيه المصريه في أحد محاورها على توطيد علاقات التعاون مع باقي دول حوض وادي النيل (9 دول :اوغندا – اثيوبيا – السودان – الكونقو – بوروندي – تنزانيا – رواندا – كينيا – اريتريا) على اساس من الايمان بضروره تنميه موارد وطاقات النهر المائية والعمل على حسن إدارتها .

وهي تستند كذلك إلى الحرص على عدم المساس بحقوق مصر التاريخيه في مياه النيل وفقا للاتفاقيات الدوليه ومبادىء القانون الدولي والاعراف الدوليه.

كذلك فإن لمصر حقا طبيعيا في الحصول على المزيد من إيرادات النهر من خلال تنفيذ حزمه مشروعات مائيه طموحه طرحتها منذ عام 1999 م في اطار مبادره حوض النيل والتي ساندها فيها المجتمع الدولي كله تحت مظلة الفائده المشتركه.

وقعت مصر عددا من الاتفاقيات الخاصة بمياه النيل أهمها : إتفاقيات 1902 – 1906 – 1929 – 1959 .وكانت جميعها تدور حول عدم إقامة أي مشروعات على مجرى النهر او فروعه تقلل من نسبة تدفق المياه او تؤثر على كمية المياه الوارده الى مصر .

وقد أعلنت بعض دول الحوض بعد حصولها على الاستقال عدم الاعتراف بالاتفاقيات بحجة ابرامها تحت سلطه الاستعمار وإفتقار هذه الدول للإداره السياسية . إلا أن موقف مصر كان التمسك بها وبحقوقها التاريخيه إستنادا إلى الاعراف والقوانين الدوليه خاصه اتفاقية فيينا لعام 1987 م المتعلقة بالتواثر الدولي للمعاهدات والتي تؤكد استمرار الاتفاقيات الدولية وعدم جواز المساس بما ترتبه من حقوق وإلتزامات بغض النظر عن تغير الأنظمة الحاكمه للدول الموقعه وذلك حرصا على استقرار النظام الدولي.

حرصت مصر في هذا الاطار على التعاون مع دول الحوض على مستوى العلاقات الثنائية من ناحيه وعلى المستوى الإقليمي من ناحيه أخرى .

وفي عام 1999 تم الاعلان عن مبادره حوض النيل وهي تمثل الآلية الحالية التي تجمع كل دول الحوض تحت مظله واحده وتقوم على مبدأين أساسيين وهما : تحقيق المنفعه للجميع وإيضا عدم الضرر. إلا أنها آليه مؤقته لا تستند إلى معاهدة أو إتفاقية دائمة وشاملة تضم دول الحوض جميعا ومن هنا برزت الحاجة إلى ضروره قيام إطار قانوني ومؤسسي بحيث يكون بمثابه دستور ملزم تحترمه كل دول الحوض.

ورغم قناعة مصر بإن الاتفاقيات القائمة توفر لها غطاءا قانونيا قويا يضم لها حقوقها إلا أن التوصل إلى اتفاق شامل يمثل أفضل الاوضاع والخيارات ليس فقط لسد الطريق أمام أي خلافات مع دول المنبع بشأن الاتفاقيات القائمة ولكن إيضا لانه يؤمن لاجيال المستقبل حقوقها المائية ويؤدي الى اتفاق دولي ملزم لجميع دول الحوض .

وقد تم بالفعل إعداد مشروع الإطار القانوني والمؤسسي مكون من 39 مادة موزعه على ثلاثة أجزاء رئيسية :
1- عن المبادىء العامة .
2- عن الحقوق والواجبات.
3- عن الاطار المؤسسي وكيفية تسويه المنازعات وإجراءات التصديق والانضمام للمعاهده وغيرها من الامور.

وقد تم الاتفاق على أغلب بنود الاطار باستثناء بندين معلقين حتى الان ولهما أهمية بالغة لتعلقهما بحقوق مصر التاريخيه : البند (14 ب) الخاص بالامن المائي والبند (8) الخاص بالاخطار المسبق عن المشروعات.

وقد استمرت إجتماعات وزراء دول حوض النيل من أجل انهاء الاطار القانوني والمؤسسي ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق، إلى أن عقد اجتماع عنتيبي في يونيو 2007 لوزراء المياه في دول حوض النيل ، حيث تم الاتفاق على رفع بند الامن المائي لرؤساء الدول والحكومات بحوض النيل لحل الخلافات حول صياغتهما ، وإحالة بند الاخطار المسبق عن المشروعات للهيئة الفنية الاستشارية لدول الحوض .

تمت الدعوة لإنعقاد الاجتماع الوزاري غير العادي لوزراء النيل بدول حوض النيل في 22 مايو 2009 بكينشاسا ، حيث فؤجى الوفد المصري بأن دول المنابع السبع كانو في اطار من التنسيق والترتيب فيما بينهم ويحاولون ممارسة كل أنواع الضغوط في هذا الاجتماع على دولتي المصب وبالاخص مصر.

أصرت مصر على عدم التوقيع على الاطار القانوني والمؤسسي المقترح إلا بعد استيفاء ثلاثة شروط تتلخص في :
1- أن يتضمن الاطار نصا صريحا في البند ( 14 ب ) الخاص بالأمن المائي يضمن عدم المساس بحصة مصر من مياة النيل وحقوقها التاريخية.
2- أن يتضمن البند رقم ( 8 )الخاص بالاخطار المسبق عن المشروعات المزمع إقامتها بدول أعالي النيل إتباع إجراءات البنك الدولي ، مع إدراج هذه الاجراءات صراحة في الاتفاق وليس في الملاحق الخاصة .
3- أن يتم تعديل البند (34 أ ب ) بحيث تكون جميع القرارات الخاصة بتعديل اي من بنود الاتفاق أو الملاحق بالاجماع وليس الأغلبية . وفي حالة إقرار مبدأ التصويت بالأغلبية فإنه يجب أن تضم هذه الاغلبية كل من مصر والسودان (دولتي المصب).

وقد انقسمت دول حوض النيل في الاجتماع الى فريقين : دول المنابع السبع من ناحية ضد مصر والسودان من ناحية أخرى وهو ما كانت تتوقعه مصر.

وفي 5 يوليو الماضي أصدرت الدول والجهات المانحة لدول حول النيل بيانا مشتركا حددت فيه موقفها من نتائج إجتماع كينشاسا كانت اهم عناصره :
1- ان المبادرة تستهدف تحقيق رؤية مشتركة لجميع دول الحوض العشر لإقامة مفوضية تشمل الحوض بكامله.
2- التزام الجهات المانحة بدعم المبادرة .

وفي 26-27 يوليو 2009 اجتمع المجلس الوزاري السابع عشر لدول حوض النيل بالاسكندرية ، وتمت مناقشة مختلف وجهات النظر من منطلق الحرص على التشاور والاتفاق على وسائل التعاون بين دول الحوض ، وفي ظل حرص مصر على التمسك بحقوقها القانونية والتاريخية من ناحية والعمل على إزالة أي معوقات بين دول الحوض من ناحية أخرى ، ورغم وجود نقطة خلافحول سعي دول المنبع إلى تمرير اتفاق إطاري تعاوني جديد بغية إنشاء مفوضية دائمة لدول حوض النيل بغض النظر عن مشاركة دولتي المصب ( مصر والسودان ) عوضا عن الاتفاقات القديمة لتوزيع المياه ، فقد نجح المؤتمر في ختام أعماله أن يتوصل إلى اتفاق على :
– الاستمرار في المفاوضات والتشاور لمدة ستة اشهر قادمة على أن يتم الانتهاء من حسم جميع نقاط الخلاف للوصول إلى اتفاق موحد بين دول حوض النيل جميعا.
– خلال فترة التفاوض يحظر على أي دولة من دول الحوض التوقيع على أي معاهدة جديدة بشكل منفرد دون الرجوع الى دولتي المصب والا فستكون باطلة.
– أن يكون إبرام الاتفاقية النهائية لدول النيل مرهونا بموافقة جميع الدول المعنية على الاتفاقية.
ومن المقرر أن تبدأ اللجنة المشتركة التي تم تشكيلها برئاسة مصر عملها للانتهاء من صياغة بنود اتفاقية مبادره حوض النيل خلال أيام بعد اختيار الدول الاعضاء أسملء من يمثلونها فيها.

* المصدر: جريدة أخبار اليوم المصرية العدد 3378 السبت 1 من أغسطس بقلم الدكتور مفيد شهاب

السعودية ترفض طلبا امريكيا لتحسين العلاقات مع اسرائيل

كاتب الموضوع الأصلي: نوف العسيري

رفضت السعودية بوضوح مطالب امريكية بتحسين علاقات الرياض مع اسرائيل بهدف اعادة الحياة لمفاوضات السلام في منطقة الشرق الاوسط.

وقال وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل بعد مباحثات اجراها مع نظيرته الامريكية هيلاري كلينتون في واشنطن ان بلاده لن تنظر في اقتراح قدمه مبعوث الرئيس باراك اوباما الى الشرق الاوسط جورج ميتشل لحين قبول اسرائيل لمبادرة السلام بالمطالب العربية المتعلقة الانسحاب من كافة الاراضي الفلسطينية المحتلة.

واضاف في مؤتمر صحفي مشترك مع كلينتون “ان الاسلوب المتدرج والخطوة خطوة لم، واعتقد انه، لن يؤدي الى سلام” في منطقة الشرق الاوسط.

واشار الوزير السعودي الى ان “التدابير الامنية، واجراءات بناء الثقة لن تفيد ايضا”.

وقال الفيصل “ان المطلوب هو تناول شامل لتشخيص النتائج منذ البداية واطلاق مفاوضات قضايا الحل النهائي”.

ويعتبر الجانب العربي قضايا الحل النهائي الحدود، ومستقبل الدولة الفلسطينية، والقدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، وقضايا المياه والامن.

وقد قام باراك اوباما ووزيرة خارجيته ومبعوثة لمنطقة الشرق الاوسط على مدى الفترة الماضية بحث العرب على اتخاذ خطوات لتعزيز العلاقة مع اسرائيل ضمن ما يسمى باجراءات بناء الثقة مثل فتح مكاتب تمثيل تجارية والسماح بالتبادل الاكاديمي والسماح للطائرات المدنية الاسرائيلية بالتحليق في اجواء الدول العربية.

ومن جانبها قالت هيلاري كلينتون ان ادارة اوباما تريد “من الدول العربية، بمن فيهم اصدقاؤنا في المملكة العربية السعودية، العمل معنا لاتخاذ خطوات لتعزيز العلاقات مع اسرائيل، ولدعم السلطة الفلسطينية ولتهيئة الشعوب العربية للسلام المحتمل بين الفلسطينيين والاسرائيليين”.

وقالت كلينتون ان “القيادة السعودية مهمة للغاية لتحقيق السلام الشامل والدائم”.

وفي رسالة سلمت الجمعة، طالبت مجموعة كبيرة ضمت اكثر من 200 من اعضاء الكونجرس الامريكي ملك السعودية للتخلي عن معارضته لطلب الادارة الامريكية لاتخاذ خطوات وساطة لبناء الثقة.

وقال اعضاء الكونجرس ان ردة الفعل المعلنة على الطلب الامريكي هي مخيبة للامال حتى الان.

الا ان السعودية رفضت هذا الطلب بشكل مباشر حيث اشار الوزير الفيصل ان اسرائيل تحاول صرف النظر عن المبادرة العربية للسلام والتي تنص على ان الدول العربية ستعترف باسرائيل في مقابل انسحاب الاخيرة من الاراضي العربية التي احتلتها في عام 1967.

وقال الوزير السعودي “السؤال هو، ماذا ستقدم اسرائيل مقابل عرض التسوية الشاملة هذه؟”.

واشار الفيصل الى تجاهل رئيس الوزراء الاسرائيلي للنداءات الامريكية بايقاف بناء المستوطنات في الضفة الغربية وبناء المنازل في القدس الشرقية.

وقال “ان اسرائيل لم تستجب حتى للطلب الامريكي لايقاف المستوطنات والتي وصفها الرئيس اوباما بغير الشرعية”.

المصدر:

BBC

تلخيص أزمة المشاركة

كاتب الموضوع الأصلي: منصور السبيعي

بسم الله الرحمن الرحيم

المبحث الثالث

في

أزمة المشاركة

توطئة :ليس ثمة شك في أن المشاركة السياسية تمثل بحق أحد مقومات الحداثة السياسية,ويشير البعض إلى ذلك بقولة : “إن المجتمع التقليدي يفتقر إلى المشاركة , بينما المجتمع الحديث يتمتع بها ” .
وعلى الرغم من الاهتمام البالغ بقضية المشاركة السياسية من جانب علماء الاجتماع والسياسة فإنه ليس ثمة اتفاق بين هؤلاء العلماء بصدد مدلول عبارة المشاركة السياسية . فعلى سبيل المثال يعرف هنتجتون المشاركة السياسية بأنها لا تعدو أن تكون : نوعا من النشاط يقوم به المواطنون العاديون بهدف التأثير في عملية صنع القرار الحكومي.
ويعرف أحد الباحثين العرب المشاركة السياسية بأنها : “عملية تطوعية أو رسمية تعبر عن اتجاه عام رشيد وتتضمن سلوكا منظما ومشروعا متواصلا,يعكس إدراك مستنيرا لأبعاد الدور الشعبي في عالم السياسة ويتسلح بالفهم العميق للحقوق والواجبات ,ومن خلال هذه العملية يلعب المواطنون دورا إيجابيا في الحياة السياسية فيما يتصل باختيار القيادة السياسية على كافة المستويات,وتحديد الأهداف العامة,والمساهمة في صنع القرار السياسي,ومتابعة تنفيذه بالمتاح من أساليب الرقابة والمتابعة والتقويم”.
ويلاحظ أن القائل بهذا التعريف على قناعة بأن المشاركة السياسية هي عمل إيجابي, وبتالي فهو يرفض الرأي القائل بأن العزلة السياسية تمثل في بعض الأحيان نوعا من المشاركة السياسية .
ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف بين الباحثين بصدد تعريف المشاركة السياسية فإننا نتفق مع الرأي القائل بأن المشاركة تشمل كل ما يلي ؛
1_ مجموعة التصرفات التي من خلالها تنقل الجماهير مطالبها إلى الصفوة الحاكمة .
2_ جملة الجهود التي تبذلها الجماهير بهدف التأثير في سلوك الحكام .
3_ عملية التمثيل البرلماني .
4_ تقلد المناصب السياسية الرسمية .
5_ محاولات تغيير الواقع السياسي
6_ تأليف الكتب ونشر المقالات التي تنصب على معالجة وتقويم أمور المجتمع قاطبة
7_ قراءة الكتب والصحف والمجلات,والاستماع للأذاعات ووكالات الأنباء من تحليلات تتصل بشئون العامة للمجتمع
8_ يرى البعض أن العزلة_حينما تكون تعبيرا عن رفض الواقع السياسي القائم_ تمثل إحدى صور المشاركة السياسية .
أزمة المشاركة :يرى البعض أن التحديث السياسي لابد وأن يتمخض عن ظهور الرغبة في المشاركة السياسية لدى قطاعات أوسع من المواطنين داخل المجتمع الوالج لتوه إلى عالم الحداثة,سواء تمثل مظهر الحداثة في التحول بنظام الدولة من الملكية إلى الجمهورية,أو التخلص من نير الاستعمار والانتقال إلى مرحلة جديدة قوامها الاستقلال .
كما لابد وأن تكون من شأنه ظهور أنماط جديدة للمشاركة السياسية ,فضلا عن تنامي أعداد المتطلعين إلى المشاركة في الحياة السياسية.وهنا تطل أزمة المشاركة برأسها عندما تقوم الصفوة الحاكمة بوضع العراقيل أمام الراغبين في المشاركة السياسية , وتضييق الخناق عليهم , على نحو يؤدي إلى تضاؤل أعداد المشاركين في الحياة السياسية .
وتتمثل أزمة المشاركة السياسية إحدى السمات البارزة في بلدان العالم الثالث ويرتد ذلك إلى ميل القيادات السياسية على تركيز السلطة في قبضتها , وإقامة نظم ديكتاتورية تسلطية,وكان لسان حال تلك الصفوة يقول أنه بما أننا نحن اللذين خلصنا هذا البلد من ربقة المستعمر إذن فهو يعد ملكا خالصا لنا نتصرف به وبمستقبله كيفما أردنا
ويلاحظ أن اغلب الصفوات التي اعتلت سدة الحكم في بلدان العالم الثالث غداة استقلالها قد راحت تجرم قيام الأحزاب السياسية وغيرها من المنظمات اللارسمية,وقد رفضت وجود الاحزاب وأوجدت نظاما للحزب الواحد وهو المتصرف الوحيد بالحياة السياسية ويهيمن على مؤسسات الدولة قاطبة ويمثل في ذات الوقت تكريسا لسيطرة رئيس الدولة الذي هو بطبيعة الحال رئيس الحزب أيضا على مقدرات الأمور داخل المجتمع سيطرة مطلقة.
ففي زائير _ على سبيل المثال_اعتلى موبوتوسيسيكو سدة الحكم في البلاد عام 1965 إثر انقلاب عسكري ثم ما برح أن ألغى سائر الأحزاب القائمة وقتذاك وظلت زائير بلا أحزاب إلى عام 1970 عندما قام موبوتو بتأسيس حزب الحركة الشعبية,ولقد ظل حرب الحركة الشعبية ومن فوق موبوتو محتكرا للحياة السياسية الزائيرية , ومهيمنا على مقدرات المجتمع منذ عام 1970 حتى عام 1997 عندما تمت الإطاحة بالرئيس الزائيري من خلال عملية عسكرية تزعمها لوران كابيلا الرئيس السابق الذي غي أسم الدولة من زائير إلى الكونجو الديمقراطية.

ومن الأمثلة أيضا نجد تونس أن الحبيب بورقيبة (أحد قادة الجيش) قد تمكن في عام 1957 من الإطاحة بحكم الباى و إعتلاء سدة الحكم في البلاد منذ يوليو في ذات العام , ثم ما برح أن أنشاء ما يعرف بالحزب الدستوري الاشتراكي لكي يسيطر من خلاله على مظاهر الحكم بحيث لم تكن هناك فواصل بين أجهزة الحزب وأجهزة الدولة , وقد ظلت الأوضاع قائمة حتى حلول عقد الثمانينات حيث بدأت البلاد تجربة تعددية حزبية شكلية .

وفي الجزائر لم تكن الأمور مختلفة عن نظيرتها في تونس , حيث ارتكز النظام الجزائري منذ الاستقلال عام 1962 على دعامتين هما :
1_ تعاظم اختصاصات وصلاحيات رئيس الدولة,حيث راح بن بلا_ أول رئيس جزائري_ يجمع في قبضته مناصب رئيس الدولة ورئيس الحكومة والأمين العام للحزب الحاكم, بالإضافة إلى وزارات الداخلية والمالية والإعلام . وقد استمر هذا الوضع خلال عهد خلفه بومدين,وكذا الشطر الأكبر من عهد الشاذلي بن جديد الذي انتهى مع بداية عقد السبعينيات
2_ الحزب الواحد ممثلا في جبهة التحرير الوطني .

وهكذا فإن البيئة السياسية في البلدان الأفريقية ظلت سنين طوال _ حسب قول البعض _ بيئة الحزب الواحد ,حيث يقبض الحزب على السلطة , ويظل قابضا عليها بغض النظر عن شرعية ذلك . إن الحزب في أفريقيا _حسب هذا الرأي_ هو المؤسسة السياسية الفعلية العليا المهيمنة, أما المجلس التشريعي فلا يبدو في كثير من الأحيان أكثر من واجهة شكلية ليست ذات قيمة حقيقية, وإذا كان المجلس التشريعي في أوربا و أمريكا هو ميدان للحوار الحزبي, فإنه في أفريقيا مجرد نموذج مصغر للحزب الحاكم يضم صفوته, ويمثل ميدانا لمناقشتها التشكيلية والمتفق عليها سلفا في أوراقة ذلك الحزب .

ونظام الحزب الواحد لم يقتصر وجوده على الدول الأفريقية المذكورة سلفا إذ فضلا عن الأمثلة المتقدمة فقد عرفت نظيرات لها في كل من مصر عبد الناصر , والسودان النميري , وزامبيا كاوندا , سوريا الأسد , والعراق حسن البكر وصدام , إلى غير ذلك من عديد من الأمثلة أخرى.

لقد ظلت غالبية صفوات العالم الثالث في سبيل إحكام قبضتها على لجام الحكم في بلادها تتمسك بنظام الحزب الواحد.
وتشير الملاحظة إلى أن نظم الحزب الواحد كانت تشيع أجواء إرهابية قمعية داخل أروقة الحياة السياسية لبلدانها, حيث كانت الأقلية المسيطرة على الحزب تلجأ إلى أساليب الطرد والتطهير لكي تتخلص من المعارضة داخل صفوف الحزب.
وهكذا فقد خاضت غالبية جماهير العالم الثالث تجربتها السياسية الأولى _ غداة الاستقلال _ داخل حظيرة نظم الحزب الواحد , في رحاب حياة سياسية قوامها التآمر . والتجسس , والإرهاب , والتنكيل , والقمع , فعاشت تلك الجماهير أجواء سياسية مفعمة بالخوف والذعر من عالم السياسة , من الساسة, ومن كل ما هو سياسي.

وفي ظل تلك الأجواء كان من الطبيعي أن تنفر الجماهير من المشاركة السياسية, وبتالي تشيع قيم السلبية واللامبالاة والاغتراب في صفوف الرعايا,لكي تتدني وتتقلص وتتضاءل معدلات مشاركتهم في الحياة السياسية ,فتحت تأثير الخوف يتردد الأفراد كثيرا في الإقبال على الحياة السياسية, إذ يقتنع المرء بأن خوضه عالم السياسة سيعرضه للإهانة في شخصه , وللضرر في مصالحه, وذلك انطلقا من تصوره للسلطة السياسية على أنها مجرد أداة للقمع في يد الصفوة الحاكمة, ولذا يجنح الفرد إلى السلبية السياسية المنجية. وكأنه يردد القول العربي القديم” إن السلطان من لا يعرف السلطان , وصاحب السلطة كراكب الأسد الناس منه في خوف وهو من الأسد أخوف” وغير ذلك من الأقوال المحذرة من سوء عواقب السياسة.

