أ.د. أحمد محمد وهبان

أهداف العلاقات الدولية في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: خالد العتيبي 380

إن صياغة أهداف العلاقات الدولية يجب أن تتم في ضوء المنهج الإسلامي للعلاقات الخارجية الذي حددته الأحكام الشرعية؛ فلا ينبغي أن تضع الدول أهدافها للعلاقات الخارجية في غيبة من الإسلام، ويمكن تفصيل أهداف العلاقات الدولية في الإسلام على النحو التالي:

أولا: أهداف عامة مشتركة:

1 ـ حماية الدولة: وهو ما يعرف في واقعنا المعاصر بالأمن القومي، ويتطلب سيادة الدولة على أراضيها، وحفظها لحدودها الجغرافية، وبعدها عن تدخل الدول الأخرى عسكريا أو سياسيا.

2 ـ رعاية المصالح المتبادلة: إذ تسعى كل دولة إلى توفير موارد ذاتية تغنيها عن الحاجة إلى عون خارجي، لكن هذا في واقع الحال صعب المنال؛ لذلك تلجأ الدول إلى أن تكمل نقصها عبر علاقاتها الخارجية، وتبادل المنافع مع الدول الأخرى.

3 ـ الأمن المشترك: فالأمن هو أحد الضروريات التي يحتاجها كل نظام سياسي يسعى إلى الاستقرار، وإذا كان الأمن الداخلي مسألة خاصة بكل دولة فهناك أمن خارجي مشترك بين دول العالم، تحكمه اتفاقيات تضمن عدم اعتداء دولة على أخرى، وقد تتحالف دول معينة وتتفق على التصدي لأي عدوان يهدد دولة في الحلف.

4 ـ السلام العالمي: إن الخلافات بين الدول تهدد أمن العالم؛ لذلك اقتضت المصلحة أن يقوم نظام عالمي لرعاية السلام العالمي، ومنع حدوث خلافات بين الدول، وتوفير آلية لحل الخلافات بينها؛ حفظا للأمن والسلام العالميين، وفي واقعنا المعيش تقوم منظمة الأمم المتحدة وروافدها بهذا الدور.

ثانيا: أهداف خاصة:

1 ـ نشر الدعوة الإسلامية: فالدولة الإسلامية هي دولة دعوة، تحمل رسالة الإسلام وتبشر بها وتدعو إليها، وتحمل لواء خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة والبلاغ.

2 ـ حماية الأقليات المسلمة: يطلق على المجموعات التي تعيش في دولة أخرى غير التي تقيم بها اسم (الأقليات)، والقانون الدولي يعرف الأقليات القومية، ولا ينظر للأقليات الدينية مع إنه حفظ لها حقوقها المتعلقة بشعائرها الشخصية، أما الإسلام فلا تقف العنصرية أو العرقية حاجزاً أمام الانتماء الأوسع له، ومهمة الدولة الإسلامية تقتضي حفظ حقوق الأقليات المسلمة دون النظر إلى أصولها العرقية أو العنصرية.

3ـ درء الأخطار عن الأمة الإسلامية: إن الأمة الإسلامية مطالبة بنشر هذا الدين والذود عنه، وحماية معتنقيه والدفاع عن حرماتهم، وإزالة كل العوائق التي تمنعهم من أن يؤدوا فرائض دينهم؛ بل والتي تحول بين غير المسلمين وقبول الإسلام.

الفلبين والاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الصعنوني380

في الفلبين حضارة إسلامية عامرة منذ أكثر من ثمانية قرون..
ويوجد هناك اليوم أكثر من (12) مليون نسمة من المسلمين، ينتشرون في 13 ولاية، ويتركز أغلبهم في المناطق الجنوبية التي نشرت هدايات الإسلام وتعاليمه في كافة المناطق الفلبينية،
كما قامت هناك العديد من الممالك الإسلامية التي دافعت عن جميع الجزر ضد غزوات وأطماع المستعمرين.
وقد ساهمت هذه الممالك في تأصيل الوجود الإسلامي والحفاظ على العقيدة والهوية الإسلامية.

والمسلمون في الفلبين هم أول مجتمع إنساني منظم في هذه الدولة.. فحينما توجه أسطول الكشوف الجغرافية إلى هذه الجزر بقيادة “ماجلان” في عام 1521 ميلادية، وجد مقاومة شرسة من المسلمين، حيث لقي ” ماجلان” مصرعه في إحدى المعارك بجزيرة “ماكستان”..
وقد استطاع الإسبان فرض سيطرتهم على هذه الجزر مدة (377) عاماً.. وأطلقوا عليها اسم ” الفلبين” نسبة إلى الملك الإسباني “فيليب الثاني”، بينما ظلّت مناطق المسلمين في الجنوب متمتعة بالاستقلال الذاتي.
الإمارات الإسلامية
وقد أكّدت الدراسات التاريخية أن الإمارات الإسلامية هناك قامت بدور مهم في إبلاغ دعوة الإسلام وتجلية تعاليمه السمحة، وبيان مزاياه التشريعية وسهولة تعاليمه الربانية، ومن أشهر هذه الممالك الإسلامية: إمارة الشريف أبو بكر في جزيرة “صُولُو”، وإمارة الشريف محمد بن علي في جزيرة ” ميندناو”، وجزيرة “ميندناو” غنيّة بالثروات؛ فتنتج وحدها 56% من إجمالي الذرة الفلبيني و55% من البن و55% من جوز الهند و50% من الأسماك و39% من اللحوم و29% من الأرز و50% من الفاكهة وكل الموز والمطاط الفلبيني.
مناطق المسلمين
وقد حصلت المناطق الإسلامية في جنوب الفلبين على الحكم الذاتي بموجب الاتفاقية التي أشرفت عليها منظمة المؤتمر الإسلامي في عام 1976 ميلادية، حيث يعيش في هذه المنطقة شعب مسلم ترجع أصوله التاريخية إلى العرب الذين استقروا هناك منذ ثمانية قرون، وقامت بينهم وبين سكان البلاد علاقات تزاوج ومصاهرة، ولكن السلطات الفلبينية تؤرخ للإسلام هناك منذ أكثر من ستة قرون، حيث أُقيم احتفال بالعاصمة مانيلا بمناسبة مرور (600) عام على دخول الإسلام هناك في عام 1380 ميلادية .. ويُعرف الشعب المسلم بالفلبين بأنه شعب المورو.
الجزر والناس
وتتكون الفلبين من سبعة آلاف ومائة جزيرة. مساحتها الإجمالية (300) ألف كيلو متر مربع، ويبلغ عدد سكانها أكثر من (51) مليون نسمة من بينهم (8) ملايين مسلم. وقد أشارت مصادر شعب المورو أن أعداد المسلمين قد بلغت حوالي (12) مليون نسمة بسبب الإقبال على اعتناق الإسلام، وقد خضعت الفلبين لسيطرة إسبانية وأمريكية ويابانية منذ عام 1521 ميلادية حتى استقلت وانضمت إلى الأمم المتحدة في 24 أكتوبر عام 1945 ميلادية كأحد دول قارة آسيا.

والعاصمة هي مدينة “مانيلا” والعملة المتداولة هناك اسمها “بيزو”.. ونظام الحكم هناك جمهوري. وتقع الفلبين في المحيط الهادي شمال أستراليا، ويسعى المسلمون هناك لتحقيق مكاسب تؤكد هويتهم وأصالتهم وانتماءاتهم الإسلامية .
وبنجسا مورو.. هو الاسم الذي أطلقه المسلمون على المناطق التي يعيشون فيها جنوب الفلبين، وتضم أكثر من سبعة ملايين نسمة من المسلمين، بينما تبلغ مساحتها 37% من جملة أراضي الفلبين.
وقد شهدت بنجسا مورو حضارة إسلامية زاهرة، وتأسست هناك ممالك إسلامية عملت على دعم مسيرة المدّ الإسلامي في (26) منطقة في جنوب الفلبين والجزر الواقعة في أرخبيل سُولُو. وقد وصل دعاة الإسلام من التجار العرب إلى بنجسا – مورو – منذ القرن السادس الهجري.. واستقرت في جزيرة ” سولو” أول جالية مسلمة تولّت نشر الإسلام والتعريف بهدايات وأحكام الدين الحنيف في أكثر من سبعة آلاف جزيرة.
وقد لاقت دعوة الإسلام قبولاً حسناً، فاعتنق سكان الجزر الإسلام طواعية. ويُعرف المسلمون باسم “المورو”، وينتشرون في الجزر الجنوبية. وامتدت الدعوة الإسلامية ومؤسساتها لتشمل كافة مناطق الفلبين، فالعرب المسلمون هم أول من اكتشف جزر الفلبين، واستقروا بها.

تاريخ إسلامي مشرف
في عام 1521 ميلادية، رست سفينة البحار الإسباني ” ماجيلان” على إحدى الجزر المجهولة في المحيط الهادي، وانطلق إلى جزر أخرى .. فوجد إمارات إسلامية في تلك الجزر، منها إمارة الشريف أبى بكر في جزيرة “سولو” وإمارة الشريف محمد بن على في جزيرة ” ميندناو”..
وقد حاول الإسبان القضاء على الإمارات الإسلامية في جنوب الفلبين لكنهم وجدوا مقاومة إسلامية كبيرة، وقتل ماجيلان في إحدى المعارك، فأرسلت إسبانيا تعزيزات عسكرية، لكنها لم تتمكن من احتلال المناطق الجنوبية فاتجهت شمالاً حيث الجزر الأخرى.
وبعد جهود ضخمة من الإسبان وقعت بنجسا – مورو – في براثن المستعمر الإسباني الذي حاول – منذ عام 1078 هجرية – القضاء على وحدة المسلمين هناك. وقد استمر الحكم الإسباني لهذه الجزر نحو أربعة قرون، تعطلت خلالها مسيرة المدّ الإسلامي.. إلا أن المسلمين حافظوا على هويتهم العقديّة، وتصدوا لكل محاولات تذويب الهوية الإسلامية.
استمرت المقاومة الإسلامية للمستعمر الإسباني، وكما حافظ الشعب المسلم على هويته الإسلامية، وحافظوا على استقلال جزر الجنوب، وامتدت المقاومة الإسلامية إلى الجزر الشمالية. وقد سجل تاريخ المسلمين في بنجسا مورو اسم الأمير ” راجا سليمان” كأحد قادة الجهاد الإسلامي حتى خرجت إسبانيا من بنجسا مورو والجزر الأخرى في عام 1898 ميلادية.
وتشير المصادر التاريخية لشعب المورو المسلم.. أن الولايات المتحدة الأمريكية اعترفت باستقلال الجزر الإسلامية في جنوب الفلبين، وذلك بموجب اتفاقيات عُقدت بين الجانبين ..
لذلك قاوم المسلمون في بنجسا مورو الاحتلال الياباني وعاونوا القوات الأمريكية حتى استسلمت اليابان في عام 1945 ميلادية، وأصبحت الفلبين خاضعة للولايات المتحدة الأمريكية، حتى انسحبت منها في العام التالي، وأصبحت الفلبين دولة مستقلة.
وبعد استقلال الفلبين طالب المسلمون في بنجسا مورو الحصول على استقلالهم، وقد تطوّرت هذه القضية تطوراً كبيراً، ونوقشت قضية شعب المورو المسلم في المحافل الدولية الإسلامية إلى أن تم التوقيع على معاهدة بين حكومة الفلبين وشعب المورو المسلم. ونصّت بنود الاتفاقية التي وُقّعت في مدينة طرابلس بليبيا عام 1976 ميلادية – بإشراف منظمة المؤتمر الإسلامي – على منح شعب المورو المسلم الحكم الذاتي

العلاقات السياسة المغربية مع بلاد السودان الغربي

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الصعنوني380

عرفت العلاقات السودانية المغربية تطوراً كبيراً وازدهاراً على مر العصور وفي شتى المجالات، ولم تقف الحواجز الطبيعية حائلاً دون الاختلاط الفكري والسياسي والثقافي والديني بين شمال الصحراء وجنوبها، وهذا يعني سهولة نقل النظم من مكان إلى مكان آخر خاصة في ميادين السياسة والإدارة وتنظيم الجيوش وتسييرها، إلا أن هذه الروابط عكر صفوها لفترة من الزمن توتر سياسي بين الشمال في عهد حكم الأشراف السعديين للمغرب، والجنوب في عهد حكم الأساكي بسبب الصراع على مناجم الذهب في السودان الغربي، وانتهى بغزو المغرب للسودان الغربي سنة 1591م، وهذا أمر وارد في سير الأمم والملوك، و تشمل هذه العلاقات في فترة الدراسة جميع الدول التي قامت بالمغرب وبلاد السودان الغربي طيلة القرنين 9و10هـ/15و16م . أولاً: العلاقات السودانية مع الدولة المرينية (668-961هـ/ 1258-1420م):
لقد تمسك ملوك بني مرين فيما يتعلق بالممالك الإفريقية جنوب الصحراء بعلاقات الود والإخاء التي ربطتهم كمسلمين بتلك الممالك، خاصة في ظل وجود مملكة قوية في الجنوب هي مملكة مالي، بل في أوج عظمتها في عهدي المنسى موسى ثم المنسى سليمان .
وإذا كانت شهرة المنسا موسى قد طبقت الآفاق في السودان إثر رحلته إلى الحج وما نتج عنها، فإن اسم جاره السلطان المريني أبي الحسن قد دوت عبر أطراف إفريقيا والأندلس، ولهذا فقد كان من الطبيعي أن تنشأ بين المملكتين علاقات قائمة على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وجاءت أول إشارة للعلاقات السياسية بين بني مرين ومالي خلال عهد السلطان أبي الحسن المريني، حين أرسل إليه سلطان مالي منسا موسى سفارة بها أحد رجال البلاط المالي ومعه أحد المترجمين من الملثمين من صنهاجة، وكان الهدف منها تهنئة سلطان المغرب على انتصاره واستيلائه على تلمسان.
وقد بالغ السلطان أبو الحسن في استقبال الوفد المالي والاحتفاء به، ورد على هذه السفارة، بسفارة كبيرة ظهرت فيها أبهة السلطان المريني حيث تضمنت هدايا كثيرة إلى السلطان المالي، وقد وصلت هذه السفارة إلى مالي في عهد منسا سليمان بن منسا موسى، الذي كان قد توفي منذ قليل. وبعد وفاة السلطان أبي الحسن استمرت العلاقة الطيبة بين المملكتين، وكان تبادل الهدايا والسفارات بين البلاطين أمراً يحظى باهتمام سلاطين الدولتين، فكان منسا سليمان قبل وفاة السلطان أبي الحسن قد أرسل هدية نفيسة إليه، ولكنها اختزنت في الطريق إلى المغرب بسبب وفاة مرسلها منسا سليمان، وظلت على هذه الحال حتى تولى ملك مالي منسا زاطة، فأمر بإرسال الهدية على الفور إلى السلطان أبي سالم المريني، وضم إلى الهدية حيوان الزرافة الغريب الشكل العظيم الهيكل، وكان يوم وصولها يوماً مشهوداً ، وأنشد الشعراء قصائدهم في ذلك.
وصاحب هذه العلاقات السياسية الودية انتقال بعض المؤثرات والتنظيمات الإدارية المرينية إلى دولة مالي، فكان بهذه الدولة الوزراء والقضاة والكتاب والدواوين، والجيش الذي وصل عدد الجند به إلى مائة ألف رجل. أما العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدولتين فلابد وأنها سبقت العلاقات الدبلوماسية بأمد بعيد، والمعروف أنها بدأت على المستوى الرسمي بين الدولتين في عهد منسا موسى.
ومن المعروف أن ابن بطوطة قام بزيارة إلى مالي على رغبة من السلطان أبي عنان المريني، ويرى البعض أن الهدف الحقيقي وراء هذه الرحلة هو القيام بدراسة عملية للطرق والمسالك التجارية بين مالي والدولة المرينية، والوقوف على الحجم الحقيقي لتجارة الذهب بين مالي ومصر، وذلك للعمل على تحويلها ما أمكن إلى البلاد المرينية .
أما العلاقات الثقافية بين الدولة المرينية وبلاد السودان الغربي، فهي علاقة قديمة تمتد جذورها إلى قرون عديدة، وقد حمل التجار العبء الأكبر في إيصال المؤثرات الثقافية الأولى لهذه البقاع، وسرعان ما اقتفى العلماء أثر التجار وساروا معهم أو وراءهم ينشرون الإسلام، ومعه يبثون العلم العربي والثقافة العربية الإسلامية، حتى إن منسى موسى نفسه أصبح يجيد اللغة العربية ويلم بكثير من ألوان الثقافة العربية الإسلامية.
ثانياً: العلاقات السودانية مع الدولة الوطاسية (876-961هـ/1471-1553م): بالرغم من أن فترة حكم الوطاسيين كانت قصيرة، وعرفت الكثير من المشاكل والاضطرابات، فإنهم ظلوا على صلة وثيقة بممالك السودان الغربي، فقد أرسل ملك فاس محمد الو طاسي المعروف بالبرتغـالي (1505-1524م) سفارة إلى مملكة سنغاي وبالذات إلى تنبكت في بداية القرن العاشر الهجري، حيث مثلت امام الأسكيا محمد توري الكبير(1493-1528م) رأس أسرة الأسكيين، وكانت برئاسة أحد أعمام الحسن بن محمد الوزان الذي كان برفقته، وهوما يزال في مقتبل العمر .
وكان مرور السفارة عن طريق درعة، وظلت سجلماسة حتى ذلك الوقت مركزاً تجارياً عظيماً يتبادل فيها التجار البضائع مع مصر والسودان .
ثالثاً: العلاقات السودانية مع دولة الأشراف السعديين (915-1069هـ/1510-1658م): تميزت العلاقات بين سلاطين السعديين وملوك السودان الغربي(الأساكي) بالتوتر والفتور في كثير من الأحيان، وتعتمد على الغرض والمنفعة وتحقيق مصالح استغلالية مغربية في السودان الغربي، فمنذ ظهور السعديين (916هـ/1510م)، وقيام دولتهم بالمغرب، سعوا إلى البحث عن موارد ثابتة، تمكنهم من توطيد أقدامهم، وتساعدهم على تطوير الاقتصاد المغربي لما فيه رفاهية البلاد وازدهارها خاصة في ظل الضائقة المالية التي عانوا منها نتيجة حروبهم المتواصلة مع أعدائهم . فتوجه السعديون بأنظارهم إلى ثروات السودان الغربي من الذهب والرقيق، وقد ركزوا على مناجم الملح في تغازا ، والذي تعتمد عليه سائر بلاد السودان.
وبالفعل فقد أرسل السلطان محمد الأعرج ثاني السلاطين السعديين إلى الأسكيا إسحاق الأول في عام (933هـ/1526م)، يطلب منه تسليم معدن تغازا، وكرر هذا الطلب السلطان محمد الشيخ خليفة الأعرج في عام (951هـ/1544م) بشأن التنازل عن نفس المعدن.
وانتهى الأمر بين الطرفين بغزو منطقة السودان الغربي على يد السلطان أحمد المنصور الذهبي والقضاء على دولة صنغاي، في ظل ظروف داخلية وتحديات خارجية فرضت نفسها على المغرب وتوجهاته السياسية والاقتصادية.

