أ.د. أحمد محمد وهبان

بين الحرية والجمال

كاتب الموضوع الأصلي: نهاد

بين الحرية والجمال

في ظل ما يموج به واقعنا المعاصر ،من اندثار للقيم العظمى والتي لم تكن أبدا بعيدة عن حياتنا ، تظل دائما هناك حاجة ماسة للتذكير بهذه القيم في وقت تعلو فيه أصوات الغوغائية وتهدد باغتيال الأفكار .
قيم كثيرة أمن بها الكثير ولكنى أود أن أركز على قيمتين تدور حول محوريهما معاني عميقة ، تينك القيمتين تظلان وجهين لعملة واحدة .
وليس بالأمر الغريب أن أقول أن هاتين القيمتين قد شكلتا حجر الزاوية في إبداعات المفكرين والأدباء.
وأدلل على ذلك من فكر العقاد ، فقد سعى هذا الرجل إلى التأكيد عليهما في مسعاه التنويري ، وليس بالغريب أن يعتبر كلاهما بمثابة تعريف للأخر ووجهه المتحد في الهوية على السواء، فمن وجهه نظرة والتي أتفق معه فيها تماما أنه لا وجود للجمال دون حرية ، ولا حرية إلا إذا انطوت على الجمال .
والجمال عند العقاد هو النظام الذي تتسق فيه كل العناصر ويصل بينها على نحو يوقع الانسجام في المشاعر والعقول ،ويستجيب لما تنطوي علية هذه المشاعر والعقول من انسجام في الوقت نفسه.هذا الانسجام الذي يصل بين العناصر قانون ثابت في حياة الطبيعة والأحياء ومنتجات الفن على السواء.
ولذلك يرى العقاد الجميل في كل ما ينطوي على الانسجام وكل ما يتحقق به التناغم.

وإذا كانت كلمات التناغم والتناسق والانسجام صفات يقتنص بها العقاد بعض أبعاد الجمال في مفهومة المجرد ، فإن هذه الصفات تقترن بمجموعة أخرى من الصفات ،كالحركة والحيوية.

أما الحرية في فكر العقاد لا تعنى الفوضى أو الضرورة ،إنما تعنى إطلاق سراح الطاقات الخلاقة على النحو الذي يحيل العوائق إلى وسائط ، ويتخذ من الضروريات أدوات للحرية.
وتتحدد بذلك الفكرة الأساسية الذي يحاول العقاد أن يصوغها لنا وهى “أن الكون كله والحياة وهى أعم من الكون في نظره والفن ومنظر الأرض والسماء كلها مظهر للتآلف أو تنازع بين نقيضين دائما: قوى مطلقة وقوانين تحكم هذه القوى المطلقة. وكلما ائتلفت القوى والقوانين اقتربت من السمة الفنية والنظام الجميل الذي يبين بالمادة صفاء الروح ويسبر بالقيود أغوار الحرية. وهذا الائتلاف هو دستور الفن الإلهي المحيط بكل شيء،وهو فلسفة الفلسفات في هذا الوجود ، وسر الجمال الذي هو الحرية.

هذه المقدمة الفلسفية تحمل في طياتها مغزى ما كان يهدف إلية العقاد ،فهو يريد أن يجعل من القانون حرية ، ومن الثورة نظاما ، ومن الواجب شوقا وفرحا .هذه الفلسفة تقوم على وسطية تجمع ما بين قيد القانون وانطلاقة الروح.

وإذا نقلنا هذه الوسطية إلى السياسة فهو يؤكد معنى الدولة من حيث هي القانون وتوثب الإرادة الفردية وانطلاقها العفوي بوصفة الضروري. بمعنى أنه يقرن الحرية السياسية بالموازنة بين القيد الإجتماعى الذي يضبط الملامح المشتركة بين الأفراد ويحدد الواجبات العامة فيما بينهم وبين عفوية الفرد ورغبته في الانطلاق ومبادئه الخلاقة التي تجعل منه القوة المحركة للتاريخ والإبداع.

هذه الصيغ التوفيقية بين الثنائيات المتوترة ليست بعيدة عن مفكرين كثيرين عايشوا تلك الفترة – عصر النهضة والتنوير- ولكنه ينفرد عن هؤلاء بوضع هذه الصيغة في تصور فلسفي متماسك سداه الحرية ولحمته الجمال.

هذه لوحة نحن في أمس الحاجة إلى ضرورة التذكير بها في هذه الأيام التي تهدد بأخطارها الجمال والحرية على السواء.

موقعًا إلكترونيًّا يجمع أقدم وثائق قناة السويس

كاتب الموضوع الأصلي: safaa khalifa

مكتبة الإسكندرية تُدشن موقعًا إلكترونيًّا يجمع أقدم وثائق قناة السويس

موقع “ذاكرة قناة السويس” بثلاث لغات هي الفرنسية والإنجليزية والعربية، يوثق لتاريخها منذ بدايتها كفكرة وحتى بعد التأميم.

وقد تم توثيق تاريخ القناة الغني منذ ما قبل إنشائها وحتى اليوم في كثير من الأشكال، بما فيها التقارير والكتب والصور وشرائط الفيديو، وهذه المواد متاحة الآن على الإنترنت بأرشيف قناة السويس، الذي يوفر للمستخدم إمكانية الوصول إلى كمية كبيرة من المعلومات وما يلزم ذلك من أدوات بحث وتصفح.

تعتبر المادة المنشورة حاليًا هي نتاج المرحلة الأولى من المشروع، والتي حوت المجموعة النادرة من الوثائق والصور والأفلام والخرائط المهداة للمكتبة من قبل رابطة فرديناند دليسيبس بفرنسا، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب الخاصة بمكتبة الإسكندرية التي تتناول تاريخ حفر القناة ووصف لاحتفالية افتتاح القناة. هذا وستضم المرحلة الثانية من المشروع المادة التي ستشارك بها الهيئة العامة لقناة السويس، والتي ستثري محتوى الموقع.

وتضم هذه المرحلة من مشروع الأرشيف الرقمي لقناة السويس مجموعات مختلفة، ومنها:

• ٢١ ألف وثيقة تضم تقارير العبور والنقل البحري، وحركة الملاحة البحرية، والإيرادات، والتقارير الشهرية والسنوية؛
• ٣٥٠٠ صفحة تضم تقارير عن أعمال حفر القناة؛
• ٢٥٠٠ تقرير للأمانة العامة. وقد خضعت هذه التقارير لعملية التعرف على الحروف بصريًا وساعد في ذلك كانت مطبوعة على آلة كاتبة؛
• حوالي ٩٥٠٠ نسخة من المراسلات من مكتب العمل بقناة السويس إلى مختلف الجهات الفرنسية؛
• أكثر من ٢٣٠٠ نشرة صحفية كانت تصدر كل ١٠ أيام؛
• أكثر من ٣٠٠ صورة فوتوغرافية موزعة على ٧ ألبومات، قام بالتقاطها إيبوليت آرنو والأخوان زانجاكي؛
• ١٣ فيلمًا وثائقيًا من بينهم فيلم حفل افتتاح مدينة بور فؤاد وورش عمل حول القناة؛
• أكثر من ١٠٠ خريطة، منها خرائط مفصلة للقناة والمدن المحيطة بها.

تتسم خصائص البحث في الموقع بأنها الأحدث تكنولوجيًّا. تحوي كل مجموعة من المواد الرقمية بحثًا بسيطًا يناسب مواصفات هذه المجموعات. فعلى سبيل المثال، في حالة تصفح الرسائل، يمكن البحث حسب التاريخ، والمرسل، والمتلقي. تمت إضافة أسلوب بحث متقدم باستخدام الجدول الزمني؛ فبما أن المادة الموجودة على الموقع مصنفة حسب النوع المادة، يعتبر البحث بالتاريخ وسيلة لتجميع الكم الهائل من المعلومات.

كما تم إعداد وتصميم الموقع بشكل يمُكن مستخدم الإنترنت ذي السرعة البطيئة أن يتصفحه بسهولة، وأن يستعرض الصور والخرائط ذات التفاصيل الدقيقة باستخدام متصفح صور متخصص يحمل الصور بشكل متقطع، يتيح للمستخدم تقريب تفاصيل الخرائط دون التأثير على جودة الصور. كذلك الحال بالنسبة لمقاطع الفيديو والتي يمكن مشاهدتها بسرعات مختلفة.

يغطى أرشيف قناة السويس أكثر من ١٠٠ سنة من تاريخ هذا الانجاز البشري. ويساعد في تخليد ذكرى جانباً هاماً من التاريخ المصري للأجيال المقبلة.

اضغط هنا لزيارة موقع أرشيف قناة السويس.
http://suezcanal.bibalex.org/Presentati … /home.aspx

:joker:

:sunny:

الغزو الأمريكى للعراق بين المبررات الدولية وواقع العراق 2003

كاتب الموضوع الأصلي: نهاد

(الخــــــــــــاتــــــــــمة)
تعددت أراء الأطراف المختلفة ما بين التأييد أوالرفض أوالتحفظ و يمكن أن نجملها كالأتى:-
أوروبا.. تأييد أو صمت
على الصعيد الدولي يمكن القول إن أحدا باستثناء بريطانيا لا يشجع الحرب، بيد أن ذلك لا يتجاوز حدود التحذير من تداعياتها، أو طلب التشاور مع الأطراف الدولية.
ينطبق هذا إلى حد كبير على مجمل الحالة الأوروبية، بما فيها الفرنسية التي يفترض أن يكون لها موقف أقوى حيال الحرب بوصفها صاحبة المصالح المهمة مع بغداد، كما ينطبق إلى حد ما على روسيا التي أخذ صوتها يعلو قليلا، بيد أنه لا يصل حد الوقوف في وجه الإرادة الأميركية. أما الصين فهي وإن كان رفضها أعلى نبرة، إلا أنها لن تدخل في مواجهة مع واشنطن من أجل الملف العراقي لاعتبارات كثيرة.
العرب.. لا قبول ولا مواجهة
عربيا، يمكن القول إن أحدا لم يعلن الموافقة على الحرب، بيد أن أحدا أيضا لم يعلن موقفا لتحديها، فالكل ينأى بنفسه عن المشاركة، دون الحديث الجدي عن المواجهة، من هنا فإن المواقف العربية لن تغير كثيرا في أسئلة الحرب، اللهم إلا في ما يتصل بالدول التي ستشارك فيها على هذا النحو أو ذاك، سواء كان بإرادتها أم رغما عنها، مثل الدول المرشحة لانطلاق العمليات من أراضيها وعلى رأسها الكويت وقطر وكذلك الأردن الذي يصر على أنه يرفض ذلك، كما أكد بعد الأحاديث التي شاعت عن وجود قوات أميركية فوق أراضيه.
تركيا تدعم
تبقى المواقف الإقليمية وأهمها الموقفان الإيراني والتركي، فالموقف التركي سيدعم الحرب، خصوصا بعدما حصل على تأكيدات من مساعد وزير الدفاع الأميركي بشأن عدم السماح بدولة كردية في العراق. والقيادة التركية تعول كثيرا على الفوائد التي ستجنيها من تلك الحرب.. أما الموقف الإيراني فهو من النوع “المحير” أو لعله “المحتار”، فهو مضطر لمجاملة أنصاره من المعارضة الشيعية، في ما يسكنه الخوف من التداعيات إذا ما جيء بـ”كرزاي” عراقي، حيث ستصدق عندها وعود (مارتن أنديك) بمحاصرة إيران وابتزازها من أفغانستان والعراق والخليج.
إيران.. محيرة ومحتارة
العلاقات الإيرانية العراقية تبدو جيدة لكنها محيرة أيضا. ففي الوقت الذي تبادل فيها الطرفان رفات الأسرى وفتحا قنوات جديدة، فإن إعلان بغداد عن اعتقال “تنظيم إرهابي” إيراني ألقى بظلال من الشك حول الدور الإيراني المتوقع عراقيا. والحال أن طهران لن يكون لها دور كبير يتجاوز انتظار ما سيأتي، فالمعارضة الشيعية تبدو منسجمة مع مبدأ الحرب وتغيير النظام حتى لو رفضت طهران ذلك.
الداخل العراقي
يدخلنا هذا مباشرة إلى موقف الداخل العراقي ومن ضمنه المعارضة الشيعية من الحرب، ذلك أن أحدا لا يماري في أن موقف قيادة الرئيس العراقي الداخلية صعب إلى حد كبير، فهي تتمتع بسخط شعبي كبير، غير أن هواجس السنة العراقيين من القادم قد تدفعهم إلى التعاون والانسجام مع متطلبات الدفاع العراقي.
أما الشيعة فهم غالبا ضد النظام حتى لو جاء الشيطان إلى الحكم بعده، وهو ما ينطبق على الجزء الأكبر من الحالة الكردية التي يصعب القول إنها تنسجم مع الحرب خوفا من تداعياتها، لا سيما بعد أن ثبت أن حلم الدولة لا وجود له، في ما قد يعدهم الرئيس العراقي بما هو أفضل من أي أحد آخر.

الموقف الإسرائيلي
لا يبدو الموقف الإسرائيلي ذا أثر كبير في المعادلة الحربية القادمة، اللهم إلا من الزاوية الاستخبارية، ذلك أن التدخل المباشر لن يكون في صالح العمليات، بل سيدفع نحو انفجار أكبر في الشارع العربي. والثابت أن واشنطن ستخبر تل أبيب بموعد انطلاق العمليات كي تستعد لهجمات صاروخية عراقية محتملة عليها.
ثمة بعد آخر للموقف الإسرائيلي يتصل بالوضع في الأراضي المحتلة، ذلك أن انطلاق الحرب الأميركية على العراق في ظل تصعيد إسرائيلي يقابله تصعيد في أعمال المقاومة سيجعل الانفجار الشعبي شبه مؤكد. ولا شك أن موقف بغداد من قوى المقاومة ودعمها للشهداء والجرحى خلال انتفاضة الأقصى كان قوياً وأثار أعصاب الاحتلال، في ما أثر في الشارع الفلسطيني المتعاطف أصلا مع العراق والمعادي لكل ما هو أميركي.
ألا أنة فى النهاية ليس هناك ثمة شك فى أن ما يقف في وجه الإدارة الأميركية وإرادتها إعلان الحرب على العراق سوى سؤال الربح والخسارة العسكرية، فأسئلة السياسة ومواقف الأطراف المختلفة من الحرب لا تثيرإنزعاج قادة واشنطن، فهي جميعها من النوع الذي يسهل التعامل معه من وجة النظر الأمريكية
النتائج.
قد يكون الحديث عن جدوى الحرب الأميركية على العراق بين يدي النظر في “سيناريوهاتها” وردود الأفعال عليها مفيدا ،بحيث يمكن التوصل الى النتائج التالية :-
1- من المناسب التذكير به في معرض التأكيد على أن ما يدفع (بوش) نحو تلك الحرب هو أكثر قوة من قدرته على المواجهة.حيث أن هناك ثمة بعد صهيوني في قصة الحرب على العراق لا يمكن مقاومته على الإطلاق، ليس من باب قابلية (بوش) العالية للتراجع أمام المطالب الصهيونية، فهذا من نافلة القول، وإنما من زاوية المصالح الإسرائيلية الحيوية منها، والتي تنسجم في أكثرها مع المصلحة الأميركية، وإن على نحو يتفاوت في أهميته. فالتخلص من الأسلحة العراقية كان عنوانا قديما طرح في حرب الخليج الثانية، بيد أنه لايزال قائما، خصوصا ما يتصل بالعلماء القادرين على صناعة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، وعلى هذا الصعيد تتوحد الإرادة الإسرائيلية والأميركية على ملاحقة التسلح العراقي وإمكاناته المستقبلية، فعين واشنطن على قصة الإرهاب ومصلحة إسرائيل، في حين أن عين هذه الأخيرة على إبقاء الخلل في التوازن العسكري لصالحها. كما أن ترتيبات المنطقة ما بعد تغيير النظام في العراق هي مصلحة مشتركة إسرائيلية أميركية، فعين قادة الدولة العبرية مصوبة على تهيئة الأجواء لتسوية وفق الأجندة المعروفة، وهذه لا يمكن تمريرها إلا بإخضاع الوضع الفلسطيني والعربي بعد ضرب العراق. أما واشنطن فإنها ترى في النتيجة المذكورة مصلحة حيوية لها في منطقة ذات بعد إستراتيجي، فضلا عما تختزنه من ثروات. إن إعادة رسم خريطة المنطقة وفق أسس جديدة تزيد في ضعفها وشرذمتها هي مصلحة حيوية إسرائيلية أميركية، وهو ما يحلم الطرفان بتحقيقه بعد ضرب العراق ومحاصرة سوريا وإيران، فضلا عن مصر التي سيضعف وضعها، لا سيما إذا نجح مخطط فصل الجنوب السوداني والتحكم من خلاله بالأمن القومي المصري.
2- بوش شخصيا في حاجة ماسة لانتصار كبير في العراق لأكثر من سبب، لعل أهمها استمرار فشله في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب في أفغانستان، سواء لجهة اعتقال أسامة بن لادن والملا محمد عمر، أم لجهة ترتيب الوضع الداخلي كي يكون محطة امتداد وسيطرة على آسيا الوسطى وثرواتها.
3- أن حرب “الإرهاب” التي أعلنها (بوش) مازالت تشكل نزيفا معنويا واقتصاديا للدولة الأميركية، بدليل الركود الواسع ومسلسل فضائح الشركات وتراجع الدولار وبداية هروب الاستثمارات الأجنبية، وكل ذلك لا يمكن علاجه إلا بانتصار كبير على العراق يكون مقدمة لانتصار على بعوض “الإرهاب” الذي “يستوطن” بكثرة في “المستنقع” العربي.
4-هذا من زاوية الانتصار العسكري وتداعياته، فكيف إذا أضيف له وضع اليد على ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم ومعه نفط الخليج والسعودية، فضلا عن عقود إعادة الإعمار التالية.
5- مطاردة إيران وأسلحتها وإخضاعها للإرادة الأميركية هي جانب آخر من الحرب، فمحاصرتها من العراق إلى جانب أفغانستان سيجعلها أكثر قابلية للابتزاز، وفي هذا مصلحة إسرائيلية أميركية لا تخفى على أحد.

الغزو الأمريكى للعراق بين المبررات الدولية وواقع العراق2003

كاتب الموضوع الأصلي: نهاد

الغزو الأمريكى للعراق بين المبررات الدولية وواقع العراق2003الجزء الأول

مقدمة:
شهد العالم فصلا دراميا فى العقد الاخير من القرن العشرين ،تدور أحداثة حوا المأساة التى أرتكبها النظام العراقى فى حق الكويت فى 1990م ، والتى كانت لمغامراتة العسكرية الفاشلة أثار مدمرة على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية فى العراق، بعد أن عانى ويلاتها الشعب العراقى الذى وقع بين مطرقة نظامة الديكتاتورى البشع وسندان الغزو والمقاطعة والحصار.
ومنذ عام 1998م أصبح تغيير النظام مطلبا أمريكيا إن لم يكن يمثل اولوية للسياسة الخارجية الامريكية، وبوصول اليمين المتطرف أو المحافظيين الجدد الى سدة الحكم فى الولايات المتحدة الامريكية برئاسة جورج دبليو بوش فى عام 2001م تغيرت الاولويات ،وتراجع ارتباط مفهوم الاستقرار الاقليمى بعملية السلام، وتقدمت فكرة الحرب على العراق لتحتل قمة الاولويات، وأتاحت أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001م الفرصة التاريخية لنقل برنامج المحافظيين الجدد من وضع الحلم الى الوضع التطبيقى.
وبدأت الادارة الامريكية تداعب اعلامها الداخلى ،وتصور صدام حسين على أنة مصدر من مصادر الارهاب ،ومصدر الخطر القادم على الامن القومى الامريكى ،خاصة وقد قفزت الى السطح فكرة ربط امتلاك النظام العراقى لاسلحة الدمار الشامل بوجود صلات بينة وبين تنظيم القاعدة ، وتبلورت الفكرة داخل الادارة الامريكية وأصبحت الاداة التى حشدت من خلالها التأييد الدولى و الشعبى .
وعلى الرغم من أنة ثبت للمفتشيين الدوليين عدم امتلاك العراق لتلك الاسلحة ،الا أن الادارة الامريكية لم تلتفت الى وجهات النظر المعارضة، خاصة أنها استطاعت الحصول على تفويض من الكونجرس الامريكى بالمضى فى مشروع الحرب ، ليس هذا فحسب بل أنها لم تلتفت الى راى المنظمة الدولية ،والتى انقسمت الاراء حول البيان التى أصدرتة حيث كونة لا يتضمن تفويض باستخدام القوة ضد العراق، مما يشكك فى مشروعية هذة الحرب ، وبالتالى تعددت الاراء بين مؤيد للحرب ومعارض لها ورأى أخر يتبنى اتجاها وسطيا بين هذين الرأيين .
الا أنة يمكن القول أن الشعب العراقى وحدة هو الضحية، فهو يعيش حالة من التفكك والانهيار والتلاعب بمقدرات مستقبلة ، وأصبح ما تنادى بة الولايات المتحدة الامريكية بأرساء معالم الديمقراطية مجرد سلوك مبرر لما تقوم بة من تدخل فى الشئون الداخلية للعراق، وإن جاز التعبير ما تقوم بة من فرض هيمنتها داخل الانظمة العربية.

الهدف من الدراسة:
أولا:- أهداف مباشرة
1- رصد وجهات النظر المختلفة حول جدوى الغزو الامريكى للعراق .
2- دراسة أهمية نظريات الاتصال السياسى فى التأثير على كافة الاطراف.
ثانيا:- أهداف غير مباشرة
1-الكشف عن النسق البيئى الفكرى والسياسى المشكل لكل طرف من الاطراف المختلفة.
2-أتباع منهاجية نقدية موضوعية لوجهات النظر المختلفة .
3-النقد الذاتى للثقافة التى تبنتها بعض وجهات النظر والمقصود بها الثقافة ذات الاتجهات الاذدواجية .

أهمية الدراسة :-
تنبع الاهمية الموضوعية من ضرورة رصد التوجهات الايدلوجية والثقافية لوجهات النظر المختلفة حول جدوى الغزو الامريكى للعراق سواء على المستوى الدولى أو الاقليمى أو المحلى فى أطار المؤسسات السياسية الحكومية، أو التنظيمات السياسية غير الحكومية، أو على مستوى الافراد المثقفين، أو الاكادميين العرب أو الغربيين ،أومن خلال وسائل الاتصال الحديثة.

الاطار المنهاجى:-
تم الاستعانة ببعض المناهج التى تشكل فى تكاملها أدوات بحثية ومناهجية يمكن الاعتماد عليها وهى:-
1) المنهج المقارن
2) المنهج الوصفى
3) أداة تحليل المضمون

(1)المنهج المقارن :- وهو يعد خطوة هامة لعملية استخراج قواعد للمقارنة بين المفاهيم الفلسفية للايدلوجيا التى يبناها الاطراف المختلفة فى تفسيرهم للغزو الامريكى للعراق، وتمكن هذة المنهاجية فى معرفة الثوابت التى تدور حولها اختلاف وجهات النظر .
(2) المنهج الوصفى:- يتمثل فى وصف للادوار والمهام التى تبنتها وجهات النظر المختلفة وهو يحقق بذلك عدة أهداف وهى:-
– التعرف على التوجهات الفكرية للاطراف المختلفة والكشف عن مواقفهم وردود أفالهم.
– البحث فى الظروف الموضوعية المحيطة بكل طرف على حدى.
(3) أداة تحليل المضمون:- تتضح الاهمية العلمية لتحليل المضمون فى ضرورة الاستخدام المتكامل لادواتة البحثية للوصول للمعانى المستترة فيما وراء العبارات والكلمات والمضمون الذى تحملة الرسائل الاتصالية ، وتمر هذة الاداة بالمراحل الاتية :-
– عمل التساؤلات البحثية
– اختيار العينة
– اختيار فئات وحدات التحليل
– الصدق والثبات
– التحليل الاحصائى
– نتائج البحوث .
وبالنسبة لاختيار العينة فقد تم استخدام اسلوب العينة العمدية من خلال:
– عينة تشمل بعض المؤسسات الحكومية وغير الحكومية.
– فئات المثقفين والاكادميين ( كتاب ومفكريين ومحللين واساتذة جامعات).
تساؤلات الدراسة :- تطرح الدراسة العديد من الأسئلة تدور حول إشكاليات الموضوع وننتهى كنتيجة للتحليل للإجابة عليها.
– هل يمكن تحديد الحقائق والثوابت التى ثار حولها الخلاف فى وجهات النظر المختلفة فى الغزو الامريكى للعراق؟
– ماهى الابعاد الثقافية والايدلوجية الفكرية التى ثؤثر على وجهات النظر المختلفة فيما يتعلق بجدوى الغزو الامريكى للعراق؟
– هل يمكن القول أن المصالح الأمريكية كانت أحد الدوافع الأساسية لهذة الحرب؟
– لماذا وقف العالم العربى بين مؤيد للحرب ، ومتحفظ،ورافض ؟
تقسيمات الدراسة:-تقسم الدراسة الى ثلاث مباحث يمكن من خلالها الاجابة عما ورد من اسئلة فى تساؤلات الدراسة:-
المبحث الاول:-النظام العالمى الجديد ونظريات الاتصال الحديثة.
المبحث الثانى:- الغزو الأمريكى للعراق بين الواقع الفعلى والدوافع الاأمريكية
المبحث الثالث:- وجهات النظر المختلفة فى جدوى الغزو الامريكى للعراق.

المبحث الاول
النظام العالمى الجديد ونظريات الاتصال الحديثة.

مفهوم النظام العالمى الجديد
يعيش النظام الدولى مرحلة تاريخية هامة من التحولات والمستجدات السريعة والمتلاحقة ذات أبعاد عديدة، تترك أثارها الواضحة على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقضايا الحرب والسلام ، وعلى العلاقات الدولية العامة.
إلا أنة هناك خلط من قبل الباحثين والدارسين العرب بين مفهومى النظام الدولى الجديد والنظام العالمى الجديد، ومن هنا تبرز الحاجة للتمييز بين مفهومى النظام الدولى والنظام العالمى بغرض فصل الخلط الشائع بين وجود منظورين لمفهوم النظام العالمى،وفيما يتعلق بالتمييز بين مفهومى النظام الدولى والنظام العالمى.
أولا:النظام الدولى يشير بعض الباحثين إلى أنه يقوم على أساس العلاقات والتفاعلات وأنماط توزيع مصادر القوة والنفوذ بين الدول القومية التى يتكون منها هذا النظام، وبالتالى تعد الدولة القومية “nation state”(1) هى وحدة العلاقات والتفاعلات فى النظام الدولى.
ثانيا: النظام العالمى يرى البعض أن هذا النظام أكثر شمولا من ذلك حيث يضم إلى جانب الدولة القومية فاعليين اخريين مثل الشركات الدولية النشاط والمنظمات الدولية غير الحكومية ، وكل ما يتخطى حدود الدولة ، وبهذا المعنى يعتبر النظام الدولى جزءا من النظام العالمى ، ولعل شيوع استخدام مفهوم النظام العالمى الجديد أنما يشير إلى ذيادة العوامل والظواهر التلى تتخطى حدود الدولة القومية فى الوقت الراهن .
ومن الملاحظ أيضا تعدد الرؤى لدى بعض المحللين بالنسبة للفظ” جديد” ،فالبعض يرى أنه يعبر عن مرحلة الإنتقال من الثنائية القطبية الى نظام القطب الواحد والبعض يرى أنة يدل على درجة التعاون المتبادل بأشكالة المختلفة ، ويرى اخرون أن الجديد مرهون بصعود القضايا الكونية الخاصة بالبيئة ،أما البعض الاخر يرى أنة يستند إلى المنظمات الدولية والقانون الدولى.
على اى حال يمكن القول ان لفظ “جديد” سوف يتحدد برؤية المتغيرات الجوهرية، والتى تشكل تعديلا او تغيرا أساسيا فى نمط التكونولوجيا السائدة، وعلاقات القوى بين الاطراف الدولية وغير الدولية ، وما يركز علية النظام من قضايا يعتبرها أساسا لنشاطة وتطورة.(2)
ويعد مصطلح العولمة Globalization من المصطلحات التى تدل على هذا النظام العالمى،الا أنة التاصيل العلمى لهذا المصطلح (العولمة او العالمية) يعود الى تلك الصيحات والدعوات التى أطلقت فى الستينات (3)، حيث ولدت مجموعة ال 77 داخل الامم المتحدة لتتبنى سياسات تنموية جديدة تضم العالم الثالث المهتم بقضايا التنمية والتحرر والاستقلال على المستوى العالمى.
وبإنهيارالمعسكر الشرقى- الاتحاد السوفيتى- فى 1991م وإنفراد الولايات المتحدة بالمسرح الدولى ، والتى سعت إلى هيكلة كل شىء من قيم وأفكار ومعتقدات وثقافة وسياسة وإقتصاد وإجتماع بما يتفق والقيم الغربية دون اى مقاومة ، تأكد إنتشار هذا المفهوم – العالمية- بالعنى الجديد.(4)

وقد أشار المفكر الامريكى اليابانى الاصل” فرانسيس فوكوياما” فى كتابة نهاية التاريخ ، الى هذا المصطلح ومظاهرة ومبادئة، ويرى المؤلف أن أنتصار السوق والنظام الرأسمالى الاقتصادى وقرينة السياسى هما اللذان يمثلان الإختيار النهائى للإنسانية فى سعيها التاريخى إلى تحقيق ما يصبو إلية أى مجتمع من التنمية المستدامة والتقدم المستمر والاستقرار، وبذلك ينتهى التاريخ.(1)

وبهذا تعد العولمة(2) من اهم المتغيرات التي يشهدها العالم فى هذا العصر، والذى اطلق علية بعض الكتاب “عصر العولمة “، وتتغلل العولمة فى كافة مناحى الحياة، بحيث تكون جزء من عملية دولية تساهم فى إثبات جدارة هذا النظام العالمى الجديد.فعلى سبيل المثال ترتبط العولمة ذات الجانب الاعلامى او ما يقصد بها العولمة الاتصالية، بالتطور الهائل فى الثورة التكنولوجية والثورة المعلوماتية، التى قربت بين الافراد وجعلت العالم قرية كونية صغيرة.
ومن الناحية السياسية يستخدم البعض مفهوم (الهيمنة) كمرادف لمفهوم العولمة، كما يقرن البعض العولمة بالأمركة، أى صياغة العالم حسب النموذج الامريكى، وعلى الرغم من عدم دقة ربط تلك المفاهيم على المطلق، الا أنة طالما إنطلق مفهوم العولمة من رحم الولايات المتحدة الامريكية فإن الامر يتعلق بالدعوة الى توسيع النموذج الامريكى والترويج لة ،بل و إفساح المجال لة ليشمل العالم كلة.وهذا ما يجعل مفكرا مثل “ريجيس روبرية”يرى ان العولمة التى تتم الدعوة إليها اليوم تعد “عولمة زائفة” على حد تعبيرة، فالحيز المطروحة فية أمريكى والنمط السياسى والثقافى ما هو الإ نمط الحياة المريكية والفكر الامريكى.(4)

ومما لا شك فية أن تلك التغيرات التى نشأت نتيجة للعولمة لم تقتصر على جانب العلاقات الدولية فقط، وإنما إمتدت أيضا لتشمل الأوضاع الداخلية ، وثارت قضايا جديدة تتعلق بتركيبة النظم السياسية وما يرتبط بها من إشكاليات جديدة هى بمثابة تداعيات لهذة التغيرات الحادثة فى الواقع الدولى.ومن هذة الإشكاليات ما يتعلق بإنعكاس الثورة التكنولوجية على مفهوم الدولة وكيانها وسيادتها بل وشرعيتها وهنا تتأثر قضايا مستقبل الحدود بين ماهو عالمى وما هو داخلى .فمن الملاحظ أن هناك تراجعا لدور الدولة ومؤسساتها التقليدية أمام تلك الهيمنة التى تسعى للسيادة التامة فى ظل هذة الكونية وثقافتها العالمية.(1)

الرأى العام ونظريات الإتصال السياسى
لاشك ان هذا القرن قد شهد تطورا ضخما فى الثورة التكنولوجية وثورة المعلومات ،وإن جاز التعبير يمكن أن نقول أن المتغيرات والتحولات العالمية التى تجرى فى الوقت الراهن تتم فى أطار ما يطلق علية بالثورة الصناعية الكبرى، والتى تتمثل فى التقدم التكنولوجى الهائل فى مجالات الاتصال والفضاء والمعلومات والحاسب الالى بأجيالها المختلفة والالكترونيات الدقيقة والهندسة الوراثية .(2) وبالتالى فإن تلك الثورة الهائلة سوف يكون لها تأثيراتها الهائلة على صعيد نشر القيم و الأفكار، حتى تستطيع الدول الرأسمالية المسيطرة على النظام العالمى بإعتبارها الدول القائدة فى هذة المحاولات أن تنشر قيمها وأطرها الفكرية وتسبغ عليها طابعا عالميا.ولا شك أن الأدوات التى تمتلكها تلك الدول والمقصود بها وسائل الإتصال الجماهيرى تعد أحد القنوات الهامة للتأثير فى الرأى العام سواء الداخلى أو العالمى فى ظل تلك الثورة –ثورة التكنولوجيا-.
ويمكننا فهم “الرأي العام” كمفهوم اجتماعي يعبر عن تشكيل اتجاهات التفكير واتخاذ المواقف والتعبير، وأيضا كمفهوم سياسي يعكس علاقة المجتمع والدولة.
ويمكن فهم الرأي العام من خلال اقترابين:
الأول: تمييز مفهوم “الرأي العام” عن المفاهيم المقاربة والمشابهة والمتداخلة مثل: الميول السياسية، والاتجاه السياسي، الموقف السياسي، الحكم السياسي، الحشد العام. وبالتمييز بين “الرأي العام” و”الاتجاهات أو الميول” و”الفعل السياسي” أو السلوك، والأحكام؛ فالرأي العام يختلف عن الاتجاه والميل؛ ففي حين يكون الأول معلنا ومعبرا عنه نجد أن الثاني استجابة داخلية مبكرة. والرأي دليل على وجود الاتجاه أو الميل، ولكن العكس ليس حتميا؛ فالميل لا يشترط أن يتحول إلى رأي يتم الإفصاح عنه؛ فما يميز الرأي العام عن الرأي الشخصي هو درجة العمق والاستقرار، والتراكم الجمعي، ثم العلانية.
ووصف “العام” يعني أنه يقوم على أساس قضية معينة تخضع للنقاش العقلاني، في حين أن مفهوم الحشد الجماهيري يتميز بوحدة التجربة الوجدانية، لكنها قد تكون ظرفية وعشوائية، أو تكون من جهة أخرى موجهة وغير حرة أو عقلانية؛ كما في نماذج “التعبئة السياسية” في النظم السياسية السلطوية، ويصبح السؤال هو: كيف يمكن ضمان استقلال الرأي العام عبر عملية تشكلٍّ مدنية ترتبط بنمو الحركات الاجتماعية وفاعليتها؟ وعبر توظيف ما تقدمه ثورة الاتصالات والمعلوماتية والاستفادة منها في فهم ما يجري في السياسات العالمية، وأيضا استكشاف كيف يمكن -رغم هذه الإمكانات الاتصالية- أن تفلح دولة ما في خلق نوع من “الحشد الجماهيري” لتأييد العمل العسكري في السياسة الخارجية كأسلوب للتعامل مع الأزمات ولزيادة التأييد السياسي، وزيادة فرص الفوز في الانتخابات، في حين يتسم النظام السياسي بالليبرالية، وهي من تحديات فهم كيفية تطور وتشكل الرأي العام بشكل معقد ومركب.
ويمكن القول: إن المعايير التي يمكن من خلالها التمييز بين “العام” و”الخاص” قد غدت أكثر غموضا وهلامية؛ وأن هناك اتجاها متزايدا نحو “تعميم” الخاص النابع من الحضارة السائدة والمهيمنة؛ بحيث يكون عاما لجميع الثقافات والمجتمعات الأخرى المتميزة عنها والمختلفة معها، ويتزامن هذا مع تفكك العمومية وتشرذم الجماهير لتنوع قنوات الاتصال وتعددها واختلافها.
الثاني: كشف العناصر والمكونات الداخلية فيه؛ فالوحدة التحليلية هي “الأغلبية” بوصفها المجموع العددي أو الرقمي للأفراد المكونين لهذه الأغلبية التي يمكن قياسها والتي تمارس الحكم باسم هذه الأغلبية؛ لكن هناك تقسيمات داخلية للظاهرة على أساس معايير اجتماعية، واقتصادية، ومتغيرات مثل: الريف/ الحضر وأيضا العمر، وفي إطار هذا التركيب هناك مفهوم “قادة الرأي العام” بوصفه إطارا تحليليا متسعا يشمل أولئك الذين في مقدرتهم التأثير في آراء الآخرين أو تغيير رؤيتهم للقضايا المختلفة باعتبارها عملية تتكون من عدة مراحل متواصلة يكمل بعضها البعض الآخر: (المشكلة، والاقتراحات والحلول)، ومراحل تتطور من “الرأي” حتى نصل إلى القرار السياسي الذي هو محط اهتمام التحليلات السياسية باعتباره أرقى أشكال التعبير السياسي الجماهيري.(1)
وتشير الدكتورة “جيهان أحمد رشتى” حول هذا المفهوم فى دراساتها “الإعلام ونظرياتة فى العصر الحديث” عن دور وسائل الإتصال الجماهير فى التأثير على الرأى العام وتكوينة فتقول أن ” أغلب أبحاث الإتصال تهدف الى (كيف وتحت أى ظروف تنجح حملات وسائل الاعلام فى التأثير على الراى العام والإتجاهات ) خاصة بعد أن ساد فى القرن العشرين رأى يقول أن وسائل الإعلام قوية جدا، وأنها قادرة على تحديد الفكر ودفع الأفراد الى التصرف وفقا لأسلوب معين تسعى إلى تحقيقة . بل و اعتبر البعض أن وسائل الإعلام قادرة على تقوية الديمقراطية وزيادة معلومات الجماهير، فى حين رأى البعض الاخر أنها قد تستغل فى تحقيق أهداف شريرة.(2)
ويعد جوبلز (3)من أبرز الشخصيات التى خططت وأدارت عملية الإتصال الجماهيرى السياسى فى عهد ألمانيا النازية، ومن مقولاتة “أن من يقول الكلمة الاولى للعالم على حق دائما”.ويرى جوبلز أن هدف عملية الإتصال الجماهيرى لابد وأن يكون موجها فى المقام الاول إلى التأثير على سياسات الخصم أى مجموعة صنع القرار فى النخب الحاكمة ،بما يؤدى إلى عدم القدرة على أختيار البديل الأفضل من بين البدائل، وبنفس القدرة يجب ان يكون موجها أيضا إلى التأثير على سلوك الجماهير .
وفى هذا السياق تمكن جوبلز من أخفاء التقارير الخاصة بإيضاح مدى انخفاض الكفاءة القتالية للقوات السوفيتية أثناء مواجهة القوات الألمانية لها، وأرسلت رسائل إلى الدول الإورببية المتحالفة عن كفائة ومقدرة القوات السوفيتية المرتفعة ومقاومتهاغير المحدودة للقوات الألمانية، الامر الذى قاد الحلفاء الى وضع حساباتهم الإستراتيجية بصورة خاطئة، كما صدقت شعوب الدول المتحالفة مدى تعثر القوات الألمانية أمام الجيوش السوفيتية، وخرجت من ملاجئها إلى المصانع والمرافق المختلفة، فكانت هدفا سهلا لغارات الألمان الجوية.(1)
مما سبق يتضح خطورة الدور الذى تقوم بة وسائل الإعلام فى خلق الوعى والتنشئة الإجتماعية ،خاصة فى المجتمعات التى تتعرض لتغيرات جديدة سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