وعلى الرغم من اتجاه العديد من بلدان العالم الثالث خلال العقدين الأخيرين إلى الأخذ بنظم التعددية الحزبية إلا أن الصفوات الحاكمة داخل الكثير من هذه البلدان لا تسمح للقوى والجماعات السياسية ذات الثقل الجماهيري بإنشاء أحزاب تعتبر عنها خوفا من أن يؤدي ذلك إلى زعزعة حكم الصفوة.

ولعل من أوضح الأمثلة على ما تقدم تجربة التعددية الحزبية المصرية المعاصرة , والتي تشهد منذ ولادتها_في أواخر عقد السبعينيات_ حالة ما سيطرة حزب الصفوة الحاكمة (الحزب الوطني) شبه المطلقة على المجلس التشريعي (مجلس الشعب ) وسائر المجالس الشعبية والمحلية, وتكاد الأحزاب في مصر هياكل شكلية ليس لها دور سوى إضفاء واجهة تعددية على واقع النظام بما يزال يخضع_من الناحية الواقعية_ لجل تقاليد وممارسات نظم الحزب الواحد. إذ تشير جميع الانتخابات البرلمانية التي شهدتها البلاد في ظل التعددية الحزبية الوليدة( بدءا من عام 1984 وحتى يومنا هذا) لم تتسم لا بالحيادية ولا بالنزاهة , حيث كانت كافة إمكانات الدولة تسخر لصالح مرشحي الحزب الوطني, وذلك فضلا عن ما شهدت الانتخابات من تزوير لحساب ذلك الحزب,لكي ينتهي الأمر بالسيطرة شبة المطلقة للحزب الوطني على مقدرات الحياة السياسية المصرية, والحق أن التعددية الحزبية في العالم الثالث هي مجرد تجميل لنظم تقوم على حزب واحد وتكريس لها.

وأما التجربة التعددية الجزائرية والتي كانت في نهاية عقد الثمانينات, وقد اتسمت تلك التجربة بالجدية حيث أفسح المجال في ظلها لكافة القوى السياسية في البلاد أن تنتظم في أحزاب تعبر عن توجهاتها, غير أن الصفوة الحاكمة البلاد كانت تعتقد أن حزبها (حزب جبهة التحرير) قادرة على الفوز في أية انتخابات حتى ولو كانت نزيهة وحقيقية, إذ أسفرت نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات عن انتصار ساحق لأحد الأحزاب الإسلامية وهو حزب ( الجبهة الإسلامية للإنقاذ ) الأمر الذي أفقد العسكريين الجزائريين صوابهم فراحوا يسارعون إلى إلغاء الانتخابات , وعدم الاعتراف بنتيجتها , وحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ , واعتبارها كيانا غير شرعي, لذا أيقن الشعب الجزائري أنة لا سبيل إلى زحزحة الصفوة الحاكمة إلا بالعنف, ومازالت الجزائر تعاني حتى يومنا هذا وهذا الصراع جعل استقرار الجزائر في مهب الريح, ولعل هذا ما يوضح لنا الترابط والتداخل والتشابك بين أزمة المشاركة من جهة , وأزمة الشرعية , وأزمة الاستقرار السياسي من جهة أخرى .

على أية حال فإننا بصدد أزمة المشاركة وتأسيسها على ما تقدم نرى أن النظم الحزبية التي أنشأتها يد الصفوات الحاكمة في بلدان العالم الثالث _ غداة الاستقلال_ وما صاحب تلك النظم من أجواء سياسية إرهابية كانت هي السبب الرئيسي وراء تجدر أزمة المشاركة السياسية داخل تلك البلدان.
ويضاف إلى ذلك كأسباب للازمة أن الجماعات الساعية للمشاركة قد تنتظم في منظمات سياسية تنظر إليها الصفوة باعتبارها منظمات غير مشروعة , فتعتمد إلى تشويه صورتها , والحط من شأن وسائلها , والتشكيك في حقيقة أهدافها , ومن ثم اعتقال زعمائها ومطاردة أعضائها ومؤيديها. لذا تلجأ الصفوة الحاكمة إلى تصفية تلك الجماعات واعتبارها منظمات غير شرعية , ولعل أوضح الأمثلة موقف الصفوات الحاكمة في كل من مصر وسوريا وتونس وليبيا و المغرب من جماعة الأخوان المسلمين , وسائر منظماتها .

وثمة أسباب أخرى _بالإضافة للأسباب المشار إليها سلفا_

أولاً
: ارتفاع نسبة الأمية داخل أغلب بلدان العالم الثالث, فعلى سبيل المثال نجد أن نسبة الأمية الإجمالية في باكستان – حسب إحصائيات البنك الولي عام 1990- قد بلغت 65% من إجمالي عدد السكان ,وفي الصومال حوالي 76%, وفي مصر حوالي 52% أي أكثر من نصف السكان.
وهذه الأمية في قطاعات واسعة من سكان الدولة وهذا يسبب تدني في معدلات المشاركة للجماهير في الحياة السياسية ,إذ أن الأمية تعني عدم إالمام الفرد بالكتابة و القراءة, وبالتالي فلا ينتظر منه أن يكون على دراية بحقوقه وواجباته لاسيما السياسية منها .لذا تجد اللامبالاة السياسية , وتظاهرة الامتثال التام للسلطة القائمة , والانصياع التام لأوامرها مهما كانت , وعدم الاكتراث بالنشاط السياسي. وكانت هذه الفئة من الناس تتحكم بمسائلها إلى القول العامي”أدي العيش لخبازيه ولو يأكلوا نصه”فهنيئا للخبازين في مجتمع من السلبيين واللامبالين .

ثانياً : استشراء الفقر وشيوع الفاقة داخل قطاعات واسعة من سكان بلدان العالم الثالث, فعلى سبيل المثال نجد أن متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي في موزنبيق –حسب إحصائيات البنك الولي لعام 1992- بلغ 80 دولار فقط, وفي بنجلادش 210 دولار , وفي باكستان 380 دولار , وفي مصر 600 دولار , ونضيف إلى ما تقدم من ما تعانيه أغلب بلدان العالم الثالث سوء بالغ في توزيع الموارد , إذ كما سبق وأن أشرنا نجد أن جل موارد في أغلب بلدان العالم الثالث يكون مرتكزا في يد طبقة قليلة العدد, في حين تعاني الغالبية العظمى من السكان قسوة الفقر ومرارة القحط .

وهكذا فبفعل ندرة الموارد وسوء توزيعها من الجهة الأخرى ترزح غالبية السكان تحت وطأة الفقر, فالمشاركة السياسية تعتبر عن الفقر رفاهية والأفضل لهم العمل للحصول على لقمة العيش وترك المشاركة السياسية للأغنياء , هنا كذلك يبدو التداخل بين أزمتي المشاركة والتوزيع , الأمر الذي يؤكد صحة المقولة , التي قوامها أن ظاهرة التخلف السياسي- ما هي – في النهاية- إلا محصلة لجملة أزمات متداخلة ومتشابكة , تؤدي كل منها إلى الأخرى بطريقة أو بآخر.

____________________________________________________________________

أسم الطالب / منصور اللميع مفرج أبوثنين السبيعي

الرقم الجامعي/ 428105764

الرقم التسلسلي/ 58

موجز عن ازمة المشاركه

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الرشيدي(6)

يعرف صامويل المشاركه السياسيه: نوعا من النشاط يقون به المواطنون العاديون بهدف التاثير في عمليه صنع القرار الحكومي

* ارتكز النظام الجزائري منذ الاستقلال على دعامتين هما:
1- تعاظم اختصاصات وصلاحيات رئيس الدوله
2- الحزب الواحد ممثلا في جبهة التحرير الوطني

* اسباب تكريس ازمه المشاركه:
1- ارتفاع نسبه الاميه ادخل بلدان العالم الثالث
2- استشراء الفقر وشيوع الفاقه داخل قصاعات واسعه من سكان العالم الثالث
3- تطبيق بلدان العالم الثالث نظام الحزب الواحد

دكتور احمد يعطيك العافيه
الاسم/ ناصر بدر الرشيدي
الرقم التسلسلي/38
الرقم الجامعي/427109088

هل ثمة تحول على ضفاف النيل؟ ,,,السياسة وحدود المعارضة في مصر

كاتب الموضوع الأصلي: سارة محمد العبيدان

فورين أفيرز

بقلم: ستيفن.ايه.كوك تعريب: نبيل زلف من الصعب التصديق اليوم ان العالم العربي كان قبل اربع سنوات فقط يقف على حافة تغيير دراماتيكي.

ففي ما يوصف بـ «ربيع العرب» في مطلع 2005 توجه العراقيون الى صناديق الانتخابات لأول مرة في تاريخهم منذ سقوط نظام صدام حسين، وانسحبت سورية من لبنان بعدما نزل مليون متظاهر الى قلب بيروت، واعلنت المملكة العربية السعودية عن اجراء انتخابات بلدية.

وفي القاهرة ارغم الناشطون السياسيون من مختلف الاطياف السياسية نظام الرئيس حسني مبارك بعد ان اصبحوا اكثر ثقة بأنفسهم على ركوب موجة الاصلاح واظهار نفسه كمنفتح من خلال تخفيف القيود على المعارضة. عندئذ بدأت افتتاحيات الصحافة الغربية تتساءل بفرح ما اذا كان الشرق الاوسط قد وصل اخيرا الى مرحلة التحول الاسطوري المنتظرة منذ وقت طويل.

لكن كان بالامكان في ذلك الوقت اكتشاف بعض الشعور بالقلق داخل ادارة الرئيس بوش، لا سيما فيما يتعلق بالتطورات في مصر بالذات.

سبب ذلك القلق ليس لأن المسؤولين في الادارة الامريكية كانوا يتساءلون حول جدوى استراتيجية الرئيس بوش في دفع عجلة الحرية الى الامام بل لأن التحول السياسي في مصر وضع امامهم احجية سياسية يصعب حلها. ففي الوقت الذي كان فيه مبارك ومساعده يفتقرون الى الدعم الجماهيري الشعبي بدرجة كبيرة، كانت المعارضة تضم مجموعات قليلة من الديموقراطيين والليبراليين ومجموعات كثيرة من اليساريين، الناصريين والاسلاميين، وكان كل هؤلاء بالطبع من المناهضين بقوة للولايات المتحدة. لكن لما كانت المعارضة بمجملها منقسمة على نفسها طبقا لاتجاهات غير سليمة اربكت السياسة المصرية طوال ستة عقود، كان من الصعب التصور ان بمقدور تلك المجموعات، سواء عملت كل واحدة منها على حدة أو من خلال تآلف ما، ازاحة الرئيس مبارك عن السلطة.

هنا لا بد من الاشارة الى ان السؤال المركزي الذي بقي يواجه المصريين على الدوام منذ انقلاب يوليو 1952 الذي اطاح به جمال عبدالناصر ورفاقه الضباط الاحرار بالملك فاروق الاول هو: ما العقيدة المركزية للدولة وكيف يجب ان تكون؟

بدا الجواب واضحا منذ البداية، فبعد وقت قصير من استيلائهم على السلطة، تخلى الضباط الاحرار عن خطط اصلاح النظام السياسي في مصر لصالح نظام جديد استند الى القومية والى شكل مختلف للاشتراكية، واقاموا على الفور سلطة بلا منازع لا يزال احفادهم يمارسونها الى اليوم، ولم يغفل الزعماء المصريون المعاصرون عن العمل لاتقاء خطر البدائل الجذابة الاخرى للنظام الذي بناه الضباط الاحرار.

لكن الآن مع استعداد المصريين لتحول لا مفر منه – سيحتفل الرئيس مبارك هذه السنة بعيد ميلاده الحادي والثمانين وبالذكرى الثامنة والعشرين لحكمه – من الواضح ان المنافسة آخذة بالتصاعد وقائدها الرئيسي كالعادة الحركة الاسلامية.

وعلى الرغم من ان المحللين وصناع السياسة الامريكية لا يعولون كثيرا على حدوث تغيير في القيادة المصرية كما يفعل المصريون الا ان هذا الاحتمال اثار نقاشا حاميا في واشنطن. وكانت احدث اضافة لهذا النقاش هي كتاب القاضي الامريكي بروس روذرفورد «مصر بعد مبارك: الليبرالية، الاسلام والديموقراطية في العالم العربي».

بيد ان القراء الذين يريدون من خلال هذا الكتاب معرفة من سيخلف مبارك سوف يصابون بخيبة امل، وذلك لأن هناك القليل من المعلومات حول هذه المسألة (يتحدث البعض حول اعداد جمال مبارك ابن الرئيس لتولي هذا المنصب) غير ان هؤلاء القراء سوف يشعرون بالامتنان للسيد روذرفورد لجهده الطموح في توضيح كيف يمكن للاعبين السياسيين المهمين وتحديدا «الاخوان المسلمون»، السلطة القضائية وقطاع الأعمال، العمل بالتوازي إن لم يكن معا تماما للتأثير في مسار البلاد مع مرور الوقت.

قوة نارية

من الواضح ان هذه مقارنة حديثة غير مسبوقة من قبل لتحليل السياسة المصرية في ظل النظرة التقليدية التي تفيد انه على الرغم من مواجهة الزعماء المصريين للعديد من التحديات السياسية والاقتصادية المتنوعة إلا ان من النادر اعاقة مسيرة الدولة بما تمتلكه من قوة نارية تحت تصرفها.

والواقع ان الهدف الدائم لهذه القوة النارية كان بالطبع حركة الاخوان المسلمين، المجموعة الاسلامية التي أسسها حسن البنا في 1928 لانقاذ المجتمع المصري مما وصفه بتأثير الغرب الفاسد. هنا تمثلت مهمة الاخوان في اعادة اسلمة مصر من الاسفل الى الاعلى من خلال المواعظ الدينية، التعليم، الاعمال الخيرية بل وحتى العنف كما حدث في الاربعينيات وستينيات القرن الماضي. وكانت الحركة تأمل بأن يتعزز لدى الجماهير المصرية الشعور بالحاجة لقيام نظام يستند الى الاسلام بحيث لا يكون امام زعماء مصر سوى الخضوع لهذا الخيار أو السقوط.

ومن الملاحظ في هذا السياق ان حركة الضباط الاحرار وجدت لنفسها عندما بدأت تتبلور في اواخر الاربعينيات حليفا في الاخوان، لكن بعض اعضائها لم يشاركوا الاخوان رغبتهم باقامة مجتمع خاضع بشكل وثيق للشرع الاسلامي إلا انهم ايدوا معارضة الاخوان للمشروع الاستعماري الغربي في مصر والشرق الاوسط ككل مما يعني ان الضباط الاحرار والاخوان تبنوا المشروع الوطني.

على أي حال، هناك الكثير من المقالات التي تناولت خلال السنوات الستين الماضية قضية الاخوان وعلاقتهم بالنظام السياسي المصري، لكن المراقبين الغربيين ينقسمون اليوم في تحدثهم عن الاخوان. فبينما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» في ربيع عام 2005 ان الاخوان يمثلون حركة سياسية حقيقية لا تستطيع واشنطن تجاهلها اذا رغبت بدفع عجلة الديموقراطية الى الامام في الشرق الاوسط، يقول المتشككون انهم يعتبرون الاخوان مجرد مجموعة من المتطرفين. ومن هؤلاء المتشككين مت رومني حاكم ولاية «ماساشوسيتس» السابق الذي لخص رؤيته خلال مناقشة رئاسية جمهورية في 2007 بالقول ان حزب الله، حماس، القاعدة والاخوان المسلمون يجاهدون على مستوى العالم لتقويض كل الحكومات الاسلامية المعتدلة ومن ثم استبدالها بنظام الخلافة.

لكن بين هذين الرأيين هناك مثقفون أكثر علما وخبرة يقولون ان حركة الاخوان تطورت واتخذت لنفسها منحى جديدا من خلال زعمائها الاكثر شبابا الذين يتبنون الان المساءلة، الشفافية والتسامح في العمل، ويعتبرون حكم القانون جزءا من مشروعهم لمصر.

لكن ثمة مثقفين آخرين اقل تفاؤلا بالحركة على الرغم من اعترافهم أخيرا بحدوث تغييرات فيها، فهم يقولون انها لم تنبذ ابدا هدفها التاريخي لاقامة دولة اسلامية تستند الى تفسير غير ديموقراطي موروث للشريعة.

إلا ان روذرفورد يؤكد ان تحوّل الاخوان المسلمين الى مجموعة من المُصلحين الليبراليين أصبح واضحا إذا ما استثنينا موقفهم من حقوق المرأة.

وفي هذا السياق يلجأ روذرفورد فورا لعدد من البيانات الصادرة عن زعماء بارزين في حركة الاخوان ليقدم عرضا شاملا لسجل الحركة على مدى السنوات الثلاثين الماضية. ويمكن القول فعلا ان رواية روذرفورد مؤثرة جدا لانها تقدم فهما شاملا لتطور الحركة لتعاكس بذلك الكثير من التحليلات الغربية السابقة التي تميل لتصويرها كحركة ساكنة لا تتبدل فكريا. وهو هنا لا يوضح فقط ان الحركة لا تنهمك في أي أعمال عنف الان بل ويبين انها تمكنت من المشاركة حتى في اكثر العمليات الانتخابية التي تم منعها منها، وذلك من خلال دخولها بتحالفات مع احزاب ذات ايديولوجيات متنوعة، وتقديمها برامج انتخابية لا يمكن للعين ان تخطئها.

لكن اذا كان روذرفور يؤكد ان الاخوان المسلمين اصبحوا يمتلكون الان مؤهلات اصلاحية الا انه لا يفسر لماذا غيروا لونهم؟

المصالح والاعتدال

للوهلة الاولى، يبدو ان روذرفورد يقارن هذه الحالة مع ما ذكره العالم السياسي ستاسيس كاليفاس الذي كان يجادل في كتابه: «ظهور الديموقراطية المسيحية في اوروبا» بأن الاحزاب الدينية في اوروبا القرن التاسع عشر تحولت تدريجيا لتصبح الاحزاب الديموقراطية المسيحية العلمانية التي نشهدها اليوم لاسباب ليس لها علاقة تذكر بالالتزام الايديولوجي بمبادئ الديموقراطية. وهذا يعني بكلمات اخرى ان المصلحة الذاتية والقيود السياسية التي كانت تواجه زعماء تلك الاحزاب ورجال الكنائس هي التي ادت من دون قصد الى ظهور الاحزاب المعاصرة.

وهنا تشير اقوال روذرفورد الى ان الحوافز والضغوط السياسية المتنوعة هي التي ارغمت زعماء الحركة الاسلامية في مصر على انتهاج طريق الاعتدال. وهذه نظرة مثيرة لانها تعني ان الاخوان يمكن ان يتطوروا الى مجموعة سياسية مرتبطة فكريا بالدين مثل احزاب اوروبا الدينية قبل قرن مضى أو مثل حزب «العدالة والتنمية» الحاكم الان في تركيا.

بيد ان روذرفورد لا يتقصى بالكامل مضامين مثل هذه المقارنات التاريخية لكنه يتمعن بدقة شخصيات اربعة مفكرين اسلاميين، هم: يوسف القرضاوي، طارق البشير، احمد كمال أبوالمجد ومحمد سليم العوا، وذلك لانهم اثروا -كما يقول- في تفكير الاخوان.

لكن على الرغم من ان هذه المناقشة تنطوي على قيمة استثنائية بالنسبة لغير المتحدثين باللغة العربية الذين لا يستطيعون الوصول دونها لاعمال هؤلاء المفكرين الاسلاميين إلا ان روذرفورد يبالغ في تقديره لتأثيرهم.

فمن بين هذه المجموعة يبرز القرضاوي ببرنامجه التلفزيوني الشهير «الشريعة والحياة» في قناة الجزيرة الفضائية كأكثر المفكرين الاسلاميين شهرة في الغرب. صحيح ان القرضاوي يدعو لاعتبار كل الاسرائيليين اهدافا مشروعة للعمليات الانتحارية، وذلك لانهم يخدمون جميعا في القوات الاسرائيلية المسلحة إلا انه يتخذ مواقف تقدمية ازاء قانون الاسرة، مكانة المرأة، والاصلاح السياسي.

دعا موظفي الحكومة المصريين لتخصيص أوقات اقل للصلاة من أجل تحسين انتاجيتهم.

بيد ان النقطة المركزية في تفكير كل هؤلاء المنظرين الاربعة هي -وفقا لروذرفورد- تفسيرهم المرن للشريعة. فهم على عكس طالبان في افغانستان، مهتمون -برأي روذرفورد- باقامة دولة لا تستند الى تطبيق صارم للشريعة الاسلامية بل تأخذ بمبادئ مستوحاة منها تتفق مع الحداثة والحياة المعاصرة.

من الواضح هنا ان روذرفورد مؤمن جدا بهذا التفسير لدرجة يتجاوز معها الخط الاحمر. فاذا كان التفسير المرن للشريعة الذي يفضله القرضاوي وغيره يبدو مغريا، لاسيما لدى جمهور الغرب الا ان هذه المرونة تبقى مجازفة. صحيح ان من المفيد سياسيا استخدام الخطوط العريضة في التطرق الى القضايا المعقدة، وذلك لان مثل هذا الاسلوب يفسح المجال للمناورة لكن يبدو ان روذرفورد غير مدرك ان ميول هؤلاء المنظرين التي تتخذ اشكالا مختلفة يمكن ان تحترم بسهولة ايضا السياسات السلطوية.