اثر فتح القسطنطينية على العالم الاوروبي والاسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الصعنوني380

كانت القسطنطينية قبل فتحها عقبة كبيرة في وجه انتشار الإسلام في أوربا؛ ولذلك فإن سقوطها يعني فتح أوربا لدخول الإسلام بقوة, وسلام لمعتنقيه أكثر من ذي قبل، ويعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمي، وخصوصًا تاريخ أوربا وعلاقتها بالإسلام, حتى عده المؤرخون الأوربيون ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة (1) .
وقد قام السلطان بعد ذلك على ترتيب مختلف الأمور في المدينة، وإعادة تحصينها، واتخذها عاصمة للدولة العثمانية, وأطلق عليها لقب إسلام بول؛ أي: مدينة الإسلام (2).
لقد تأثر الغرب النصراني بنبأ هذا الفتح، وانتاب النصارى شعور بالفزع والألم والخزي، وتجسم لهم خطر جيوش الإسلام القادمة من إسطنبول، وبذل الشعراء والأدباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد وبراكين الغضب في نفوس النصارى ضد المسلمين، وعقد الأمراء والملوك اجتماعات طويلة ومستمرة تنادي النصارى إلى نبذ الخلافات والحزازات, وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثرًا بنبأ سقوط القسطنطينية، وعمل جهده وصرف وقته في توحيد الدول الإيطالية وتشجيعها على قتال المسلمين..
وترأس مؤتمرًا عقد في روما أعلنت فيه الدول المشتركة عن عزمها على التعاون فيما بينها وتوجيه جميع جهودها وقوتها ضد العدو المشترك, وأوشك هذا الحلف أن يتم إلا أن الموت عاجل البابا, بسبب الصدمة العنيفة الناشئة عن سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين, والتي تسببت في همه وحزنه فمات كمدًا في 25 مارس سنة 1455م (3).
وتحمس الأمير فيليب الطيب دوق بورجونديا والتهب حماسًا وحمية, واستنفر ملوك النصارى إلى قتال المسلمين, وحذا حذوه البارونات والفرسان والمتحمسون والمتعصبون للنصرانية، وتحولت فكرة قتال المسلمين إلى عقيدة مقدسة تدفعهم لغزو بلادهم، وتزعمت البابوية في روما حروب النصارى ضد المسلمين, وكان السلطان محمد الفاتح بالمرصاد لكل تحركات النصارى، وخطط ونفذ ما رآه مناسبًا لتقوية دولته وتدمير أعدائه، واضطر النصارى -الذين كانوا يجاورون السلطان محمد أو يتاخمون حدوده في آماسيا، وبلاد المورة، طرابيزون وغيرهم- أن يكتموا شعورهم الحقيقي، فتظاهروا بالفرح وبعثوا وفودهم إلى السلطان في أدرنة لتهنئته على انتصاره العظيم (4).
وحاول البابا بيوس الثاني بكل ما أوتي من مقدرة خطابية، وحنكة سياسية، تأجيج الحقد الصليبي في نفوس النصارى شعوبًا وملوكًا، قادة وجنودًا, واستعدت بعض الدول لتحقيق فكرة البابا الهادفة للقضاء على العثمانيين, ولما حان وقت النفير اعتذرت دول أوربا بسبب متاعبها الداخلية..
فلقد أنهكت حرب المائة عام إنجلترا وفرنسا، كما أن بريطانيا كانت منهمكة في مشاغلها الدستورية وحروبها الأهلية، وأما أسبانيا فهي مشغولة بالقضاء على مسلمي الأندلس, وأما الجمهوريات الإيطالية فكانت تهتم بتوطيد علاقاتها بالدولة العثمانية مكرهة وحبًّا في المال، فكانت تهتم بعلاقتها مع الدولة العثمانية.
وانتهى مشروع الحملة الصليبية بموت زعيمها البابا, وأصبحت المجر والبندقية تواجه الدولة العثمانية لوحدهما؛ أما البندقية فعقدت معاهدة صداقة وحسن جوار مع العثمانيين؛ رعاية لمصالحها, وأما المجر فقد انهزمت أمام الجيوش العثمانية واستطاع العثمانيون أن يضموا إلى دولتهم بلاد الصرب، واليونان والأفلاق والقرم والجزر الرئيسية في الأرخبيل, وقد تم ذلك في فترة قصيرة، حيث داهمهم السلطان الفاتح، وشتت شملهم، وأخذهم أخذًا عظيمًا (5).
وحاول البابا “بيوس الثاني” بكل ما أوتي من مهارة وقدرة سياسية تركيز جهوده في ناحيتين اثنتين: حاول أولاً أن يقنع الأتراك باعتناق الدين النصراني، ولم يقم بإرسال بعثات تبشيرية لذلك الغرض, وإنما اقتصر على إرسال خطاب إلى السلطان محمد الفاتح يطلب منه أن يعضد النصرانية، كما عضدها قبله قسطنطين وكلوفيس, ووعده بأنه سيكفر عنه خطاياه إن هو اعتنق النصرانية مخلصًا، ووعده بمنحه بركته واحتضانه ومنحه صكًّا بدخول الجنة.
ولما فشل البابا في خطته هذه, لجأ إلى الخطة الثانية خطة التهديد والوعيد واستعمال القوة، وكانت نتائج هذه الخطة الثانية قد بدأ فشلها مسبقًا بهزيمة الجيوش الصليبية والقضاء على الحملة التي قادها هونياد المجري (6).
وأما آثار هذا الفتح المبين في المشرق الإسلامي, فنقول لقد عم الفرح والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا وإفريقيا, فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد وأمل الأجيال، ولقد تطلعت له طويلاً, وها قد تحقق, وأرسل السلطان محمد الفاتح رسائل إلى حكام الديار الإسلامية في مصر والحجاز وبلاد فارس والهند وغيرها؛ يخبرهم بهذا النصر الإسلامي العظيم, وأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشكر، وزينت المنازل والحوانيت وعلقت على الجدران والحوائط والأعلام والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة (7).
يقول ابن إياس صاحب كتاب “بدائع الزهور” في هذه الواقعة: “فلما بلغ ذلك، ووصل وفد الفاتح، دقت البشائر بالقلعة، ونودي في القاهرة بالزينة، ثم إن السلطان عين برسباي أمير آخور ثاني رسولاً إلى ابن عثمان يهنئه بهذا الفتح” (8).
وندع المؤرخ أبا المحاسن بن تغري بردي يصف شعور الناس وحالهم في القاهرة عندما وصل إليها وفد الفاتح ومعهم الهدايا وأسيران من عظماء الروم، قال: “قلت ولله الحمد والمنة على هذا الفتح العظيم, وجاء القاصد المذكور ومعه أسيران من عظماء إسطنبول, وطلع بهما إلى السلطان “سلطان مصر إينال” وهما من أهل القسطنطينية وهي الكنيسة العظيمة بإسطنبول, فسُر السلطان والناس قاطبة بهذا الفتح العظيم, ودقت البشائر لذلك, وزينت القاهرة بسبب ذلك أيامًا, ثم طلع القاصد المذكور وبين يديه الأسيران إلى القلعة في يوم الاثنين خامس وعشرين شوال, بعد أن اجتار القاصد المذكور ورفقته بشوارع القاهرة, وقد احتفلت الناس بزينة الحوانيت والأماكن وأمعنوا في ذلك إلى الغاية, وعمل السلطان الخدمة بالحوش السلطاني من قلعة الجبل” (9).
وهذا الذي ذكره ابن تغري بردي من وصف احتفال الناس وأفراحهم في القاهرة بفتح القسطنطينية ما هو إلا صورة لنظائر لها قامت في البلاد الإسلامية الأخرى, وقد بعث السلطان محمد الفاتح برسائل الفتح إلى سلطان مصر وشاه إيران وشريف مكة وأمير القرمان، كما بعث بمثل هذه الرسائل إلى الأمراء المسيحيين المجاورين له في المورة والأفلاق والمجر والبوسنة وصربيا وألبانيا, وإلى جميع أطراف مملكته (10).
من رسالة الفاتح إلى سلطان مصر:
وإليك مقتطفات من رسالة الفاتح إلى أخيه سلطان مصر الأشرف إينال وهي من إنشاء الشيخ أحمد الكوراني: “إن من أحسن سنن أسلافنا -رحمهم الله تعالى- أنهم مجاهدون في سبيل الله, ولا يخافون لومة لائم, ونحن على تلك السنة قائمون وعلى تيك الأمنية دائمون, ممتثلين بقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 29]، ومستمسكين بقوله صلى الله عليه وسلم: “من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار”. فهممنا في هذا العام عممه الله بالبركة والإنعام, معتصمين بحبل الله ذي الجلال والإكرام, ومتمسكين بفضل الملك العلام إلى أداء فرض الغزاء في الإسلام, مؤتمرين بأمره تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123], وجهزنا عساكر الغزاة والمجاهدين من البر والبحر لفتح مدينة ملئت فجورًا وكفرًا التي بقيت وسط الممالك الإسلامية تباهي بكفرها فخرًا.
فكأنها حصف على الخد الأغر *** وكأنها كلف على وجه القمر
هذه المدينة الواقع جانب منها في البحر وجانب منها في البر، فأعددنا لها كما أمرنا الله بقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60], كل أهبة يعتد بها وجميع أسلحة يعتمد عليها من البرق والرعد والمنجنيق والنقب والحجور وغيرها من جانب البر, والفلك المشحون والجوار المنشآت في البحر كالأعلام من جانب البحر, ونزلنا عليها في السادس والعشرين من ربيع الأول من شهور سنة سبع وخمسين وثمانمائة.
فقلت للنفس جدي الآن فاجتهدي *** وساعديني فهـذا مـا تمنـيت
فكلما دعوا إلى الحق أصروا واستكبروا وكانوا من الكافرين, فأحطنا بها محاصرة وحاربناهم وحاربونا وقاتلناهم وقاتلونا, وجرى بيننا وبينهم القتال أربعة وخمسين يومًا وليلة.
إذا جاء نصر الله والفتح هين *** على المرء معسور الأمور وصعبها
فمتى طلع الصبح الصادق من يوم الثلاثاء يوم العشرين من جمادى الأولى هجمنا مثل النجوم رجومًا لجنود الشياطين, سخرها الحكم الصديقي ببركة العدل الفاروقي بالضرب الحيدري لآل عثمان, قد مَنَّ الله بالفتح قبل أن تظهر الشمس من مشرقها, {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهي وَأَمَرُّ} [القمر: 45، 46].
وأول من قتل وقطع رأسه تكفورهم اللعين الكنود, فأهلكوا كقوم عاد وثمود, فأخذتهم ملائكة العذاب, فأوردهم النار وبئس المآب, فقتل من قتل وأسر من به بقي, وأغاروا على خزاينهم, وأخرجوا كنوزهم ودفائينهم موفورًا, فأتى عليهم حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا, وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين, فيومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، فلما ظهرنا على هؤلاء الأرجاس الأنجاس الحلوس, طهرنا القوس من القسوس, وأخرجنا منه الصليب والناقوس, وصيرنا معابد عبدة الأصنام مساجد أهل الإسلام, وتشرفت تلك الخطة بشرف السكة والخطبة, فوقع أمر الله وبطل ما كانوا يعملون…” (11).
وأرسل السلطان الفاتح رسالة إلى شريف مكة عن طريق سلطان مصر, وقد رد سلطان مصر على خطاب السلطان محمد وهداياه بمقطوعة من النثر الأدبي الرفيع, وجاءت فيها بعض الأبيات الشعرية المعبرة مثل قول الشاعر:
خطبتها بكـرًا ومـا أمهرتها *** إلا قنـا وقـواضبًا وفوارسـا
من كانت السمر العوالي مهره *** جلبت له بيض الحصون عرايسا
الله أكبـر مـا جنيت ثمارها *** إلا وكان أبوك قبلك غراسا (12)
وقد جاء في رسالة سلطان مصر أيضًا هذا البيت, قال الشاعر:
الله أكبر هذا النصر والظفر *** هذا هو الفتح لا ما يزعم البشر(13)
وقال شاعر سلطان مصر بمناسبة فتح القسطنطينية:
كذا فليكن في الله جل العزايم *** وإلا فلا تجفـو الجفـون الصـوارم
كتائبك البحر الخضم جيادها *** إذا ما تهـدت موجـه المتـلاطـم
تحيط بمنصور اللـواء مظفـر *** له النصـر والتأييد عبـد وخـادم
فيا ناصر الإسلام يا من بغـزوه *** علـى الكفر أيام الزمان مواسـم
تهنَّ بفتح سار في الأرض ذكره *** سرى الغيث يحدوه الصبا والنعايم(14)
رسالة السلطان محمد الفاتح إلى شريف مكة:
وجه السلطان محمد الفاتح رسالة إلى شريف مكة المكرمة بمناسبة فتح القسطنطينية بشره فيها بالفتح، وطلب الدعاء، وأرسل له الهدايا من الغنائم، وهذه بعض فقراتها:
بعد مقدمة في المدح والثناء على شريف “مكة المكرمة” يقول:
“فقد أرسلنا هذا الكتاب مبشرًا بما رزق الله لنا في هذه السنة من الفتوح التي لا عين رأت ولا أذن سمعت، وهي تسخير البلدة المشهورة بالقسطنطينية، فالمأمول من مقر عزكم الشريفة أن يبشر بقدوم هذه المسرة العظمى والموهبة الكبرى، مع سكان الحرمين الشريفين، والعلماء والسادات المهتدين، والزهاد والعباد الصالحين، والمشايخ، والأمجاد الواصلين، والأئمة الخيار المتقين، والصغار والكبار أجمعين، والمتمسكين بأذيال سرادقات بيت الله الحرام، التي كالعروة الوثقى لا انفصام لها والمشرفين بزمزم والمقام، والمعتكفين في قرب جوار رسول الله عليه التحية والسلام, داعين لدوام دولتنا في العرفات، متضرعين من الله نصرتنا، أفاض علينا بركاتهم ورفع درجاتهم، وبعثنا مع المشار إليه هدية لكم خاصة ألفي فلوري من الذهب الخالص التام الوزن والعيار المأخوذ من تلك الغنيمة، وسبعة آلاف فلوري أخرى للفقراء، منها ألفان للسادات والنقباء، وألف للخدام المخصوصين للحرمين، والباقي للمساكين المحتاجين في مكة والمدينة المنورة، زادهما الله شرفًا، فالمرجو منكم التقسيم بينهم بمقتضى احتياجهم وفقرهم، وإشعار كيفية السير إلينا، وتحصيل الدعاء منهم لنا، دائمًا باللطف والإحسان إن شاء الله تعالى، والله يحفظكم ويبقيكم بالسعادة الأبدية والسيادة السرمدية إلى يوم الدين” (15).
وقد رد شريف مكة على رسالة السلطان محمد الفاتح:
“وفتحناها بكمال الأدب، وقرأناها مقابل الكعبة المعظمة بين أهل الحجاز وأبناء العرب, فرأينا فيها من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، وشاهدنا من فحاويها ظهور معجزة رسول الله خاتم النبيين وما هي إلا فتح “القسطنطينية” العظمى وتوابعها التي متانة حصنها مشهورة بين الأنام، وحصانة سورها معروفة عند الخواص والعوام وحمدنا الله بتيسير ذلك الأمر العسير وتحصيل ذلك المهم الخطير، وبششنا ذلك غاية البشاشة، وابتهجنا من إحياء مراسم آبائكم العظام والسلوك مسالك أجدادكم الكرام، روّح الله أرواحهم، وجعل أعلى غرف الجنان مكانهم، في إظهار المحبة لسكان الأراضي المقدسة”(16).