التخصص والمهنية في مجال الإعلام
لا شك أن الإعلام الجماهيري قد فرض تطورا ضخما على طبيعة الظاهرة الاتصالية، يبرز بشكل واضح في الناحية المهنية التخصصية، فنلاحظ:
أ- الاتجاه إلى التخصص المهني الإعلامي، سواء من حيث الأداة أو من حيث المرحلة التي ينتمي إليها نشاطه في ديناميات عمليات الاتصال؛ (إعداد، صياغة أو نشر الرسالة).
ب- جعل الرقابة أو ضبط العملية الاتصالية في الإعلام الجماهيري مباشرة بواسطة ممثلي المهنة باسم الرقابة الذاتية، والتي تعني أن من ينتمي للعملية الاتصالية هو وحده الذي يستطع مزاولة الضبط، وهو ما يتناوله فيما بعد في نظرته لعملية الرقابة والتي سوف نتناولها في النقطة اللاحقة.
ويفترض هذا فهم عملية الاتصال كحقيقة هيكلية، وكذلك في أبعادها الديناميكية المختلفة؛ فالرسالة الاتصالية بمجرد أن تستقل عن مرسلها تملك وجودها الذاتي والهيكلي، لكنها لا تستقل عن الرسالة وظيفيا، وهذا ما نراه بخصوص ظاهرة رد الفعل التي تعني أن الرسالة إذا لم تحقق هدفها بشكل أو بآخر فلا بد أن تعقبها رسالة أخرى واحدة أو أكثر حتى تنتهي بتحقيق الهدف.
وتفترض عملية الاتصال أن هناك عاملا مشتركا من المفاهيم والرموز بين المرسل والمستقبل بحيث أن كلاهما ينتمي -ولو في قسط معين- إلى تقاليد تتحد فيها العناصر والمفاهيم المشتركة، وإن لم توجد هذه الدائرة فلا إمكانية لخلق وتحقيق عملية الاتصال.(2)
وتتنوع أشكال الاتصال؛ فقد يكون فرديا أو جماعيا من حيث المرسل، وقد يكون فرديا أو جماعيا من حيث المستقبل؛ أي له نماذج أربعة (فردي مرسل، فردي مستقبل، جماعي مرسل، جماعي مستقبل).
ومن الناحية الهيكلية الخاصة بتطور العملية الاتصالية نميز بين مراحل مستقلة وهي:
المرحلة الأولى: تتركز حول استعداد صاحب الرسالة لنقل حقيقة أو فكرة أو تصور للجمهور، وبسط مفاهيمها بحيث تحقق الأثر المطلوب. ويسعى المرسل لاكتشاف خير وسيلة وخير أداة تسمح بإرسال الرسالة، ويصوغ الرسالة في لغة قد تأخذ صورة الفعل المادي أو صورة التعبيرات القولية. وبهذا المعنى يصير الاتصال سلوكا؛ فهناك مرسل يلجأ إلى السلوك غير المباشر، وآخر يستخدم ألفاظا صريحة واضحة، وقد يفضل ثالث اللجوء للواقعة أو إلى الإشارة يعبر بها عن مفهومه وأهدافه.
المرحلة الثانية: انطلاق الرسالة؛ فالاتصال ليس حقيقة من جانب واحد بل من جانبين، بمعنى أنه لا يعبر عن رسالة تصدر من مرسل لمستقبلها، وإنما هناك رد فعل من جانب المستقبل يأخذ شكل رسالة أخرى من المستقبل تتجه إلى المرسل، وهذا الذي يسميه العلماء رد الفعل الذي يعني التعقيب على رسالة أولى تعود لنفس المصدر بحيث تتحدد على ضوء العودة مدى نجاح الرسالة الأولى من حيث النتائج وطبيعتها من حيث التفاعل، وهذا يعني نتائج معينة، فبداية الرسالة ليست حقيقة فردية؛ بل هي أساسا حقيقة اجتماعية ونجاحها يتوقف على ذلك. والرسالة يجب أن تقنن، ويجب خضوع فك عملية رموز التقنين، وهذه تتحدد بالحقيقة الاجتماعية؛ بمعنى أن المجتمع هو الذي يعطي لكل رمز في الرسالة معنى أو دلالة معينة، والرسالة بمجرد خروجها وانفصالها عن شخص المرسل فإنها تستقل هيكليا كما أسلفنا.
المرحلة الثالثة: تدرس الأثر المباشر للرسالة أو بعبارة أخرى تحليل عملية الاتصال من الناحية الديناميكية.(1)
وقد حاول العلماء وضع نماذج كثيرة لعملية الإتصال communication process،
الغرض منها محاولة إيجاد صور متعددة لعملية الاتصال الجماهيرى، ومحاولة معرفة: كيف يتم التأثير على الجماهير؟ وما هى الخطوات اللمية لهذة العملية ؟ ومن هذة النماذج :-
1- نموذج هارولد لازويل
2- نموذج شانون- ويفر
3- نموذج ولبر شرام
4- نموذج ديفيد برلو
5- نموذج الاتصال فى الاطار الشخصى
6- نموذج التحليل الوظيفى فى مجالات الاتصال الجماهيرى.
ودون الخوض فى تفاصيل هذة النماذج وغيرها لارتباطها بالدراسات الإعلامية المتخصصة الا إننا سوف نلقى الضوء على بعض منها:-
1- نموذج هارولد لازويل :
وضعة العالم السياسى الامريكى هارولد لازويل 1946م، والذى اقترح فية لتحديد مجالات أبحاث الإتصال أو شرح عملية الإتصال يجب الإجابة على الاسئلة الاتية :
– من who ؟ – ماذا يقول Say what ؟
– لمن To whom ؟ – بأى وسيلة In which channel ؟
– وبأى تاثير With what effect ؟
2- نموذج شانون –ويفر:
لايتناول هذا النوذج الاتصال البشرى بل يركز على الاتصال الإليكرونى ،ويحدد شانون ثلاث مستويات لمشاكل الاتصال :-
المستوى (ا) كيف يمكن نقل رموز الاتصال بدقة؟
المستوى (ب) ما مدى الدقة التى تنقل بها تلك الرموز المعنى المطلوب؟
المستوى (ج) كيف تؤثر المعانى التى تم استقبالها على السلوك بالطريقة التى يهدف اليها المرسل؟
2- نموذج ولبر شرام :
هذا النموذج يحدد عناصر الاتصال بثلاث عناصر هى :المصدر – الرسالة – المستقبل.
ومن النظريات الحديثة التى ظهرت فى هذا المجال لبيان مدى تأثير وسائل الإعلام على الجماهير نظرية “مارشال ماكلون”وهو أستاذ بجامعة تورنتو بكندا، وتتلخص نظريتة فى أن هناك أسلوبين للنظر الى وسائل الإعلام من حيث :
1- أنها وسيلة لنشر المعلومات والترفية والتعلم.
2- أوأنها جزء من سلسلة التطور التكنولوجى.
ويقول مارشال أن مضمون وسائل الأعلام لا يمكن النظر الية مستقلا عن تكنولوجية الوسائل الاعلامية، فالكيفية التى تعرض بها المؤسسات الاعلامية الموضوعات والجمهور الذى توجة الية كلامها يؤثران على ما تقولة لك تلك الوسائل، وأن طبيعة وسائل الاعلام التى لم يتصل بها الانسان تشكل المجتمعات أكثر مما يشكلها مضمون الاتصال.(1)
ومن المقولات المأثورة والتى تعد مثالا لمدى خطورة سيطرة اجهزة الاعلام على تشكيل إتجاهات الرأى العام :-
نجد هتلر يقول “ان الدعاية تحرك الجبال، وتحيل الابيض الى اسود والاسود الى ابيض”.وقال أيضا:”لقد اتاحت لنا الدعاية أن نحتفظ بالقوة ولسوف تمنحنا الدعاية الوسيلة لغزو العالم “.
كما يقول لينين (2)للتأكيد على أعتماد الثورة الشيوعية على الاعلام والدعاية :” ان الامر الرئيسى هو التهيج والدعاية فى كل طبقات الشعب”.
وهذا ما يؤكد فكرة ان أى اتجاة أو أى رأى يكتسب قوة وثبات فور تركيز أجهزة الإعلام المختلفة علية، وتوضيحة وتقديم الدلائل والحجج القوية على صحتة .(3)
وتشير الدراسات الميدانية الى ان وسائل الإعلام تختلف فيما بينها من حيث قوة إجتذابها للجماهير ودرجة ثأثيرها عليهم ،وهذا وتنقسم وسائل الاتصال من حيث النوع الى نوعين رئيسين :
الاول:وسائل اليكترونية Electronic Mass Media، ويندرج تحت هذا النوع الإذاعة والتليفزيون والسينما هذا بالاضافة الى الحاسب الالى، وما تقدمة لنا ثورة المعلومات من سهولة أنتقالالمعلومة عبر شبكات الإنترنت.
الثانى: وسائل مطبوعةPrinted Media ، وينصرف هذا النوع الى الصحافة والكتب والمجالات والدوريات والمطبوعات المختلفة.
ولسنا هنا بصدد مناقشة وسائل الاتصال بدرجة من التخصصية، بقدر ما يهمنا فى الاعلام السياسى هو كيفية وصول الرسالة عبر وسائل الاتصال المختلفة لكى يتحقق الهدف النهائى من عملية الاتصال السياسى الا وهى تحقيق المصلحة القومية للوحدة السياسية .

الرأي العام والدولة والسياسة
الدولة الحديثة نموذج فريد من نوعه، وهي تعلن أن واجب الدولة هو أن تدع شخصية الفرد تتكون وتتكامل ثقافته بحرية ودون قيود، ورغم ذلك فهي تشعر بأن واجبها أن تضع قنوات ثابتة ومنظمة تسمح لها بأن تشكل الإطار الفكري للمواطن بطريق أو بآخر، ولعل هذه الملاحظة تفسر أهمية تطوير نظرة نقدية للوظيفة الاتصالية في المجتمع المعاصر تنبع من تمكين المجتمع وتفعيل خصائصه.
وجوهر الوظيفة الاتصالية للدولة الحديثة هي عملية تكوين الرأي العام وتشكيله، وذلك بجوانبها المختلفة أو وظائفها الفرعية. ومحورها: تكوين الرأي العام في مجتمع معين لكي يكون صالحا للقيام بأدواره أو وظائفه التي تحددها الدولة، سواء كان ذلك على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
ويتطلب فهم أبعاد علاقة الدولة بتشكيل الرأي العام تأسيس نموذج تحليلي لفهم الوظيفة الاتصالية وبيان موضعها من نظرية الدولة الحديثة، وتحليل الوظيفة الاتصالية وتطور العلاقة النفسية بين المواطن والدولة في المجتمع المعاصر، وفهم وسياسة العمل الاتصالي في أدوارها الأربعة كل منها تكمل الأخرى؛ (التكامل القومي، الترابط الحضاري، المساندة في السياسة الخارجية، ممارسة الغزو المعنوي).
والأصل أن تكون الدولة تعبيرا عن المجتمع، وتنبع وظائفها من مفهوم ثابت هو حماية القيم الحضارية. فالدولة أداة الاتصال بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهي تعبير عن الماضي بلغة القيم، وعن الحاضر بلغة المصالح، وعن المستقبل بلغة الاستمرارية والثبات. وإن لم تستطع أن تحقق هذه الوظائف بهذا المعنى، وأن تخلق التوازن بين هذه الأبعاد المتعددة تصير دولة فاقدة شرعيتها حتى وإن استمرت بسلطة البطش والهيمنة في الواقع.
والتمييز بين الوظائف الأصلية والوظائف التابعة يجعل من فكرة الجزاء المدني والدنيوي أداة تسمح بحماية الوظائف الأصلية التي تدور حول احترام نظام القيم السائد في المجتمع السياسي، ونقله من لغة المثاليات إلى لغة الواقع ولو بنسبة معينة تفرضها طبيعة التطور والصعوبات المختلفة التي لا بد أن تواجهها الجماعة، والأداة الحاكمة في مرحلة من مراحل تطورها.
الوظيفة الاتصالية بهذا المعنى تصير إحدى الوظائف الأصلية التي تفرض على الدولة ألا تقف من المجتمع السياسي الذي تمثله، ومن المواطن الذي تسعى إلى سعادته، والأسرة الدولية التي تتعامل معها موقف السلبية وعدم الاهتمام.
وتتضح أهمية الدور الإعلامي للدولة عبر صنع حد أدنى من الترابط؛ بحيث إن جميع عناصر الجسد السياسي تشعر بأنها -بخصوص ذلك الحد الأدنى- تمثل قوة واحدة وكيانا واحدا، وتمكين الترابط الحضاري؛ فالدولة هي حقيقة حضارية، وبهذا المعنى تتحرك في النطاق الداخلي والنطاق الإقليمي والنطاق الدولي، والوظيفة الحضارية تنبع منها وظائف أخرى، وعلى وجه التحديد الوظيفة الثقافية السياسية. ويلعب الإعلام -أيضا- دورا في صنع مساندة للسياسة الخارجية.
ولا شك أن الدولة تستطيع أيضا توظيف آلة الإعلام في مواجهة القوى الخارجية، فترتفع الوظيفة الاتصالية إلى مستوى الغزو النفسي؛ حيث يصير الهدف من الاتصال ليس مجرد الإقناع والاقتناع وإنما تحطيم الخصم نفسيا وفكريا، أو على الأقل تشويه الصورة القومية لذلك الخصم. والغزو الاتصالي قد يتجه إلى الصديق وقد يتجه إلى العدو، ولكنه دائما يقوم على أساس تحسين صورة الذات وتشتيت صورة الآخر، والتلاعب بالحقيقة. والاتصال قد يصبح في تلك اللحظة عملية مدمرة تتجه أساسا إلى العالم الخارجي وتصير محورا لتعامل يفترض السعي نحو استئصال الوجود المعنوي بشكل أو بآخر.
الاتصال بهذا المعنى يصير مرادفا لفكرة الحرب النفسية؛ حيث هناك مواجهة عنيفة بين خصمين. ورغم أنه قد يتجه إلى الصديق بقصد تشويه صورة عدو لدى ذلك الصديق، إلا أن فكرة الصراع المعنوي تظل ثابتة في كلا التطبيقين. على أن الأعوام الأخيرة قدمت لنا نموذجا آخر اتفق الفقه على التعبير عنه باصطلاح “التسمم السياسي”؛ حيث الاتصال النقي يخفي في حقيقة الأمر هدفا ثابتا وهو تحطيم التكامل القومي من منطلق إعادة توزيع نظام القيم. والدولة التي تلجأ إلى حقن مجتمع معين بقيم غريبة عليه أو تضخيم قيم تابعة وثانوية ورفعها إلى مرتبة القيم العليا، هي في حقيقة الأمر تقوم بعملية إعادة تشكيل القيم ورفعها إلى مرتبة القيم العليا، الأمر الذي لا بد وأن يؤدي إلى خلق نوع من التفتت. (1)
ويتضح من خلال القراءة التحليلية للخطاب السياسى الامريكى، والدراسات المتعددة التى قدمتها مراكز البحوث الامريكية ذات الصلة بدوائر صنع القرار الامريكى، أن هناك إهتمام واضح بإعادة بناء الدولة فى العراق وفقا لنوذج معين، وهذا الاهتمام لة عدة اسباب ودوافع تتعلق برؤية الإدارة الأمريكية للمصالح الاسترتيجية الامريكية فى المنطقة، وكذلك لرؤيتها للنظام الدولى الجديد، وموقع الولايات المتحدة فى هذا النظام، ودورها كعنوان للهيمنة العالمية. ويتضح كذلك من خلال مراجعة تلك الدراسات، أن هناك تركيزا واضحا بخصوص ما يجب ان تقوم به الولايات المتحدة فى العراق ،وما يجب أن تتجنبة للوصول إلى هذا الهدف، مع الإستفادة بخبرات النجاح والفشل الامريكية المكتسبة من حالات مشابهة .(2)
وقد أستخدمت أمريكا كافة الوسائل الإعلامية للترويج لشن تلك الحرب ضد العراق ، إدراكا منها بأهمية دور الإعلام وعمليات الإتصال الجماهيرى فى حشد الرأى العام سواء الأمريكى أو العالمى وتجنيدة لمؤازرة تلك الحرب ،على غرار الحرب الأمريكية ضد العراق1991م والمعروفة “بعاصفة الصحراء” فى فترة رئاسة جورج بوش الأب للولايات المتحدة، وقد لخصت المؤرخة البلجيكية ان موريلى القوانين الأساسية لإطلاق حملة حربية فى عشر نقاط، وذلك من خلال قراءتها لكتاب الدبلوماسى البريطانى لورد بونسونبى، الذى ألف كتابا فى عام 1928 تحت عنوان “أكاذيب فى زمن الحرب “،هذه المبادىء هى ما تم ترجمتها فى أعمال إعلامية من برامج وأخبار وتصريحات سياسية خلال حرب الخليج الثانية على العراق .
و تتحدد النقاط العشر فيما يلى: 1- نحن لا نريد الحرب.2- المعسكر المعادى هو المسئول عن الحرب.3- رئيس المعسكر المعادى هو بمثابة الشيطان-4- ما ندافع عنه هو شىء نبيل وليس لنا مصالح معينة.-5- العدو يثير القلاقل والأعمال الوحشية وإذا اضطررنا إلى ارتكاب بعض التجاوزات فإنما سيكون ذلك إراديا وعن غير قصد .-6-العدو يستخدم أسلحة محظورة
-7- خسائرنا قليلة جدا مقارنة مع الخسائر الفادحة فى صفوف العدو 8-جميع المثقفين والفنانين يؤيدون الحرب. 9-كل الذين يشككون فى حملتنا خونة .10-قضيتنا تحمل طابعا مقدسا.(3)
وبدات الولايات المتحدة حملاتها الدعائية لشن الضربة العسكرية ضد العراق، بداية من معارضتها للمباحثات العراقية مع الامم المتحدة والمتعلقة بإمتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل ،و على الرغم من أن هانس بليكس – رئيس لجنة التفتيش الدولية على الاسلحة العراقية- كان أحد الاطراف المشاركة فى هذا الاجتماع ، الا ان الولايات المتحدة اخذت تروج لهذا الاجتماع إعلاميا من حيث كونة يؤكد موقف العراق من إمتلاكة لاسلحة الدمار الشامل.(4)
هذا وقد جاء تقرير هانس بليكس والذى قدمة لمجلس الامن الدولى والذى صرح بمحتواة لصحيفة نيويورك تايمز فى 30/1/2003م، حيث أكد أن المفتشين لم يسجلوا أية حالة من الحالات التى أدعاها السيد كولن باول من أمتلاك العراق لاى نوع من أنواع أسلحة الدمار، ولم يتم نقل مواد محظورة من داخل أو خارج العراق.وقد أعترض الدورى المندوب العراقى لدى الامم المتحدة على تصريحات وزير الخارجية الامريكى كولن باول، وأعرب عن أن تسويق فكرة الحرب ضد العراق دون أى مبرر أخلاقى أو قانونى أو سياسى هى المحرك الرئيسى وراء تلك التصريحات الامريكية.(1)
إلا أنه لم تتراخى الولايات المتحدة الامريكية فى تسويقها لتلك الفكرة، فعندما صرح” محمد البرادعى” رئيس الهيئة الدولية للطاقة الذرية أن تقريرة سوف يكون موضوعيا ،و أنة سوف يترك الامر بعدها للمجتمع الدولى فى كيفية المواد التى ستاتى فى التقرير، وقبل يوم واحد من رفع التقرير لمجلس الامن صرح كولن باول بأن بلادة على استعداد لخوض الحرب بمفردها ضد العراق، وان الوقت قد اخذ فى النفاذ فيما يتعلق بالتعاون والمفتشين الدوليين. واستمر تأكيد الولايات المتحدة على خوض مثل هذة الحرب حتى بعد ما جاء بالتقرير فى 14/2/2003م والذى يشير فية البرادعى الى عدم وجود أدلة تفيد أمتلاك العراق وتطويرة لاسلحة دمار شامل. (2)وفى خطاب ألقاة كولن باول فى مؤتمر دافوس بسويسرا، كرر فية اتهامة للعراق باللجوء للمراوغة والتسويف فى موقف المفتشين على الاسلحة، وقال أن بلادة لن تتراخى فى شن حرب ضد العراق للتخلص من اسلحة الدمار الشامل، مؤكدا على أن بلادة على استعداد لخوض الحرب بمفردها.كما أكد أن الادارة الامريكية ستبحث تقرير لجنة التفتيش قبل أى عمل ، مشيرا الى أن هناك 12 دولة مستعدة لدعم الولايات المتحدة فى استعمال القوة ضد العراق دون اللجوء الى تكليف من مجلس الامن الدولى.(3)

الغزو الأمريكى للعراق بين المبررات الدولية وواقع العراق2003

كاتب الموضوع الأصلي: نهاد

(المبحث الثانى)

الغزو الأمريكى للعراق بين الواقع الفعلى والدوافع الأمريكية

ينقسم المجتمع الأمريكى ذا التوجهات الديمقراطية والرؤى والسياسات المختلفة بين القوى السياسية ، خاصة بين الحزب الجمهورى و الحزب الديمقراطى فى أطار السياسات الداخلية والسياسات الخارجية ، والتى تستوجب أن نحدد موقعها من عمليات الغزو الأمريكى للعراق 2003م.

اولا:التوجهات السياسية لكل من الحزب الجمهورى والديمقرطى فى أمريكا:-
تختلف التوجهات السياسة لكل من الحزبيين الجمهورى والديمقراطى سواء على مستوى السياسة الداخلية أو مستوى السياسة الخارجية ، فعلى سبيل المثال نجد ان الحزب الجمهورى الذى يتسم بالفكر المحافظ فى سياستة الداخلية تتركز توجهاته على اساس قاعدة دينية، من خلال دعوة أكبر للدين فى المجتمع، والحث على تشجيع الصلوات فى المدارس ،وتحريم الاجهاض، أما عن التوجة الخارجى للحزب، فإن الجمهوريين ينقسمون داخل الحزب إلى ثلاث تيارات أساسية :-
التيار الاول:-التيار المحافظ التقليدى
يعتبر من التيارات ذات النفوذ الكبير داخل الولايات المتحدة الامريكية، ويهتم هذا التيار بأنة يجب ان تلعب الولايات المتحدة دور هام وقوى على المسرح السياسى الدولى، و فى ذات الوقت يجب ان يكون المنطلق هو الصالح القومى الامريكى، و يؤسس هذا الفكر توجهاتة من خلال محوريين:-
الآول التزامات الولايات المتحدة تجاة العالم.
الثانى ان امريكا هى القوى العظمى الوحيدة على الساحة الدولية.
ويشير المحافظين التقليديون الى ان قدرة الامم المتحدة والمؤسسات المتعددة الموجودة للحفاظ على الامن والاستقرار الدولى غير كافية وغير قادرة على تنفيذ سياستها، كما انهم ينظرون الى الفكر المطروح حول الليبرالية، والتى تسير الى ربط الديمقراطية فى العالم بدرجة الامن والسلام الدوليين والتى تسمى بنظرية السلام الديمقراطى بأنها الأنسب ،ولقد كان لهذا التيار التقليدى المحافظ شأن كبير أبان مرحلة الرئيس جورج بوش الأب.(1)
التيار الثانى:-التيار المحافظ الدينى
يمثلون اتباع الكنيسة الإنجلية بالولايات المتحدة الامريكية، وهذا التيار يمثل اعدادا ضخمة من سكان الولايات المتحدة، ويؤمنون أصحاب هذا التوجة بأن الكتاب المقدس وأن المسيح هو المخلص الذى سوف ينشر السلام وينتصر فى معركتة المنتظرة والتى تعرف بإسم “هيرمجدون”. ويمكن القول ان هذا التيار كانت تقتصر سياساتة وتوجهاتة على الأوضاع الداخلية، إلا انة فى الفترات الاخيرة ونقصد بهاا فترة تولى جورج دبليو بوش السلطة فى الولايات المتحدة، بدأ يذداد اهتمامة بالسياسة الخارجية ذات الابعاد الدينية كاالأضهاد الدينى فى العالم ،ومن المهم ان نشير ان هذا التيار فى تنامى نتيجة الأعداد الكبيرة من الاصوات الانجلية ، والتى حصل عليها بوش الابن للوصول الى البيت الابيض. (2)
التيار الثالث:-تيار المحافظيين الجدد
يمثل هذا التيار يهود نيويورك ،وهى حركة يقودها المثقفون الليبرليون ، وقد كانت توجهاتهم فى اطار السياسة الخارجية تركز على محاربة الشيوعية أبان فترة الحرب الباردة، وكانوا يرون أن مجرد انسحاب الولايات المتحدة من الساحة الدولية سوف يعطى للحركة الشيوعية مساحة أكبر، إلاانة وبعد إنتهاء الحرب الباردة قد تغيرت تلك التوجات وأتجهت ألى ما يسمى” بمشروع القرن الامريكى الجديد”،وقد تبلور هذا الفكر بتأسيس مركز الابحاث الذى ترأسة ويليام كريستول عام 1997م، بهدف نشر التوجهات السياسة الامريكية فى العالم، وأنة يجب ان تقود امريكا العالم،إلآ انة وعلى أى حال فقد رسموا السياسة الامريكية بعد احداث الحادى عشر من سبتمبر2001م إنطلاقا من استبدال الخطر الشيوعيى بالاسلام الارهابى بإعتبارة يمثل تحديا يواجة الولايات المتحدة الامريكية،يضاف الى ذلك إيمانهم بأن الشئون الداخلية خاصة للعالم العربى والاسلامى لا يمكن أن تكون بأى حال من الأحوال شأنا داخليا لهذة البلاد، ويتعين على الولايات المتحدة الامريكية التدخل فى تلك الشئون لتغيير الاوضاع القائمة وفقا لما تراة أمريكا يمثل فى المقام الاول المصلحة الامريكية، وفى المقام الثانى يرسى دعائم الديمقراطية فى تلك البلاد.حتى لو تطلب الامر استخدام القوة العسكرية لاحداث هذا التغيير،وقد صبغ المحافظون الجدد تلك الرؤى بهالة من القدسية حين يشيرون الى الرسالة السماوية والوحى الالهى كمصدر لايمانهم وحماسهم لها.(3)
وعلى الرغم من إختلاف تلك التوجهات، إلا أنة ما يحكم السياسة الأمريكية بوجهة عام هى المصلحة القومية على المستوى الخارجى، ففكرة الهيمنة والتى تعد من اولوليات الاسترتيجية الامريكية لفرض سيطرتها على العالم، لا يختلف اى من الحزبين الجمهورى والديمقرطى فى تنفيذ تلك الاسترتيجية ،ولكن الاختلاف يكون فى اسلوب التنفيذ حسب توجهات الحزب الموجود فى السلطة .
التوجهات السياسية للحزب الديمقراطى
يميل الحزب الديمقراطى إلى إتباع سياسة خارجية تعتمد على اسلوب الاحتواء والتحرك السياسى فى حل الازمات قبل اللجوء الى استخدام القوة العسكرية، فقضايا السياسة الداخلية عند الديمقراطيين لها أولوية فى الاهتمام ،وتعد فى مقدمة البرامج الانتخابية للمرشحين الديمقراطيين ،ولذلك نجد الديمقراطين يهتمون بقضايا مثل تحسين نظام التعليم والخدمات الصحية ،وكيفية القضاء على البطالة وتوفير فرص العمل، وكيفية خفض العجز فى الميزانية وترشيد الانفاق الحكومى وتعديل القوانين الضريبية .
ففى خطاب ألقاة الرئيس بيل كلينتون الديمقرطى رئيس الولايات المتحدة الامريكية فى هذا الوقت ،فى نهاية مايو 1993م أمام طلاب الأكاديمية العسكرية بولاية نيويورك، أكد فية على ان” الولايات المتحدة لابد ان تتفهم التحديات الجديدة لحقبة ما بعد الحرب الباردة ،وان تظل مستعدة عسكريا لمواجهتها، كما ان العلاقة الوثيقة بين مستقبل إقتصاد البلاد ومستقبل جيشها، مشيرا الى ان الهيبة من الخارج :تعد امتدادا للقوة داخل الوطن، وبالتالى فغن الولايات المتحدة سوف تظل الدولة العسكرية القوة فى العالم ،على الرغم من الخفض فى الإنفاق الدفاعى الذى قررتة الحكومة”.(1)
واذا كانت تلك هى توجهات الديمقراطيين تجاة الانفاق العسكرى، نجد على النقيض توجهات الجمهوريين، الذين تنطلق رؤيتهم من منطلق انة يجب ان تحافظ الولايات المتحدة على تفوق عسكرى كاسح على كل القوى الكبرى الاخرى حلفاء واصدقاء وخصوم، ولذلك ذاد الانفاق العسكرى فى ادارة بوش الابن والذى فاز بمنصب الرئاسة فى يناير 2001م (2)،من 232 مليار دولار عند أواخر عهد كلينتون إلى 352مليار دولار ثم إلى 400 مليار دولار تباعا فى عامة 2002م و 2003م .
ومن المهم ان نشير إلى تميز الولايات المتحدة الامريكية فى هذا المجال، ونقصد بة تكنولوجيا الاسلحة ،فلقد ارتفعت نسبة الاسلحة الذكية لديها من 30% من مجموع أسلحتها عند حرب الخليج الثانية فى 1991م إلى 70%فى الحرب على العراق فى مارس 2003م ،وهذا التقدم التكنولوجى يظهر بوضوح ايضا فى منظومة القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات العسكرية الامريكية ،وهى المنظومة التى لعبت دورا محوريا فى الحرب على العراق مارس 2003م وبشكل غير مسبوق.(3)
إسترتيجية الأمن القومى الأمريكى

عبرت استرتيجية الامن القومى الامريكى التى اعلنها الرئيس بوش الابن فى سبتمبر 2002م بوضوح عن تبنى مبدأ الضربات الوقائية (4).، وبررت الاستراتيجية تبنى هذا المبدأ بأنة يعود الى التحولات العميقة فى البيئة الامنية الامريكية بالمقارنة مع فترة الحرب الباردة وأهمها بروز تهديدات مما يسمى بالدول المارقة والارهابيين .وتخلص تلك الاسترتيجية الى اللجوء للعمل الوقائى والذى يعتبر وسيلة أساسية لمواجهة هذا النوع من التهديدات . (1)
وبناء على ما تقدم تتحدد الاستراتيجية الامريكية فى إتجاهين:-
الاول:ضرب حركات الإرهاب بإستخدام القوة العسكرية والإستخبارية والمعلوملتية وتجفيف منابع التمويل لتلك الحركات.
الثانى :تغيير الانظمة الديكتاتورية التى تدعم الارهاب بشكل مباشر أو التى يمثل مجرد وجودها دعما غير مباشر للارهاب من خلال عدائها للحرية والديمقراطية.(2)

وقد صرح جورج بوش الابن فى خطاب الاتحاد الذى القاة فى 29 يناير 2003م بأنة يجب مواجهة تلك الانظمة فيما اطلق علية بمحور الشر (العراق –ايران- كوريا الشمالية ) .(3)
وقد أورد “روجر هاردى” محلل البى بى سى لشئون الشرق الاوسط أن كولن باول وزير الخارجية الامريكى فى كلمة لة امام لجنة تابعة للكونجرس قال فيها”أنة بشأن تصريحات الرئيس بوش الابن بإعتبار إيران – العراق-كوريا الشمالية ،محور الشر ،أن الولايات المتحدة الامريكية ليس لديها خطط لشن حرب ضد إيران أو كوريا الشمالية ولكن فيما يتعلق بالعراق قال أنواشنطن تدرس عدة خيارات لتحقيق ما وصفة بتغيير النظام العراقى.واعرب باول على موافقته على اتخاذ موقف جديد أكثر تشددا إزاء العراق.(3)

الرؤى المختلفة للقوى السياسية الأمريكية تجاة العراق
على الرغم من اختلاف التوجهات السياسية بين الحزبيين الكبيرين فى أمريكا الحزب الديمقراطى والحزب الجمهورى خاصة فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الملفات السياسية على المستوى الخارجى بشكل عام كما اوردنا سابقا، إلا أن الخلافات قد تجلت بوضوح كما يلى :-
اولا الحزب الجمهورى
ظهر خلاف حاد داخل الحزب الجمهورى فيما يخص الملف العراقى بشكل خاص، و الذى أنقسم الى مجموعتان شكلت المجموعة الأولى تحت مظلة مركز أبحاث “أمريكان أنتر برايز”الذى يعتبر معقل الصقور والمحاقظين الجدد فى البيت الابيض، والبنتاجون (وزارة الدفاع)بقيادة ديك تشينى نائب الرئيس الامريكى، مثل دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الامريكى ونائبة بول وولفوتيز وريتشارد بيرل ئيس مجلس السياسة الدفاعية .
أما المجموعة الثانية فقد تشكلت داخل “معهد بيكر” الذى أسسة جيمس بيكر وزير الخارجية فى ادارة بوش الاب، ليعبر عن الجمهوريين الواقعيين ممن تولوا مسئوليات فى ادارة بوش الاب، مثل كولن باول الذى كان رئيسا لهيئة الاركان . خاض الصقور فى ادارة بوش الابن صراعا مع الواقعيين حتى لا تلجأ أمريكا الى مجلس الامن الدولى التابع للامم المتحدة قبل القيام بعملية غزو العراق ،فقد رفض الصقور اللجوء الى المنظمة الدولية اعتمادا على القرار رقم 687، الذى يستوجب استخدام القوة لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية أذا لم تتجاوب بغداد، ويؤكدون موقفهم بأن حرب الخليج الثانية فى 1991م إنتهت بهدنة بين أمريكا والعراق ولم تنتهى بإتفاق للسلام، ومن ثم فإنه يجب أستأناف الحرب لان العراق إنتهك شرط الهدنة الذى هو نزع أسلحة الدمار الشامل.ويقوم سيناريو الصقور والمحافظين الجدد من رجال تشينى ورامسفيلد على أساس أن تغيير النظام فى العراق سيكون الخطوة الاولى فى طريق تغيير شامل فى العالم العربى ،أما مجموعة الواقعيين والتى تشمل 25 عضوا والتى تعمل تحت مظلة معهد بيكرومجلس العلاقات الخارجية فى نيويورك وبقيادة إدوارد جيرجيان وفرانك ويزنر الدبلوماسيين المخضرمين فى ادارة بوش الاب، فقد انتهوا فى تقريرهم الا أن الهجوم العسكرى الامريكى على العراق سيكون جارحا للعالم الاسلامى، وقد يمثل خطرا جديا فى العالم العربى خصوصا أذ أن الحرب فى العراق ستثير المتاعب للولايات المتحدة بما فى ذلك شن هجمات أرهابية ضد الولايات المتحدة وحلفائها، .الا ان بوش الابن فى النهاية مال الى راى الصقور فى ضرورة توجية ضربة عسكرية ضد العراق.(2)
ثانيا الحزب الديمقراطى
فيما يخص الخلافات بين كل من الحزب الجمهورى والحزب الديمقراطى تجاة الأزمة العراقية ،فبعدما كانت الحرب ضد العراق والحملة الدولية ضد الارهاب ثمثلان محور القوة فى حملات الرئيس بوش الابن والجمهوريين، الإأن الديمقراطيون هذه المرة- انتخابات التجديد النصفى للكونجرس فى نوفمبر 2006م – قاموا بالتركيز على الوضع الأمني المتدهور في العراق وكشف الأخطاء التي تشوب السياسة التي تنتهجها حكومة بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد لإدارة الحرب، ليعززوا موقفهم أمام الناخبين بشأن العراق وتداعياته على الأمن القومي الأمريكي، خاصة وأن القضايا الأمنية كانت تمثل نقطة الضعف في برامج الديمقراطيين.