فزعماء النظام المصري، على سبيل المثال، يتحدثون علنا حول الاصلاح والتحول الديموقراطي لكنهم يفعلون ذلك على نحو غير واضح ليتمكنوا من متابعة برنامجهم اللاديموقراطي. بل ويمكن القول ان الاخوان اكثر التزاما من مسؤولي النظام بالمبادئ الديموقراطية فقد تمكن الاعضاء الاخوان في البرلمان من تمييز انفسهم كمشرعين جادين من خلال مساءلة الحكومة حول جملة من قضايا الشؤون الداخلية والسياسة الخارجية لكن تبقى مسألة ما اذا كان الاخوان ليبراليين فعلا مسألة نظرية تجريبية لن يتمكن المحللون من التوصل لحل لها إلا بعد ان يتولى الاخوان الحكم.

لقد استخدم كثيرون خلال السنوات القليلة الماضية مبررات عدة لدفع الولايات المتحدة للتعامل مع الاخوان كقوة تقدمية للحداثة والتغيير السياسي إلا ان التزام الاسلاميين ظاهريا بالليبرالية يبقى امرا خاضعا للتأكيد أكثر منه حقيقة.

القضاء والنظام

يبدو روذرفورد مقنعا اكثر بموقفه عندما يتناول نضال السلطة القضائية في مصر للحفاظ على مكانتها وامتيازها الدستوري. والحقيقة ان مقاومة هذه السلطة تبين حقا كيف يمكن للمجموعات المسلحة بالمبادئ الليبرالية ان تكبح ولو بدرجة ما تصرفات النظام.

فعلى الرغم من ان اسلاميي مصر استحوذوا على الجزء الاكبر من اهتمام صناع السياسة والخبراء والصحافيين خلال السنوات الاخيرة تمكنت السلطة القضائية منذ عقود من القيام بدور مهم جدا في اذكاء لهيب الحوار والمناقشات حول السلطة الحاكمة والسلطة القضائية في النظام السياسي بمصر.

في عام 1969 هاجم جمال عبدالناصر مباشرة استقلال القضاة، وسعى لاقامة سلطة قضائية مُسيسة وطيعة، ولجأ في هذا الاطار لحل مجلس نادي القضاة الذي كان يتميز بالتأثير، وانشأ المجلس القضائي الأعلى، ومنح الحكومة سلطة تعيين وترقية القضاة، بالطبع اثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها لكن بدرجة محدودة فقط، فقد ارغمت مقاومة القضاة المستمرة لعملية التسييس الحكومة على انشاء نظام قضائي مواز مليء بقضاة متعاطفين مع النظام عملوا في محاكم الدولة ومحاكم أمن الدولة العليا. وعلى الرغم من كل ذلك استمرت محاكم مصر النظامية الحرة في كبح الدولة بوسائل متنوعة. فقد ارغمت المحكمة الدستورية العليا الحكومة منذ عقد الثمانينيات على اعادة كتابة قانون الانتخابات في البلاد مرات عدة لأنه ينتهك الدستور.

وفي عام 2005، طالب نادي القضاة بأن يشرف هو، وليس وزارة الداخلية، على الانتخابات البرلمانية، وارغم الحكومة على عقد انتخابات تلك السنة في ثلاث جولات وتقليل عدد مراكز الاقتراع من 54000 الى 9000 مركز بحيث يستطيع قضاة البلاد البالغ عددهم 8000 مراقبة عمليات التصويت.

لكن، وكما هو الامر في الكثير من الاشياء في مصر، هناك حدود لسلطة القضاة ايضا. ففي تجاوز رسمي فاضح هاجم جنود من وزارة الداخلية وقوات الامن المركزي مؤيدي السلطة القضائية الذين كانوا يتظاهرون في قلب القاهرة في ربيع عام 2006 واوسعوهم ضربا وركلا.

كان سبب هذه المواجهة المباشرة هو الرغبة في معرفة مصير اثنين من كبار رجال القانون المحترمين هما هشام بطاويسي ومحمود مكي اللذان جازفا بفقدان مقعديهما في محكمة الاستئناف العليا بمصر بعد اتهامهما الحكومة بالتلاعب بانتخابات عام 2005 البرلمانية. غير ان جذور هذا النزاع تعود في الواقع اولا لمحاولات الحكومة تسييس السلطة القضائية وثانيا لجهود القضاة في الدفاع عن استقلال القضاء وحكم القانون.

بالطبع انتهت الازمة بعد ذلك تدريجيا باحالة المستشار هشام بطاويسي لمجلس تأديبي والعفو عن محمود مكي وقيام الحكومة ببعض عمليات الانفتاح التجميلية استجابة لمطالب السلطة القضائية.

وعلى الرغم من ان هذه النتيجة لم ترض القضاة أو المعارضة الا انها اكدت بقوة اهمية دورهم، فقد برهن رجال القانون هؤلاء انهم يمثلون ضمير الشعب المصري الذي يسعى لمستقبل ديموقراطي ولمزيد من الانفتاح. ان بمقدور قضاة مصر تشكيل مستقبلها السياسي دون النزول الى الشوارع كما يفعل قضاة باكستان بانتظام.

مجتمع رجال الأعمال

كان من الطبيعي ان يتناول روذرفورد في تحليله لقوى المعارضة في مصر مجتمع رجال الاعمال لما له من دور مهم في الحياة السياسية المصرية.

يقول الرأي التقليدي في هذا المجال ان رجال الاعمال هؤلاء الذين يحركون الاحداث ويثيرون الهزات يضمنون ثرواتهم من خلال مزج العمل بالسياسة، وهم بهذا ليسوا من زبائن النظام اقتصاديا فحسب بل وجزء متكامل معه.

وهنا نلاحظ ان ما يوصف بـ «فريق الاحلام الاقتصادي» الذي يقوده رئيس الحكومة احمد نظيف ويتألف من وزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد، وزير الاستثمار محمود محيي الدين ووزير المالية يوسف بطرس غالي مرتبط على نحو وثيق مع جمال مبارك الذي هو احد ابناء الرئيس ووريثه المفترض ونائب رئيس الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم الذي اصبح اشبه بشركة كبرى تضم في عضويتها نخبة رجال الاعمال مثل احمد عز قطب الفولاذ في مصر وطاهر حلمي رئيس غرفة التجارة الامريكية في مصر.. والحقيقة ان العلاقة غير الواضحة تماما بين القطاع الخاص والطبقة السياسية لا تقتصر تحديدا على أعمال جمال مبارك لان هذه العلاقة أو العملية كانت بدأت مع انفتاح الرئيس المصري السابق أنور السادات واستمرت في عهد حسني مبارك. لذا يمكن القول ان العلاقة الوثيقة بين الحزب الوطني الديموقراطي وقطاع العمل ككل هي ببساطة نتيجة منطقية لعملية كانت قد بدأت قبل 30 سنة.

على الرغم من هذا يرى روذرفورد قطاع رجال الاعمال على نحو مختلف، فهو يعتبره جزءا اساسيا من النظام اكثر منه مجموعة ضغط متزايدة التأثير ترفع راية الاصلاح الليبرالي.

وكدليل على ذلك يشير الى حقيقة تبين فعلا نمو القطاع الخاص في مصر بشكل كبير منذ تطبيق السادات سياسة الانفتاح حيث اصبح هذا القطاع يمثل برأي بعض المحللين ما نسبته الان %70 من انتاج البلاد الداخلي مما جعل مناخ الاستثمار جذابا اكثر وعجّل وتيرة تخصيص الصناعات التي تمتلكها الدولة في السنوات الأخيرة.

غير ان روذرفورد يتجاهل بنظرته هذه دور صندوق النقد الدولي الذي حث القاهرة في اواخر الثمانينيات واوائل التسعينيات على القيام باصلاحات اقتصادية ليبرالية. بل ان صندوق النقد الدولي قيّد اكثر من اي لاعب داخلي اخر عملية صنع القرار الاقتصادي الرسمي في مصر.

صحيح ان الاصلاحات التي اضطرت الحكومة المصرية على القيام بها خدمت مصالح اقطاب الصناعة في مصر الا ان ذلك لا يجعلهم اصلاحيين أو ليبيراليين. لقد رحب هؤلاء بعملية تحديث جهازي الدولة الاقتصادي والاداري لكن فقط لان ذلك اتاح لهم استخدام مواقعهم المميزة لحصد معظم مكاسب العولمة.

المزيد دائماً

يعتقد روذرفورد ان محللي الغرب يميلون للشك بنوايا مجتمع رجال الاعمال في مصر لانهم غير قادرين على التفكير بـ «الليبيرالية» و«الديموقراطية» على ارض الواقع، ويقول لو اننا فصلنا بين هذين المفهومين لاتضح لنا ان الاخوان المسلمين والسلطة القضائية ومجتمع رجال الاعمال هم فعلا من اللاعبين الليبيراليين في مصر. لكن كتاب «مصر ما بعد مبارك» يشير الى ان كل هذه المجموعات غير مهتمة كثيرا بالديموقراطية ويلاحظ ان ثمة نوع من الليبيرالية الجماعية تبرز من جهود هذه المجموعات على نحو منفصل للحد من تأثير السياسات القاسية للدولة.

ولو تذكرنا الوضع الراهن للسياسة في مصر لتبين لنا ان رؤية روذرفورد للنظام الليبيرالي اللاديموقراطي تشكل تحسنا كبيرا، لكن العملية السياسية في مصر لن تسمح بتحقيقها. اذ يعترف روذرفورد نفسه ان فترة الانفتاح السياسي النسبي بين عامي 2003 و2005 والتي اتاحت للمعارضة في مصر التحرك بشيء من الحرية انتهت بدرجة كبيرة. فقد تمت مضايقة الصحافيين، رؤساء التحرير، القضاة، الناشطين سياسيا واصحاب المدونات في الانترنت واُلقي القبض عليهم وتعرضوا للضرب والاغتصاب بل وتم طردهم من البلاد في احدى الحالات.

لذا، ومثل انصار التغيير في الفترات السابقة، لن يتمكن الاخوان المسلمون والسلطة القضائية والقطاع الخاص من كبح الدولة كما يعتقد بعض المحللين وذلك لسبب بسيط هو ان الحكومة المصرية تختلف عن الانظمة الشيوعية التي كانت قائمة في وسط وشرقي اوروبا عام 1989 وكانت تعاني من ضغوط التناقضات الداخلية الكبيرة، بل وبالامكان القول ان هذه الحكومة اقوى واكثر مرونة وتكيفا مع التطورات.

ان النزعة السلطوية لن تحكم مصر للابد بالتأكيد، لكن لو تذكرنا سجلها الذي يعود في تاريخه لحوالي 7000 سنة إلى الوراء لتبين لنا انها ستبقى على الارجح هي المهيمنة لوقت طويل طويل.

The Arrivals ,,, هل هذه هي الحقيقة؟! ,, أنا ضائع,!

كاتب الموضوع الأصلي: سارة محمد العبيدان


بسم الله الرحمن الرحيم

للأمانة في بداية مشاهدتي لحلقات مسلسل The Arrivals على موقع Youtube كنت في نهاية كل حلقة أقول هذا مجرد مسلسل لا أكثر صانعوه يحاولون إدخال معلومات خاطئة في رأسي بأسلوب مشوق ,, لكني بعد إكمالي الحلقة 21 بدأت فعلا اتفاعل مع هذا المسلسل وأبحث في المعلومات المقدمة وكان أكثر ما أجده مطابقاً تماما لما يتحدث عنه هذا المسلسل ..
مسلسل القادمون الذي فعلا أثر بشكل كبير على كثير من الأمور والتساؤلات التي كنت أطرحها بيني وبين نفسي ولا أجد لها إجابة ,, أنصحكم برؤيته ..

هذا رابط البداية (Intro) ..

http://www.youtube.com/watch?v=le_ySMrOkFU

‘طبعا المسلسل باللغة الإنجليزية ,, لكن صانعوه عرب مسلمون ..

http://www.youtube.com/watch?v=K82x1wpNyys
هذا رابط نفس البداية لكن مع الترجمة ..

بينيتو موسوليني Benito Mussolini

كاتب الموضوع الأصلي: سارة محمد العبيدان


صورة
ببينيتو موسوليني (29 يوليو 1883 – 28 ابريل 1945) هو ديكتاتور إيطاليا ما بين 1922 و1943.

كان موسوليني في فترة حكمه رئيس الدولة الإيطالية ورئيس وزرائها وفي بعض المراحل وزير الخارجية والداخلية. من مؤسسي الحركة الفاشية الإيطالية وزعمائها. سمي ب الدوتشة (Il Duce) أي القائد. دخل حزب العمال الوطني ولكنه خرج منه بسسب معارضة الحزب لدخول إيطاليا الحرب عمل موسولني في تحرير صحيفة افانتي (إلى الامام)ومن ثم أسس ما يعرف بوحدات الكفاح التي أصبحت النواه لحزبه الفاشي الذي وصل به الحكم بعد المسيرة التي خاضها من ميلانوا في الشمال حتى روما في الوسط دخل الحرب العالميه الثانية مع دول المحور اعدم مع اعوانه السبعة عشر في ميدان “دونجو” بميلانو على يد الشعب الإيطالي عام 1945.

سيرة حياته
ولد بينيتو موسوليني 29 يوليو 1883 وترعرع في قرية دوفو دينو بريدابيو قرية صغيرة بشمال إيطاليا .من ابوين إيطاليين روزا واليساندرو موسوليني.وسمي بنيتو على اسم الرئيس الاصلاحي المكسيكي بينيتو خواريس. وكانت والدته معلمة وابوه حداد . كانت عائلته فقيرة كسائر عائلات الاقارب والجيران وعندما كان موسوليني طفلا كان همجي ومتهور. ومنع من دخول كنيسة والدته لسوء سلوكه فكان يرمي رواد الكنيسة بالحجارة.اضطر إلى دخول المدرسة متاخرا في مدرسة داخلية. لم يكن كثير الكلام ولكنه كان يجيد استعمال قبضته.. عندما كان في الثامنة من عمره كان يسرق ودائم الشجار مع بقية اقرانه . وكان دائم المشاكل في المدرسة وقد طرد من المدرسة لطعنه ولد آخر بالسكين في بطنه.

في عام 1902 هاجر إلى سويسرا هربا من الخدمة العسكرية. خلال هذه الفترة لم يستطع العثور على عمل دائم فيها ، وتم القبض عليه بتهمة التشرد وسجن ليلة واحدة. ففي صبيحة يوم 24 يوليو 1902، أُوقف من طرف الشرطة تحت جسر قضى تحته ليلته. لم يكن بحوزته حينها إلا جواز سفر وشهادة التخرج من مدرسة المعلمين و15 سنتيما.

اشتغل مدرسا مؤقتا للصف الابتدائي في بلدة غوالتياري لكن لم يتمّ تجديد عقد عمله بسبب علاقة أقامها مع سيدة كان زوجها متغيبا لأداء الخدمة العسكرية.

قضى موسوليني الأشهر الأولى من عام 1904 بين جنيف وآنماس (في فرنسا المجاورة) في عقد اجتماعات وإلقاء محاضرات ذات طابع سياسي ونقابي إضافة إلى مراسلات صحفية مع منشورات ومجلات اشتراكية وفوضوية.

وفي شهر أبريل من عام 1904، أفلت – بفضل تدخل حاسم من سلطات كانتون تيشينو – من الإبعاد مجددا إلى إيطاليا التي حُوكم فيها بتهمة التقاعس عن أداء الواجب العسكري. ثم تحول إلى لوزان حيث سجل في كلية العلوم الاجتماعية وتابع لبضعة أشهر محاضرات عالم الاجتماع فيلفريدو باريت

بعد ذلك ، وجد له عملا في مدينة تورينتو ذات الأصول الإيطالية والتي كانت تحت سيطرة النمسا -المجر في شباط / فبراير 1909. هناك اشتغل شغلا إداري للفرع المحلي للحزب الاشتراكي ومحررا لصحيفة اففينيري دل لافوراتوري ( “مستقبل العامل”). في عام 1915 كان تزوج ورزق بابن من دالسير من سوبرامونتي بالقرب ترينتو. نشر رواية رومانسية مبتذلة بعنوان عشيقة الكاردينال بعد عفو عن الهاربين من خدمة الجيش.

في الفترة الفاصلة ما بين عامي 1908 و1910، أقام موسيليني في سويسرا لفترات متقطعة. فعمل بنّاء في شركة المقاولات البرية والحديدة في لوغانو حيث تعرف على الزعيم الاشتراكي غوليالمو كانيفاشيني الذي استضافه في بيته.

عندما اعلنت إيطاليا عام 1911 الحرب على تركيا وتحركت لغزو ليبيا ، قاد موسوليني ككل الاشتراكيين، مظاهرات ضد الحرب وحوكم وسجن لعدة أشهر، وبعد إطلاق سراحه رحب به الاشتراكيون وعينوه رئيسا لتحرير جريدتهم الوطنية إلى الامام.

ثم فجأة ودون مقدمات أو مشاورات مع قيادة الحزب الاشتراكي نشر موسوليني مقالا في الجريدة يطالب فيه إيطاليا بالدخول إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، فطرد من عمله والحزب واتهم بالخيانة، وقد فسر هذا التحول بانه قبض مبلغا سريا من الحكومة الفرنسية.

بدأت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 وقد دخلت إيطاليا الحرب حيث قضى موسوليني عامان بالجيش و بعد انتهاء الحرب كانت إيطاليا تشهد كثيرا من المشاكل. لم يكن العمل متوفرا للجنود العائدين من الحرب.. والاسعار عالية ولم يكن بأستطاعة الفقراء شراء حوائجهم. وكانت هناك ألاضرابات في المدن وتشكلت العصابات من الفقراء وبدأت بحرق بيوت ألاغنياء. وكان الجميع خائفا من شئ ما.وقد أستشعر موسوليني مزاج الشعب وحالته النفسية و كان يرى غضب الجنود. لم يكن موسوليني راضي عن حياة الفقراء وكان يريد تغيير ذلك وكان يؤمن بأن العنف هو السبيل الوحيد لتحقيق ذلك.

أصبحت الفاشية حركة سياسية منظمه بعد اجتماع ميلانو ، في 23 مارس 1919 (أسس موسوليني فاسكي دي كومباتيمنتو في 23 فبراير). بعد فشله في انتخابات 1919، تمكن موسوليني من دخول البرلمان في عام 1921. شكلت الفاشية فرق مسلحة من المحاربين القدامى سميت سكوادريستي لارهاب الفوضويين والاشتراكيين والشيوعيين.

زحف موسوليني بتظاهراته الكبرى التي شارك فيها نحو أربعين الفا من أصحاب القمصان السود الذين جاءوا من مختلف المدن الإيطالية ليحقق مسيرته الكبرى إلى روما المتهرئة عام 1922. هؤلاء الذين لم يكن لهم أي وجود غداة الحرب العالمية الأولى، فاذا بهم خلال سنوات قليلة يصل تعدادهم إلى عشرات الالوف من المضللين، الذين يحملون هوية الحزب الذي شكله موسوليني وينعمون بالامتيازات، وسط أوضاع متردية سياسيا واقتصاديا، هيأت لموسوليني الذي تحول من الاشتراكية إلى الفاشية من جعل حزبه بديلا لدولة لم تعد ذات وجود ومكنه من القيام بحملة ديماغوجية حرك من خلالها الغرائز المتطرفة لعدد كبير من العاطلين عن العمل من الجنود المسرحين، ومن ذوي السوابق الاجرامية، ومن فلول عصابات الاجرام المنظم المافيا والكومورا وفايدا فجعل لهم ايديولوجية متعصبة حد التطرف ليملأ الفراغ السياسي والايديولوجي والروحي المأزوم بسبب الهزيمة المريرة في الحرب العالمية الأولى

ونتيجة لعدم تدخل الحكومة تفاقمت المشكلة فقام موسوليني مقابل دعم مجموعة من الصناعيين بالموافقة على استخدام قواته في كسر الاضراب ووقف الانتفاضات الثوريه. عندما فشلت الحكومات الليبراليه التي ترأسها جوفاني جوليتي ، يفانوي بونومي و ويجي فاكتا في وقف انتشار الفوضى . إيطاليا استجابت له بطريقة سحرية في البداية وعاد العمال لمصانعهم والطلاب إلى مدارسهم وبدأ الدوتشي رحلة للسيطرة على السلطة بحيث أصبح في النهاية الحاكم الوحيد الذي لايخضع الا للملك.

2 تشرين الأول/ أكتوبر وباحتفال بمدينة نابولي الجنوبية يصرخ موسوليني اما ان تعطي لنا الحكومة أو سناخذ حقنا بالمسير إلى روما وتجيبه الحشود.. إلى روما.. إلى روما. وبعد تنظيم الفاشيون لمظاهرات و مسيرات التهديد (مارسيا سو روما)”مسيرة روما” (28 أكتوبر 1922) ، توجه 14000 فاشي إلى روما بالقطارات والحافلات، ونتيجة الذعر الذي شعرت به الحكومة عرض على موسوليني منصب وزير في الحكومة، وناشد رئيس الوزراء الملك إعلان حالة الطوارىء، لكن الاخير رفض .

دعي فيتوري مانويلي الثالث( الملك الإيطالي) موسوليني لتأليف حكومة جديدة وكان عمره آنذاك 39 سنة ، وأصبح اصغر رئيس وزراء في تاريخ إيطاليا في 31 أكتوبر 1922

صورة

أهم أعمال موسوليني

الفاشية
دعا موسوليني إلى اجتماع وفيه أسس حزب سياسي أسماه الحزب الفاشستي.. لكنهم لم يتصرفوا كحزب سياسي وانما كرجال عنف وعصابات وقد لبسوا القمصان السوداء.. قال لهم موسوليني أن عليهم معالجة مشاكل إيطاليا و أن عليهم أن يكونوا رجالا اقوياء.. فعندما يكون هناك أضراب عمالي يأتي الفاشيست ويوسعوا أولئك العمال ضربا وفي صيف 1922 كان هناك اضراب كبير في المواصلات وقد عجزت الحكومة في التعامل مع ذلك ولكن الفاشيست سيروا الحافلات والقاطرات وانهوا ألاضراب.. ووصل ألامر ان طلب ألاغنياء مساعدة الفاشيست لحمايتهم..نجح الفاشيست في ذلك.. وقد هزموا الشيوعيين في الشوارع وأرغموهم على شرب زيت الخروع. وكان الشعب يطالب بزعيم قوي مثل موسوليني ليقود البلاد.. وقال موسوليني أنه الوقت المناسب للاستيلاء على السلطة. وفي أكتوبر قاد موسوليني مسيرة كبرى إلى مدينة روما حيث قال لأتباعه سوف تعطى لنا السلطة و الا سوف نأخذها بأنفسنا

وهكذا أصبحت القمصان السود والهراوة علاقتين تميزان حركة موسوليني حتى اعيدت تسميتها لتصبح الفاشية، لكنها بقيت حركة هامشية، ففي انتخابات 1919 لم يفز أي فاشي بمقعد في البرلمان وحصل موسوليني نفسه على 4000 صوت فقط في مدينة ميلانو مقابل 180 الف للاشتراكيين، وعندما كتبت مجلة إلى الامام الاشتراكية تنعي خسارة موسوليني في الانتخابات، هوجم مقر الحزب الاشتراكي بالقنابل، وحين داهم البوليس مكاتب مجلة موسوليني وجد قنابل ومتفجرات فسجن أربع سنوات واطلق سراحه.

1921 – موسوليني يعلن نفسه “دوتشي” الحزب الفاشي.

حتى عام 1926 ، استمر قمع الحكومة لمؤسسات الحكم المنتخبة وقُتل القادة الذين عارضوا الفاشيين. في نيسان 1926 حُرّمت الاضرابات، سُنّت قوانين عمل جديدة وأُلغي الأول من ايار.

بدأ موسوليني بالتغيير في إيطاليا حيث بداء بألغاء كل ألاحزاب ألأخرى.. فكان على الشعب أن يصوت للحزب الفاشيستي فقط وكان على الشباب أن يتعلموا مبادئ الفاشيست و كان يقول لهم موسوليني <<أن تعيش يوما واحدا مثل ألاسد خير لك من أن تعيش مائة عام مثل الخروف>>. كان على الصغار ألالتحاق بمعسكرات التسييس الفاشيستية وكان يتم اعدادهم كجنود صغار وكان عليهم ألايمان / الطاعة / القتال.

كان الفاشيون ينظمون غارات في الأرياف وهم في شاحناتهم، يدخلون المزارع المعروفة بانها اشتراكية، فيقتلون الناس أو يعذبونهم . فبعد أن شتتوا الحزب الشيوعي واغتالوا العديد من قادته، وأزاحوا مؤسساته النقابية وجمعياته التعاونية، بدأوا حربهم الثقافية، في طبخ كل النزعات والاتجاهات والأساليب في الأدب والفن في وعاء الاتجاهات القومية ، الذي تختلط فيه الفنون والآداب والدعاية، باتجاه منغلق ومعاد لأية قومية أخرى، أو اتجاه آخر وبهدف معلن هو تحرير الثقافة الإيطالية وتوحيد إشكالها ومقاييسها لتتطابق وتتجانس مع فكر الدوتشي.

امتلأت الساحات والشوارع بتماثيل موسوليني وبجداريات كبيرة تخلد أفعاله، كما بدأت حركة تنظيم شاملة للأطفال والفتيان وطلبة المدارس والجامعات على استخدام السلاح وحفظ الأناشيد القومية الفاشية، وبدأت حملة تجريد العشرات من الصحفيين من هوياتهم في النقابات الصحفية، كما أغلقت جميع الصحف والمجلات الأدبية. مع إجبار الناس على وضع صوره في غرف النوم وان توقد العوائل الشموع بعيد ميلاده وانتزع رجاله الحلي الذهبية من النساء ودبل الزواج من أصابع المتزوجين. كم تشكلت لجان في طول البلاد الإيطالية وعرضها من كتاب الدولة وأساتذتها لإصدار قوائم سوداء بالمثقفين المحظورين، وبأسماء الكتب المعادية التي يجب حرقها وإتلافها ومنعها من التداول.

السياسة الخارجية
اخذ موسوليني يلوح بقوته الهائلة وقدرته على تعبئة اثني عشر مليونا مسلحين بأحدث الأسلحة، في حين ان الرقم الحقيقي لم يكن يعدو المليونين. اما الطائرات والبوارج والدبابات الثقيلة التي طالما تحدث عنها، فلم يكن لها وجود، فلم تكن قواته تملك سلاحا أثقل من العربات المصفحة التي تزن ثلاثة أطنان. وظل موسوليني يصر على” ان الفاشية لا تؤمن بإمكانية ولا بفائدة السلم الدائم، الفاشية تفهم الحياة كواجب ونضال وقهر”.

السياسة الخارجية التي اتبعها النظام الفاشي تجنبت خيار السلام، واعتبرته ظاهرة متعفنة. وبالمقابل، دعمت فكرة إعادة مجد الإمبراطورية الرومانية القديمة، وطمحت لتوسيع مناطق نفوذ إيطاليا. حتى بداية الحرب العالمية الثانية، وإقامة محور برلين- روما-طوكيو، كانت إيطاليا قد احتلت اثيوبيا (1935)، وحاربت مع نظام فرانكو الفاشي في اسبانيا (بين الأعوام 1939-1936)، واحتلت البانيا (نيسان 1939).

تحالف هتلر مع موسوليني”معاهدة فيرساي” التي حسمت الحرب العالمية إلأولى وعمل على إحياء العمل بالتجنيد الإلزامي وكان يرمي إلى تشييد جيش قوي مسنود بطيران وبحرية يُعتد بها وفي نفس الوقت، إيجاد فرص عمل للشبيبة الألمانية

شهدت فترة حكم الحزب النازي لألمانيا انتعاشاً اقتصادياً مقطوع النظير، وانتعشت الصناعة الألمانية انتعاشاً لم يترك مواطناً ألمانيا بلا عمل. وتم تحديث السكك الحديدية والشوارع وعشرات الجسور مما جعل شعبية الزعيم النازي هتلر ترتفع إلى السماء.

كان موسوليني يريد لإيطاليا ان تكون دولة عظمى وكان مستعدا لخوض الحروب من أجل ذلك. صادق الزعيم ألالماني أدولف هتلر الذي كان معجبا به وفي سنة 1939 عقدت إيطاليا و ألمانيا معاهدة سميت بالحلف الفولاذي وكانت إيطاليا في حاجة إلى أربعة سنوات حتى تستعد للدخول في الحرب ولكن الحرب نشبت بعد ذلك بعامين ولم يكن موسوليني كثير القلق بخصوص الحرب لأنه ظن أنها ستنتهي في عدة أشهر بانتصار ألمانيا .

كان يحلم علنا بان يسيطر على كل حوض البحر الأبيض المتوسط، ويحوله إلى بحيرة إيطالية وان ينشىء إمبراطورية تمتد من الحبشة إلى ساحل غينيا الغربي، وكان يدعو إلى زيادة النسل ليزيد عدد الإيطاليين فيمكنهم بالتالي استعمار واستيطان هذه الإمبراطورية الشاسعة،

تسلم موسوليني زعامة إيطاليا وغير سياسة إيطاليا اللينة فيليبيا إلى الشدة. فنقض الاتفاقات المعقودة مع الليبين ورفض الاعتراف بالمحاكم الشرعية في المناطق التي يسيطر عليها الطليان، وأبى إلا أن يكون الجميع خاضعاً لإيطاليا، وعين لهذا الغرض حاكماً جديداً هو «بونجيوفاني» ومنحه سلطة مطلقة في حكم ليبيا وزوده بصلاحيات واسعة وجيش كبير بقيادة اللواء «رودولفو جرتزيانى» واللواء «بادوليو» . فأمر المفوّض السامي الإيطالي الجديد بحل معسكرات القبائل في ولاية برقة. وأمر قواته باحتلال مركز القيادة السنوسية أجدابيا في عام 1923م.

أثناء محاولاته اليائسة تنفيذ خطته في ترسيخ الاستيطان الاستعماري في ليبيا ، قتل 200،000 نسمة من المواطنين الليبين طوال ثلاث سنوات فقط قبل عثوره على الثائر عمر المختار واعتقاله. حيث قررت المحكمة إعدام المختار رغم سنه الذي جاوز الخامس والسبعين، فأعدم في اليوم التالي في 16 سبتمبر 1931 بمركز «سلوق» في بنغازي. وقد واصل الإيطاليون استباحتهم للشعب الليبي، فوصل عدد الشهداء إلى “”570928″” شهيد إضافة إلى مصادرتهم الأراضي الليبية من أصحابها، وشجعوا هجرة الإيطاليين إلى ليبيا وأمدوهم بالأموال وفتحوا لهم المدارس.

9 نوفمبر 1939 أي قبل أندلاع الحرب العالمية الثانية بتسعة أشهر، اصدر موسوليني مرسوما بضم ليبيا (طرابلس و برقة) وجعلها جزءا من الوطن الام (ليبيا بالأصل تطلق على الصحراء التي تقع غرب نهر النيل وجنوب برقة وطرابلس). مع منح السكان الجنسية الإيطالية وألزامهم على تعلم اللغة ومن عارضه هتك عرضه، و أمر بالقاء كثيراً من الناس من الطائرة وهم أحياء إلى غير ذلك من الأعمال الوحشية.

غزا اثيوبيا في أكتوبر 1935، دون إعلان حرب على اعتبار انها اقل من أن تستحق هذا الشرف، وكان لتوه قد انتهى من سحق ثورة عمر المختار في ليبيا بوحشية بالغة.

وفي 25 أكتوبر 1936، تحالف هتلر مع الفاشي موسوليني الزعيم إلإيطالي واتسع التحالف ليشمل اليابان، هنغاريا ، رومانيا و بلغاريا بما يعرف بحلفاء المحور.

في 5 نوفمبر 1937، عقد هتلر اجتماعاً سريّاً في مستشارية الرايخ وأفصح عن خطّته السرية في توسيع رقعة الأمة الألمانية الجغرافية.

القوى الغربية فشلت في التحالف مع إلاتحاد السوفييتي وأختطف هتلر الخلاف الغربي السوفييتي وأبرم معاهدة “عدم اعتداء” بين ألمانيا وإلاتحاد السوفييتي مع ستالين في 23 اغسطس 1939

وفي 1 سبتمبر 1939 غزا هتلر بولندا ولم يجد إلانجليز والفرنسيين بدّاً من إعلان الحرب على ألمانيا.

كانت الحرب عارا على إيطاليا بعد انضمام موسوليني مع هتلر حيث فشل الطليان في احتلال اليونان ثلاثة مرات حتى جاء هتلر لنجدتهم وفي ليبيا لم يكونوا بأحسن حال حيث أنهزموا أمام البريطانيين وفي آخر ألامر وضع موسوليني جيشه تحت أمرة ألالمان. حروب هتلر كانت سيئة بالنسبة للطليان ولكن موسوليني كان يتبع خطاه في كل شئ .حتى عندما احتل هتلر روسيا. أرسل موسوليني جنود إيطاليا إلى هناك. وبعدها بقليل كانت إيطاليا في حرب مع أميركا.

بحلول عام 1942 كانت إيطاليا على الهاوية. جيشها مهزوم وجائع ولديهم نقص في العتاد والسلاح، وكان هناك نقص في المؤن داخل إيطاليا نفسها. وغضب الشعب وتوجه ضد الحرب ورأى أن موسوليني قد كذب عليهم حتى وصل ألامر أن بلادهم قد احتلت من قبل الجيوش البريطانية والاميركية وأصبح موسوليني عدو الشعب الأول. وأمر الملك بأعتقاله فاعتقل وكان سجنه عبارة عن فندق في منتجع للتزلج في أعالي الجبال

صورة

نهايته

قبر موسيلينيفي يوم 18 ابريل 1945، بينما الحلفاء على وشك دخول بولندا والروس يزحفون نحو برلين، غادر موسوليني مقر اقامته في سالو رغم اعتراضات حراسه الالمان، فظهر في ميلانو ليطلب من اسقف المدينة ان يكون وسيطا بينه وبين قوات الأنصار للاتفاق على شروط التسليم التي تتضمن إنقاذ رقبته، إلا أن قيادة الأنصار التي كان يسيطر عليها الحزب الشيوعي الإيطالي اصدرت امرا بإعدامه، وتابع هو رحلته بالسيارة متخفيا ومعه عشيقته كلارا ليخوض ما اسماه بمعركة الشرف الكبرى والاخيرة، وعندما وصل إلى مدينة كومو القريبة من الحدود السويسرية تبين لانه كان واهما وان انصاره المخلصين لا يزيدون على عدة عشرات من الأشخاص، اخذوا ينفضون من حوله بسرعة عندما شاهدوا الزعيم يهذي وبه مس من الجنون.في 25 أبريل كان في كومو مدينة عشيقته الأخيرة ” كلارا ” و منها كتب آخر رساله له الي زوجته ” راخيلا ” يطلب منها الهروب إلى سويسرا. في 26 أبريل زاد خوفه ففر إلى ميناجيو مدينة عشيقته الأخرى ” أنجيلا. حاول موسوليني الهرب مع عشيقته كلارا بأختبائه في مؤخرة سيارة نقل متجها إلى الحدود ولكن السائق أوقف السيارة وأمرهم بالنزول وأخذ بندقيته وأخبرهم بأنه قاتلهم باسم الشعب الإيطالي. وفي القرى والمدن قتل كثير من الفاشيست حيث وضعت جثثهم في سيارات نقل الاثاث وتجولت بهم في شوارع ميلان.

اعتقل الدوتشي وعشيقته كلارا بيتاتشي في 26 ابريل 1945 في دونغو في منطقة بحيرة كومو شمال البلاد فيما كانا يحاولان الفرار إلى سويسرا .

في اليوم التالي أتت الأوامر من مجلس جبهة التحرير الشعبيه بإعدام موسيليني و جاء العقيد “فاليريو” الذي أنظم سرا للجبهة إلى مكان اعتقال موسوليني و أخبره بأنه جاء لينقذه و طلب منه مرافقته إلى المركبة التي كانت في الانتظار. ذهب به إلى فيلا بيلموت المجاورة حيث كان في إنتظارهم فرقه من الجنود. كانت جبهة التحرير قد قبضت على أغلب معاونيه و حددت 15 شخصا منهم بإعدامهم و في يوم 29 أبريل تم تجميعهم بما فيهم موسوليني و عشيقته “كلارا” و تم نقلهم ليـُـشنقوا مقلوبين من أرجلهم في محطة البنزين في مدينة ميلانو.

وعرضت جثتاهما مع جثث خمسة قادة فاشيين آخرين في ساحة عامة في ميلانو معلقة من الارجل أمام محطة لتزويد الوقود. وجآءت الجماهير تسبهم وتشتمهم وتبصق عليهما وترميهما بما في أيديهم. وفقدت الجماهير السيطرة على نفسها فأخذت بإطلاق النار على الجثتين وركلهما بألأرجل.

وبعد انتهاء كل شئ أخذت الجثث ودفنت سرا في ميلانو. وفي سنة 1957 سلمت جثة موسوليني لأهله لتدفن قرب مدينته التي ولد بها.

صورة

سيرة تاريخية للرئيس جمال عبد الناصر

كاتب الموضوع الأصلي: معاذ الفريحي

تحية طيبه, وبعد :ولد جمال عبد الناصر في ١٥ يناير ١٩١٨ في ١٨ شارع قنوات في حي باكوس الشعبي بالإسكندرية .

كان جمال عبد الناصر الابن الأكبر لعبد الناصر حسين الذي ولد في عام ١٨٨٨ في قرية بني مر في صعيد مصر في أسره من الفلاحين، ولكنه حصل على قدر من التعليم سمح له بأن يلتحق بوظيفة في مصلحة البريد بالإسكندرية، وكان مرتبه يكفى بصعوبة لسداد ضرورات الحياة .

جمال عبد الناصر فى المرحلة الابتدائية:
التحق جمال عبد الناصر بروضة الأطفال بمحرم بك بالإسكندرية، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبه في عامي ١٩٢٣ ، ١٩٢٤ .

وفى عام ١٩٢٥ دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بالجمالية بالقاهرة وأقام عند عمه خليل حسين في حي شعبي لمدة ثلاث سنوات، وكان جمال يسافر لزيارة أسرته بالخطاطبه في العطلات المدرسية، وحين وصل في الإجازة الصيفية في العام التالي – ١٩٢٦ – علم أن والدته قد توفيت قبل ذلك بأسابيع ولم يجد أحد الشجاعة لإبلاغه بموتها، ولكنه اكتشف ذلك بنفسه بطريقة هزت كيانه – كما ذكر لـ “دافيد مورجان” مندوب صحيفة “الصنداى تايمز” – ثم أضاف: “لقد كان فقد أمي في حد ذاته أمراً محزناً للغاية، أما فقدها بهذه الطريقة فقد كان صدمة تركت في شعوراً لا يمحوه الزمن. وقد جعلتني آلامي وأحزاني الخاصة في تلك الفترة أجد مضضاً بالغاً في إنزال الآلام والأحزان بالغير في مستقبل السنين “.

وبعد أن أتم جمال السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، أرسله والده في صيف ١٩٢٨ عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية .

جمال عبد الناصر فى المرحلة الثانوية:

عبد الناصر اثناء دراسته فى مدرسة حلوان الثانوية

التحق جمال عبد الناصر في عام ١٩٢٩ بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عاماً واحداً، ثم نقل في العام التالي – ١٩٣٠ – إلى مدرسة رأس التين الثانوية بالإسكندرية بعد أن انتقل والده إلى العمل بمصلحة البوسطة هناك .

وفى تلك المدرسة تكون وجدان جمال عبد الناصر القومي؛ ففي عام ١٩٣٠ استصدرت وزارة إسماعيل صدقي مرسوماً ملكياً بإلغاء دستور ١٩٢٣ فثارت مظاهرات الطلبة تهتف بسقوط الاستعمار وبعودة الدستور.

ويحكى جمال عبد الناصر عن أول مظاهرة اشترك فيها: “كنت أعبر ميدان المنشية في الإسكندرية حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض التلاميذ وبين قوات من البوليس، ولم أتردد في تقرير موقفي؛ فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أي شئ عن السبب الذي كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أنني في غير حاجة إلى سؤال؛ لقد رأيت أفراداً من الجماهير في صدام مع السلطة، واتخذت موقفي دون تردد في الجانب المعادى للسلطة.

ومرت لحظات سيطرت فيها المظاهرة على الموقف، لكن سرعان ما جاءت إلى المكان الإمدادات؛ حمولة لوريين من رجال البوليس لتعزيز القوة، وهجمت علينا جماعتهم، وإني لأذكر أنى – في محاولة يائسة – ألقيت حجراً، لكنهم أدركونا في لمح البصر، وحاولت أن أهرب، لكنى حين التفت هوت على رأسي عصا من عصى البوليس، تلتها ضربة ثانية حين سقطت، ثم شحنت إلى الحجز والدم يسيل من رأسي مع عدد من الطلبة الذين لم يستطيعوا الإفلات بالسرعة الكافية.

ولما كنت في قسم البوليس، وأخذوا يعالجون جراح رأسي؛ سألت عن سبب المظاهرة، فعرفت أنها مظاهرة نظمتها جماعة مصر الفتاة في ذلك الوقت للاحتجاج على سياسة الحكومة.

وقد دخلت السجن تلميذاً متحمساً، وخرجت منه مشحوناً بطاقة من الغضب”. (حديث عبد الناصر مع “دافيد مورجان” مندوب “صحيفة الصنداى تايمز” ١٨/٦/١٩٦٢) .

ويعود جمال عبد الناصر إلى هذه الفترة من حياته في خطاب له بميدان المنشية بالإسكندرية في ٢٦/١٠/١٩٥٤ ليصف أحاسيسه في تلك المظاهرة وما تركته من آثار في نفسه: “حينما بدأت في الكلام اليوم في ميدان المنشية. سرح بي الخاطر إلى الماضي البعيد … وتذكرت كفاح الإسكندرية وأنا شاب صغير وتذكرت في هذا الوقت وأنا اشترك مع أبناء الإسكندرية، وأنا أهتف لأول مرة في حياتي باسم الحرية وباسم الكرامة، وباسم مصر… أطلقت علينا طلقات الاستعمار وأعوان الاستعمار فمات من مات وجرح من جرح، ولكن خرج من بين هؤلاء الناس شاب صغير شعر بالحرية وأحس بطعم الحرية، وآلي على نفسه أن يجاهد وأن يكافح وأن يقاتل في سبيل الحرية التي كان يهتف بها ولا يعلم معناها؛ لأنه كان يشعر بها في نفسه، وكان يشعر بها في روحه وكان يشعر بها في دمه”. لقد كانت تلك الفترة بالإسكندرية مرحلة تحول في حياة الطالب جمال من متظاهر إلى ثائر تأثر بحالة الغليان التي كانت تعانى منها مصر بسبب

مقال كتبه جمال عبد الناصر بعنوان “فولتير رجل الحرية”

تحكم الاستعمار وإلغاء الدستور. وقد ضاق المسئولون بالمدرسة بنشاطه ونبهوا والده فأرسله إلى القاهرة.

وقد التحق جمال عبد الناصر في عام ١٩٣٣ بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة، واستمر في نشاطه السياسي فأصبح رئيس اتحاد مدارس النهضة الثانوية.

وفى تلك الفترة ظهر شغفه بالقراءة في التاريخ والموضوعات الوطنية فقرأ عن الثورة الفرنسية وعن “روسو” و”فولتير” وكتب مقالة بعنوان “فولتير رجل الحرية” نشرها بمجلة المدرسة. كما قرأ عن “نابليون” و”الإسكندر” و”يوليوس قيصر” و”غاندى” وقرأ رواية البؤساء لـ “فيكتور هيوجو” وقصة مدينتين لـ “شارلز ديكنز”.(الكتب التي كان يقرأها عبد الناصر في المرحلة الثانوية). (الكتب التي كان يقرأها عبد الناصر في المرحلة الثانوية).

كذلك اهتم بالإنتاج الأدبي العربي فكان معجباً بأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقرأ عن سيرة النبي محمد وعن أبطال الإسلام وكذلك عن مصطفى كامل، كما قرأ مسرحيات وروايات توفيق الحكيم خصوصاً رواية عودة الروح التي تتحدث عن ضرورة ظهور زعيم للمصريين يستطيع توحيد صفوفهم ودفعهم نحو النضال في سبيل الحرية والبعث الوطني.

الحفلة التمثيلية لمدارس النهضة المصرية تعرض مسرحية يوليوس قيصر ..

وفى ١٩٣٥ في حفل مدرسة النهضة الثانوية لعب الطالب جمال عبد الناصر دور “يوليوس قيصر” بطل تحرير الجماهير في مسرحية “شكسبير” في حضور وزير المعارف في ذلك الوقت.

وقد شهد عام ١٩٣٥ نشاطاً كبيراً للحركة الوطنية المصرية التي لعب فيها الطلبة الدور الأساسي مطالبين بعودة الدستور والاستقلال، ويكشف خطاب من جمال عبد الناصر إلى صديقه حسن النشار في ٤ سبتمبر ١٩٣٥ مكنون نفسه في هذه الفترة، فيقول: “لقد انتقلنا من نور الأمل إلى ظلمة اليأس ونفضنا بشائر الحياة واستقبلنا غبار الموت، فأين من يقلب كل ذلك رأساً على عقب، ويعيد مصر إلى سيرتها الأولى يوم أن كانت مالكة العالم. أين من يخلق خلفاً جديداً لكي يصبح المصري الخافت الصوت الضعيف الأمل الذي يطرق برأسه ساكناً صابراً على اهتضام حقه ساهياً عن التلاعب بوطنه يقظاً عالي الصوت عظيم الرجاء رافعاً رأسه يجاهد بشجاعة وجرأه في طلب الاستقلال والحرية… قال مصطفى كامل ‘ لو نقل قلبي من اليسار إلى اليمين أو تحرك الأهرام من مكانه المكين أو تغير مجرى [النيل] فلن أتغير عن المبدأ ‘ … كل ذلك مقدمة طويلة لعمل أطول وأعظم فقد تكلمنا مرات عده في عمل يوقظ الأمة من غفوتها ويضرب على الأوتار الحساسة من القلوب ويستثير ما كمن في الصدور. ولكن كل ذلك لم يدخل في حيز العمل إلى الآن”.(خطاب عبد الناصر لحسن النشار… ٤/٩/١٩٣٥).

خطاب عبد الناصر لحسن النشار عن الحركة الوطنية بين الطلبة لعودة الدستور والاستقلال

ووبعد ذلك بشهرين وفور صدور تصريح “صمويل هور” – وزير الخارجية البريطانية – في ٩ نوفمبر١٩٣٥ معلناً رفض بريطانيا لعودة الحياة الدستورية في مصر، اندلعت مظاهرات الطلبة والعمال في البلاد، وقاد جمال عبد الناصر في ١٣ نوفمبر مظاهرة من تلاميذ المدارس الثانوية واجهتها قوة من البوليس الإنجليزي فأصيب جمال بجرح في جبينه سببته رصاصة مزقت الجلد ولكنها لم تنفذ إلى الرأس، وأسرع به زملاؤه إلى دار جريدة الجهاد التي تصادف وقوع الحادث بجوارها ونشر اسمه في العدد الذي صدر صباح اليوم التالي بين أسماء الجرحى. (مجلة الجهاد ١٩٣٥).

وعن آثار أحداث تلك الفترة في نفسية جمال عبد الناصر قال في كلمة له في جامعة القاهرة في ١٥ نوفمبر ١٩٥٢: “وقد تركت إصابتي أثراً عزيزاً لا يزال يعلو وجهي فيذكرني كل يوم بالواجب الوطني الملقى على كاهلي كفرد من أبناء هذا الوطن العزيز. وفى هذا اليوم وقع صريع الظلم والاحتلال المرحوم عبد المجيد مرسى فأنساني ما أنا مصاب به، ورسخ في نفسي أن على واجباً أفنى في سبيله أو أكون أحد العاملين في تحقيقه حتى يتحقق؛ وهذا الواجب هو تحرير الوطن من الاستعمار، وتحقيق سيادة الشعب. وتوالى بعد ذلك سقوط الشهداء صرعى؛ فازداد إيماني بالعمل على تحقيق حرية مصر”.

وتحت الضغط الشعبي وخاصة من جانب الطلبة والعمال صدر مرسوم ملكي في ١٢ ديسمبر ١٩٣٥ بعودة دستور ١٩٢٣.

مجلة الجهاد تنشر أسماء الجرحى فى مظاهرات نوفمبر

وقد انضم جمال عبد الناصر في هذا الوقت إلى وفود الطلبة التي كانت تسعى إلى بيوت الزعماء تطلب منهم أن يتحدوا من أجل مصر، وقد تألفت الجبهة الوطنية سنة ١٩٣٦ بالفعل على أثر هذه الجهود.

وقد كتب جمال في فترة الفوران هذه خطاباً إلى حسن النشار في ٢ سبتمبر ١٩٣٥ قال فيه: “يقول الله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، فأين تلك القوة التي نستعد بها لهم؛ إن الموقف اليوم دقيق ومصر في موقف أدق…”.

ووصف جمال عبد الناصر شعوره في كتاب “فلسفة الثورة” فقال: “وفى تلك الأيام قدت مظاهرة في مدرسة النهضة، وصرخت من أعماقي بطلب الاستقلال التام، وصرخ ورائي كثيرون، ولكن صراخنا ضاع هباء وبددته الرياح أصداء واهية لا تحرك الجبال ولا تحطم الصخور”.

إلا أن اتحاد الزعماء السياسيين على كلمة واحدة كان فجيعة لإيمان جمال عبد الناصر، على حد تعبيره في كتاب “فلسفة الثورة”، فإن الكلمة الواحدة التي اجتمعوا عليها كانت معاهدة ١٩٣٦ التي قننت الاحتلال، فنصت على أن تبقى في مصر قواعد عسكرية لحماية وادي النيل وقناة السويس من أي اعتداء، وفى حال وقوع حرب تكون الأراضي المصرية بموانيها ومطاراتها وطرق مواصلاتها تحت تصرف بريطانيا، كما نصت المعاهدة على بقاء الحكم الثنائي في السودان.

وكان من نتيجة النشاط السياسي المكثف لجمال عبد الناصر في هذه الفترة الذي رصدته تقارير البوليس أن قررت مدرسة النهضة فصله بتهمة تحريضه الطلبة على الثورة، إلا أن زملائه ثاروا وأعلنوا الإضراب العام وهددوا بحرق المدرسة فتراجع ناظر المدرسة في قراره.

ومنذ المظاهرة الأولى التي اشترك فيها جمال عبد الناصر بالإسكندرية شغلت السياسة كل وقته، وتجول بين التيارات السياسية التي كانت موجودة في هذا الوقت فانضم إلى مصر الفتاة لمدى عامين، ثم انصرف عنها بعد أن اكتشف أنها لا تحقق شيئاً، كما كانت له اتصالات متعددة بالإخوان المسلمين إلا أنه قد عزف عن الانضمام لأي من الجماعات أو الأحزاب القائمة لأنه لم يقتنع بجدوى أياً منها ،”فلم يكن هناك حزب مثالي يضم جميع العناصر لتحقيق الأهداف الوطنية”.

كذلك فإنه وهو طالب في المرحلة الثانوية بدأ الوعي العربي يتسلل إلى تفكيره، فكان يخرج مع زملائه كل عام في الثاني من شهر نوفمبر احتجاجاً على وعد “بلفور” الذي منحت به بريطانيا لليهود وطناً في فلسطين على حساب أصحابه الشرعيين.

جمال عبد الناصر ضابطاً:

عبد الناصر وهو فى طالب فى الكلية الحربية بعد ان انتقل اليها من كلية الحقوق

لما أتم جمال عبد الناصر دراسته الثانوية وحصل على البكالوريا في القسم الأدبي قرر الالتحاق بالجيش، ولقد أيقن بعد التجربة التي مر بها في العمل السياسي واتصالاته برجال السياسة والأحزاب التي أثارت اشمئزازه منهم أن تحرير مصر لن يتم بالخطب بل يجب أن تقابل القوة بالقوة والاحتلال العسكري بجيش وطني.

تقدم جمال عبد الناصر إلى الكلية الحربية فنجح في الكشف الطبي ولكنه سقط في كشف الهيئة لأنه حفيد فلاح من بني مر وابن موظف بسيط لا يملك شيئاً، ولأنه اشترك في مظاهرات ١٩٣٥، ولأنه لا يملك واسطة.

ولما رفضت الكلية الحربية قبول جمال، تقدم في أكتوبر ١٩٣٦ إلى كلية الحقوق في جامعة القاهرة ومكث فيها ستة أشهر إلى أن عقدت معاهدة ١٩٣٦ واتجهت النية إلى زيادة عدد ضباط الجيش المصري من الشباب بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية أو ثروتهم، فقبلت الكلية الحربية دفعة في خريف ١٩٣٦ وأعلنت وزارة الحربية عن حاجتها لدفعة ثانية، فتقدم جمال مرة ثانية للكلية الحربية ولكنه توصل إلى مقابلة وكيل وزارة الحربية اللواء إبراهيم خيري الذي أعجب بصراحته ووطنيته وإصراره على أن يصبح ضابطاً فوافق على دخوله في الدورة التالية؛ أي في مارس ١٩٣٧.

لقد وضع جمال عبد الناصر أمامه هدفاً واضحاً في الكلية الحربية وهو “أن يصبح ضابطاً ذا كفاية وأن يكتسب المعرفة والصفات التي تسمح له بأن يصبح قائداً”، وفعلاً أصبح “رئيس فريق”، وأسندت إليه منذ أوائل ١٩٣٨ مهمة تأهيل الطلبة المستجدين الذين كان من بينهم عبد الحكيم عامر. وطوال فترة الكلية لم يوقع على جمال أي جزاء، كما رقى إلى رتبة أومباشى طالب.

الملازم ثان عبد الناصر

تخرج جمال عبد الناصر من الكلية الحربية بعد مرور ١٧ شهراً، أي في يوليه ١٩٣٨، فقد جرى استعجال تخريج دفعات الضباط في ذلك الوقت لتوفير عدد كافي من الضباط المصريين لسد الفراغ الذي تركه انتقال القوات البريطانية إلى منطقة قناة السويس.

وقد كانت مكتبة الكلية الحربية غنية بالكتب القيمة، فمن لائحة الاستعارة تبين أن جمال قرأ عن سير عظماء التاريخ مثل “بونابرت” و”الإسكندر” و”جاليباردى” و”بسمارك” و”مصطفى كمال أتاتورك” و”هندنبرج” و”تشرشل” و”فوش”. كما قرأ الكتب التي تعالج شئون الشرق الأوسط والسودان ومشكلات الدول التي على البحر المتوسط والتاريخ العسكري. وكذلك قرأ عن الحرب العالمية الأولى وعن حملة فلسطين، وعن تاريخ ثورة ١٩١٩.(الكتب التى كان يقرأها عبد الناصر فى الكلية الحربية).

التحق جمال عبد الناصر فور تخرجه بسلاح المشاة ونقل إلى منقباد في الصعيد، وقد أتاحت له إقامته هناك أن ينظر بمنظار جديد إلى أوضاع الفلاحين وبؤسهم. وقد التقى في منقباد بكل من زكريا محيى الدين وأنور السادات.

وفى عام ١٩٣٩ طلب جمال عبد الناصر نقله إلى السودان، فخدم في الخرطوم وفى جبل الأولياء، وهناك قابل زكريا محيى الدين وعبد الحكيم عامر. وفى مايو ١٩٤٠ رقى إلى رتبة الملازم أول.

عبد الناصر مع الحامية المصرية بالسودان

لقد كان الجيش المصري حتى ذلك الوقت جيشاً غير مقاتل، وكان من مصلحة البريطانيين أن يبقوه على هذا الوضع، ولكن بدأت تدخل الجيش طبقة جديدة من الضباط الذين كانوا ينظرون إلى مستقبلهم في الجيش كجزء من جهاد أكبر لتحرير شعبهم. وقد ذهب جمال إلى منقباد تملؤه المثل العليا، ولكنه ورفقائه أصيبوا بخيبة الأمل فقد كان معظم الضباط “عديمي الكفاءة وفاسدين”، ومن هنا اتجه تفكيره إلى إصلاح الجيش وتطهيره من الفساد. وقد كتب لصديقه حسن النشار في ١٩٤١ من جبل الأولياء بالسودان: “على العموم يا حسن أنا مش عارف ألاقيها منين واللا منين.. هنا في عملي كل عيبي إني دغرى لا أعرف الملق ولا الكلمات الحلوة ولا التمسح بالأذيال.

خطاب عبد الناصر لحسن النشار عن وضع الجيش فى جبل الأولياء فى السودان

شخص هذه صفاته يحترم من الجميع ولكن.. الرؤساء. الرؤساء يا حسن يسوءهم ذلك الذي لا يسبح بحمدهم.. يسوءهم ذلك الذي لا يتملق إليهم.. فهذه كبرياء وهم شبوا على الذلة في كنف الاستعمار.. يقولون.. كما كنا يجب أن يكونوا. كما رأينا يجب أن يروا.. والويل كل الويل لذلك… الذي تأبى نفسه السير على منوالهم… ويحزنني يا حسن أن أقول إن هذا الجيل الجديد قد أفسده الجيل القديم متملقاً.. ويحزنني يا حسن أن أقول أننا نسير إلى الهاوية – الرياء – النفاق الملق – تفشى في الأصاغر نتيجة لمعاملة الكبار. أما أنا فقد صمدت ولازلت، ولذلك تجدني في عداء مستحكم مستمر مع هؤلاء الكبار…”. (خطاب عبد الناصر لحسن النشار..١٩٤١ … ينشر لأول مرة)

وفى نهاية عام ١٩٤١ بينما كان “روميل” يتقدم نحو الحدود المصرية الغربية عاد جمال عبد الناصر إلى مصر ونقل إلى كتيبة بريطانية تعسكر خلف خطوط القتال بالقرب من العلمين.

ويذكر جمال عبد الناصر: “في هذه المرحلة رسخت فكرة الثورة في ذهني رسوخاً تاماً، أما السبيل إلى تحقيقها فكانت لا تزال بحاجة إلى دراسة، وكنت يومئذ لا أزال أتحسس طريقي إلى ذلك، وكان معظم جهدي في ذلك الوقت يتجه إلى تجميع عدد كبير من الضباط الشبان الذين أشعر أنهم يؤمنون في قراراتهم بصالح الوطن؛ فبهذا وحده كنا نستطيع أن نتحرك حول محور واحد هو خدمة هذه القضية المشتركة”.

وأثناء وجوده في العلمين جرت أحداث ٤ فبراير ١٩٤٢ حينما توجه السفير البريطاني – “السير مايلز لامسبون” – ليقابل الملك فاروق بسراي عابدين في القاهرة بعد أن حاصر القصر بالدبابات البريطانية، وسلم الملك إنذاراً يخيره فيه بين إسناد رئاسة الوزراء إلى مصطفى النحاس مع إعطائه الحق في تشكيل مجلس وزراء متعاون مع بريطانيا وبين الخلع، وقد سلم الملك بلا قيد ولا شرط.

ويذكر جمال عبد الناصر أنه منذ ذلك التاريخ لم يعد شئ كما كان أبداً، فكتب إلى صديقه حسن النشار في ١٦ فبراير ١٩٤٢ يقول: “وصلني جوابك، والحقيقة أن ما به جعلني أغلى غلياناً مراً، وكنت على وشك الانفجار من الغيظ، ولكن ما العمل بعد أن وقعت الواقعة وقبلناها مستسلمين خاضعين خائفين. والحقيقة أنى أعتقد أن الإنجليز كانوا يلعبون بورقة واحده في يدهم بغرض التهديد فقط، ولكن لو كانوا أحسوا أن بعض المصريين ينوون التضحية بدمائهم ويقابلوا القوة بالقوة لانسحبوا كأي امرأة من العاهرات.

أما نحن. أما الجيش فقد كان لهذا الحادث تأثير جديد على الوضع والإحساس فيه، فبعد أن كنت ترى الضباط لا يتكلمون إلا عن النساء واللهو، أصبحوا يتكلمون عن التضحية والاستعداد لبذل النفوس في سبيل الكرامة.

خطاب عبد الناصر لحسن النشار يبرز فيه موقفه من أحداث ٤ فبراير ١٩٤٢

وأصبحت تراهم وكلهم ندم لأنهم لم يتدخلوا – مع ضعفهم الظاهر – ويردوا للبلاد كرامتها ويغسلوها بالدماء.. ولكن إن غداً لقريب.. حاول البعض بعد الحادث أن يعملوا شئ بغرض الانتقام، لكن كان الوقت قد فات أما القلوب فكلها نار وأسى. عموماً فإن هذه الحركة أو هذه الطعنة ردت الروح إلى بعض الأجساد وعرفتهم أن هناك كرامة يجب أن يستعدوا للدفاع عنها، وكان هذا درساً ولكنه كان درساً قاسياً”. (خطاب عبد الناصر لحسن النشار… ١٦/٢/١٩٤٢).

ررقى جمال عبد الناصر إلى رتبة اليوزباشى (نقيب) في ٩ سبتمبر ١٩٤٢. وفى ٧ فبراير ١٩٤٣ عين مدرساً بالكلية الحربية. ومن قائمة مطالعاته في هذه الفترة يتضح أنه قرأ لكبار المؤلفين العسكريين من أمثال “ليدل هارت” و”كلاوزفيتز”، كما قرأ مؤلفات الساسة والكتاب السياسيين مثل “كرومويل” و”تشرشل”. وفى هذه الفترة كان جمال عبد الناصر يعد العدة للالتحاق بمدرسة أركان حرب.

وفى ٢٩ يونيه ١٩٤٤ تزوج جمال عبد الناصر من تحية محمد كاظم – ابنة تاجر من رعايا إيران – كان قد تعرف على عائلتها عن طريق عمه خليل حسين، وقد أنجب ابنتيه هدى ومنى وثلاثة أبناء هم خالد وعبد الحميد وعبد الحكيم. لعبت تحية دوراً هاماً في حياته خاصة في مرحلة الإعداد للثورة واستكمال خلايا تنظيم الضباط الأحرار، فقد تحملت أعباء أسرته الصغيرة – هدى ومنى – عندما كان في حرب فلسطين، كما ساعدته في إخفاء السلاح حين كان يدرب الفدائيين المصريين للعمل ضد القاعدة البريطانية في قناة السويس في ١٩٥١، ١٩٥٢.

تنظيم الضباط الأحرار:
شهد عام ١٩٤٥ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية حركة الضباط الأحرار، ويقول جمال عبد الناصر في حديثة إلى “دافيد مورجان”: “وقد ركزت حتى ١٩٤٨ على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائي، والذين توفرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم الكافي للإقدام على التغيير اللازم. وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين نحاول أن نخرج مثلنا العليا العامة في هدف مشترك وفى خطة مشتركة”.

وعقب صدور قرار تقسيم فلسطين في سبتمبر ١٩٤٧ عقد الضباط الأحرار اجتماعاً واعتبروا أن اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب ضد هذا الانتهاك للكرامة الإنسانية والعدالة الدولية، واستقر رأيهم على مساعدة المقاومة في فلسطين.

وفى اليوم التالي ذهب جمال عبد الناصر إلى مفتى فلسطين الذي كان لاجئاً يقيم في مصر الجديدة فعرض عليه خدماته وخدمات جماعته الصغيرة كمدربين لفرقة المتطوعين وكمقاتلين معها. وقد أجابه المفتى بأنه لا يستطيع أن يقبل العرض دون موافقة الحكومة المصرية. وبعد بضعة أيام رفض العرض فتقدم بطلب إجازة حتى يتمكن من الانضمام إلى المتطوعين، لكن قبل أن يبت في طلبه أمرت الحكومة المصرية الجيش رسمياً بالاشتراك في الحرب. فسافر جمال إلى فلسطين في ١٦ مايو ١٩٤٨، بعد أن كان قد رقى إلى رتبة صاغ (رائد) في أوائل عام ١٩٤٨.

لقد كان لتجربة حرب فلسطين آثاراً بعيدة على جمال عبد الناصر فعلى حد قولة: “فلم يكن هناك تنسيق بين الجيوش العربية، وكان عمل القيادة على أعلى مستوى في حكم المعدوم، وتبين أن أسلحتنا في كثير من الحالات أسلحة فاسدة، وفى أوج القتال صدرت الأوامر لسلاح المهندسين ببناء شاليه للاستجمام في غزه للملك فاروق.

وقد بدا أن القيادة العليا كانت مهمتها شيئاً واحداً هو احتلال أوسع رقعة ممكنة من الأرض بغض النظر عن قيمتها الإستراتيجية، وبغض النظر عما إذا كانت تضعف مركزنا العام في القدرة على إلحاق الهزيمة بالعدو خلال المعركة أم لا.

وقد كنت شديد الاستياء من ضباط الفوتيلات أو محاربي المكاتب الذين لم تكن لديهم أية فكرة عن ميادين القتال أو عن آلام المقاتلين.

وجاءت القطرة الأخيرة التي طفح بعدها الكيل حين صدرت الأوامر إلىّ بأن أقود قوة من كتيبة المشاة السادسة إلى عراق سويدان التي كان الإسرائيليون يهاجمونها، وقبل أن أبدأ في التحرك نشرت تحركاتنا كاملة في صحف القاهرة. ثم كان حصار الفالوجا الذي عشت معاركه؛ حيث ظلت القوات المصرية تقاوم رغم أن القوات الإسرائيلية كانت تفوقها كثيراً من ناحية العدد حتى انتهت الحرب بالهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة ” في ٢٤ فبراير ١٩٤٩.

وقد جرح جمال عبد الناصر مرتين أثناء حرب فلسطين ونقل إلى المستشفى. ونظراً للدور المتميز الذي قام به خلال المعركة فإنه منح نيشان “النجمة العسكرية” في عام ١٩٤٩.

وبعد رجوعه إلى القاهرة أصبح جمال عبد الناصر واثقاً أن المعركة الحقيقية هي في مصر، فبينما كان ورفاقه يحاربون في فلسطين كان السياسيون المصريون يكدسون الأموال من أرباح الأسلحة الفاسدة التي اشتروها رخيصة وباعوها للجيش.

وقد أصبح مقتنعاً أنه من الضروري تركيز الجهود لضرب أسرة محمد على؛ فكان الملك فاروق هو هدف تنظيم الضباط الأحرار منذ نهاية ١٩٤٨ وحتى ١٩٥٢.

ووقد كان في نية جمال عبد الناصر القيام بالثورة في ١٩٥٥، لكن الحوادث أملت عليه قرار القيام بالثورة قبل ذلك بكثير.

وبعد عودته من فلسطين عين جمال عبد الناصر مدرساً في كلية أركان حرب التي كان قد نجح في امتحانها بتفوق في ١٢ مايو ١٩٤٨. وبدأ من جديد نشاط الضباط الأحرار وتألفت لجنة تنفيذية بقيادة جمال عبد الناصر، وتضم كمال الدين حسين وعبد الحكيم عامر وحسين إبراهيم وصلاح سالم وعبد اللطيف البغدادي وخالد محيى الدين وأنور السادات وحسين الشافعي وزكريا محيى الدين وجمال سالم، وهى اللجنة التي أصبحت مجلس الثورة فيما بعد عام ١٩٥٠، ١٩٥١.

وفى ٨ مايو ١٩٥١ رقى جمال عبد الناصر إلى رتبة البكباشى (مقدم) وفى نفس العام اشترك مع رفاقه من الضباط الأحرار سراً في حرب الفدائيين ضد القوات البريطانية في منطقة القناة التي استمرت حتى بداية ١٩٥٢، وذلك بتدريب المتطوعين وتوريد السلاح الذي كان يتم في إطار الدعوى للكفاح المسلح من جانب الشباب من كافة الاتجاهات السياسية والذي كان يتم خارج الإطار الحكومي.

وإزاء تطورات الحوادث العنيفة المتوالية في بداية عام ١٩٥٢ اتجه تفكير الضباط الأحرار إلى الاغتيالات السياسية لأقطاب النظام القديم على أنه الحل الوحيد. وفعلاً بدئوا باللواء حسين سرى عامر – أحد قواد الجيش الذين تورطوا في خدمة مصالح القصر – إلا أنه نجا من الموت، وكانت محاولة الاغتيال تلك هي الأولى والأخيرة التي اشترك فيها جمال عبد الناصر، فقد وافقه الجميع على العدول عن هذا الاتجاه، وصرف الجهود إلى تغيير ثوري إيجابي.

ومع بداية مرحلة التعبئة الثورية، صدرت منشورات الضباط الأحرار التي كانت تطبع وتوزع سراً. والتي دعت إلى إعادة تنظيم الجيش وتسليحه وتدريبه بجدية بدلاً من اقتصاره على الحفلات والاستعراضات، كما دعت الحكام إلى الكف عن تبذير ثروات البلاد ورفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة، وانتقدت الاتجار في الرتب والنياشين. وفى تلك الفترة اتسعت فضيحة الأسلحة الفاسدة إلى جانب فضائح اقتصادية تورطت فيها حكومة الوفد.

ثم حدث حريق القاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٢ بعد اندلاع المظاهرات في القاهرة احتجاجاً على مذبحة رجال البوليس بالإسماعيلية التي ارتكبتها القوات العسكرية البريطانية في اليوم السابق، والتي قتل فيها ٤٦ شرطياً وجرح ٧٢. لقد أشعلت الحرائق في القاهرة ولم تتخذ السلطات أي إجراء ولم تصدر الأوامر للجيش بالنزول إلى العاصمة إلا في العصر بعد أن دمرت النار أربعمائة مبنى، وتركت ١٢ ألف شخص بلا مأوى، وقد بلغت الخسائر ٢٢ مليون جنيهاً.

وفى ذلك الوقت كان يجرى صراعاً سافراً بين الضباط الأحرار وبين الملك فاروق فيما عرف بأزمة انتخابات نادي ضباط الجيش. حيث رشح الملك اللواء حسين سرى عامر المكروه من ضباط الجيش ليرأس اللجنة التنفيذية للنادي، وقرر الضباط الأحرار أن يقدموا قائمة مرشحيهم وعلى رأسهم اللواء محمد نجيب للرياسة، وقد تم انتخابه بأغلبية كبرى وبرغم إلغاء الانتخاب بتعليمات من الملك شخصياً، إلا أنه كان قد ثبت للضباط الأحرار أن الجيش معهم يؤيدهم ضد الملك، فقرر جمال عبد الناصر – رئيس الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار – تقديم موعد الثورة التي كان محدداً لها قبل ذلك عام ١٩٥٥، وتحرك الجيش ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وتم احتلال مبنى قيادة الجيش بكوبري القبة وإلقاء القبض على قادة الجيش الذين كانوا مجتمعين لبحث مواجهة حركة الضباط الأحرار بعد أن تسرب خبر عنها .

وبعد نجاح حركة الجيش قدم محمد نجيب على أنه قائد الثورة – وكان الضباط الأحرار قد فاتحوه قبلها بشهرين في احتمال انضمامه إليهم إذا ما نجحت المحاولة – إلا أن السلطة الفعلية كانت في يد مجلس قيادة الثورة الذي كان يرأسه جمال عبد الناصر حتى ٢٥ أغسطس ١٩٥٢ عندما صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بضم محمد نجيب إلى عضوية المجلس وأسندت إليه رئاسته بعد أن تنازل له عنها جمال عبد الناصر.

بيان الثورة:
وفى صباح يوم ٢٣ يوليه وبعد احتلال دار الإذاعة تمت إذاعة بيان الثورة التالي:
“اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهل أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفى خُلقهم وفى وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.

أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب، وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف؛ لأن هذا ليس في صالح مصر، وإن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس، وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسئولاً عنهم، والله ولى التوفيق”.

وبعد نجاح الثورة بثلاثة أيام – أي في ٢٦ يوليه – أجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه أحمد فؤاد ومغادرة البلاد. وفى اليوم التالي أعيد انتخاب جمال عبد الناصر رئيساً للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار.

وفى ١٨ يونيه ١٩٥٣ صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وبإسناد رئاسة الجمهورية إلى محمد نجيب إلى جانب رئاسته للوزارة التي شغلها منذ ٧ سبتمبر ١٩٥٢، أما جمال عبد الناصر فقد تولى أول منصباً عاماً كنائب رئيس الوزراء ووزير للداخلية في هذه الوزارة التي تشكلت بعد إعلان الجمهورية. وفى الشهر التالي ترك جمال عبد الناصر منصب وزير الداخلية – الذي تولاه زكريا محيى الدين – واحتفظ بمنصب نائب رئيس الوزراء.(قرار المجلس بإلغاء الملكية) .

قرار المجلس بإلغاء الملكية

تعيين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة:
وفى فبراير ١٩٥٤ استقال محمد نجيب بعد أن اتسعت الخلافات بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة، وعين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً لمجلس الوزراء. وفيما يلي البيان الذي أذاعه المجلس بأسباب ذلك الخلاف في ٢٥ فبراير ١٩٥٤:

“أيها المواطنون

“لم يكن هدف الثورة التي حمل لواءها الجيش يوم ٢٣ يوليه سنة ١٩٥٢ أن يصل فرد أو أفراد إلى حكم أو سلطان أو أن يحصل كائن من كان على مغنم أو جاه، بل يشهد الله أن هذه الثورة ما قامت إلا لتمكين المُثل العليا في البلاد بعد أن افتقدتها طويلاً نتيجة لعهود الفساد والانحلال.

لقد قامت في وجه الثورة منذ اللحظة الأولى عقبات قاسية عولجت بحزم دون نظر إلى مصلحة خاصة لفرد أو جماعة، وبهذا توطدت أركانها واطرد تقدمها في سبيل بلوغ غاياتها.

ولا شك أنكم تقدرون خطورة ما أقيم في وجه الثورة من صعاب، خاصة والبلاد ترزح تحت احتلال المستعمر الغاصب لجزء من أراضيها، وكانت مهمة مجلس قيادة الثورة في خلال هذه الفترة غاية في القسوة والخطورة، حمل أفراد المجلس تلك التبعة الملقاة على عاتقهم ورائدهم الوصول بأمتنا العزيزة إلى بر الأمان مهما كلفهم هذا من جهد وبذل.

ومما زاد منذ اللحظة الأولى في قسوة وخطورة هذه التبعة الملقاة على أعضاء مجلس قيادة الثورة أنهم كانوا قد قرروا وقت تدبيرهم وتحضيرهم للثورة في الخفاء قبل قيامهم أن يقدموا للشعب قائداً للثورة من غير أعضاء مجلس قيادتهم وكلهم من الشبان، واختاروا فعلاً فيما بينهم اللواء أركان حرب محمد نجيب ليقدم قائداً للثورة، وكان بعيداً عن صفوفهم، وهذا أمر طبيعي للتفاوت الكبير بين رتبته ورتبهم، وسنه وسنهم، وكان رائدهم في هذا الاختيار سمعته الحسنة الطيبة وعدم تلوثه بفساد قادة ذلك العهد.

وقد أخطر سيادته بأمر ذلك الاختيار قبل قيام الثورة بشهرين اثنين ووافق على ذلك.

وما أن علم سيادته بقيام الثورة عن طريق مكالمة تليفونية بين وزير الحربية فى ذلك الوقت السيد مرتضى المراغى وبينه وفى منزله حتى قام إلى مبنى قيادة الثورة واجتمع برجالها فور تسلمهم لزمام الأمور.

ومنذ تلك اللحظة أصبح الموقف دقيقاً؛ إذ أن أعمال ومناقشات مجلس قيادة الثورة استمرت أكثر من شهر بعيدة عن أن يشترك فيها اللواء محمد نجيب إذ أنه حتى ذلك الوقت وعلى وجه التحديد يوم ٢٥ أغسطس سنة ١٩٥٢ لم يكن سيادته قد ضم إلى أعضاء مجلس الثورة.

وقد صدر قرار المجلس فى ذلك اليوم بضمه لعضويته كما صدر قرار بأن تسند إليه رئاسة المجلس بعد أن تنازل له عنها البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر الذى جدد انتخابه بواسطة المجلس قبل قيام الثورة كرئيس للمجلس لمدة عام ينتهى فى أخر أكتوبر سنة ١٩٥٢.

نتيجة لذلك الموقف الشاذ ظل اللواء محمد نجيب يعانى أزمة نفسية عانينا منها الكثير رغم قيامنا جميعاً بإظهاره للعالم أجمع بمظهر الرئيس الفعلى والقائد الحقيقى للثورة ومجلسها مع المحافظة على كافة مظاهر تلك القيادة.

وبعد أقل من ستة شهور بدأ سيادته يطلب بين وقت وآخر من المجلس منحه سلطات تفوق سلطة العضو العادى بالمجلس، ولم يقبل المجلس مطلقاً أن يحيد عن لائحته التى وضعت قبل الثورة بسنين طويلة إذ تقضى بمساواة كافة الأعضاء بما فيهم الرئيس فى السلطة، فقط إذا تساوت الأصوات عند أخذها بين فريقين فى المجلس فترجح الكفة التى يقف الرئيس بجانبها.

ورغم تعيين سيادته رئيساً للجمهورية مع احتفاظه برئاسة مجلس الوزراء ورئاسته للمؤتمر المشترك إلا أنه لم ينفك يصر ويطلب بين وقت وأخر أن تكون له اختصاصات تفوق اختصاصات المجلس، وكان إصرارنا على الرفض الكلى لكى نكفل أقصى الضمانات لتوزيع سلطة السيادة فى الدولة على أعضاء المجلس مجتمعين.

وأخيراً تقدم سيادته بطلبات محددة وهى:

أن تكون له سلطة حق الاعتراض على أى قرار يجمع عليه أعضاء المجلس، علماً بأن لائحة المجلس توجب إصدار أى قرار يوافق عليه أغلبية الأعضاء.

كما طلب أن يباشر سلطة تعيين الوزراء وعزلهم وكذا سلطة الموافقة على ترقية وعزل الضباط وحتى تنقلاتهم؛ أى أنه طالب إجمالاً بسلطة فردية مطلقة.

ولقد حاولنا بكافة الطرق الممكنة طوال الشهور العشرة الماضية أن نقنعه بالرجوع عن طلباته هذه التى تعود بالبلاد إلى حكم الفرد المطلق، وهو ما لا يمكن نرضاه لثورتنا، ولكننا عجزنا عن إقناعه عجزاً تاماً وتوالت اعتكافاته بين وقت وأخر حتى يجبرنا على الموافقة على طلباته هذه، إلى أن وضعنا منذ أيام ثلاثة أمام أمر واقع مقدماً استقالته وهو يعلم أن أى شقاق يحدث فى المجلس فى مثل هذه الظروف لا تؤمن عواقبه.

أيها المواطنون

لقد احتمل أعضاء المجلس هذا الضغط المستمر فى وقت يجابهون فيه المشاكل القاسية التى تواجه البلاد والتى ورثتها عن العهود البائدة.

يحدث كل ذلك والبلاد تكافح كفاح المستميت ضد مغتصب فى مصر والسودان وضد عدو غادر يرابط على حدودها مع خوضها معركة اقتصادية مريرة وإصلاحاً لأداة الحكم وزيادة الإنتاج إلى أخر تلك المعارك التى خاضتها الثورة ووطدت أقدامها بقوة فى أكثر من ميدان من ميادينها.

واليوم قرر مجلس قيادة الثورة بالإجماع ما يلى:

أولاً: قبول الاستقالة المقدمة من اللواء أركان حرب محمد نجيب من جميع الوظائف التى يشغلها.

ثانياً: يستمر مجلس قيادة الثورة بقيادة البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر فى تولى كافة سلطاته الحالية إلى أن تحقق الثورة أهم أهدافها وهو إجلاء المستعمر عن أرض الوطن.

حل جماعة الاخوان المسلمين

ثالثاً: تعيين البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس الوزراء.

ونعود فنكرر أن تلك الثورة ستستمر حريصة على مُثلها العليا مهما أحاطت بها من عقبات وصعاب، والله كفيل برعايتها إنه نعم المولى ونعم النصير، والله ولى التوفيق”.

وسرعان ما تم تدارك مظاهر ذلك الخلاف فقبل مجلس قيادة الثورة عودة محمد نجيب إلى رئاسة الجمهورية في بيان صدر في ٢٧ فبراير ١٩٥٤.

ثم بدأت بعد ذلك أحداث الشغب التي دبرتها جماعة الإخوان المسلمين التي أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً مسبقاً بحلها في ١٤ يناير ١٩٥٤، (قرار المجلس بحل جماعة الإخوان المسلمين) وقد تورط أيضاً بعض عناصر النظام القديم في هذه الأحداث.

السماح بقيام أحزاب وإلغاء الحرمان من الحقوق السياسية

ووقد تجلى الصراع داخل مجلس قيادة الثورة في هذه الفترة في القرارات التي صدرت عنه وفيها تراجعاً عن المضى في الثورة، فأولاً ألغيت الفترة الانتقالية التي حددت بثلاث سنوات، وتقرر في ٥ مارس ١٩٥٤ اتخاذ الإجراءات فوراً لعقد جمعية تأسيسية تنتخب بالاقتراع العام المباشر على أن تجتمع في يوليه ١٩٥٤ وتقوم بمناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره والقيام بمهمة البرلمان إلى الوقت الذي يتم فيه عقد البرلمان الجديد وفقاً لأحكام الدستور الذي ستقره الجمعية التأسيسية. وفى نفس الوقت تقرر إلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحافة والنشر.

وثانياً: قرر مجلس قيادة الثورة تعيين محمد نجيب رئيساً للمجلس ورئيساً لمجلس الوزراء بعد أن تنحى جمال عبد الناصر عن رئاسة الوزارة وعاد نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة.

وأخيراً قرر مجلس قيادة الثورة في ٢٥ مارس ١٩٥٤ السماح بقيام الأحزاب وحل مجلس قيادة الثورة يوم ٢٤ يوليه ١٩٥٤ أي في يوم انتخاب الجمعية التأسيسية. (قرار المجلس بالسماح بقيام أحزاب).

إرجاء تنفيذ قرارات المجلس التى صدرت فى ٢٥ مارس ١٩٥٤

وبالرغم من إلغاء مجلس قيادة الثورة لتلك القرارات في ٢٩ مارس ١٩٥٤ (قرار المجلس بإرجاء تنفيذ قرارات ٢٥ مارس ١٩٥٤) إلا أن الأزمة التي حدثت في مجلس قيادة الثورة أحدثت انقساماً داخله بين محمد نجيب يؤيده خالد محيى الدين وبين جمال عبد الناصر وباقي الأعضاء.

وقد انعكس هذا الصراع على الجيش، كما حاول السياسيون استغلاله وخاصة الإخوان المسلمين وأنصار الأحزاب القديمة الذين كانوا فى صف نجيب وعلى اتصال به.

وفى ١٧ أبريل ١٩٥٤ تولى جمال عبد الناصر رئاسة مجلس الوزراء واقتصر محمد نجيب على رئاسة الجمهورية إلى أن جرت محاولة لاغتيال جمال عبد الناصر على يد الإخوان المسلمين عندما أطلق عليه الرصاص أحد أعضاء الجماعة وهو يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية في ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤، وثبت من التحقيقات مع الإخوان المسلمين أن محمد نجيب كان على اتصال بهم وأنه كان معتزماً تأييدهم إذا ما نجحوا في قلب نظام الحكم. وهنا قرر مجلس قيادة الثورة في ١٤ نوفمبر ١٩٥٤ إعفاء محمد نجيب من جميع مناصبه على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً وأن يستمر مجلس قيادة الثورة في تولى كافة سلطاته بقيادة جمال عبد الناصر.

إعفاء اللواء محمد نجيب من جميع المناصب التى يشغلها

وفى ٢٤ يونيه ١٩٥٦ انتخب جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية بالاستفتاء الشعبي وفقاً لدستور ١٦ يناير ١٩٥٦ ـ أول دستور للثورة.

وفى ٢٢ فبراير ١٩٥٨ أصبح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وذلك حتى مؤامرة الانفصال التي قام بها أفراد من الجيش السوري في ٢٨ سبتمبر ١٩٦١.

وظل جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة حتى رحل في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠.

سيرة تاريخية للرئيس جمال عبد الناصر

كاتب الموضوع الأصلي: معاذ الفريحي

تحية طيبه, وبعد :ولد جمال عبد الناصر في ١٥ يناير ١٩١٨ في ١٨ شارع قنوات في حي باكوس الشعبي بالإسكندرية .

كان جمال عبد الناصر الابن الأكبر لعبد الناصر حسين الذي ولد في عام ١٨٨٨ في قرية بني مر في صعيد مصر في أسره من الفلاحين، ولكنه حصل على قدر من التعليم سمح له بأن يلتحق بوظيفة في مصلحة البريد بالإسكندرية، وكان مرتبه يكفى بصعوبة لسداد ضرورات الحياة .

جمال عبد الناصر فى المرحلة الابتدائية:
التحق جمال عبد الناصر بروضة الأطفال بمحرم بك بالإسكندرية، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبه في عامي ١٩٢٣ ، ١٩٢٤ .

وفى عام ١٩٢٥ دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بالجمالية بالقاهرة وأقام عند عمه خليل حسين في حي شعبي لمدة ثلاث سنوات، وكان جمال يسافر لزيارة أسرته بالخطاطبه في العطلات المدرسية، وحين وصل في الإجازة الصيفية في العام التالي – ١٩٢٦ – علم أن والدته قد توفيت قبل ذلك بأسابيع ولم يجد أحد الشجاعة لإبلاغه بموتها، ولكنه اكتشف ذلك بنفسه بطريقة هزت كيانه – كما ذكر لـ “دافيد مورجان” مندوب صحيفة “الصنداى تايمز” – ثم أضاف: “لقد كان فقد أمي في حد ذاته أمراً محزناً للغاية، أما فقدها بهذه الطريقة فقد كان صدمة تركت في شعوراً لا يمحوه الزمن. وقد جعلتني آلامي وأحزاني الخاصة في تلك الفترة أجد مضضاً بالغاً في إنزال الآلام والأحزان بالغير في مستقبل السنين “.

وبعد أن أتم جمال السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، أرسله والده في صيف ١٩٢٨ عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية .

جمال عبد الناصر فى المرحلة الثانوية:

عبد الناصر اثناء دراسته فى مدرسة حلوان الثانوية

التحق جمال عبد الناصر في عام ١٩٢٩ بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عاماً واحداً، ثم نقل في العام التالي – ١٩٣٠ – إلى مدرسة رأس التين الثانوية بالإسكندرية بعد أن انتقل والده إلى العمل بمصلحة البوسطة هناك .

وفى تلك المدرسة تكون وجدان جمال عبد الناصر القومي؛ ففي عام ١٩٣٠ استصدرت وزارة إسماعيل صدقي مرسوماً ملكياً بإلغاء دستور ١٩٢٣ فثارت مظاهرات الطلبة تهتف بسقوط الاستعمار وبعودة الدستور.

ويحكى جمال عبد الناصر عن أول مظاهرة اشترك فيها: “كنت أعبر ميدان المنشية في الإسكندرية حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض التلاميذ وبين قوات من البوليس، ولم أتردد في تقرير موقفي؛ فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أي شئ عن السبب الذي كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أنني في غير حاجة إلى سؤال؛ لقد رأيت أفراداً من الجماهير في صدام مع السلطة، واتخذت موقفي دون تردد في الجانب المعادى للسلطة.

ومرت لحظات سيطرت فيها المظاهرة على الموقف، لكن سرعان ما جاءت إلى المكان الإمدادات؛ حمولة لوريين من رجال البوليس لتعزيز القوة، وهجمت علينا جماعتهم، وإني لأذكر أنى – في محاولة يائسة – ألقيت حجراً، لكنهم أدركونا في لمح البصر، وحاولت أن أهرب، لكنى حين التفت هوت على رأسي عصا من عصى البوليس، تلتها ضربة ثانية حين سقطت، ثم شحنت إلى الحجز والدم يسيل من رأسي مع عدد من الطلبة الذين لم يستطيعوا الإفلات بالسرعة الكافية.

ولما كنت في قسم البوليس، وأخذوا يعالجون جراح رأسي؛ سألت عن سبب المظاهرة، فعرفت أنها مظاهرة نظمتها جماعة مصر الفتاة في ذلك الوقت للاحتجاج على سياسة الحكومة.

وقد دخلت السجن تلميذاً متحمساً، وخرجت منه مشحوناً بطاقة من الغضب”. (حديث عبد الناصر مع “دافيد مورجان” مندوب “صحيفة الصنداى تايمز” ١٨/٦/١٩٦٢) .

ويعود جمال عبد الناصر إلى هذه الفترة من حياته في خطاب له بميدان المنشية بالإسكندرية في ٢٦/١٠/١٩٥٤ ليصف أحاسيسه في تلك المظاهرة وما تركته من آثار في نفسه: “حينما بدأت في الكلام اليوم في ميدان المنشية. سرح بي الخاطر إلى الماضي البعيد … وتذكرت كفاح الإسكندرية وأنا شاب صغير وتذكرت في هذا الوقت وأنا اشترك مع أبناء الإسكندرية، وأنا أهتف لأول مرة في حياتي باسم الحرية وباسم الكرامة، وباسم مصر… أطلقت علينا طلقات الاستعمار وأعوان الاستعمار فمات من مات وجرح من جرح، ولكن خرج من بين هؤلاء الناس شاب صغير شعر بالحرية وأحس بطعم الحرية، وآلي على نفسه أن يجاهد وأن يكافح وأن يقاتل في سبيل الحرية التي كان يهتف بها ولا يعلم معناها؛ لأنه كان يشعر بها في نفسه، وكان يشعر بها في روحه وكان يشعر بها في دمه”. لقد كانت تلك الفترة بالإسكندرية مرحلة تحول في حياة الطالب جمال من متظاهر إلى ثائر تأثر بحالة الغليان التي كانت تعانى منها مصر بسبب

مقال كتبه جمال عبد الناصر بعنوان “فولتير رجل الحرية”

تحكم الاستعمار وإلغاء الدستور. وقد ضاق المسئولون بالمدرسة بنشاطه ونبهوا والده فأرسله إلى القاهرة.

وقد التحق جمال عبد الناصر في عام ١٩٣٣ بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة، واستمر في نشاطه السياسي فأصبح رئيس اتحاد مدارس النهضة الثانوية.

وفى تلك الفترة ظهر شغفه بالقراءة في التاريخ والموضوعات الوطنية فقرأ عن الثورة الفرنسية وعن “روسو” و”فولتير” وكتب مقالة بعنوان “فولتير رجل الحرية” نشرها بمجلة المدرسة. كما قرأ عن “نابليون” و”الإسكندر” و”يوليوس قيصر” و”غاندى” وقرأ رواية البؤساء لـ “فيكتور هيوجو” وقصة مدينتين لـ “شارلز ديكنز”.(الكتب التي كان يقرأها عبد الناصر في المرحلة الثانوية). (الكتب التي كان يقرأها عبد الناصر في المرحلة الثانوية).

كذلك اهتم بالإنتاج الأدبي العربي فكان معجباً بأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقرأ عن سيرة النبي محمد وعن أبطال الإسلام وكذلك عن مصطفى كامل، كما قرأ مسرحيات وروايات توفيق الحكيم خصوصاً رواية عودة الروح التي تتحدث عن ضرورة ظهور زعيم للمصريين يستطيع توحيد صفوفهم ودفعهم نحو النضال في سبيل الحرية والبعث الوطني.

الحفلة التمثيلية لمدارس النهضة المصرية تعرض مسرحية يوليوس قيصر ..

وفى ١٩٣٥ في حفل مدرسة النهضة الثانوية لعب الطالب جمال عبد الناصر دور “يوليوس قيصر” بطل تحرير الجماهير في مسرحية “شكسبير” في حضور وزير المعارف في ذلك الوقت.

وقد شهد عام ١٩٣٥ نشاطاً كبيراً للحركة الوطنية المصرية التي لعب فيها الطلبة الدور الأساسي مطالبين بعودة الدستور والاستقلال، ويكشف خطاب من جمال عبد الناصر إلى صديقه حسن النشار في ٤ سبتمبر ١٩٣٥ مكنون نفسه في هذه الفترة، فيقول: “لقد انتقلنا من نور الأمل إلى ظلمة اليأس ونفضنا بشائر الحياة واستقبلنا غبار الموت، فأين من يقلب كل ذلك رأساً على عقب، ويعيد مصر إلى سيرتها الأولى يوم أن كانت مالكة العالم. أين من يخلق خلفاً جديداً لكي يصبح المصري الخافت الصوت الضعيف الأمل الذي يطرق برأسه ساكناً صابراً على اهتضام حقه ساهياً عن التلاعب بوطنه يقظاً عالي الصوت عظيم الرجاء رافعاً رأسه يجاهد بشجاعة وجرأه في طلب الاستقلال والحرية… قال مصطفى كامل ‘ لو نقل قلبي من اليسار إلى اليمين أو تحرك الأهرام من مكانه المكين أو تغير مجرى [النيل] فلن أتغير عن المبدأ ‘ … كل ذلك مقدمة طويلة لعمل أطول وأعظم فقد تكلمنا مرات عده في عمل يوقظ الأمة من غفوتها ويضرب على الأوتار الحساسة من القلوب ويستثير ما كمن في الصدور. ولكن كل ذلك لم يدخل في حيز العمل إلى الآن”.(خطاب عبد الناصر لحسن النشار… ٤/٩/١٩٣٥).

خطاب عبد الناصر لحسن النشار عن الحركة الوطنية بين الطلبة لعودة الدستور والاستقلال

ووبعد ذلك بشهرين وفور صدور تصريح “صمويل هور” – وزير الخارجية البريطانية – في ٩ نوفمبر١٩٣٥ معلناً رفض بريطانيا لعودة الحياة الدستورية في مصر، اندلعت مظاهرات الطلبة والعمال في البلاد، وقاد جمال عبد الناصر في ١٣ نوفمبر مظاهرة من تلاميذ المدارس الثانوية واجهتها قوة من البوليس الإنجليزي فأصيب جمال بجرح في جبينه سببته رصاصة مزقت الجلد ولكنها لم تنفذ إلى الرأس، وأسرع به زملاؤه إلى دار جريدة الجهاد التي تصادف وقوع الحادث بجوارها ونشر اسمه في العدد الذي صدر صباح اليوم التالي بين أسماء الجرحى. (مجلة الجهاد ١٩٣٥).

وعن آثار أحداث تلك الفترة في نفسية جمال عبد الناصر قال في كلمة له في جامعة القاهرة في ١٥ نوفمبر ١٩٥٢: “وقد تركت إصابتي أثراً عزيزاً لا يزال يعلو وجهي فيذكرني كل يوم بالواجب الوطني الملقى على كاهلي كفرد من أبناء هذا الوطن العزيز. وفى هذا اليوم وقع صريع الظلم والاحتلال المرحوم عبد المجيد مرسى فأنساني ما أنا مصاب به، ورسخ في نفسي أن على واجباً أفنى في سبيله أو أكون أحد العاملين في تحقيقه حتى يتحقق؛ وهذا الواجب هو تحرير الوطن من الاستعمار، وتحقيق سيادة الشعب. وتوالى بعد ذلك سقوط الشهداء صرعى؛ فازداد إيماني بالعمل على تحقيق حرية مصر”.

وتحت الضغط الشعبي وخاصة من جانب الطلبة والعمال صدر مرسوم ملكي في ١٢ ديسمبر ١٩٣٥ بعودة دستور ١٩٢٣.

مجلة الجهاد تنشر أسماء الجرحى فى مظاهرات نوفمبر

وقد انضم جمال عبد الناصر في هذا الوقت إلى وفود الطلبة التي كانت تسعى إلى بيوت الزعماء تطلب منهم أن يتحدوا من أجل مصر، وقد تألفت الجبهة الوطنية سنة ١٩٣٦ بالفعل على أثر هذه الجهود.

وقد كتب جمال في فترة الفوران هذه خطاباً إلى حسن النشار في ٢ سبتمبر ١٩٣٥ قال فيه: “يقول الله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، فأين تلك القوة التي نستعد بها لهم؛ إن الموقف اليوم دقيق ومصر في موقف أدق…”.

ووصف جمال عبد الناصر شعوره في كتاب “فلسفة الثورة” فقال: “وفى تلك الأيام قدت مظاهرة في مدرسة النهضة، وصرخت من أعماقي بطلب الاستقلال التام، وصرخ ورائي كثيرون، ولكن صراخنا ضاع هباء وبددته الرياح أصداء واهية لا تحرك الجبال ولا تحطم الصخور”.

إلا أن اتحاد الزعماء السياسيين على كلمة واحدة كان فجيعة لإيمان جمال عبد الناصر، على حد تعبيره في كتاب “فلسفة الثورة”، فإن الكلمة الواحدة التي اجتمعوا عليها كانت معاهدة ١٩٣٦ التي قننت الاحتلال، فنصت على أن تبقى في مصر قواعد عسكرية لحماية وادي النيل وقناة السويس من أي اعتداء، وفى حال وقوع حرب تكون الأراضي المصرية بموانيها ومطاراتها وطرق مواصلاتها تحت تصرف بريطانيا، كما نصت المعاهدة على بقاء الحكم الثنائي في السودان.

وكان من نتيجة النشاط السياسي المكثف لجمال عبد الناصر في هذه الفترة الذي رصدته تقارير البوليس أن قررت مدرسة النهضة فصله بتهمة تحريضه الطلبة على الثورة، إلا أن زملائه ثاروا وأعلنوا الإضراب العام وهددوا بحرق المدرسة فتراجع ناظر المدرسة في قراره.

ومنذ المظاهرة الأولى التي اشترك فيها جمال عبد الناصر بالإسكندرية شغلت السياسة كل وقته، وتجول بين التيارات السياسية التي كانت موجودة في هذا الوقت فانضم إلى مصر الفتاة لمدى عامين، ثم انصرف عنها بعد أن اكتشف أنها لا تحقق شيئاً، كما كانت له اتصالات متعددة بالإخوان المسلمين إلا أنه قد عزف عن الانضمام لأي من الجماعات أو الأحزاب القائمة لأنه لم يقتنع بجدوى أياً منها ،”فلم يكن هناك حزب مثالي يضم جميع العناصر لتحقيق الأهداف الوطنية”.

كذلك فإنه وهو طالب في المرحلة الثانوية بدأ الوعي العربي يتسلل إلى تفكيره، فكان يخرج مع زملائه كل عام في الثاني من شهر نوفمبر احتجاجاً على وعد “بلفور” الذي منحت به بريطانيا لليهود وطناً في فلسطين على حساب أصحابه الشرعيين.

جمال عبد الناصر ضابطاً:

عبد الناصر وهو فى طالب فى الكلية الحربية بعد ان انتقل اليها من كلية الحقوق

لما أتم جمال عبد الناصر دراسته الثانوية وحصل على البكالوريا في القسم الأدبي قرر الالتحاق بالجيش، ولقد أيقن بعد التجربة التي مر بها في العمل السياسي واتصالاته برجال السياسة والأحزاب التي أثارت اشمئزازه منهم أن تحرير مصر لن يتم بالخطب بل يجب أن تقابل القوة بالقوة والاحتلال العسكري بجيش وطني.

تقدم جمال عبد الناصر إلى الكلية الحربية فنجح في الكشف الطبي ولكنه سقط في كشف الهيئة لأنه حفيد فلاح من بني مر وابن موظف بسيط لا يملك شيئاً، ولأنه اشترك في مظاهرات ١٩٣٥، ولأنه لا يملك واسطة.

ولما رفضت الكلية الحربية قبول جمال، تقدم في أكتوبر ١٩٣٦ إلى كلية الحقوق في جامعة القاهرة ومكث فيها ستة أشهر إلى أن عقدت معاهدة ١٩٣٦ واتجهت النية إلى زيادة عدد ضباط الجيش المصري من الشباب بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية أو ثروتهم، فقبلت الكلية الحربية دفعة في خريف ١٩٣٦ وأعلنت وزارة الحربية عن حاجتها لدفعة ثانية، فتقدم جمال مرة ثانية للكلية الحربية ولكنه توصل إلى مقابلة وكيل وزارة الحربية اللواء إبراهيم خيري الذي أعجب بصراحته ووطنيته وإصراره على أن يصبح ضابطاً فوافق على دخوله في الدورة التالية؛ أي في مارس ١٩٣٧.

لقد وضع جمال عبد الناصر أمامه هدفاً واضحاً في الكلية الحربية وهو “أن يصبح ضابطاً ذا كفاية وأن يكتسب المعرفة والصفات التي تسمح له بأن يصبح قائداً”، وفعلاً أصبح “رئيس فريق”، وأسندت إليه منذ أوائل ١٩٣٨ مهمة تأهيل الطلبة المستجدين الذين كان من بينهم عبد الحكيم عامر. وطوال فترة الكلية لم يوقع على جمال أي جزاء، كما رقى إلى رتبة أومباشى طالب.

الملازم ثان عبد الناصر

تخرج جمال عبد الناصر من الكلية الحربية بعد مرور ١٧ شهراً، أي في يوليه ١٩٣٨، فقد جرى استعجال تخريج دفعات الضباط في ذلك الوقت لتوفير عدد كافي من الضباط المصريين لسد الفراغ الذي تركه انتقال القوات البريطانية إلى منطقة قناة السويس.

وقد كانت مكتبة الكلية الحربية غنية بالكتب القيمة، فمن لائحة الاستعارة تبين أن جمال قرأ عن سير عظماء التاريخ مثل “بونابرت” و”الإسكندر” و”جاليباردى” و”بسمارك” و”مصطفى كمال أتاتورك” و”هندنبرج” و”تشرشل” و”فوش”. كما قرأ الكتب التي تعالج شئون الشرق الأوسط والسودان ومشكلات الدول التي على البحر المتوسط والتاريخ العسكري. وكذلك قرأ عن الحرب العالمية الأولى وعن حملة فلسطين، وعن تاريخ ثورة ١٩١٩.(الكتب التى كان يقرأها عبد الناصر فى الكلية الحربية).

التحق جمال عبد الناصر فور تخرجه بسلاح المشاة ونقل إلى منقباد في الصعيد، وقد أتاحت له إقامته هناك أن ينظر بمنظار جديد إلى أوضاع الفلاحين وبؤسهم. وقد التقى في منقباد بكل من زكريا محيى الدين وأنور السادات.

وفى عام ١٩٣٩ طلب جمال عبد الناصر نقله إلى السودان، فخدم في الخرطوم وفى جبل الأولياء، وهناك قابل زكريا محيى الدين وعبد الحكيم عامر. وفى مايو ١٩٤٠ رقى إلى رتبة الملازم أول.

عبد الناصر مع الحامية المصرية بالسودان

لقد كان الجيش المصري حتى ذلك الوقت جيشاً غير مقاتل، وكان من مصلحة البريطانيين أن يبقوه على هذا الوضع، ولكن بدأت تدخل الجيش طبقة جديدة من الضباط الذين كانوا ينظرون إلى مستقبلهم في الجيش كجزء من جهاد أكبر لتحرير شعبهم. وقد ذهب جمال إلى منقباد تملؤه المثل العليا، ولكنه ورفقائه أصيبوا بخيبة الأمل فقد كان معظم الضباط “عديمي الكفاءة وفاسدين”، ومن هنا اتجه تفكيره إلى إصلاح الجيش وتطهيره من الفساد. وقد كتب لصديقه حسن النشار في ١٩٤١ من جبل الأولياء بالسودان: “على العموم يا حسن أنا مش عارف ألاقيها منين واللا منين.. هنا في عملي كل عيبي إني دغرى لا أعرف الملق ولا الكلمات الحلوة ولا التمسح بالأذيال.

خطاب عبد الناصر لحسن النشار عن وضع الجيش فى جبل الأولياء فى السودان

شخص هذه صفاته يحترم من الجميع ولكن.. الرؤساء. الرؤساء يا حسن يسوءهم ذلك الذي لا يسبح بحمدهم.. يسوءهم ذلك الذي لا يتملق إليهم.. فهذه كبرياء وهم شبوا على الذلة في كنف الاستعمار.. يقولون.. كما كنا يجب أن يكونوا. كما رأينا يجب أن يروا.. والويل كل الويل لذلك… الذي تأبى نفسه السير على منوالهم… ويحزنني يا حسن أن أقول إن هذا الجيل الجديد قد أفسده الجيل القديم متملقاً.. ويحزنني يا حسن أن أقول أننا نسير إلى الهاوية – الرياء – النفاق الملق – تفشى في الأصاغر نتيجة لمعاملة الكبار. أما أنا فقد صمدت ولازلت، ولذلك تجدني في عداء مستحكم مستمر مع هؤلاء الكبار…”. (خطاب عبد الناصر لحسن النشار..١٩٤١ … ينشر لأول مرة)

وفى نهاية عام ١٩٤١ بينما كان “روميل” يتقدم نحو الحدود المصرية الغربية عاد جمال عبد الناصر إلى مصر ونقل إلى كتيبة بريطانية تعسكر خلف خطوط القتال بالقرب من العلمين.

ويذكر جمال عبد الناصر: “في هذه المرحلة رسخت فكرة الثورة في ذهني رسوخاً تاماً، أما السبيل إلى تحقيقها فكانت لا تزال بحاجة إلى دراسة، وكنت يومئذ لا أزال أتحسس طريقي إلى ذلك، وكان معظم جهدي في ذلك الوقت يتجه إلى تجميع عدد كبير من الضباط الشبان الذين أشعر أنهم يؤمنون في قراراتهم بصالح الوطن؛ فبهذا وحده كنا نستطيع أن نتحرك حول محور واحد هو خدمة هذه القضية المشتركة”.

وأثناء وجوده في العلمين جرت أحداث ٤ فبراير ١٩٤٢ حينما توجه السفير البريطاني – “السير مايلز لامسبون” – ليقابل الملك فاروق بسراي عابدين في القاهرة بعد أن حاصر القصر بالدبابات البريطانية، وسلم الملك إنذاراً يخيره فيه بين إسناد رئاسة الوزراء إلى مصطفى النحاس مع إعطائه الحق في تشكيل مجلس وزراء متعاون مع بريطانيا وبين الخلع، وقد سلم الملك بلا قيد ولا شرط.

ويذكر جمال عبد الناصر أنه منذ ذلك التاريخ لم يعد شئ كما كان أبداً، فكتب إلى صديقه حسن النشار في ١٦ فبراير ١٩٤٢ يقول: “وصلني جوابك، والحقيقة أن ما به جعلني أغلى غلياناً مراً، وكنت على وشك الانفجار من الغيظ، ولكن ما العمل بعد أن وقعت الواقعة وقبلناها مستسلمين خاضعين خائفين. والحقيقة أنى أعتقد أن الإنجليز كانوا يلعبون بورقة واحده في يدهم بغرض التهديد فقط، ولكن لو كانوا أحسوا أن بعض المصريين ينوون التضحية بدمائهم ويقابلوا القوة بالقوة لانسحبوا كأي امرأة من العاهرات.

أما نحن. أما الجيش فقد كان لهذا الحادث تأثير جديد على الوضع والإحساس فيه، فبعد أن كنت ترى الضباط لا يتكلمون إلا عن النساء واللهو، أصبحوا يتكلمون عن التضحية والاستعداد لبذل النفوس في سبيل الكرامة.

خطاب عبد الناصر لحسن النشار يبرز فيه موقفه من أحداث ٤ فبراير ١٩٤٢

وأصبحت تراهم وكلهم ندم لأنهم لم يتدخلوا – مع ضعفهم الظاهر – ويردوا للبلاد كرامتها ويغسلوها بالدماء.. ولكن إن غداً لقريب.. حاول البعض بعد الحادث أن يعملوا شئ بغرض الانتقام، لكن كان الوقت قد فات أما القلوب فكلها نار وأسى. عموماً فإن هذه الحركة أو هذه الطعنة ردت الروح إلى بعض الأجساد وعرفتهم أن هناك كرامة يجب أن يستعدوا للدفاع عنها، وكان هذا درساً ولكنه كان درساً قاسياً”. (خطاب عبد الناصر لحسن النشار… ١٦/٢/١٩٤٢).

ررقى جمال عبد الناصر إلى رتبة اليوزباشى (نقيب) في ٩ سبتمبر ١٩٤٢. وفى ٧ فبراير ١٩٤٣ عين مدرساً بالكلية الحربية. ومن قائمة مطالعاته في هذه الفترة يتضح أنه قرأ لكبار المؤلفين العسكريين من أمثال “ليدل هارت” و”كلاوزفيتز”، كما قرأ مؤلفات الساسة والكتاب السياسيين مثل “كرومويل” و”تشرشل”. وفى هذه الفترة كان جمال عبد الناصر يعد العدة للالتحاق بمدرسة أركان حرب.

وفى ٢٩ يونيه ١٩٤٤ تزوج جمال عبد الناصر من تحية محمد كاظم – ابنة تاجر من رعايا إيران – كان قد تعرف على عائلتها عن طريق عمه خليل حسين، وقد أنجب ابنتيه هدى ومنى وثلاثة أبناء هم خالد وعبد الحميد وعبد الحكيم. لعبت تحية دوراً هاماً في حياته خاصة في مرحلة الإعداد للثورة واستكمال خلايا تنظيم الضباط الأحرار، فقد تحملت أعباء أسرته الصغيرة – هدى ومنى – عندما كان في حرب فلسطين، كما ساعدته في إخفاء السلاح حين كان يدرب الفدائيين المصريين للعمل ضد القاعدة البريطانية في قناة السويس في ١٩٥١، ١٩٥٢.

تنظيم الضباط الأحرار:
شهد عام ١٩٤٥ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية حركة الضباط الأحرار، ويقول جمال عبد الناصر في حديثة إلى “دافيد مورجان”: “وقد ركزت حتى ١٩٤٨ على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائي، والذين توفرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم الكافي للإقدام على التغيير اللازم. وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين نحاول أن نخرج مثلنا العليا العامة في هدف مشترك وفى خطة مشتركة”.

وعقب صدور قرار تقسيم فلسطين في سبتمبر ١٩٤٧ عقد الضباط الأحرار اجتماعاً واعتبروا أن اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب ضد هذا الانتهاك للكرامة الإنسانية والعدالة الدولية، واستقر رأيهم على مساعدة المقاومة في فلسطين.

وفى اليوم التالي ذهب جمال عبد الناصر إلى مفتى فلسطين الذي كان لاجئاً يقيم في مصر الجديدة فعرض عليه خدماته وخدمات جماعته الصغيرة كمدربين لفرقة المتطوعين وكمقاتلين معها. وقد أجابه المفتى بأنه لا يستطيع أن يقبل العرض دون موافقة الحكومة المصرية. وبعد بضعة أيام رفض العرض فتقدم بطلب إجازة حتى يتمكن من الانضمام إلى المتطوعين، لكن قبل أن يبت في طلبه أمرت الحكومة المصرية الجيش رسمياً بالاشتراك في الحرب. فسافر جمال إلى فلسطين في ١٦ مايو ١٩٤٨، بعد أن كان قد رقى إلى رتبة صاغ (رائد) في أوائل عام ١٩٤٨.

لقد كان لتجربة حرب فلسطين آثاراً بعيدة على جمال عبد الناصر فعلى حد قولة: “فلم يكن هناك تنسيق بين الجيوش العربية، وكان عمل القيادة على أعلى مستوى في حكم المعدوم، وتبين أن أسلحتنا في كثير من الحالات أسلحة فاسدة، وفى أوج القتال صدرت الأوامر لسلاح المهندسين ببناء شاليه للاستجمام في غزه للملك فاروق.

وقد بدا أن القيادة العليا كانت مهمتها شيئاً واحداً هو احتلال أوسع رقعة ممكنة من الأرض بغض النظر عن قيمتها الإستراتيجية، وبغض النظر عما إذا كانت تضعف مركزنا العام في القدرة على إلحاق الهزيمة بالعدو خلال المعركة أم لا.

وقد كنت شديد الاستياء من ضباط الفوتيلات أو محاربي المكاتب الذين لم تكن لديهم أية فكرة عن ميادين القتال أو عن آلام المقاتلين.

وجاءت القطرة الأخيرة التي طفح بعدها الكيل حين صدرت الأوامر إلىّ بأن أقود قوة من كتيبة المشاة السادسة إلى عراق سويدان التي كان الإسرائيليون يهاجمونها، وقبل أن أبدأ في التحرك نشرت تحركاتنا كاملة في صحف القاهرة. ثم كان حصار الفالوجا الذي عشت معاركه؛ حيث ظلت القوات المصرية تقاوم رغم أن القوات الإسرائيلية كانت تفوقها كثيراً من ناحية العدد حتى انتهت الحرب بالهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة ” في ٢٤ فبراير ١٩٤٩.

وقد جرح جمال عبد الناصر مرتين أثناء حرب فلسطين ونقل إلى المستشفى. ونظراً للدور المتميز الذي قام به خلال المعركة فإنه منح نيشان “النجمة العسكرية” في عام ١٩٤٩.

وبعد رجوعه إلى القاهرة أصبح جمال عبد الناصر واثقاً أن المعركة الحقيقية هي في مصر، فبينما كان ورفاقه يحاربون في فلسطين كان السياسيون المصريون يكدسون الأموال من أرباح الأسلحة الفاسدة التي اشتروها رخيصة وباعوها للجيش.

وقد أصبح مقتنعاً أنه من الضروري تركيز الجهود لضرب أسرة محمد على؛ فكان الملك فاروق هو هدف تنظيم الضباط الأحرار منذ نهاية ١٩٤٨ وحتى ١٩٥٢.

ووقد كان في نية جمال عبد الناصر القيام بالثورة في ١٩٥٥، لكن الحوادث أملت عليه قرار القيام بالثورة قبل ذلك بكثير.

وبعد عودته من فلسطين عين جمال عبد الناصر مدرساً في كلية أركان حرب التي كان قد نجح في امتحانها بتفوق في ١٢ مايو ١٩٤٨. وبدأ من جديد نشاط الضباط الأحرار وتألفت لجنة تنفيذية بقيادة جمال عبد الناصر، وتضم كمال الدين حسين وعبد الحكيم عامر وحسين إبراهيم وصلاح سالم وعبد اللطيف البغدادي وخالد محيى الدين وأنور السادات وحسين الشافعي وزكريا محيى الدين وجمال سالم، وهى اللجنة التي أصبحت مجلس الثورة فيما بعد عام ١٩٥٠، ١٩٥١.

وفى ٨ مايو ١٩٥١ رقى جمال عبد الناصر إلى رتبة البكباشى (مقدم) وفى نفس العام اشترك مع رفاقه من الضباط الأحرار سراً في حرب الفدائيين ضد القوات البريطانية في منطقة القناة التي استمرت حتى بداية ١٩٥٢، وذلك بتدريب المتطوعين وتوريد السلاح الذي كان يتم في إطار الدعوى للكفاح المسلح من جانب الشباب من كافة الاتجاهات السياسية والذي كان يتم خارج الإطار الحكومي.

وإزاء تطورات الحوادث العنيفة المتوالية في بداية عام ١٩٥٢ اتجه تفكير الضباط الأحرار إلى الاغتيالات السياسية لأقطاب النظام القديم على أنه الحل الوحيد. وفعلاً بدئوا باللواء حسين سرى عامر – أحد قواد الجيش الذين تورطوا في خدمة مصالح القصر – إلا أنه نجا من الموت، وكانت محاولة الاغتيال تلك هي الأولى والأخيرة التي اشترك فيها جمال عبد الناصر، فقد وافقه الجميع على العدول عن هذا الاتجاه، وصرف الجهود إلى تغيير ثوري إيجابي.

ومع بداية مرحلة التعبئة الثورية، صدرت منشورات الضباط الأحرار التي كانت تطبع وتوزع سراً. والتي دعت إلى إعادة تنظيم الجيش وتسليحه وتدريبه بجدية بدلاً من اقتصاره على الحفلات والاستعراضات، كما دعت الحكام إلى الكف عن تبذير ثروات البلاد ورفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة، وانتقدت الاتجار في الرتب والنياشين. وفى تلك الفترة اتسعت فضيحة الأسلحة الفاسدة إلى جانب فضائح اقتصادية تورطت فيها حكومة الوفد.

ثم حدث حريق القاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٢ بعد اندلاع المظاهرات في القاهرة احتجاجاً على مذبحة رجال البوليس بالإسماعيلية التي ارتكبتها القوات العسكرية البريطانية في اليوم السابق، والتي قتل فيها ٤٦ شرطياً وجرح ٧٢. لقد أشعلت الحرائق في القاهرة ولم تتخذ السلطات أي إجراء ولم تصدر الأوامر للجيش بالنزول إلى العاصمة إلا في العصر بعد أن دمرت النار أربعمائة مبنى، وتركت ١٢ ألف شخص بلا مأوى، وقد بلغت الخسائر ٢٢ مليون جنيهاً.

وفى ذلك الوقت كان يجرى صراعاً سافراً بين الضباط الأحرار وبين الملك فاروق فيما عرف بأزمة انتخابات نادي ضباط الجيش. حيث رشح الملك اللواء حسين سرى عامر المكروه من ضباط الجيش ليرأس اللجنة التنفيذية للنادي، وقرر الضباط الأحرار أن يقدموا قائمة مرشحيهم وعلى رأسهم اللواء محمد نجيب للرياسة، وقد تم انتخابه بأغلبية كبرى وبرغم إلغاء الانتخاب بتعليمات من الملك شخصياً، إلا أنه كان قد ثبت للضباط الأحرار أن الجيش معهم يؤيدهم ضد الملك، فقرر جمال عبد الناصر – رئيس الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار – تقديم موعد الثورة التي كان محدداً لها قبل ذلك عام ١٩٥٥، وتحرك الجيش ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وتم احتلال مبنى قيادة الجيش بكوبري القبة وإلقاء القبض على قادة الجيش الذين كانوا مجتمعين لبحث مواجهة حركة الضباط الأحرار بعد أن تسرب خبر عنها .

وبعد نجاح حركة الجيش قدم محمد نجيب على أنه قائد الثورة – وكان الضباط الأحرار قد فاتحوه قبلها بشهرين في احتمال انضمامه إليهم إذا ما نجحت المحاولة – إلا أن السلطة الفعلية كانت في يد مجلس قيادة الثورة الذي كان يرأسه جمال عبد الناصر حتى ٢٥ أغسطس ١٩٥٢ عندما صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بضم محمد نجيب إلى عضوية المجلس وأسندت إليه رئاسته بعد أن تنازل له عنها جمال عبد الناصر.

بيان الثورة:
وفى صباح يوم ٢٣ يوليه وبعد احتلال دار الإذاعة تمت إذاعة بيان الثورة التالي:
“اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهل أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفى خُلقهم وفى وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.

أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب، وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف؛ لأن هذا ليس في صالح مصر، وإن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس، وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسئولاً عنهم، والله ولى التوفيق”.

وبعد نجاح الثورة بثلاثة أيام – أي في ٢٦ يوليه – أجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه أحمد فؤاد ومغادرة البلاد. وفى اليوم التالي أعيد انتخاب جمال عبد الناصر رئيساً للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار.

وفى ١٨ يونيه ١٩٥٣ صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وبإسناد رئاسة الجمهورية إلى محمد نجيب إلى جانب رئاسته للوزارة التي شغلها منذ ٧ سبتمبر ١٩٥٢، أما جمال عبد الناصر فقد تولى أول منصباً عاماً كنائب رئيس الوزراء ووزير للداخلية في هذه الوزارة التي تشكلت بعد إعلان الجمهورية. وفى الشهر التالي ترك جمال عبد الناصر منصب وزير الداخلية – الذي تولاه زكريا محيى الدين – واحتفظ بمنصب نائب رئيس الوزراء.(قرار المجلس بإلغاء الملكية) .

قرار المجلس بإلغاء الملكية

تعيين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة:
وفى فبراير ١٩٥٤ استقال محمد نجيب بعد أن اتسعت الخلافات بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة، وعين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً لمجلس الوزراء. وفيما يلي البيان الذي أذاعه المجلس بأسباب ذلك الخلاف في ٢٥ فبراير ١٩٥٤:

“أيها المواطنون

“لم يكن هدف الثورة التي حمل لواءها الجيش يوم ٢٣ يوليه سنة ١٩٥٢ أن يصل فرد أو أفراد إلى حكم أو سلطان أو أن يحصل كائن من كان على مغنم أو جاه، بل يشهد الله أن هذه الثورة ما قامت إلا لتمكين المُثل العليا في البلاد بعد أن افتقدتها طويلاً نتيجة لعهود الفساد والانحلال.

لقد قامت في وجه الثورة منذ اللحظة الأولى عقبات قاسية عولجت بحزم دون نظر إلى مصلحة خاصة لفرد أو جماعة، وبهذا توطدت أركانها واطرد تقدمها في سبيل بلوغ غاياتها.

ولا شك أنكم تقدرون خطورة ما أقيم في وجه الثورة من صعاب، خاصة والبلاد ترزح تحت احتلال المستعمر الغاصب لجزء من أراضيها، وكانت مهمة مجلس قيادة الثورة في خلال هذه الفترة غاية في القسوة والخطورة، حمل أفراد المجلس تلك التبعة الملقاة على عاتقهم ورائدهم الوصول بأمتنا العزيزة إلى بر الأمان مهما كلفهم هذا من جهد وبذل.

ومما زاد منذ اللحظة الأولى في قسوة وخطورة هذه التبعة الملقاة على أعضاء مجلس قيادة الثورة أنهم كانوا قد قرروا وقت تدبيرهم وتحضيرهم للثورة في الخفاء قبل قيامهم أن يقدموا للشعب قائداً للثورة من غير أعضاء مجلس قيادتهم وكلهم من الشبان، واختاروا فعلاً فيما بينهم اللواء أركان حرب محمد نجيب ليقدم قائداً للثورة، وكان بعيداً عن صفوفهم، وهذا أمر طبيعي للتفاوت الكبير بين رتبته ورتبهم، وسنه وسنهم، وكان رائدهم في هذا الاختيار سمعته الحسنة الطيبة وعدم تلوثه بفساد قادة ذلك العهد.

وقد أخطر سيادته بأمر ذلك الاختيار قبل قيام الثورة بشهرين اثنين ووافق على ذلك.

وما أن علم سيادته بقيام الثورة عن طريق مكالمة تليفونية بين وزير الحربية فى ذلك الوقت السيد مرتضى المراغى وبينه وفى منزله حتى قام إلى مبنى قيادة الثورة واجتمع برجالها فور تسلمهم لزمام الأمور.

ومنذ تلك اللحظة أصبح الموقف دقيقاً؛ إذ أن أعمال ومناقشات مجلس قيادة الثورة استمرت أكثر من شهر بعيدة عن أن يشترك فيها اللواء محمد نجيب إذ أنه حتى ذلك الوقت وعلى وجه التحديد يوم ٢٥ أغسطس سنة ١٩٥٢ لم يكن سيادته قد ضم إلى أعضاء مجلس الثورة.

وقد صدر قرار المجلس فى ذلك اليوم بضمه لعضويته كما صدر قرار بأن تسند إليه رئاسة المجلس بعد أن تنازل له عنها البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر الذى جدد انتخابه بواسطة المجلس قبل قيام الثورة كرئيس للمجلس لمدة عام ينتهى فى أخر أكتوبر سنة ١٩٥٢.

نتيجة لذلك الموقف الشاذ ظل اللواء محمد نجيب يعانى أزمة نفسية عانينا منها الكثير رغم قيامنا جميعاً بإظهاره للعالم أجمع بمظهر الرئيس الفعلى والقائد الحقيقى للثورة ومجلسها مع المحافظة على كافة مظاهر تلك القيادة.

وبعد أقل من ستة شهور بدأ سيادته يطلب بين وقت وآخر من المجلس منحه سلطات تفوق سلطة العضو العادى بالمجلس، ولم يقبل المجلس مطلقاً أن يحيد عن لائحته التى وضعت قبل الثورة بسنين طويلة إذ تقضى بمساواة كافة الأعضاء بما فيهم الرئيس فى السلطة، فقط إذا تساوت الأصوات عند أخذها بين فريقين فى المجلس فترجح الكفة التى يقف الرئيس بجانبها.

ورغم تعيين سيادته رئيساً للجمهورية مع احتفاظه برئاسة مجلس الوزراء ورئاسته للمؤتمر المشترك إلا أنه لم ينفك يصر ويطلب بين وقت وأخر أن تكون له اختصاصات تفوق اختصاصات المجلس، وكان إصرارنا على الرفض الكلى لكى نكفل أقصى الضمانات لتوزيع سلطة السيادة فى الدولة على أعضاء المجلس مجتمعين.

وأخيراً تقدم سيادته بطلبات محددة وهى:

أن تكون له سلطة حق الاعتراض على أى قرار يجمع عليه أعضاء المجلس، علماً بأن لائحة المجلس توجب إصدار أى قرار يوافق عليه أغلبية الأعضاء.

كما طلب أن يباشر سلطة تعيين الوزراء وعزلهم وكذا سلطة الموافقة على ترقية وعزل الضباط وحتى تنقلاتهم؛ أى أنه طالب إجمالاً بسلطة فردية مطلقة.

ولقد حاولنا بكافة الطرق الممكنة طوال الشهور العشرة الماضية أن نقنعه بالرجوع عن طلباته هذه التى تعود بالبلاد إلى حكم الفرد المطلق، وهو ما لا يمكن نرضاه لثورتنا، ولكننا عجزنا عن إقناعه عجزاً تاماً وتوالت اعتكافاته بين وقت وأخر حتى يجبرنا على الموافقة على طلباته هذه، إلى أن وضعنا منذ أيام ثلاثة أمام أمر واقع مقدماً استقالته وهو يعلم أن أى شقاق يحدث فى المجلس فى مثل هذه الظروف لا تؤمن عواقبه.

أيها المواطنون

لقد احتمل أعضاء المجلس هذا الضغط المستمر فى وقت يجابهون فيه المشاكل القاسية التى تواجه البلاد والتى ورثتها عن العهود البائدة.

يحدث كل ذلك والبلاد تكافح كفاح المستميت ضد مغتصب فى مصر والسودان وضد عدو غادر يرابط على حدودها مع خوضها معركة اقتصادية مريرة وإصلاحاً لأداة الحكم وزيادة الإنتاج إلى أخر تلك المعارك التى خاضتها الثورة ووطدت أقدامها بقوة فى أكثر من ميدان من ميادينها.

واليوم قرر مجلس قيادة الثورة بالإجماع ما يلى:

أولاً: قبول الاستقالة المقدمة من اللواء أركان حرب محمد نجيب من جميع الوظائف التى يشغلها.

ثانياً: يستمر مجلس قيادة الثورة بقيادة البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر فى تولى كافة سلطاته الحالية إلى أن تحقق الثورة أهم أهدافها وهو إجلاء المستعمر عن أرض الوطن.

حل جماعة الاخوان المسلمين

ثالثاً: تعيين البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس الوزراء.

ونعود فنكرر أن تلك الثورة ستستمر حريصة على مُثلها العليا مهما أحاطت بها من عقبات وصعاب، والله كفيل برعايتها إنه نعم المولى ونعم النصير، والله ولى التوفيق”.

وسرعان ما تم تدارك مظاهر ذلك الخلاف فقبل مجلس قيادة الثورة عودة محمد نجيب إلى رئاسة الجمهورية في بيان صدر في ٢٧ فبراير ١٩٥٤.

ثم بدأت بعد ذلك أحداث الشغب التي دبرتها جماعة الإخوان المسلمين التي أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً مسبقاً بحلها في ١٤ يناير ١٩٥٤، (قرار المجلس بحل جماعة الإخوان المسلمين) وقد تورط أيضاً بعض عناصر النظام القديم في هذه الأحداث.

السماح بقيام أحزاب وإلغاء الحرمان من الحقوق السياسية

ووقد تجلى الصراع داخل مجلس قيادة الثورة في هذه الفترة في القرارات التي صدرت عنه وفيها تراجعاً عن المضى في الثورة، فأولاً ألغيت الفترة الانتقالية التي حددت بثلاث سنوات، وتقرر في ٥ مارس ١٩٥٤ اتخاذ الإجراءات فوراً لعقد جمعية تأسيسية تنتخب بالاقتراع العام المباشر على أن تجتمع في يوليه ١٩٥٤ وتقوم بمناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره والقيام بمهمة البرلمان إلى الوقت الذي يتم فيه عقد البرلمان الجديد وفقاً لأحكام الدستور الذي ستقره الجمعية التأسيسية. وفى نفس الوقت تقرر إلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحافة والنشر.

وثانياً: قرر مجلس قيادة الثورة تعيين محمد نجيب رئيساً للمجلس ورئيساً لمجلس الوزراء بعد أن تنحى جمال عبد الناصر عن رئاسة الوزارة وعاد نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة.

وأخيراً قرر مجلس قيادة الثورة في ٢٥ مارس ١٩٥٤ السماح بقيام الأحزاب وحل مجلس قيادة الثورة يوم ٢٤ يوليه ١٩٥٤ أي في يوم انتخاب الجمعية التأسيسية. (قرار المجلس بالسماح بقيام أحزاب).

إرجاء تنفيذ قرارات المجلس التى صدرت فى ٢٥ مارس ١٩٥٤

وبالرغم من إلغاء مجلس قيادة الثورة لتلك القرارات في ٢٩ مارس ١٩٥٤ (قرار المجلس بإرجاء تنفيذ قرارات ٢٥ مارس ١٩٥٤) إلا أن الأزمة التي حدثت في مجلس قيادة الثورة أحدثت انقساماً داخله بين محمد نجيب يؤيده خالد محيى الدين وبين جمال عبد الناصر وباقي الأعضاء.

وقد انعكس هذا الصراع على الجيش، كما حاول السياسيون استغلاله وخاصة الإخوان المسلمين وأنصار الأحزاب القديمة الذين كانوا فى صف نجيب وعلى اتصال به.

وفى ١٧ أبريل ١٩٥٤ تولى جمال عبد الناصر رئاسة مجلس الوزراء واقتصر محمد نجيب على رئاسة الجمهورية إلى أن جرت محاولة لاغتيال جمال عبد الناصر على يد الإخوان المسلمين عندما أطلق عليه الرصاص أحد أعضاء الجماعة وهو يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية في ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤، وثبت من التحقيقات مع الإخوان المسلمين أن محمد نجيب كان على اتصال بهم وأنه كان معتزماً تأييدهم إذا ما نجحوا في قلب نظام الحكم. وهنا قرر مجلس قيادة الثورة في ١٤ نوفمبر ١٩٥٤ إعفاء محمد نجيب من جميع مناصبه على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً وأن يستمر مجلس قيادة الثورة في تولى كافة سلطاته بقيادة جمال عبد الناصر.

إعفاء اللواء محمد نجيب من جميع المناصب التى يشغلها

وفى ٢٤ يونيه ١٩٥٦ انتخب جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية بالاستفتاء الشعبي وفقاً لدستور ١٦ يناير ١٩٥٦ ـ أول دستور للثورة.

وفى ٢٢ فبراير ١٩٥٨ أصبح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وذلك حتى مؤامرة الانفصال التي قام بها أفراد من الجيش السوري في ٢٨ سبتمبر ١٩٦١.

وظل جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة حتى رحل في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠.