أ.د. أحمد محمد وهبان

معاهدة فرساي1919

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الدوسري

في 28 يونيو 1919 وقع الألمان على معاهدة فرساي مع الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى بعد مفاوضات دامت ستة أشهر، وتم تعديل المعاهدة فيما بعد في 10 يناير 1920 لتتضمّن الاعتراف الألماني بمسؤولية الحرب ويترتب على ألمانيا تعويض الأطراف المتضرّرة ماليًا.

وتضمنت المعاهدة شروطًا قاسية أهمها اقتطاع ما يقارب 25 ألف ميل مربع من الأراضي الألمانية وضمها إلى كل من بولندا والدانمرك وتشيكوسلوفاكيا، ومصادرة جميع المستعمرات الألمانية، وتحميل ألمانيا وحدها مسؤولية الحرب وتسريح جيشها وبنود هذه المعاهدة كانت السبب الذي جعل ألمانيا تتحين الفرص لإلغائها والانتقام من الذين فرضوها عليه.

وتمخّضت الاتفاقية عن تأسيس عصبة الأمم التي يرجع الهدف إلى تأسيسها للحيلولة دون وقوع صراع مسلّح بين الدول كالذي حدث في الحرب العالمية الأولى ونزع الفتيل من الصراعات الدولية.

وفيما يتعلق بالقيود العسكرية على ألمانيا، فقد وضعت الاتفاقية ضوابط وقيود شديدة على الآلة العسكرية الألمانية لكي لا يتمكن الألمان من إشعال حرب ثانية كالحرب العالمية الأولى، فقد نصّت على احتواء الجيش الألماني على 100,000 جندي فقط وإلغاء نظام التجنيد الإلزامي الذي كان يعمل به في ألمانيا. ولا تستطيع ألمانيا إنشاء قوة جوية والتقيد بـ 15،000 جندي للبحرية بالإضافة إلى حفنة من السفن الحربية بدون غواصات حربية. ولا يحق للجنود البقاء في الجيش أكثر من 12 عامًا وفيما يتعلّق بالضبّاط، فأقصى مدّة يستطيع الضباط البقاء بها في الجيش هي فترة 25 عامًا لكي يصبح الجيش الألماني خاليًا من الكفاءات العسكرية المدرّبة.

ونصّت الفقرة 232 من المعاهدة على تحمّل ألمانيا مسؤولية الحرب وتقديم التعويضات للأطراف المتضرّرة وقدّرت تلك التعويضات بـ 269 مليار مارك ألماني وخفّض هذا المبلغ ليصبح 132 مليار مارك، ويفيد الاقتصاديون أنه بالرغم من تخفيض الرقم الكلي لتعويضات الأطراف المتضرّرة، إلا أن المبلغ يبقى مبالغًا فيه. وأثقلت الديون الملقاة على أعتاق ألمانيا كاهل الاقتصاد الألماني مما سبب درجة عالية من الامتعاض الذي آل إلى إشعال الحرب العالمية الثانية على يد أدولف هتلر.

معاهدة فرساي1919

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الدوسري

في 28 يونيو 1919 وقع الألمان على معاهدة فرساي مع الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى بعد مفاوضات دامت ستة أشهر، وتم تعديل المعاهدة فيما بعد في 10 يناير 1920 لتتضمّن الاعتراف الألماني بمسؤولية الحرب ويترتب على ألمانيا تعويض الأطراف المتضرّرة ماليًا.

وتضمنت المعاهدة شروطًا قاسية أهمها اقتطاع ما يقارب 25 ألف ميل مربع من الأراضي الألمانية وضمها إلى كل من بولندا والدانمرك وتشيكوسلوفاكيا، ومصادرة جميع المستعمرات الألمانية، وتحميل ألمانيا وحدها مسؤولية الحرب وتسريح جيشها وبنود هذه المعاهدة كانت السبب الذي جعل ألمانيا تتحين الفرص لإلغائها والانتقام من الذين فرضوها عليه.

وتمخّضت الاتفاقية عن تأسيس عصبة الأمم التي يرجع الهدف إلى تأسيسها للحيلولة دون وقوع صراع مسلّح بين الدول كالذي حدث في الحرب العالمية الأولى ونزع الفتيل من الصراعات الدولية.

وفيما يتعلق بالقيود العسكرية على ألمانيا، فقد وضعت الاتفاقية ضوابط وقيود شديدة على الآلة العسكرية الألمانية لكي لا يتمكن الألمان من إشعال حرب ثانية كالحرب العالمية الأولى، فقد نصّت على احتواء الجيش الألماني على 100,000 جندي فقط وإلغاء نظام التجنيد الإلزامي الذي كان يعمل به في ألمانيا. ولا تستطيع ألمانيا إنشاء قوة جوية والتقيد بـ 15،000 جندي للبحرية بالإضافة إلى حفنة من السفن الحربية بدون غواصات حربية. ولا يحق للجنود البقاء في الجيش أكثر من 12 عامًا وفيما يتعلّق بالضبّاط، فأقصى مدّة يستطيع الضباط البقاء بها في الجيش هي فترة 25 عامًا لكي يصبح الجيش الألماني خاليًا من الكفاءات العسكرية المدرّبة.

ونصّت الفقرة 232 من المعاهدة على تحمّل ألمانيا مسؤولية الحرب وتقديم التعويضات للأطراف المتضرّرة وقدّرت تلك التعويضات بـ 269 مليار مارك ألماني وخفّض هذا المبلغ ليصبح 132 مليار مارك، ويفيد الاقتصاديون أنه بالرغم من تخفيض الرقم الكلي لتعويضات الأطراف المتضرّرة، إلا أن المبلغ يبقى مبالغًا فيه. وأثقلت الديون الملقاة على أعتاق ألمانيا كاهل الاقتصاد الألماني مما سبب درجة عالية من الامتعاض الذي آل إلى إشعال الحرب العالمية الثانية على يد أدولف هتلر.

ازمة الفكر السياسي في العالم العربي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الشهراني32

لا شك أن الفكر السياسي العربي بشقيه الإسلامي وغيره متورطّ في أزمة لم يستطع الفكاك منها حتى الآن، فهو يعاني ازدواجية في الانتماء، وغياباً كاملاً لدور «الأمة»، وهكذا فالانشغال بتحليل تلك الأزمة كان ولا يزال مطلباً ملحاً، ومن هنا تأتي هذه الحلقة من (سلسلة حوارات لقرن جديد) المعروفة عن دار الفكر، من خلال متخصِّصَيْن بالفكر السياسي العربي والإسلامي لمناقشة هذه القضية في مستواها العميق.
يبدأ رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية الكتاب ببحثه «أزمة الفكر السياسي الإسلامي» طارحاً قراءة تحليلية «تطورية» (تاريخية) لبنية الفكر الإسلامي السياسي، منذ الإصلاحية العربية حتى التسعينيات من القرن الماضي، ويرى السيد أن الإصلاحيين: الأفغاني وعبده ومن ينتمي إلى مدرستهم ينظرون إلى مبدأ السيادة «سيادة الأمة» على أنه إسلامي، مطابقين بين مفهوم الشورى والديمقراطية، كل ذلك تحت تأثير أفكار الثورة الفرنسية التي وصل إليهم إشعاعها. ورغم تنازع الإسلاميين بعد ذلك حول مبدأ «السيادة» ذاك، فإنه في الثمانينيات والتسعينيات عادت الفكرة إلى محط اهتمامهم، لكن في كل ذلك كانت السيادة تمرّ عبر «نخبة» (أهل الحل والعقد)، وظلت «المرجعية» العليا التي لابد أن يستند إليها الدستور والتي تميّز الفكر السياسي الإسلامي عما عداه دون مناقشة في العمق، إلى أن ظهرت أحداث سقوط الخلافة العثمانية وبروز الاستعمار، ثم صعود الدولة الوطنية العلمانية، فأفضى الحديث عن «المرجعية» إلى الحديث عن «الحاكمية» الذي اشتهرت نسبته منذ مطلع الستينيات إلى أبي الأعلى المودوي وسيد قطب.
وفي كل الأطوار كان يُنظر إلى «الدولة» (سواء من الإسلاميين أم من غيرهم) على أنها أداة ذات طابع وظيفي، امتداداً لفقه «السياسة الشرعية» الذي رأى واجتهد في شرعية السلطانية على أساس بقاء وظيفتيها: الكفاية والشوكة، وبذلك قامت الخلافة. وهكذا مع سقوط الخلافة (أو إسقاطها) وصعود الدولة العلمانية وتجربة الاستعمار المريرة أصبحت «الخلافة» أو استعادة الخلافة مطلباً طالما تأزم الفكر السياسي الإسلامي في طريقه إليه، وأنفق أكثر من عقدين لأجل تلك الاستعادة بصيغتها القديمة أو المؤوّلة (الدولة الإسلامية)، بل إن الشيخ تقي النبهاني وحزبه لم يتجاوزا هذه المسألة إلى اليوم!.
سقوط الخلافة كان فجيعةً حقيقية، بدا بعدها أن هناك تماهياً بين الخلافة والإسلام، وأن «الأمة» (القومية) توضعُ في مواجهتهما، لذا كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار لوضع الشريعة (الإسلام) في الواجهة، وليس «الأمة» حيث اتجهت «الأمة» في وعيهم للتماهي مع الدولة الوطنية العلمانية الجديدة.
كانت الأولوية لدى النخب الإسلامية والوطنية لمكافحة الاستبداد، ثم الاستعمار، ثم للحفاظ على الهوية في وجه تيارات التغريب والاستلاب والغزو، ولهذا فإن التحرير الثقافي والفكري الذي اقتضاه زوال الخلافة لم يتجه إلى اعتبار مبدأ سيادة «الأمة» بديلاً لمؤسسة الخلافة أو لاهوتها بل استبدل بلاهوت الخلافة تدريجياً قدسية القرآن، وهو معنى قول حسن البنا: القرآن دستورنا.
وفي الوقت الذي كان فيه الإسلاميون يعرضون عن ائتمان الأمة على الإسلام، كانت الشريعة فيه (باعتبارها جوهرة) تتخذ في وعي الإسلاميين ما يشبه أيديولوجيا النُخبة، التي تتحشّد لاستعادة الإسلام؛ ليس إلى السلطة وحسب، بل إلى وعي الجمهور أيضاً، وهذا معنى الجاهلية السائدة، والحاكمية المنطلقة لاستعادة الأمور. وهكذا بدأ الصراع: صراعٌ بين الله جل وعلا و«الفتية الذين آمنوا بربهم»، وبين الطغاة الذين سلبوه أو سلبوا المسلمين، الألوهية والعبودية معاً إذ صاروا أرباباً بالتحكم بالتشريع الوضعي.
لا تعليل لغياب مبدأ «سيادة الأمة» تدريجياً في الفكر السياسي المعاصر غير هشاشته لدى الإصلاحيين ، تلك الهشاشة التي أصابها إلغاء الخلافة في الصميم، ثم ضربتها ضربةً قاصمةً صراعاتُ الأنظمة مع الإسلاميين.
لقد اعتُبر أن مبدأ سيادة الشعب وسلطته، لا يعطي الأمة حرية الاختيار حقاً، بدليل دفاع الجمهور وراء الفاشيين والنازيين ثم وراء القوميين، وقتها كانت «الشريعة» التي اتخذت أساساً للمشروعية، قد تحولت إلى أيديولوجيا نخبة، مثل الأيديولوجيات الأخرى، وصارت هذه الأيديولوجيا معياراً لإيمان الجماعة وعدمه، ولم يعد هناك حلول وسطية. وعندما تمّ التمييز بين الدين والأيديولوجيا (المذهبية الحزبية)، وبين الدعوة والجهاد، جنّب الإسلام أن يتحول إلى فكر مجموعة ضيقة الأفق، وفي المحصلة أبقى الدين ودعوته في يد نخبة هي نخبة الصحويين (الحالِّين محل الفقهاء). ويبقى أن ما لم يتعرض له الإسلاميون (غير الثوريين) بالنقد والتمحيص هو تلك الرؤية لـ «الأمة» وموقعها من الشريعة، وموقع «الشريعة» منها وفيها، ولذلك بقي الافتراق بين الطرفين وتجذر.
إنه بغياب الأمة من دائرة الاهتمام فإنه يبدو منطقياً أن لا يكون هناك تفكير كثير في الآليات التي تمكن الناس من صون مصالحهم، كما لم يكن هناك تفكير مقارن في التجارب الغربية الحديثة لتمكين الجمهور من مباشرة أمر مصالحه بنفسه.
باختصار الأمة حاضرة مبدئياً في الوعي والفقه القديم، لكن الخلافة «تختصرها»، والشريعة حاضرة في وعي النخبة الإسلامية المعاصرة، لكن الدولة هي التي تمكّن من وضعها موضع التطبيق، وهكذا حلت ” الدولة ” محل «الأمة» في وعي الإسلاميين، بعد أن حصرت ظروف التأزم: الدين في الشريعة، وتحولت الشريعة إلى أيديولوجيا. حتى ساد وعي لدى بعض الإسلاميين (خصوصاً في باكستان ومصر) أنهم لا يمثلون الأمة، بل «دينها»! كما غابت التفرقة بين الشريعة والفقه، عندما صارت الشريعة أيديولوجيا، أما السلوك العنيف الذي يظهر لدى بعض فئات الحزبيين الإسلاميين فتفسّره الظروف والبيئات المحيطة أكثر مما تفسّر التطورات الأيديولوجية (الفكرية الحزبية) التي ظهرت في تلك الظروف.
بدأت نقاشات الخروج من المأزق في الثمانينيات، وعاد كثير من الإسلاميين للحديث عن كيفيات الخروج من العنف، والخروج من الانفصام بين الأمة والشريعة، وسادت أخيراً الفكرة القائلة بأن مرجعية الشريعة لا تتنافى والديمقراطية الإجرائية المعنية بتولّي الناس لأمورهم.. وهكذا عاد التواصل بين «نظام الشورى» لدى المفكرين الإسلاميين و«النظام الديمقراطي» لا على سبيل التماهي والتماثل، بل على أساس أنهما نظامان مختلفان، لكنهما يتلاقيان في أمور كثيرة، وقد استتبع هذا التطور في النظر إلى مسألة المشروعية (الأمة مصدر السلطات)، المصير للقول بالتعددية السياسية والحزبية، وإمكان المشاركة في الآليات التي تقتضيها الحياة السياسية الحديثة. وهناك اجتهادات يتقدم بها فقهاء كبار على تفاوت في أشكال التأسيس وآلياته، ومع ذلك فإن التأزم في التفكير والتصرف السياسيَّين لم ينته بعد، وليست تلك مسؤولية جماعات الإسلام السياسي وحدها، فالتغيير السياسي باتجاه «الأمة» لا يحول دونه الإسلاميون.
أما عبد الإله بلقزيز أستاذ الفلسفة في جامعة الحسن الثاني في المغرب الذي قدم بحثه بعنوان «الفكر السياسي العربي: التكوين والعوائق»، فإنه يرى أن الفكر العربي الحديث برمته ولد مع ولادة الفكر السياسي، حيث تكاد المقالة السياسية فيه تختصر تاريخه منذ أربعينيات القرن التاسع عشر، حتى الكتابات الفقهية لم تكن بعيدة جداً عن أجواء «نوازل» السياسة، بل إنه يعزو مركزية الفكر السياسي تلك إلى الحقبة الوسيطة التي ازدهرت فيها موضوعات «السياسة الشرعية» مع الفقهاء (الماوردي، والغزالي وابن تيمية، وابن قيم الجوزية) والفلسفة السياسية (مع الفارابي)، و«الآداب السلطانية» (مع كتاب الدواوين والفقهاء..)، وإذا كانت في العصر الوسيط نشأت تحت تأثيرات ذاتية داخلية، فإنها في العصر الحديث ولدت بتأثيرات برانية تتلخص في صورة الحداثة التي أطلعتها على نموذج الدولة الحديثة، وتأثيرات مارسها فكر غربي وافد على وعي تلك النخبة ثم حاجات داخلية فرضها منزع الدولة الإسلامية في القرن التاسع عشر أي (التنظيمات الإسلامية)، وسيظل الفكر العربي بتياراته المختلفة رهيناً لتلك الأطر العامة طيلة تاريخه الحديث.
يقوم بحث بلقزيز على أساس التفريق بين مرحلتين نوعيتين في الفكر السياسي العربي، أولاهما مرحلة فكر النهضة والثانية الثورية العربية.

اكتشف الجيل الأول (من فكر النهضة) الإصلاحي الدولة فيما اكتشف الثاني (من فكر النهضة) (عبده ومدرسته) الدولة والمجتمع، وفيما تلقى الأول الدولة الأوروبية في صورتها القهرية الاستعمارية، تلقى الثاني الدولة الأوروبية في صورتها المنظمة والعادلة، فقد أتيح له رؤيتها من داخلها وعن قرب.
يجمع بين المرحلتين: الانشداد إلى ذات المنظومة النهضوية بثوابتها الفكرية المتكررة، لكن أولى الاختلاف بينهما هو في المقالة الفكرية، فالأولى كانت متفتحة على العصر ومعتدلة، فيما أوغلت الثانية في الانشداد إلى المصادر الذاتية الإسلامية معرضةً عن العصر، أي أن الاختلاف يكمن في نوعية الصلة بين كل واحدة منهما وبين منظومة الفكر الإسلامي السياسي التقليدي.
دشن رشيد رضا القطيعة بين الإصلاحية والمرحلة التي تلتها، وهو الوحيد الذي انفرد بعد سقوط الخلافة العثمانية بمقاطعة المنظومة المفاهيمية الحديثة، والعودة إلى مفردات السياسة الشرعية في سياق اكتشافه لابن تيمية. ما فعلته هذه النقلة مع رشيد رضا هو أنها أزاحت موضوعة الدولة الحديثة التي كرستها الإصلاحية استعاضت عنها بفكرة «الخلافة» ذات الجذور الإسلامية، واستدعت منظومة المفاهيم السياسية الشرعية مجدداً واعتمادها على مرجعية وحيدة.. لقد قدم رضا بانقلابه على الفكر الإصلاحي دليلاً على إخفاق الفكرة الإصلاحية حول مفهوم الدولة.
وبالرغم من اعتراف حسن البنا بالدستور، وسلوكه الاعتدالي والواقعي في الدعوة إلى «فكر الأخوان المسلمين» إلاّ أنه من رحم هذه المؤسسة وفكرها، ومن رحم فكرة «الدولة الإسلامية» (للبنا) خرجت أفكار «الحاكمية» و«جاهلية القرن العشرين» و«الفريضة الغائبة» والتكفير… من منتصف القرن العشرين!.
تزامن صعود الخطاب الإسلامي المعاصر (الصحوي) مع البنا وحركة الإخوان المسلمين، مع خطاب نهضوي جديد في التشكل؛ من خلال تيارين فكريين صاعدين: التيار القومي والتيار الاشتراكي، كانت فكرة التقدم هي الحاكمة للخطاب الإصلاحي أو النهضوي الأول، ولم تختلف الفكرة في النهضوي الجديد لكنها تحددت أيديولوجياً في مطلبين: التوحيد القومي والاشتراكية.
وفيما نجحت الإصلاحية النهضوية في تأصيل موضوعاتها الفكرية في النسيج الثقافي العربي الإسلامي على نحوٍ لم يعد فيه خطابها برّانياً، فشلت النهضوية القومية والماركسية في ذلك، فبدا خطابها غربياً في السياق الثقافي الإسلامي العربي. واليوم لا تمثل عودة بعض الخطابات القومية إلى إعادة تأسيس موضوعاتها على قاعدة استيعاب الجامع الديني في بنيته، إلا محاولة ولو متأخرة لتدارك ثغرة الانفصال عن الأصول الثقافية والدينية لأمّة انتدب الخطاب إياه نفسه لخدمة قضيتها.
وبالرغم من أن بعض الإسلاميين عاد وقطع شوطاً باتجاه طريق المصالحة مع الديمقراطية والنظام الدستوري لكنه على كل حال لم يكن أطول من الشوط الذي كان قد قطعه حسن البنا.
ينتهي بلقزيز في بحثه إلى أن المعضلة قائمة في الفكر السياسي العربي نفسه، في بنية تكوينه وآليات اشتغاله، فهو ينتج تنظيرات مبنية على منظومات فكرية مسبقة الصنع، ويحاول دوماً «إجبار» الواقع على الدخول في قوالبها بناءً على «حتميات» و«كوننة مفاهيم» (أي جعل مفاهيم ما كونية وليست محلية؛ إشارة إلى الفكر الغربي الوافد). لقد تحدث الفكر العربي بمجموعه عن «دولة مثالية» لا علاقة لها بالواقع، وهكذا ذهب بلقزيز يحلل سمات الفكر العربي وخطابه، وانتهى إلى ضرورة بناء فكري سياسي قائم على معرفة سياسية، لا على أيديولوجيا سياسية، التي طالما شكلته وأعاقت تقدمه، بحيث أن مستقبل فكر سياسي عربي متوقف على تحرره من هذه الأيديولوجيا المستحكمة في نظام اشتغاله، لكن بلقزيز ما يلبث حتى يسقط في حل «توحيدي»، أي البحث عن فكر واحد يختزل التلوينات المتنوعة للفكر العربي بما فيه الإسلامي، بدل أن يطرح إمكانية صياغة لفكر عربي متعدد، لأن ذلك سيؤدي إلى السقوط في الأيديولوجيا ثانية بالرغم من تحرزه الشديد منها. على كل حال يقترح بلقزيز أن نأخذ «الهوية الثقافية» من الإسلاميين و«المسألة الكيانية» من القوميين، ومسألتي التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة من الماركسيين ، ومن الليبراليين «مسألة الديمقراطية والدولة الوطنية» من أجل صياغة مقالة جديدة، لبدء فكر عربي سياسي جديد متحرر من معضلته السابقة! لكن هذا الحل، الذي يبدو حالماً جداً وتوفيقياً، يتعامل مع تجميع لحل مشكلات في الواقع، ولكنه لا يقوم على أمراض بنيوية مزمنة في العمق كما يقول رضوان السيد.

ابن خلدون

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 3332

هو ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، كنيته أبو زيد، وهو عالم عربي شهير وواضع علم الاجتماع الحديث سابقاً بذلك علماء الغرب، تمكن من تقديم عدد من النظريات الجديدة في كل من علمي الاجتماع والتاريخ، كان يهوى الإطلاع على الكتب والمجلدات التي تركها العلماء السابقين وذلك لكي تتكون عنده خلفية علمية يستطيع أن يستند عليها في أفكاره هذا بالإضافة لتمتعه بالطموح العالي والثقافة الواسعة.

تمتع ابن خلدون بمكانة علمية عالية سواء على المستوى العربي أو العالمي، قال عنه المؤرخ الإنجليزي توينبي “في المقدمة التي كتبها ابن خلدون في تاريخه العام، أدرك وتصور وأنشأ فلسفة التاريخ وهي بلا شك أعظم عمل من نوعه خلقه أي عقل في أي زمان”.

النشأة

ولد ابن خلدون في تونس عام 1332م ، لأسرة من أصول يمنية وكان لأسرته الكثير من النفوذ في إشبيليه ببلاد الأندلس، وقد هاجرت الأسرة مع بداية سقوط الأندلس في يد الأسبان إلى تونس وعاش ابن خلدون معظم حياته متنقلاً بين بلاد شمال أفريقيا، هذا بالإضافة لزياراته لأرض الحجاز.

أقبل ابن خلدون على العلم فقام بدراسة القرآن الكريم وتفسيره، والحديث والفقه واللغة هذا بالإضافة لعدد من العلوم الأخرى على يد عدد من علماء تونس، كما كان يهوى الإطلاع دائماً لمعرفة المزيد من العلوم والأفكار الأخرى وأطلع على كتب الأقدمين وأحوال البشر السالفين وذلك حتى تتكون عنده ثقافة واسعة.

فكره وفلسفته

كانت لابن خلدون فلسفته الخاصة والتي بنى عليها بعد ذلك أفكاره ونظرياته في علم الاجتماع والتاريخ، حيث عمل على التجديد في طريقة عرضهم، فقد كان رواة التاريخ من قبل ابن خلدون يقومون بخلط الخرافات بالأحداث، هذا بالإضافة لتفسيرهم التاريخ استناداً إلى التنجيم والوثنيات، فجاء ابن خلدون ليحدد التاريخ بأنه “في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها” ، وذلك لأن التاريخ “هو خبر عن المجتمع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة هذا العمران من الأحوال”.

وعلى الرغم من اعتراض ابن خلدون على آراء عدد من العلماء السابقين إلا أنه كان أميناً سواء في عرضه لهذه الآراء والمقولات أو نقده لها، وكان يرجع أرائهم الغير صحيحة في بعض الأمور نظراً لجهلهم بطبائع العمران وسنة التحول وعادات الأمم، وقواعد السياسة وأصول المقايسة.

سعى ابن خلدون دائماً من أجل الإطلاع والمعرفة فكان مطلعاً على أراء العلماء السابقين، فعمل على تحليل الآراء المختلفة ودراستها، ونظراً لرحلاته في العديد من البلدان في شمال إفريقيا والشام والحجاز وعمله بها وإطلاعه على كتبها، فقد اكتسب العديد من الخبرات وذلك في عدد من المجالات سواء في السياسة أو القضاء أو العلوم، فجاءت أفكاره التي وصلت إلينا الآن تتمتع بقدر كبير من العلم والموضوعية.

مهامه العلمية

شغل ابن خلدون عدد من المهام أثناء حياته فتنقل بين عدد من المهام الإدارية والسياسية، وشارك في عدد من الثورات فنجح في بعضها وأخفق في الأخر مما ترتب عليه تعرضه للسجن والإبعاد، تنقل ابن خلدون بين كل من مراكش والأندلس وتونس ومن تونس سافر إلى مصر وبالتحديد القاهرة ووجد هناك له شعبية هائلة فعمل بها أستاذاً للفقه المالكي ثم قاضياً وبعد أن مكث بها فترة أنتقل إلى دمشق ثم إلى القاهرة ليتسلم القضاء مرة أخرى، ونظراً لحكمته وعلمه تم إرساله في عدد من المهام كسفير لعقد اتفاقات للتصالح بين الدول، ومن بين المهام التي كلف بها تمكن ابن خلدون من إيجاد الوقت من أجل الدراسة والتأليف.

مؤلفاته

قدم ابن خلدون عدد من المؤلفات الهامة نذكر من هذه المؤلفات “المقدمة” الشهيرة والتي قام بإنجازها عندما كان عمره ثلاثة وأربعون عاماً، وكانت هذه المقدمة من أكثر الأعمال التي أنجزها شهرة، ومن مؤلفاته الأخرى نذكر “رحلة ابن خلدون في المغرب والمشرق” وقام في هذا الكتاب بالتعرض للمراحل التي مر بها في حياته، حيث روى في هذا الكتاب فصولاً من حياته بجميع ما فيها من سلبيات وإيجابيات، ولم يضم الكتاب عن حياته الشخصية كثيراً ولكنه عرض بالتفصيل لحياته العلمية ورحلاته بين المشرق والمغرب، فكان يقوم بتدوين مذكراته يوماً بيوم، فقدم في هذا الكتاب ترجمته ونسبه والتاريخ الخاص بأسلافه، كما تضمنت هذه المذكرات المراسلات والقصائد التي نظمها، وتنتهي هذه المذكرات قبل وفاته بعام واحد مما يؤكد مدى حرصه على تدوين جميع التفاصيل الدقيقة الخاصة به لأخر وقت.

ومن الكتب التي احتلت مكانة هامة أيضاً نجد كتاب ” العبر” و ” ديوان المبتدأ والخبر” والذي جاء في سبع مجلدات أهمهم “المقدمة ” حيث يقوم في هذا الكتاب بمعالجة الظواهر الاجتماعية والتي يشير إليها في كتابه باسم “واقعات العمران البشري” ومن الآراء التي قدمها في مقدمته نذكر “إن الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع، وهو محتاج في تحصيل قوته إلى صناعات كثيرة، وآلات متعددة، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلابد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحُصل القوت له ولهم- بالتعاون- قدر الكفاية من الحاجة الأكثر منهم بإضعاف”.

الوفاة

توفى ابن خلدون في مصر عام 1406 وتم دفنه بمقابر الصوفية عند باب النصر بشمال القاهرة، وذلك بعد أن ترك لنا علمه وكتبه القيمة التي مازالت مرجع للعديد من العلماء الآن.

ابن خلدون

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 3332

هو ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، كنيته أبو زيد، وهو عالم عربي شهير وواضع علم الاجتماع الحديث سابقاً بذلك علماء الغرب، تمكن من تقديم عدد من النظريات الجديدة في كل من علمي الاجتماع والتاريخ، كان يهوى الإطلاع على الكتب والمجلدات التي تركها العلماء السابقين وذلك لكي تتكون عنده خلفية علمية يستطيع أن يستند عليها في أفكاره هذا بالإضافة لتمتعه بالطموح العالي والثقافة الواسعة.

تمتع ابن خلدون بمكانة علمية عالية سواء على المستوى العربي أو العالمي، قال عنه المؤرخ الإنجليزي توينبي “في المقدمة التي كتبها ابن خلدون في تاريخه العام، أدرك وتصور وأنشأ فلسفة التاريخ وهي بلا شك أعظم عمل من نوعه خلقه أي عقل في أي زمان”.

النشأة

ولد ابن خلدون في تونس عام 1332م ، لأسرة من أصول يمنية وكان لأسرته الكثير من النفوذ في إشبيليه ببلاد الأندلس، وقد هاجرت الأسرة مع بداية سقوط الأندلس في يد الأسبان إلى تونس وعاش ابن خلدون معظم حياته متنقلاً بين بلاد شمال أفريقيا، هذا بالإضافة لزياراته لأرض الحجاز.

أقبل ابن خلدون على العلم فقام بدراسة القرآن الكريم وتفسيره، والحديث والفقه واللغة هذا بالإضافة لعدد من العلوم الأخرى على يد عدد من علماء تونس، كما كان يهوى الإطلاع دائماً لمعرفة المزيد من العلوم والأفكار الأخرى وأطلع على كتب الأقدمين وأحوال البشر السالفين وذلك حتى تتكون عنده ثقافة واسعة.

فكره وفلسفته

كانت لابن خلدون فلسفته الخاصة والتي بنى عليها بعد ذلك أفكاره ونظرياته في علم الاجتماع والتاريخ، حيث عمل على التجديد في طريقة عرضهم، فقد كان رواة التاريخ من قبل ابن خلدون يقومون بخلط الخرافات بالأحداث، هذا بالإضافة لتفسيرهم التاريخ استناداً إلى التنجيم والوثنيات، فجاء ابن خلدون ليحدد التاريخ بأنه “في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها” ، وذلك لأن التاريخ “هو خبر عن المجتمع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة هذا العمران من الأحوال”.

وعلى الرغم من اعتراض ابن خلدون على آراء عدد من العلماء السابقين إلا أنه كان أميناً سواء في عرضه لهذه الآراء والمقولات أو نقده لها، وكان يرجع أرائهم الغير صحيحة في بعض الأمور نظراً لجهلهم بطبائع العمران وسنة التحول وعادات الأمم، وقواعد السياسة وأصول المقايسة.

سعى ابن خلدون دائماً من أجل الإطلاع والمعرفة فكان مطلعاً على أراء العلماء السابقين، فعمل على تحليل الآراء المختلفة ودراستها، ونظراً لرحلاته في العديد من البلدان في شمال إفريقيا والشام والحجاز وعمله بها وإطلاعه على كتبها، فقد اكتسب العديد من الخبرات وذلك في عدد من المجالات سواء في السياسة أو القضاء أو العلوم، فجاءت أفكاره التي وصلت إلينا الآن تتمتع بقدر كبير من العلم والموضوعية.

مهامه العلمية

شغل ابن خلدون عدد من المهام أثناء حياته فتنقل بين عدد من المهام الإدارية والسياسية، وشارك في عدد من الثورات فنجح في بعضها وأخفق في الأخر مما ترتب عليه تعرضه للسجن والإبعاد، تنقل ابن خلدون بين كل من مراكش والأندلس وتونس ومن تونس سافر إلى مصر وبالتحديد القاهرة ووجد هناك له شعبية هائلة فعمل بها أستاذاً للفقه المالكي ثم قاضياً وبعد أن مكث بها فترة أنتقل إلى دمشق ثم إلى القاهرة ليتسلم القضاء مرة أخرى، ونظراً لحكمته وعلمه تم إرساله في عدد من المهام كسفير لعقد اتفاقات للتصالح بين الدول، ومن بين المهام التي كلف بها تمكن ابن خلدون من إيجاد الوقت من أجل الدراسة والتأليف.

مؤلفاته

قدم ابن خلدون عدد من المؤلفات الهامة نذكر من هذه المؤلفات “المقدمة” الشهيرة والتي قام بإنجازها عندما كان عمره ثلاثة وأربعون عاماً، وكانت هذه المقدمة من أكثر الأعمال التي أنجزها شهرة، ومن مؤلفاته الأخرى نذكر “رحلة ابن خلدون في المغرب والمشرق” وقام في هذا الكتاب بالتعرض للمراحل التي مر بها في حياته، حيث روى في هذا الكتاب فصولاً من حياته بجميع ما فيها من سلبيات وإيجابيات، ولم يضم الكتاب عن حياته الشخصية كثيراً ولكنه عرض بالتفصيل لحياته العلمية ورحلاته بين المشرق والمغرب، فكان يقوم بتدوين مذكراته يوماً بيوم، فقدم في هذا الكتاب ترجمته ونسبه والتاريخ الخاص بأسلافه، كما تضمنت هذه المذكرات المراسلات والقصائد التي نظمها، وتنتهي هذه المذكرات قبل وفاته بعام واحد مما يؤكد مدى حرصه على تدوين جميع التفاصيل الدقيقة الخاصة به لأخر وقت.

ومن الكتب التي احتلت مكانة هامة أيضاً نجد كتاب ” العبر” و ” ديوان المبتدأ والخبر” والذي جاء في سبع مجلدات أهمهم “المقدمة ” حيث يقوم في هذا الكتاب بمعالجة الظواهر الاجتماعية والتي يشير إليها في كتابه باسم “واقعات العمران البشري” ومن الآراء التي قدمها في مقدمته نذكر “إن الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع، وهو محتاج في تحصيل قوته إلى صناعات كثيرة، وآلات متعددة، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلابد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحُصل القوت له ولهم- بالتعاون- قدر الكفاية من الحاجة الأكثر منهم بإضعاف”.

الوفاة

توفى ابن خلدون في مصر عام 1406 وتم دفنه بمقابر الصوفية عند باب النصر بشمال القاهرة، وذلك بعد أن ترك لنا علمه وكتبه القيمة التي مازالت مرجع للعديد من العلماء الآن.

الجزر الاماراتية

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 3332

د. عبدالخالق عبدالله

ربما كان من المناسب، في بداية هذا الحديث عن الأبعاد السياسية لأزمة الجزر، التطرق الى التشابه العميق القائم بين قضية احتلال الجزر بالنسبة للامارات وقضية احتلال الجنوب بالنسبة للبنان. فكما ان لبنان يعاني من الاحتلال الصهيوني للجنوب اللبناني، فإن الامارات تعاني ايضا من الاحتلال الايراني لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى منذ حوالي 30 سنة. ورغم الفارق الجوهري والكبير بين ايران والكيان الصهيوني، حيث لا ينبغي بأي شكل من الاشكال وضع ايران وهذا الكيان الاستيطاني في كفة واحدة، وفي مستوى سياسي واخلاقي واحد، فإيران دولة اسلامية وصديقة وتربطنا بها علاقات تاريخية وعقائدية وانسانية عميقة، رغم كل ذلك فإن الاحتلال هو احتلال، ولا فرق بين احتلال صهيوني واحتلال ايراني، او أي احتلال آخر مهما كان شكله ونوعه وجنسيته.

ان مضمون الاحتلال واحد لا يتغير في كل مكان. فالاحتلال يتضمن الاعتداء على حق الآخرين والاستيلاء غير المشروع على حق الآخرين، واستخدام القوة من طرف قوي ضد طرف آخر اقل قوة، وبالتالي ممارسة القهر والقمع دون وجه حق. ايران اخذت ما ليس لها حق فيه، واستخدمت القوة للاستيلاء على جزر الامارات، هذا هو الاحتلال الذي تعاني منه الامارات كما يعاني منه لبنان، البلد الذي عرف كيف يخط لنفسه طريقا فذا وشجاعا للتعامل مع الاحتلال الصهيوني الغاشم، والذي يبدو انه قد اصبح في طريقه للانتهاء، بفضل المقاومة الوطنية الباسلة في الجنوب. الاحتلال الصهيوني للجنوب اللبناني سينتهي قريبا، ويبقى ان ينتهي ايضا الاحتلال الايراني للجزر الاماراتية خلال المستقبل القريب.

لكن وإلى ان ينتهي الاحتلال في كل مكان من العالم، فإن الاحتلال لا يمكن مواجهته سوى بالرفض من حيث المبدأ، الاحتلال في أي شكل من الاشكال، وفي أي مكان كان، مرفوض اخلاقيا وانسانيا وسياسيا، لا يمكن التسامح مع الاحتلال لأنه يغري بالمزيد من الاحتلال، ولا يمكن تبرير الاحتلال لأنه يوّلد المزيد من الاحتلال، بل ان التسامح والتبرير للاحتلال هو بمنزلة المشاركة في فعل الاحتلال، وفي فعل السلب والاستيلاء والاعتداء ليس أمامنا سوى إدانة الاحتلال من حيث المبدأ وإن امكن مقاومته كما تفعل المقاومة الوطنية في الجنوب اللبناني. ان حق مقاومة الاحتلال، والذي يمارسه لبنان، هو حق مشروع بكل المعايير الاخلاقية والقانونية والانسانية، كما ان حق عدم الاستسلام للاحتلال، والذي تمارسه الامارات، هو ايضا حق مشروع ويستحق كل التفهم والمساندة خاصة من الجمهور اللبناني الذي يعرف معنى الاحتلال.

لا أحد يشك ان هناك تعاطفا مبدئيا بين الجمهور اللبناني مع الامارات في قضية الجزر، فالامارات كلبنان لديها قضية عادلة تستحق كل التفهم والدعم والمساندة الشعبية والرسمية. لكن هذا التعاطف المبدئي سيكون أعمق وأقوى بكثير عندما يتم اطلاع الرأي العام على ما يجري في هذه الجزر وخاصة جزيرة أبوموسى حيث تحاول ايران بشكل منظم ومخطط محو هويتها العربية وفرض سيادتها بالقوة، وتحويلها الى قاعدة عسكرية متقدمة تهدد حقولنا النفطية وتقترب من مياهنا الاقليمية وتشكل خطرا استراتيجيا على أمننا القومي، ان التعاطف المبدئي يحتاج دائما لتغذيته بالحقائق والوثائق التاريخية والقانونية التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة ابوموسى هي ارض عربية، وجزر اماراتية لا يجوز التفريط بها، وأن للامارات الحق كل الحق في استردادها، وانها محقة في الحصول على المساندة المعنوية والأدبية والسياسية من الاصدقاء في كل مكان.

ولابد من الاعتراف في هذا السياق ان الامارات ربما لم تبذل الجهد المطلوب، ولم تقم بتوضيح موقفها والتعريف بوجهة نظرها بما فيه الكفاية خلال الــ 30 سنة الماضية لدى الرأي العام العربي والعالمي تجاه هذه القضية التي تحتل الأولوية المطلقة في التفكير السياسي الاماراتي. صحيح ان الدولة قد قامت بمحاولات جادة لحشد التأييد الدبلوماسي على الصعيد الرسمي، أما على الصعيد الشعبي والذي هو بالقدر نفسه من الاهمية، فهناك حاجة ماسة للمزيد من العمل والذي ينبغي القيام به خلال المرحلة المقبلة. فالتأييد الشعبي مطلوب، وهو بأهمية الدعم الرسمي نفسه لمقاومة الاحتلال واسترداد الحقوق العادلة. ويمكن في هذا السياق، الاشارة الى ما تتمتع به المقاومة الوطنية في الجنوب من تعاطف شعبي عارم في كل ارجاء الوطن العربي، وهو التعاطف الذي يشكل سندا معنويا مهما لاستمرار المقاومة. ولابد في هذا السياق ايضا من الاشارة الى ان أول لجنة شعبية عربية تشكلت لدعم المقاومة في الجنوب تشكلت في الامارات باسم لجنة التكافل العربي. وربما انه من المناسب التقدم باقتراح لتشكيل لجنة شعبية في لبنان لمساندة موقف الامارات في قضية الجزر، من منطلق ان لبنان كالامارات هو دائما ارض المبادرات الشعبية.

لكن رغم استمرار قضية الجزر كقضية خلافية حادة بين الامارات وايران، بل رغم اصرار ايران على التعامل مع الامارات بمنطق الاحتلال والقوة، فإن الامارات كانت ومازالت حريصة كل الحرص على اقامة علاقات ودية وطبيعية مع ايران. فعلاقة الامارات بإيران هي علاقة تاريخية وجغرافية وسكانية وحياتية واسعة ومكثفة وتطورت عبر السنين، ولم تتوقف في أي مرحلة من المراحل التاريخية، ولا يتوقع ان تتوقف في أي وقت من الاوقات خلال المستقبل. من الصعب ان تتوقف العلاقات بين الامارات وايران لأنها بقدر ما تحتوي على نقاط تقاطع، فإنها تحتوي ايضا على نقاط تلاق، وتوافق كثيرة. ان ما يجمع الامارات وايران اكثر بكثير مما يباعد بينهما، وفي مقدمة نقاط التلاقي القرب الجغرافي المشبع بالدلالات التي تحكم العلاقات بين الدول.

لذلك فإن العلاقات بين الامارات وايران هي في العموم علاقات جيدة، لولا الخلاف حول الجزر بل انه على كل مستوى من المستويات، وخاصة مستوى العلاقات التجارية والاقتصادية والانسانية، تبدو العلاقات وكأنها علاقات ودية بل وربما نموذجية، لولا هذا الخلاف الحدودي المعقد. حتى في مجال العلاقات السياسية التي تشهد الصعود والهبوط والشد والجذب بين الحين والآخر، فقد حرصت الامارات على عدم قطعها، وأكدت على ضرورة استمرارها بما في ذلك تبادل السفراء بين الدولتين. فالامارات لا تناصب ايران العداء، والامارات لا تفتعل المعارك معها، كما انها لا تطالب بما ليس لها حق فيه. ان مناصبة العداء لإيران او افتعال المعارك او الادعاء بحق الآخرين، كل ذلك ليس من طبع الامارات ولا يناسب سلوكها السياسي الخارجي المعتدل والمتزن بشهادة الجميع. كل ما تطلبه الامارات من ايران هو انهاء الاحتلال بالتفاهم وبالمفاوضات الثنائية وبالطرق السلمية او من خلال التحكيم الدولي لكي يعود الهدوء لمنطقة الخليج العربي. فليس من صالح الامارات، كدولة صغيرة ان تعيش في ظل اجواء سياسية وامنية متوترة او ان تكون هناك قضايا خلافية عالقة وغير محسومة بينها وبين أي دولة من دول الجوار، خاصة ان الامارات تود ان تتفرغ بالكامل لما هو أهم على صعيد البناء الوطني واستكمال المسار التنموي، في ظل علاقات ودية وتعاونية مع كل دول العالم.

لكن رغم حرص الامارات على العلاقات الودية والتعاونية، فإن ايران لم تقدر هذه المبادرات ولم تراع المواقف الاماراتية الايجابية. فإيران مازالت تتعامل مع الامارات بمنطق الاحتلال والقوة وفرض الامر الواقع، وبعقلية الدولة الكبيرة والقوة الاقليمية. ان اكثر ما تعاني منه ايران في تعاملها السياسي مع الامارات هو عقدة الدولة الكبرى. عقدة الدولة الكبرى هي مصدر كل المعاناة التي تعانيها الدول الصغيرة في العالم كدولة الامارات ولبنان، فالإمارات ولبنان دولتان صغيرتان من حيث القدرات السكانية والجغرافية والعسكرية والاستراتيجية، وتعانيان من قربهما الجغرافي من قوى اقليمية ذات نزعات توسعية لا تحدها حدود.

اضافة الى عقدة الدولة الكبرى فإن ايران كانت ومازالت تتعامل مع قضية الجزر تعاملا سياسيا، ان قضية الجزر بالنسبة لإيران ليست قضية تاريخية او قانونية او مبدئية، بل هي في المقام الأول قضية سياسية بحتة، فجزر الامارات، وكما تظهر الوثائق البريطانية التي نشرتها جريدة »الخليج« مؤخرا، اعطيت لإيران ضمن صفقة سياسية تمت بينها وبين بريطانيا في اواخر الستينات. كانت الامارات الطرف الضعيف، وكانت ضحية هذا التفاهم الذي تم بين القوى الكبرى والحاكمة في المنطقة في تلك الفترة، كذلك عندما احتل الشاه جزر الامارات كانت الجزر بالنسبة له وسيلة لتأكيد زعامته السياسية. كما استخدمت الجزر كرمز لبروز ايران كقوة اقليمية كبرى، في ظل ضعف الطرف العربي الذي كان عاجزا عن الرد على نزعات الشاه السياسية والعسكرية المتضخمة، والمفرطة في التضخم، لدرجة انه كان يخطط لتحويل ايران الى قوة عسكرية خامسة في العالم، ولابد من توضيح انه قد حدث توافق بين رغبات الشاه التوسعية من ناحية وبين المصالح الامريكية الجديدة في الخليج العربي من ناحية اخرى. لذلك كانت الولايات المتحدة أول من بارك للشاه هذا الاحتلال، وسرعان ما اعتمدت ايران كركيزة اساسية في سياستها تجاه منطقة الخليج العربي، مرة اخرى، دفعت الامارات ثمن هذا التوافق في المصالح بين الاطراف الاقليمية والدولية.

لكن المدهش في الامر ان تعامل ايران السياسي وليس المبدئي مع قضية الجزر، لم يتوقف على الشاه ولم ينته بسقوط نظامه، بل ان التعامل السياسي نفسه استمر في ظل الجمهورية الاسلامية الايرانية، فقد قرر النظام الجمهوري والثوري الجديد الاحتفاظ بالجزر، ليس من منطلق وجود أي حق لإيران في الجزر، وإنما من منطلق قراءة سياسية خاطئة وواهمة تدعي بأنه في حالة عودة الجزر ستقوم الامارات بتسليمها لقوى خارجية معادية للثورة ولإيران. هذا الاعتقاد الخاطىء هو الذي تحكم في السلوك الايراني في ظل الجمهورية الاسلامية التي لم تدرك ان الامارات لا تفكر بهذه الطريقة، وانها لن تسلم شبرا واحدا من جزرها او اراضيها لكائن من كان، خاصة للقوى الخارجية، فمثل هذا السلوك لا ينسجم مع مواقف الامارات، ومع سياستها المعتدلة والملتزمة تجاه دول الجوار. ورغم ان هذه القراءة السياسية الخاطئة هي التي تحدد التعامل الايراني الراهن مع قضية الجزر، إلا انه استجد مؤخرا عامل آخر هو الصراع السياسي الايراني الداخلي الذي اخذ يؤثر على الموقف الايراني الرسمي تجاه الجزر. فمنذ اواسط التسعينات اصبحت قضية الجزر موضع »مزايدات« واضحة بين التيارات السياسية المختلفة في ايران حيث يحاول كل تيار سياسي وكل مسؤول ايراني تأكيد وطنيته وزيادة شعبيته من خلال »المتاجرة« بقضية الجزر. لقد تحولت جزر الامارات المحتلة فجأة الى قضية للمتاجرة في الساحة السياسية الايرانية حيث تجد الحكومة الايرانية نفسها مندفعة نحو المغالاة في سياساتها الاحتلالية بما في ذلك الاتجاه نحو تأكيد السيادة الايرانية على جزيرة ابوموسى لدوافع انتخابية وسياسية بعيدة كل البعد عن الحقوق التاريخية او القانونية. مرة اخرى، تدفع الامارات ثمن هذه التعبئة العاطفية للشعب الايراني الذي يتأثر بالمنافسة السياسية الساخنة، والتي تزداد سخونة بين التيار الاصلاحي والمحافظ في ايران.

باختصار، لقد كانت ومازالت الاعتبارات السياسية الداخلية والخارجية هي الاعتبارات التي تحدد السلوك الايراني تجاه قضية الجزر، فلم تكن القضية بالنسبة لإيران في أي وقت من الاوقات قضية قانونية او تاريخية او مبدئية. ايران لا تملك أي حق في هذه الجزر. ولو كان لديها أي حق قانوني مقنع لما ترددت لحظة واحدة في القبول بمبدأ التحكيم الدولي الذي تطرحه الامارات كمخرج معقول لأزمة الجزر. فالطرف الضعيف قانونيا، وغير الواثق من نفسه، هو الذي يرفض مبدأ التحكيم المحايد. كل ما تمتلكه ايران هو القوة ولا شيء غير القوة وكل ما تملكه هو عقدة الدولة الكبرى في تعاملها مع الامارات. ان سلاح ايران هو القوة اما سلاح الامارات فهو الحق، ومازالت القوة منتصرة حتى الآن على الحق.

في مقابل هذا التعامل الايراني السياسي، كانت الجزر بالنسبة للامارات دائما قضية مبدئية وليست قضية سياسية. للإمارات حق ثابت وموثق في هذه الجزر، والذي لا يمكن تحت أي ظرف التفريط فيه. لو كانت الامارات تعتقد للحظة واحدة ان هذه الجزر لإيران، لما نازعت ايران في هذا الحق. فليس من سمات الدول الصغيرة منازعة الدول الكبيرة في اراضيها وجزرها وثرواتها او في أي حق من حقوقها الثابتة، في المقابل ليس من سمات الدول عموما صغيرة كانت أم كبيرة التفريط في اراضيها وثرواتها، فالتفريط بأي حق يغري الآخرين، وخاصة الدول الكبرى بالمزيد من الاعتداء. من هنا تسعى الامارات لتأكيد حقها، ولا شيء غير حقها المشروع في استرداد ما اخذ منها بالقوة. هذا هو التعامل المبدئي المختلف عن التعامل السياسي الذي يميز السلوك الايراني. لقد لجأت الامارات عبر الــ 30 سنة الاخيرة الى ثلاث وسائل مختلفة في تعاملها مع قضية الجزر. ففي المرحلة الاولى، مرحلة تأسيس الدولة المستقلة اعتمدت الامارات عموما اسلوب التهدئة وضبط النفس وعدم الانفعال في تعاملها مع الاحتلال الايراني. هذا الاسلوب الهادئ استمر خلال عقدي السبعينات والثمانينات، لدرجة ان قطاعات واسعة في الامارات وخاصة الجيل الجديد بدأ ينسى قضية الجزر، كما ان قطاعات اوسع في الوطن العربي لم تعد تكترث لوجود قضية احتلال تعاني منه دولة عربية في الخليج هي الامارات. هذه من بين المساوئ العديدة للأسلوب الهادئ الذي ربما كان صالحا لبعض الوقت، لكن ليس لكل الاوقات، وربما كان صالحا مع بعض القضايا لكن ليس لكل القضايا.

إن اسوأ نتائج الاسلوب الدبلوماسي الهادئ الذي اتبعته الامارات هو انه قد شجع ايران على المزيد من التجاوزات والانتهاكات للاتفاقيات، بما في ذلك اتخاذ اجراءات لفرض سيادتها على جزيرة ابو موسى، لكن بعد ان بلغت التجاوزات الايرانية درجاتها القصوى والتي لا يمكن تحملها، اتبعت الامارات منذ بداية التسعينات اسلوب الحزم السياسي والدبلوماسي وعدم السكوت على التجاوزات التي تمس السيادة الوطنية والمصالح الحيوية. ان أسلوب الحزم السياسي كان يعني اساسا حشد اكبر قدر من التأييد الخليجي والتعاطف العربي والتفهم العالمي من أجل الضغط على ايران لكي توقف استفزازاتها اولا، ثم تعيد النظر في احتلالها، وتقبل بحل ازمة الجزر حلا نهائيا وبالطرق السلمية والقانونية، بيد ان ايران لم تستجب حتى لهذا الاسلوب الحازم، حيث استمر التعنت والاحتلال الايرانيان للجزر ولم تتجاوب طهران لطلب التفاوض الثنائي مع الامارات.

لا شك ان الامارات ستستمر في سعيها لحل ازمة الجزر بكل الوسائل السلمية والدبلوماسية المتاحة لها، وذلك من منطلق انه لا حل لهذه الازمة سوى الحل السياسي والسلمي. لكن يبدو ان الوقت قد حان لرفد الجهود السلمية الاماراتية بتحرك خليجي وعربي جماعي في اتجاه طهران على الصعيدين الرسمي والشعبي. من هنا برزت فكرة تشكيل اللجنة الوزارية الثلاثية التابعة لمجلس التعاون الخليجي والمعنية بملف الجزر. ان أمام هذه اللجنة مهمة عسيرة هي حل اعقد القضايا الخليجية. بيد ان هذا الحل لن يتأتى من دون تعاون ايران مع هذه اللجنة التي مازالت تنتظر الدعوة الرسمية لزيارة طهران. لكن وفي موازاة هذه اللجنة هناك حاجة ايضا لتحرك عربي شعبي ورسمي واسع وجاد ومنظم. لقد حان وقت مثل هذا التحرك الرسمي والشعبي العربي للوصول لصانع القرار وللرأي العام في ايران، لحثها من اجل انهاء هذه الازمة التي لا يجوز ان تظل معلقة، فعدم حل الازمة يعني استمرار التوتر في منطقة الخليج العربي، وهي منطقة عانت ما فيه الكفاية من التوترات والصراعات الدامية والمكلفة، كذلك فإن استمرار هذه الازمة من دون حل سيضر بمحاولات ايران للخروج من عزلتها وتطوير علاقاتها مع الدول الخليجية والعربية فالدول الخليجية والعربية ستجد صعوبة حقيقية في بناء علاقات تعاونية مع ايران في ظل استمرار احتلالها لجزر الامارات. كذلك فإن عدم حل هذه الازمة سيفسح المجال للقوى الخارجية لاستغلالها من اجل تحقيق مصالحها، والتي عادة ما تتعارض مع المصالح الخليجية المشتركة لذلك لابد من حل ازمة الجزر، وليس هناك من حل سوى الحل السياسي، أي من خلال المفاوضات المباشرة او عبر الوساطات الخليجية او العربية المخلصة او من خلال التحكيم الدولي.

الجزر الاماراتية

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 3332

د. عبدالخالق عبدالله

ربما كان من المناسب، في بداية هذا الحديث عن الأبعاد السياسية لأزمة الجزر، التطرق الى التشابه العميق القائم بين قضية احتلال الجزر بالنسبة للامارات وقضية احتلال الجنوب بالنسبة للبنان. فكما ان لبنان يعاني من الاحتلال الصهيوني للجنوب اللبناني، فإن الامارات تعاني ايضا من الاحتلال الايراني لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى منذ حوالي 30 سنة. ورغم الفارق الجوهري والكبير بين ايران والكيان الصهيوني، حيث لا ينبغي بأي شكل من الاشكال وضع ايران وهذا الكيان الاستيطاني في كفة واحدة، وفي مستوى سياسي واخلاقي واحد، فإيران دولة اسلامية وصديقة وتربطنا بها علاقات تاريخية وعقائدية وانسانية عميقة، رغم كل ذلك فإن الاحتلال هو احتلال، ولا فرق بين احتلال صهيوني واحتلال ايراني، او أي احتلال آخر مهما كان شكله ونوعه وجنسيته.

ان مضمون الاحتلال واحد لا يتغير في كل مكان. فالاحتلال يتضمن الاعتداء على حق الآخرين والاستيلاء غير المشروع على حق الآخرين، واستخدام القوة من طرف قوي ضد طرف آخر اقل قوة، وبالتالي ممارسة القهر والقمع دون وجه حق. ايران اخذت ما ليس لها حق فيه، واستخدمت القوة للاستيلاء على جزر الامارات، هذا هو الاحتلال الذي تعاني منه الامارات كما يعاني منه لبنان، البلد الذي عرف كيف يخط لنفسه طريقا فذا وشجاعا للتعامل مع الاحتلال الصهيوني الغاشم، والذي يبدو انه قد اصبح في طريقه للانتهاء، بفضل المقاومة الوطنية الباسلة في الجنوب. الاحتلال الصهيوني للجنوب اللبناني سينتهي قريبا، ويبقى ان ينتهي ايضا الاحتلال الايراني للجزر الاماراتية خلال المستقبل القريب.

لكن وإلى ان ينتهي الاحتلال في كل مكان من العالم، فإن الاحتلال لا يمكن مواجهته سوى بالرفض من حيث المبدأ، الاحتلال في أي شكل من الاشكال، وفي أي مكان كان، مرفوض اخلاقيا وانسانيا وسياسيا، لا يمكن التسامح مع الاحتلال لأنه يغري بالمزيد من الاحتلال، ولا يمكن تبرير الاحتلال لأنه يوّلد المزيد من الاحتلال، بل ان التسامح والتبرير للاحتلال هو بمنزلة المشاركة في فعل الاحتلال، وفي فعل السلب والاستيلاء والاعتداء ليس أمامنا سوى إدانة الاحتلال من حيث المبدأ وإن امكن مقاومته كما تفعل المقاومة الوطنية في الجنوب اللبناني. ان حق مقاومة الاحتلال، والذي يمارسه لبنان، هو حق مشروع بكل المعايير الاخلاقية والقانونية والانسانية، كما ان حق عدم الاستسلام للاحتلال، والذي تمارسه الامارات، هو ايضا حق مشروع ويستحق كل التفهم والمساندة خاصة من الجمهور اللبناني الذي يعرف معنى الاحتلال.

لا أحد يشك ان هناك تعاطفا مبدئيا بين الجمهور اللبناني مع الامارات في قضية الجزر، فالامارات كلبنان لديها قضية عادلة تستحق كل التفهم والدعم والمساندة الشعبية والرسمية. لكن هذا التعاطف المبدئي سيكون أعمق وأقوى بكثير عندما يتم اطلاع الرأي العام على ما يجري في هذه الجزر وخاصة جزيرة أبوموسى حيث تحاول ايران بشكل منظم ومخطط محو هويتها العربية وفرض سيادتها بالقوة، وتحويلها الى قاعدة عسكرية متقدمة تهدد حقولنا النفطية وتقترب من مياهنا الاقليمية وتشكل خطرا استراتيجيا على أمننا القومي، ان التعاطف المبدئي يحتاج دائما لتغذيته بالحقائق والوثائق التاريخية والقانونية التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة ابوموسى هي ارض عربية، وجزر اماراتية لا يجوز التفريط بها، وأن للامارات الحق كل الحق في استردادها، وانها محقة في الحصول على المساندة المعنوية والأدبية والسياسية من الاصدقاء في كل مكان.

ولابد من الاعتراف في هذا السياق ان الامارات ربما لم تبذل الجهد المطلوب، ولم تقم بتوضيح موقفها والتعريف بوجهة نظرها بما فيه الكفاية خلال الــ 30 سنة الماضية لدى الرأي العام العربي والعالمي تجاه هذه القضية التي تحتل الأولوية المطلقة في التفكير السياسي الاماراتي. صحيح ان الدولة قد قامت بمحاولات جادة لحشد التأييد الدبلوماسي على الصعيد الرسمي، أما على الصعيد الشعبي والذي هو بالقدر نفسه من الاهمية، فهناك حاجة ماسة للمزيد من العمل والذي ينبغي القيام به خلال المرحلة المقبلة. فالتأييد الشعبي مطلوب، وهو بأهمية الدعم الرسمي نفسه لمقاومة الاحتلال واسترداد الحقوق العادلة. ويمكن في هذا السياق، الاشارة الى ما تتمتع به المقاومة الوطنية في الجنوب من تعاطف شعبي عارم في كل ارجاء الوطن العربي، وهو التعاطف الذي يشكل سندا معنويا مهما لاستمرار المقاومة. ولابد في هذا السياق ايضا من الاشارة الى ان أول لجنة شعبية عربية تشكلت لدعم المقاومة في الجنوب تشكلت في الامارات باسم لجنة التكافل العربي. وربما انه من المناسب التقدم باقتراح لتشكيل لجنة شعبية في لبنان لمساندة موقف الامارات في قضية الجزر، من منطلق ان لبنان كالامارات هو دائما ارض المبادرات الشعبية.

لكن رغم استمرار قضية الجزر كقضية خلافية حادة بين الامارات وايران، بل رغم اصرار ايران على التعامل مع الامارات بمنطق الاحتلال والقوة، فإن الامارات كانت ومازالت حريصة كل الحرص على اقامة علاقات ودية وطبيعية مع ايران. فعلاقة الامارات بإيران هي علاقة تاريخية وجغرافية وسكانية وحياتية واسعة ومكثفة وتطورت عبر السنين، ولم تتوقف في أي مرحلة من المراحل التاريخية، ولا يتوقع ان تتوقف في أي وقت من الاوقات خلال المستقبل. من الصعب ان تتوقف العلاقات بين الامارات وايران لأنها بقدر ما تحتوي على نقاط تقاطع، فإنها تحتوي ايضا على نقاط تلاق، وتوافق كثيرة. ان ما يجمع الامارات وايران اكثر بكثير مما يباعد بينهما، وفي مقدمة نقاط التلاقي القرب الجغرافي المشبع بالدلالات التي تحكم العلاقات بين الدول.

لذلك فإن العلاقات بين الامارات وايران هي في العموم علاقات جيدة، لولا الخلاف حول الجزر بل انه على كل مستوى من المستويات، وخاصة مستوى العلاقات التجارية والاقتصادية والانسانية، تبدو العلاقات وكأنها علاقات ودية بل وربما نموذجية، لولا هذا الخلاف الحدودي المعقد. حتى في مجال العلاقات السياسية التي تشهد الصعود والهبوط والشد والجذب بين الحين والآخر، فقد حرصت الامارات على عدم قطعها، وأكدت على ضرورة استمرارها بما في ذلك تبادل السفراء بين الدولتين. فالامارات لا تناصب ايران العداء، والامارات لا تفتعل المعارك معها، كما انها لا تطالب بما ليس لها حق فيه. ان مناصبة العداء لإيران او افتعال المعارك او الادعاء بحق الآخرين، كل ذلك ليس من طبع الامارات ولا يناسب سلوكها السياسي الخارجي المعتدل والمتزن بشهادة الجميع. كل ما تطلبه الامارات من ايران هو انهاء الاحتلال بالتفاهم وبالمفاوضات الثنائية وبالطرق السلمية او من خلال التحكيم الدولي لكي يعود الهدوء لمنطقة الخليج العربي. فليس من صالح الامارات، كدولة صغيرة ان تعيش في ظل اجواء سياسية وامنية متوترة او ان تكون هناك قضايا خلافية عالقة وغير محسومة بينها وبين أي دولة من دول الجوار، خاصة ان الامارات تود ان تتفرغ بالكامل لما هو أهم على صعيد البناء الوطني واستكمال المسار التنموي، في ظل علاقات ودية وتعاونية مع كل دول العالم.

لكن رغم حرص الامارات على العلاقات الودية والتعاونية، فإن ايران لم تقدر هذه المبادرات ولم تراع المواقف الاماراتية الايجابية. فإيران مازالت تتعامل مع الامارات بمنطق الاحتلال والقوة وفرض الامر الواقع، وبعقلية الدولة الكبيرة والقوة الاقليمية. ان اكثر ما تعاني منه ايران في تعاملها السياسي مع الامارات هو عقدة الدولة الكبرى. عقدة الدولة الكبرى هي مصدر كل المعاناة التي تعانيها الدول الصغيرة في العالم كدولة الامارات ولبنان، فالإمارات ولبنان دولتان صغيرتان من حيث القدرات السكانية والجغرافية والعسكرية والاستراتيجية، وتعانيان من قربهما الجغرافي من قوى اقليمية ذات نزعات توسعية لا تحدها حدود.

اضافة الى عقدة الدولة الكبرى فإن ايران كانت ومازالت تتعامل مع قضية الجزر تعاملا سياسيا، ان قضية الجزر بالنسبة لإيران ليست قضية تاريخية او قانونية او مبدئية، بل هي في المقام الأول قضية سياسية بحتة، فجزر الامارات، وكما تظهر الوثائق البريطانية التي نشرتها جريدة »الخليج« مؤخرا، اعطيت لإيران ضمن صفقة سياسية تمت بينها وبين بريطانيا في اواخر الستينات. كانت الامارات الطرف الضعيف، وكانت ضحية هذا التفاهم الذي تم بين القوى الكبرى والحاكمة في المنطقة في تلك الفترة، كذلك عندما احتل الشاه جزر الامارات كانت الجزر بالنسبة له وسيلة لتأكيد زعامته السياسية. كما استخدمت الجزر كرمز لبروز ايران كقوة اقليمية كبرى، في ظل ضعف الطرف العربي الذي كان عاجزا عن الرد على نزعات الشاه السياسية والعسكرية المتضخمة، والمفرطة في التضخم، لدرجة انه كان يخطط لتحويل ايران الى قوة عسكرية خامسة في العالم، ولابد من توضيح انه قد حدث توافق بين رغبات الشاه التوسعية من ناحية وبين المصالح الامريكية الجديدة في الخليج العربي من ناحية اخرى. لذلك كانت الولايات المتحدة أول من بارك للشاه هذا الاحتلال، وسرعان ما اعتمدت ايران كركيزة اساسية في سياستها تجاه منطقة الخليج العربي، مرة اخرى، دفعت الامارات ثمن هذا التوافق في المصالح بين الاطراف الاقليمية والدولية.

لكن المدهش في الامر ان تعامل ايران السياسي وليس المبدئي مع قضية الجزر، لم يتوقف على الشاه ولم ينته بسقوط نظامه، بل ان التعامل السياسي نفسه استمر في ظل الجمهورية الاسلامية الايرانية، فقد قرر النظام الجمهوري والثوري الجديد الاحتفاظ بالجزر، ليس من منطلق وجود أي حق لإيران في الجزر، وإنما من منطلق قراءة سياسية خاطئة وواهمة تدعي بأنه في حالة عودة الجزر ستقوم الامارات بتسليمها لقوى خارجية معادية للثورة ولإيران. هذا الاعتقاد الخاطىء هو الذي تحكم في السلوك الايراني في ظل الجمهورية الاسلامية التي لم تدرك ان الامارات لا تفكر بهذه الطريقة، وانها لن تسلم شبرا واحدا من جزرها او اراضيها لكائن من كان، خاصة للقوى الخارجية، فمثل هذا السلوك لا ينسجم مع مواقف الامارات، ومع سياستها المعتدلة والملتزمة تجاه دول الجوار. ورغم ان هذه القراءة السياسية الخاطئة هي التي تحدد التعامل الايراني الراهن مع قضية الجزر، إلا انه استجد مؤخرا عامل آخر هو الصراع السياسي الايراني الداخلي الذي اخذ يؤثر على الموقف الايراني الرسمي تجاه الجزر. فمنذ اواسط التسعينات اصبحت قضية الجزر موضع »مزايدات« واضحة بين التيارات السياسية المختلفة في ايران حيث يحاول كل تيار سياسي وكل مسؤول ايراني تأكيد وطنيته وزيادة شعبيته من خلال »المتاجرة« بقضية الجزر. لقد تحولت جزر الامارات المحتلة فجأة الى قضية للمتاجرة في الساحة السياسية الايرانية حيث تجد الحكومة الايرانية نفسها مندفعة نحو المغالاة في سياساتها الاحتلالية بما في ذلك الاتجاه نحو تأكيد السيادة الايرانية على جزيرة ابوموسى لدوافع انتخابية وسياسية بعيدة كل البعد عن الحقوق التاريخية او القانونية. مرة اخرى، تدفع الامارات ثمن هذه التعبئة العاطفية للشعب الايراني الذي يتأثر بالمنافسة السياسية الساخنة، والتي تزداد سخونة بين التيار الاصلاحي والمحافظ في ايران.

باختصار، لقد كانت ومازالت الاعتبارات السياسية الداخلية والخارجية هي الاعتبارات التي تحدد السلوك الايراني تجاه قضية الجزر، فلم تكن القضية بالنسبة لإيران في أي وقت من الاوقات قضية قانونية او تاريخية او مبدئية. ايران لا تملك أي حق في هذه الجزر. ولو كان لديها أي حق قانوني مقنع لما ترددت لحظة واحدة في القبول بمبدأ التحكيم الدولي الذي تطرحه الامارات كمخرج معقول لأزمة الجزر. فالطرف الضعيف قانونيا، وغير الواثق من نفسه، هو الذي يرفض مبدأ التحكيم المحايد. كل ما تمتلكه ايران هو القوة ولا شيء غير القوة وكل ما تملكه هو عقدة الدولة الكبرى في تعاملها مع الامارات. ان سلاح ايران هو القوة اما سلاح الامارات فهو الحق، ومازالت القوة منتصرة حتى الآن على الحق.

في مقابل هذا التعامل الايراني السياسي، كانت الجزر بالنسبة للامارات دائما قضية مبدئية وليست قضية سياسية. للإمارات حق ثابت وموثق في هذه الجزر، والذي لا يمكن تحت أي ظرف التفريط فيه. لو كانت الامارات تعتقد للحظة واحدة ان هذه الجزر لإيران، لما نازعت ايران في هذا الحق. فليس من سمات الدول الصغيرة منازعة الدول الكبيرة في اراضيها وجزرها وثرواتها او في أي حق من حقوقها الثابتة، في المقابل ليس من سمات الدول عموما صغيرة كانت أم كبيرة التفريط في اراضيها وثرواتها، فالتفريط بأي حق يغري الآخرين، وخاصة الدول الكبرى بالمزيد من الاعتداء. من هنا تسعى الامارات لتأكيد حقها، ولا شيء غير حقها المشروع في استرداد ما اخذ منها بالقوة. هذا هو التعامل المبدئي المختلف عن التعامل السياسي الذي يميز السلوك الايراني. لقد لجأت الامارات عبر الــ 30 سنة الاخيرة الى ثلاث وسائل مختلفة في تعاملها مع قضية الجزر. ففي المرحلة الاولى، مرحلة تأسيس الدولة المستقلة اعتمدت الامارات عموما اسلوب التهدئة وضبط النفس وعدم الانفعال في تعاملها مع الاحتلال الايراني. هذا الاسلوب الهادئ استمر خلال عقدي السبعينات والثمانينات، لدرجة ان قطاعات واسعة في الامارات وخاصة الجيل الجديد بدأ ينسى قضية الجزر، كما ان قطاعات اوسع في الوطن العربي لم تعد تكترث لوجود قضية احتلال تعاني منه دولة عربية في الخليج هي الامارات. هذه من بين المساوئ العديدة للأسلوب الهادئ الذي ربما كان صالحا لبعض الوقت، لكن ليس لكل الاوقات، وربما كان صالحا مع بعض القضايا لكن ليس لكل القضايا.

إن اسوأ نتائج الاسلوب الدبلوماسي الهادئ الذي اتبعته الامارات هو انه قد شجع ايران على المزيد من التجاوزات والانتهاكات للاتفاقيات، بما في ذلك اتخاذ اجراءات لفرض سيادتها على جزيرة ابو موسى، لكن بعد ان بلغت التجاوزات الايرانية درجاتها القصوى والتي لا يمكن تحملها، اتبعت الامارات منذ بداية التسعينات اسلوب الحزم السياسي والدبلوماسي وعدم السكوت على التجاوزات التي تمس السيادة الوطنية والمصالح الحيوية. ان أسلوب الحزم السياسي كان يعني اساسا حشد اكبر قدر من التأييد الخليجي والتعاطف العربي والتفهم العالمي من أجل الضغط على ايران لكي توقف استفزازاتها اولا، ثم تعيد النظر في احتلالها، وتقبل بحل ازمة الجزر حلا نهائيا وبالطرق السلمية والقانونية، بيد ان ايران لم تستجب حتى لهذا الاسلوب الحازم، حيث استمر التعنت والاحتلال الايرانيان للجزر ولم تتجاوب طهران لطلب التفاوض الثنائي مع الامارات.

لا شك ان الامارات ستستمر في سعيها لحل ازمة الجزر بكل الوسائل السلمية والدبلوماسية المتاحة لها، وذلك من منطلق انه لا حل لهذه الازمة سوى الحل السياسي والسلمي. لكن يبدو ان الوقت قد حان لرفد الجهود السلمية الاماراتية بتحرك خليجي وعربي جماعي في اتجاه طهران على الصعيدين الرسمي والشعبي. من هنا برزت فكرة تشكيل اللجنة الوزارية الثلاثية التابعة لمجلس التعاون الخليجي والمعنية بملف الجزر. ان أمام هذه اللجنة مهمة عسيرة هي حل اعقد القضايا الخليجية. بيد ان هذا الحل لن يتأتى من دون تعاون ايران مع هذه اللجنة التي مازالت تنتظر الدعوة الرسمية لزيارة طهران. لكن وفي موازاة هذه اللجنة هناك حاجة ايضا لتحرك عربي شعبي ورسمي واسع وجاد ومنظم. لقد حان وقت مثل هذا التحرك الرسمي والشعبي العربي للوصول لصانع القرار وللرأي العام في ايران، لحثها من اجل انهاء هذه الازمة التي لا يجوز ان تظل معلقة، فعدم حل الازمة يعني استمرار التوتر في منطقة الخليج العربي، وهي منطقة عانت ما فيه الكفاية من التوترات والصراعات الدامية والمكلفة، كذلك فإن استمرار هذه الازمة من دون حل سيضر بمحاولات ايران للخروج من عزلتها وتطوير علاقاتها مع الدول الخليجية والعربية فالدول الخليجية والعربية ستجد صعوبة حقيقية في بناء علاقات تعاونية مع ايران في ظل استمرار احتلالها لجزر الامارات. كذلك فإن عدم حل هذه الازمة سيفسح المجال للقوى الخارجية لاستغلالها من اجل تحقيق مصالحها، والتي عادة ما تتعارض مع المصالح الخليجية المشتركة لذلك لابد من حل ازمة الجزر، وليس هناك من حل سوى الحل السياسي، أي من خلال المفاوضات المباشرة او عبر الوساطات الخليجية او العربية المخلصة او من خلال التحكيم الدولي.

تأجيل الاختبارات إلى يوم الثلاثاء 16 /1

كاتب الموضوع الأصلي: د.أحمد وهبان

الأعزاء طلاب تطور السياسة الدولية (230 ، 246 ساس) نظراً لتعليق الدراسة اليوم الأحد فقد تقرر تأجيل الاختبار الفصلي الثاني إلى يوم الثلاثاء القادم 16 /1 /1435 بإذن الله ، مع خالص أمنياتي للجميع بالتوفيق والتفوق

ما هو موقع إسرائيل في سياسة أمريكا القادمة؟!

كاتب الموضوع الأصلي: طارق الزهراني 333

يوسف الكويليت

لا نعتقد أن طلاقاً سيتم بين أمريكا وإسرائيل بناءً على الإشكالات الراهنة حين وضعت أمريكا هدفاً في إنهاء مشروع إيران النووي، وحل القضية الفلسطينية، وحتى لو تفاءلنا بما يخص الصراع العربي – الإسرائيلي فهو مع كل رؤساء أمريكا مرحّل إلى أزمنة أخرى، غير أن إيقاف الاستيطان في القدس والضفة، وبإعلان من نتنياهو لا يعطينا الدليل بأن أهمية هذه القضية توازي الحوار النووي الإيراني مع أمريكا وأوروبا..

إسرائيل تشعر بخيبة أمل من تحرك أوباما وفريقه باتجاهاته السياسية الراهنة والتي همشت، إلى حد بعيد الدور الإسرائيلي، والتي طالما كانت وسائل ضغطها قوة هائلة لرفض أي قرار أمريكي لا يحقق أهدافها، وبناءً على مسلسل الأحداث القائمة، هل وصلت القناعة لدى صناع القرار في الكونجرس والحكومة وبقية الأذرع التي تمتد لإسرائيل وتدعمها بهذا التحول؟

وما هي الأسباب، هل المنطقة العربية بما فيها إسرائيل أصبحت أقل اهتماماً مع مواقع رئيسية في آسيا وغيرها لتأخذ هذه الأهمية وفقاً لدورة جديدة في التحولات السياسية والاستراتيجية؟

لا نستطيع الجزم بأن إسرائيل خارج حسابات أمريكا، أو وضعها جانباً، لكن قد نفسر التحولات بأن الدولة العظمى لم تعد الصندوق المفتوح للدعم المطلق لإسرائيل، وهي تعاني ديوناً هائلة، وتراجعاً في أدوارها، والأهم أن الدخول في سباق مع الصين حول من يحتل مركز القوة في العالم، إلى جانب بروز قوى أخرى، حوّل اتجاه أمريكا نحو الدول الصاعدة، وأن إسرائيل ليست في موقع الخطر حتى من سلاح نووي إيراني طالما تملك الضعف عشرات المرات في قوتها التقليدية أو النووية في التوازن العسكري مع إيران..

كثيراً ما أصاب العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية تصدعات في المواقف، لكنها سريعاً ما تنتهي بالدفء واستمرار الدعم، لكن هل أوباما يصوغ سياسة جديدة يريد بها أن تبتعد بلاده عن مواقع النزاعات والتوترات في العالم، وأن ورطة الحروب هي من أدخل بلده في أزمات الحاضر، وأن خصوم المستقبل يخططون لحروب اقتصادية هائلة وخاصة توسع الصين في القارات شبه المنسية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب محيطها الآسيوي، وأن هذه القفزات حتى لو لم تصل إلى تجاوز أمريكا تقنياً وعسكرياً واقتصادياً، إلا أنها أرسلت إنذارات مخيفة لقادم الأيام، وهو ما تعتبره أمريكا التحدي الأكبر في العقود القريبة القادمة؟

أوروبا لم تعد الرصيد السياسي والاقتصادي وحتى العسكري لأمريكا، لأنها بدأت تأخذ منحى استقلالياً أقرب إلى التصرف بمنهجية جديدة، وإن لم تخف انزعاجها من آسيا القادمة وبقوة، لكن أن تتعامل بواقعية مع الظرف الراهن وتدرس تداعيات المستقبل فإنها تبقى كياناً يعتمد بامتداد قوته على ألمانيا، وهي عدو في ثياب صديق حتى لو كانت من السخاء بحماية الاقتصاد الأوروبي من الانهيار، لكن ما هو موقع إسرائيل في العلاقات الجديدة؟!

وهل لازالت تأخذ الاهتمام السابق، أم أن أوروبا شأن أمريكا بدأت تأخذ بسياسة فتح الآفاق وعدم التورط في القضايا الساخنة، والتي تعتبر إسرائيل المحرك الأهم في أزمات المنطقة العربية، وأنها لم تعد الهمّ الأساسي في رؤية المستقبل البعيد الذي بدأ يتشكل وتأخذ دول أخرى أدواراً ستضع العالم أمام تحولات مختلفة؟

الصورة رمادية، ولكنها قد تكشف عن اتجاه جديد في السياسات والعلاقات الدولية والتي بدأت معالمها ترسم خطوط المستقبل البعيد في صراع القوى في السنوات القادمة..

الحروب الأهلية

كاتب الموضوع الأصلي: مفرح الجابري 704

الحرب الأهلية

الحرب الأهلية هي الحرب الداخلية في بلد ما التي يكون أطرافها جماعات مختلفة من السكان. كل فرد فيها يرى في عدوه وفي من يريد أن يبقى على الحياد خائنا لا يمكن التعايش معه ولا العمل معه في نفس التقسيم الترابي. ولكن بتعدد وتنوع الأسباب المقدمة لنشوء الحروب الاهلية يبقى الحل الأكثر نجاعة لها على مدى العصور التفاوض السلمي.

يكون الهدف لدى الأطراف السيطرة على مقاليد الأمور وممارسة السيادة. أما أسباب الحرب، فقد تكون سياسية أو طبقية أو دينية أو عرقية أو إقليمية أو مزيج من هذه العوامل.

و يعتبر اللجوء إلى الحرب الأهلية حالة قصوى من حالات حق دفع الظلم والثورة على حكومة أو فئة حاكمة أخلت بحقوق الشعوب والمواطن، كما جاء في دستور الثورة الفرنسية الصادر عام 1793، أو بموجب مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها المتضمن في ميثاق الأمم المتحدة.

تتصف الحروب الأهلية بالضراوة والعنف وبالنتائج الاقتصادية والاجتماعية المدمرة على المدى القريب، والمؤثرة بعمق على المدى البعيد، لأنها تشمل مناطق آهلة بالسكان وتكون خاضعة لهجمات متقطعة وغير منتظرة، وتفرق بين الأهل والجيران فتشل الحياة الاقتصادية وتمزق النسيج الاجتماعي، ويحتاج المجتمع إلى عدة عقود من الزمن لإعداة البناء والتوازن والوئام.

و كثيرا ما تشكل الحروب الأهلية فرصة لتدخل الدول الكبرى أو المجاورة في مجريات الأمور الداخلية للدولة المعرضة لمثل تلك الحروب. ذلك أن وقوع مثل تلك الحروب يضعف كثيرا من سيادة الدولة ويزيل التماسك الداخلي في وجه التدخل الخارجي، كما أن احتمالات التغير في موازين القوى داخليا قد يؤثر على الدول المجاورة سلبا وإيجابا فترى بعض الدول في انتصار فريق على فريق تهديدا لأمنها، أو للتوازن في تلك المنطقة من العالم أو على صعيد أوسع. وقد تلجأ الحكومة إلى معاملة القريق الثائر كطرف في حرب عادية وذلك بغية الالتزام بقواعد الحرب، كحماية الأسرى وتجنب محاكمتهم كخونة وعدم اللجوء إلى الأخذ بالثأر. إلا أن ذلك يفترض سيطرة الثوار على إقليم جغرافي محدد وقيام سلطة تمارس مهام السيادة على تلك الرقعة، وأن تكون القوات الثائرة خاضعة لنظام عسكري وتطبق القواعد المرعية في القانون الدولي.