مسلمو ميانمار

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الصعنوني380

تقع دولة ميانمار في الجنوب الشرقي لقارة آسيا، ويحدُّها من الشمال الصين والهند، ومن الجنوب خليج البنغال والهند وبنغلاديش، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 50 مليون نسمة، وتُقدَّر نسبة المسلمين بـ 15 ٪ من مجموع السكان (نحو 7 ملايين مسلم).

دخل الإسلام هذه الدولة عن طريق (أراكان) – ولاية ضمن جمهورية بورما، والتي تضم أكبر تجمّع لأهل هذا البلد – في القرن الأول الهجري عن طريق الصحابي الجليل وقّاص بن مالك رضي الله عنه، وهناك مؤرخون يقولون إنّ الإسلام وصل إليها عبر (أراكان) في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد – رحمه الله – في القرن السابع الميلادي عن طريق التجار العرب، حيث أُعجب أهل بورما بأخلاقهم فدانوا بدينهم، وعملوا في الزراعة في البدء، ثم هيمنوا على التجارة واستوطنوا في كثير من البقاع، حتى أصبحت بعد ذلك دولة إسلامية حكمها 48 ملكاً مسلماً على التوالي ما بين عامي 1430 – 1784م، وكان لهم عملات نقدية تتضمن شعارات إسلامية مثل كلمة التوحيد.

تعتبر أراكان ركناً من بورما، وتمثّل أكبر تجمّع إسلامي فيها، كما يوجد تجمّعات أخرى للمسلمين في كل من: (ماندلي وديفيو وشاه ومكاياه والعاصمة رانجون) وغيرها، حيث يقع على تلك التجمّعات أعظم ضغط جماعي مِن قِبل حكومة بورما العسكرية.
أما العنصران الأساسيان من سكانها والموجودان فيها حالياً هما:
(الروهنجيا) الذين يدينون بالإسلام ويتحدّرون من جذور عربية وفارسية وهندية وتركية، أما لغتهم فخليط من البنغالية والفارسية والعربية
و(الماغو) الذين يؤمنون بالبوذية، إضافة إلى أقليات عرقية متعددة.

احتُلت أراكان من قِبَل الملك البوذي (بوداباي) عام 1784م الذي قام بضم الإقليم إلى بورما خوفاً من انتشار الإسلام في المنطقة، واستمر البوذيون البورميون في اضطهاد المسلمين ونهب خيراتهم وتشجيع البوذيين الماغ على ذلك طِوال فترة احتلالهم.

في عام 1937م جعلت بريطانيا بورما مع (أراكان) مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية الاستعمارية كباقي مستعمراتها في الإمبراطورية آنذاك، وعُرفت بحكومة بورما البريطانية.

وفي عام 1948م، منحت بريطانيا الاستقلال لبورما شريطة أن تمنح لكل العرقيات الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، لكن البورمان نكثوا عهدهم.

جانب من مآسي المسلمين في الوقت الحاضر:
– يطوف الجنود البورماويون وهيئات التنفيذ القضائي وسفاحو (الماغ) البوذيون بأنحاء القرى المسلمة، حيث يقومون بإذلال كبار السن وضرب الشباب المسلم ودخول المنازل وسلب الممتلكات.

– حرمان أبناء المسلمين من مواصلة التعلُّم والتنقل من مكان إلى آخر دون تصريح الذي يَصعُب الحصول عليه.

– فرض الضرائب، ومصادرة الأراضي وقوارب الصيد، ومنع بيع المحاصيل إلا للعسكر أو من يُمثّلُهم بسعر زهيد، ولا تسمح الحكومة بطباعة الكتب الدينية وإصدار المطبوعات الإسلامية، كما تقوم بإرغام المسلمين من النساء والرجال والعلماء على العمل في معسكرات الاعتقال.

الفنوحات العثمانين في اوروبا

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الصعنوني380

اتخذت أوروبا موقفًا عدائيًّا ضدَّ الإسلامِ عبر التاريخ، وذلك نتيجةَ الجهلِ به، وخوفِهم على مصالِحهم السياسية وسياستهم الاستعمارية، وقد بدأ هذا الموقفُ منذ عهدِ الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – عندما حشد الرُّوم حشودَهم وعبَّؤوا حلفاءَهم للقضاءِ على الدولةِ الإسلامية الناشئة، ولكنَّ الله ردَّ كيدَهم إلى النحر، وكلَّل جندَه بالنصر، وامتدتْ رايةُ الفتح في عهد الراشدين لتنتزعَ أغلى ما في تيجانِهم من دُرر، ثم اجتازت جيوشُ الأمويين مضيقَ جبلِ طارق من ناحيةِ الغرب، وعبرتْ جبالَ البرانس لتصلَ إلى مشارفِ باريس.
وظهرتِ الرُّوحُ الصليبية في أعتى صورِها في الحروبِ الصليبية في المشرقِ التي استمرَّتْ نحو قرنين من الزمان، ثم ارتدتْ على أعقابِها مدحورة، والحروبُ الصليبية في المغربِ التي سقطت فيها الأندلسُ في أيدي الإسبان.
ولم تكد أوروبا تظهر فرحتَها بسقوطِ السَّلاجقة الذين أذاقوها مرارةَ الهزيمة مرَّاتٍ، وأسروا أباطرتها، وانتزعوا من الرُّوم أعظمَ ممتلكاتِهم في آسيا الصغرى، حتَّى ظهر لهم الخطرُ الإسلامي من جديدٍ؛ ممثلاً في الدولةِ العثمانية الفَتِيَّة المجاهدة، فغلبتْهم على ما بقي لهم في آسيا، وبقي على العثمانيين أن يعبُروا البسفورَ إلى الشاطئ الأوروبي.
وقد نظر الأوروبيون إلى الدولةِ العثمانية على أنَّها ممثلةُ الإسلام وحاملةُ رايتِه، ومن ثَمَّ تكتَّلتْ جهودُهم لوقفِ مدِّها، ثم إضعافِها والإجهاز عليها، كما جنَّدوا أقلامَ مفكريهم ومؤرِّخيهم لتشويهِ تاريخِها وكيل الاتهامات لها.
وبعد الانتصارِ تقدَّم السلطانُ مراد إلى سهلِ كوسوفو، وهناك قَدِم عليه أميرٌ صربي متظاهرًا بالطَّاعةِ والخضوع، والرَّغبةِ في تقديم فروضِ الولاء للسُّلطان، وتقدَّم إليه ليقبلَ يدَه ثُمَّ عاجلَه بخنجرٍ مسموم، فسقط مضرجًا في الدِّماء، وأصبح في عداد الشُّهداء، وأبى رجالُه أن يذهبَ دمُه هباءً، فجدُّوا في قتال الأعداء، وسقط ملكُ الصِّربِ “لازار” بين الأسرى، ومعه عددٌ كبيرٌ من النبلاء، وسِيقوا يرسفون في الأغلالِ، وقُتِلوا أمام جثمانِ السُّلطانِ في ميدان القتال.
وكان من نتائجِ معاركِ قوصرة أن أصبحتْ بلادُ الصرب والبلغار ولاياتٍ تابعةً للتاج العثماني، وامتدت حدودُ الدولة إلى نهرِ الدانوب.
وفي نفسِ الوقت الذي غزا فيه العثمانيون شرقي أوربا، كانت جيوشُهم قد استولتْ على الجيوبِ الباقية والإمارات الصغيرةِ التي قامتْ في الأناضول على أنقاضِ دولة السلاجفة، واستكملتْ هذه المرحلة في عهدِ السُّلطان بايزيد الأول، وقد أدَّى انشغالُ هذا السلطانِ في حروبِه بالأناضول إلى تجرؤ القوى الأوربية، وعلى رأسِها ملكُ المجر الذي تباركُه الكنيسةُ الكاثوليكية في روما على مناهضةِ العثمانيين، واسترداد كثيرٍ من المدن التي فتحوها في أوربا، وفي نفسِ الوقتِ كانت الدولةُ العثمانية تستعدُّ لمواجهةِ خطرٍ جديدٍ قادم من المشرقِ يمثِّلُه تيمور لنك التتري.
واجتمعتِ القوى الأوربية ومن شرقي أوربا وغربيها على ضرورةِ طردِ العثمانيين المسلمين من قارَّتِهم، ووجَّه البابا “بونيفاس التاسع” نداءً إلى جميع ملوكِ أوربا وأمرائها يدعوهم إلى التحالُفِ والاستنفار في مواجهةِ عدوِّهم المشترك، فاستجاب له ملوكُ: (إنجلترا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسكتلندا وسويسرا ولوكسمبرج وبولندا وروسيا وترنسلفانيا وفرسان القديس يوحنا في رودس، والإمارات الإيطالية وبخاصة جنوة والبندقية)، وحشدوا حوالي مائة وعشرين ألفًا عند مدينة “نيكو بوليس” الواقعةِ على نهر الدانوب في بلغاريا قربَ الحدودِ الرُّومانية.
ولكنَّ الكثرةَ العددية لم تكن أبدًا مدارَ النّصرِ والهزيمة، وإنَّما النصرُ من عند الله، ويُنال بالصَّبرِ والمصابرةِ والإيمان والتُّقى والأخذِ بالأسباب، واستطاع السُّلطانُ بايزيد الأول بن مراد أنْ يلحقَ بهم هزيمةً نكراء، وساق نبلاءَهم أسرى في موقعةِ “نيكو بوليس” (سنة 799هـ/ 1396م)، وبذلك رسختْ أقدامُ العثمانيين في البلقانِ، وامتدَّتْ دولتُهم من الفراتِ شرقًا إلى الدانوب غربًا، ونمتِ الأنباءُ بذلك في أرجاءِ العالَمِ الإسلامي، فعمَّت الفرحةُ قلوبَ المسلمين، واعتبروا انتصاراتِ العثمانيين تجديدًا لدماء الإسلام.
وأراد العثمانيون مواصلةَ انتصاراتِهم في أوربا، وحاصروا القسطنطينيةَ حتَّى ترنَّحتْ نحو السُّقوط، ولكنَّ الأوضاعَ انقلبت رأسًا على عقبٍ بقدومِ السَّيل الدَّاهم من الشرقِ ممثَّلاً في خطر المغولِ بقيادة تيمور لنك، فاضطر السُّلطانُ بايزيد الأول إلى عقدِ الصُّلحِ مع أهلِ المدينة، على التزامِهم بالجزية وبناءِ مسجدٍ جامع للمسلمين الموجودين بها، ورحل عنها بقواته.
الهجوم التتري ونتائجه:
كان تيمور لنك يحكمُ دولةَ التتارِ في وسطِ آسيا وبلادِ الفرس، واستطاعَ أن يوسِّعَ دائرةَ ملكِه، فاستولى على بلاد الأفغانِ والهند في الشَّرق، ثم اتجه غربًا فاستولى على جورجيا وأرمينيا وكردستان، وأصبح وجهًا لوجهٍ أمام دولتي المماليك والعثمانيين، وقد اجتاح كثيرًا من مدنِ الشَّام، حتَّى دخل حلب ودمشق سنة (802هـ/ 1400م) كما ذكرنا في حديثِنا عن المماليك البرجية، ثُمَّ اتجه نحو ممتلكاتِ العثمانيين في آسيا، ووصل إلى سهولِ أنقرة سنة (805هـ/ 1402م).
وكان اللقاءُ الكبير بين القوَّتينِ المعروفتين بالشِّدةِ والبأس، وتلاحمتِ الصُّفوف وتقارعتِ السيوف، واستمرَّ القتال، وتساقطَ الأبطال، واستبسلَ السُّلطانُ بايزيد نهارًا بأكملِه أو يزيد، من مشرقِ الشَّمس إلى مغربِها، حتَّى وقع المحظور وانضمَّ من معه من أصولٍ تترية، وبعض الإماراتِ التركية التي أذعنتْ لطاعتِه حديثًا إلى صفوفِ عدوِّه تيمور، وإذا برحى الحربِ عليه تدور، واستشهد ابنُه مصطفى حلبي، ولاذ بعضُ رجالِه بالفرار، وبقي في المعركةِ فردًا، ولم يكن من وقوعه في الأسر بد، وسِيق إلى سمرقند مُكبَّلاً، وبقي فيها حتَّى مات كمدًا، ثم نقلت جثتُه إلى بروسة؛ حيث دُفِن بجوار قبر أبيه.
وكان مِن نتائج هزيمةِ “أنقرة” هذه أن فقَد العثمانيون معظمَ قوتِهم العسكرية، وانكمشوا حينًا، وفرَّتْ كثيرٌ من العائلاتِ التركية من المناطقِ الآسيوية إلى المناطقِ الأوربية خوفًا من التتار، حتَّى أصبحَ عددُ الأتراك بأوربا أكثر من الأناضول، وساعدَ ذلك على انتشارِ الإسلام في هذه المناطق، وتوقَّفتْ خططُ العثمانيين للتوسُّعِ في أوربا، وأصبحتِ القسطنطينية في مأمنٍ من هجماتِهم، وتأخَّرَ سقوطُها حوالي نصف قرن.
وابتهج العالَمُ الأوربي المسيحي بما نال العثمانيين، وهلَّلوا لانتصارِ التتار، حتَّى إنَّ بعضَ ملوك أوربا – مثل هنري الرابع ملك إنجلترا – أرسلوا إلى تيمور لنك يدعونَهُ إلى التحوُّلِ عن الإسلامِ واعتناقِ النصرانية، على أن يعترفوا به زعيمًا للعالم المسيحي.
وفقد العثمانيون معظمَ ممتلكاتهم في آسيا، واستقلَّتِ البلغارُ والصِّرب في أوربا، وأمر الإمبراطورُ البيزنطي بهدمِ المساجد التي بُنِيتْ في القسطنطينية، وطردِ أئمَّتِها وعلمائها ورعايا العثمانيين الموجودين هناك.
وتتابعتْ موجاتُ الهجرة من أنحاء آسيا أمام هجماتِ تيمور لنك الشَّرسة وأكثرُهم من الأتراكِ المسلمين، ووصلتْ إلى الأناضولِ فصبغتْه بالصبغةِ الإسلاميةِ الخالصة، وكان في الوافدين بعضُ الفرسِ الذين يدَّعون أنَّهم أصحابُ التفوقِ والمدنية، ويسعون لعودةِ مجدِهم القديم، وبعضُ الفِرَقِ الإسلاميةِ المغالية والمنحرفة عن الجادَّةِ، ولكنَّهم كانوا أقلية.
الصحوة العثمانية والنهوض من الكبوة:
برغم ما لقيه العثمانيون من آثارِ الغزو التتري فإنَّهم حافظوا على وجودِهم وبقائهم، ويعلِّل المؤرِّخون ذلك بأنَّهم تلقوا هذه الضربةَ وهم في طورِ البناء والتكوين والفتوة، وليسوا في مرحلةِ الشَّيخوخةِ والهرم، فكان من السَّهلِ عليهم امتصاصُ هذه الضربات، وتضميدُ الجراح، والنهوضُ من جديدٍ، وقد قدَّم لهم تيمور خدماتٍ من حيث لا يدري؛ لأنَّه دفع بجموعٍ تركية مسلمة إلى المنطقةِ، فضاعفتْ من قوةِ الدولة، كما أنَّه استولى على ميناءِ أزمير البيزنطي، الذي استعصى على العثمانيين من قبل.
وقد توفي تيمور عقب ذلك في “أورناوة” ببلادِ التركستان في السابعِ عشر من شعبان سنة (807هـ/ 19 من فبراير سنة 1405م)، ووقع الخلافُ بين أبنائِه، ومن ثَمَّ نجح السُّلطانُ العثماني محمد الأول بن بايزيد (805 – 824هـ/ 1402 – 1421م) أن يتغلَّبَ على المشكلاتِ الداخلية، ويستردَّ كلَّ ما فقدتْه دولتُه أمام غزوِ المغول، واتَّخذَ من مدينةِ أدرنة عاصمةً له، وتمكَّنَ من إخضاعِ بلغاريا وصربيا من جديد، وبذلك محا كلَّ أثرٍ لهزيمةِ أنقرة، وتمكَّنَ من توحيدِ دولتِه من جديد.
وواصل سياسيتَه ابنُه مراد الثاني (824 – 855هـ/ 1421 – 1451م) فركَّز اهتمامَه على بناءِ جيشٍ قوي واقتصادٍ سليم، وتأمينِ المناطق الحدودية.
وشرع السُّلطانُ مراد الثاني في استحداثِ فرقٍ عسكرية من نوعٍ خاص، معدة إعدادًا جيدًا للقتالِ؛ عُرِفت بفرق “الإنكشارية” لتكونَ معتمدةً في تحقيقِ أهدافِه التوسعية الطموحة في البلقان، وفي مواجهةِ مخطَّطاتِ إمبراطورِ القسطنطينية ومكايدِه؛ إذ كان يساعِدُ المتمرِّدين والثَّائرين ضدَّ السُّلطان.
وضرب السلطانُ حصارًا قويًّا حول القسطنطنيةِ لشلِّ حركتِها وإضعافها، ثم اتَّجه إلى ألبانيا والمجر، وتمكَّن من الاستيلاءِ على الشطرِ الجنوبي من ألبانيا، أمَّا الشطرُ الشمالي منها فقد واجه فيه مقاومةً عنيدة، وتكبَّدتْ جيوشُه خسائرَ كبيرة؛ نظرًا لطبيعةِ المنطقة الجبلية الوعِرة، وتعرَّضَ جنودُه لحربِ العصابات، ومؤازرةِ البندقيةِ للألبان بالإمدادات عن طريق البحر.
وفي المجر واجه السُّلطانُ تحالفًا صليبيًّا من البابا “يوجين” الرابع، وعديدٍ من الدول من بينهم الإمبراطورية البيزنطية، فتمكَّنوا من إلحاقِ الهزيمةِ به في موقعة “نيش” سنة (847هـ/ 1443م)، ولكنَّ عينَ السلطان لم تقر حتَّى ثأرَ لهزيمتِه في العام التالي في موقعة “وارنة”؛ وهي ميناء بلغاري يقعُ على البحر الأسود، وفقدت المجرُ زهرةَ شبابِها وخيرةَ فرسانِها، وعجزتْ بعدها عن القيامِ بأيِّ عملٍ حربي، ويئستِ القوى الصَّليبيةُ من التحالفِ ضدَّ العثمانيين، ولم يجتمعْ بعد ذلك في حربٍ مشتركة ضدهم.
فتح القسطنطينية وزوال الإمبراطورية البيزنطية:
كان فتحُ القسطنطينية حلمًا يراودُ المسلمين منذ فجر تاريخِهم، وبشَّر به الرَّسولُ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قبل أن يحدثَ بثمانيةِ قرون ونصف قرن، ومن ذلك ما رواه الإمامُ أحمد في مسندِه، وذكرَه ابنُ حجرٍ في الإصابة: ((لتفتحنَّ القسطنطينيةَ، فنعم الأمير أميرها، ونعم الجيش ذلك الجيش))، وحاول كثيرٌ من الخلفاءِ والأمراء أن يحقِّقَ هذه البشرى، ويظفرَ بهذا الثَّناءِ النبوي، حتَّى استأثرَ به السُّلطانُ محمَّد الثاني بن مراد الثاني، الذي لُقِّب بالفاتح، وذلك في سنة (857هـ/ 1453م)، وتغيَّرَ بذلك وجهُ التَّاريخ، وخريطةُ العالم السِّياسية.
بُنيت القسطنطينيةُ على أنقاضِ قريةٍ قديمة كانت تُسمَّى بيزنطة، يُقالُ: إنَّ بعضَ اليونانيين أنشؤوها حوالي سنة (657ق. م)، فاتخذها الإمبراطورُ “قسطنطين” عاصمةً لدولتِه بعد سقوط روما والشطرِ الغربي من الإمبراطورية في أيدي الوندال، في القرنِ الرابع الميلادي وسمَّاها باسمِه، وأصبحتْ منذُ ذلك الحينِ عاصمةً للإمبراطورية الشَّرقيةِ، التي عُرِفتْ باسم دولة الرُّوم.
وهي مدينةٌ حصينة تقعُ على القرنِ الذَّهبي؛ وهو أحدُ خلجان البسفور، ويشبه في انحنائه القرنَ أو المنجل، ويبلغ طولُه سبعةَ أميال، وعند اتصالِه ببحرِ مرمرة توجدُ شبهُ جزيرةٍ صغيرة من التِّلالِ تشبهُ مثلثًا متساوي الساقين؛ رأسه تقابِلُ الشاطئ الآسيوي، وقاعدتُه على بحرِ مرمرة، وضلعُه الأيمن على خليج القرنِ الذَّهبي، وضلعُه الأيسر يتصلُ بالقارَّةِ الأوربية، وبذلك تحيطُ بها المياهُ من جهاتِها الشَّمالية والشَّرقية والجنوبية، ويسهلُ وصولُ الإمدادِ إليها عن طريقِ البحر، ويصعبُ على الجيوشِ الغازيةِ محاصرتُها أو اقتحامها، وقد اتخذ أهلُها فوقَ ذلك أسوارًا عالية، وأبراجًا شاهقة، وزوَّدوها بكلِّ وسائلِ الدِّفاع، إلى جانب ارتفاعها فوقَ التِّلال، وكانوا يستخدمون نوعًا من القذائفِ عُرِفت بالنَّارِ الإغريقية لا تنطفئ بالماء، يلقونها على السُّفنِ والقواتِ المهاجمة.
وقد اتَّخذت بيزنطةُ أو القسطنطينية موقفًا معاديًا للإسلام منذ مبدأ دعوتِه؛ بتحرُّشها بالمسلمين وتأليبِ القبائل الشمالية ضدَّهم، فتصدَّى لهم المسلمون في غزوتي مؤتة سنة (7 هـ)، وتبوك سنة (9 هـ)، ثم تجدَّد الخطرُ، وتمكَّن المسلمون في خلافةِ أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – من إنزالِ الهزائم بالرُّوم، وانتزاعِ أغلى ممتلكاتِهم في مصر والشَّام الأفريقي، واستحكم العداءُ بينهم وبين الإسلامِ وأهلِه.
وغزاهم الأمويون ثلاثَ مرات، وضربوا الحصارَ حول القسطنطينية برًّا وبحرًا؛ اثنتان منهما في خلافةِ معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنهما -: أولاهما سنة (49 هـ)، وكان يزيدُ بن معاوية يقودُ المسلمين، وإلى جوارِه الصَّحابيُّ الجليل أبو أيوب الأنصاري – رضي الله عنه – الذي استُشهِدَ تحتَ أسوار القسطنطينية، وأصبح قبرُه رمزًا للجهادِ ضد الرُّوم في الأجيال التالية، ينادي المسلمين أن يحرِّروه من أسرِ الأعداء، ورجعتِ الحملةُ في صيفِ سنة (50هـ)، والمرة الثَّانية في خلافةِ معاوية أيضًا سنة (54هـ) بقيادةِ عبدالرحمن بن خالد بن الوليد، واستمرَّتْ حتَّى سنة (60هـ) وعُرِفت بحرب السنين السَّبع، تعاقبَ فيها عددٌ من المسلمين على قيادةِ الجيش، ولكنَّهم عجزوا عن اقتحامِ الأسوار الحصينة.
وكان الوليدُ بن عبدالملك الأموي (86 – 96هـ) يرمي إلى غزوِ القسطنطينية شرقًا من ناحيةِ الشَّام وغربًا من ناحيةِ أوربا بعد أن نجحتْ جيوشُه في فتح الأندلس، وتُوفي الوليدُ وهو يستعدُّ للحملةِ، فاستكمل أخوه وخلفهُ سليمانُ المسيرة، وتحرَّكتِ الحملةُ الكبيرة بقيادةِ أخيه مسلمة بن عبدالملك سنة (98هـ) وتحت لوائه ثمانون ألفًا من الجندِ، وثمانمائة سفينة تمخرُ عبابَ البحر، وتحمَّلَ المسلمون بردَ الشتاء القارس، والنَّارَ الإغريقية وسوءَ الأحوالِ الجوية، ولكنَّهم لم يتمكَّنوا من اقتحامِ المدينة، وتُوفي سليمان واضطرَّ الخليفةُ الجديد عمر بن عبدالعزيز – رضي الله عنه – إلى سحبِ قواته.
وفي العصرِ العباسي الزَّاهر قام وليُّ العهدِ هارون الرَّشيد في خلافةِ أبيه المهدي سنة (165هـ/ 781م) بمحاصرةِ القسطنطينية حتَّى أذعنوا للصُّلحِ والجزية.
وتوقفتْ بعد ذلك محاولاتُ المسلمين لغزو العاصمةِ الرُّومية، وانشغلوا بصراعاتِهم فيما بينهم، وبمواجهةِ القوى التتارية والصَّليبية الغازية، وبرغمِ أنه لم يكن يبدو في الأفُقِ ما يبشِّرُ بفتحِ هذه المدينة قبل ظهورِ العثمانيين، فإنَّ الثِّقةَ في تحقيقِ البُشرى النبوية لم تغبْ عن المسلمين، وقال ابنُ كثير المتوفَّى سنةَ (774هـ)؛ أي: قبل أنْ تُفتحَ المدينةُ بثلاثٍ وثمانين سنة: “ولكن سيملكُها المسلمون في آخرِ الزَّمانِ على ما صحَّتْ به الأحاديثُ عن رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في صحيحِ مسلمٍ وغيرِه”.
وسيطرَ هذا الأملُ على مشاعرِ السُّلطان محمد الفاتح منذ نعومةِ أظافره، وهو يقرأُ هذا التاريخَ، ويدرسُ محاولاتِ المسلمين لفتحِ المدينة العنيدة، ويسمعُ حديثَ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – مبشِّرًا بفتحِها، من أستاذِه ومربِّيه الشيخ آق شمس الدِّين، ويقولُ المؤرِّخ التركي حلمي دانشمند في “موسوعة التاريخ العثماني”: “إنَّ محمَّدًا الثاني منذ اعتلائه العرشَ سنة (855هـ/ 1415م) كان يمضي كلَّ ليلةٍ ساعاتٍ طويلة في دراسةِ خريطة القسطنطينية ودفاعاتِها وتحصيناتها، ويحفظُ عن ظهرِ قلبٍ المحاولاتِ الإسلاميةِ السَّابقة لفتحها، ويناقشُ تفاصيلَها مع رجالِه ليستقي منها العبرةَ والخبرة”.
وقرَّر السُّلطانُ أنْ يكرِّس كلَّ جهدِه لغزو القسطنطينية، فهادنَ أعداءَه وسالَمَ جيرانَه، حتَّى لا يشغله الصراعُ معهم عن هدفِه الأسمى، وعقد معاهداتِ الصلح مع ملوكِ المجر والبوسنة والبندقية وألبانيا.
وأنشأ السُّلطانُ في مقابل القسطنطينيةِ على الشاطئ الأوربي من البسفور قلعةً ضخمةً أسماها “روملي حصار”؛ أي: قلعة الرُّوم، وشرع في بنائِها سنة (856هـ/ 1425م)، وشارك بنفسِه في أعمالِ البناء، وجعلها على شكلِ مثلَّثٍ في كلِّ زاويةٍ منه برجٌ ضخم مغطَّى بالرصاصِ، سمكُ جدرانِه اثنان وثلاثون قدمًا، وجعل فيها مقرَّ قيادتِه، ورابط فيها بنفسِه.
وكانتِ القلعةُ الجديدة تبعدُ عن القسطنطينية بسبعة كيلو مترات فقط، وهيَّأتْ للعثمانيين السيطرةَ على مدخلي البسفور الآسيوي والأوربي، ومنعتْ وصولَ الإمداداتِ للقسطنطينية من حلفائِها، وانتشرتْ حولَ القلعةِ مئاتُ المجانيقِ والمدافع الكبيرة المصوَّبة نحو الرُّوم.
وارتعدت فرائصُ الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر وهو يرى كلَّ يومٍ هذه الاستعداداتِ المتزايدة، فعرض الصَّلحَ والجزية، ولكن هيهات، واستنجدَ بالكنيسةِ الكاثوليكية في روما وبملوك أوربا، وأخذ يقدِّمُ لهم التنازلاتِ، ويحذِّرُهم عواقبَ سقوط القسطنطينية، ولكنَّهم تخوَّفوا وأحجموا، ولم يستجب له سوى إمارة جنوة.
واستغرقتْ استعداداتُ السُّلطان عامين كاملين، واستعان بمهندسٍ مجرى صمَّمَ له نوعًا من المدافعِ الضَّخمةِ عُرِفت “بالمدافع السلطانية” تستطيعُ دكَّ هذه الأسوارِ المنيعة.
وحانت ساعةُ الصِّفر، ووصلت حشودُ السلطان وقواتُه الرئيسة من أدرنة، وكانت حوالي مائتي ألف جندي، وحمَّس السُّلطان جنودَه، ووعدَهم بأنْ تكونَ الغنائمُ كلُّها من نصيبِهم وقال: “تكفيني المدينة”.
وكان أضعفُ تحصيناتِ الرُّوم من ناحيةِ القرن الذهبي، الذي كان من المستحيلِ على السُّفنِ اقتحامُه؛ لأنَّ الرُّوم أغلقوا مدخلَه بسلاسلَ حديديةٍ ضخمة وموانعَ قويةٍ، ففكَّر السُّلطانُ في طريقةٍ فذَّةٍ لم يسبق لها مثيل في التَّاريخ؛ وهي نقل السُّفنِ على اليابسة! من البسفورِ إلى الخليج الذهبي، وهي مسافةٌ من الأرضِ تبلغُ أحد عشر كيلو مترًا، فعبَّدَ الطَّريقَ وفرشَه بألواحٍ من الأخشابِ الضَّخمةِ بانحدارٍ مدروس، ودحرج عليها السُّفنَ الضَّخمةَ بواسطةِ بكرٍ من خشبٍ تجرُّها الثيران، حتَّى تَمَّ نقلُ أربعمائة سفينة تحتَ جنحِ الظَّلام في ليلة واحدةٍ من البسفور إلى القرنِ الذهبي، وفوجئ الرُّوم بهذا الحصارِ البحري مفاجأة مذهلة.
واستمرَّ الحصارُ برًّا وبحرًا خمسين يومًا، وقاتل الفريقان بشجاعةٍ نادرة، وعملتِ المدافعُ السلطانية الضَّخمة عملَها، فدكتِ الأسوارَ وقصفتِ الأبراجَ وحطَّمت الأبواب، ومع توالي القصفِ أصبح واضحًا أنَّ المدينةَ لن تحتملَ الحصارَ، وأنَّها قاب قوسين أو أدنى من السُّقوط، فعرض السُّلطانُ العثماني على الإمبراطورِ قسطنطين الحادي عشر تسليمَ المدينة مقابلَ تأمينِ سكانِها على أنفسِهم وأموالهم، ومنحه ولايةً أخرى يحكُمها باسمِ العثمانيين فأبى إلا المقاومة، وظلَّ يناضلُ حتَّى سقط قتيلاً، واقتحم الجندُ العثماني – وكان منهم عددٌ كبير من العلماء والفقهاء – المدينةَ العذراء لأولِ مرة، بعد أن استعصتْ على جميعِ الفاتحين عبر التَّاريخ، وما لبث العثمانيون الفاتحون أن تعرَّفوا على قبرِ أبي أيوب الأنصاري – رضي الله عنه – وأولوه عنايةً واهتمامًا بعد أن حرَّروه من أسرِ الرُّوم، وصار رمزًا لهذا الجهادِ الطويل.
وظهرتِ الرُّوحُ الإسلامية السمحة في يومِ الفتح، فقد دخلَ السلطان محمد الثاني القسطنطينية في سنة (857هـ/ 1453م) وهو صائم، فسجد لله شكرًا في تواضعٍ جم، ومعه العلماءُ ورجالاتُ الإسلام، ونهى الجندَ عن الاعتداءِ والنَّهب، ومنع القتلَ وسفكَ الدِّماء، وأمَّنَ الآهلين وقرَّر حريةَ العباداتِ للنَّصارى الأرثوذكس، ومنح اليونانَ والأرمن من أهلِ القسطنطينية امتيازاتٍ خاصة.
وردًّا على ما فعله الإسبانُ بالمسلمين في الأندلسِ، وتحويل مساجدهم إلى كنائس، ومنها المسجد الجامع في قرطبةَ، أمر السلطانُ بتحويلِ كنيسة أيا صوفيا أكبر كنائسِ القسطنطينية إلى مسجد، وأضيفت إليه أربعُ مآذن، وعندما ظهرَ أتاتورك حوَّل هذا المسجدَ إلى متحفٍ ومنع الصَّلاةَ فيه، وظلَّ كذلك حتى الآن، ولم تستطع الحكومةُ التركية أن تفتحَه للصَّلاةِ فيه لاعتراضِ اليونان والدول الأوربية على ذلك!
واكتسب العثمانيون بهذا الفتحِ تقديرَ العالم الإسلامي، وأقيمت الزِّيناتُ في سائرِ بلاد المسلمين ابتهاجًا بهذا النصر المبين، وتحقَّق وعدُ الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم.
وسقطتْ منذ ذلك التاريخِ الدولةُ البيزنطية إلى الأبد، واعتبره المؤرِّخون خاتمةً لما عُرِف بالعصورِ الوسطى وبدايةً للتاريخ الحديث، وتحوَّلتْ القسطنطينيةُ إلى عاصمةٍ إسلامية تحملُ اسمًا جديدًا؛ هو “إسلام بول، أو إستانبول”؛ أي: مدينة الإسلام.
وتخلَّصَ العثمانيون والمسلمون جميعًا من عدوٍّ لدود هو الرُّوم، الذين كان لهم دورٌ كبير في شنِّ الحروبِ الصليبية على العالم الإسلامي لمدة قرنين، وكانوا باستمرارٍ يؤلِّبون القوى النَّصرانية، ويشحذون عزائمَ الملوكِ في أوربا لغزوِ المسلمين، ويصدرون قراراتِ الحرمان ضدَّ كلِّ من يتقاعسُ عن ذلك، واكتسبتِ الدولةُ العثمانية قوةً سياسية واقتصادية ضخمة، فأصبحتْ أعظمَ دولةٍ في حوضِ البحر المتوسط، ودانت لها دولُ أوربا بالجزية.
وأصبحت إسلامبول أو الأستانة بعد ذلك مقرًّا للسلطان العثماني المسلم الذي تلقَّبَ بأمير المؤمنين، ومقرًّا لشيخِ الإسلام، وظلَّت حاضرة للدولة العثمانية الإسلامية حتَّى قام أتاتورك بنقلِ العاصمةِ إلى أنقرة، رمزًا لنبذِه الحضارةِ الإسلامية والاتجاه الإسلامي.
وترتَّبَ على سقوطِ القسطنطينية رحيلُ كثيرٍ من علمائها وأدبائها إلى دولِ غربي أوربا؛ مثل فرنسا وألمانيا، فشاركوا في حركةِ النهضة الأوربية الحديثة،ِ ونقلوا إليها فنونَ اليونان والرُّوم.
وكان من السَّهلِ على العثمانيين بعد ذلك مواصلة الفتوحاتِ في شرقي أوربا، ومنطقةِ البحرِ الأسود وغيرها من ممتلكات الدولة البيزنطية المنهارة، وأصبحوا هم الوريث لها، وضمُّوا إليهم بلادَ الصِّربِ والبوسنةِ والهرسك وشبه جزيرة المورة من بلادِ اليونان، وبلادِ القرم الواقعةِ على البحر الأسود، واستولوا على محطاتِ الجنوبيين التَّجارية في بحرِ إيجة، كما قاموا بمحاولاتٍ لفتح بلجراد وإيطاليا، وأثينا، وذلك في عهد السلطان محمد الفاتح أيضًا.
وتواصلتِ الفتوحاتُ في أوربا في عهدِ بايزيد الثاني (886 – 918هـ/ 1481 – 1512م) بن محمد الفاتح، فغزا بولندا والبنادقة، ودحر تحالفًا صليبيًّا في معركةِ ليبانتو سنة (905هـ/ 1499م)، وأرسل أساطيلَه إلى البحرِ المتوسط لنجدةِ المسلمين المطرودين من الأندلس، وساهم في نقلِهم إلى الشَّاطئ المغربي، وهزمَ أساطيلَ البابا وإسبانيا والبندقية.

جهاد المسلمين ضد الصليبين

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الصعنوني380

لمسلمين اليوم في أشد الحاجة إلى اتحاد الكلمة ووحدة الصف لحماية بلادهم من أطماع الطامعين وكيد الكائدين والقدوة بأسلافهم الذين ردوا كيد أعدائهم وحموا بلادهم من أطماعهم.
ففي القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) تدفقت على الشرق الإسلامي جموع من الأوربيين النصارى وشنت عليه حروباً عرفت في التاريخ بالحروب الصليبية نسبة إلى الصليب الذي اتخذه المحاربون شارة لهم.
والأسباب التي تذرع بها هؤلاء المعتدون هي تمكين الحجاج النصارى من الحج إلى بيت المقدس وحمايتهم من مضايقة المسلمين لهم وهى أسباب غير صحيحة لأن تعاليم الإسلام كفلت لأهل الأديان الأخرى الحرية التامة في مزاولة شعائر دينهم ونهت عن التعرض لهم بسوء ما داموا مسالمين ولا نظن أن مسلمي هذا العصر كانوا يجهلون ذلك.
وكان الذي أثار هذه الشائعات هو بطرس الناسك الذي حج إلى بيت المقدس وعز عليه أن يراه ملكاَ للمسلمين وهو المكان المقدس لدى النصارى وقد طاف بطرس الناسك جميع البلاد الأوربية وأخذ يحرض النصارى على تخليص بيت المقدس من يد المسلمين.
وفي أواخر سنة 463 هـ انهزم البيزنطيون أمام المسلمين في موقعة (ملاذ كرد) فاستنجد الإمبراطور البيزنطي بالبابا (إريان الثاني) بطريرك الكنيسة الغربية وقد صادف هذا الاستنجاد هوى من نفس البابا الذي كان يطمع في ضم الكنيسة الشرقية إلى الكنيسة الغربية فأقام أوربا وأقعدها وأثار تلك الضجة العالمية التي تعتبر من أهم أحداث التاريخ.
وفي العام التالي لهذا الاستنجاد ألقى البابا خطبة في مدينة (كلير منت) في الجنوب الشرقي لفرنسا حث فيها النصارى على أن يسلكوا سبيلهم إلى القبر المقدس ويأخذوه عنوة من ذلك الشعب الملعون ويخضعه لأنفسهم(1) .
ولقد أشعلت هذه الخطبة جذوة الحماسة في نفوس الجماهير النصرانية شريفهم وضعيفهم على السواء فهبوا عن بكرة أبيهم حتى بلغ عدد المتطوعين مائة وخمسين ألفاً من النورمانديين والفرنج ولم يكن الحماس الديني وحده هو الذي دفع هذه الجماهير إلى شن الغارة على الشرق الإسلامي بل إن كثيرا من الأمراء ومن بينهم ( بوهيمند )، خرجوا استجابة لأطماعهم في تكوين إمارات لهم في الشرق الأوسط كما كانت المصالح الاقتصادية هدف تجار البندقية وبيزه وجنوة.
وكان من بين تلك الجماهير أرقاء الأرض الذين وجدوا في التطوع لهذه الحروب فرصة للتخلص من أمراء الإقطاع وكذلك الفقراء الذين أملوا في أن يجدوا لهم مصدر رزق في الشرق والمجرمون الذين وجدوا في الحروب من أجل تخليص بيت المقدس تكفيراً عن ذنوبهم(2) .
تلاحقت الجيوش التي تكونت منها الحملة الصليبية الأولى في القسطنطينية ثم عبرت منها إلى آسيا الصغرى سنة 490 هـ واشتبكت بجيوش السلطان(قليج أرسلان ) السلجوقي عند مدينة (قونية) فهزمتها واستولت على المدينة ثم واصلت سيرها إلى مدينة (أسكي شهر)وفتحتها(3) .
ثم عبر الصليبيون جبال طوروس واتجهت فرقة منهم تحت قيادة ( بلدوين ) واستولت على (الرها) في أوائل سنة 491 هـ أما بقية الصليبيين فقد واصلوا سيرهم نحو الجنوب وضربوا الحصار على مدينة ( إنطاكية ) التي كان يحكمها أمير تركي منذ عهد ( ملكشاه ) يدعى ( ياغي سيان). وبعد تسعة أشهر تمكنوا من فتحها.
استراح الصليبيون فترة ثم اتجهوا إلى مدينة بيت المقدس التي كانت قد عادت إلى حكم الفاطميين منذ بضعة أشهر فقط ، وكان يحكمها من قِبل الخليفة الفاطمي( المستعلى بالله ) أمير يسمى(افتخار الدولة) تؤيده حامية لا تتجاوز ألف جندي. ومع ذلك صمد لحصار الصليبين نحو أربعين يوماً تمكنوا بعدها من فتح المدينة سنة 492 هـ وارتكبوا من ضروب الوحشية ما تقشعر منه الأبدان وتنكره الشرائع وقتلوا من سكانها سبعين ألفاً بغير ذنب.
أنشأ حماة الصليب. ثلاث إمارات في المشرق: إمارة الرها وأميرها ( بلدوين ) وامارة أنطاكية وأميرها ( بوهيمند ) وأمارة بيت المقدس وأميرها ( جود فري ). وقد تكونت من هذه الإمارات الثلاث المملكة اللاتينية في الشرق أختير ( جود فرى ) ملكاً لها ولقب ( بارون وحامى حمى القبر المقدس).
ولما كان لابد لتأييد مركز الصليبيين في الشام وتأمين طريقهم إلى أوروبا من احتلال مدن الساحل شرع جود فرى في احتلالها بمساعدة السفن الإيطالية التي بذل أصحابها المعونة ليجعلوا من هذه الثغور أسواقاً جديدة لتجارتهم. وكان معظم تلك الثغور تابعاً- للدولة الفاطمية. ومن بينها مدينة طرابلس فطمع الكونت (رايموند) في فتحها وحاصرها سنة 494 هـ ولكنه لم يتمكن من فتحها ومات قبل أن تتحقق أمنيته ولكن ابنه (برتراند) حقق هذه الأمنية في أواخر سنة 502 هـ حيث استولى على المدينة بمساعدة أسطول جنوي(4) . وبذلك تكونت إمارة صليبية رابعة تبعت بيت المقدس.
وكانت إمارة بيت المقدس وما يتبعها من الإمارات الثلاث: الرها وإنطاكية وطرابلس هي الإمارات اللاتينية الوحيدة التي قامت على أرض إسلامية لذلك كانت أملاك الصليبيين قاصرة على مساحة ضيقة من إقليم الجزيرة وبعض أجزاء الشام الشمالية والسهل الساحلي الضيق. أما المدن الداخلية كحلب وشيزر وحماه وحمص وبعلبك ودمشق فإنها لم تدخل في حوزة الصليبيين.
من المسئول عن هذه المأساة: إن المساحة التي اقتطعها الصليبيون من أرض المسلمين وأنشأوا عليها مملكتهم كان الجزء الشمالي منها تابعاً للدولة العباسية والجزء الجنوبي تابعاً للفاطميين. وكان مسرح نزاع على النفوذ والسيطرة بين الدولتين لعدة سنوات قبل مجيء الصليبين إليها.
أما العباسيون فإن دولتهم كان قد تجدد شبابها على يد سلاطين السلاجقة الثلاثة الأول: طغرل بك وألب أرسلان وملكشاه (447- 485) هـ ولكن خلفاءها لم يكم لهم من الأمر شيء وكان النفوذ والسلطان للسلاجقة فلما توفي السلطان ملكشاه الذي جاء الصليبيون إلى الشرق بعد موته بسنوات معدودة تنازع أبناؤه على السلطنة فضعف أمرهم وانشغلوا بالنزاع فيما بينهم واستغل الخلفاء هذا النزاع ليستعيدوا سلطتهم وشغلوا بذلك عما يجري في الشام من أحداث(5) . وتركوا الصليبيين يبنون لهم ملكاً في أحشاء العالم الإسلامي ويشيدونه ولم يفكروا في دعوة المسلمين إلى الجهاد ويخرجوا بأنفسهم على رأس المجاهدين ليصدوا هؤلاء المغيرين عن بلاد الإسلام.
ولو أن هؤلاء الخلفاء أعلنوا النفير العام وحاولوا إيقاظ شعور العالم الإسلامي وإشعال الحماس الديني في نفوس المسلمين- كما فعل البابوات في أوروبا- لأحرزوا بعض النجاح إن لم يحرزوه كله واستطاعوا أن يعطلوا سير الصليبيين إن لم يستطيعوا أن يردوهم على أعقابهم إلى أوروبا.
ولم يهتم السلاجقة كذلك بجهاد الصليبيين بل كانوا في شغل شاغل بالتنافس على كرسي السلطنة فيما بينهم ومراقبة الخلفاء حتى لا يتمكنوا من استرداد سلطانهم وهكذا شغل هؤلاء وهؤلاء بمصلحتهم الشخصية عن الواجب الديني الذي فرضه الله على المسلمين. وقد كان من الواجب على هؤلاء السلاطين الذين كانوا يحملون ألقاب ( غياث الدنيا والدين وحامى حمى المسلمين ) كان الواجب عليهم أن يعملوا بمقتضى ما منحوه من ألقاب وأن يوجهوا همتهم للدفاع عن بلاد الشام والجزيرة التي كانت موطئ أقدام الغزاة الصليبين وألا يتركوا عبء الدفاع عنها على كواهل أمرائها الضعاف الذين لم يكن لديهم من الجيوش والمعدات ما يمكنهم من صد هؤلاء المغيرين ويساعده على الإحتفاظ بما تحت أيديهم من الإمارات وحمايتها من أطماع الصليبين.
ومما يثير الدهشة أن وفداً من سكان بيت المقدس ذهب إلى بغداد بعد سقوط مدينتهم في يد الصليبيين يلتمس النجدة من أمير المؤمنين (المستظهر بالله 487- 512 هـ) فتأثر أهل بغداد لما حلّ بإخوانهم تأثراً عميقاً وحزنوا لما أصابهم حزناً شديداً ولكنهم لم يهبوا لنصرتهم . أما الخليفة فإنه أحال الوفد على السلطان بركياروق بن ملكشاه ولكن السلطان لم يقدر المسئولية ولم يحقق ما عقد عليه من أمل ويهب على رأس جيش لنجدتهم.
وهكذا تقاعس الخلفاء العباسيون والسلاطين السلاجقة عن الجهاد وحماية بلاد الإسلام حتى وطد الصليبيون أقدامهم في جزء غال منها وتطلب إجلاؤهم عنه مجهوداً كبيراً ووقتاً طويلاً من أبطال الإِسلام الذين كرسوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله أمثال عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود وصلاح الدين يوسف بن أيوب ومن جاء بعدهم من الأيوبيين والمماليك.
وكان الخلفاء الفاطميون قد ضعف شأنهم في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وانتقلت السلطة من أيديهم إلى أيدي وزرائهم وكان يتربع على كرسي الوزارة في الوقت الذي غزا فيه الصليبيون بلاد الشام الوزير القدير الأفضل بن بدر الجمالي وكانت الدولة في عهده تبسط يدها على كثير من مدن الشام الساحلية مثل صور وعكا وعسقلان ويافا وغزة وغيرها، كما كانت تحتفظ بقوة برية وبحرية كبيرة ولكن هذا الوزير لم يتناس العداوة القديمة بين السلاجقة السنيين وبين الفاطميين الشيعة وظن أن فرسان الصليبيين يمكن أن يناصروه على أعدائه السلاجقة ولم يدرك أنهم أعداء الطرفين إلا عندما استولوا على بيت المقدس واشتبكوا معه في معركة طاحنة على مقربة من مدينة عسقلان بعد أن سقطت بيت المقدس في أيديهم بأيام وهزموه هزيمة منكرة(6) .
ولقد تحمس الأفضل لجهاد الصليبيين وأرسل إلى ميادين القتال أبرع قواده ولم يبخل حتى بأولاده غير أنه لم يحرز نصراً ذا قيمة عليهم وسقط في أيديهم ما كان في حوزة الفاطميين من مدن الشام مدينة تلو الأخرى حتى طمعوا في غزو مصر نفسها.
وهكذا تقع مسئولية ما حل بأهل البلاد التي اغتصبها الصليبيون من كوارث وما نزل بأهل البلاد التي هاجموها من مصائب على عاتق الخلفاء العباسيين الذين عاصروا تلك الحوادث وسلاطين السلاجقة الذين كانوا يديرون شئون دولتهم وعلى خلفاء الدولة الفاطمية الذين كانوا يجلسون على كرسي الخلافة في مصر في هذه الفترة والوزراء الذين حكموا باسمهم.
عصر المقاومة:
بعد مضي ربع قرن على تأسيس مملكة الصليبيين في الشرق ظهر زعيم إسلامي قوي هو عماد الدين زنكي أمير الموصل الذي استولى على إمارة حلب وحمل لواء الجهاد ضد الصليبين وتمكن من انتزاع إمارة الرها من أيديهم(7) .
ولما اشتد التنافس بين أمراء حلب وأمراء دمشق على السيطرة على السلطان الصغير أرسل شمس الدين بن المقدم إلى صلاح الدين يدعوه للقدوم من مصر إلى دمشق ليسلمها إليه وانتهز صلاح الدين هذه الفرصة وسار إلى دمشق وتسلمها سنة 570 هـ وأعلن أنه ليس خارجاً على الملك الصالح وأنه إنما جاء إلى الشام ليحافظ على ملكه(8) .
وفي سنة 577 هـ توفي الصالح إسماعيل ولم يترك وارثا للعرش وكان صلاح الدين بمصر فلما علم بوفاته اتجه إلى الشام فدانت له حلب وخضع لسلطانه أكثر مدن الموصل. وبذلك انتهت دولة الأتابكة في الشام التي كان قد أسسها عماد الدين زنكي سنة 522 وشيد بنيانها ابنه نور الدين محمود بعد أن حملت لواء الجهاد ضد الصليبين نحو نصف قرن حتى أنهكت قواهم وورثتها الدولة الأيوبية التي كانت ثمرة طيبة من ثمارها.
موقعة حطين:
لم تخل الفترة التي قضاها صلاح الدين في توحيد القوى الإِسلامية (572- 582 هـ) من حروب بينه وبين الصليبيين. وفي سنة 576 هـ عقدت هدنة بين صلاح الدين وبين (بلدوين الرابع) ملك بيت المقدس (ريموند) أمير طرابلس لمدة سنتين ولكن أرناط ( ريجينالد) أمير حصن الكرك الذي يتبع بيت المقدس لم يحترم تلك الهدنة ودأب على مهاجمة القوافل السائرة بين دمشق والقاهرة وفي السنة التالية لعقد الهدنة عزم على توجيه حملة إلى بلاد الحجاز ولكن عزّ الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين ونائبه على دمشق علم بذلك فأغار على حصن الكرك وشغل أرناط عن تنفيذ ما عزم عليه(9) .
وفي العام التالي لهذه الحادثة اتجه أرناط على رأس حملة بحرية إلى شواطئ الحجاز يريد غزو مكة والمدينة. وكان صلاح الدين بالموصل وقتئذ ونائبه في مصر أخوه العادل فأرسل العادلا أسطولاً التقى بأسطول الصليبيين شمال ينبع وهزمه هزيمة ساحقة وأسر كثيراً من بحارته وفر أرناط بمن بقي معه(10) .
وعلى الرغم من استنجاد (رايموند) الثالث أمير طرابلس بصلاح الدين ليساعده على تولى ملك بيت المقدس الذي تولاه ( جاى دى لوزينيان ) بمساعدة أرناط فإن صلاح الدين لم يشأ أن يتدخل في شئون الصليبيين الداخلية تمسكاً بالأخلاق الإسلامية التي تدعو إلى الوفاء بالعهد.
وفي سنة 582 هـ هاجم أرناط قافلة من الحجاج المسلمين كانت تعبر بلاده في طريقها إلى مكة ونهبها وأسر كثيراً من أفرادها فأرسل إليه صلاح الدين يطلب إطلاق سراح الأسرى فلم يفعل فغضب صلاح الدين واستعد للحرب ونذر أن يذبح أرناط بيده إن أظفره الله به(11) .
ولما علم الصليبيون باستعداد صلاح الدين لحربهم اجتمعوا في بلدة صفورية على مقربة من عكا ليدرسوا الموقف ويقرروا الخطة التي يسيرون عليها إذا هاجمهم صلاح الدين فأشارت الأقلية- وعلى رأسها أرناط- بمهاجمة صلاح الدين ولكن الأكثرية- وعلى رأسها جان دي لوزينيان- رأت أن يقف الصليبيون موقف الدفاع. غير أن أرناط أثر على الملك فانحاز إليه وترجحت كفة الداعين للهجوم وتقدم الجيش الصليبي وعسكر على تل قريب من قرية (حطين).
أما صلاح الدين فإنه فتح مدينة طبرية سنة 583 ولكن قلعتها لم تسلم ففك الحصار عنها واتجه نحو معسكر الجيش الصليبي وهاجمه هجوماً عنيفاً وأنزل بالصليبيين هزيمة ساحقة وقتل كثيراً منهم وأسر كثيراً من بينهم أرناط وجاي دي لوزينيان. وقتل السلطان أرناط بيده وفاء بنذره. ولما رأى ملك بيت المقدس ما حل بأرناط ارتعدت فرائصه ولكن صلاح الدين أمنه على حياته(12) .
أثر الموقعة:
أحرز صلاح الدين في موقعة( حطين) نصراً بيناً على الصليبيين فأصبح من السهل عليه أن يوالي انتصاراته عليهم بعد أن أباد معظم جيشهم في الموقعة فرجع إلى طبرية وشدد الحصار على قلعتها حتى سلمت ثم رحل إلى عكا وضرب الحصار عليها حتى فتحها واستنقذ منها أسرى المسلمين وكانوا زهاء أربعة آلاف. وخير أهلها المسيحيين بين الرحيل عنها بأموالهم وما يستطيعون حمله من أمتعتهم وبين الإِقامة بها على أن يدفعوا الجزية فاختار معظمهم الرحيل خوفاً من أن يغدر بهم صلاح الدين. وتسلم السلطان المدينة ثم أخضع معظم المدن الساحلية مثل قيسارية وحيفا ويافا وصيدا وغيرها(13) .
ثم حاصر السلطان مدينة عسقلان ووعد (جاي دي لوزينيان ) بإطلاق سراحه إن هو أقنع أهلها بالتسليم فسلموا على الشروط التي سلمت بها عكا من قبل وبرّ صلاح الدين بوعده لملك بيت المقدس فأطلق سراحه بعد سنة من تسليم عسقلان وبعد أن أخذ عليه عهداً ألا يشترك في حرب ضده ولكنه نقض العهد وحارب السلطان بعد ذلك(14) .
وكان صلاح الدين قد قضى على زهرة الجيش الصليبي في موقعة حطين واحتل المدن الساحلية القريبة من بيت المقدس وسيطر على الطرق المؤدية إليها وبذلك تهيأت الفرصة لفتحها فتقدم إليها وحاصرها أسبوعاً فاستسلمت حاميتها وطلب أهلها الصلح فأجابهم صلاح الدين وأمهل من أراد الجلاء من أهلها أربعين يوماً وشرط عليهم أن يدفعوا قبل رحيلهم فدية مقدارها عشرة دنانير عن الرجل وخمسة عن المرأة وديناران عن الطفل ذكراًَ كان أو أنثى فمن دفع سمح له بالخروج ومن لم يدفع أخذ أسيراًَ وأعفى من الفدية الشيوخ والعجزة والفقراء.
وتم تسليم المدينة في أواخر رجب سنة 583 هـ وخلّص صلاح الدين من كان فيها من أسرى المسلمين وكانوا زهاء ثلاثة آلاف(15) .
وكان سقوط مدينة بيت المقدس عاصمة المملكة الصليبية في يد صلاح الدين إيذاناً بجلائهم عن الشرق ورجوعهم من حيث أتوا وقد سر المسلمون سروراً عظيماً لهذا النصر المبين.
ولما دخل صلاح الدين المدينة حافظ على ما بها من آثار وعمر ما تخرب منها في أثناء الحصار ثم أرسل أخاه العادل لفتح حصن الكرك ففتحه سنة 584 هـ وتوجه هو على رأس بقية الجيش إلى مدينة صور وحاصرها وكانت قد تجمعت بها فلول النازحين من البلاد المفتوحة واحتموا بها فاستعصت عليه لأن الإمدادات كانت تأتيها عن طريق البحر ففك عنها الحصار(16) .
الحملة الصليبية المعروفة (بالثالثة) سنة 587 هـ:
لقد أثار سقوط بيت المقدس في يد صلاح الدين أوروبا فتناسى ملوكها ما بينهم من عداوات وقاد الجيوش للثأر من المسلمين كل من (فردريك بربروس) إمبراطور ألمانيا ورتشارد الأول (قلب الأسد) ملك إنجلترا وفيليب أغسطس ملك فرنسا. وكان هؤلاء الملوك الثلاثة أقوى ملوك أوروبا الغربية وكانت حملتهم أكثر الحملات الصليبية عدداً. وكان فردريك أول من اتجه إلى الشرق سالكاً الطريق البري عبر أوروبا الشرقية وآسيا الصغرى ولكنه غرق عندما كان يعبر أحد الأنهار في كيليكيا فعاد معظم جيشه إلى ألمانيا(17) .
أما ملكا فرنسا وإنجلترا فإنهما ركبا البحر من مرسيليا ووصلا بجيوشهما إلى جزيرة صقلية واستراحا بها فترة ثم غادراها دون أن يتفقا على خطة معينة فتوجه فيليب أغسطس نحو عكا مباشرة وعرج ورتشارد على جزيرة قبرص واحتلها ليتخذها قاعدة لأسطوله يهاجم منها فلسطين.
اتفق الصليبيون الذين كانوا بالشام مع ملك فرنسا ومن وصل إليهم من بقايا جيش إمبراطور ألمانيا على حصار عكا ونقض جاي ذي لوزينيان ملك بيت المقدس عهده لصلاح الدين عندما فك أسره وحاصر المدينة سنة 586 هـ وفى اليوم التالي لحصارها وصل صلاح الدين لإنقاذها وضرب خيامه في مواجهة العدو واشتدت المعارك براًَ وبحراًَ بين المهاجمين والمدافعين. وبعد فترة وصل رتشارد بجيشه ففرح الصليبيون بقدومه وقوي جانبهم وقد استبسلت حامية المدينة في الدفاع عنها وكانت أوامر صلاح الدين تصل إلى الحامية بواسطة السباحين وحمام الزاجل(18) . وقد استمر الحصار إلى سنة 587 هـ وساعد الفرنج على مداومته سيطرتهم على البحر.
ولما اشتد الضيق بحامية المدينة وعجز صلاح الدين عن إرغام الفرنج على فك الحصار عنها سلمت على أن يفتدى أهلها أنفسهم بمائتي ألف دينار وألف وستمائة أسير من أسرى الفرنج من بينهم مائة شخص طلب فداؤهم بالذات وأن يرد المسلمون صليب الصلبوت الذي كانوا قد أخذوه عندما فتحوا مدينة بيت المقدس(19) .
أخذ صلاح الدين يجمع المال ليفتدي حامية عكا ولما انقضى شهر ولم يدفع الملك المبلغ المتفق عليه أمر رتشارد بقتل ألفين وسبعمائة من أسرى المسلمين ولم يكن كريماً في معاملته للأسرى المسلمين كما فعل صلاح الدين بعد فتحه لبيت المقدس مع الأسرى الفرنج حيث أطلق آلافاً منهم عجزوا عن افتداء أنفسهم(20) .
وقد أصبحت عكا بعد أن استردها الصليبيون أهم مركز لدولة الفرنجة في الشرق وحلت محل بيت المقدس في الزعامة على المدن الصليبية الأخرى. وكان من المحتمل أن يكسب الصليبيون انتصارات أخرى مهمة على المسلمين ولكن سرعان ما دب دبيب الشقاق بينهم ورجع ملك فرنسا إلى بلاده وبقي (رتشارد) واستولى على مدينتي أرسوف ويافا وعزم على استرداد بيت المقدس فوجه صلاح الدين همته إلى تحصين المدينة والدفاع عنها ورأى أنه من الخير الاحتفاظ بالمدن الداخلية ريثما تتاح له فرصة تكوين أسطول بحري كبير يحمي به المدن الساحلية.
صلح الرملة:
كان رتشارد شديد الرغبة في فتح بيت المقدس ولكنه لم يكن واثقاً من الظفر بأمنيته ففكر في حيلة تحقق له بعض ما يتمناه واقترح أن يزوج أخته من العادل أخي صلاح الدين على أن يحكم الاثنان بيت المقدس ولكن هذا الاقتراح رفضه المسيحيون والمسلمون على السواء(21).
ثم حدثت بعض المعارك بين جيش رتشارد وصلاح الدين وكان رتشارد وصلاح الدين يتبادلان الهدايا والمكاتبات رغم الحرب الدائرة بينهما(22) .
ولما سئم كل من الطرفين الحرب دخلا ثانية في مفاوضات انتهت بعقد صلح الرملة سنة 588هـ على شروط أهمها ما يلي :
1- أن تخرب مدينة عسقلاة التي كانت قد وقعت في أيدي الصليبيين وكان بقاء هذه المدينة محصنة خطراً على بيت المقدس لأنها مفتاحه .
2- أن يستولى الصليبيون على المدن الساحلية من صور شمالاً إلى يافا جنوباً وأن تبقى المدن الساحلية الواقعة جنوب يافا في أيدي المسلمين .
3-أن يمكن المسيحيون من الحج إلى بيت المقدس وألا يتعرض لهم المسلمون بأذى .
هذا كل ما تمخضت عن الحملة الصليبية المعروفة (الثالثة). يقول المؤرخ الإنجليزي المعروف (فيشير)معلقاً على فشل هذه الحملة ومن هذه النتيجة الضئيلة تتضح شناعة الخاتمة التي حلت بما عقد على تلك الحملة من آمال كما تتضح فداحة الدليل على عجز أوروبا عن توحيد المسيحية الغربية وتوجيهها نحو هدف عام(23) .
الأيوبيون والمماليك يواصلون جهاد الصليبيين:-
لم يعمر صلاح الدين طويلاً بعد صلح الرملة بل وافته منيته في صفر سنة 589 هـ ودفن بدمشق وتوارثت أسرته حكم الإمبراطورية التي أنشأها وحملت لواء الجهاد ضد الصليبين وصدت كل ما وجهوه إلى الشام ومصر من هجوم وكان آخر أبطالهم المعظم توران شاه بن السلطان الصالح أيوب الذي أظهر بطولة نادرة في حربه مع لويس التاسع ملك فرنسا وتغلب عليه وأسره مع كثير من أمراء دولته وجنده وقتل منهم سبعة آلاف في المعركة(24) .
وكان السلطان الصالح أيوب قد أكثر من شراء المماليك ورقاهم إلى أعلى رتب الجيش وكانوا أطوع له من بنانه وأكثر الناس ولاءً له وقد أبلوا بلاءً حسناً في محاربة الصليبين وكانوا من أقوى العناصر التي ساعدت على هزيمتهم فقوي مركزهم وطمعوا في انتزاع الملك من الأيوبيين بعد موته فلما أراد ابنه توران شاه أن يفرض عليهم نفوذه وسيطرته قتلوه بعد بضعة عشر يوماً من انتصاره على الصليبيين وهو ما يزال في أرض المعركة وقبل أن يعود إلى القاهرة(25) .
وبعد قتل السلطان توران شاه نادى المماليك بشجرة الدر أم ولد السلطان نجم الدين أيوب سلطانة على مصر وما يتبعها من بلاد الشام ويعدها أكثر المؤرخين آخر سلاطين الدولة الأيوبية لأنها زوجة الصالح أيوب.
ولما علم الخليفة العباسي المعتصم بالله بسلطنة الشجرة الدر أنكر ذلك إنكاراً شديداً(26) ، فرأت أن بقاءها في السلطنة غير ممكن فتزوجت من معز الدين أيبك التركماني أحد أمراء المماليك وتنازلت له عن السلطنة وبذلك انتقل الملك من الأيوبيين إلى المماليك. وقد واصل المماليك الجهاد ضد الصليبين ففتح الظاهر بيبرس (658-676هـ) كثيراً من مدنهم وأهمها قيسارية وأرسوف وصفد وطبرية ويافا وأنطاكية وفتح المنصور قلاوون (679- 689 هـ) طرابلس وعزم على حصار عكا ولكن المنية عاجلته(27) . وخلفه ابنه الأشرف خليل (689- 693 هـ) فحاصرها نحو شهر حتى فتحها سنة 690 هـ. وكانت عكا آخر معقل للصليبيين في بلاد الشام فلما تم فتحها سلم ما بقي من أيديهم من المدن في ظرف شهرين دون مقاومة وقضى على دولتهم القضاء الأخيرة(28) .
وهكذا واصل المسلمون الجهاد حتى استردوا ما اغتصبه الصليبيون من بلادهم ولم يهنوا امتثالاً لقول الله تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}(1) وواصلوا جهادهم واثقين بوعد الله للمجاهدين في سبيله بالنصر حيث يقول جلّ شأنه: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(29) .
فلعل المسلمين أن يقتدوا بأسلافهم ويُوحدوا جهودهم ليخلصوا بلادهم من الصهاينة كما فعل أسلافهم من قبل مع الصليبيين {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}(30) .

سياسة أبي بكر الصديق في مواجهة الأزمات

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الصعنوني380

سياسة أبي بكر الصديق في مواجهة الأزمات
إن من الرجال من يُؤتى بسطة في الجسم ؛ فيُرى قوي البدن , مفتول العضلات , فإذا ألمت به ملمة خر كالثور الذبيح , ومنهم من يشتهر عنه العلم والحلم , فإذا نزلت به نازلة تاه في غياهبها , ومنهم من يتظاهر بالتضحية من أجل المبادئ , فإذا وقع في مأزق كان كمن يعبد الله على حرف , إذا أصابه شر انقلب على وجهه , خاسرا دنياه وآخرته …
ومنهم من يُرى بسيطا متواضا, لا يتميز على الناس في حياته العادية بشيء , فإذا خبرته وجدته جبلا شامخا راسيا , تزول الجبال ولا يزول , تنهار أمامه الشدائد العظام , انهيار المباني العملاقة إذا ما أصيبت بقاذفة نووية , وأحسب أن أبا بكر كان من هذا الصنف…
فقد ذكر البهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنها: ” قالت قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتدت العرب , واشرأب النفاق بالمدينة , فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها..”( سنن البيهقي الكبرى : جزء 8 – صفحة 200 )وزاد واشرأبت يهود والنصرانية، وبقي المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة لفقد نبيهم وقلتهم وكثرة عدوهم…
قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ـ كما نعلم ـ رفيقه في حياته , نشئا معا , وشبا معا , وعملا في مجال التجارة معا , ثم توثقت تلك الصلة أكثر بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم , فصارا متلازمين , تلازما يصحبه حب وإخلاص ووفاء , حب عبر عنه أبو بكر رضي الله عنه بقوله : “شرب رسول الله حتى ارتويت “, وعبر عنه رسول الله بقوله : “إن أمنّ الناس عليّ في بدنه ودينه وذات يده أبو بكر.. ” .
وهذه العلاقة الوطيدة جعلته يبكي بمجرد أن سمع رسول الله يقول : ” إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا , وبين ما عنده , فاختار ما عنده ” وقال : بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا يارسول الله , فكان الرد من رسول الله :” على رسلك ( هون عليك ) يا أبا بكر ..”
ورغم ذلك تلقى نبأ وفاته صلى الله عليه وسلم بصبر غير مسبوق , وبتحكم في عواطفه غير معهود ..
وتلك مواقف الرجال , فجزعه على رسول الله لن يعيد إليه الحياة مرة أخرى , إذا فليترك الجزع جانبا , وحبه لرسول الله يجعله يقدم له أفضل ما يرضيه , وليس هناك أرضى لرسول الله من أن يخلفه في أمته بخير .
ففي الوقت الذي سيطر فيه الفزع والبكاء والاندهاش على سائر الصحابة الموجودين عقب سماع نبأ الوفاة , حتى إن الكثير منهم لم يستطع تحمل أثرها ، فمنهم من دُهش فخولط , ومنهم من أُقعد فلم يُطق القيام، ومنهم من أعتُقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية, نرى أبا بكر الصديق ما إن أُعلم بوفاته حتى جاء سريعا من منزل له بالسنح ـ خارج المدينة ـ ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكشف عن وجهه ـ وهو متمالك لنفسه ـ وقبّله قائلا: “بأبي أنت وأمي طبت حيا ميتا , والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبدا” .
ثم خرج فأتى المنبر فصعده , وحمد الله , وأثنى عليه , ثم قال : ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات , ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت , قال الله تعالى :” وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ” (آل عمران : 144)فتلقاها منه الناس , وصاروا يرددونها , وظل بمن حوله من أهل المدينة , حتى خفف عنهم هول الفاجعة , وفاءوا إلى رشدهم بفيئه , وأمسوا يدربون أنفسهم على الحياة دون رسول الله , وعلى الصبر على فراقه , وانصرفوا إلى مواصلة أمور حياتهم.
بهذا الأسلوب واجه أبو بكر رضي الله عنه تلك الشدة أو الأزمة التي لا يعلم هولها إلا من تفكر في شدة حبه لرسول الله , وارتباطه به الذي كان يجعله يضحي في سبيله بكل شيء حتى النفس والولد .
وجاءت الأزمة الثانية التي لم يفصلها عن الأولى غير لحظات , فوفاة رسول الله بالنسبة له لم تكن مجرد فراق فقط , وإنما ألقت عليه تبعة عظيمة ,وهي مسئولية القيام على أمر المسلمين بعده , وجمعهم تحت خليفة واحد , بطريقة غير سلطوية أو انتزاعية , وهو لم يغب عن ذهنه أن العرب داخل الجزيرة لم يتعودوا أن يخدعوا لحاكم غير نبي , وأن الأنصار في المدينة كانوا يرون أن لهم من فضل السبق إلى الإسلام ونصرته ما يؤلهم لخلافة رسول الله , وقد اجتمعوا بالفعل لبحث هذا الأمر في سقيفة ” بني ساعدة ” وهموا أن يؤمروا عليهم سعد بن عبادة …
ولم يغب عن ذهنه الصراع الدموي بين قبيلتي الأوس والخزرج من الأنصار , هذا الصراع الذي لم ينته إلا بمجيء رسول الله , وأن هناك من المنافقين من يطمعون في بعث الفتنة من جديد , وقد رأى في حياة رسول الله كيف حاولوا أكثر من مرة أن يشعلوا النار بينهم .
فنظر في الأمر مع من حضره من المهاجرين بحلمه وهدوئه المعتاد منه , ثم ذهب بهم إلى الأنصار المجتمعين في سقيفتهم , وبعد اطلاعه على ما عزموا عليه , ومعرفة وجهة نظرهم تكلم فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار , ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا وذكره , وقال : ولقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو سلك الناس واديا , وسلكت الأنصار واديا , سلكت وادي الأنصار , ولقد علمت يا سعد ( ابن عبادة ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد : ” قريش ولاة هذا الأمر , فبر الناس تبع لبرهم , وفاجرهم تبع لفاجرهم ” فقال له سعد : صدقت .. وأسرع بمبايعته (مسند أحمد بن حنبل جزء 1 – صفحة 5 ) .
فليس هنالك أفضل في المجادلة من ذكر فضائل الطرف الآخر , والثناء عليه بما هو أهله , إذ يجعله يلين أمام من يحادثه , وكان أبوبكر أبرع الناس بعد الرسول في ذلك .
وبتلكم السياسة نجح رضي الله عنه في اجتياز الشدة الثانية التي تحدث عنها أبو هريرة رضي الله عنه بقوله : “والذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله..”
ولم يمض الليل إلا وقد اجتمع المسلمون بالمدينة تحت إمارته , راضين مختارين , لم يشذ عن ذلك فرد واحد , ثم أتته وفود العرب في اليوم التالي مجمعة على بيعته , إلا من ارتد منهم , فقام فيهم خطيبا ـ دون حفل تنصيب أو …وقال : “أما بعد , أيها الناس ! فإني قد وُليت عليكم , ولست بخيركم , فإن أحسنت فأعينوني , وإن أسأت فقوموني . الصدق أمانة , والكذب خيانة , والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه ـ إن شاء الله ـ والقوي فيكم ضعيف عندي , حتى آخذ الحق منه ـ إن شاء الله ـ لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل , ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء . أطيعوني ما أطعت الله ورسوله , فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم .
ونزل من توه ليستعد للأزمة الثالثة , ألا وهي مجباهة العرب المرتدين , فالكثير من الأعراب في شتى الجزيرة العربية ما إن سمعوا بموت رسول الله حتى انتفضوا وثاروا خالعين ربقة الإسلام من أعناقهم , وطردوا ولاة رسول الله عليهم , وظهر من بينهم من يدعي النبوة , بعد أن ظنوا أن ذلك أفضل طريق لجمع الأعراب السذج عليهم..
روى عروة بن عروة عن أبيه قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب عوام أو خواص , وتوحى مسيلمة وطليحة فاستغلظ أمرهما , واجتمع على طليحة عوام طيء وأسد , وارتدت غطفان إلى ما كان من أشجع , وخواص من الأفناء فبايعوه , وقدمت هوازن رجلا وأخرت رجلا , أمسكوا الصدقة إلا ما من ثقيف ولفها …وارتدت خواص من بني سليم , وكذلك كسائر الناس بكل مكان …
وبالطبع فإن خبر تلك الردة قد وصل إلى مسامع الروم الذين كانوا يبحثون عن سبيل للقضاء به على دولة الإسلام قبل أن يقوى صلبها , وقاموا بمحاولات عدة لذلك في غزوة مؤتة وتبوك , كما قتلوا أحد الأمراء العرب الذين دانوا لرسول الله قبيل موته , وهم على استعداد تام لمناصرة أي خارج على الدولة الإسلامية .
واختلفت مواقف الصحابة بالمدينة تجاه تلك الثورات , وأكثرهم خشيء من عاقبة مواجهتها , ورءوا مهادنتهم , بل غلب بعضهم اليأس حتى قال : نعبد ربنا حتى يأتينا اليقين ” الموت “إلا أن أبا بكر كان حازما في رأيه , وأصر على مواجهة كل خارج على الإسلام ولو انتمىإليه اسما وأدى بعض الفرائض , وقال : .. والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة , فإن الزكاة حق المال , والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها ” (البخاري : رقم 6855).
وإذا كانت الأزمة الأولى قد بينت مدى ما اتصف به أبو بكر من صبر وقدرة على تحمل البلاء , وأن الثانية قد بينت حلمه ورجاحة عقله , فإن تلك الأزمة تنبئ بما ما اتصف به الصديق من شجاعة قل أن توجد في البشر , ويقين ورثه من النبي صلى الله عليه وسلم , نعم . يقين عاشه برفقته يوم الهجرة , ويقين شاهد أثره يوم بدر , ويقين رأى ثمرته يوم الأحزاب , بعد أن كانت كل المؤشرات المادية توحي بأن الإسلام أوشك على الزوال , يقين علمه أن النصر محقق للمسلمين إذا نزعت من بينهم أسباب الهزائم ..
قال عبد الله بن مسعود: ” لقد قمنا بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مقاماً كدنا نهلك فيه لولا أن الله من علينا بأبي بكر، أجمعنا على أن لا نقاتل … ونعبد الله حتى يأتينا اليقين، فعزم الله لأبي بكر على قتالهم، فوالله ما رضي منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية، فأما الخطة المخزية فأن يقروا بأن من قتل منهم في النار ومن قتل منا في الجنة، وأن يدوا قتلانا , ونغنم ما أخذنا منهم، وأن ما أخذوا منا مردودٌ علينا, وأما الحرب المجلية فأن يخرجوا من ديارهم.
ولما رأى الصحابة من حوله عزمه على مواجهة المرتدين ومدعي النبوة قالوا له : فلتبق جيش أسامة الذي كان رسول الله قد أوصى ببعثه ؛ ليكون عونا لك في حماية المدينة , لأن جيش أسامة جند المسلمين , والعرب قد انتفضت بك , فلا ينبغي أن تفرق عنك جماعة المسلمين ,وألح عليه أسامة في هذا الأمر فقال : “.. إن معي وجوه الناس وحَدّهم، ولا آمن على خليفة رسول الله , وحرم رسول الله والمسلمين أن يتخطفهم المشركون.
فأبى ذلك عليهم أيضا , لا لأنه يستبد برأيه , وإنما لأن رسول الله هو الذي قد أوصى ببعث جيش أسامة قبيل وفاته , ولا يجوز له أن يبدأ عمله بمعصية أمر رسول الله , فيسن سنة سيئة لمن يأتي بعده , وكان شعاره : “والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة , كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته” إضافة إلى أنه كان يضع في حسبانه أنه لن يستطيع أن يعيد الأمن داخل الجزيرة إلا إذا قطع الطريق على الروم وشغلهم بأنفسهم ..
وظن بعض المسلمين أن أسامة قد يعجز عن تحقيق هذا الهدف لصغر سنه , , وأرسلوا له تلك الرسالة عن طريق عمر , فقال له ـ رضي الله عنهما ـ : إن الأنصار أمروني أن أبلغك وأنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة . فوثب أبو بكر ـ وكان جالسا ـ يأخذ بلحية عمر وقال له :ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب أستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه؟!!..
خرج أسامة بالجيش , وقبل رحيله قال له أبو بكر : “اصنع ما أمرك به نبي الله صلى الله عليه وسلم . ابدأ ببلاد قضاعة ثم ائت آبل , ولا تقصرن من شئ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا تعجلن لما خلفت عن عهده “.
وبعد رحيل أسامة قدم عليه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس في رجال من أشراف العرب , فقالوا : إنه قد ارتد عامة من وراءنا عن الإسلام , وليس في أنفسهم أن يؤدوا إليكم ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإن تجعلوا لنا جعلا كفيناكم , فدخل بعض الصحابة عليه , فعرضوا عليه ذلك وقالوا : نرى أن تطعم الأقرع وعيينة طعمة يرضيان بها , ويكفيانك من وراءهما حتى يرجع إلينا أسامة وجيشه ويشتد أمرك , فإنا اليوم قليل في كثير
وهذا الأمر كان من الممكن أن يوجد فرقة بين المسلمين ؛ لتباين وجهة نظرهم معه, ولكن سياسته الحكيمة ـ رضي الله عنه ـ كانت كفيلة بأن تجعلهم يسلمون له بما أراد ..
ووضحت تلك السياسة في قوله لهم : فهل ترون غير ذلك ؟ قالوا : لا .قال : قد علمتم أن من عهد نبيكم إليكم المشورة فيما لم يمض فيه أمر من نبيكم , ولا نزل به الكتاب عليكم , وأنا رجل منكم تنظرون فيما أشير به عليكم , وإن الله لن يجمعكم على ضلالة , فتجتمعون على الرشد في ذلك , فأما أنا فأرى أن ننبذ إلى عدونا , فمن شاء فليؤمن , ومن شاء فليكفر , وألا ترشون على الإسلام , فنجاهد عدوه كما جاهدهم .. وأما قدوم عيينة وأصحابه إليكم فهذا أمر لم يغب عنه عيينة , هو راضيه ثم جاء له , ولو رأوا ذباب السيف لعادوا إلى ما خرجوا منه , أو أفناهم السيف فإلى النار , قتلناهم على حق منعوه , وكفر اتبعوه , فقالوا له : أنت أفضلنا رأيا , ورأينا لرأيك تبع …
ولكن المشكلة الحقيقية لم تكن في اعتراض هؤلاء الصحابة , وإنما في كيفية مواجهة هؤلاء المارقين , لذا أسرع من فوره بوضع خطة لمواجهة أي خطر قد يحيق بالمدينة , فوضع على مداخلها نفرا (عليا والزبير وطلحة وعبدالله بن مسعود ) ليراقبوا له الطرق , وأعلن بالمدينة حالة التعبئة العامة , وألزم الجميع بحضور المسجد ..
وقال لهم : إن الأرض كافرة , وقد رأى وفدهم ( من كان مع عيينة ) منكم قلة , وإنكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهارا , وأدناهم منكم على بريد , وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم , وقد أبينا عليهم , ونبذنا إليهم عهدهم , فاستعدوا وأعدوا ..
وصدق حدسه فما لبث عيينة والأقرع إلا ثلاثا حتى طرقا المدينة بمن معهما ليلا ؛ طمعا في الغارة على المسلمين وخلفوا بعضهم بمكان يسمى “ذا حسى ” ليكونوا لهم ردءا , لكنه خرج إليهم بمن معه , فما طلع الفجر إلا والمسلمون والعدو في صعيد واحد , ووضعوا المسلمون فيهم السيوف , وولوهم الأدبار وغلبوهم على عامة ظهرهم , ثم تتبعوا المتربصين حول المدينة , فكان أول الفتح , وعز المسلمون بتلك الوقعة ..
عاد جيش أسامة بعد ستين يوما تقريبا ظافرا غانما , وبعوده عادت الطمانينة إلى قلوب المسلمين بالمدينة , وعلموا أن الصواب كان في إصرار أبي بكر على طاعة أمر رسول الله مهما كلفه من شدائد , أما أبو بكر فلم يركن قليلا ؛ لأنه كان كما قلنا يسابق الزمن فاستخلف أسامة على المدينة , وقال له ولجنده : أريحوا وأريحوا ظهركم , ثم خرج إلى المرتدين في مكان يسمى بذي القصة , فقال له المسلمون : ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك , فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام , ومقامك أشد على العدو , فابعث رجلا , فإن أصيب أمّرت آخر , فقال : لا والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي ..وصار حتى لقي بني عبس وذبيان , وجماعة من بني عبد مناة بن كنانة , فلقيهم بالأبرق , فقاتلهم فهزمهم الله وفلهم .
ثم رجع إلى المدينة , وكان جيش أسامة قد استراح , وثاب من حول المدينة من الأعراب , فجيش الجميع , وعقد أحد عشر لواء على أحد عشر جندا , وسير كل قائد إلى ناحية من نواحي الجزيرة , ليحارب على كل الجهات بطريقة غير معروفة ولا مألوفة .
وكتب إلى قبائل العرب المرتدة كتابا واحدا , يذكرهم فيه بترك الغي والعودة إلى هدي ربهم , وأصى كل قائد من قواده أن يقرأءه على من يمروا به , وأمرهم ألا يقاتلوا أحدا حتى يدعونهم إلى داعية الله , فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحا قبل منه وأعانه عليه , ومن لم يجب قتل وقوتل , ولم يمر عام على ولايته إلا والجزيرة العربية كلها قد أدانت له , وفاء أهلها إلى الله سبحانه وتعالى , بل وانطلق أبناؤها مجاهدين ينشرون الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ,
ونجح الصديق رضي الله عنه بذلك في التغلب على كل ما واجهه من صعاب وشدائد , وتمثلت عوامل نجاحه في : ثقته البالغة بنفسه , وشجاعته الفائقة غير المتهورة , ونظرته الثاقبة للأمور ,وتعامله مع المشكلة من شتى جونبها, وقدرته عالية على إقناع من حوله ,وحرصه الشديد على تنفيذ أمر رسول الله , وفوق كل ذلك ثقته بالله سبحانه وتعالى وتسليمه بقضائه وقدره , ويقينه بأن النصر حليف المؤمنين لا يوخر إلا بسبب فيهم وليس في قوة أو كثرة عدوهم , كما قال تعالى بما كسبت أيديكم.

فتح قبرص

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الصعنوني380

كتب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه والي الشام إلى الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه يستأذنه في غزو البحر أكثر من مرة ، فأجابه عثمان إلى ذلك ، وكتب إليه : لا تنتخب الناس ولاتقرع بينهم ، خيرهم ، فمن اختار الغزو طائعاً فاحمله وأعنه ، ففعل معاوية ، واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الفزاري .

واتجه الأسطول الإسلامي عام 28 للهجرة نحو قبرص وهي الجزيرة الهامة لموقعها في البحر المتوسط ، فهي المحطة البحرية الاستراتيجية للتجارة والملاحة ، كما أن موقعها مهم لحماية فتوح المسلمين في بلاد الشام وإفريقية .

اتجه الأسطول الإسلامي من سواحل بلاد الشام بقيادة عبد الله بن قيس إلى قبرص وسار إليها أيضاً أسطول إسلامي آخر من مصر بقيادة عبد الله بن سعد فانتزعها المسلمون عام 28هـ من البيزنطيين وامبراطورهم آنذاك قنسطانس الثاني .
وقد صالح أهل قبرص المسلمين على :

1- ألا يقوموا بغزو المسلمين .
2- وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم .
3- مع جزية قدرها سبعة آلاف دينار كل سنة .
4- وأن يختار المسلمون بطريق قبرص .

قال جبير بن نفير : ولما فتحت قبرص وأخذ منها السبي نظرت إلى أبي الدرداء يبكي ، فقلت : ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله ، وأذل الكفر وأهله ، قال : فضرب منكبي بيده ، وقال : ثكلتك أمك ياجبير ، ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره ، بينما هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك ، إذ تركوا أمر الله فصاروا إلى ماترى ، فسلط الله عليهم السباء ، وإذا سلط الله السباء على قوم فليس له فيهم حاجة .

وفي هذه الغزوة توفيت أم حرام بنت ملحان الأنصارية تحقيقاً لنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي أنه نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها ، فاستيقظ وهو يضحك ، وقال : عرض عليّ ناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر كالملوك على الأسرة ، قالت أم حرام : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم ، قال صلى الله عليه وسلم : إنك منهم ، ثم نام فاستيقظ وهو يضحك ، فقالت أم حرام : يارسول الله ما يضحكك ؟ فقال : عرض عليّ ناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر كالملوك على الأسرة ، قالت : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم ، قال صلى الله عليه وسلم : أنت من الأولين . وقد صحبها زوجها عبادة بن الصامت رضي الله عنه في غزو قبرص ، فلما جاز البحر بها ركبت دابة فصرعتها فقتلتها ، ودفنت هناك ، وقبرها يزار حتى يومنا هذا .

نتائج فتح قبرص :

1- تهديم جدار الوهم عند المسلمين بركوب البحر وبدء الصراع بين المسلمين والروم فيه .
2- تأمين حدود بلاد الشام ومصر بجعل قبرص قاعدة إنذار متقدمة .
3- وجّه الأسطول البيزنطي ثقله إلى غرب البحر المتوسط حيث كانت الفتوحات الإسلامية لا تزال بعيدة عن الوصول هناك .
4- تطوير الأعمال البحرية بتنسيق تام مع الأعمال البرية ، فكانت الجزر هي هامش الحيطة البحري للدفاع عن الأقاليم التي يفتحها المسلمون في المغرب الإسلامي .

تكررت الغزوات على قبرص في الأعوام : 130 ، 158 ، 184 ، 190 هـ ، وقبيل البدء بالحركة الصليبية وجه ملك القسطنطينية ( نقفور ) أسطولاً إلى قبرص عام 965م ، فاحتلها فأصبحت سنداً بالغ الأهمية للصليبيين ، وبعد استرجاع بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي اتجه ريتشارد قلب الأسد إلى قبرص وجعلها قاعدة له عام 1191م ، وفي عام 1198م أصبحت مملكة ، وأصبح ملكها موجهاً للمغول للقضاء على المسلمين ، وأصبحت عام 1248م قاعدة للملك لويس التاسع عند غزوة مصر .

وفي عام 1263 وحّد ملك قبرص ( هيو ) قبرص وعكا التي كانت ما تزال بيد الصليبيين ، فأصبح مسؤولاً عن حماية عكا آخر معاقل الصليبيين في الشرق .
وفي عام 1291م حرر المسلمون عكا ، وأضحت قبرص بعدها مركز تهديد للشواطئ الإسلامية ؛ لذلك كان الملك الأشرف خليل محرر عكا ينادي دوماً : قبرص .. قبرص .. قبرص ، غير أن تهديدات المغول أعاقته عن تنفيذ أهدافه .

ولما أخذ العثمانيون على عاتقهم حماية العالم الإسلامي فتحوا قبرص عام 1573م ، ثم احتلها البريطانيون عام 1878م ، ثم أصبحت مستقلة عام 1945م .

الفتح الاسلامي في افغانستان

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الصعنوني380

إن لمعركة نهاوند الدور البارز والحاسم في فتح أبواب فارس والمشرق الإسلامي له.. ومنه أفغانستان.
– بعد معركة نهاوند توزعت القوات الإسلامية إلى سبعة ألوية، بقيادة سبعة قادة، لكل منهم هدف محدد، ومهمة محددة.
– ظل الفتح الإسلامي لأفغانستان وبلاد ما وراء النهر مستديما؛ لأنه فتح مبادئ، والمبادئ تبقي؛ لأنها مستقاة من شريعة الإسلام.
يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إن الله زوى لي الأرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها…” (رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة).
ويقول في حديث آخر: “ليبلغن هذا الأمر (يعني أمر الإسلام) ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر” (رواه أحمد في مسنده).
من هذه المبشرات النبوية، انطلق صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) يفتحون المشارق والمغارب، يدفعهم في ذلك تحقيق بشرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ناحية، وحب الجهاد والاستشهاد – من ناحية ثانية، والرغبة في نشر تعاليم ذلك الدين بين أمم الأرض جميعا – من ناحية ثالثة.
وكان من ضمن البلدان التي سعدت بالفتح الإسلامي “أفغانستان” التي تقع في قلب آسيا في منطقة بعيدة عن البحار، وتمتد على رقعة واسعة من الأرض تبلغ مساحتها (650.000) كيلو متر مربع، تغطي المرتفعات والجبال أجزاء كثيرة منها.
وقد عرفت أفغانستان في التاريخ البعيد باسم (آريان) نسبة إلى الآريين، وتعني كلمة (آري) النبيل، كما كانت تسمى – أيضا – بلاد الأفغان.
وتعتبر أفغانستان مهد الآريين الذين هاجروا إليها من سهول تركستان الغربية قبل الميلاد بنحو ألفي سنة، ولو أن بعض المؤرخين يرجع تاريخ هجرتهم إلى أكثر من أربعة آلاف سنة، كما أنها كانت تعرف في عهد الساسانيين باسم (خرا سان) ومعنى خراسان: أرض الشمس.
وليس قصدنا هنا القص التاريخي، فذلك أمر يطول بيانه، وإنما سنتعرض للأيام الحاسمة التي سطعت فيها شمس الإسلام فوق ربوع أفغانستان، وكيف انتقل الناس من عهد إلى عهد، ومن طور إلى طور.
الفتح الكبير:
تعتبر معركة نهاوند سنة 21هـ – 624م بقيادة نعمان بن مقرن المزني – إحدى المعارك الحاسمة التي كانت بين المسلمين من جهة وبين الإمبراطورية الساسانية من جهة أخري، وقد كان لهذه المعركة الدور البارز والحاسم في فتح أبواب فارس والمشرق الإسلامي كله – ومنها أفغانستان – ولذلك أطلق المسلمون على هذه المعركة اسم: فتح الفتوح.
ولا نستطيع أن نقول: إن فتح بلاد أفغانستان كان من معركة واحدة أو بقيادة قائد واحد، وإنما الحق الذي يقرره التاريخ أن بلاد أفغانستان فتحت على مراحل عدة على يد قادة كثيرين من قادة الفتح الإسلامي.
ويشير اللواء محمود شيت خطاب (رحمه الله) إلى أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بعد معركة نهاوند الشهيرة، عقد بيده سبعة ألوية لسبعة قادة، عهد إليهم بالانسياح في المناطق الخاضعة للحكم الساساني والتي تحكم باسم حكام فارس ، وكان من بين هذه الجيوش جيشان اتجها نحو المنطقة التي تسمى اليوم: أفغانستان:
الأول بقيادة الأحنف بن قيس التميمي، وجهته (خراسان)، والثاني بقيادة عاصم بن عاصم التميمي، ووجهته (سجستان).
أما فتح الأحنف لبلاد خراسان (تقع ضمن ثلاث دول: أفغانستان وإيران وتركستان)، فقد كان ذلك سنة 81هـ – 936م، وقد دخلها الأحنف عبر مدينة (الطبسين)، فافتتح (هراة) عنوة واستخلف عليها، وسار بعدها نحو (مرو الشاهجان)، فما كان من يزدجرد وهو في (مرو الروذ) إلا أن كتب إلى خاقان ملك الترك، وإلى ملك (الصغد) وإلى ملك (الصين) يستمدهم.
ودارت معارك طاحنة بين المسلمين من جهة والتحالف الفارسي التركي من جهة أخري، وانتهى الأمر بهزيمة قوى التحالف واستتباب الأمر للمسلمين، وكتب الأحنف إلى عمر بن الخطاب يبشره بالفتح، وبعث إليه الأخماس.
وعلى الرغم من فرح عمر بن الخطاب بالفتح، إلا أنه كان فرحا مشوبا بالحذر؛ إذ إن رقعة الدولة الإسلامية اتسعت في بلاد المشرق حتى شملت أرض فارس كلها ، وقد طالت خطوط المواصلات كثيرا، وتوزعت قوات المسلمين في أرجاء الشام ومصر والعراق وفارس، وكان مما قاله عمر في ذلك: “لوددت أني لم أكن بعثت إلى (خراسان) جندا، ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار” ثم كتب إلى الأحنف ألا يتجاوز النهر إلى ما بعده:
” أما بعد” فلا تجوزن النهر، واقتصر على ما دونه، وقد عرفتم بأي شيء دخلتم على خراسان، فداوموا على الذي دخلتم به يدم لكم النصر، وإياكم أن تعبروا فتنفضوا”.
ثم جمع عمر الناس وخطبهم خطبة عظيمة قال فيها: “إن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون ، والله بالغ أمره ومنجز وعده ومتبع آخر ذلك أوله، فقوموا في أمره على رجل يعرف لكم بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تتبدلوا ولا تتغيروا، فيستبدل الله بكم غيركم ، فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتي إلا من قبلكم”! ….
أما فتح عاصم بن عاصم التميمي، فقد كانت وجهته سجستان (ولاية كبيرة تشمل اليوم منطقتي (راجستان) و(سيستان)، ومن مدنها (قندهار) وسجستان بذلك أعظم من (خراسان) وأبعد فروجا، وعلى الرغم من ذلك استطاع عاصم أن يحقق النصر، ودخل ولاية سجستان، وبث جنده وسراياه، وفرض الحصار على من لم يستسلم منهم، إلى أن اضطروا إلى الصلح على أن تكون مزارع (سجستان) حمي لا يطؤها المسلمون، وبذلك فتحت ولاية (سجستان) ودخلت ضمن البلاد الإسلامية.
استعادة فتح أفغانستان :
لم ينته الأمر عند هذا الحد، ولم يستسلم أهالي تلك البلدان للفاتحين، وإنما كانت هناك مقاومات تعبوية انتهت باستعادة المغلوبين من أهل هذه البلدان لبلادهم ، وذلك في الأوقات التي انشغل الفاتحون فيها بالاضطرابات الداخلية والفتن المحلية.
وحينما استطاع الفاتحون القضاء على الاضطرابات والفتن الداخلية المحلية، استعادوا البلاد المفتوحة مرة أخري، ولكن معارك الفتح هذه لم تكن سهلة التكاليف، بل صادف المسلمون في كثير منها مقاومة شديدة، وتكبدوا خسائر فادحة بالأرواح، وجري فتح بعض المناطق والمدن عنوة.
ويذكر اللواء محمود شيت خطاب (رحمه الله) أن هناك مجموعة من القادة المتميزين أسهموا بجهد وافر في فتح أفغانستان، ومن هؤلاء:
1 – عبد الله بن عامر بن كريز العبشمي: بعد مقتل عمر بن الخطاب نقض أهل خراسان وغدروا، فلما استعاد عبد الله بن عامر فتح (فارس) غزا (خراسان)، وسير الجيوش وبعث على مقدمتها الأحنف بن قيس التميمي، وفتح مدينة تلو أخري، بعضها صلحا، والأخرى عنوة، إلى أن تم له فتح خراسان سنة 31هـ.
ثم توجه إلى (سجستان) وكانت كسابقتها (غدرت ونقضت بعد مقتل عمر بن الخطاب) ففتح حصونها وصالحه أهلها، وقاتله آخرون فقاتلهم إلى أن تم له الفتح، وكان ضمن المدن التي فتحت (كابل) و(زابلستان) وهي ولاية (غزنة) ثم عاد إلى (زرنخ) فأقام بها.
وهكذا استعاد بن عامر فتح (سجستان) وفتح لأول مرة قسما من أفغانستان، وذلك كله عام 31هـ – 615م في عهد الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه).
2 –الأحنف بن قيس التميمي: وكان من القادة التابعين لعبد الله بن عامر، وإليه ينسب فتح خراسان و(طخارستان)، فأتى الموضع الذي يقال له: قصر الأحنف، وهو حصن (مرو الروذ) فصالح أهله بعد حصارهم على ثلاثمائة ألف درهم.
وجمع الفرس حلفاءهم من أهل (طخارستان، والجوزجان، والطالقان، والفارياب) حتى بلغوا ثلاثين ألفا، والتقوا بالمسلمين عند الجانب الشرقي من نهر (جيحون) وجري قتال شديد بين الطرفين، انهزم الفرس بعده، وولوا هاربين، فألحق المسلمون بهم خسائر فادحة بالأرواح ، وفتح الأحنف كل هذه البلدان، في نفس العام 31هـ.
3 – الربيع بن زياد الحارثي:وكان – أيضا – تابع ا لجيش عبد الله بن عامر (رضي الله عن الجميع) فوجهه عبد الله إلى سجستان سنة 31هـ، ودار بينه وبين أهليها قتال شديد في بلدة (دوشت) و(ناشروذ)، و(زرنخ) و(قهستان، وفتح مدنا أخري صلحا مثل (زالق) من نواحي سجستان، وكذلك (كركويه)، واستمرت ولاية الربيع سنتين ونصفا وسبي في ولايته هذه أربعين ألف نسمة، وكان كاتبه الحسن البصري.
4 – عبد الرحمن بن سمرة العبشمي : استعمله عبد الله بن عامر على (سجستان) سنة 31هـ، فسار إليها على رأس جيش حتى بلغ (زرنخ) فحاصرها، فصالحه مرزبانها على ألفي ألف درهم وألفي وصيف. وسار عبد الرحمن حتى فتح (بست) و(كابل) و(زابلستان) في أواخر عهد عثمان (رضي الله عنه).
وفي عهد أمير المؤمنين على بن أبي طالب اضطرب أمر سجستان وأفغانستان، لأن المسلمين كانوا في شغل شاغل عن الجهاد والفتح، وذهبت طاقاتهم بددا في الاقتتال بين على بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، فلما استقر الأمر لمعاوية استعمل عبد الله بن عامر على البصرة، الذي استعمل بدوره عبد الرحمن على (سجستان، فأتاها عبد الرحمن سنة 435- فكان يغزو البلد قد كفر أهله، فيفتحه عنوة أو يصالح أهله، حتى بلغ (كابل) فحاصرها أشهرا، وكان يرميهم بالمنجنيق، حتى ثلم سورها ثلمة عظيمة، وخرج أهل (كابل) يقاتلون المسلمين، فقاتلهم المسلمون حتى دخلوا المدينة عنوة بعد هزيمة أهلها.
وهكذا استعاد عبد الرحمن فتح (سجستان) و(أفغانستان)، وكان قد غزا (خراسان) وفتح بها فتوحا.
5 -الأقرع بن حابس التميمي:ويذكر له (رحمه الله) أنه توجه إلى (الجوزجان) – وجهه إليها الأحنف بن قيس سنة 32هـ فسار إليها الأقرع، فلقي العدو بالجوزجان، ودار قتال شديد ، إلى تم الفتح للمسلمين عنوة.
ويبدو أن (الجوزجان) انتفضت، فسيره عبد الله بن عامر على رأس جيش فأصيب بالجوز جان هو والجيش، فقضي هناك شهيدا سنة 33هـ، أو 34هـ، أو 35هـ على اختلاف الروايات.
حول الفتوحات :
كان من نتائج معركة نهاوند أنها فتحت أبواب المشرق الإسلامي للفاتحين المسلمين، كما فتحت معركة القادسية الحاسمة أبواب العراق، وكما فتحت معركة اليرموك بلاد الشام.
وبعد معركة نهاوند الحاسمة توزعت القوات الإسلامية التي قاتلت موحدة في هذه المعركة تحت لواء واحد إلى سبعة ألوية، بقيادة سبعة قادة، لكل منهم هدف محدد، ومهمة محددة.
وما ينبغي الإشارة إليه هو أن تغلغل المسلمين بعيد ا عن قواعدهم، وفي بلاد بعيدة غاية البعد عن بلادهم، وسط شعوب غريبة عليهم في طابعها ولغاتها وتقاليدها — كان يعتبر مغامرة من أخطر المغامرات في تاريخ الفتوحات، ومن الصعب تسويغ هذه المغامرة إلا بتسويغ العقيدة الإسلامية التي استسهلوا من أجلها كل صعب، وتحملوا في سبيلها كل تضحية، وتغلبوا على كل ما واجههم من عقبات وأهوال.
أما القول بأن البلدان المفتوحة انهارت أمام الفاتحين المسلمين لضعف قواتها الضاربة، فقول يعوزه الدليل التاريخي، والدليل الواقعي؛ فقد فتح الإسكندر هذه البلدان من قبل فأين هو فتحه، وماذا بقي من آثاره، وكم استمر في هذه البلاد؟
لقد كان فتح الإسكندر أشبه بسحابة صيف؛ لأنه فتح قوة بطش، ولذلك لم يدم ولم يطل، أما فتح المسلمين فقد ظل مستديما حتى اليوم، وسيبقي واضح المعالم بارز الأثر ما بقي التاريخ؛ لأنه فتح مبادئ، والمبادئ تبقي، لأنها مستقاة من تعاليم القرآن والعقيدة الإسلامية.
وبالرغم من عناد البلاد المفتوحة وشدة بأسها، وضراوة مقاومتها للفاتحين المسلمين، إلا أنهم حينما اعتنقوا الإسلام ودخلوا في دين الله طواعية، حطموا الأوثان والأصنام ، ومضوا ينشرون دين الله في أرجاء أفغانستان والهند وما وراء النهر، وحملوا مشاعله شرقا وغربا، وأصبحوا عونا للفاتحين على أعدائهما، بل وأصبحوا من أخلص دعاة الإسلام.
ولعل انتشار الإسلام بين أهالي هذه البلدان يفسر لنا سهولة عودة الفاتحين إلى البلاد التي سبق فتحها ، واستعادتها ثانية إلى حظيرة الدولة الإسلامية.
إن ما نستطيع قوله ويؤكده التاريخ هو أن تأثير الإسلام في الأفغان كان تأثيرا عميقا، فأصبحوا من المتمسكين بالإسلام وتعاليمه – ولا يزالون – فكانت أفغانستان من حصون الإسلام القوية في ماضيها وحاضرها