ويأتي ذلك في الوقت الذي أظهرت فيه جميع استطلاعات الرأي العام الأمريكي أن غالبية الناخبين تعتبر الحرب في العراق قضية محورية ستؤثر على طريقة تصويتهم في هذه الانتخابات، كما أن نسبة الأمريكيين المعارضين للحرب تتصاعد يوما بعد يوم. وفي خضم كل ذلك وقبل أقل من خمسة أسابيع على موعد الانتخابات النصفية سارع كل من الديمقراطيين والجمهوريين إلى استخدام المعلومات التي تضمنها التقرير السري المعروف بإسم “التقدير الاستخباراتي القومي” National Threat Estimate كذخيرة لمهاجمة وانتقاد بعضهما البعض.
بالنسبة للجمهوريين تمثل الأجزاء من التقرير التي أمر الرئيس بوش برفع السرية عنها ،دليلا واضحا على أن العراق أصبح ساحة مركزية في الحرب على الإرهاب، وأن الانسحاب منه قبل إنهاء المهمة سيعتبر نصرا للجهاديين.
أما بالنسبة للديمقراطيين الذين طالبوا بالكشف عن التقرير بكامله وليس مجرد أجزاء منه ،فيعتبرون أن الخلاصات التي تضمنها التقرير تؤكد موفقهم بأن غزو العراق أسفر عن إشعال حالة الغضب والكراهية للولايات المتحدة في الدول العربية والعالم الإسلامي، وأن الرئيس بوش والجمهوريين لم يطلعوا الشعب الأمريكي على حقيقة الوضع بل قاموا بتضليله، وأن الحرب في العراق التي لم تكن حربا ضرورية أسفرت عن صرف الانتباه عن الخطر الحقيقي الذي تشكله شبكة القاعدة وحركة طالبان، وأنها استنزفت الموارد المالية والقوات العسكرية اللازمة لملاحقة الإرهابييين وحماية الولايات المتحدة. (1) ومن المهم أن نشير الى انعكاس الانفاق العسكرى على الاقتصاد الامريكى، فقد صاحب هذا التفوق العسكرى أنخفاض فى معدلات النمو الاقتصادى السنوى فى الولايات المتحدة ،هذا بالاضافة الى تدهور فى الاداء الاقتصادى فى ظل ادارة بوش، أذ بلغ عجز الموازنة حوالى 400 مليار دولار بعد أن كانت قد حققت فائضا قدرة 150 مليار دولار عند أخر عهد كلينتون.(2)
وفى سياق الحرب الكلامية بين كل من الجمهوريين والديمقراطيين على خلفية الخطاب الذى ألقاة بوش فى 11 سبتمبر لتخليد الذكرى الخامسة للهجمات على برجى التجارة العالمى ومبنى وزارة الدفاع البنتاجون، وصلت تلك المشادات الى حد الاتهام والاتهام المضاد، فقد اتهم الديمقراطييون بوش الابن بتسيس الحدث الاليم لتحقيق مأربة الخاصةبإعادة التأييد الشعبى للحرب ضد العراق ،خاصة مع تراجع نسبة التاييد الامريكى لها، ومحاولتة الربط بين هذة الذكرى والحرب فى العراق وبين المسئوليين عن تلك الهجمات ،وذلك بهدف صرف النظر عن أخفاقات الحكومة فى الحرب وفى تقب المسئولين الحققيقين عن تلك الهجمات.(3)

الراى العام الامريكى فى الحرب ضد العراق
تم إستطلاع رأى الشعب الأمريكى فى إطار الغزو الأمريكى للعراق وجاء على النحو التالى:-
استطلعت CNN/USA Today/Gallup أراء عينة من الشعب الأمريكي بخصوص الحرب في العراق ، وشارك في الاستطلاع 1001 أمريكي في الفترة ما بين 10 مارس إلى 12 مارس 2006، هامش الخطأ + / – 3%.

التاريخ 18-20 مارس 2005م 10-12 مارس 2006م
مسلسل السؤال النتيجة النسبة النتيجة النسبة
1 هل تعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية أخطأت بإرسال القوات الأمريكية الى العراق؟ نعم 46% نعم 57%
لا 51% لا 42%
لا يعرف 3% لا يعرف 1%
2 هل تعتقد أن كل شىء على ما يرام بالنسبة للولايات المتحدة فى العراق؟ نعم 6% نعم 6%
نعم الى حد ما 32% نعم الى حد ما 32%
لا الى حد ما 32% لا الى حد ما 32%
لا 28% لا 28%
لا يعرف 1% لايعرف 1%
3 هل تعتقد أن الرئيس الأمريكى جورج بوش عندة خطة واضحة بالنسبة للأمر فى العراق؟ نعم 32% نعم 37%
لا 67% لا 61%
لا يعرف 2% لا يعرف 2%

استطلعت CBS News أراء عينة من الشعب الأمريكي بخصوص الحرب في العراق.
وشارك في الاستطلاع 1136 أمريكي في الفترة ما بين 9 مارس إلى 12 مارس 2006، هامش الخطأ + / – 3%.(1)

التاريخ 21-22مارس 2005م 9-12 مارس 2006م
مسلسل السؤال النتيجة النسبة النتيجة النسبة
1 هل توافق على وسائل جورج بوش فى العراق نعم 39% نعم 31%
لا 53% لا 63%
لا يعرف 8% لا يعرف 6%
2 هل تعتقد أنه كان ينبغى أن تقوم الولايات المتحدة بشن عمليات عسكرية ضد العراق نعم 46% نعم 41%
لا 50% لا 54%
لا يعرف 4% لا يعرف 5%

موقف صقور الحزب الجمهورى بعد إستطلاع رأى الشعب الأمريكى
فى خضم تلك الانتقادات الموجهة الى بوش الابن وحزبة الجمهورى، نجد ان الصقور بما فيهم بوش قد اعترفوا بحقيقة أخطائهم التى وقعوا فيها فى حربهم ضد العراق.فيقر دولند رامسفيلد لوكالة انباء الشرق الاوسط بتلك الاخطاء، ولكنة يقول انها أخطاء حدثت بدون قصد ،ونقلا عن راديو سوا الامريكى يؤكد رامسفيلد قولة ” لا شك فى أن البعض أرتكب اخطاء بحسن نية فى بعض تفاصيل المعلومات الاستخبارية التى تم تقديمها الى منظمة الامم المتحدة غير أن هذة الاخطاء لم تكن متعمدة”.
وصرح بوش لنفس الاذاعة أنة لم يتعمد تضليل الشعب الامريكى حول الاسباب التى أدت الى أتخاذ قرار الحرب ضد العراق، وفى نفس السياق حول خطأ المعلومات صرح بوش الابن فى حديث لة داخل الكونجرس ” أنة مستعد لتقبل الانتقادات لسياستة ولكنة من غير المسئولية على الاطلاق إعادة كتابة تاريخ كيف بدأت الحرب”، وأضاف ان الديمقراطيين قد أطلعوا على نفس المعلومات وصوتوا داعمين القيام بالعمل العسكرى .(2)
ومما لا شك فية ان فوز الديمقراطيين الساحق فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الامريكى فى نوفمبر2006م ورغم محاولات الانكار من البيت الابيض لطبيعة تلك الانتخابات، إلا أنه و من الواضح أن تلك الإنتخابات قد تحولت الى استفتاء عام حول الحرب على العراق،وجاءت النتيجة بفوز الديمقراطيين بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، مما يدل على ان تلك النتيجة ما هى الا رسالة وجهت للرئيس الامريكى، تعلن أن الشعب الامريكى يريد تغيير تلك السياسة تغييراجذريا.وبذلك يرجع الهبوط فى شعبية جورج دبلية بوش الى الاخفاق فى ادارتة لحرب العراق على مستوى السياسة الخارجية .(1)
الدوافع الأمريكية وراء غزو العراق
أولا:البترول والأطماع الامريكية
ليس هناك ثمة من ينكر أهمية البترول كمرتكز أساسى من مرتكزات الأسترتيجية الدولية المعاصرة، ويرجع ذلك فى المقام الاول الى أن البترول كسلعة استرتيجية أولية لا يمكن ان تضاهية فى الاهمية سلعة أولية أخرى، ومن هنا وبلا مبالغة ينظر الى البترول على أنة عصب القوة الاقتصادية للمجتمعات الصناعية كلها بلا أستثناء، بل انة عصب حياتها اليومية ذاتها، و إنقطاعة عنها انما يعنى الحكم عليها بالموت الاقتصادى، ومن ثم كان حرص هذة الدول المستمر على تأمين مواردها البترولية والابقاء عليها بعيدة عن التهديد.(2)
وتعد قضية البترول من القضايا محل الجدل وإختلافات الرأى، حيث أن البعض يرى ان البترول من الدوافع السياسية فى ضرب العراق، ليس فقط لان العراق ثانى دولة فى العالم تمتلك إحتياطى بترول معلن بعد المملكة العربية السعودية ،(3) ولكن أيضا لان وجودا عسكريا أمريكيا فى العراق للسيطرة على أنتاج العراق من البترول سيمنح الولايات المتحدة الامريكية نفوذا كبيرا على أنتاج المملكة العربية السعودية ودول الخليج من البترول ،وكذلك عند تحديد أسعار البترول فى الاسواق العالمية .(4)

ولعل من المهم أن نشير الى أرتباط موضوع النفط بالعرض والطلب العالميين، حيث يبلغ الطلب العالمى على النفط حاليا نحو 76 مليون برميل فى اليوم حسب بيانات وكالة الطاقة الدولية، ويتوقع أن يصل إلى ما يقرب من 120 مليون برميل فى اليوم بحلول عام 2020م،وبين ذيادة الطلب العالمى الذى تقدر بمليون الى المليون ونصف المليون برميل يوميا وبين أنخفاض الاحتياطى فى الحقول النفطية سواء فى بحر الشمال أو دول الشرق الأوسط التى تنتج ما يقرب من 30-40 عاما ،فإن الطلب العالمى على البترول والذى من المتوقع أن يذيد بمقدار الثلثين عام 2030 م سيلبى معظمة من نفط روسيا والشرق الأوسط وأفريقيا الغربية، ويقابل هذا الكم الكبير من الاستهلاك حقيقة يؤكدها الواقع النفطى الدولى، وهى أن الاحتياطى المؤكد من هذة السلعة الاستراتيجية يذيد على نحو 35,1 مليار برميل ،ويؤكد لك على حقيقة أخرى هامة وهى أن أكثر من ثلثى هذا الاحتياطى يتركز فى منطقة لخليج العربى خاصة عند المنتجين الكبار كالسعودية والعراق والامارات والكويت وايران .(1)وقد تم الاتفاق بين وزراء أوبك خلال الاجتماع الذى عقدتة المنظمة فى فينا فى الثانى عشر من يناير 2003م ،(2)على ان يتم رفع سقف الانتاج الرسمى للمنظمة بمقدار 3,1 مليار برميل يوميا ليصل بذلك الى 23 مليار برميل يوميا بدلا من 7,21 مليار برميل يوميا، والذى كان قد تم الاتفاق علية فى مطلع 2002م، وبدأ سريان هذا الاتفاق منذ اليوم الاول من يناير 2003م ،وتأتى محاولة أوبك هذة للمحافظة على مستوى مستقر للأسعار، ويتزامن هذا الانفاق مع الاضطرابات التى شهدتها فنزويلا خامس اكبر مصدر للنفط على مستوى العالم، مما ترتب علية وقف ضخ النفط الفنزويلى والذى يقدر بنحو 3 مليار برميل يوميا (71% منة يتجة للسوق الامريكية) ، كما وصلت الخسائر الى اكثر من 50 مليون دولار يوميا .ولكن ما هو موقف أوبك من الأزمة العراقية الامريكية ؟. تعارض غالبية الدول فى اوبك أى عملية عسكرية ضد العراق، وتفضل الحل الدبلوماسى للازمة خشية أن تؤدى الحرب الى الإضرار بمنشأت النفط فى الدول المجاورة، فضلا عن إغلاق المضايق أو نسف أنابيب الشحن مما قد يعرقل أمدادات النفط، وهو ما قد يترتب علية ارتفاع كبير فى الاسعار قد يصل الى 60 دولار للبرميل.(1)
وبناء على ما سبق فإن الدوافع الامريكية تجاه النفط العراقى ليست فقط لأن العراق يعد ثانى إحتياطى نفطى فى العالم بعد السعودية وما هو ما يمثل 11% من الاحتياطات العالمية ،حيث ترغب الولايات المتحدة فى السيطرة على هذا الكم الهائل، ولكن الدافع الاخر يتمثل فى ذيادة الاستهلاك الامريكى للننط ما يقرب من 25% من الانتاج العالمى ،فضلا عن أنها تستورد ثلثى هذا الاستهلاك، وهو ما قد يجعلها عرضة لاى إضرابات تحدث فى أسواق النفط الدولية،مما دفع بعض المحللين إلى تأييد أمريكا فى الحصول على النفط العراقى ،حيث أنه خلال الثلاثين عام الماضية كانت الولايات المتحدة قادرة على تلبية إحتياجاتها النفطية من المخزون المحلى، إلا أنة ومع إنخفاض الإنتاج نتيجة ذيادة الاستهلاك ذاد الاعتماد على الخارج ،وأصبح المواطن الامريكى أمام حقيقيتن:-
الاولى:أن منطقة الخايج العربى هى اكثر المناطق الواعدة فى الانتاج النفطى، بالإضافة إلى إنخفاض تكلفة الإنتاج فيها وبالتالى التصدير، بالإضافة الى جودة النفط الخليجى العالية ،هذا بالإضافة إلى ذيادة الإحتياطيات الموجودة عما تم استخراجة وذلك رغم الإنتاج المستمر منذ أكثر من أربعين عاما.
الثانية:أن الأكتشافات الجديدة فى المناطق الأخرى فى العالم إما تكون تكلفة استخراج النفط فيها مرتفعة،أو إما أن يكون النفط نفسة منخفض الجودة .كما هو الحال فى حقول البترول فى ألاسكا وبحر الشمال التى تتطلب إستثمارات ومعدات تكنولوجية هائلة.
وبناء على الحقيقتين السابقتين يظل النفط العراقى هدفا أسترتيجيا للولايات المتحدة ودافعا وراء الإستيلاء علية حتى وان تم بالقوة العسكرية، فالعراق يمتلك وحدة أربع أضعاف الإحتياطيات الامريكية بما فيها ألاسكا.وفى إستطلاع للرأى أجراة مركز (بيو للأبحاث)فى الثانى عشر من ديسمبر 2002م نشرتة صحيفة نتويورك تايمز ،عن أن الامريكين سيشنون الحرب على العراق بهدف السيطرة على النفط العراقى ، وقد شمل الإستطلاع حوالى 38 ألف شخص من 44 بلدا حول العالم، وقد عبر عن هذا الرأى 76% من الروس ،75% الفرنسيين،54%من الألمان،14% من البريطانيين ،22% من الامريكين .(2)هذا وقد كشفت صحيفة (نيوزداى الامريكية) فى 10/1/2003م أن مسئوليين امريكين قدموا إقتراحات للإدارة الامريكية تدعو الى إستخدام عائدات النفط العراقى فى تغطية الحرب الامريكية الوشيكة ضد العراق، كما نقلت الصحيفة ذاتها عن “مايك أنتون” المتحدث الرسمى بإسم مجلس الأمن القومى الامريكى قوله”أن البيت الابيض وافق على أن تلعب عائدات البترول العراقى دورا هاما خلال فترة الوجود العسكرى الامريكى فى العراق ولكن فقط من أجل مصلحة العراقيين” على حد قولة ، الا أن هناك مصدر مطلع على ما يدور داخل الإدارة الامريكية قد صرح للصحيفة على أنة توجد أصوات قوية من داخل البيت الابيض تؤيد إستيلاء واشنطن على عائدات النفط العراقى، وأكد على ان هناك أصوات إستقرت داخل البيت الابيض على أن يكون البترول هو غنيمة حرب بالنسبة لهم.من جهة اخرى أوضح حليم بركات أستاذ الدراسات العربية المتقاعد حديثا بجامعة (جورج تاون الامريكية )، أن استخدام عائدات النفط لتمويل الوجود العسكرى الامريكى فى العراق سوف يعزز الإعتقاد السائد فى المنطقة العربية بأن هدف واشنطن من ضرب العراق ليس القضاء على أسلحة الدمار الشامل بل لتدعيم سيطرة واشنطن على منابع النفط العراقية، كما اشار الى أن هذا الإجراء سيبرهن أن الهدف الحقيقى للحرب ليس إعادة الديمقراطية فى العراق أو تحرير الشعب العراقى ولكنة إستغلال للعراق ،وهى الكيفية التى ستدرك بها دول المنطقة الغزو الامريكى للعراق . ونقلت الصحيفة عن المحافظ السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي “لورانس ميللر” قوله إنه شارك في مؤتمر عقد في نوفمبر 2002 حول الآثار الاقتصادية للحرب على العراق، مشيراً إلى أن المشاركين في المؤتمر تعمدوا تجنب إثارة النقاش حول ما إذا كان العراق يجب أن يتحمل تكاليف الضربة العسكرية المحتملة للعراق أم لا.
وأضاف ميللر: “إنها قضية سياسية حساسة جداً.. نحن في وضع ندخل فيه مرحلة حساسة لكيفية إدراك أفعالنا من جانب العالم العربي”. (1)
كما صرح “لورانس ليند ساى”مستشار الرئيس الامريكى للشئون الاقتصادية قبل الحرب على العراق، بأن البترول هو الهدف الرئيسى لمساعى الولايات المتحدة لشن هجوم عسكرى واسع النطاق ضد العراق، وأن الاثار السياسية لهذه الحرب ستكون بسيطة للغاية مقارنة بالمزايا الاقتصادية والمكاسب الإسترتيجية فى حالة نجاح الحرب .(2)ومن هنا تتأكد حقيقة أن البترول البترول يعد من اهم الاهداف الاسترتيجية التى تسعى الولايات المتحدة إليها فى غزوها للعراق.

ثالثا:الرؤى الدينية الأمريكية
عندما سقطت الشيوعية واصبحت الولايات المتحد الامريكية هى اللاعب الوحيد على مستوى العالم ، بدات فى صياغة سياساتها الجديدة خاصة تلك السياسة التى تبناها الحزب الجمهورى فيما يعرف بأسم (المحافظيين الجدد)، وإستطاعوا من خلال تحالف الصهيونية مع الاصولية المسيحية أن يصبغوا السياسة الامريكية بصبغة دينية يمكن من خلالها تبرير الوسائل المستخدمة تحت شعار”رفع الاضطهاد الدينى عن مسيحى العالم”.(3)وفى هذا الاطار جاءت الادارة الحالية –إدارة بوش الابن – لتعبر عن اليمين السياسى بسياستة الاقتصادية والاجتماعية المتشددة ،كذلك اليمين الدينى برؤياه للعالم القائمة على ثنائية الخير والشر والإلتزام بتحقيق الارادة الإلهية فى تنقية أمريكا والعالم من الشر.تلك الرؤى تم تنفيذها من خلال ثلاث محاور أساسية هى (المحور: الثقافى- الحضارى- الدينى) و (_المحور:الجغرافى –السياسى-السيطرة على الثروات والموارد) و(استخدام القوة بأنواعها المختلفة النووية والكيماوية والبيولوجية).(4)على أى حال أنطلقت السياسة الامريكية فى جانب منها من حتمية الصراع بين الاسلام والمسيحية واليهودية من ناحية أخرى، وأصبحت مرجعية أساسية ظهرت بشكل واضح فى أقوال بوش الابن عندما وصف الحرب الامريكية ضد ما أسماة بالارهاب الاسلامى بأنها(حرب صليبية) ، مما يدل على أن الرئيس الـ41 للولايات المتحدة الامريكية يتميز بدرجة عالية من التعصب والتشدد تجاة الثقافات المختلفة خاصة العربية الاسلامية وأنة يستند الى رؤية توراثية أنجلية، فقد ظهر فى كثير من المحافل وهو يروى أمام زوارة أنة قد قرأ الكتاب المقدس بأكملة وليس مرة واحدة بل مرتين .(2)
ولكن هناك سؤال يطرح نفسة وهو: من خلال ما سبق قد يظهر لنا أحد الدوافع والتى قد تكون من الدوافع الرئيسية فى الغزو الامريكى للعراق ،ولكن ما هى الدوافع البريطانية وراء هذا التحالف ،والتى تعد محرك لشن حرب أنجلو أمريكية على العراق؟
لما كانت البروتستانتية هى التى صنعت وروجت للصهيونية فى بريطانيا، ولما كانت بريطانيا هى التى فكرت فى إنشاء الدولة اليهودية وإقامتها فعلا بجهد كبير، فإن هذا كافيا لشرح أسباب التحالف الامريكى البريطانى لضرب العراق والمسلمين عمدا، للتبشير بقدوم المسيح الذى يجب أن يأتى والمسلمين فى أضعف أوضاعهم حتى ينقادوا لة دون عناء، حتى يتحقق النصر فى الحرب المنتظرة الفاصلة والتى يسميها الانجيل (هيرمجدون).
ومن المهم ان نشير الى أن اليمين الصهيو- أمريكى يملك بالإضافة الى الأجهزة الاعلامية الهائلة العديد من مراكز الابحاث التى تقدم الالاف من البحوث والدراسات حول الواقع والمستقبل انطلاقا من دراسات دينية مسيحية ويهودية واسلامية، بالإضافة الى الدراسات العلمية المستندة الى الكتب القديمة،وتنتهى هذة الابحاث الى ان مركز الخطر على اسرائيل والمسيحية هى منطقة الشرق العربى الاسلامى وبالذات منطقة العراق وايران لانها العدو الطبيعى لها ،كما أن اسرائيل قامت على أنقاد شعب عربى اسلامى يؤيد ما ورد بالقرأن أن نهاية اسرائيل سوف تكون على يد أشخاص قادمون من العراق.
هذة التهيئة غذتها أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001م، والتى قلبت السياسة الامريكية من حالة العقلانية وسرية الاسترتيجيات المتبعة الى حالة الكشف عنها فى وضوح ومصارحة من قبل الرئيس الامريكى ،عندما عبر عن الحرب القادمة بأنها حرب صليبية ضد الاسلام والبلاد الاسلامية .ومما ذاد الامر سوءا الاستخدام الاعلامى لنبوءات الانجيل وكتابات الكاهن الفرنسى “نوستراداموس”،التى تثير الخوف والرعب فى ملايين الامريكين لدرجة أن التخلص من صدام أصبح ضروريا لديهم .(3)
ومما يؤكد هذة الاعتبارات وتلك المقولات حول الابعاد الدينية فى التحرك الامريكى ضد العراق عدد من المؤشرات الاساسية من بينها:
1- أن مجلة” نيوزويك” الامريكية أعدت ملفا خاصا فى عددها الصادر فى 10/3/2003م وقبل نشوب الحرب ضد العراق بعشرة ايام حول الاعتقادات الدينية التى تدفع بوش الابن الى سلوكة السياسى والعسكرى تجاة العراق، وكيف أنة يتبنى ما تنادى به الاصولية البروتستنتينية من أفكار ومقولات ليقود السياسة الخارجية الامريكية لمغامرات يطغى فيها الحماس الدينى على البصيرة السياسية.وقد اشتمل الملف على ثلاث مقالات: الاول بعنوان”بوش والرب” بقلم “هاوارد فاينمان “،والثانى بعنوان :”خطيئة التكبر”بقلم البروفسيور “مارتن مارتى” ،والثالث بعنوان “البيت الابيض:انجيل على نهر البوتوماك”بقلم “كينيث وودوارد”.
2- نشرت صحيفة “الواشنطن بوست”مقالا بعنوان “بالنسبة لبوش ..أنة الاحساس بالتاريخ والمصير”يوم 9/3/2003م، وأخر بعنوان “عن الرب والانسان فى المكتب البيضاوى “بقلم القسيس “فريتس ريتسش” فى عدد 3/2/2003م.
3- ما ذكرة بوش فى حملة الانتخابات الرئاسية ،أنة يبدأ حياتة كل يوم بقراءة فى الانجيل أو على الاصح فى “الكتاب المقدس” الذى يشمل الانجيل والتوراة العبرانية، وان من كتبة المفضلة التى يقرأها يوميا فى البيت الابيض كتاب القسيس “أوزوالد شامبرز” ،الذى مات فى مصر عام 1917م وهو يعظ الجنود البريطانيين هناك بالزحف على القدس وانتزاعها من المسلمين.
4- أنة يميل الى التفسير الدينى للاحداث السياسية، فقد قال:” إن الارهابيين يمقتوننا لاننا نعبد الرب بالطريقة التى نراها مناسبة”، كما يكثر الحديث عن “الرب” وعن الصراع بين الخير والشر وما مصطلح”محور الشر” الا مثالا على ذلك.
كما يفضل استخدام مصطلح “الحرية” على مصطلح “الديمقراطية” ،وأن الحرية فى عرف بوش ذات مدلول دينى فهى ليست حرية الخيار السياسى بالضرورة بل “حرية اكتشاف الرب”بكل المدلول المسيحى التبشيرى لذلك .وأنصار بوش من الانجليين يأملون أن تكون الحرب القادمة على العراق فاتحة لنشر المسيحية فى بغداد، كما يشير القس بيلى جراهام الى “الجوع الروحى فى العراق فى الوقت الحاضر ” ولذلك مدلولة الخاص فى نفس الاتجاه.(1)
5- أن ما كشفت عنه صحيفة الواشنطن بوست فى اكتوبر 2002م، أن كبير كتاب خطابات الرئيس بوش الابن ” مايكل جيرسون”هو من المسيحين الصهاينة ،وذكرت أنة لم يكن مصادفة أن الرئيس أختار أن يصعد حملتة لكسب تأييد الكونجرس و الرأى العام الامريكى لحربة ضد العراق فى نفس الاسبوع الذى عقد فية التحالف المسيحى مؤتمرة السنى فى واشنطن.(2)
6- ما بثتة وكالات الانباء يوم الاحد 30/3/2003م من أخبار مفادها:أنة طلب من الجنود الامريكين الذين سيشاركون فى الحرب ضد العراق الدعاء من أجل رئيسيهم جورج بوش .ووزعت على ألاف من رجال مشاة البحرية المارينيز كتيبات تحمل عنوان “واجب مسيحى”، وتحتوى تلك الكتيبات على أدعية ،كما تحتوى على جزء يتم نزعة من الكتيب لإرسالة بالبريد الى البيت الابيض ليثبت أن الجندى الذى أرسلة كان يصلى من أجل بوش.
7- ما كشفت عنه بعض المصادر من وجود وثيقة بعنوان الاستراحة الطاهرة:استرتيجية جديدة لتأمين الممالكة ،أعدتها عام 1996م مجموعة مفكريين فى البنتاجون لرئيس الوزراء إسرائيل “بنيامين نتانياهو”،وتقترح تبنى اسرائيل استراتيجية عدوانية، وتتضمن خطة لإزاحة الرئيس صدام حسين عن السلطة ،ومن بين أعضاء هذة المجموعة (ريتشارد بيرل ودوجلاس فيذ وديفيد وورسير)، والذين أحتلوا مناصب بارزة فى إدارة بوش الابن.ولتدعيم هذة الاستراتيجية فإن المستشار الشخصى للرئيس بوش الابن “كارل روف”نجح فى إقناعة بالفكرة مقابل ضمان أصوات اليهود فى فلوريدا وعشرات الملايين من المسيحين الإنجليين الذين يحبون أسرائيل، لأنها فى اعتقادهم تجمع اليهودفى الاراضى المقدسة كشرط سابق لعودة المسيح الذى سيخيرهم بين تغيير ديانتهم أو الفناء.(1)
الا أنة وعلى الرغم من تعدد المؤشرات السابقة، ألا أنة قد ظهر تيارن متناقضان يتبنان وجهات نظر متعارضة حول تلك الابعاد.
التيار الاول:معارض
ويرى أنصار هذا الاتجاة ان الحرب ضد العراق ليست حربا دينية، فقد وقف الغرب ضد الغرب ووقف الشرق ضد الشرق ووقف المسيحى ضد المسيحى، كما ان لم ينقسم العالم أنقساما دينيا فى مواجهة تلك الحرب بمعنى أن هناك طرف مسلم يرفض الحرب وطرف مسيحى مع الحرب، فقد عارض الحرب دولا غربية تدين بالمسحية كألمنيا وروسيا والصين التى تعتنق البوذية، كما أن الطائرات المعدة للغزو سوف تنطلق من قواعد دول عربية مسلمة، وينتهى هذاالى القول ” أنة ليس صراعا بين الاديان ولكنة صراعا بسبب غياب الاديان وتجاهل التعاليم الدينية، وخير مثال على ذلك بن لادن ذلك الاسطورة الجديدة أصبح يمثل الاسلام ويسىء الية، وصقور واشنطن الذين نسوا تعاليم المسيحية وادانت قراراتهم معظم كنائس العالم، فيما يبرر أنها ليست حربا دينية ولكن لها مبرارتها ودوافعها الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية.
وينوهون عما يقال بأن الحرب ضد العراق حربا صليبية تستهدف الارض والعرض والعقيدة والوطن، لم يمثل جهلا فقط بالاستراتيجية الامريكية انما يدل على عجز كامل فى مواجهة تلك الاستراتيجية بمجرد ترديد شعارات ليس لها أى دلالات .فإنة من السذاجة أعتبار تلك الاستراتيجية الامريكية تسعى لاعلان حرب دينية بهدف تنصير العراقيين، ثم هدم مساجدهم وإقامة كنائس بدلا منها، ثم إقامة محاكم تفتيش على غرار تلك التى شهدتها أسبانيا. ينهى أنصار هذا التيار رأيهم بضرورة اتباع المنهج العقلانى عند استخدام الخطاب الموجة ضد القوى العظمى فى العالم ،على اعتبار اننا الطرف الاضعف فى المعادلة الدولية لتوسيع دائرة الحلفاء والمتضامنين مع قضايانا.(2)

ثانيا :التيار المؤيد
1-موقف المؤسسات الدينية الإسلامية:
حيث أصدر مجمع البحوث الاسلامية بيانا فى 10/3/ 2003،من بين ماجاء فيه:”تدارس المجمع ما يجرى فى عالمنا العربى والاسلامى من أحداث..واستصحب ما يحيط بعالمنا العربى والاسلامى من نذر الدمار والشر التى تمثلها الحشود العسكرية المدججة بأقوى وأخطر ألات الدمار ..وأيقن أن أمتنا العربية والاسلامية بل وعقيدتنا الدينية هى هدف أساسى لكل هذة الحشود العسكرية التى تستهدف ملايين البشر من ابناء امتنا ،وتستهدف كذلك عقيدتنا وكافة مقدساتنا وكل ما يملكة العالم العرب والمسلمين من مصدرالثروة والقوة، متمثلا هذا كلة فى مرحلتة الاولى ضرب العراق، واحتلال أرضة ،وامتلاك ثروتة الوفيرة من النفط”.(1)
2-موقف التيارات المسيحية:
تعددت الكتابات التى ترى أن الحرب – من الناحية اللاهوتية-“تفتقر الى أسانيد لاهوتية تدعم مبرراتها.وتضيف “إن إعادة تفسير النصوص بعيدا عن سياقها هى توجهات ذات صبغة دينية تستخدمها الجماعات والشعوب بهدف اختلاق شرعية لحرب تفتقر الى بعد اخلاقى ورؤية ايمانية ،والحرب على العراق اذا فسرناها على انها مبادرة أمريكية لتأكيد الصبغة العالمية ودعم الاقتصاد الغربى لادى ذلك الى النقاش والجدل، لكننا اذا تجاوزنا المصلحة الخاصة الى أدعاءات أخلاقية كتحرير العراق ورؤى دينية تتمثل فى أزالة الشر، لوجدنا هذة الحرب تفتقر الى مبررات أخلاقية ولاهوتية.(2)
3-رأى “نورمان بيرنبرم”(الاستاذ بجامعة جورج تاون الامريكية):
“لا يزال صالحا حتى اليوم الوصف الذى قدمة توكفيل للولايات المتحدة، تلك الامة الممزقة بين المحلية والحركية، بين المادية والتدين ،وبين الخصخصة والقومية المتغطرسة”ويضيف “ان حكومة بوش منبثقة من نخبة تتميز بصلافة منايبة لعصر ما بعد الاخلاق ومعتادة منذ زمن طويل على شراء الرأى العام والمسؤليين السياسيين فى الولايات المتحدة كما فى الخارج.كما يحظى النظام الحالى بدعم البروتستانت الاصوليين ،هؤلاء المتعصبيين المقتنعين بأن الولايات المتحدة تلعب دورا مركزيا فى الصراع التوراتى بين الخير والشر، وهو أقتناع يقوم على الاعتقاد أن هذا البلدقيادة العالم” .(3)
4-اعتراف القس فريتس: فقد اعترف بحقيقة تأثير الدين فى السياسة الامريكية فيقول:”لم يحدث فى التاريخ أن كانت أمريكا مسيحية سياسية وبشكل علنى مثل ما هو اليوم”لكنة يحذربأن”اقتناعنا بأن الرب الى جانبنا يجعل الحاجة الى مراجعة الذات والى التواضع أقل “.(4)
على اى حال وفى النهاية يعد البعد الينى هو أحد الابعاد الاساسية فى الحرب الامريكية ضد العراق فى ظل تعدد المؤشرات الدالة على ذلك، والتى لا يمكن التقليل من شأنها كحقيقة فى تفسير سياسات الدول لاكبرى خاصة الولايات المتحدة الامريكية تجاة العالم العربى والاسلامى.

رابعا:الشرعية الدولية للغزو الأمريكى للعراق
أبرزت تفاعلات الحرب ضد العراق مدى ضعف دور مجلس الأمن الدولى فى حفظ السلم والأمن الدوليين ، كما خولة له ميثاق الأمم المتحدة ، و أوضحت بجلاء انعكاسات النظام الدولى الجديد على فاعلية المجلس، والتى تشكل تحديا كبيرا يتطلب إصلاح المجلس لكى يلعب الدور المطلوب الذى تصورة الأباء المؤسسون خاصة فى عالم اليوم الذى يموج بالعديد من المتغيرات الدولية .(1) وإن كانت الحرب ضد العراق قد أبرزت هذا الضعف إلا أننا نجد أنفسنا أمام سؤال غاية فى الاهمية :هل تعتبر العراق حالة يمكن القول أنها تمثل تهديدا للسلم والامن الدوليين وتستدعى تدخل مجلس الامن كما ينص الميثاق؟وماهى مدى مشروعية هذة الحرب فى أطار ما ورد من تقارير دولية ؟
تعددت الأراء فى الأجابة على هذا التساؤل وظهر تياران متعارضان:-
الاول:تمثلة الولايات المتحدة والتى قادت التحالف لشن الحرب، وترى ان العراق يشكل تهديدا للأمن والسلم الدولى من عدة زوايا:-
– سعية لأمتلاك أسلحة الدمار الشامل.
– أنة يدعم ويساند المنظمات الارهابية فى العالم وخاصة تنظيم القاعدة والتى تستهدف المصالح والمواطنين الامريكين كما حدث فى احداث الحادى عشر من سبتمبر.
– انتهاك النظام العراقى لحقوق الانسان فهو نظام ديكتاتورى وقد استخدم الاسلحة الكيماوية ضد شعبة فى حليجة وضد إيران.
وبالتاى ووفقا للمادة (51) الخاصة بحق الدفاع الشرعى عن النفس فإن من حق الولايات المتحدة ان تدافع عن نفسها ضد هذا التهديد، حتى وإن إضطرها ذلك لاستخدام القوة العسكرية.(2)و بالنسبة لمدى مشروعية الحرب فالولايات المتحدة أعتبرت أن القرار (1441) الذى ينص على تحذير العراق بأنة”سيواجة عواقب وخيمة” إذا لم يتعاون مع فرق التفتيش الدولية،و يؤكد أن العراق أنتهك قرارات الأمم المتحدةوهذا يتيح لها أستخدام القوة العسكرية لحماية امنها، ومن هذا المنطلق فإن الحرب على العراق هى شرعية وتتفق مع قواعد القانون الدولى.(1)
الثانى:الذى تزعمة بشكل اساسى فرنسا وروسيا وألمانيا يعتبر ان العراق لا يشكل تهديدا للسلم والامن الدوليين، وأنة ليست هناك حالة عدوان صريحة تتطلب استخدام القوة العسكرية وبالتالى فإن الحرب على العراق غير مشروعةولا تتفق مع القوانين الدولية وميثاق الامم المتحدة، وسعى هذا التيار المعارض بكل قوة لعدم أصدار قرار يفوض الولايات المتحدة بشن العمل العسكرى واعتبرت أن الحجج التى تروج لها أمريكا تفتقد الى اسس حقيقية وأسانيد واقعية خاصة فيما يتعلق بإمتلاك العراق لاسلحة دمار شامل.
وقد أعرب وزير الخارجية الألمانى “يوشكافيشر” على أدانتة للعمليات العسكرية التى تريد الولايات المتحدة أن تشنها على العراق وحذر واشنطن من عدم التعامل مع حلفائها على أنهم تابعون ،وأكد على ان الأوربيين يبنون رأيهم على انة لا يوجد تفويض دولى للقيام يتلك العمليات.كما عارض الرئيس الفرنسى “جاك شيراك” تلك الرؤية التى يتم تنفيذها خارج مظلة الامم المتحدة ،وفى كلمة وجهها للشعب الفرنسى قال فيها “أنة فى حالة قيام تلك الحرب سوف تسفر عن كارثة إنسانية كبرى ” ،كما صرح “فلاديمير بوتين”فى مستهل إجتماع لمجلس الامن القومى الروسى على أن تلك الحرب تعد خطأ سياسى كبير .(2)
وفى نفس السياق حث”خافير سولانا” منسق السياسة الخارجية بالأتحاد الاوربى، كل من الولايات المتحدة وبريطانيا على عدم شن هذا العمل العسكرى ضد العراق دون تأييد دولى أوسع نطاقا، وأفصح لصحيفة بريطانية على أن الرأى العام الاوربى يعارض تلك الحرب ضد العراق، ويعتقد بأن اللحظة المناسبة للجوء للخيار العسكرى لم يحن وقتها بعد .أما اليونان والتى كانت تتولى رئاستها للبرلمان الاوربى ،فقد عبرت عن أسفها لعدم إمكانية حل الأزمة سلميا، وصرح وزير خارجيتها”جورج بابا ندريو” على ان الوزراء الاوربيون سوف يناقشون أهمية مستقبل العراق والمنطقة بأسرها.(3)على أى حال أجمعت الرؤى الاوربية على رفض تلك الحرب التى لا تستند إلى الشرعية الدولية.
وفى نفس الاتجاة عبرت الصين عن رفضها لاستخدام العمل العسكرى ضد العراقن حيث ان هذا يعد أختراقا لميثاق المم المتحدة والقوانين الدولية، وصرح متحدث رسمى بأسم وزارة الخارجية الصينى قائلا:”نحن نحث الدول المعنية بعدم اللجوء إلى العمل العسكرى ضد العراق والعودة الى الطريق السليم وانة طالما يوجد امل فسنعمل على تحقيق السلام”.وأضاف قائلا:”هذا العمل يعد إختراقا للقوانين الدولية وأن دولتة تحبز إستمرار التفتيش”. كما صرح وزير الخارجية الصينى “تانغ جيا شيوان” ان تقديم تقرير رسمى الى مفتشي الامم المتحدة للاسلحة يعد بداية جديدة فقط لعملية التفتيش وليس نهاية كاملة لها. (1)

مما سبق يتضح ان أصرار الولايات المتحدة الأمريكية على شن تلك الحرب أنما يعكس رؤيتها الجديدة للقانون الدولى ،والتى تتبلور فى أن القانون الدولى التقليدى لا يعكس معطيات الواقع، وأن القانون الدولى الإنسانى يبيح التدخل العسكرى فى حالة إنتهاك حقوق الإنسان، وهذا التدخل أيضا يصب فى اتجاة تحقيق الديمقراطية، إلا أنة يمكن القول أن قضية التدخل الإنسانى تخضع للجدل فى ظل عدم وجود معايير محددة للتدخل ، وأنها تخضع لإعتبارات سياسية نهذا بالإضافة الى الإذدواجية فى تطبيق مفهوم الديمقراطية التى تسعى الولايات المتحدة لإرسائه فى الدول التى تحكمها أنظمة ديكتاتورية وتغييرها بالقوة.ولا يمكن أن تكون تحركات الولايات المتحدة الامريكية داخل مجلس الامن على الرغم من المعارضة التى واجهتها فى الازمة العراقية والتى لم تعدو وأن تكون معارضة سياسية، إلا وأن تكون معبرة عن التفرد الدولى وعن تراجع دور المنظمة الدولية وخضوعها لتلك القوة المهيمنة ، تحت مظلة ما يسمى بالرؤى الجديدة للقانون الدولى.

الغزو الأمريكى للعراق بين المبررات الدولية وواقع العراق2003

كاتب الموضوع الأصلي: نهاد

(المبحث الثالث)

وجهات النظر المختلفة فى جدوى الغزو الامريكى للعراق
تعددت الرؤى الدولية والإقليمية والمحلية حول جدوى الغزو الأمريكى للعراق، الإ انة ومن المهم أن نشير إلى الأبعاد المختلفة كى يمكن أستيعاب تلك الرؤى فى ظل الظروف السائدة سواء على المستوى الدولى أو الإقليمى أو المحلى.
أولا: الأوضاع الداخلية للعراق
شاء قدر العراق أن يضم العديد من الأعراق من السنة والشيعة والأكراد والتركمان وغيرها ،.ولذا أتسم حكم صدام حسين بدرجة عالية من السيطرة السياسية من خلال تركيبة النظام السياسي كونها تكشف عن حجم اتساع القاعدة الشعبية الداعمة له وبالتالي عن مدى تمتعه بالشرعية وجوداً أو عدماً. وتكمن نقطة الانطلاق الرئيسية في فهم النظام العراقي في تبين الدور المحوري للرئيس صدام حسين في إطار العملية السياسية. فصدام حسين هو رئيس مجلس قيادة الثورة الذي يعد أهم مؤسسات صنع القرار في العراق، والذي يتمتع بصلاحيات تشريعية تجب نظيراتها للمجلس الوطني (أي الهيئة التشريعية) بخلاف الصلاحيات التنفيذية الواسعة التي يمارسها. وهو يرأس مجلس الوزراء ويعين باقي أعضاء المجلس ويقيلهم، كما أنه يتولى الأمانة العامة لحزب البعث العربي الاشتراكي وهو الحزب الحاكم في إطار صيغة تعددية هشة تشترط لتأسيس الحزب بين ما تشترط الإيمان بمبادئ البعث. وفى عبارة موجزة فإن النظام يدور حول شخص الرئيس ويتمحور من حوله.
ويعتمد صدام حسين في تأمين نظامه على أحد أضلاع المثلث السني الواقع شمال بغداد وغربها، وهو المثلث الذي ظل يضخ في النخبة العراقية أبرز عناصرها على امتداد ما يزيد على نصف القرن،هذا بلإضافة إلى الأجهزة الأمنية مثل: فدائيو صدام وجيش القدس والحرس الجمهوري، والأخير من أخلص أجهزة الرئيس له وأكثرها تدريباً ومرانا.
وبقدر ما عمقت هذه العلاقات الشخصية من ولاء أطرافها للنظام العراقي الحاكم وربطت مستقبلها بمستقبل الرئيس صدام حسين شخصياً، فإنها قادت إلى تهميش الغالبية الساحقة من المواطنين العراقيين في مواجهة قلة لا تزيد عن 0.27% من إجمالي السكان.
وفى الوقت نفسه فإن ضيق كل من قنوات المشاركة السياسية وفرص التعبير عن الرأي جعل من المحاولات الانقلابية الوسيلة الرئيسية للتعبير عن الاحتجاج الشعبي، وهي المحاولات التي كانت تجهض بفعل إحكام القبضة الأمنية للنظام.
والعراق يأتي ضمن الدول العربية التي تتمتع بأقصى درجة من التعددية الإثنية شأنه في ذلك شأن دول أخرى مثل سوريا ولبنان والسودان، إذ لا نكاد نجد جماعة إثنية في الوطن العربي إلا ولها امتداداتها داخل العراق.
ومثل هذا الوضع الإثني شديد التعقيد ينطوي على مجموعة من الحقائق واجبة المراعاة عند تصور سيناريوهات المستقبل العراقي. إحداها أن هناك تلازماً بين التقسيم الإثني والتقسيم الجغرافي حيث يتوزع العرب والأكراد والشيعة على أقاليم الوسط والشمال والجنوب على التوالي. والأخرى أن هناك تاريخاً طويلاً من التنازع ليس فقط بين الجماعة الإثنية المسيطرة (أي العرب السنة) وما عداها من جماعات تعاني درجات مختلفة من التهميش، ولكن فيما بين هذه الجماعات الإثنية وبعضها البعض.
والحالة النموذجية ذات الصلة هي حالة العلاقة بين الأكراد والتركمان لا سيما مع تركزهم الجغرافي في المنطقة ذاتها وهى الموصل وكركوك، وهي العلاقة التي صورها البعض على أساس تهميش الأكراد للتركمان وتعاملهم معهم بوصفهم أقلية.

و يمكن التمييز في هذه الجزئية بين المعارضة العراقية فيما بين معارضة الداخل ومعارضة الخارج .ففي طليعة المعارضة يأتي الحزبان الكرديان: الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، وهما حزبان يحصران مطالباتهما في كل ما يخص الأكراد مع الوعي بالتطور الذي أصاب تلك المطالب وانتقل بها من احترام الحقوق الثقافية للأكراد وإشراكهم في هياكل السلطة وفق نسبتهم العددية وتفعيل صيغة الحكم الذاتي التي نص عليها بيان 11 مارس 1970 إلى اقتراح الفيدرالية للدولة العراقية على ما سوف يجيء. (1)
وفى إطار الجماعة الإثنية نفسها ظهرت الحركة الإسلامية لكردستان العراق التي يتزعمها الشيخ علي عبد العزيز ومقرها حلبجة، وقد انشق عنها فصيل آخر حمل اسم أنصار الإسلام تزعمه الملا كريكر الذي اعتقل في أوروبا في عام 2002 بدعوى ارتباطه بتنظيم القاعدة.
كذلك فإن هناك الحزب الديمقراطي التركماني العراقي الذي أسسه مظفر أرسلان في عام 1988، وظل يعمل في السر حتى تحول إلى العلانية في عام 1991 أي بعد حرب الخليج الثانية عندما تمتع باستقلال نسبي في ظل منطقة الحظر الجوي الشمالية. وكما هو واضح من اسمه فإن الحزب المذكور يركز في مطالبه على الجماعة التركمانية، ويدعو إلى إقامة كونفدرالية عراقية. وهناك بالطبع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي تأسس في عام 1982، أي بعد ثلاثة أعوام فقط من قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي يتواصل معها مذهبياً وسياسياً والتي تستضيف قيادته ممثلة في محمد باقر الحكيم وجناحه العسكري ممثلاً في فيلق بدر.
وفى المربع الشيعي أيضا يقف حزب الدعوة الإسلامية الذي أسسه محمد باقر الصدر في نهاية الخمسينيات، إلا أن ملاحقته الأمنية المستمرة وتصفية كوادره الرئيسية بما في ذلك مؤسسه نفسه كانتا من الأسباب المباشرة لإضعافه بالمقارنة بالمجلس، ويقود الحزب حالياً أبو أحمد الجعفري.
هذا بخلاف بعض التنظيمات التي تضم عسكريين عراقيين أمثال التحالف الوطني العراقي الذي تأسس عام 2000 تحت قيادة شيعية، مثلها توفيق اليسري الذي تولى رئاسة الأكاديمية العسكرية العراقية وشارك في الانتفاضة الشيعية في 1991. وكذلك العديد من قوى المعارضة غير المؤطرة تنظيمياً خصوصاً المعارضة القبلية للرئيس صدام ونظامه. (1)
ويمثل المؤتمر الوطني العراقي المظلة الرئيسية لحركات المعارضة الناشطة في المنفى، وقد تأسس في عام 1992 على إثر اجتماع كل من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني في فيينا بحضور عشرات من تنظيمات المعارضة. وقد اختير أحمد الجلبي لرئاسة اللجنة التنفيذية للمؤتمر وهو علماني شيعي تعلم في الولايات المتحدة .
وكسائر فصائل المعارضة العراقية، انشقت عن المؤتمر بعض قواه ومن بينها الحركة الوطنية العراقية التي ضمت بعض كبار الضباط السابقين في الجيش العراقي وتأسست في عام 2001. كما أن هناك المجلس الأعلى للإنقاذ الوطني الذي تشكل في الدانمارك في عام 2002 برئاسة وفيق السامرائي المدير السابق للمخابرات العسكرية العراقية ،ونزار الخزرجي الرئيس السابق للأركان. وهناك الوفاق الوطني العراقي الذي شكله إياد علوي الرئيس السابق لاتحاد الطلاب العراقيين في أوروبا.
وعلية فإننا عندما نتكلم عن المعارضة العراقية إنما نتكلم في واقع الأمر عن معارضة متشرذمة أو مجزأة بعضها من بعض، أكثر من ذلك فإن هذه المعارضة أو إن شئنا دقة التعبير العناصر الرئيسية للمعارضة تتميز بالطائفية، وبالتالي فإنها تدور حول جماعة إثنية بذاتها وتحصر مطالبها في حدودها.
وبإلقاء نظرة على سيناريو الحكم العسكري الأمريكي وهو السيناريو الذي ترشحه الولايات المتحدة لفترة انتقالية تالية على انتهاء المعارك العسكرية وسقوط نظام صدام حسين، وتعتبره ضرورياً لتنشئة الشعب العراقي على مبادئ الديمقراطية وقيمها وإعادة بناء مؤسسات الدولة، بما يسمح بترجمة هذه المبادئ والقيم إلى سياسات وإجراءات. ففي الوقت الذي كان يجهز فيه هذا السيناريو ويتم ترشيح أبطاله وتحديد مراحله، كانت تجرى على قدم وساق محاولات نظرية لتسويقه وتبريره بأسانيد مختلفة وبذرائع متعددة. ومن أهم المحاولات ذات الصلة تلك التي قام بها ريتشارد هاس مدير هيئة تخطيط السياسة في وزارة الخارجية الأمريكية، والتي تمثل في جوهرها انقلاباً على المفهوم التقليدي للسيادة وتُشَّرع التدخل الدولي (الأمريكي في الواقع) لتقييد تلك السيادة، وتبدو وكأنها صممت خصيصاً لتطبق أول ما تطبق على العراق. يقول هاس: لم يعد من الممكن اعتماد المعايير المتهالكة للسيادة التي تحتكر للدولة حق استخدام القوة على أرضها، وتقف عليها تنظيم حركة التنقل عبر حدودها، وتخولها تصميم سياستها الخارجية بما يخدم مصالحها القومية، وتحصنها ضد التدخل الدولي في شئونها. ومن هذه النقطة ينطلق هاس ليؤكد أن المعايير المشار إليها يمكن أن تقود لشر مقيم إذا كانت الدولة المعنية غير جديرة بها، وهو يحصر مظاهر عدم الجدارة وبالتالي أحقية المجتمع الدولي في التدخل في الحالات الآتية: ضعف الدولة، واضطراب الحدود، وإخلال الدولة بالتزاماتها، سواء حيال مواطنيها أو تجاه المجتمع الدولي. والحالات الثلاث يمكن تلبيسها بشكل أو بآخر على النموذج العراقي بالقدر نفسه الذي يمكن به اختزال المجتمع الدولي في الولايات المتحدة الأمريكية.
وذلك أننا لو سلمنا بأن من بين المعارضين العراقيين من يرضى بتسهيل عمل القوات الأمريكية على إسقاط نظام صدام حسين (ومنها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، والمؤتمر الوطني العراقي، والحزبان الكرديان) مقابل من يرفض تلك التسهيلات بالمقارنة (منظمة العمل الإسلامي وحزب ولاية الفقيه). فإننا لا نكاد نجد طرفاً معارضاً يقبل بوجود حاكم عسكري في العراق، وهذا منطقي لأنه لا يعقل أن يستبدل عراقي وطني محتلا أجنبيا بحاكم متسلط. وقد عبرت جميع قوات المعارضة العراقية عن هذا الموقف بشكل واضح في مواقف مختلفة. وعكس البيان السياسي لمؤتمر لندن الذي حضرته تلك المعارضة في ديسمبر 2002 هذه الحقيقة بجلاء تام حيث نص البند السادس من البيان وبدون مواربة على ما يلي “رفض أية تدخلات تهدف إلى تجاوز إرادة الشعب العراقي في عملية التغيير”. واستطرد مضيفاً “ويرفض المؤتمر أية صيغة من صيغ الاحتلال أو الحكم العسكري المحلى أو الأجنبي أو الوصاية الخارجية أو التدخل الإقليمي، ويؤكد على ضرورة احترام سيادة العراق واستقلال الدول المجاورة”. بعبارة أخرى فإن فصائل المعارضة تميز تمييزاً واضحاً -بما في ذلك منها الذي يقبل بالعدوان الأمريكي- بين معاداة نظام الرئيس صدام حسين من جهة وبين التمرس على الديمقراطية بواسطة جنرالات الولايات المتحدة من جهة أخرى. وفي هذا السياق جاء إعلان فيلق بدر الأخير رفضه الحرب إلى جانب المعسكر الأمريكي.
وإذا كانت الاعتبارات الداخلية السابقة تمثل قيوداً حقيقية على تحويل سيناريو الحكم العسكري من خطط الإدارة الأمريكية الجمهورية إلى واقع يعيش فيه العراقيون، فإن هناك قيوداً أخرى إقليمية ودولية لا تقل تأثيراً (1)
ثانيا: الأبعاد الإقليمية للأزمة العراقية

أولا: دول الجوار.. الخيارات الصعبة

باستعراض وتحليل سلوك بعض الدول المعنية يجعلنا أمام مجموعتان تتفاوت في إدراكها وتأثرها بتداعيات المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة والعراق:
• فهناك أولا مجموعة الدول التي تتأثر حتما بتداعيات هذا النزاع وترتبط بشكل مباشر بصراع لا يقل أهمية، وهو ما يعرف بالصراع العربي الإسرائيلي الذي يتسم بالغطرسة الصهيونية في إهدار الحقوق الفلسطينية، وتطلعها لضربة ضد العراق تزيد من اختلال التوازن لصالحها.
• وهناك المجموعة الثانية وتضم مجموعة الدول المرتبطة بعلاقات الجوار مع العراق، وهي المتمثلة في الدول الخليجية العربية وإيران وتركيا .
وهذه المجموعة تتميز في كونها -إذا استثنينا إيران- مؤهلة أن تقدم الأرضية اللوجيستية لضربة أميركية محتملة، من خلال إيوائها لقواعد أو أراض لا ريب في استعمالها من طرف القوات الأميركية.
المجموعة الأولى:
تضم هذه المجموعة التي تتضمن دول الجوار القريب الذي يتفاعل بشكل مباشر مع تداعيات المنطقة، يمكن أن نسجل أن كل هذه الدول تنتمي بشكل واسع للمنظومة الإسلامية. وتتفق جميعا في ضرورة العمل على حل هذه الأزمة بالطرق السلمية، أي إعطاء الأولوية لمجلس الأمن لوضع شروط التعامل معها. لكنها تختلف بشكل واضح في نقط متعددة، بل أكثر من ذلك في طبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة.

• الدول العربية الخليجية
منذ انذلاع أزمة الخليج الثانية، فقد باتت كل الدول الخليجية تؤوي قواعد أميركية. وليس مستبعدا أن تكون منطلقا للهجوم على العراق. ويشكل هذا الأمر حرجا كبيرا لها، لكنها تدرك جيدا في ظل الوضعية القلقة أنه لا يمكن لها الاستغناء عن الوجود الأميركي في المنطقة لضمان أمنها. فهناك مخاطر متعددة في هذا المحيط القلق بفعل موقعه الإستراتيجي، تغذيها الولايات المتحدة لتأبيد حضورها المادي في هذا الفضاء. لكن هذا القاسم المشترك لا ينفي وجود تمايزات بين الأطراف الخليجية في تدبير هذه المشكلة.
1- الكويت
فالكويت التي عانت من الغزو العراقي لها لا تطرح نقاشا كبيرا حول السماح للولايات المتحدة باستعمال أراضيها لشن الحرب على العراق.. وبصفة عامة يقوم الموقف الكويتي على العناصر التالية:
• أولا: إن الوجود العسكري الأميركي والبريطاني هو نتاج لمعاهدة أبرمت بين هذا القطر وتلك الدول، ومن بينها تلك الدائمة العضوية في مجلس الأمن لحماية أراضيها. فهي تندرج ضمن أعمال سيادتها التي تسمح لها بالدفاع عن استقلال وحرمة أراضيها ضد أي خطر خارجي.
• ثانيا: إن الكويت ملتزمة بأي قرار يصدر عن مجلس الأمن في إطار الفصل السابع. فهي التي تم تحريرها بفضل قرارات مجلس الأمن ولا يمكن لها أن تتنكر لها إذا كانت تزكي الهجوم على العراق.
• ثالثا: إن الجيش الكويتي لن يشارك بشكل مباشر في قوات التحالف للحرب ضد العراق في حالة وقوع مواجهة عسكرية. لكن الكويت لا يمكن لها أن تمتنع عن تقديم تسهيلات ومساعدات للقوات الأميركية في حربها المحتملة ضد العراق، لأن “الولايات المتحدة سبق أن أرسلت أبناءها وقواتها إلى الكويت مواجهين خطر الموت من أجل تحرير البلاد من الغزو والاحتلال العراقي” [تصريح لمسؤول كويتي منشور في جريدة الرأي العام الكويتية بتاريخ 24 ديسمبر/كانون الأول 2002 ص 1 و37 ] .
واضح أن الموقف الكويتي ما يزال محكوما بمخلفات الاجتياح العراقي للبلاد في أغسطس/ آب 1990. وهو بذلك قد ينظر بعين الارتياح إلى كل عملية تستهدف إسقاط النظام الذي ساهم في غزوه.
2- السعودية
ربما تميزا عن هذا الموقف الكويتي، تحاول المملكة العربية السعودية تمرير خطاب أكثر استقلالية عن أميركا. وحسب تصريحات مسؤوليها فإنها ترفض استخدام القواعد العسكرية الموجودة فوق ترابها لضرب العراق، حتى ولو صدر قرار من مجلس الأمن بذلك. ويتعلق الأمر أساسا باستخدام قاعدة الأمير سلطان الجوية في العمليات العسكرية ضد العراق. وهو الأمر الذي ردده بعض المسؤولين الأميركيين.
إن هذا الموقف السعودي المتحفظ يستند إلى مبررات موضوعية، من بينها أن العلاقات السعودية الأميركية قد تدهورت منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول. حيث تنامت الانتقادات الموجهة للسعودية، والتي تحاول أن تعتبرها مفرخة للإرهاب وهي تستند في ذلك إلى وجود 14 سعوديا من بين الـ 19 المشتبه في قيامهم بتفجيرات 11 سبتمبر 2001. بل ذهبت إلى حد توريط بعض الأمراء السعوديين في تمويل العمليات الإرهابية. و قد وصل بعض المحللين القريبين من الإدارة الأميركية -كما هو الأمر بالنسبة لصاحب التقرير الشهير مورورا- إلى الدعوة إلى اعتبار السعودية بمثابة عدو.
وإذا كانت دوائر القرار الأميركية لم تذهب إلى حد تبني مثل هذه الأطروحات والتحليلات، فإن دعوتها إلى إدخال إصلاحات سياسية على النظام -كما هو الأمر بالنسبة لمبادرة كولن باول الأخيرة- لا تجد ارتياحا كبيرا في السعودية. ومن هذا المنطلق ربما يعتقد المسؤولون السعوديون أن كل مباركة للسياسة القوية للولايات المتحدة قد تصطدم بالسخط الشعبي الذي ينتقد سياسة الكيل بالمكيالين والتكالب على المسلمين، بل ربما يدرك هؤلاء أن هذه الحرب المحتملة بمثابة مواجهة بين المسيحيين والمسلمين. (1)
لكن الموقف السعودي يبقى صعبا، فهامش المناورة يظل ضيقا. فمن الناحية الاقتصادية قد تقبل السعودية على الرفع من إنتاجها البترولي درءا لكل ارتفاع في الأسعار قد يزيد من مصاعب الاقتصاد العالمي، ويحمل الولايات المتحدة مسؤولية ذلك. وعلينا أن نتذكر أن السعودية قد أقدمت على ذلك في خضم الحرب في أفغانستان .
أما من الناحية العسكرية، فيطرح السؤال حول معرفة حدود مراقبة السعوديين للتحركات الأميركية ضمن القواعد الموجودة. وقد يكون من الصعب على السعودية في حالة اندلاع المواجهات ألا تسمح بتمكين الأميركيين ببعض التسهيلات اللوجستيكية لتنفيذ عملياتهم ضد العراق. ومن الناحية السياسية تدرك القيادة السعودية أنه لا يمكن لها أن تعارض كثيرا الإرادة الأميركية، لأنه في حالة تحقيق الولايات المتحدة لانتصار وبالتالي احتلالها للعراق، فإنها قد تزيد من ضغوطها على السلطات السعودية للقيام بإجراءات قد تكون لا شعبية، لمحاربة ما تسميه الولايات المتحدة الشبكات الإرهابية التي تعتبر السعودية أنها قامت بمحاربتها من خلال تجميد عدد من الحسابات البنكية، وكذلك استنطاق عدد من المشكوك في انتمائهم لمثل تلك الشبكات.
بصفة عامة يبدو واضحا أن تأثير الدول العربية الخليجية في تفادي ضربة عسكرية يبقى جد محدود. بل أكثر من ذلك قد لا يمكن لها منع استعمال أراضيها من طرف القوات الأميركية، طالما أنها أبرمت معاهدات فتحت بموجبها الباب أمام الوجود الأميركي. وقد كان وزير خارجية قطر واضحا في هذا الإطار، عندما صرح على هامش القمة الخليجية الأخيرة الدورة الـ 23 التي انعقدت بالدوحة يومي 21 و22 ديسمبر الماضي، فأكد أن كافة الدول الخليجية قد سبق لها إبرام معاهدات عسكرية مع الولايات المتحدة [أنظر نص الندوة في جريدة الأنباء الكويتية بتاريخ 23 ديسمبر 2002]. ومن ثم فإن تأكيد القمة الخليجية الأخيرة على ضرورة احترام وحدة واستقلال العراق لا يخرج عن المواقف المكررة للمنتظم الدولي بما فيها الولايات المتحدة التي تمارس ممارسة أخرى. (2)
• الأردن وسوريا ومصر
ثلاث دول عربية تظل معنية بشكل واضح بتداعيات كل حرب محتملة بين الولايات المتحدة والعراق. و هي الأردن وسوريا ومصر. وهي في نفس الوقت معنية بالصراع الدائر في الشرق الأوسط نتيجة سياسة الغطرسة التي تمارسها حكومة شارون بنوع من غض الطرف الأميركي. بصفة إجمالية ترفض هذه الدول الثلاث مساندة المخططات الأميركية في المنطقة.
1- الأردن
ويتخوف الأردن أكثر من الانعكاسات المحتملة على اقتصاده الذي يرتبط كثيرا بالمبادلات مع العراق، والذي بدأ يسترجع نوعا من عافيته -كما تدل على ذلك الأرقام- بعد المصاعب التي واجهها من جراء أزمة الخليج الثانية، والحظر الشامل المضروب على العراق. لكن بصفة عامة، فإن الولايات المتحدة تدرك جيدا دقة الموقف الأردني. ويمكن القول إنه بالنسبة لهذا البلد العربي المجاور للعراق، فإن الأمر قد يقتصر على كيفية تدبير الانعكاسات الإنسانية لمواجهة محتملة، لا سيما إذا طالت وخلفت خسائر مادية وبشرية قد يصعب التحكم فيها.
2- سوريا
بالرغم مما يبدو من توتر ظاهري في العلاقات السورية الأميركية، فإن هناك مؤشرات واضحة على وجود نوع من التواصل يرتكز على حماية مصالح الطرفين. صحيح أن الخارجية الأميركية ما زالت تدرج سوريا ضمن الدول الإرهابية. لكن في الواقع فإن سوريا بتقاليدها البرغماتية تسعى إلى عدم إقرار القطيعة مع الإدارة الأميركية، وحتى في صراعها مع إسرائيل فقد حرصت دائما على ألا تتحول أراضيها إلى منطلق للقيام بعمليات ضد الدولة العبرية.
وهناك تعاون سوري واضح لمحاربة شبكات الإرهاب ومنها القاعدة. وهو أمر يساير التصور الأميركي والأممي، من خلال إعطاء فعالية لمحتوى القرارات التي أصدرها مجلس الأمن كرد فعل على هجمات 11 سبتمبر 2001 . في نفس السياق فقد صوتت سوريا لصالح القرار الأممي 1441، وهو الأمر الذي اعتبر مؤشرا واضحا على تفضيل سوريا الانخراط في الاتجاه القاضي بمنع المواجهة، أكثر من الإصرار على موقف يعطي الأولوية للاعتبارات القومية بدون فعالية.
وتسعى السياسة السورية إلى نوع من التوازن. ففي الوقت الذي تحاول تذليل الحواجز مع أميركا، فهي ترفض سياسة الانحياز التي تمارسها الولايات المتحدة لصالح إسرائيل وضد الشرعية الدولية. كما ترفض سياسة الكيل بالمكيالين الهادفة إلى شن العدوان على العراق، رغم التزامه بالقرار 1441 الذي صوتت سوريا لصالحه. لكن بالمقابل فإنها عملت كذلك على إنماء علاقاتها مع بغداد، وكذلك تقوية أواصرها مع المعارضة العراقية التي تملك مكاتب في العاصمة السورية.
وبصفة عامة لا يمكن لسوريا إلا التشبث بموقف يدعو إلى تسوية هذه الأزمة بطرق سلمية، قد تساهم في مزيد من إضعاف الرئيس العراقي. لكنها تتخوف في نفس الوقت من الانعكاسات السلبية على اقتصادها، في حالة وقوع مواجهة قد تدوم لمدة أطول. علاوة على ذلك فإنها تتخوف من الاختلالات الإستراتيجية التي قد تكون في صالح إسرائيل.. وأخيرا وكما هو الأمر بالنسبة لإيران وتركيا، فإن احتمال قيام دولة كردية في العراق قد يفضي إلى خلق لا استقرار بفعل الوجود الكردي في الدول الثلاث. (1)
3- مصر:
مثل غزو الولايات المتحدة وبريطانيا للعراق تحديا كبيرا للسياسة المصرية، والتى ترفض من حيث المبدأ استخدام القوة المسلحة لحل المشكلات والأزمات الدولية. وقد زاد من عمق التحدى أن القائم بالغزو هو الدولة العظمى الأولى فى العالم، ولم يكن هناك طرف دولى آخر أو مجموعة قوى دولية تستطيع منع هذا الغزو، وفى الوقت نفسه فإن العلاقات الثنائية بين مصر والولايات المتحدة تعد استراتيجية بكل المعانى، ولها تأثيراتها على كثير من اوجه الحياة المصرية، ولم يكن مطلوبا أو مرغوبا تعريضها إلى أزمة كبرى، أو التعامل مع الاندفاع الأمريكى العسكرى باستخفاف. وفى المقابل كان الطرف المعرض للغزو، بلد عربى له مصالح ممتدة مع مصر، فى الوقت نفسه كان متعذرا الوقوف بجانبه عسكريا فى مواجهة الغزو.
ومن هنا كان الرفض لمبدأ الغزو والأعمال العسكرية هو السمة الغالبة على الموقف المصرى، ولكن دون أن يتعدى التمسك بالمبدأ إلى تحركات عسكرية معينة. وبعد حدوث الغزو ووقوع العراق تحت الاحتلال الأنجلو أمريكى، تطور الموقف المصرى على نحو شمل الامتناع عن تأييد الاحتلال، والتمسك بالتحرك عربيا وإقليميا من اجل الحفاظ على وحدة العراق، مع المناداة بسرعة إنهاء الاحتلال، وبإفساح مجال للأمم المتحدة لكى تسهم فى إعادة السلطة والسيادة للشعب العراقى.(1)
رافق الموقف الرسمى موقف شعبى اتسم بالغليان والحماس ودعوات بالمقاطعة، ومناداة بالوقوف مع العراق وشعبه وقوى المقاومة فيه.
وقد عبرت كافة الجماعات والقوى السياسية الحزبية وغير الحزبية والمؤسسات الدينية والرأى العام فى مصر عن رأيها الرافض بقوة وإدانتها للنزعة العسكرية الأمريكية، ودعت إلى مساندة العراق بكل السبل .وبالرغم مما شكله ذلك من ضغط معنوى وسياسى على السياسة المصرية، فقد بدا واضحا إن لا مكان للاستجابة لدعوات المقاطعة وطرد السفراء، أو سحب السفراء المصريين من دول الغزو، أو منع مرور السفن الحربية الأمريكية والبريطانية فى قناة السويس، وذلك استنادا إلى اتفاقية القسطنطينية التى تبيح المنع فقط فى حالة تعرض مصر للعدوان، وهو ما لم ينطبق على هذه الحالة.

أولا ـ الموقف الرسمى من الاحتلال الأنجلو ـ أمريكى للعراق
مصر أكبر دولة عربية محتضنة للجامعة العربية ومستفيدة من المعونات الأميركية، إذا كانت قد ساندت التحالف الأميركي لتحرير الكويت من الاجتياح العراقي، فإنها تجد اليوم نفسها على شاكلة الدول الأخرى في موقف يفرض عليها الكثير من الحذر للتفاعل مع الأحداث. بصفة إجمالية، فهي ترفض المقاربة الأميركية الرامية لاستعمال القوة ضد العراق.. وترفض بالتالي استعمال الأراضي العربية لممارسة أي عدوان أجنبي. يتعزز موقفها بكون هذا الأخير التزم بمقررات الأمم المتحدة الرامية إلى تجريده من أسلحة الدمار الشامل، وفتح أبوابه للتفتيش، بل لم يعد يتحدث عن تهديد أمن جيرانه. وفضلا عن ذلك فإن قيام حرب قد يفقد مصر ما بين 6 و8 مليارات دولار، بسبب انعكاسها على السياحة والصادرات وعائدات قناة السويس. مما قد يزيد من المصاعب الاقتصادية والاجتماعية..(2)
وقد ربطت مصر بين ضرورة رفع العقوبات الدولية المفروضة على العراق منذ عام 1991، وبين التأكيد على مركزية دور الأمم المتحدة فى إعادة إعمار العراق، ومساعدة الشعب العراقى فى اختيار حكومته بحرية تامة، وفقاً لما تم الاتفاق عليه فى مؤتمر الرياض لدول الجوار. وذلك على أساس أن الأزمة العراقية بدأت بقرارات من الأمم المتحدة، ويفترض ان تنظمها قرارات أخرى اكثر وضوحا من جهة إنهاء الاحتلال وتسليم السلطة للعراقيين.

وقد تبنى وزراء الخارجية العرب هذا الموقف فى الدورة المائة والعشرين لمجلس الجامعة، وذلك بالتأكيد على لسان وزير الخارجية المصرى السيد أحمد ماهر بوصفه رئيساً للدورة على عدم وجود نية لإرسال قوات مصرية أو عربية للمشاركة فى القوة متعددة الجنسيات فى العراق. وذلك استنادا إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا خالفتا الشرعية الدولية بالذهاب إلى الحرب دون تفويض دولى، وانه لا توجد نية إظهار أى نوع من أنواع التأييد للولايات المتحدة فى العراق طالما بقيت الولايات المتحدة كقوة احتلال.
ثانيا ـ الموقف الحزبى والشعبى تجاه احتلال العراق
شهدت الساحة السياسية المصرية حالة من الاجتماع، بين كافة المؤسسات السياسية والثقافية والدينية ومنظمات المجتمع المدنى على رفض الاحتلال الأنجلو – أمريكى للعراق. كما عبرت عن تضامنها مع الشعب العراقى، ومساندتها للمقاومة العراقية فى مواجهة المحتل. كما أجمعت على ضرورة إنهاء الاحتلال بكافة الوسائل، وإقامة حكومة عراقية عن طريق الإرادة الحرة للشعب العراقى تحافظ على وحدة العراق وتعيده إلى محيطه العربى.
1ـ الحزب الوطنى الحاكم: جاءت مواقف الحزب الوطنى انطلاقاً من المبادئ التى حكمت الموقف المصرى من الأزمة العراقية، واتخذ الحزب من مواقف وبيانات الرئيس مبارك – بصفته رئيس الحزب والدولة معا ـ أساساً لموقفه من رفض العدوان والاحتلال الأنجلو أمريكى للعراق، ورفض أن يحكم العراق غير العراقيين، وهو ما أكده أمين عام الحزب صفوت الشريف فى لقاءه الشيخ عبد الكريم العلى الربيعى أمين عام الحزب الوطنى الديمقراطى الحر العراقى، والذى عبر خلاله الشريف عن رفض الحزب الوطنى التعامل أو التعاون إلا مع الأحزاب الوطنية التى تعبر عن الأهداف والرغبات الأصيلة للشعب العراقى، بصفته الوحيد صاحب الحق فى إدارة شئونه بنفسه.
2 ـ موقف مجلسى الشعب والشورى: فور وقوع الحرب أدان كل من مجلس الشعب والشورى العدوان، وأكدا فى بيانين منفصلين على احترام سيادة العراق وسلامة أراضيه ووحدته الوطنية، واحترام الشرعية الدولية ورفع المعاناة عن الشعب العراقى، وضرورة تدخل المنظمات الدولية والبرلمانات ومنظمات المجتمع المدنى لتوحيد الجهود لوقف تداعيات الحرب.
وطالب مجلس الشعب المصرى فى مشروع قرار قدمه إلى الاتحاد البرلمانى الدولى بوقف الحرب ضد العراق، وإنهاء جميع العمليات العسكرية، والعودة إلى مجلس الأمن لمباشرة مسئولياته فى حفظ الأمن والسلم الدوليين وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، ودعا الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار قرار يؤكد على سيادة العراق وسلامه ووحدة أراضيه. وتضمن مشروع القرار الرفض المطلق لأى محاولة للتدخل فى الشئون الداخلية لأى دولة أو تغيير أنظمة الحكم بالقوة، وضرورة ممارسة الشعب العراقى لحقه الطبيعى فى اختيار حكومته بإرادته الحرة، وإنهاء الاحتلال الأنجلو – أمريكى.
و طالبت لجنة الشئون العربية والخارجية والأمن القومى بمجلس الشورى. وأكدت اللجنة على الالتزام القومى المصرى الواضح والمتمثل فى تأكيدات الرئيس حسنى مبارك على الحفاظ على أمن الشعب العراقى واستقراره وتراثه الإنسانى، وأن يكون حكم العراق للعراقيين، وحذرت من أن تداعيات الحرب قد تكون أخطر من الحرب ذاتها، وأن الوضع الإنسانى المعقد الذى يشهده العراق المحتل قد يؤدى إلى نتائج خطيرة ، وتضع تماسك العراق وأمنه وسيادته على قمة الأولويات.
وفى إطار الحرص على التواصل والانفتاح على القوى والفاعليات العراقية استقبل كل من الدكتور فتحى سرور والدكتور مصطفى كمال حلمى رئيسى مجلسى الشعب والشورى الوفد الشعبى العراقى برئاسة ماهر الدليمى رئيس لجنة الدفاع عن الشعب العراقى، حيث تم التأكيد على ثوابت الموقف المصرى تجاه العراق، التى تشمل ضرورة الحفاظ على سيادة العراق وسلامته الإقليمية ووحدة أراضيه، باعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية، ورفع المعاناة عن الشعب العراقى الشقيق، ورفض أى محاولة للتدخل لتغيير أنظمة الحكم بالقوة، انطلاقاً من أن نظام الحكم هو شأن داخلى تختص به كل دولة، آخذة فى الاعتبار خصوصيتها الثقافية والدينية والاجتماعية، وضرورة الإسراع بتولى سلطة عراقية منتخبة المسئولية فى بغداد.
3ـ أحزاب المعارضة: لم تختلف مواقف أحزاب المعارضة عن مجمل المبادئ التى حكمت الموقف المصرى الرسمى. ولكن تميز موقفها بإعلان الدعم الكامل للمقاومة العراقية لقوات الاحتلال الأنجلو – أمريكى، فضلاً عن دعوتها بمقاطعة منتجات وشركات وبنوك الدول المعتدية.
وعلى الصعيد الحركى نظمت أحزاب المعارضة عدداً من المؤتمرات لمساندة الشعب العراقى، دعت فيها الحكومات العربية إلى وقف كافة أشكال التعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وعدم الاعتراف بأى حكومة عراقية تنصبها دولة الاحتلال، ومناشدة الشعوب العربية بالاستمرار فى التظاهر والاحتجاج السلميين حتى خروج جيوش العدوان من أرض العراق، ودعوة الشعوب العربية لمقاطعة منتجات وشركات وبنوك وطائرات وسفن الدول المشاركة فى العدوان والدول المتواطئة معها، والتضامن لتقديم الرئيس الأمريكى جورج بوش ورئيس الوزراء البريطانى تونى بلير إلى محكمة دولية. كما طالبت أحزاب المعارضة الدول العربية وقف تصدير بترولها لدول العدوان.
ومن جانب آخر شددت أحزاب المعارضة على ضرورة إلغاء قانون الطوارئ فى مصر، وإطلاق الحريات العامة حتى تستطيع الجماهير التعبير عن مشاعرها. وشددت أحزاب المعارضة على رفض الهيمنة الأمريكية على مقدرات الأمة العربية، وضرورة التوحد تجاه الهجمة الاستعمارية التى تواجهها المنطقة، والعمل على تغيير ميثاق الجامعة العربية بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة .
ومن ناحية أخرى رأت أحزاب المعارضة أن الأزمة العراقية تقطع بأولوية قضية الديمقراطية والإصلاح السياسى للخروج من حالة الجمود السائدة فى غالبية البلدان العربية، ولمواجهة أى عدوان أو سيطرة خارجية. وناشدت أحزاب المعارضة القوى والتيارات السياسية العراقية بتجاوز الماضى وإقامة نظام ديمقراطى تعددى يضم مختلف القوى السياسية من أجل الحفاظ على وحدة وسيادة وأمن العراق.
وقد أيدت أحزاب المعارضة الموقف الرسمى الرافض إرسال قوات مصرية إلى العراق، وذلك على أساس أن الولايات المتحدة تحاول جر قوات عربية للعراق لحماية الاحتلال ذاته وإضفاء شرعية عربية عليه، وحتى تتفرغ للشأن الاقتصادى، والهمينة على البترول العراقى على وجه الخصوص.
4ـ مواقف النقابات: ساعدت الأزمة العراقية الأمريكية قبل الحرب وبعدها على بروز دور مؤسسات المجتمع المدنى والنقابات فى العمل السياسى، حيث قامت بعدد من الخطوات العملية، كإرسال قوافل إغاثة إلى العراق، وتنظيم المؤتمرات الجماهيرية لمساندة الشعب العراقى، ورصد قوائم للمقاطعة الاقتصادية لدول الاحتلال. وخلال الأزمة برز دور كل من نقابة الصحفيين والمحامين والأطباء، حيث تم عقد العديد من المؤتمرات الجماهيرية التى تم التعبير من خلالها عن رفض الاحتلال الأنجلو – أمريكى للعراق، واعتبار ذلك جزءاً من المخطط الأمريكى لإحكام السيطرة على العالم، وإعادة ترتيب أوضاع المنطقة وفقاً للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، وذلك على حساب المصالح والهوية العربية.
وقد أيدت النقابات المهنية والعمالية المقاومة العراقية للاحتلال بمختلف أشكالها، وقد خطت نقابة المحامين خطوة أبعد باتجاه دعم المقاومة العراقية بإعلانها عن فتح باب التطوع لمقاومة الاحتلال الأنجلو – أمريكى للعراق، وقد تسبب هذا الإعلان فى حدوث أزمة على خلفية تدفق آلاف الشباب المصريين إلى مقر النقابة لتسجيل أسمائهم استعداداً للسفر إلى العراق. وقد وصل عدد المتطوعين إلى نحو 17 ألف فرد، وبعد شعور هؤلاء المتطوعين بمماطلة مسئولى النقابة فى تجهيزهم للسفر عبروا عن غضبهم إلى حد الهتاف ضد مسؤولى النقابة، والإعلان عن اعتصامهم داخل مقر النقابة تعبيراً عن رفضهم لقرار النقابة بإغلاق باب التطوع. وقد تم حل الأزمة بعد تدخل نقيب المحامين سامح عاشور، الذى برر للمعتصمين قرار النقابة بأنه جاء على خلفية إغلاق الحدود الأردنية والسورية مع العراق، الأمر الذى منع كثيرا من المتطوعين من العبور والمشاركة فى قتال قوات الاحتلال.
وعلى صعيد التحرك الشعبى، وبالرغم من رفض الجهات الأمنية تنظيم أية مظاهرات أو حشود جماهيرية إلا بعد الحصول على إذن مسبق، فقد انطلقت عدة مظاهرات من الجامع الأزهر للتنديد باحتلال العراق، وطالبت الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولى بالوقوف خلف الشعب العراقى. وحَمل المتظاهرون الاحتلال الأنجلو – أمريكى مسئولية أحداث العنف وإثارة العنف بين طوائف الشعب العراقى، كما عبروا عن تأييدهم المطلق للمقاومة العراقية للاحتلال

5- موقف الرأى العام المصرى لغزو العراق
وقد تحول العديد من الندوات والأمسيات الفنية والثقافية التى نظمتها مختلف النقابات المهنية إلى ما يشبه التظاهرات الشعبية تضامناً مع الشعب العراقى ومقاومته الباسلة، ووصف مثقفون مصريون ما يحدث فى العراق بأنه بمثابة عملية بناء لمحور أمريكى – إسرائيلى – عراقى يشكل أساسا لنظام جديد مفروض على المنطقة.
وكتعبير عن رفض الاحتلال الأنجلو – أمريكى للعراق، قام المصريون عن طريق البريد الإلكترونى، بإرسال ما لا يقل عن 1.2 مليون رسالة للسفارة الأمريكية بالقاهرة، عبروا فيها عن رفضهم للسياسة الأمريكية. وكان تدفق الرسائل الإلكترونية على بريد السفارة الأمريكية قد بدأ إبان تهديد الولايات المتحدة بضرب العراق. وكانت الرسائل فى البداية مجرد عرض لوجهات نظر أصحابها الذين يرفضون ضرب العراق أو نزع أسلحته بالقوة. ومع بداية الحرب زاد عدد الرسائل، وزادت حدتها الرافضة للغزو والاحتلال، والداعية للخروج فورا من العراق.(1)

ثالثا ـ موقف المؤسسات الدينية فى مصر
1 ـ الأزهر الشريف: كان مجمع البحوث الإسلامية سباقاً فى إدانته للعدوان على العراق واحتلال أراضيه، وأكد فى بيان أصدره عقب سقوط بغداد، على ضرورة مقاومة الظالمين وعدم إعانتهم على ظلمهم سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وأن كل جهاد من أجل نصرة
الشعب العراقى المظلوم هو جهاد مشروع سواء أكان بالكلمة أم بالنفس أم بالمال أم بالسلاح، أو بأى وسيلة من الوسائل التى أقرتها الشرائع السماوية.(2)
وفى الوقت الذى أدان فيه المجمع الظلم الذى تعرض له الشعب العراقى طوال العقدين الماضيين، رفض المجمع العدوان على الشعب العراقى واحتلال أراضيه، وطالب قوات الاحتلال بترك مقاليد الأمور لأبناء الشعب العراقى، لكى يقرر مصيره بنفسه ويسترد حريته وكرامته.
2 ـ الكنائس المصرية: أدانت الكنائس المصرية الثلاث العدوان ثم الاحتلال الأنجلو – أمريكى للعراق، وشاركت تلك الكنائس فى المؤتمرات التى نظمتها مختلف القوى السياسية الرسمية والمعارضة الرافضة للاحتلال العراقى، ووجه رؤساء الكنائس المصرية الشكر لبابا الفاتيكان لوقوفه فى وجه العدوان على العراق.
وقضى البابا شنوده بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية فترة اعتكاف للصلاة من أجل عودة السلام والاستقرار إلى العراق وفلسطين. كما دعا مجلس كنائس الشرق الأوسط، الكنائس الشرقية إلى الاكتفاء بإقامة الصلوات، والامتناع عن إعلان مظاهر البهجة والفرح خلال احتفالات عيد القيامة المجيد تضامناً مع الشعب العراقى فى محنته، وقد اتخذت الطائفة الإنجيلية نفس المسلك.
وطالب مجلس البطاركة والأساقفه الكاثوليك بمصر بأن يترك للشعب العراقى حق تقرير مستقبله، مؤكداً فى رسالة بعث بها للبطاركة والمطارنة رؤساء الكنائس بالعراق، مساندته للشعب العراقى حتى يسود السلام فى العراق، وأن تظل الكنيسة العراقية رمزاً لوحدته.
ووصف أحد رجال الدين المسيحى الأنبا موسى أسقف الشباب، الحرب الأنجلو – أمريكية بأنها حرب احتلال وليست لتحرير العراق كما زعمت الولايات المتحدة، وأن ادعاء الرئيس جورش دبليو بوش بأن الحرب على العراق باسم الرب محض تدليس دينى، لأن المسيحية دين سلام، وأن خبر سقوط بابل الموجود فى سفر أشعياء الذى استند عليه، هو نص قد تحقق قبل الميلاد بآلاف السنين.(1)
مما سبق يتضح أن الموقف العربى يظهر من خلال مستويين
أ- على مستوى النظام العربي عموما:
نلاحظ هنا أن النظام العربي، وإن بدا موحدا إزاء مسألة رفض العدوان الأمريكي على العراق -وذلك على خلاف ما كان عليه الحال في أثناء أزمة/حرب الخليج الثانية 1990/1991 حيث حدث انقسام حاد في الصف العربي- فإن توحده في رفض العدوان لا يعدو كونه توحدا على المستوى الرسمي النظري. فالملاحظ أن هناك على الأقل خمس دول عربية تشارك في المجهود الحربي الأمريكي ضد العراق من خلال فتح أبوابها وأراضيها لتمركز القوات الأمريكية البريطانية، وهي: الكويت، وقطر والبحرين، والإمارات، والمملكة العربية السعودية.
كما نلاحظ هنا أيضا فيما يتعلق بأداء النظام العربي إزاء الأزمة/ العدوان الأمريكي ضد العراق حقيقة أن مصر بوصفها الدولة العربية الأكثر تأثيرا في مجريات الأحداث على امتداد الساحة العربية لم تكن دبلوماسيتها عند المستوى المطلوب، وتصرفت إزاء الأزمة وكأنها دولة عادية.
ب- على مستوى جامعة الدول العربية:
على خلاف الحال في أزمة/ حرب الخليج الثانية في 1990/1991، حيث بادر مجلس الجامعة إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية في نفس يوم الغزو العراقي للكويت، كما اجتمع مؤتمر القمة العربي الطارئ لمناقشة الأزمة في 9 أغسطس 1990، هذا ناهيك عن اجتماع آخر لوزراء الخارجية في آخر شهر أغسطس 1990، على خلاف ذلك، جاء رد الجامعة العربية متأخرا إزاء تطورات أزمة العدوان الأمريكي ضد العراق منذ صيف عام 2002 على أقل تقدير. فالقمة العربية التي كان متوقعا أن تنعقد استثنائيا، لم تنعقد بهذا الوصف، وإنما عقدت كقمة عادية في الأول من مارس 2003.
ويلاحظ على هذه القمة العادية (العاجلة كما أطلق عليها) ما يلي:
– أنها لم تنعقد في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، وإنما انعقدت في مدينة شرم الشيخ، وتقديرنا أنه ربما كان من الأفضل كتعبير عن وقوف الجامعة إلى جانب الشعب العراقي أن تنعقد بمقر الجامعة بالقاهرة.
– أنه غاب عن هذه القمة رؤساء دول: العراق – السودان – موريتانيا – سلطنة عمان – المملكة العربية السعودية – الكويت – فلسطين.
– طرح على القمة بندان رئيسيان، هما: الأزمة العراقية الأمريكية، والأزمة العراقية الكويتية.
والواقع أنه على الرغم من حقيقة أن الأزمة العراقية الكويتية لم يتمكن النظام العربي على مدى الفترة الماضية ومنذ 1990/1991 من احتوائها؛ فإن طرحها على القمة لم يكن أمرا موفقا. فالقمة عقدت لكي تبحث موضوعا أساسيا بل وواحدا، وهو العدوان الأمريكي المحتمل ضد العراق. ومن جهة أخرى فإن الاستغراق في التذكير بأزمة/ حرب الخليج الثانية 1990/1991 وبمسئولية العراق عنها ليس مبررا في الوقت الحالي الذي تتعرض فيه دولة عربية مهمة لحرب مدمرة تهدد سيادتها واستقلالها.
لقد كان متوقعا أن يقف النظام العربي وجامعة الدول العربية جنبا إلى جنب مع العراق ضد العدوان الأمريكي، تماما كما وقفا (النظام العربي وجامعة الدول العربية) في عام 1990/1991 مع الكويت ضد الغزو العراقي.
الآ أن العرب قد أضاعوا فرصا كثيرة لدعم العراق ورفض العدوان الأمريكي. ولعل في مقدمة هذه الفرص: القدرة على الالتحام مع الرأي العام العربي الدولي، مستندين في ذلك إلى ما يلي:
– التأكيد على أولوية الحل السلمي للأزمة.
– التشديد على البعد الإنساني، وعلى المخاطر التي تحدث للشعب العراقي، جراء العدوان الأمريكي.
– التأكيد على أهمية الالتزام بوحدة المعايير الدولية، على اعتبار أن العراق بافتراض أنه يمتلك أسلحة دمار شامل ليس بالدولة الوحيدة في هذا الخصوص، سواء على مستوى دول العالم كافة، أو على مستوى دول المنطقة تحديدا.
– إبراز أن أي عدوان يستهدف العراق من جانب الولايات المتحدة وحلفائها من شأنه أن يفتح الباب أمام عناصر التطرف التي سترى في هذه الحالة أنها تباشر حقها في الدفاع عن سيادة بلادها واستقلالها، وهو أمر سيعود في النهاية بالضرر على المجتمع الدولي عموما. (1)
المثقفون العرب والأزمة العراقية
لم تعد الأزمة مشكلة تواجه المثقف العربي، لقد صارت هويته. وكلما تنوعت ردود الفعل وتعارضت خطط الناس في فهمها والتفاعل معها. أصبح ذلك، هو المعنى الأنسب للأزمة. فلا تكون مصاعب الواقع أزمة إلا إذا تعثرت ردود أفعالنا، ومنها الوعي، في الإحاطة بها.
تتجاوز “الأزمة العراقية” الراهنة العراق ونظام حكمه، تتجاوز كذلك النظام العربي و”الفكرة العربية” أو العروبة لتطل على معنى العالم المعاصر والأسس التي ينبغي أن تحكمه. وإذا لم يعد هناك “حل عربي” لهذه الأزمة، فليس ذلك لأن بوش والإدارة الأمريكية ونخبتها من المحافظين الجدد ترفض هذا الحل، ولا لأن العرب عاجزون عن تقديم حل كهذا كما أثبتت آخر “قممهم”، ولكن لأن الأزمة التي تتكثف فيها تناقضات عالمنا المعاصر تحتاج إلى حل يفتح لهذا العالم، وليس للضحايا المباشرين من أهل العراق وغير المباشرين من العرب، آفاقا لنظام عالمي اكثر عدالة واستقرارا. ودور المثقفين في هذا الإطار ليس دعوة العالم إلينا(فهو عندنا سلفا) ولا ذهابنا إليه(فنحن فيه إلى درجة الغرق)، بقدر ما هو اختيار هذا التشابك وإضاءته. (2)
ويضم هذا الجزء من الدراسة أراء بعض الشخصيات السياسية والفكرية المصرية تنتمى إلى كل ألوان الطيف السياسى والفكرى.ومن المهم ان نشير الى دور المثقفين العرب النشط تجاة المأساة العراقية، فقبل أسابيع من بدء الحملة الامريكية على العراق أصدر فريق من ألمع المثقفين العرب ينتمون الى عدة دول عربية وعدد كبير من منظمات حقوق الإنسان بيانا بعنوان “لاللحرب..لا للطغيان..هناك حل إنسانى أخر”أدان اتجاة الولايات المتحدة وبريطانيا لشن حرب عدوانية على العراق بعيدا عن الشرعية الدولية وبذرائع تخفى ورائها امبراطورية تسعى للهيمنة على العالم .وطالب فى الوقت نفسة الجامعة العربية بالدعوة الى مؤتمر للمصالحة الوطنية يضم ممثلين لكل القوى السياسية العراقية فى الداخل والخارج بما فى ذلك ممثلين للنظام الحاكم-نظام صدام حسين- للحوار حول مبادىء دستور عراقى جديد، تجرى فى ظلة انتخابات حرة تسفر عن حكومة تمثل الشعب العراقى وتسعى لحل سلمى للأزمة..إلا ان هذا البيان قد تعرض لإعتراض بعض العناصر من المعارضة العراقية، بالإضافة الى بعض المثقفين المصريين والذين أصدروا بيانا مضادا خلاصتة أن كل دعوى تطالب بإصلاحات ديمقراطية فى العراق فى الوقت الذى تتصاعد فية التهديدات الأمريكية لا يستفيد منها إلا الغزاة الأمريكيون.
وهكذ إنقسمت النخبة المثقفة المصرية والعربية الى معسكريين، ينطلق الاول من ضرورة التضامن مع الشعب العراقى فى رفض التهديدات الامريكية ،ويضغط فى اتجاة أن تتخذ الدول العربية خطوات لدعم العراق .
اما الثانى فينطلق من أنة لايجوز ان نطلب من العرب والعالم التضامن مع الشعب العراقى دون أن نطلب ذلك من النظام العراقى الذى تسبب بسياستة الخاطئة منذ غزو الكويت فى اعطاء الذريعة للولايات المتحدة وحلفائها، وان من مصلحة الشعب العراقى والنظام نفسة أن يسعى لحشد كل القوى السياسية العراقية فى شراع مقاومة العدوان المتوقع من خلال مصالحة وطنية توحد الجسد العراقى الممزق.(1) وبناء على ما سبق فقد تم رصد بعض الاراء المتباينة للنخبة المثقة العربية والتى تنتمى لتيارات مختلفة فى الفكر السياسى العربى من القوميين والناصريين والماركسيين والإسلاميين والليبراليين .والتى جمعت بين التحليل الفكرى للظاهرة و التحليل السياسى للوقائع المتغيرة، والتى لم تخلو أيضا من التأثر بالمناخ العام السائد.
1- يصوغ المهندس / ابو العلا ماضى وهو أحد رموز الإسلام السياسى رأية فيقول”لا يجوز ان نتخذ موقفا مؤيدا لاستبداد صدام كما لا يصح ان نؤيد الإحتلال حتى لو رفع شعار تحرير العراقيين من ديكتاتورية صدام، ومن هنا تمنيت الأ تسقط بغداد حتى ولو كان حاكمها طاغية مثل صدام، لان السقوط سوف يعنى مواجهة خطر الإحتلال أو رموزة العراقية التى تعبر عنه”، ويضيف قائلا”أن البديل يكون بمقاومة الإستبداد بنفس طويل حتى يتم تغيير النظام بأيد عراقية ،خاصة وان الامريكيين لم يأتوا لتحرير العراقيين إبتغاء وجه الله أو مصلحة العراق أن تحقيق الديمقراطية بل إنهم يريدون تطبيق النموذج الأمريكى”.
2- التيار اليسارى فى مصر:يمثل هذا التيار عدد من المفكريين الذين تتعدد أنتمائتهم اليسارية بين ناصرى وماركسى وشيوعى ومنهم:-
رأى الدكتور” اسماعيل صبرى عبد الله” وهو أحد المفكرين اليساريين :ويرى أن سقوط بغداد لا مفر منه حيث أن المجتمع حينما يقع تحت نظام مستبد وطاغية أحمق يفقد كل قدرة على الحرب ومواجهة العدوان الأجنبى، ويضيف أن صدام كان بأمكانة إيقاف هذة الحرب وتجنيب شعبة ويلاتها إذا أراد، وإن كانت الولايات المتحدة أتجهت الى ضرب العراق فإنما ينبع ذلك من سياسة صدام تجاة شعبة أو الدول المجاورة ،حيث أنة أستنزف أموال العراق فى تجارب نووية وانتاج أسلحة كيماوية وهى حقائق ثابتة، بدليل أستخدامة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ضد الأكراد فى الشمال والشيعة فى الجنوب أبان أنتفاضة 91.
د/ رفعت السعيد أمين عام حزب التجمع يقول ” أن الأستعمار الأمريكى يحمل فى جعبتة عدة سيناريوهات يبدو بعضها منقولا عن الأستعمار القديم وقد قام الامريكيون بدراسة تلك السيناريوهات جيدا، حيث أن العراق تعد أول دولة مستقلة تتعرض للإحتلال العسكرى المباشر، ولهذا لجأوا إلى الخبرة الإنجليزية فى استعمارها للبلدان الأخرى ،وأستخدموا السيناريو الإنجليزى بعد إضافة بعض التعديلات علية ،ومن هذة التعديلات ترويع جميع القوى السياسية العراقية من بعضها البعض حتى يسعى كل طرف لأزاحة الأخريين لينفرد هو بلعب الدور الأساسى فى الحياة السياسية العراقية.”
د/ ضياء الدين داود رئيسا لحزب العربى الديمقراطى الناصرى وأمين عام المؤتمر القومى العربى، ويرى ان إسقاط نظام صدام ليحل محلة الإحتلال الأمريكى أمر مرفوض حتى وإن كان يحكم العراق شياطين الأرض على حد تعبيرة، فلا يمكن المساواة بين إزاحة حاكم وطنى مهما كانت درجة ديكتاتوريتة بإحتلال العراق ونهبة من قبل القوات الأمريكية ومهما كان طغيان صدام حسين فالعراق فى نهاية الأمر دولة مستقلة وبها جوانب تقدم علمى و تكنولوجى واقتصادى .
الأستاذ/ محمد سيد أحمد وهو يلقب بشيخ المفكريين والمحللين السياسيين، وهو ينتمة للمدرسة الماركسية ويرى “أنة بإنتهاء نظام الثنائية القطبية وانفراد الولايات المتحدة بالمسرح العالمى أصبح هناك تغير نوعى فى المخطط الأمريكى نظرا لوجود متغييرين جديدين فى الساحة، أولهما: الإرهاب الدولى الذى تجلى فى أحداث 11 سبتمبر، اما المتغير الثانى فهو: أسلحة الدمار الشامل التى هى ظاهرة موضوعية لا يمكن إيقافها ،فإذا كان العلم قد اكتشف طريقة لتفجير الذرة فكيف لأحد أن يوقف أنتشار سر علمى؟ هذة مشكلة الدول التى تريد أن تحتكر مصادر القوة الجديدة وفى مقدمتها أمريكا ،التى تريد أن تسلح نفسها وتسلح إسرائيل وتحرم فى نفس الوقت أطرافا من امتلاك مثل هذا السلاح وهذا واضع غير طبيعى ورغم ذلك تحاول فرضة بالقوة.
الأستاذ محمد عودة/ويلقب بشيخ القوميين العرب وعميد المؤرخين المصريين والمرجع الناصرى واليسارى يقول “أصبحنا الأن فى مواجهة أستعمار أمريكى جديد قاعدتة إسرائيل، وها هم الأمريكيون يحاولون الأن إشعارنا بالعجز والدونية ،ويبشرنا بوش الإبن باليمقراطية وكأننا قبائل بربرية همجية يريد لها أن تتحضر، “ويضيف قائلا :”كان صدام حسين من المرضى عنهم تماما فى أمريكا وأوربا لأنة حارب الشيوعيين ونفذ المشيئة الأمريكية فى محاربة الثورة الإيرانية ،غير أن هذا الموقف تغير تماما بعد ان وضع برنامجا للتنمية وخطة خمسية ووجة عائدات البترول لخدمة التنمية والعسكرة فأصبح طريد الغرب لأنة مس قدس الأقداس وهو البترول، وهذا سر الحملة الأمريكية على صدام حسين”.
1- أما الإتجاة الليبرالى والذى يمثلة د/ أسامة الغزالى حرب ويرى” ان ضرب امريكا للعراق يعد عدوان قامت به أكبر قوة فى العالم مفتقدة إلى الشرعية الدولية ومتحدية لكل قواعد القانون الدولى ضد دولة صغيرة كالعراق ،غير أن هذ المنظور يعد تبسيطا للأمور لأن العراق يعتبر ذو وضع خاص من كونة يمر بحرب أهلية بين نظام قمعى مستبد وشعب كامل ،ومثل هذة النظم لا يمكن أن تكون قادرة على الدفاع عن أوطانها أو أن يكون هناك توحد بينها وبين شعوبها”، ويضيف قائلا:”إننا نرفض تغيير النظام بعدوان خارجى، كما أن الشعب العراقى لم يكن قادرا على الاطاحة به فهو شعب مغلوب على أمره، فهو لم يأت بة ولم يكن قادرا على الخلاص منة، ولكن هل ذهبت الولايات المتحدة للعراق للإطاحة بصدام حسين ؟الإجابة طبعا بالنفى، فأى مبتدأ فى العلوم السياسية يعرف حقيقة الأهداف الأمريكية، فهى ذهبت للسيطرة على البترول العراقى ومن ثم السيطرة على أسترتيجية النفط العالمى مما يعطيها موقف اليد العليا فى علاقتها مع باقى الدول.هى أيضا ذهبت لدرء هواجس أسرائيل من الخطر العراقى رغم أن صدام لم يكن يشكل أدنى خطر عليها، وأتصور أن العناصر اليهودية فى الإدارة الأمريكية لعبت دورا مهما فى دفعها لخوض هذة الحرب، كما أنها ذهبت لتأكيد سيطرتها فى ظل النظام العالمى ما بعد الجديد، الذى تمثل فية الولايات المتحدة ليس فقط القطب الوحد ولكن أيضا عالما بأكمله فى مواجهة العالم القديم، أما الأسباب الأخرى والتى تدعيها أمريكا والتى يعد نزع أسلحة الدمار الشامل قد اصبحت مجرد أضحوكة . “
2- يشير الأستاذ مراد وهبة أحد أهم العاملين فى الحقل الثقافى إلى أن العدوان على العراق يعد تحريرا من الطغيان، وتعد احداث الحادى عشر من سبتمبر وراء التحرك الأمريكى تجاة العراق، حيث انها تمثل فقدان شعورها بالأمن أى أنها لا تشعر بالإستقلال بعد أن توهمت طويلا أن أحدا لا يستطيع إيذائها من الداخل، لكنها فؤجئت بأن الأذى ممكن وأنة مقبل من الخارج فكان أن أتجهت من الداخل الى الخارج، فهل نسمى هذا استعمارا؟امريكا ضربت فى أعظم منتجات الثورة العلمية والتكنولوجية، ثم تفاجىء بنا نحذرها بأن أى تحرك من جانبها سنعتبرة أستعمارا، بل ونطالبها بأن تتحمل أى ضرب يوجة اليها من الداخل ،هل هذا منطق فية أعمال للعقل؟
3- د/ عبد المنعم سعيد مدير مركز الدراسات السياسية والإسترتيجية بالأهرام ويقول:”أن أدارة بوش الابن وبالتحديد بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر اصبحت أقل حماسا تجاة وجهة النظر التى تبنتها الدول الاوربية فى ضرورة أدارة النظام الدولى من خلال المؤسسات الدولية كى تحظى بالشرعية الدولية ، إلاأن أمريكا قد اتجهت لتبنى وجة نظر مخالفة مشيرة الى وجود دول وجماعات تستغل الشرعية الدولية للتغطية على قدراتها فى مجال استخدام القوة، وهى تعطى على ذلك مثالا أن الكثيريين يطالبون أمريكا بالحصول على تصريح لضرب العراق، وفى المقابل لم يحصل أسامة بن لادن على مثل هذا التصريح فى ضربة لامريكا، والعراق أيضا لم يحصل على هذا التصريح عندما غزا الكويت ولم يسألة أحد لماذا لم يلجأ الى مجلس الأمن ؟وبناء على وجهة النظر الأمريكية هناك شرعيتين فى العالم:شرعية تمثل الدول التى تقبل الخضوع للقانون الذى يطبق على الصغير والكبير، وشرعية الدول والجماعات السياسية التىترفض القانون الدولى من الأصل وتعتمد الى شرعية أخرى، ومن هنا فلا يمكن لتعامل معها الا بالقوة.”(1)

• المجموعة الثانية إيران وتركيا
1- تركيا
تعتبر تركيا من الدول التي تعول عليها الولايات المتحدة كثيرا لشن هجوم على العراق. وهي تمثل أحد الحلفاء الإستراتيجيين داخل حلف الناتو. وفي محاولة لضمان مساهمتها في خططها الحربية، سعت الولايات المتحدة لدى الدول الأوروبية لقبول تركيا عضوا داخل الاتحاد. لكن هذا المسعى لم يكتب له التوفيق، وربما كان هذا الضغط من العوامل التي جعلت الأوروبيين يؤخرون التفكير في فتح مفاوضات مع تركيا قد لا تدخل هذه الأخيرة إلا بعد عشر سنوات.
المخاوف التركية
وإذا كانت الولايات المتحدة تملك قواعد عسكرية في تركيا، فإن هذه الأخيرة لا تشاطر كلية التصور الأميركي لتدبير النزاع مع العراق. وتتلخص مخاوف تركيا في شيئين أساسيين:
• أولا: الانعكاسات المحتملة على اقتصاد تركيا. فهي كانت من الدول التي تضررت كثيرا من الحظر الشامل المضروب على العراق، حيث كانت هذه الأخيرة بمثابة حليفها الاقتصادي الرئيسي قبل نشوب أزمة الخليج. ويعتبر الأتراك أنه على خلاف الوعود التي قدمت إليهم، فإنهم لم يتلقوا فعليا إلا جزءا يسيرا. وفي هذا السياق تسعى تركيا إلى التفاوض للحصول على مساعدات مالية، تدعم برنامجها القاضي بإنعاش الاقتصاد بعد النكسة التي تعرض لها.
• ثانيا: المسألة الكردية، فتركيا تتخوف من أن التدخل الأميركي قد يؤدي إلى تقسيم العراق، أو قد يخلق حالة من الفوضى قد تعطي الفرصة لأكراد العراق بتكوين دولة في الشمال. وهو ما قد يشجع أكراد تركيا على تعزيز مطالبهم، أو العمل على تسريب أكراد مقاتلين من حزب العمال الكردستاني إلى البلاد للقيام بعمليات قد ترجع البلاد إلى وضعها ما قبل اعتقال الزعيم أوجلان والحكم عليه بالسجن مدى الحياة. وتقلق المسألة الكردية تركيا، خاصة أنها تحاول من خلال الإصلاحات الديمقراطية إيجاد تسوية لهذه المسألة في إطار الوحدة التركية. وعلاوة على ذلك قد تعمل تركيا على نشر عدد من قواتها إلى جانب قوات التحالف شمالي العراق، منعا لتدفق اللاجئين ومنع حدوث كل ما من شأنه أن يضر بمصالحها.
ولمحاولة التخفيف من حدة الضغوط الأميركية يحاول الأتراك تبني سياسة انتظارية تسعى إلى انتظار تقرير مفتشي الأسلحة لمعرفة موقف مجلس الأمن. وبالتالي تحديد الموقف النهائي، والذي لا يمكن له إلا أن يأخذ بعين الإعتبار مدى إصرار الولايات المتحدة على المضي في تنفيذ سياستها العدوانية ضد العراق. وبحكم علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، فإن ما هو أساسي بالنسبة لتركيا هو محاولة التخفيف من الانعكاسات، وربما الحصول على امتيازات في حالة قيام مواجهة مسلحة. (1)
2- إيران.. والعدُوان
يختلف الوضع مع إيران. فمنذ وصول الرئيس محمد خاتمي، بدا وكأن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تسير نحو التحسن. فموضوعيا شروط اللقاء بينهما موجودة في هذا الملف، لكون العراق يعتبر عدوا مشتركا لهما. لكن الأمر ليس بهذه البساطة. فالعلاقات مع أميركا تدخل ضمن دائرة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين. بل إن هامش هؤلاء في تدبيرها يبدو ضعيفا. فالمحاولات التقاربية التي أبداها الإصلاحيون سرعان ما تم إجهاضها.
وإذا كانت إيران قد لينت موقفها خلال حرب أفغانستان، حيث عمدت بفعل عدائها لنظام طالبان إلى مطاردة أنصار القاعدة الفارين إلى ترابها، فإن العلاقات الأميركية الإيرانية لم تتحسن بفعل اختلاف وجهات النظر، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ومساندة إيران لحركات لبنانية تعتبرها أميركا إرهابية. وقد ساءت العلاقات عندما صنف الرئيس الأميركي جورج بوش إيران ضمن دول محور الشر، رافضا بذلك التمييز بين الإصلاحيين والمحافظين، ومطالبا إيران بمواءمة سياستها للقبول بالمخططات الأميركية والإسرائيلية في الملفات الحساسة. ومن ثم فقد توسعت دائرة الاختلاف بين الدولتين في إدراك قضايا المنطقة، كما هو الأمر بالنسبة للقضية الفلسطينية.
ومن ثم فإن إيران تنظر بالكثير من الريبة لإمكانية تدخل عسكري أميركي في المنطقة. فهي إذا كانت تبارك كل محاولة للإطاحة بنظام صدام حسين الذي تعتبره مسؤولا عن الحرب بين الدولتين والتي خلفت ما يناهز المليون قتيل، وكذلك شخصا انتهازيا لا يحترم أي ميثاق [أنظر تصريح نائب رئيس مجلس البرلمان الإيراني نشرته صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 6 ديسمبر 2002]، فإنها على شاكلة تركيا تتخوف من المسألة الكردية، والتي قد تتأجج بفعل المساندة الأميركية إلى جانب الأغلبية الشيعية التي لا يعرف أي أحد مصيرها في حالة قيام حرب في العراق وانهيار النظام الحالي. لكن أكثر من ذلك هناك من يعتبر أن إيران هي الحلقة المقبلة في مسلسل إعادة تشكيل العالم الذي تقوده الولايات المتحدة. فاحتلال أميركا للعراق يعني زيادة الطوق على النظام الإيراني الذي لا تخفي الإدارة الأميركية رغبتها في سقوطه. ومن ثم فإن السؤال الأساسي فيما يتعلق بإيران هو معرفة ما إذا كانت حرب محتملة بإمكانها أن تغير التوازنات الداخلية، وتعطي دعما لجناح على حساب جناح آخر، أم أنها ستذهب أبعد من ذلك إلى حد تشكيل خطر فعلي على النظام الإيراني برمته. (1)

ثالثا: الأبعاد الدولية للأزمة العراقية
الاتحاد الاوربى وموقفة من الأزمة العراقية
هناك تحديان رئيسيان يواجهان الناظر إلى المشهد الأوربي تجاة الزمة العراقية، يرتبط أولهما بالبحث عن أسباب اختلاف مواقف القوى الأوربية المركزية حول قضية العراق والتأمل في انعكاساته المحتملة على وتيرة ووجهة عمليات التوحد والاندماج الأوربي، ويتعلق الثاني بحقيقة بروز أنماط جديدة لتعامل بعض الدول الأوربية مع توجهات السياسة الأمريكية باعتبارها تعبيراً عن إرادة القطب المهيمن عالميا والمضطلع تقليدياً بدور القيادة في منظومة التحالف الغربي. وعلى الرغم من حدة المقارعات الدبلوماسية بين الحكومات الأوربية في الفترة الأخيرة والتي بلغت درجة حديث البعض عن عصابات عميلة لواشنطن داخل القارة الأوربية (كلمات المستشار الألماني شرودر في معرض تهكمه على الدول الثمانية التي وقعت على إعلان تأييد موقف الرئيس الأمريكي من العراق) أو تذكير الآخرين بأن الولايات المتحدة هي مَن صنعتهم وأنعمت عليهم بنعمة الديمقراطية بعد حقب طويلة من الاستبداد (رئيس الوزراء البريطاني موجهاً حديثه للمجتمع الألماني ناكر الجميل) إلا أن عباءة الهوية الأوربية المشتركة ما زالت تغلف محاور الخلافات والصراعات الواقعية وترتب تبعاً لذلك تعاظماً لمساحات المسكوت عنه في خطابات القوى الأوربية، وغلبة لمنطق “دعنا ننتظر فلا نكون البادئين بإحداث أزمة قارية”، وهو منطق تعلمه السياسي الأوربي بعد سلسلة طويلة من المواجهات المريرة خسرها دائماً كل من بادر بالتصعيد أو تفجير موقف مشتعل بالفعل (خبرة الحربين العالميتين الأولى والثانية).
بين المصالح.. والمواقف
وحقيقة الأمر أنه يمكن التمييز بوضوح على خلفية المواجهة الأمريكية العراقية بين معسكرين متقابلين داخل القارة الأوربية لكل منهما رؤيته وخطابه السياسي ورموزه الإعلامية. فهناك من جهة مجموعة مؤيدي ومعاوني الولايات المتحدة في حربها ضد العراق وتضم بصورة أساسية في غرب أوربا بريطانيا وأسبانيا وإيطاليا وهولندا والدانمارك، وفي وسط وشرق القارة بولندا وجمهورية التشيك والمجر ودول البلطيق. وتتوافق إرادات هذه الدول مجتمعة على مشروعية التدخل العسكري لتغيير النظام الحاكم في بغداد وتؤكد في خطابها السياسي على التوجه نحو إحلال ترتيبات ديمقراطية في العراق بعد عقود طويلة من الحكم الديكتاتوري ومحاولة جعل عراق ما بعد صدام حسين نموذجاً إقليميا يحتذى به. وعلى الرغم من الالتقاء حول الأهداف الكبرى فإن دوافع أعضاء هذه المجموعة شديدة الاختلاف؛ الأمر الذي يرتب تفاوت درجات تأييدها للحرب الأمريكية. ففي حين تلتصق بريطانيا بحكومتها العمالية بصورة شبه كاملة بموقف واشنطن في إطار إدراك يضع التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة في المرتبة الأولى على سلم الأولويات أي قبل اعتبارات المعارضة الشعبية والحزبية للحرب على العراق أو مستقبل عملية الاندماج الأوربي، وهو التوجه الذي تشاركه في اللحظة الراهنة هولندا والدانمارك بصورة عامة -يأتي التأييد الأسباني والإيطالي أكثر تحفظاً.
والواقع أن موقف الدولتين الأخيرتين الحالي يشكل تحولاً ملحوظاً في تاريخ علاقتهما المعاصرة مع الولايات المتحدة. فقد تميزت الأحزاب اليسارية والاشتراكية التي سيطرت على مقاعد الحكم لفترات طويلة في مدريد وروما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بنزعتها النقدية إزاء السياسات الأمريكية خاصة في منطقة الشرق الأوسط القريبة جغرافياً وتاريخياً لها وتماهت في ذلك، على الرغم من اندراجها في سياق منظومة حلف الأطلنطي عادة مع الموقف الفرنسي. ربما فسرت حقيقة أن الائتلافات الحاكمة الآن في الدولتين بقيادة أزنار وبرليسكوني هي يمينية الهوى هذا التحول جزئياً إلا أن فهمه بصورة أعمق لن يتأتى إلا من خلال إدراك أهمية التحولات الكبرى التي شهدتها القارة الأوربية في التسعينيات. فالوحدة الألمانية وتوسع الاتحاد الأوربي شرقاً قد رتبا باختصار اختلالاً واضحاً لموازين القوى القارية في صالح وسط وشرق أوربا على حساب جنوبها؛ الأمر الذي يدفع صانع القرار في دول مثل أسبانيا وإيطاليا إلى البحث باستمرار عن إطارات بديلة للفعل السياسي يعادل بها هيمنة الأجندة الألمانية على القارة. ولم يكن تطوير الشراكة الأورومتوسطية إلا محاولة من صانع القرار في مدريد وروما بل وقبلهما في باريس لكبح جماح توجه القاطرة الألمانية نحو الشرق. وأضيف إلى ذلك فيما يخص الأزمة العراقية حالة التقارب الفرنسي-الألماني الواضحة التي أعادت الحياة إلى محور باريس-برلين بعد فترة من التوترات بين البلدين في أواخر التسعينيات وهو الوضع الذي تخشى معه دائماً دول القارة الأضعف نسبياً تجاهل مصالحها وتصوراتها.
يمكن إذن فهم التأييد الأسباني والإيطالي للموقف الأمريكي باعتباره محاولة للتأكيد على استقلالية الدولتين وتوسيع مساحة حركتهما السياسية من خلال التقرب إلى واشنطن. ورغم المعارضة الشعبية الواسعة للموقف الرسمي والتي تصل في أسبانيا على سبيل المثال وفقاً لاستطلاعات الرأي العام الأخيرة إلى ما يزيد عن 90% فإن حكومة رئيس الوزراء الأسباني إنما تعتمد على شرعية الإنجاز الاقتصادي في علاقتها مع الناخب هناك في حين يعتمد برليسكوني على تشرذم الساحة السياسية الإيطالية وغياب البديل في بقائه في الحكم.
أما دول أوربا الشرقية والوسطى فلها هي الأخرى دوافعها الخاصة. فبولندا وجمهورية التشيك والمجر فضلا عن الجمهوريات القزمية في منطقة البلطيق تسعى جميعها في ظل وضعية جيوإستراتيجية شديدة التعقد لتوظيف علاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة لخلق حالة من التوازن الإيجابي في فعلها الخارجي في ظل ارتباطها العضوي بالاتحاد الأوربي الذي بدأت بالفعل عملية انضمامها له وفي ظل شبح عودة الهيمنة الروسية خاصة في حالة دول البلطيق تمكنها من التعبير عن إراداتها الوطنية محتمية بالقوة العظمى التي تدخلت بالفعل في الماضي القريب للدفاع عن مصالحها في مواجهة التصورات الألمانية والفرنسية المجحفة أحياناً.
ومن جهة أخرى تمركزت في الشهور الماضية حول موقف فرنسا وألمانيا مجموعة ثانية مناوئة للتوجهات الأمريكية ضمت معهما بصورة رئيسية بلجيكا وبدرجات أقل اليونان والنرويج والسويد. ويشدد الخطاب المعلن لهذه المجموعة على عدم مشروعية استخدام القوة العسكرية في نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية إلا بعد استنفاد كافة الوسائل الأخرى وبترخيص واضح من الأمم المتحدة، وعلى عدم جواز التدخل المباشر لتغيير نظام الحكم في العراق أو غيرها من دول المنطقة وذلك بصرف النظر عما يمكن أن يساق في هذا الصدد من أسباب مثل الحرب ضد الإرهاب أو التحول الديمقراطي. وتستند هذه السياسة إلى نظرة للشرق الأوسط ترى في حل الصراع العربي الإسرائيلي نقطة البدء في الإصلاح، وفي الحرب على العراق تطورا يفضي بالحتم إلى غلبة رؤى المواجهة الشاملة بين العالم الغربي والإسلامي في ظل هوس عام بصراعات بين الحضارات وبحروب صليبية قادمة. أما المصالح الكامنة وراء موقف دول هذه المجموعة فتأتي أيضاً تماماً مثل المجموعة المؤيدة للسياسة الأمريكية شديدة التفاوت.
ففرنسا ترغب بالأساس في تسجيل اختلافها مع الإدارة الأمريكية الحالية حول أسلوب إدارة النزاعات العالمية بحيث يتضح بجلاء رفضها لهيمنة دولة واحدة على مقدرات البشرية، خاصة إذا كانت هذه الدولة تحتكم إلى منطق من ليس معي فهو ببساطة ضدي. وترد في مرتبة تالية كمحدد هام للسياسة الفرنسية المصالح الخاصة في الشرق الأوسط ومع العراق، والتي جعلت تبني موقف قريب من الموقف الأمريكي يذهب بمصداقية استقلالية باريس النسبية عن واشنطن في فعلها الدولي أمرا من الصعوبة بمكان.
ألمانيا على صعيد آخر أعادت في ظل حكومة يسارية اكتشاف نفسها كقوة أوربية يمكنها التصرف عالمياً بمعزل عن الإرادة الأمريكية وفي ضوء تصورات جديدة تعلي من شأن المصالح القومية الألمانية – وجزء حيوي منها متموضع في الشرق الأوسط – على حساب اعتبارات الطاعة العمياء للولايات المتحدة.
ويمكن أخيراً النظر إلى رفض قطاعات واسعة من المجتمع المدني في الدولتين ومعهما بلجيكا والنرويج والسويد على أنه عامل مساعد شجع حكوماتها في لحظة أزمات اقتصادية وتغيرات مجتمعية عميقة الأثر (نهاية عصر دولة الرفاهية) على المضي في رفض الحرب الأمريكية ومكنها من تسويق هذا الموقف باعتباره تعبيرا صادقا عن الإرادة الشعبية.
وعلى الرغم من السمو الأخلاقي والفلسفي للموقف والخطاب الرافض للحرب والذي يعد وزير خارجية فرنسا الحالي من أهم رموزه فإنه يعاني من ثلاث مشكلات كبرى. وفي حين تتمثل الأولى في حقيقة محدودية فاعلية هذه الدول في التأثير على الإدارة الأمريكية لتغيير توجهاتها على أرض الواقع ترتبط الثانية بممارسة فرنسا تحديداً لسياسات أحياناً ما تقترب إلى حد بعيد من المواقف الأمريكية المنتقدة على نحو يجعل من السهل الحديث عن عدم اتساق بين أو تناقض جلي بين القول والفعل. والإشارة هنا على سبيل المثال إلى التدخل الفرنسي العسكري في عدد من الدول الأفريقية كانت ساحل العاج أهمها في الفترة السابقة وعلى الرغم من غياب ترخيص دولي واضح من الأمم المتحدة.
أما أخطر وأعقد هذه المشكلات فيرتبط بالأهمية الإستراتيجية لعلاقات هذه الدول مجتمعة مع الولايات المتحدة في إطار منظومة التحالف الغربية. فواشنطن هي أهم شريك تجاري للاتحاد الأوربي وما زالت تمثل الطرف الأكثر فاعلية في ترتيبات الأوربيين الدفاعية والذي تدخل باستمرار لإنقاذ القارة القديمة من شبح الحروب أو من أخطار استمرار تصفيات عرقية بشعة في السنوات الأخيرة لم تتمكن دول مثل فرنسا وألمانيا من التغلب عليها بمفردها. وبالمقابل فإن أدوات الفعل الخارجي الجماعي خاصة العسكري باستقلالية عن الولايات المتحدة غائبة إلى حد كبير. وإن وجد توجه نحو سياسة خارجية مشتركة للاتحاد الأوربي فإن معناه الواقعي محدود للغاية في ضوء الاختلافات الأوربية- الأوربية.(1)

المجتمع المدنى العالمى ومناهضتة للحرب ضد العراق
برز تعبير “المجتمع المدني العالمي”- مثله مثل تعبير “المجتمع المدني” ذاته- مجددا في سياق التحولات التي رافقت انهيار القطبية الثنائية. وربما يصح ربطه أيضا مع خطاب العولمة. وقع في يوم 15 فبراير خفض حدة تلك التوقعات المتشائمة. فقد تجلى المجتمع المدني العالمي، بأعظم معانيه ودلالاته، في المسيرات الحاشدة والمتزامنة في نحو 6000 مدينة، وأكثر من 70 دولة في العالم، لمناهضة الحرب الأمريكية المزمعة ضد العراق. وقد فرض هذا اليوم نفسه حتى على أكثر المتشككين في مفهوم المجتمع المدني العالمي، باعتباره يوما فريدا في تاريخ العالم، وظاهرة لا يضاهيها شيء في تاريخ البشرية أو واقعها الحديث. فالمسيرات والمظاهرات- خاصة تلك المناهضة للحروب الاستعمارية- هي تجل تقليدي للرأي العام العالمي. ولكن ما حدث في يوم 15 فبراير يتجاوز هذا التجلي، ليس فقط من حيث الاتساع الجغرافي والكم، وإنما أيضا من حيث طبيعة القوى المشاركة والتكوين القومي ودلالاته. فأكثرية القوى المشاركة في المظاهرات والمسيرات العالمية المناهضة للحرب الأمريكية ضد العراق هي طلائع لنشاطية مدنية منظمة لها حضور عالمي. فكأن تلك القوى لم تتدفق إلى شوارع المدن في جميع أنحاء العالم فجأة للاحتجاج على حدث منفرد أو أكثر، وإنما هي قوى مدربة ذات نشاطية سابقة بمناسبة أحداث سابقة وعديدة. وانطلقت تلك الجماهير لا للتعبير عن غضب، وإنما للتعبير عن رؤية وممارسة لكفاحية ممتدة لتطبيق وجهة النظر هذه.
ويرتبط بذلك أن أسلوب التحرك لم يكن يتسم بمجرد التزامن والتركيز على حدث خطير يهدد سلام العالم ومبادئ العدالة الدولية، وإنما أيضا بالارتباط الفعلي والحركي الذي توج عملية بالغة الاتساع والتعقيد لبناء الشبكات وتبادل الرأي في منابر ومناسبات شتى.
ويضمر هذا الوصف أيضا إشارة إلى الدور المذهل الذي تلعبه الأوعية الحوارية الأكثر حداثة، مثل شبكة الإنترنت، والمؤتمرات الكونية، والمظاهرات الحاشدة ذات التركيبة متعددة الجنسيات، التي تمت تجربتها في مناسبات شتى، وفي مختلف مدن العالم، وعلى مستويات مختلفة، بدءا من المظاهرات المناهضة للعولمة، وحتى المؤتمرات العالمية للأمم المتحدة، مثل مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان عام 1993، ومؤتمر القاهرة للسكان عام 1994، ومؤتمر نيروبي للمرأة، وغيرها.
ومن هذا المنظور مثلت أحداث 15 فبراير كتلة مشاعرية ورؤى متحدة على نحو غير مسبوق في التاريخ العالمي، لأنها حملت ميراث الفكر السياسي والمدني الذي تبلور عبر عقود.
ويلفت النظر أيضا في هذه الأحداث الطبيعة الخاصة لتركيبها القومي. فالأغلبية العددية للمشاركين في المسيرات والمظاهرات التي وقعت في هذا اليوم، والفعالية النوعية الأعلى لهذه الأنشطة تخص تلك التي وقعت في مدن أمريكا الشمالية وأوربا وأستراليا، أي في تلك الدول التي تمثل “الغرب الثقافي”، وهي نفسها المستفيدة من الوضع الممتاز للغرب، سواء في ميدان العلاقات السياسية الدولية، أو الرخاء والتقدم الاقتصادي. وبداهة فإنها هي أيضا الدول الوريثة للاستعمار الغربي الحديث. ومعنى ذلك أن هذا التحرك العالمي لم يعكس مصلحة قومية أو اجتماعية مباشرة وإنما رؤية أخلاقية تناضل ضد الامتياز الذي تتمتع به تلك البلاد، بما في ذلك امتياز شن الحرب على الآخرين والضعفاء مثلما هو الحال مع العراق. وقد حدث ذلك من قبل في المظاهرات التي وقعت في أوربا الغربية بما فيها بريطانيا وفرنسا أثناء العدوان الثلاثي على مصر أو الحرب الفرنسية ضد حركة التحرر الوطني الجزائرية. وباختصار، فظاهرة 15 فبراير ليست مجرد تجسيد للمعنى التقليدي للرأي العام العالمي وإنما هي تجسيد لقيم مدنية وسياسية أو مصالح عالمية أو فوق قومية وعابرة للحدود بين القوميات. وقد نشأت تلك الظاهرة -من حيث المضمون- على أرضية الشعور والإيمان بقيم مشتركة للبشرية، وتم زرع هذا الشعور وهذا الإيمان بفضل نشاطية مدنية عالية، وهو ما يميزها عن الرأي العام العالمي التقليدي الذي توزع بين الأوعية السياسية والحزبية التقدمية واليسارية القديمة مثلما حدث مثلا في عام 1956. فالنشاطية العالمية الحديثة تنبع من أوعية مدنية واتصالية مستجدة إلى حد كبير.(1)

صنع القرار السياسى فى مصر والصراع العربى الإسرائيلى

كاتب الموضوع الأصلي: نهاد

صنع القرار السياسى فى مصر والصراع العربى الإسرائيلى(دراسة مقارنة)

المقدمة
تشهد الجماعة العلمية فى العلوم السياسية صراعا فكريا حول نظريات صنع القرار السياسى ،الا انة ومن الملاحظ تختلف عملية صنع القرار فى دول العالم الثالث عما عداها من دول العالم الاول أو حتى العالم الثانى .ففى العالم الثالث تعظم شخصية رئيس الدولة وتصبح محورا لتفاعلات المجتمع كلة.هذا الى جانب دور ضعيف للمؤسسات الموجودة ،والتى لا يخرج دورها عن إضفاء صفة الشرعية على قرارات وسياسات رئيس الدولة.1)
ولهذا يستهدف البحث دراسة صنع القرار السياسى فى مصر كحالة تطبيقية للدراسة وكنموذج تطبيقى واضح لدول العالم الثالث ويشير البحث الى تعاظم دور رئيس الدولة فى الدول الغير ديمقراطية فى دائرة صنع القرار والتى يتمحور القرار من خلال اهتماماتة وتوجهاتة الشخصية بما يعنى أن اخطر القرارات مصدرها هو رئيس الدولة وبالتالى فقد تم تقسيم البحث الى ثلاث مراحل الناصرية والساداتية وفترة الرئيس مبارك.
1)دائرة صنع القرار فترة الرئيس جمال عبد الناصر من 1952م- 1970م
2) دائرة صنع القرار فترة الرئيس السادات فى الفترة من 1970م-1981م
3) ) دائرة صنع القرار فترة الرئيس مبارك بداية من 1981م-2006م

وقد تم الاستعانة بالمنهج المقارن والذى يعد خطوة هامة للمقارنة بين الحقب الثلاثة من خلال دوائر صنع القرار فيها ،كى يمكن معرفة القواعد العامة التى تمكن من فهم العلاقة بين تغير المناخ السياسى سواء الداخلى أو الاقليمى أو الدولى وما يصاحبة من تغيرفى السلوك السياسى لدى صانع القرار.
وبما ان تلك الحقب تموج بالكثير والكثير من القرارات الهامة التى كان لها صداها على المستوى الداخلى والاقليمى والدولى فقد تم التركيز فى هذا البحث على رؤية كل من الرؤساء الثلاثة لتسوية الصراع العربى الاسرائيلى
.وقد تم تقسيم البحث الى خمسة أقسام :-
القسم الاول:- يتناول التأصيل النظرى لعملية صنع القرار السياسى .
القسم الثانى :-الصراع العربى الاسرائيلى فى فترة الرئيس عبد الناصر 1952م-1970م.
القسم الثالث:-التوجهات السياسية وصنع القرار للرئيس السادات فى ادارة الصراع العربى الاسرائيلى .
القسم الرابع :- السياسة الخارجية فى فترة الرئيس مبارك ودوائر صنع القرار السياسى.
القسم الخامس:-الخاتمة.

المبحث الاول
التاصيل النظرى لعملية صنع القرار السياسى
ذاد الاهتمام بالقرارت كعنصر اساسى فى العملية السياسية منذ الحرب العالمية الثانية وكمحور دارت حولة العديد من الدراسات ففى علم الاجتماع أشار دافيد إيستون “David Easton” بأن القرارت تعد مخرجات outputs للنظام السياسى تحدد فيها القيم سلطويا داخل المجتمع وفى نفس الاطارأشار بعض علماء علم النفس عن الدوافع الحركية للقرارت التى تتخذ على مستوى الافراد والاسباب التى تصعب من خلالها صنع القرار عند بعض الافراد عن البعض الاخر. وفى أطار علم الاقتصاد والادارة فقد اهتم الاقتصاديون بدراسة صنع القرار كسلوك لدى المستهلكين والمستثمرين وغير هؤلاء ممن يكون لاختياراتهم أثر على الاقتصاد أما دارسو إدارة الاعمال فقد اجتهدوا فى تنمية كفائة المديريين فى تنظيم صنع القرار . وقد استوحى علماء السياسة من هذة العلوم الكثير من المفاهيم والمنهج وحيث أن القرار السياسى يأتى فى اولويات القرارات بما لة من تأثير على المجتمع بمؤسساتة وجماعتة وافرادة.1)لذا فقد اتجة علماء السياسةإلى دراسة السلوك القرارى decision behavior لدى المصوتين والمشرعين والتنفيذين الحكوميين والسياسيين وقادة الجماعات من أصحاب المصالح وغيرهم هذا بالاضافة الى التطرق لدراسة صنع القرار فى السياسة الخارجية بإعتبارة يدل على قطاع خاص فى الظاهرة السياسية العامة.
ويرى الاستاذ الدكتور عبد المنعم عمارة أن صنع القرار يعنى “عملية إختيار بين البدائل المتاحة التى تتسم بعدم التأكد أو اللايقين فى نتائجها وهذا لايعنى ان نموذج صنع القرار يكون جاهزا امام المسئول السياسى وهو يضع امامة سلسلة من البدائل ويشرع فى دراسة أثار كل منها طبقا لمقاييس محددة”.
إذ أنةفى السياسة الخارجية تحكم متخذ القرار الاوضاع السياسية العالمية وتوازن القرارات المتخذة ربما أكثر من السياسة الداخليةحيث أن عدد البدائل المتاحة يكون محدودا بل قد لا يكون هناك بدائل فجوهر عملية صنع القرار هو الاختيار بين عدد من الممكنات لا على اساس نظرى ولكن على اساس عملى يرتبط بالظروف القائمة ونادرا ما يجد السياسى نفسة أمام وضع لا مجال لة فى الاختيار أذ احيانا لاتتوفر عدة بدائل. 2)
ويجدر الاشارة إلى أن صنع القرار السياسى لا يعد من المداخل الجديدة فى فهم السياسة الدولية الا أنة يعد تحول كبير عن التحليل السياسى التقليدى فى محاولة لفهم وتحليل سلوك صانع القرار فى موقف معين كى يمكن التعرف على طبيعة النظام السياسى السائد و ادراك السياسة العامة للدولة.
وبهذا توصف نظرية صنع القرار بإنها تحليل للجزء أكثر منة تحليل للكل فالتركيز فى نظرية صنع القرار يكون على شىء أصغر بكثير من النظام السياسى ككل أو بتعبير أخر وحدة قرارية decisional unit محدودة و محددة جيدا.1)
وتتمحور مناهج تحليل عملية صنع القرار السياسى حول منظورين أساسين :-
1)المنظور الموضوعى فى صنع القرار:- . من أنصار هذا المنظور والذى يطلق علية ايضا المنظور البيروقراطى سنايدر وهالبريين وأليسون وروزنو ولوفيل وروبنسون وبهجت قرنى وأخرون، ويرون أنة يحلل صنع القرار من زاوية فهم الجوانب الموضوعية المحيطة بالقرار أى محاولة تحليل بناءات صنع القرار فى سياق الظروف المجتمعية المصاحبة للقرار وقد وجهوا أنتقاداتهم للمنظور النفسى ألى انة يختزل الظروف الموضوعية المصاحبة للقرار مركزا على شخص رئيس الدولة وسماتة الشخصية دون مراعاة للمحيط المجتمعى ما يؤدى إلى ضعف التحليل ومحدوديتة وعدم دقة نتائجة.
2)منظور القيادة السياسية الحاكمة:- وينطلق من زاوية تحليل البيئة النفسية للقيادة الساسية الحاكمة والتى تتمثل فى شخص رئيس الدولة وقد تمتد الى النخبةالمحدودة المحيطة بة.أى رؤية رئيس الدولة للواقع المجتمعى وقراءتة الذاتية لهذا الواقع.2). و يوجة أنصار المنظور النفسى مثل بريتشر وهولستى وسبراوت وداويشا وغيرهم انتقادات للمنظور الموضوعى على اساس انة يتجاهل البعد الشخصى ومضامينة الشعورية وكأن عملية صناعة القرار هى مجرد مؤسسات وأطر بيروقراطية وعلاقة ألية أو ميكانيكية دون ان يكون للبشر القائمين على هذة المؤسسات والاجهزة شعور وان يتأثرون بمن حولهم أو يؤثروا فيهم ويردون على أصحاب المنظور الموضوعى بأنهم حينما تبنوا التوجة النفسى فى تحليل القرار والذى يركز على دور القيادة السياسية ابرزوا دور الشخصية الحاكمة لصناعة القرار فإنهم لم يتجاهلوا العوامل الموضوعية المحيطة بها.كما أن الامر يتوقف على مدى ادراك صانع القرار للبيئة الواقعية بأبعادها المختلفة.
ودون الخوض فى مدى جدوى احدهذين المنظورين دون الاخر يمكن أن نطرح سؤالا غاية فى الاهمية الا وهو اى المنظوريين يمكن ان يطبق فى دول العالم الثالث؟
فدول العالم الثالث تتضح فيها ظاهرة شخصنة السلطة والتى تعنى تركز السلطة فى يد شخص رئيس الدولة بجانب الفئة المحدودة المحيطة بة كما تختفى فكرة دوران السلطة بين النخب والاحزاب السياسية ،علية فإن عملية صنع القرار تتركز فى شخص رئيس الدولة وإن شئت قل ينفرد بها خاصة فى المجال الخارجى على خلاف الاوضاع الداخلية.وبالتالى اتجهت الدراسات الاكاديمية فى تحليل السياسة الخارجية فى دول العالم الثالث عامة ومصر خاصة بالتركيز على رئيس الدولة ودورة المحورى فى صنع وتنفيذ السياسة الخارجية لبلادة.1)واتجهت بالتالى الى التركيز على نمط تفكيرة وتوجهاتة الفكرية والعوامل التى أسهمت فى تكوينة والتى بدورها أثرت على نظرتة للعالم المحيط بة داخليا وإقليميا ودوليا. فضلا عن تنشئتة السياسية والاجتماعيةوتطور عملة الوظيفى وسماتة الشخصية وقدراتة فى التعامل مع المحيطين بة.1)
ووفقا لأليات النظام الديمقراطى يسعى كل حزب سياسى لكسب ثقة الجماهير حتى يحصل على تأييد الغالبية منهم لكى يتولى السلطة وفى اتون هذا التنافس السيايى بين كافةالقوى السياسيةالمتجسدة فى أحزاب رسمية غالبا تتولد القيادات السياسية من رحم الصراع السياسى بين المتنافسين وتظهر الكوادر التى تتوفر لديها الرؤية الشاملة للنهوض بالمجتمع حال تولى السلطة فى ضوء ثقة الغالبية من الجماهير.3)ونتيجة لحداثة تقاليد الديمقراطية فى هذة البلدان4)وعدم تبلور تقاليد واضحة للصراع السياسى والممارسة السياسية فى الواقع العملى تعانى دول العالم الثالث من ظاهرة عدم الاستقرار السياسى بالاضافة الى عراقة فى المؤسسات السياسية مما يؤدى الى عدم وجود أنظمة مستقرة لصنع القراروعدم وجود شبكات اتصالية راسخة يمكن التعرف عليها لتحليل القرارت. وينطبق هذا الكلام على مصر شأنها شان دول العالم الثالث.
مما سبق يتضح أهمية موضوع الشخصية فى عملية صنع القرار فى مصر ودول العالم الثالث والتى يمكن دراساتها من خلال 1-التحليل النفسى لصانع القرار بشكل فردى
2-دراسة شخصية صانع القرارت من خلال نتائج القرارت التى أتخذها.
3-أثر البيئة الداخلية والخارجية فى عملية صنع القرار. 1)
وبالتالى ستحدد الدراسة التوجهات السياسية المصرية فى إطار إدارة الصراع العربي الاسرائيلى.
ويعتبر الصراع الاسرائيلى نمطا فريدا من الصراعات الاقليمية .فقد نشأ هذا الصراع مخططا من قوى دوليةويمكن القول أن الصراع العربى الاسرائيلى مر بمراحل مختلفة:-
أولا:-شهدت الفترة من1917م اى منذ وعد بلفور وقيام دولة اسرائيل فى 1948م صراع بين دولة اسرائيل وعرب فلسطين حتى تمكنت إسرائيل من إعلان دولتها واعتراف كل من أمريكا وروسيا بها فور قيامها.تلك المرحلة اتسمت بصراع سياسى وحرب عصابات بين يهود اسرائيل وعرب فلسطين.
ثانيا:- الفترة من بداية قيام ثورة يوليو 1952م وحتى 1970م وهى الفترة التى شهدت ادارة الصراع العربى الاسرائيلى وتأثير عبد الناصر كزعيم مصرى قومى فى اطار تجييش العالم فى مواجهة اسرائيل .وكيفية اتخاذ القرارات السياسية ودوائر صنع القرار فى مواجهة اسرائيل تلك المرحلة انتهت بحرب الاستنزاف.
ثالثا:-تم ادارة الصراع بأسلوب أخر فى الفترة من 1970م حتى 1981م والتى جاء فيها صنع القرار بأسلوب مختلف قبل وبعد حرب أكتوبر 1973م وبرؤية جديدة حتى داخل المؤسسات.
. اما مرحلة ما بعد معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية 1979 و التى نقصد بها مرحلة تولى الرئيس مبارك الحكم والتى بدأت فى 1981م تلك المرحلة تضمنت العديد من اتفاقيات التسوية والتى سارت فى اتجاة ضبط النفس وتجنب افتعال الازمات خاصة من الجانب الاسرائيلى.وبالتالى فإن كل مرحلة تعكس السمات المميزة لعملية صنع القرار السياسة فيما يختص بكيفية ادارة الازمة.2)

المبحث الثانى
الصراع العربى الاسرائيلى فى فترة الرئيس عبد الناصر من 1952محتى1970م

أولا الجذورالفكرية للرئيس جمال عبد الناصر
كان لعبد الناصر نسقة الفكرى والعقائدى الواضح وهو نسق تأثر عبر مراحل تطورة المختلفة بالعديد من التيارات الفكرية والايدلوجية والتى كانت تموج بها مصر بل الثورة خاصة القومية منها والاشتراكية.وقد شارك عبد الناصر فى مرحلة الشباب معظم الاحزاب السياسية وتفاعل مع معظم التيارات الفكرية النشطة والصاعدة فى حقبة الاربعينيات ويرجح أن يكون قد ارتبط تنظيميا ببعضها فى مراحل زمنية مختلفة وان كانت قصيرة و خاصة بمصر الفتاةوالتى تبنت الفكر الاشتراكى والاخوان المسلمين والذين اعتبروا أن الاسلام عقيدة وشريعة ومصحف وسيف والشيوعيين الذين رأوا أنة لابد من تمكين طبقة البرولتاريا وغيرهم.ومن اللافت للنظر حرص عبد الناصر عند تشكيلة للتنظيم السرى للضباط الاحرار على تجنييد عناصر تنتمى لكل القوى والتيارات الفاعلة فى المجتمع المصرى مما جعل هذا التنظيم أقرب ما يكون إلى شكل الجبهة الوطنية التى تضم كل اطياف التوجهات السياسية فى مصر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار منة إلى شكل الحزب او التيار السياسى.1)ويمكن القول ان شخصية عبد الناصر قد تبلورت انعكاسا للتطورات المادية التى لحقت بالمجتمعات العربية منذ بداية القرن العشرين وللظروف السياسية التى عايشاتها تلك المجتمعات فى ظل الحقبة الاستعمارية وحتى فترة ما بعد الاستقلال وهى بذلك تعبر عن التطلعات العربية وامالها فى مستقبل اكثر اشراقا تستطيع فية ان تتخلص من الازمات والمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تعيشها فى ظل الاوضاع الراهنة2) ولا يمكن ان نتغاضى عن مرحلة التكوين الشخصى للرئيس عبد الناصر فى فتراتها المبكرة فقد كان من المشتغلين بالسياسة وهو لا يزال طالبا بالمدرسة الثانوية كذلك لا يمكن ان ننكر وعية الثقافى والمعرفى من خلال قراءتة المتعددة واالتى اصبحت مصدرا مهما من المنابع التى نهل منها فى تلك المرحلة المبكرة3) ويمكن القول ان تلك الحصيلة قد شكلت فكرة ولفتت نظرة الى موقع مصر واهميتة ودورها فى المنطقة العربية وعمقت مفاهيم عن ضرورة وجود زعامة قوية مستنيرة تنقذ تلك المنطقة من عثراتها.1)
2- أزمة 1967م
من خلال رصد للاحداث التى كانت تموج بها تلك الفترة يتضح ان البيئة الادراكية للرئيس جمال عبد الناصر على المستوى الداخلى والخارجى كان لها انعكاساتها على مسار أزمة 1967م.
أولا:-البيئة الادراكية الداخلية
عاشت مصر مرحلة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة والتى مرت بها منذ 1952م الى ان اندلعت أزمة 1967م تلك التحولات القت بظلالها على النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى القائم. بداية كان قانون الاصلاح الزراعى الذى أصدرتة ثورة يوليو فى 9 سبتمبر1952م من أخطر الاجراءات التى قلبت الاوضاع فى الريف المصرى وجعلت للفلاحين قيمة اجتماعية وانسانية لم يشعروا بها يوما طوال قرون عديدة .ثم كان قرار 1956م بتأميم قناة السويس فقد لعب عبد الناصر دورا رئيسيا فى عملية صنع هذا القراروالذى كان له انعكاساته على المستوى الدولى خاصة انة يمثل تحدى لكل من بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية وعلى المستوى الاقليمى والداخلى مما أكسب شخصية عبد الناصر سمة الكاريزمية و جعلتة بطل قومى على مستوى الوطن العربى.الا انة وعلى الرغم من دراسة عبد الناصرلهذا القرار وحسابة للمخاطر التى سوف تترتب علية واخيارة للبدائل واستعانتة بكبار المسئوليين عن القناة والمتخصصين فى هذا المجال الا انة كانت لة اليد الطولى فى اتخاذ قرار التأميم مما كان سببا مباشرا فى حرب 1956م.
وعلى المستوى الشعبى فقد ذادت مشاعر الكراهية والتى كان يكنها الشعب المصرى تجاة اسرائيل حيث عمق عدوان 1956م تلك المشاعر ولم يكن الانتصار السياسى الذى تحقق كافيا لازالة طعم المرارة الذى ترسب فى نفوس الجموع بسبب اضرار مصر لقبول مرور السفن والبضائع الاسرائيلية عبر خليج العقبة ومرابطة قوات الطوارى الدولية فى شرم الشيخ وعلى حدودها الشرقية كثمن لانسحاب اسرائيل من سيناء2)
مما يبرهن على ان عبد الناصر كشخصية كارزمية1) ودورة كقائد ملهم كان لها صدى عميق فى نفوس جموع الشعب المصرى فقد كان من خلال خطبة وتصريحاتة يبرز اسرائيل كقاعدة للعدوان وكدولة توسعية تشكل خطرا على دول المشرق العربى وعلى مصر .
ومن هنا تتجلى السمة التعبوية والحشدية التى اتجهة اليها عبد الناصر خاصة من خلال خطبة، فقد حظى عبد الناصر بتأييد الشعب المصرى والالتفاف حولة حيث ان احساس الشعب المصرى بأن مقاليد الامور فى مصر ولاول مرة منذ قرون طويلة قد الت لزعامة مصرية وطنية حميمة.
إلا أن صراع الاجنحة بين اليمين واليسار داخل النظام قد بدء يبرز بشكل علنى ويدخل مرحلة مقلقة, وظهرت المؤسسة العسكرسة وكانها تخضع لقيادة عسكرية مستقلة عن القيادة السياسية ومنشغلة بأمور اخرى غير مهمتها الاساسية وهى اعداد الجيش للدفاع عن أمن الوطن ولمواجهة عسكرية محتملة ضد اسرائيل .ومن الغريب ان عبد الناصر قد دفع الازمة لمرحلة مواجهة عسكرية حتمية بدلا من تهدئتها واحتوائها فى الوقت الذى لم يكن مقتنع فية بصلاحية المشير عامر للقيادة وبهذا لا يمكن ان نحمل عبد الحكيم عامر وحدة مسئولية ما حدث عسكريا فى 1967م.2)
هذا وقد مثلت تلك المرحلة لعبد الناصر مرحلة رفض لمراكز القوى خاصة اعضاء مجلس الثورة.3) فقد اعتبر نفسة مركز القرار المتمثل فى قمة السلطة التنفيذية ومن هنا يتضح ان البيئة الادراكية الداخلية كان لها أثرها على مسار أزمة 1967م.
2-البيئة الادراكية الخارجية
يتعاظم دور البيئة الادراكية الخارجية كمحرك رئيسى لاتخاذ القرار لدى صانع القرار ،ويشير الواقع أن الرئيس عبد الناصر كان لدية ادراكا بالواقع السياسى والتوجهات السياسية الخارجية منذ بداية الثورة حيث أشار فى أهم وثيقة لثورة يوليو كتابة فلسفة الثورة الى ثلاث دوائر رئيسية:-اولا الدائرة العربية :- فقد شهدت تلك الفترة محاولات متعددة لتوحيد الصف العربى وتجسيد فكرة الوحدة العربية والتى كان ابرزها تجربة الوحدة المصرية السورية ودعم العمل العربى المشترك فى اطار التاكيد على القومية العربية والتى تعد القضية الفلسطينية جزء هام فى تلك المنظومة.ثانيا الدائرة الافريقية:- ادراك عبد الناصر أهمية التحرك على الصعيد الافريقى من خلال منظمة الوحدة الافريقية والتى تجسدت على ارض الواقع فى 1963م حيث ان توحيد القارة الافريقية سياسيا واقتصاديا وتقريبها من بعضها البعض فكريا وثقافيا واجتماعيا تعد من اهم المبادىء الثورية التى داعبت خيال عبد الناصر فقد اشار فى كتاب “فلسفة الثورة 1953” الى ان الدائرة الافريقية تعد من اهم الدوائر لانطلاقة العمل السياسى الوطنى.ولا يمكن ان نتجاهل دور عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة فى أعطاء السودان حق تقرير المصير والاستقلال.
وبالتأكيد فقد حرص على امتداد العلاقات مع دول حوض النيل خاصة أثيوبيا هذا بالاضافة الى رؤيتة الخاصة لدور الاستعمار واطماعة فى الدول الافريقية وضروة انطلاق حركات التحرر الوطنى.وعلى الصعيد الاسلامى فقد كانت توجهاتة تصب فى اتجاة ان مصر تجمعها مع شعوب الدول الاسلامية قبلة واحدة وعقيدة واحدة.
أما على الصعيد الدولى:- فقد حاول عبد الناصربناء صداقة قوية ومتينة ليس فقط مع الدول الافريقية بل اتجة نحو العمق الاسيوى /الافريقى من خلال مؤتمر باندونج والذى أرست مبادئة العشر أساسا لنمط جديد من العلاقات بين الدول قوامة التعايش السلمى بغض النظر عن الاختلافات فى النظم الاجتماعية وكبديل لسياسة الحرب الباردة.وبهذا استطاع عبد الناصر تكوين علاقات قوية ليس فقط مع دول عدم الانحياز ولكن مع دول المعسكر الشرقى بصفة عامة والاتحاد السوفيتى بصفة خاصة، وبهذا فرضت مصر تحديا عالميا من خلال كسر احتكار الغرب للسلاح من خلال ضمان الحصول على امدادات السلاح من الاتحاد السوفيتى وعلى اقصى قدر من الدعم العسكرى والسياسى ولكن دون تفريط فى استقلال الارادة أو المساس بسياسة عدم الانحياز.هذا الى جانب تحدىسياسة الاحلاف والمحاور الغربية.
كما انة لم تغيب عن مدركاتة صورة اسرائيل كخادم للمصالح الاستعمارية التقليدية ودورها فى المنطقة .وعلى الرغم من ادراكة لتلك الحقيقة لم يكن سلوك عبد الناصر وممارستة فى تلك الفترة تشير الى انة قد وضع فى حساباتة احتمال ان تعطى الولايات المتحدة الامريكية لاسرائيل الضوء الاخضر للقيام بالعمل العسكرى بهذا الحجم ضد ثلاث دول عربية ومن بينها الاردن.2)
ومن المهم ان نشير أن علاقة جمال عبد الناصر لم تكن وطيدة بالولايات المتحدة الامريكية بل سارت فى الاتجاة المعاكس فى الوقت الذى كان يتسابق فية المعسكر الشرقى والغربى على فرض نفوذة فى المنطقة.فقد ضاقت امريكا بسياسات عبد الناصر لدرجة انها وضعت خطة للتخلص منة بعد ذلك عرفت بأسم “خطة اصطياد الديك الرومى “وفى سياق تلك الاتجاهات التقت مصالح اسرائيل مع المصالح الامريكية وعلى الرغم من انة لم تكن هناك معلومات متاحة لدى عبد الناصر عن هذا التواطىء الا ان خطابة السياسى قد زخر بمضامين تؤكد علمة بهذا التقارب.1 )
وعلى الرغم من ان عبد الناصر كانت نواياة الحقيقة تتجة فى اتجاة تجنب المواجهة العسكرية مع اسرائيل 2) ، فعلى حسب رواية الاستاذ محمد حسنين هيكل فى كتابة انفجار يقول “كان جمال عبد الناصر فى الاساس لا يؤمن بالحرب الا كملجأ أخير ليس منة بد، وفى هذة الحالة يجب أن تكون حسابات الحرب دقيقة ” 3). الا ان رد فعلة تجاة الحشود الاسرائيليةامام الرأى العام العالمى كان مبالغا فية وبدا قرارة بسحب قوات الطوارىء الدولية غير مبرر كما بدا قرارة بإغلاق خليج العقبة امام الملاحة الاسرائيلية ايضا غير مبرر.الا ان بعض المحللين يرجعون تلك القرارات ونقصد بها قرار سحب قوات الطوارىء الدولية وقرار اغلاق خليج العقبة الى ان وجود مثل هذة القوات فى مصر والسماح لاسرائيل بالمرور فى خليج العقبة قد بدأ يشكل فى أجواء التصعيد – ومحاولة كل طرف عربى التنصل من مسئولياتة باتهام الاخرين بالتخاذل – موضوعا للمذايدة ووقودا فى الحرب الباردة العربية ،فقد بدأت أجهزة الاعلام العربية تتهم مصر بأنها تحتمى وراء القوات الدولية وتترك غيرها يتعرض للعدوان الاسرائيلى دون أن تفعل شيئا غير التاييد بالكلمات .4)
الا انة وعلى أى حال تناقضت ظواهر أفعال عبد الناصر والتى بدت هجومية مع حقيقتة السياسية والتى كانت فى جوهرها دفاعية ولم يكن بإستطاعتة أن يقنع العالم بإنة ضحية على عكس ما حدث فى 1956م وعلية فقد خسر معركتة إعلاميا قبل ان يخسر الحرب عسكريا فى 1967م.
هذا بالاضافة الى حالة الانحدار فى مشروعة القومى خاصة تجاة الدول العربية ففقد لاحت بوادر تلك الحالة بداية بإنتهاء الوحدة بين مصر وسوريا كما ظهرت على السطح الخلافات فى نظم الحكم السياسية والخارجية لكل دولة عربية وهذا معناة أنة لا يجود تضامن عربى من الناحية السياسية واوضح دليل على ذلك فشل مؤتمرات القمة العربية وأصبحت القيادة العربية الموحدة قيادة رمزية.
ومن هنا يتضح انة بغياب الاسترتيجية العليا فى الدولة نتيجة الخلل الهيكلى الذى كان يعانى منة نظام الحكم والذى انعكس بدورة على أداء النظام فى مجال وتنفيذ السياسات الخارجية هذا بالاضافة الى الابتعاد الفكرى بين القيادة السياسية والعسكرية وبين القوات المسلحة باعتبارها احد اجهزة الدولة صاحبة الثورة واداة التغيير فى الدولة قد ادى الى حدوث فجوة بين الاطار النظرى والفكرى وبين الاطار الاسترتيجى لادارة الازمة تلك الفجوة لم توفر المناخ الصحى للتعامل مع معطيات الازمة مما كان سببا فى هزيمة1967م.

المبحث الثالث
التوجهات السياسية وصنع القرار للرئيس السادات فى ادارة الصراع العربى الاسرائيلى

شهدت فترة حكم الرئيس أنور السادات أخطر قرار سياسى فى تاريخ مصر الحديث وهو قرار حرب أكتوبر 1973والذى ترتب علية قرار يوازى فى خطورتة قرار الحرب الا وهو اتفاق السلام بين مصر واسرائيل (معاهدة كامب ديفيد). .وقد تعددت الرؤى حول تلك القرارات وتلك الرؤى قد تكون متضاربة بين مؤيد ومعارض الا انة يمكن القول أن القرارات التى اتخذها الرئيس السادات قد قوبلت بعاصفة من التأييد كقرار حرب أكتوبر وبعاصفة أخرى من الرفض كقرار اتفاق السلام بين مصر واسرائيل ومن المهم ان نشير الى موجة الصراعات التى عصفت بالمنطقة والاحكام التى صدرت من الناس والدول سواء المتفقة معة او المخالفة لة ويتعين علينا ان نكون أكثر موضوعية عن قراءتنا لشخصية الرئيس السادات.

التحليل النفسى لشخصية السادات
عاش السادات حياة خشنة قد أعدتها المقادير لة تلك الحياة جعلتة يقضى معظم أوقاتة وهو صغير منعزلا عمن حوله سواء فى غرفتة أو منكمشا فى احد الاركان المظلمة وفى رواية للكاتب محمد حسنين هيكل عند تحليلة لشخصية السادات فى مرحلة الطفولة والنشأة يقول”هكذا بدأ يتراجع الى داخل نفسة ولم يكن امامة للهرب مما هو فية الا ان يخلق لنفسة عوالم من الخيال يهرب اليها”. 1)وقد بدأ السادات شبابة السياسى ضابطا بسلاح الاشارة برتبة يوزباشى مفصولا من الجيش بسبب اعمال معادية للاستعمار البريطانى ومعتقلا بقرار من الانجليزثم هرب من السجن وبدا ينغمس فى العمل السياسى السرى الى ان سقطت عنة الاحكام العرفية وإنتهى إعتقالة الا انة اعيد اعتقالة مرة اخرى اثر اغتيال أمين عثمان الذى تولى وزارة المالية طوال حكم النحاس بإيعاز من الانجليز وتعد تلك المرحلة ونقصد بها مرحلة سجنة بالزنزانة “54” من اهم المراحل التى ساهمت فى اعادة تفكيرة السياسة وتعد نقطة فارقة بين ما كان يقوم بة السادات من نشاط سياسى خفى وبين البداية الحقيقة للعمل السياسى الرسمى من خلال دورة كعضو فى مجلس قيادة الثورة فقد كانت هناك أكثر من علاقة وأكثر من تقارب بين السادات وجمال عبد الناصر منذ ان كانا معا فلاى الكلية العسكرية هذا بالاضافة الى دورة كأمين عام لمنظمة المؤتمر الاسلامى الى ان وصل الى أن يكون نائبا لرئيس الجمهورية ثم رئيسا لجمهورية مصر العربية فى 17 أكتوبر 1970م. وقد كانت السياسة برأية هى فن بناء مجتمع يحقق ارادة اللة من خلق هذا الكون وهى العمران ففى هذا المجتمع يجب ان تكون حرية الفرد مطلقة لا يحدها سوى ما تعارف علية المجتمع من قيم انسانية اصيلة نبتت من المجتمع نفسة فهى ثمار حضارتة “. ومفهومة للسياسسة هذا يعطينا فكرة عن طبيعة تفكيرة ومدى ثقافتة.2)ومن المهم ان نشير الى ان السادات كان من اشد المعجبين بالشيخ حسن البنا وكان يحضر لة ندوات كان يخطب فيها الشيخ بعض الوحدات بالجيش المصرى الا ان السادات وباللرغم من تأثرة وإعجابة الشديد بالشيخ فإنة لم يدخل العمل السياسى من خلال الاخوان المسلمين الا انة يمكن القول ان هذا التفاعل قد ترك أثرا فى عقلية السادات كانت لها انعكاساتها فيما بعد. وعلى اى حال فلم تتيح الظروف التى كانت تحيط بالسادات الفرصة الكافية لكى يتعلم أو يعلم نفسة بطريقة جادة ومنتظمة الا ان تلك الظروف ونقصد بها ظروف انغماسة بالعمل السرى وعلاقتة بالجواسيس الالمان ومناوراتة أثناء الاستجواب هذا بالاضافة الى هروبة من السجن ثم حبسة بالزنزانة 54 وتدرجة فى الوظائف والاعمال من يوزباشى بالجيش ثم حمالا على عربية لورى ثم عملة فى شق الترع ثم عودتة مرة أخرى للجيش قد أكسبتة قدرة على المناورة .
الا ان بعض المحللين يرون ان تلك الظروف قد أسهمت فى تكوين شخصية سيكوباتية1) تجمع بين طياتها الكثير من المتناقضات التى تفاعلت وتناسقت لتكون وحدة دينامية ميزتة عن غيرة وسهلت لة التكيف والتعامل مع الظروف . ويرى بعض المحللين أيضا ان السادات كان يخفى متناقضاتة من خلال مظاهر التعويض التى كان يتكلف بها فيقول محمد حسنين هيكل فى خريف الغضب “ان السادات كان مولعا وهو يتصور نفسة خليفة لواحد من ملوك مصر الفرعونية بالوقوف امام عدسات التصوير حاملا عصاة المارشيلية وكأنها صولجان “حيث يصور مصر كقطر أعمق حضارة وثقافة من باقى الاقطار العربية والتى هى اقرب لة ثقافيا الى اوربا والغرب منها الى الوطن العربى وهذا ايضا يفسر من وجة نظر هؤلاء المحليين اتجاهة للزواج من السيدة جيهان التى تنتمى لعائلة لها أصوا أجنبية.
مؤثرات اتخاذ القرار فى فترة السادات
كان نتيجة للانتماءؤات الطبقية للقيادات التى قادت الكثير من الاقطار العربية تطلعات الى امتيازات الطبقة العليا إما بالمصاهرة من العائلات التى كان لها تارخ أو بإستعمال السلطة للوصول الى هذة الامتيازات وبحكم الانتماء الثقافى اتجهت الى قوالب العمل الغربى دون إدارك أنة ثوب فضفاض وليس صالحا للوطن العربى سواء فى جانبة السياسى أو الاقتصادى ومن هذة الرؤية الفوقية كانت عملية اتخاذ القرارات التى كان يتخذها السادات تتم دائما على صعيد المستوى الاعلى أما وظيفة المؤسسات فقد كانت مقتصرة دائما على تأييد تلك القرارت زكان السادات يظهر وكانة يسلك طريق ذو شقين:-1)عزل نفسة عن مصادر المعرفة سواء من يحيطون بة ويحتك بهم من مستشاريين ومثقفين أو علماء ومفكريين .2)إعتمادة على الرأى الاجنبى حيث أنة من المعروف إعجابة الشديد بقادة وزعماء العالم الغربى التاريخيين ورؤيتة لذاتة كواحد منهم.2)
ولنا أن نتسأل كيف أستطاع السادات فى الاطار الفكرى للتحليل ان يخلق العلاقة الثابتة بين عملية صنع السياسة الخارجية وعملية صنع القرار السياسى الخارجى؟ وللاجابة على هذا التساؤل نركز على ثلاث أدوات تمثل مسالك التلاحم بين صنع السياسة وصنع القرا وهى :-1-القيادة 2-الادراك 3-الاعلام وانطلاقا من تلك الادوات يمكن ان ندرك كيفية أمتلاكة لها وتوظيفها لاتخاذة قرار حرب أكتوبر 1973م والذى قادة الى النصر.
الاوضاع الداخلية فى مصر وأثرها على صنع القرارات السياسية
كانت الاوضاع الداخلية فى مصر تموج بالكثير من التحولات فقد أصدر السادات الدستور الدائم فى سبتمير 1971م والذى تشكل من خلالة الاطار النظرى لنظام الحكم و عملية صنع القرار السياسى التى تركزت فى قمة السلطة التنفيذية متمثلة فى شخص رئيس الدولة الا أنة ومن خلال دراسة أجهزة صنع القرارما بين الدور الفعلى والدور الرسمى لها فإنة يمكن القول أن عملية صنع القرار خاصة الخارجى قد تركزت فى:
1)أجهزة المعلومات وتتمثل فى وزارة الخارجية والمخابرات العامة.
2)أجهزة المشورة وتشمل وزارة الخارجية والمؤسسة العسكرية ومجلس الامن القومى بالاضافة الى رياسة الجمهورية.1)
3) أجهزة خاصة بالتأيد اضفاء الشرعية متمثلة فى مجلس الشعب والتنظيم السياسى أو الحزب الحاكم والذى كان ينحصر دورة بجانب التاييد الى أنة أداة لتعبئة الجماهير لتأييد قرارات الحاكم.
وبالنسبة للاوضاع الامنية فقد كانت الشوارع المصرية محتقنة تنادى بضرورة خوض الحرب ضد اسرائيل و بدا السادات بالتخلص من مراكز القوى ادراكا منة أنها سبب مباشر من أسباب هزيمة 1967م.هذا بالاضافة الى انها تؤدى الى نوع من الفوضى الداخلية فى الوقت الذى كان يريد ان يدعم فيى دعئم سلطتة. وبدأت تظهر على السطح تيارات مختلفة لم تكن موجودة من قبل حيث كان الاتجاة اليسارى هو المسيطر على أفكار غالبية الشعب المصرى خاصة بين الطلبة الا انة بدأ يتنامى التيار اليمينى والتيار المسيحى2) تلك التيارات اوجدت نوع من الحراك السياسى والضغط فى اتجاة ضرورة قيام الحرب لمحو عار الهزيمةوالتخلص من حالة اللاحرب واللاسلم.
وعلى الصعيد العربى كان التقارب العربى على اعلى مستوى من مستويات التنسيق خاصة على المستوى الثنائى تجاة الاطراف السورى أو الاردنى أو السعودى.3) و ظهر سلاح البترول كأحد الاسلحة الاستراتيجية الهامة والتى تعد نقطة ارتكاز لاضعاف الطرف الامريكى تلك الاستراتيجية تهدف الى حظر تدريجى يحذر امريكا من مغبة التأييد الاعمى لاسرائيل واحتلالها الاراضى العربية. 1)مما يبرهن على أن المخططات الامريكية تسير فى اتجاة المصلحة الامريكية حتى لو ضد مصلحة الاطراف المناوئة لها.
وقد استوعب الرئيس السادات تلك المنظومة واستطاع ان يستثمر الموارد المتاحة لتحقيق الهدف المرجو من خلال التحرك على مستويين احدهما سياسى علنى والاخر عسكرى غير معلن.
الاول:-النحرك النشط على مستوى الخبراء والسياسين من اجل التوصل الى تسوية سلمية للصراع العربى الاسرائيلى بمساندة أمريكية ، بداية من مبادرة روجرز1970م2). وقد كان السادات فى تلك الاونة يتبادل الرسائل مع جميع رؤساء العالم لكى يشرح لهم الموقف المصرىالمطالب بالسلام ويحمل من خلال تلك الرسائل العالم كلة مسئولية الاضطرار الى الحرب وسفك الدماء 3)
الثانى:-أعداد الجيش اعدادا جيدا يقوم على اساس مهنى متميز هذا الى جانب ان السادات كان يشرف بنفسة على الاستعداد العسكرى خطوة بخطوة .
ومن القرارات الهامة التى أخذها السادات فى تلك المرحلة هى طرد الخبراء السوفيت وعلى الرغم من أن القرار كان منفردا فى ظروف بالغة التعقيد الا انة كان لة ابلغ الاثر فى علاقة مصر بالطرف السوفيتى والتى اتسمت بالتذبذب صعودا وهبوطاالى ان انتهت بسحب السفير المصرى من موسكو وطلب مصر تخفيض عدد العاملين بالسفارة مع قطع العلاقات مع عدد كبير من دول اوربا الشرقية الموالية للاتحاد السوفيتى واستمر هذا التأزم باستمرار الحملات الاعلامية الهجومية المتبادلة بين الطرفين حتى أكتوبر 1981 حين أغتيل الرئيس السادات.
الا أنة يمكن القول إن تكامل منظومة التنسيق على المستوى السياسى والعسكرى قد كتبت النجاح فى قرار حرب اكتوبر والتى تعد حربا غيرت تاريخ الفكر الاسترتيجى المعاصر فقد عكست استراتيجية مصرية خالصة كان من ابرز سماتها أن الجهد السياسى المخطط قد استوعب الظروف الداخلية والاقليمية والدولية وطوعها لخدمة الهدف العسكرى. 4)

المبحث الرابع
السياسة الخارجية فى فترة الرئيس مبارك ودوائر صنع القرار السياسى
حكم عملية صنع القرار السياسى فى فترة الرئيس مبارك العديد من المعطيات منها التوجهات السياسية الخارجية والتى يمكن القول ان البيئة الداخلية كان لها تأثيرها على هذة التوجهات ويضاف الى ذلك الاوضاع الاقليمية والدولية.
أولا:- السمات الشخصية للرئيس مبارك
من خلال تتبع السيرة الذاتية للرئيس مبارك يتضح ان هناك عدة عوامل قد اثرت على عملية صنع القرا السياسى خاصة فى السياسة الخارجية فقد نشأ الرئيس مبارك فى اسرة بسيطة وحياة بسيطة فى عمق الريف المصرى وفى منزل يغلب علية الطابع الدينى وقد دفعتة بساطتة هذة الى ان يكون شديد الصراحة والوضوح ويشهد الكثيرون ممن عايشوا الرئيس مبارك أنة كان مثالا للانضباط منذ صغرة هذا فضلا عن نشاتة العسكرية منذ ان كان طالبا فى الكلية الحربية وتدرج فى الوظائف العسكرية وأصبح قائدا للقوات الجوية فقد فرضت علية تلك النشأة الكثير من الحذر والهدوء وما يتطلبة هذا المجال من تفكير متسع فضلا عن التروى وهو ما ظهر من خلال تحليل الخطاب السياسى للرئيس مبارك ففى كثير من المواقف يؤكد على “انة عندما يصدر قرار ا فى قضية حاسمة فإنة يستمع أولا لمختلف الاراء ثم يقوم بدراسة كافىة المعلومات المسبقة لاتخاذ القرار والتوقعات التى تعقبة “.1)
وعندما تولى الرئيس مبارك اول وظيفة مدنية وسياسية كنائب لرئيس الجمهورية فى 1975م أستطاع ان يستوعب طبيعة التفاعلات السياسية فى الحياة المدنية وأصبح قريبا جدا من عملية صنع القرار السياسى والمشاركة فيها.ولم يقتصر دورة على الشئون الداخلية بل امتد ليكون مسئولا عن عدة ملفات على مستوى السياسة الخارجية ولا شك أن الملف العربى الاسرائيلى كان اهم هذة الملفات فقد كان أحد المنسقين للتمهيد لاتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية.هذا بالاضافة الى دورة الحزبى ودورة كعضو فى لجنة كتابة تاريخ الثورة2).واصبح وبالرغم من صغر سنة صاحب قدرات قيادية جعلتة على قدر عالى من تحمل المسؤلية وأهلتة لتولى منصب رئيس الجمهورية فى فترة صعبة بعد أغتيال الرئيس السادات فى 1981م.

محددات عملية صنع القرار السياسى فى فترة الرئيس مبارك
اتسمت فترة الرئيس مبارك بالعديد من القضايا التى كان يستوجب فيها اتخاذ قرار حاسم يؤثر على مستقبل الوطن لفترات طويلة تلك الفترة كان علية فيها ان يقوم بعدد من التوازنات الداخلية فكان علية ان يوازن بين الحرية السياسية المطلوبة وبين ضروريات الاستقرار الداخلى الذى يسعى الى تاصيلة كما كان علية ان يوازن بين سياسة الانفتاح الاقتصادى التى استفاد منها الاغنياء وبين سياسة الانفتاح التى يجب ان يستفيد منها الفقراء.وكان علية أيضا أن يحقق متطلبات العدل الاجتماعى هذا بالاضافة الى تحقيق التوازن بين الاحتياجات والموارد المتاحة حتى يقل الاعتماد على الخارج ليس هذا فحسب بل كان علية ان يواجهة مشاكل ضخمة كالانفجار السكانى وتدهور المرافق والبنية الاساسية وغيرها. 1) وفى سياق ما سبق يتضح ان المحددات الرئيسة لعملية صنع القرار السياسى لدى الرئيس مبارك تتركز فى :-
أولا:-التأنى والصبر فى اتخاذ القرارت
ثانيا:-الاصرار على عدم تغيير القرارت بعد اتخاذها
ثالثا:- توسيع درجة المشورة فى عملية صنع القرار
رابعا اتساع مساحة حرية الحركة لاجهزة صنع القرار التنفيذية
خامسا :- البعد عن أسلوب المفاجاة فى اعلان القرار ما يسمى بأسلوب الصدمات الكهربائية فى اتخاذ القرارت السياسية.
واذا تاملنا مسيرة السياسة الخارجية خلال الفترة من 1981م الى 2006م لاتضح انها سياسة يغلب عليه النمط العقلانى هذا النمط ظل سمة واضحة منذ البداية واستمر هذا الالتزام فى تصاعد دون تراجع.
وتأكيدا لذلك فإن مخرجات السياسة الخارجية ازاء عملية السلام العربى الاسرائيلى ابتداء من من استكمال تحرير سيناء وطابا وتنفيذ لاتفاقية كامب ديفيد ومرورا بالاتفاقيات الفلسطينية الاسرائيلية فى شرم الشيخ فى سبتمبر 1999م والمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية فى يوليو 2000م من اجل التوصل الى تسوية سياسية نهائية للقضية وانتهاءً بأنتفاضة الاقصى وتراجع الامل فى التسوية السياسية والعودة مرة اخرى الى اجواء السلام المسلح قد اتسمت بالعقلانية وتجنب افتعال الازمات . فقد مثل هذا السيناريو تذبذبا فى العلاقات المصرية الاسرائيلية من خلال رؤية الطرف المصرى وتأكيدا للمعادلة التى مازات مصر تصر عليها والتى ترتكز على مبادىء مؤتمر مدريد فى 1991م من خلال قرارت مجلس الامن أرقام242،338،425 أضافة الى مبدا الارض مقابل السلام .والتى كان رأى مصر ولا يزال أن الترجمة الحقيقة لتلك المبادىء لا ينبغى أن تغفل شيئا من البنود الرئيسية التالية وهى ضرورة انسحاب اسرائيل من الاراضى المحتلة العربية بما فيها القدس وحق الفلسطينين فى تقرير المصير الذى يتضمن حق اعلان الدولة وحق العودة للاجئين مع ضرورة حق جميع الاطراف بما فيها اسرائيل فى العيش فى سلام داخل حدود امنة بحيث لا تتعرض لاستخدام القوة او التهديد بة. 1)
ويتضح النمط العقلانى فى تعامل مصر مع الملف العربى الاسرائيلى طوال مسيرة استمرت حوالى 25 عاما خاصة على المستوى العالمى الذى تعرض خلال تلك الفترة لكثير من التحولات بداية من انتهاء الثنائية القطبية وانفراد الولايات المتحدة بالمسرح الدولى كقطب مهيمن فى ادارة النظام الدولى هذا بالاضافة الى الاستراتيجية الامريكية كطرف مساند لاسرائيل وهذا بالتالى يصعب دور مصر فى حفظ التوازنات المطلوبة كراعى لعملية التسوية السلمية ولا شك ان احداث الحادى عشر من سبتمبر 2001م قد فرضت واقعا جديدا أكثر تعقيدا تأكد من خلال استثمار اسرائيل لما جرى فى واشنطن ونيويورك والربط بينة وبين ما تقوم بة فصائل فلسطينية داخل اسرائيل مما مكانها من صياغة رؤيةتدعم بها علاقاتها مع الطرف الامريكى من خلال وضع كل تنظيمات المقاومة على اللائحة الامريكية للمنظمات الارهابية.2)
القرار السياسى فى أطار التوجة العربى
لم يخلو المشهد العربى من التطورات التى مرت بة خلال ال25 عام بداية من ضرورة اعادة الدور الاقليمى لمصر من خلال اعادة الروابط العربية بعد ان كانت قد تعرضت لحالة التمزق فى منتصف السبعينات فى عهد الرئيس السادات 3) وعودة مقر الجامعة العربية مرة أخرى الى القاهرة. ثم دور مصر ازاء أزمة الخليج الثانية والتى أكد على أن مخرجات السياسة الخارجية لمصر تجاة المنطقة العربية تكمن فى مواجهة ما يشكل تهديدا للامن القومى العربى والبقاء القومى .4)
وفى هذا السياق تجلى دور مصر لانهاء حالة الصراعات الداخلية أو الخارجية التى تتعرض لها بعض الانظمة فى المحيط الاقليمى ولم يخلو المشهد أيضا من ضرورة التعامل مع الغزو الامريكى-البريطانى للعراق فى 2003م وما ترتب علية احتلال العراق وتلاشى الجبهة الشرقية واقعيا .فقد فرض هذا الاحتلال معطيات جديدة انعكست بالتالى على ملف الصراع العربى الاسرائيلى وعلى كيفية التعامل مع هذا الملف على المستوى العربى والاقليمى فقد حدث تغير فى مواقف بعض القوى العربية والتى كانت تتبنى رؤى متشددة من الصراع العربى الاسرائيلى كاليبيا والسودان كذلك الضغوط التى تتعرض لها بعض الاطراف من جانب الولايات المتحدة الامريكية مثل سوريا هذا بالاضافة الى الضغوط التى تمارسها امريكا لادخال اصلاحات جذرية داخل الانظمة العربية فيما تنادى بة بمشروع الشرق الاوسط الكبير هذا أدى الى تجاوب عدد من الانظمة العربية تحت تلك الضغوط وكانت النتيجة المتوقعة هى الابتعاد عن اى مشاركة فى اى جهد تحت راية العمل العربى المشترك.1)
تلك المنظومة أوجبت على صانع القرار المصرى أن يتناولها بشىء من الحذر والتأنى الى جانب الاحتفاظ بسياسة التوازن المطلوب لتحقيق المصلحة القومية بالاضافة الى الحفاظ على حيوية القضية الفلسطينية وحمايتها من التأكل والتعامل مع تحديات السلام بالنهج العقلانى.
وكان نتاج الجهد الدائم الذى يقوم بة الرئيس مبارك هو توجية رسالة للمجتمع الدولى بأسرة وللقوة الاقليمية والدولية الفاعلة بضرورة الوعى والادراك بأن جوهر الصراع فى الشرق الاوسط ولا يزال وسيظل مصدرة القضية الفلسطينية وان السلام لن يصبح شاملا فى المنطقة الا بحل هذة القضية الرئيسية.

الخاتمة
يتضح من البحث أن القرار السياسى فى مصر خلال الحقب الثلاث المختلفة لكل من الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس السادات والرئيس حسنى مبارك من خلال رؤية كل منهما للصراع العربى الاسرائيلى والتركيز على بعض القرارت والتى تعد قرارات هامة فى هذا المجال يتضح أن هناك سمات مشتركة تعد محددات لعملية صنع القرار فى مصر هى ان رئيس الدولة هو صانع القرار الرئيسى ان لم يكن الوحيد فى مصر والى جانبة توجد هيئة استشارية قد يقل دورها أو يتعاظم وذلك حسب القيود المحيطة بالصانع الرئيسى الا انة يمكن القول ان هذة الهيئات فى اغلب الاحوال يتحدد دورها فى إضفاء روح التأييد على القرارات التى يتخذها رئيس الدولة .
هذا وتلعب الشخصية دورا بارزا فى عملية صنع القرار فقد كان عبد الناصر واسع التأثير فى الجماهير وعلى درجة عالية من الزعامة التى اهلتة لتعبئة الجماهير تجاة الاهداف التى سعى إلى تحقيقها واستمد شرعية قرارتة من قيادتة لثورة 23 يوليو بكل ما لها من تأثيرات داخلية وخارجية واسعة النطاق. بينما شرعية قرارت السادات أتسمت بمرحلتين :مرحلة ما قبل حرب أكتوبر 1973م و كانت أقل تأثيرا ومرحلة ما بعد حرب أكتوبر وكانت أكثر تأثيرا و كان يسعى لبناء تأثير شخصى لة بقراراتة المتعددة ولقائتة الصحفية وخطاباتة كثيرة العدد التى وصلت الى ما يقرب من ألف وخمسمائة حديث وخطاب على مدار حقبتة. أماالرئيس مبارك فتتسم شخصيتة بالمصارحة والواقعية وهذا يتضح من خلال خطاباتة الرسمية والتى تعكس أيضا الكثير من خبراتة العسكرية كقائد للقوات الجوية و باعتبارة طيار والتى أثرت بالتالى على سلوكة السياسى.
وبما أن دور الشخصية يتعاظم خاصة فى دول العالم الثالث فهذا يعكس ضعف المؤسسات والاجهزة التنفيذية بما يسمح بة رئيس الدولة –صانع القرار-من ادوار معينة سواء كانت ذات أبعاد كبيرة أو يسعى لتحجيمها وسواء يتفق والدور الفعلى طبقا للدستور أو القانون أو لاتتفق .
مما سبق يتضح ان عملية صنع القرا ر فى مصر تتسم بالمركزية الشديدة حيث تتركز فى السلطة التنفيذية وفى قمتها بعيدا عن المشاركة الواسعة من القاعدة الجماهيرية.1)
الا أنة ومن المهم أن نوضح بما أن رئيس الدولة هو صانع القرار الرئيسى فى المجاليين الداخلى والخارجى فى أغلب الاحيان وفى ضوء محددوية دور الاجهزة والمؤسسات فإن إحتمالات تعرض القرارت التى يمكن أتخاذها وتوقعها للفشل تصبح أكثر احتمالا من تعرضعا للنجاح والامر اذا يتطلب على الوجة الاشمل تطوير أليات الممارسة الديمقراطية من خلال توسيع دوائر صنع القرار بإفساح المجال للاجهزة المختصة بالمشاركة الجادة والقيام بدورها الحقيقى فى كل مراحلة هذا بالاضافة الى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية كأحد مقومات البيئة الموضوعية التى تقوم بتجسيد القرارت على ارض الواقع الفعلى وذلك من أجل تحقيق مشروع نهضوى قومى متكامل فى كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.2) ولذا ترى الباحثه ضرورة ان يكون هناك مذيدا من الديمقراطية وتعديلا للاصلاحات الدستورية والسياسية انعكاسا للصالح القومي ، على أن يتم التركيز فى اطار أعداد دستور جديد أوتعديلات دستورية خاصة فيما يتعلق بالمدة التى يقضيها رئيس الدولة فى السلطة حتى يتم تبادل السلطة بين الاحزاب المختلفة والتى يختارها الشعب بكامل ارادتة.

المضمون الحقيقي للنظام السياسي الأمريكي ( الجزء الثالث )

كاتب الموضوع الأصلي: safaa khalifa

:cheers:
المضمون الحقيقي للنظام السياسي الأمريكي

يعتبر نظام الحكم الأمريكي هو أقرب النظم للديمقراطية الشكلية منه للديمقراطية الحقيقية وسيأتي تحليلنا لأهم مظاهر تلك الشكلية علي النحو التالي:

يسمح القانون الأمريكي لشركات الضغط السياسي الأمريكية الداخلية ممارسة الضغط السياسي لصالح دول أجنبية على السياسيين الأمريكيين على أن يحدث هذا الضغط فوق السطح وبأساليب مشروعه وعلى أن تسجل شركات الضغط الأمريكية – لدى الحكومة الأمريكية – ما تحصل عليه من أموال أجنبية نظير خدماتها .

ومن ثم تنشط دول أجنبية مختلفة بما في ذلك دول مسلمة وعربية في استئجار خدمات هذه الشركات، وذلك لضمان الضغط على المسئولين الأمريكيين في الإدارة والكونجرس بأسلوب علمي ومنظم، فالشركات الأمريكية تدافع عن قضايا محددة تم استئجارها للحديث عنها، والتي عادة ما تتعلق بقوانين معينة أو حتى ببنود ومسائل محددة داخل تلك القوانين، ومن ثم لا تتطرق الشركات الأمريكية للدفاع عن الدول الأجنبية التي استأجرتها إلا في القضايا التي حددت مسبقا .

تلجأ العديد من بلدان العالم إلى جماعات الضغط السياسي الأمريكية الموالية لها أو المرتبطة بها بروابط عرقية أو دينية أو ثقافية لكي تساعدها في القيام بهذه الوظيفة .

ولذا نسمع عن دور جماعات الضغط الإثنية والدينية مثل اليهود الأمريكيين أو المسلمين الأمريكيين أو العرب الأمريكيين في الدفاع عن صورة أممهم ومصالحها في وسائل الإعلام والسياسية الأمريكية، ويحدث ذلك من خلال نشاط أبناء الجماعات الدينية والإثنية والعرقية الأمريكية المختلفة في ترشيح أنفسهم لتولي مناصب سياسية في مختلف المؤسسات الأمريكية وعلى رأسها الإدارات الأمريكية المختلفة والبيت الأبيض والكونجرس .
وعندما يصل أبناء الأقليات الإثنية والعرقية والدينية المختلفة إلى قمة الهرم السياسي في الولايات المتحدة يكون ذلك إيذانا بقدرتهم على دمج مصالحهم وقيمهم الدينية والثقافية والعرقية المختلفة مع مصالحهم وقيمهم كأمريكيين في مزيج قوى متماسك

– مدي تأثير الرأي العام الأمريكي:

إذا كانت الديمقراطية حكم الشعب وتقريره لشؤونه العامة بنفسه، بعيداً عن اعتقاد الأمريكيين الشائع أن أياً منهم يمكن لو أراد أن يصبح رئيساً للجمهورية، وهو الوهم الفردي الذي يمتص نزعات التغيير الاجتماعية، فإن السؤال المنطقي التالي يصبح:

– كم يملك الشعب الأمريكي من القوة السياسية فعلاً، سواء في تحديد السياسة الداخلية أو الخارجية ؟
– وما هو الثمن الذي يدفعه المرء كي يصبح رئيساً أو حاكماً لولاية أو حتى نائباً في الكونجرس ؟

الحقيقة هي أن سياسات الدولة، كقوانين مجلسي النواب والشيوخ، لا يؤثر فيهما الشعب الأمريكي إلا قليلاً. وبعد مواسم تصويت مبرمجة إعلامياً ومالياً، يشارك فيها من ثلث إلى نصف الناخبين الذين يحق لهم الاقتراع بالحد الأقصى، حسب نوع الانتخاب، تصبح مراكز صنع القرار ملعب مجموعات الضغط المختلفة

علي الرغم من أن الولايات المتحدة نظامها انتخابي، ولكن الذي يحدد سياساتها مجموعة من مراكز الضغط والمصالح الكبرى على رأسها التكتلات المالية العملاقة والشركات المتعدية الحدود من سيتي بانك إلى شركات النفط والسلاح والتكنولوجيا المتطورة .

وهذه الشركات تمتلك وسائل إعلامية جبارة تشكل من خلالها الرأي العام الأمريكي وفقاً لمصالحها. ومن الأمثلة على هذا، ملكية شركة جنرال الكتريك لشبكة تلفزيونات أن بي سي، وملكية شركة أي تي تي التي تصنع السلاح شبكة تلفزيونات أيه بي سي .

كما أن وسائل الإعلام تخضع لتركيز هائل في الملكية، فالغالبية العظمى من آلاف القنوات التلفزيونية والصحف والمجلات والإذاعات ودور النشر وشركات إنتاج الموسيقى والمسلسلات التلفزيونية والأفلام ودور عرضها عبر أمريكا تمتلكها حفنة شركات، مثل أيه ول تايم ورنر مثلاً، التي ترتبط بدورها بعلاقات مع البنوك والشركات الكبرى الأخرى من خلال مشاريع مشتركة وتحالفات وأعضاء مجالس إدارة مشتركين. وهذه التركيبة هي التي تصنع النهج الإعلامي، كما تصنع النهج السياسي للدولة، لوسائل إعلامية تبدو ظاهرياً عديدة ومستقلة.

مثلاً، من يعش في أمريكا يجد نشرات الأخبار التلفزيونية للقنوات الرئيسية تغطي نفس المواضيع في السياسة الخارجية وبنفس التوجه الإمبريالي المتطرف، ولا يشذ عن القاعدة إلا التلفزيون والراديو الحكوميين الذين يفسحان قدراً أكثر بقليل فقط للأصوات غير التقليدية .

وبحكم أهمية الإعلام وتأثيره الجماهيري، وبحكم الطابع الاحتفالي الفارغ للديمقراطية الأمريكية، يجد المرشح لمنصب النائب أو حاكم الولاية أو الرئيس نفسه مضطراً لجمع مقادير هائلة من المال لتمويل الحملة الانتخابية تصل إلى الملايين، وهو ما يفوق مجموع مخصصاته لو وصل للمنصب أصلاً، فيبقى إذن مديناً للشركات الكبرى ومجموعات الضغط المتبرعة سياسياً، ويذهب للعمل فيها فيما بعد، إذا لم يأتِ منها أصلاً، كما أتى نائب الرئيس ديك تشيني من شركة هالبيرتون النفطية، ورئيس مجلس الأمن القومي كونداليزا رايس من شركة شيفرون النفطية وشركة تشارلز شواب للمضاربة المالية .

– حقيقة دور اللوبي الصهيوني في الحياة السياسية الأمريكية:

دخل اليهود للسيطرة على القرار السياسي الأمريكي حسب البعض: “فالدعم الأمريكي لدولة “إسرائيل” يتناقض مع المصالح القومية الأمريكية، ولا ينبع من اعتبارات أمريكية إستراتيجية أو أخلاقية، بل من تغلغل اللوبي “الإسرائيلي” في أمريكا”.

هذا هو جوهر الاستنتاج الخلافي الذي ذهبت إليه ورقة طويلة عن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وضعها البروفسوران ” ستيفن والت من جامعة هارفارد، وجون ميرشايمر من جامعة شيكاغو الأمريكيتين”، وأثارت حولها الكثير من الجدال، وغضب أنصار “إسرائيل” في أمريكا، وصل إلى حد إعلان الدكتور ستيفن والت عميد كلية كنيدي للسياسة في جامعة هارفارد استقالته اعتباراً من نهاية العام الدراسي في يونيه 2006. وكان اللوبي اليهودي قد بدأ بشن الحملات الإعلامية ضد كاتبي الورقة ليعود بعدها إلى قرار إغراقها بالتجاهل والنسيان .

وتمثلت أهم أرائهم حول التأكيد علي:

أن الكيان الصهيوني تلقى من المساعدات المالية ما لم تقدمه أمريكا يوماً لغيره خاصة منذ حرب أكتوبر عام1973م، ومنذ الحرب العالمية الثانية، أعطت أمريكا الكيان الصهيوني ما يعادل 140 مليار دولار، مع العلم أن المساعدات الأمريكية الخارجية تقدم عادة على أربع دفعات خلال العام، أما “إسرائيل” فتتلقاها في بداية السنة المالية دفعة واحدة مما يتيح لها أن تودعها في البنوك مقابل فائدة، مما يشكل مصدراً أخر للمساعدة. كما أن الكيان الصهيوني، على عكس غيره من متلقي المساعدات الأمريكية، غير مضطر لتبرير الطريقة التي ينفق فيها المساعدات الأمريكية، فهو يستطيع تحويل 25 بالمائة منها لموازنته الدفاعية تلقائياً، مما يمكنه من إنفاقها على المستعمرات، بالرغم من وجود شرط يمنع إنفاق أموال المساعدات الأمريكية على المستعمرات .

تقاسم أمريكا الكيان الصهيوني أخر منتجاتها العسكرية تطوراً، ولا تتردد بإعطائها معلومات استخبارية لا تقدمها لحلفائها في حلف الناتو، وتسارع لاستخدام حق النقض أو الفيتو في مجلس الأمن الدولي لحمايتها من أية قرارات تنتقدها كما فعلت 32 مرة منذ عام 1982 مثلاً. وفي الحرب كما في المفاوضات السياسية، تلتزم الإدارة الأمريكية عامةً جانب الكيان الصهيوني . وقد اندفعت الإدارة الأمريكية لإغداق المساعدات العسكرية والمالية على “إسرائيل” خلال حرب1973 ، ثم وقفت إلى جانبها تفاوضياً منذ مؤتمر جنيف، مروراً بعملية أوسلو وملحقاتها، حتى يومنا الحاضر.

وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ، باتت تعتبر “إسرائيل” شريكاً فيما يسمى “الحرب على الإرهاب” بذريعة أن القوى والدول التي تهدد أمريكا بالإرهاب وأسلحة الدمار الشامل هي نفسها التي تهدد “إسرائيل”، ولكن يرى مؤلفا الورقة “والت وميرشايمر” أن دعم أمريكا للكيان الصهيوني هو أحد أهم الأسباب لتعرض أمريكا للإرهاب، أي أن “إسرائيل” مسئولة إلى حدٍ بعيد عن تعرض أمريكا للإعمال الإرهابية، ناهيك عن أن المنظمات المعادية للكيان الصهيوني ليست معادية بالضرورة لأمريكا عسكرياً .

وهنا يذكر كاتبا الورقة بأن إسرائيل حليف غير موثوق، لا يتورع عن التجسس على أمريكا كما فعل أكثر من مرة، وعن تسريب معداتها الحساسة للصين مثلاً، أما الحجج “الأخلاقية” التي تساق في أمريكا لتبرير دعم “إسرائيل” فواهية أيضاً، فدولة العدو تقدم في أمريكا على أنها حملٌ ضعيف محاط بذئاب ينوون به الشر، ولكن العكس بالضبط هو الصحيح، حيث أن “إسرائيل” تتفوق على جيرانها تقليدياً ونووياً وتكنولوجياً وأمنياً، وقد كان الأمر كذلك منذ حرب 1948 .

و”إسرائيل” تقدم إعلامياً على أنها دولة ديمقراطية في محيطٍ من الديكتاتوريات، بينما هي في الواقع دولة تمارس أبشع أنواع العنصرية ضد العرب فيها. أما أن “إسرائيل” تستحق معاملة خاصة بذريعة الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في الماضي، فيرى الكاتبان أن تأسيس “إسرائيل” أتى كرد تاريخي مناسب على ما تعرض له اليهود في الماضي في “المحرقة” مثلاً، وأنهم يستطيعون أن يشعروا بالأمان الآن في الوطن اليهودي، سوى أن ذلك سبب بعض الجرائم الجديدة ضد طرف ثالث بريء هو الفلسطينيون .

ويؤكد الكاتبان على اعترافهما بحق دولة العدو بالوجود، وتعاطفهما مع اليهود، سوى أنهما يعتقدان أن الحديث عن الخطر على وجود دولة “إسرائيل” مبالغ فيه، وأن الحقيقة اليوم هي أن “إسرائيل” هي التي ترفض الاعتراف بالحقوق الوطنية للفلسطينيين في الضفة وغزة .

المهم، كل ما سبق يدل عند كاتبي الورقة على أن حجج المصلحة الإستراتيجية الأمريكية في “الشرق الأوسط” لا تفسر الدعم الأمريكي للكيان ولا الذرائع الأخلاقية التي يسوقها الإعلام، فلا بد أن التفسير يكمن إذن في دور اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وفي قوته وسطوته . وهو ما يقضيان الثلاثة أرباع الباقية من ورقتهما في معالجته، مع حرص شديد على أن يظهرا بمظهر “العداء للسامية”.

ولكن لب الورقة أن “إسرائيل” تتحكم بالسياسة الخارجية الأمريكية من خلال مجموعة من المنظمات ومجموعات الضغط المؤثرة على الجهازين التشريعي والتنفيذي من جهة، ومن خلال تحكمها بمفردات الحوار السياسي المتعلق ب”إسرائيل” عبر وسائل الإعلام الرئيسية من جهة أخرى. ولكن أيضاً من خلال تحالفها مع الأصوليين المسيحيين المتصهينين الذين ينعمون بدورهم بوزنٍ وتأثير سياسيين كبيرين في الحياة الأمريكية، وهذا يستدعي الحديث عن الدور الذي تلعبه إيباك في الحياة السياسية الأمريكية .

– أيباك: لجنة العلاقات الأمريكية-“الإسرائيلية” AIPAC .

تعد اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشئون العامة المعروفة باسم جماعة “إيباك” أشهر جماعات الضغط اليهودية، وواحدة من أقوى خمس جماعات ضغط في واشنطن، وتقول جماعة إيباك عن نفسها في موقعها الالكتروني أن دورها لا يتعدى تقديم المعلومات لصانعي القرار الأمريكيين، وتنفي ممارسة أي نوع من الضغوط على السياسيين الأمريكيين لحملهم على تأييد إسرائيل .

وتعد آيباك من أكبر مراكز النفوذ بالساحة السياسية الأمريكية. وهذا النفوذ ليست محدودة للعاصمة الأمريكية، فقوة المنظمة قائمة على نشاطاها الجاري بأنحاء الولايات المتحدة حيث تتمتع اللجنة بالعديد من المكاتب المحلية خارج مدينة واشنطن. ولا شك أن في إيباك تتمثل كل العناصر التي تجعل من أي منظمة رمزا لقمة التنظيم السياسي الناجح بالولايات المتحدة. وما هي نتيجة هذا التنظيم .

– مدي تأثير ايباك:

توصف إيباك بأنها رأس حربة اللوبي الصهيوني في الكونجرس الأمريكي التي تستطيع من خلال علاقاتها وأموالها أن تعاقب من يعارض “إسرائيل” وأن تكافئ من يؤيدها، وهي من أقوى مجموعات الضغط المنظمة في واشنطن. وهو مجرد مثال أخر على دور اللوبي الصهيوني في الحياة السياسية الأمريكية الذي يؤثر أيضاً بالانتخابات الرئاسية الأمريكية وعملية التعيين في الوظائف العليا في الدولة، خاصة تلك التي تمت بصلة للمنطقة العربية، والذي يتخلل مراكز الأبحاث والدراسات الرئيسية التي تسهم بصنع القرار في واشنطن، ناهيك عن العالم الأكاديمي في أمريكا برمته. وحسب كاتبي الورقة، باختصار، فإن مجمل العداء الأمريكي للفلسطينيين والعرب والمسلمين، حيث وقع، يحدث بسبب هيمنة اللوبي اليهودي على القرار السياسي في واشنطن، وليس بسبب أي عداء أصيل من لدن الإدارة الأمريكية للفلسطينيين أو العراق أو سوريا أو إيران أو غيرها .

مع كل العواصف السياسية يبقى مؤتمر منظمة آيباك أحد أهم الأنشطة التي تقوم بها أي جماعة ضغط بصورة سنوية على الساحة الأمريكية . وهذا الحدث يعتبر من أكبر التجمعات لكبار شخصيات المجتمع بواشنطن حيث ينضم إلى هذا المؤتمر زعماء الكونغرس، وأهم شخصيات البيت الأبيض.

فقد جاء مؤتمر أهم منظمات اللوبي الإسرائيلي AIPAC آيباك ( اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشئون العامة) من (الأحد 6 مارس – الثلاثاء 8 مارس) عام 2006 وسط حشد هائل من قضايا جديدة أختلف معها المزاج العام للمؤتمر عما سبقه من مؤتمرات، ففوز منظمة حماس بالانتخابات البرلمانية الفلسطينية الأخيرة وتطورات الملف النووي الإيراني السريعة، إضافة إلى قرب موعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية … ناهيك عن انتخابات التجديد النصفي بالكونجرس بعد عدة شهور وتدهور الأوضاع بالعراق جعل من أجندة مؤتمر هذا العام مليئة بالمناقشات الهامة .

– مؤتمر آيباك 2006:

– مؤتمر 2006 هو الأكبر في تاريخ منظمة أيباك، وهو الأكبر بين مؤتمرات الجماعات المناصرة لإسرائيل في الولايات المتحدة .
– حضر أكثر من نصف أعضاء مجلي الشيوخ المائة وأكثر من ثلث أعضاء مجلس النواب ال435، وهو أكبر عدد من أعضاء الكونغرس يحضرون نفس الحدث ( فيما عدا الجلسة المشتركة الكونغرس بمجلسيه).
– حضر مؤتمر هذا العام أكثر من 5000 شخص، وذهب 4500 منهم للكونغرس من اجل حشد التأييد لإسرائيل في أخر أيام المؤتمر.
– عشاء المؤتمر هو أكبر عشاء عمل (يجلس فيه الحاضرون) يعقد في العاصمة الأمريكية.
– حضر المؤتمر أكثر من 1100 طالب يمثلون 350 جامعة من الولايات الأمريكية الخمسين.
– أكثر من 120 طالب من أعضاء الاتحادات الطلابية في الجامعات المختلفة حضروا مؤتمر هذا العام.
– حضر المؤتمر أيضا أكثر من 130 طالبا من 41 جامعة مسيحية وجامعات أفريقية أمريكية
– حضر أيضا أكثر من 200 طالب بالمدارس الثانوية من 30 ولاية أمريكية.
– حضر أكثر من 100 طالب من طلاب الدراسات العليا من 55 جامعة يمثلون 27 ولاية أمريكية.
– حضر كذلك 60 أستاذا جامعيا من25 جامعة تمثل 16 ولاية أمريكية.
– شغل المؤتمر جميع غرف 10 فنادق من فنادق العاصمة الأمريكية واشنطن.
– بالنسبة لنصف عدد الحضور هذا هو مؤتمر آيباك الأول الذي يحضرونه.

وذكر موقع تقرير واشنطن انه خلال أيام المؤتمر الثلاثة تحدث أهم السياسيين الأمريكيين وكذلك بعض الطامحين في اعتلاء سدة البيت الأبيض عام 2008 مثل السيناتور جون كاري والسيناتور السابق جون إدواردز وحاكم ولاية فيرجينيا مارك وارنر وهم جميعهم من الحزب الديمقراطي، مقابل نائب الرئيس ديك تشيني، والسيناتور بيل فرست زعيم الجمهوريين بمجلس الشيوخ ونوت غينغريتش الزعيم السابق لمجلس النواب والسيناتور سام برونباك والسيناتور جورج ألان من ولاية فيرجينيا من الحزب الجمهوري .

ونعرض هنا لأهم ما ذكره المتحدثون الرئيسيون ماذا قال نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني “عدونا لديه نظام عقائدي – وقد رأينا أمثلة في حكم نظام طالبان – وهم يريدون أن يفرضوا نظاما ديكتاتوريا يعيش فيها الخوف ويعيش فيها كل رجل وإمرة وطفل في خوف ويطيعون بصورة مطلقة هذه الأيديولوجية التي تدعم الكره، وترفض هذه العقيدة السماحة وتنكر حرية الضمير وتطالب النساء بأن يكونوا على هامش المجتمع. الحرب على الإرهاب هي حرب ضد الشر. والنصر في هذه الحرب سيكون نصرا للرجال والنساء من كل الديانات.”

وبنظرة سريعة على تاريخ عمل تلك المنظمة – التي وصفتها مجلة “فورتشن” بأنها واحدة من أهم خمس جماعات ضغط في أمريكا كلها – سنصل إلى نتيجة مفادها أن النفوذ الذي تمتلكه إيباك داخل الحياة السياسية الأمريكية لم يكن لأنها مجرد جماعة ضغط صهيونية فاعلة داخل الولايات المتحدة، وإنما لكونها العمود الفقري والقطب المركزي لجميع المنظمات الصهيونية الموجودة في هذا البلد والناشطة في مختلف المجالات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية، التي تتحرك وفق الأولويات والأدوار التي تحددها وترسمها إيباك لتحقيق عدة أهداف رئيسية، هي: ضمان تقديم مساعدات مالية أمريكية لإسرائيل تفوق أي مساعدات تقدم لدول أخرى، وتوفير حماية دبلوماسية غير مشروطة لتل أبيب في الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى، والدفاع عنها ضد التهديدات في الحروب المستقبلية، وإعداد أجيال أمريكية جديدة تؤيدها في المستقبل.

ولم يأت هذا الدور المركزي والمهيمن لـ “إيباك” من فراغ، وإنما نتيجة لتفاعل وتشابك عدة عوامل موضوعية، لعل أبرزها:

oالإمكانات المادية والمعنوية التي يمتلكها التيار الصهيوني داخل المجتمع الأمريكي مقابل غياب أو ضعف التأثير العربي والإسلامي .
oالحرية الممنوحة لجماعات الضغط الأمريكية .
oالمصالح المشتركة بين “إسرائيل” والولايات المتحدة .
oالبعد الديني المؤثر في تركيبة المجتمع الأمريكي والمتمثل فيما بات يعرف باسم “الصهيونية المسيحية” التي يمثلها بعض الطوائف المسيحية – التي تشكل ثلث سكان الولايات المتحدة – التي ترى في دعم “إسرائيل” وضمان قوتها جزءًا أساسيًا من معتقداتها الدينية .
oامتلاك “إيباك” قدرات وإمكانات لم تتوافر لغيرها من المنظمات الصهيونية الأخرى، فميزانيتها تقدر بمليارات الدولارات، ويتجاوز عدد أعضائها 65 ألف شخص غالبيتهم من العناصر السياسية الفعالة في مختلف الولايات الخمسين في أمريكا، كما ترتبط إدارتها بشبكة واسعة ومعقدة من العلاقات والمصالح مع المئات من أعضاء الكونجرس الأمريكي والإدارة الأمريكية ومجالس المحافظات والشخصيات المحلية والأحزاب والقوى والمنظمات والأفراد والجماعات الأخرى التي يتشكل منها النسيج الاجتماعي الأمريكي، حتى تحولت إلى مركز لصياغة القرارات في كل القضايا التي تخص “إسرائيل” ومنطقة الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الأمريكية .

كما تمتلك إيباك شبكة واسعة من لجان العمل السياسية المحلية، التي بلغ عددها حتى عام 2002م أكثر من 126 لجنة في مختلف الولايات الأمريكية، ومهمتها الأساسية تتمثل في تنسيق الجهود لدعم المرشحين المؤيدين لإسرائيل في الانتخابات الفيدرالية، كما تمتلك ما لا يقل عن 50 لجنة عمل سياسي تمنح المرشحين الذين يواجهون تحديات انتخابية في دوائرهم أموالاً تبلغ نحو نصف مليون دولار بما يكفي المرشح لتغطية نفقات أوقات الدعاية الانتخابية التليفزيونية، وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أنه في انتخابات عام 2002م ساعدت إيباك في جمع 6.5 ملايين دولار لمساعدة المرشحين المفضلين لديها من الحزبين الجمهوري والديمقراطي .

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد أيضًا إلى مجالات التنشئة السياسية، حيث تولي إيباك أهمية خاصة بشباب الجامعات بغية إيجاد جيل جديد من الناشطين السياسيين الموالين لإسرائيل والمعادين للعرب والمسلمين، وذلك من خلال الاهتمام بما يكتب في “صحيفة الطلبة”، وتنظيم الدورات التدريبية والتعليمية التي تستهدف هذه الفئة من المجتمع الأمريكي، ومن أبرزها: “برنامج تنمية الزعامة السياسية” الذي بدأ عام 1980م واستقطب أكثر من 5 آلاف طالب وطالبة، ويتضمن تنظيم العديد من الدورات التدريبية في جامعات وكليات أمريكية تتوزع على خمسين ولاية .

وهناك أيضًا المعسكر الصيفي لطلاب الجامعات والمدارس العليا الذي تنظمه إيباك سنويًا، وتستقطب من خلاله العشرات من الطلاب الذين يتحولون في المستقبل إلى مدافعين عن السياسات الإسرائيلية داخل أمريكا وخارجها بعد أن تم تلقينهم كل المعلومات بشأن “إسرائيل” وصراعها مع العرب من وجهة النظر الإسرائيلية، الأمر الذي جعل من «إسرائيل» قضية أمريكية داخلية تحظى باهتمام ودعم غالبية الشعب الأمريكي.

ولا يتوقف طموح إيباك عند إيصال مرشحيها إلى الكونجرس أو الإدارة الأمريكية، بل يتسع ليشمل أيضًا التحرك داخل مؤسسات الدولة المختلفة لكسب أصدقاء ومؤيدين جدد من خلال شرح وجهة النظر الإسرائيلية وتحسين صورة تل أبيب . تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى قيام إيباك والمؤسسات التابعة لها بتنظيم جولات سنوية لأعضاء الكونجرس وموظفيهم إلى “إسرائيل” بهدف تعزيز العلاقات بين الزعماء السياسيين في كلا البلدين

وفي المقابل، تستخدم إيباك أساليب شتى في تشويه الخصوم والضغط عليهم مستغلة في ذلك سيطرة اللوبي اليهودي على أجهزة الإعلام الأمريكية التي عادة ما تشكل توجهات الرأي العام داخل الولايات المتحدة، ولذا فإنها تكرس جانبًا مهمًا من نشاطها لرصد جميع الآراء والحملات المضادة للاحتلال الإسرائيلي وسياساته والإسراع في الرد عليها، وذلك على ثلاثة محاور رئيسية:

أولها:

أعضاء الكونجرس، وهم أكثر تأثرًا بالضغط الجماهيري والإعلامي الداخلي، ولذا تفضل اللجنة الأمريكية – الإسرائيلية للشؤون العامة أن تمارس ضغوطها على الكونجرس باعتباره أقصر وأسرع الطرائق لاستصدار التشريعات والقوانين المعادية للعرب والمؤيدة لإسرائيل، فهناك قاعدة سياسية متعارف عليها داخل دوائر صنع القرار في واشنطن مفادها: “أن المساندة من جانب اللوبي اليهودي تمثل عنصرًا ضروريًا للنجاح في أي انتخابات رئاسية أو تشريعية، بينما المعارضة العلنية لإسرائيل تساوي الانتحار السياسي”، لهذا تسعى كل إدارة أمريكية إلى خطب ود اللوبي اليهودي وعلى رأسه منظمة إيباك وتنفيذ مطالبه التي هي في الأساس مطالب “إسرائيل”، الأمر الذي يفسر نجاح تل أبيب في فرض أجندتها السياسية على واشنطن وضمان حصولها على مساعدات أمريكية سنوية تقدر بثلاثة مليارات دولار.

ثانيها:

مجال العمل الصحفي، حيث تخصص إيباك العديد من الخبراء والصحفيين وكتاب المقالات لمراجعة المئات من المجلات والصحف والخطب والتقارير اليومية التي ترد من الولايات الخمسين في أمريكا لتحليل الأحداث والاتجاهات والآراء، ومن ثم الرد والتشهير وملاحقة كل من يكتب أمرًا ضد “إسرائيل”.

ثالثها:
الجامعات الأمريكية، التي تحظى باهتمام خاص من إيباك ليس بهدف استقطاب كوادر شابة جديدة فحسب وإنما لوأد أي ميول جديدة معادية للسياسات الإسرائيلية قد تنشأ في الأوساط الجامعية، سواء على مستوى المحاضرين أو الطلبة، مستخدمة في ذلك العديد من الوسائل غير المشروعة من قبيل الترهيب أو الترغيب.

وبصفة عامة، أحدث استسلام المسئولين الأمريكيين لإغراءات وتهديدات اللوبي اليهودي تحولاً خطيرًا في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، فبعد أن كانت اللجنة الإسرائيلية – الأمريكية للشؤون العامة «إيباك» بمثابة بوابة “إسرائيل” الرئيسية للنفاذ إلى الولايات المتحدة، باتت اليوم بوابة الأمريكيين الرئيسية للدخول إلى البيت الأبيض أو الكابيتول .

يبدو أن اللجنة الأمريكية – الإسرائيلية للشؤون العامة، والمعروفة اختصارًا ب “الإيباك”، لم تعد مجرد أبرز وأهم أذرع اللوبي اليهودي داخل الولايات المتحدة فحسب، بل باتت توصف بأنها ” دولة داخل دولة” بعد أن اختطفت النظام السياسي الأمريكي من خلال دفع شخصيات مثل مارتن إنديك، ودينس روس، ودوجلاس فيث، وجوزيف ليبرمان، ونيوت جنجريتش، وغيرهم إلى مواقع صنع القرار داخل الإدارة الأمريكية وداخل الكونجرس بصفة خاصة، حتى باتت هذه المنظمة تمتلك القدرة على التحكم في مجريات الحياة السياسية الأمريكية بما يخدم توجهاتها وأهدافها، رغم كل ما يثار من شكوك واتهامات حول علاقاتها المشبوهة ب”إسرائيل”، التي أكدتها سلسلة من الفضائح، كان آخرها: قضية اعتقال” لاري فرانكلين” المحلل بالبنتاجون الذي نقل معلومات مهمة وخطيرة عن موقف القوات الأمريكية في العراق لإسرائيل عبر مسئولين بمنظمة الإيباك .

ففي مشهد استعراضي للقوة والنفوذ، نجح القائمون على المنظمة المذكورة في حشد أكثر من 5 آلاف مؤيد لإسرائيل يتقدمهم رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون ووزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس والعشرات من أعضاء الكونجرس لحضور المؤتمر السنوي للمنظمة المنعقد في الثالث والعشرين من شهر مايو 2005م وهو أكبر عدد لحضور مؤتمرات تلك المنظمة التي تأسست عام 1951م.

ورغم الأزمة السياسية التي كانت – ولا تزال – تمر بها العلاقات الإسرائيلية – الأمريكية بسبب عمليات التجسس التي تكتشف من وقت لآخر على الولايات المتحدة من جانب “إسرائيل”، والخلاف بين تل أبيب وواشنطن حول الصفقات العسكرية الإسرائيلية لكل من الصين والهند، فإن المشاركين في المؤتمر تسابقوا على كسب ود «إيباك» واللوبي اليهودي من خلال: إبداء دعمهم المطلق لإسرائيل، والتعهد بضمان تفوقها النوعي في شتى المجالات على كل جيرانها مجتمعين، والعمل على احتواء أعداء “إسرائيل” والسعي الدؤوب لإسقاطهم أو تبديل أيديولوجياتهم واستراتيجياتهم، وكأن لسان حال المؤتمر يقول: إن العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية أكبر من أي اعتبارات أخرى حتى إن كانت المصلحة الوطنية الأمريكية ذاتها.

وضمن هذا السياق، اختار شارون هذا المؤتمر – الذي اعتبرته صحيفة “هاآرتس” الإسرائيلية يوم 22/5/2005م أنه “أكبر منتديات اليهود في العاصمة الأمريكية” – ليعلن فيه رؤيته أو السيناريو الكامل الذي سيقوم بتنفيذه في المرحلة القادمة والمتعلق بالجانب الفلسطيني، وهو السيناريو الذي يختلف كليًا مع الطرح الأمريكي ولا يتفق معه سوى فيما يتصل بتطبيق الوعود الأمريكية التي منحها الرئيس بوش لشارون في زيارته خلال العام الماضي 2004م، خاصة أنه يقوم على لاءات عدة، هي: لا للتفاوض حول القدس، لا لتفكيك المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية، لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين، لا للانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو عام 1967م. الأمر الذي أثار العديد من علامات الاستفهام حول هوية تلك المنظمة إيباك التي اختارها شارون ليعلن فيها وبين أعضائها تحديه للمطالب الأمريكية ذاتها .

– تقييم للورقة التي قدمها كل من جون مارشايمر وستيفن والت حول اللوبي اليهودي:

لا بد من التأكيد أن الحديث عن لوبي يهودي في الولايات المتحدة ليس ضرباً من الخيال، وثمة دلائل إحصائية وسياسية لا تعد ولا تحصى على وجود وقوة ذلك اللوبي، تصل كلها إلى نتيجة واحدة هي أن اليهود يتصرفون سياسياً ككتلة منظمة مدركة لذاتها، وأن تواجدهم في المفاصل الحساسة للمجتمع والسياسة والاقتصاد والثقافة في أمريكا يتجاوز نسبتهم من السكان بما لا يقاس. فهم اثنان إلى ثلاثة بالمئة من السكان، ولكنهم أكثر من ذلك بكثير بين أصحاب البليونيرات أو صناع القرار السياسي أو مديري المؤسسات الإعلامية والثقافية الكبرى .

ولكن هنا نجد نقطة الضعف الأولى في تحليل ورقة البرفسوران والت وميرشايمر. فهما يوهمان القارئ أو يتوهمان أن قوة اللوبي اليهودي تنبع من مجموعات الضغط المنظمة التي تمارس تأثيرها في واشنطن على الجهازين التنفيذي والتشريعي هناك، زائد النفوذ اليهودي في المؤسسات الإعلامية والثقافية، وكأنه لا توجد إمبريالية، وأن أمريكا مغلوبٌ على أمرها كمؤسسة حاكمة.

ولكن تبقى مثل هذه النظرة تبسيطية إلى حد السخاف، حتى لو لم ننكر، بل أكدنا، وجود مثل التأثير اليهودي عبر مؤسسات الضغط والإعلام والعالم الأكاديمي. فالأساس في قوة اللوبي اليهودي تبقى القوة الاقتصادية اليهودية التي تشكل مفتاحاً ضرورياً لفهم كل ظاهرة الدور اليهودي في الحياة السياسية الأمريكية .

إذن القوة اليهودية-الصهيونية في أمريكا لا تتلخص فقط في إيباك أو اللوبي الصهيوني في الكونغرس الأمريكي، بل أن هذا اللوبي نفسه ليس سوى أحد الأجزاء الأوضح نسبياً في ظاهرة أكبر بكثير هي ظاهرة القوة اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية

بيد أن القوة اليهودية الصهيونية ليست مقتصرة على وسائل الإعلام والترفيه فحسب. فالمال اليهودي تركز تقليدياً في القطاعات غير المنتج، لا في الصناعات الثقيلة مثل صناعة السيارات مثلاً أو في البناء أو الفولاذ، بل في المصارف والتمويل والأسهم والسندات والعملات الصعبة. وبعد أن فك الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون ارتباط الدولار بالذهب عام 1973، ازدهر رأس المال المضارب، مما دفع بالمصالح اليهودية إلى الأمام قطاعاً بعد قطاع في الاقتصاد المتعولم والمضارب بتسارع كبير في الثمانينات والتسعينات .

فاليوم لا يتمثل النفوذ اليهودي-الصهيوني ببساطة بمجموعة خبراء العلاقات العامة اليهود القادرين على التحدث بلباقة، على ظن البعض، الذين يدعون نواب الكونجرس إلى الغداء ويقدمون لهم رحلات مجانية إلى فلسطين المحتلة. بل أن هذا النفوذ اليوم موجودٌ كما نعلم داخل البيت الأبيض ووزارة الدفاع كما لم يوجد من قبل، وهي الظاهرة التي أفصحت عن نفسها في ظل بيل كلينتون، ولكنها أيضاً الظاهرة التي تفاقمت في ظل الرئيس الحالي بوش الابن. والمسئولون الأمريكيون مثل ريتشارد بيرل وبول ولفوويتز ودوغلاس فيث وغيرهم ليسوا أعضاءً في اللوبي اليهودي، بل هم أعضاء كاملو العضوية في الحلقة الداخلية التي تصنع السياسة في واشنطن، وهم صهاينة إلى درجة أنهم كانوا مستشاري نتنياهو في الوقت نفسه الذي عملوا فيه في الحكومة الأمريكية
بالتالي، لا ننكر العلاقة الخاصة جداً ما بين أمريكا والكيان الصهيوني، ولكن سبب دعم الإمبريالية في أمريكا، وفي أوروبا قبلها، للحركة الصهيونية يعود لتقاطع المصالح بين الطرفين، لا بسبب العلاقات العامة الذكية للوبي الصهيوني، حتى لو افترضنا جدلاً عدم وجود قوة اقتصادية يهودية متميزة في العالم. فأوروبا الاستعمارية رأت من مصلحتها أن تنشاً دولة الكيان الصهيوني في أواسط القرن التاسع عشر لمنع قيام الوحدة العربية، والإمبريالية ما زالت مستمرة بدعم الكيان الصهيوني لنفس السبب: تقاطع المصالح والحاجة الإمبريالية-الصهيونية المشتركة لإبقاء الوطن العربي ضعيفاً ومجزأً.

وشتان ما بين هذا الموقع وموقع العرب والمسلمين الأمريكيين الذين يضرون بالمصالح الإمبريالية في الهيمنة على موارد وجغرافية المنطقة العربية بقدر ما ينجحون في عملهم لتحرير فلسطين وتوحيد الوطن العربي
فأراء والت، ميرشايمر، بقدر ما تحويه من حقائق مهمة حول اللوبي اليهودي الموجود فعلاً ودوره، تتجاهل حقيقة أن ذلك اللوبي يبقى جزءاً لا يتجزأ من المؤسسة الحاكمة الأمريكية، ويمارس دوره بتلك الصفة، وليس من خارج تلك المؤسسة الحاكمة .

يهتم السياسيون في الولايات المتحدة على نحو مطرد بمصالح الشركات والمصالح التجارية وليس بمصالح الشعوب . ولا تخدم الديمقراطية بالضرورة مصالح الشعب بل تخدم مصالح الذين يدفعون الأموال للسياسيين. والشركات هي التي تدفع الأموال للساسة لأنها تملك الأموال الطائلة وهو أمر يحدث على وجه الخصوص في الولايات المتحدة. وفي كتابه “من الذي ينبغي له إبلاغ الناس خيانة الديمقراطية الأمريكية” وهو كتاب أحدث ضجة كبرى، يقول وليام جرايدر “أن المال بالنسبة لكثير من الناس يفسر كل شيء عن أسباب معاناة الديمقراطية من المتاعب” .

ويتفق آخرون مع جرايدر، ويقول بول هوكن، وهو مستشار بارز في مجال الأعمال”أن المال الآن يوجد البيئة التي تتم فيها صياغة الحجج وسماع الأصوات واتخاذ القرارات. ويحدد المال الجهة التي يستمع إليها الساسة، ويشتري المال الوصول إلى السياسيين”. ووصل تفاقم أزمة الديمقراطية الأمريكية إلى حد وجود أزمة في الثقة العامة في الحكومة الأمريكية. وكشفت الاستطلاعات التي أجريت مؤخراً أن حوالي ثلثي الأمريكيين “يعتقدون جماعات الضغط الذين يحرصون على خدمة مصالح عملائهم .

وعلى سبيل المثال، وخلال عقد الثمانينات وحده من القرن الماضي، تضاعف عدد أعضاء جماعات الضغط المسجلين في واشنطن أربع مرات. وأدى الاتساع الهائل في نفوذ الشركات إلى ظهور شارع “ك” الشهير الذي يوجد فيه كثير من أعضاء جماعات الضغط. وتنفق الشركات في الوقت الحاضر أكثر من 1،5 مليار دولار للتأثير في السياسيين في كل سنة، ويوجد أكثر من 17،000 عضو جماعة ضغط ومسئول علاقات عامة في واشنطن . ونحن نعلم انه عندما تولت إدارة بوش السلطة جلبت معها عدداً غير مسبوق من أعضاء جماعات الضغط والمسئولين التنفيذيين من شركات كبرى. ومن بين أولئك، على سبيل المثال لا الحصر، رئيس موظفي البيت الأبيض اندرو كارد الذي جاء من شركة “جنرال موتورز” وبول أونيل من الخزانة، وكان مسئولا في شركة “الكوا” ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وكان في شركة “بكتل” ودونالد ايفانز وزير التجارة وكان يعمل سابقاً في شركة للنفط والغاز، ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس التي كانت تعمل أيضاً في الماضي في شركة للنفط والغاز. ويحاول مركز النزاهة العامة وهي منظمة مراقبة في واشنطن اقتفاء آثار نشاط جماعات الضغط. وأصدر المركز مؤخراً نتائج استطلاع مذهل في مجال جماعات الضغط والبيت الأبيض ذاته. وكشف المركز في البداية نطاق نشاط جماعات الضغط حيث وجد المركز أن أكثر من 4600 شركة عملت على التأثير في البيت الأبيض منذ عام 1998.

واقتفى المركز بعد ذلك آثار المال واكتشف أن أكثر من 1300 عضو جماعة ضغط مسجلين تبرعوا بما يزيد على 1،8 مليون دولار للرئيس بوش على مدى السنوات الست الماضية. وكان أكثر من 50 عضواً مسجلاً من أعضاء جماعات الضغط بين كبار “جامعي التبرعات” لحملتي بوش الرئاسيتين .

وعلاوة على ذلك، أن الشركات الأمريكية ليست وحدها التي تؤثر في حكومتها وتضعف ديمقراطيتها بل تفعل الشركات الأجنبية أيضاً ذلك. وقد توصل استطلاع منفصل أجراه مركز النزاهة العامة إلى أن حوالي 650 شركة أجنبية أنفقت أكثر من 600 مليون درهم على نشاط التأثير في أعضاء الكونجرس في واشنطن

تحيااااااااااااااااااااااتي

:sunny: