أ.د. أحمد محمد وهبان

التاريخ الدبلوماسي للمغرب من اقدم العصور الي اليوم

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الزهراني336

الأدارسة أول دولة إسلامية مستقلة بالمغرب 788-974م. كان مقرهم الأول مدينة وليلي 788-807م، ومن ثم فاس منذ 807م.
مؤسس السلالة هو إدريس بن عبد الله الكامل (788-793م) بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت الرسول محمد بن عبد الله، نجا بنفسه من المذبحة الرهيبة التي ارتكبها الجيش العباسي في موقعة فخ في مكة المكرمة، والتي أقامها العباسيون للعلويين سنة 786م وتوفى كثير من آل البيت فيها. فر إلى وليلي بالمغرب. تمت مباعيته قائدا وأميرا وإماما من طرف قبائل الأمازيغ في المنطقة. وسع حدود مملكته حتى بلغ تلمسان (789م). ثم بدأ في بناء فاس. قام الخليفة العباسي هارون الرشيد بتدبير اغتياله سنة 793م. لـإدريس الأول (مولاي إدريس في المغرب) مكانة كبيرة بين المغربيين. ويعتبر ضريحه بالقرب من وليلي بزرهون (أو مولاي إدريس زرهون اليوم) مزارا مشهورا.
قام ابنه إدريس الثاني (793-828م) والذي تولى الإمامة منذ 804م، قام بجلب العديد من الحرفيين من الأندلس وتونس، فبنى فاس وجعلها عاصمة الدولة، كما دعم وطائد الدولة. قام ابنه محمد بن إدريس الثاني (828-836م) عام 836م بتقسيم المملكة بين إخوته الثمانية (أو أكثر). كانت لهذه الحركة تأثير سلبي على وحدة البلاد. بدأ بعدها مرحلة الحروب الداخلية بين الإخوة. منذ 932م وقع الأدارسة تحت سلطة الأمويين حكام الأندلس والذين قاموا لمرات عدة بشن حملات في المغرب لإبعاد الأدارسة عن السلطة.
بعد معارك ومفاوضات شاقة تمكنت جيوش الأمويين من القبض على آخر الأدارسة (الحسن الحجام) والذي استطاع لبعض الوقت من أن يستولي على منطقة الريف وشمال المغرب، قبض عليه سنة 974 م، وثم اقتياده أسيرا إلى قرطبة. توفي هناك سنة 985 م.
تفرعت عن الادارسة سلالات عديدة حكمت بلدان إسلامية عدة. أولها كان بنو حمود العلويون الذين حكمو في الجزيرة ومالقة (الأندلس). كما تولوا لبعض الوقت أمور الخلافة في قرطبة. فرع آخر من الأدارسة حكم جزءا من منطقة جازان في السعودية بين سنوات 1830-1943 م. الأمير عبد القادر الجزائري والذي حكم في الجزائر سنوات 1834-1847 م ينحدر من هذه الأسرة أيضا. آخر فروعهم كان السنوسيين حكام ليبيا والجبل الأخضر 1950-1969 م

قراءات أخرى في كتاب "التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين

كاتب الموضوع الأصلي: احمد الاحمري 336

قراءات أخرى في كتاب “التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق”

أبرم شبيرا

توطئة: كتاب وذكريات
قرأت موضوع الأخ والصديق المهندس خوشابا سولاقا عن كتاب “التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق” للأستاذ عبد المجيد حسيب القيسي الذي نشر في موقعنا العزيز عنكاوه. وأول تأثيراته كانت أنه فتح خزانة عقلي عن ذكريات تزيد عن أربعين عاماً حينما كنًا معاً في المراحل الأولية الرومانسية من الفكر والعمل السياسي نجاهد جهاداً مضنياً من أجل الحصول على كتاب أو مقالة عن الآشوريين ومن ثم تداوله سرياً بيننا ومع مجموعة من أصدقاء تلك المرحلة مؤمنين بأن المطالعة والعلم والثقافة وإغتراف المعارف في تاريخنا القومي هو السبيل الأمثل لإمتلاك وعي قومي صحيح يبنى عليه آمال لبناء تنظيم سياسي يكون أداة لتحقيق طموحاتنا القومية. وبطبيعة الحال وبسبب الظروف الإستبدادية والكبت الفكري في تلك الفترة كان مثل هذه الكتب والمقالات نادرة الوجود والتداول، لا بل كان إمتلاكها وتعميم نشرها نوع من المخاطرة وقد تسبب لمتداوليها التعرض لإستبداد السلطة ولعواقبها الوخيمة. كان أشهر كتب تلك المرحلة “الآشوريون في التاريخ” جمعه إيشو ماليك خليل جوارو وترجمه وأشرف عليه سليم واكيم وطبع في بيروت عام 1962، والثاني “تاريخ الآثوريين” – الجزء الأول، ترجمه من الروسية أسامة نعمان وطبع في مطبعة الجاحظ في بغداد عام 1970، وهي ترجمة محرفة وغير دقيقة لكتاب “المسألة الآشورية أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى 1914- 1933” للبرفسور الآشوري بار متي ماتييف لا بل تعتبر الترجمة قرصنة فكرية لأن المترجم لم يحصل موافقة المؤلف كما ذكر ذلك لي شخصياً. المهم، بمجرد أن أنتهيت من قراءة موضوع صديقي خوشابا حتى هرعت إلى مكتبتي الصغيرة وأجد الكتابين المذكورين راكنان في الرفوف العالية وقد أصفرت وتيبست أطراف بعض من أوراقهما وتكسرت ولكن الأمر الذي حزً في صدري هو أن أجد في الصفحة الأخيرة من كتاب “الآشوريون في التاريخ” كلمة شكر وإمتنان مني ومن بقية الأصدقاء مؤرخة بتاريخ 7/8/1969 إلى المرحوم إيشعيا هرمز يونان الذي فارق الحياة قبل سنتين أو أكثر لكونه هو الذي عثر على هذا الكتاب وعممه علينا ولا أتذكر فيما اذا كان هذا التاريخ الذي أقر في السنة اللاحقة كيوم للشهيد الآشوري مصادفة أم مقصود. وهذه مناسبة أن نترحم على روح شاعرنا الكبير دنخا إيشا الذي كان يلهمنا في تلك الفترة بأشعاره ويزيدنا همة وصلابة ونحن سائرين على الطريق الصعب المليء بالمخاطر. وعلى العموم وكما يقال: على الحياة أن تستمر… وهكذا أجد اليوم في صديقي خوشابا إستمراراً لهذه الحياة ولهذه العادة في “النبش” في الكتب والبحوث وعلى نفس مسار أربعة عقود وأكثر من الزمن في البحث والدراسة وإغتراف المعارف في كل ما يتعلق بأمتنا. وأرجو المعذرة من القراء الأعزاء في الإطالة في هذه التوطئة وظهورها كأنها مسألة أو ذكريات شخصية ولكن في الحقيقة ليست هكذا فحسب بل تمثل جانب من بداية مسيرة شباب على منوال طويل من الوعي القومي والسياسي التقدمي قائم على الإستقامة والتواصل والنزاهة والإخلاص ونكران الذات من أجل هذه الأمة رغم الظروف الإستبدادية الصعبة التي كانت تحيط بهم ورغم سياسة “الجزرة والعصى” التي كان يمارسها النظام البعثي الإستبدادي ولكن كل هذا وذاك لم تقوى هذه السياسة الإستبدادية على لوي أذرع هؤلاء الشباب فأستمروا المسيرة وهم يحملون سلاحاً قوياً تمثل في نقاء ضميرهم الحي وتوجهاتهم النزيهة تجاه هذه الأمة، وهذا كنز لا يفنى حتى بفناء الحياة.

من هو مؤلف الكتاب ؟:
مؤلف الكتاب هو الإستاذ عبد المجيد حسيب القيسي، عراقي عمل كمستشار قانوني في الدوائر العسكرية والمدنية في العهد الملكي والجمهوري في العراق وبعد إشتداد الكبت الفكر والقهر السياسي في نهاية الستينيات من القرن الماضي لم تتحمل سعة أفكاره وحبه للحرية والدفاع عن الحق والعدالة إلا أن يترك العراق ويجد في أبو ظبي – الإمارات العربية المتحدة موطناً له للإستقرار وقضاء بقية حياته وعائلته في هذا البلد المضياف حيث عمل كغيره من العراقيين المبدعين في تأسيس وإدارة النظام الفيدرالي في هذه الدولة. لقد كانت فرصة إستثنائية أن ازوره في بيته في أبو ظبي أنا والدكتور سعدي المالح في أواخر عام 2000 وأن نقضي ساعات طويلة معه في نقاشات مفيدة عن كتابه بشكل خاص وعن الآشوريين ومسألتهم في العراق بشكل عام وكان إهتمامه الكبير ظاهراً عليه بشكل واضح حيث أكد لنا بأنه آخر مرة ألتقى بالآشوريين كان أثناء أحداث سميل عام 1933. ثم في السنوات اللاحقة قمت بزيارته أكثر من مرة وتهاتفنا العديد من المرات في المستجدات المتعلقة بالآشوريين في العراق وقد كانت السنين الطويلة المتعبة من العمل الجاد والدفاع عن الحق والعدالة بادية عليه وأهرمته حتى زارته المنية فتوفي في عام 2006. لقد كان رحمة الله إنساناً طيباً رؤوفاً واسع الصدر ومنشرح الفكر في تقبل أي نقد موجه إلى أفكاره أو كتابه موضوع البحث لهذا السبب كان يسعده جداً اللقاء بي والدخول في مناقشات معه. وأود هنا أن أوضح بأن السيد القيسي ليس بباحث أو أكاديمي أو مؤرخ بل شاهد عيان لأحداث حاسمة وخطيرة مرة على العراق ومنها حادثة مذبحة سميل حيث عايش كموظف بسيط في الدولة أثناء المذبحة والمأساة التي رافقتها والإرهاصات التي أعقبتها على المستوى العراقي وبضمير حي وبعدالة وإحقاق حق الآشوريين في تلك الفترة، وما هذا الكتاب إلا نموذج لتلك المعايشة.

كيف صدر الكتاب؟:
خلال عمل الكاتب في خدمة دولة العراق وإهتمامه بالأحداث التاريخية وتدوينها ومن ثم إصداره بعض الكتب بهذا الشأن تكونت لديه أفكار وآراء حول الآشوريين ومسألتهم في العراق وجمع عنهم معلومات كانت من الكفاية لتأليف كتاب خاص بهم. وبعد إكماله أتصل بصديقه السيد سعد صالح جبر الذي كان رئيساً للمجلس العراقي الحر في لندن والمعارض لنظام البعث العراقي يسأله عن إمكانية مساعدته في طبع الكتاب ونشره، فأتصل هذا الأخير بالسيد سركون داديشو رئيس “المجلس القومي الآشوري” الذي كان له معرفة به عارضاً عليه الفكرة فكانت نتيجتها طبع الكتاب وصدوره من قبل المؤتمر القومي الآشوري في عام 1996 وتحت عنوان “هوامش على تاريخ العراق السياسي الحديث في رؤيـة جديدة – تاريخ القضية الآثـورية “. وفي أحدى لقاءاتي مع السيد القيسي بينً عدم رضاءه عن طبع ونشر الكتاب بالطريقة التي طبع ونشر بها حيث أولاً: لم يتم تزويده غير بثلاثة نسخ من الكتاب في الوقت الذي كان يطلب بحدود ثلاثين نسخة فقط لتوزيعها على أصدقاءه. وثانيا، وجد القيسي حذف بعض الكلمات من الكتاب وحشر أسم السيد سركون داديشو في متن الكتاب من دون أخذ موافقة المؤلف، لذا أعتقد بأن السيد القيسي وجد في إعادة طبعه ونشره من قبل دار نشر معروفة سبيلاً لتعميم الفائدة للجهد الذي بذله في هذا المجال. هكذا قامت الدار العربية للموسوعات في بيروت (صاحبها العراقي خالد العاني) بطبعه في عام 2004 وتحت عنوان “التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق: 1921 – 1999” وهو الكتاب الذي أعتمد عليه صديقنا خوشابا. ومن الجدير بالذكر أن الكتاب كان قد طبع أيضا من قبل “دار الموسوعات العالمية” في عام 1999 ولكن السيد القيسي يجهل تماماً هذه الطبعة ولم يسمع عن هذا الدار، هذا ما ذكره لي شخصيا. علما بأن جميع هذه الطبعات تشير إلى كونها “الطبعة الأولى”. والمأخذ الذي يؤخذ على هذه الطبعة الأخيرة هو عنوان الكتاب. فإذا كان التاريخ السياسي للآثوريين عنواناً مقبولاً لكون قضيتهم القومية سياسية طغت على السطح السياسي العراقي في الثلث الأول من القرن الماضي إلا إنه لم يكن لهم تاريخ عسكري فالإشتباكات المسلحة بين مجموعة من الآشوريين مع بعض من قطاعات الجيش العراقي لا يمكن تدوينها كتاريخ عسكري. والمأخذ الثاني هو أن تمديد هذا التاريخ لغاية 1999 لا معنى له طالما لم يتطرق السيد القيسي إلى أية أحداث تاريخية، خاصة العسكرية منها لهذه الفترة والفترة التي سبقتها غير صفحة أو صفحتين، لهذا لم يكن أي معنى لهذا التاريخ. فصفحة واحدة أو أكثر لا تكفي لتكون مادة تاريخية للكتابة وتؤخذ عنواناً للكتاب. ومن المصادفة أن تكون صفحات كل الطبعات الثلاث للكتاب (332) صفحة رغم إختلاف حجم صفحات الكتب التي تطبع في أميركا ولكن بقت الفصول والعناوين نفسها. فالكتاب موزع على أحد عشر فصلاً مع مقدمة. يستهل الكتاب بفصل في أصل الآشوريين وتاريخهم قبل نشوء دولة العراق ثم يتناول القضية الآشورية في العراق بشكل عام والملابسات التي أحيطت بها ويحلل تحليلاً مفصلاً وعميقاً سياسة النخبة الحاكمة تجاهها وأساليب معالجتها بعد استقصاء وبحث ومناقشة الكتب والمراجع والمذكرات التي كتبت عنها، ولا أريد قراءة كل فصول الكتاب حيث قام وسيقوم الصديق خوشابا بهذه المهمة، ولكن أكتفي ببيان بعض الملاحظات على الكتاب.

مناقشات وسجالات بيني وبين مؤلف الكتاب:
بمجرد ما أن أهدى لي السيد سركون داديشو نسخة من هذا الكتاب، طلب مني بعض الأصدقاء كتابة نقد وتحليل له وفعلاً لبيت طلبهم فكتبت موضوعاً نقدياً للكتاب تحت عنوان “تكرار أخطاء المؤرخين السابقين ضيع إيجابية القيسي في فهم تاريخ الآشوريين” ونشر في جريدة الحياة اللندنية بعددها المؤرخ في 02 شباط 2000 حيث كان موضوعي قد أحتل أكثر من نصف صفحة الجريدة. ثم قام بعض من المجلات والدوريات الآِشورية التي كانت تصدر في الخارج بإعادة نشره تعميماً للفائدة. وفي هذا النقد والتحليل بينت بكل وضوح إيجابية الكتاب والمواضيع التي تطرق إليها السيد القيسي بكل شجاعة وأعتبرته من الأوائل الذين كتبوا بإنصاف وعدل في بيان إستبدادية السلطة في العراق أثناء مذبحة سميل تجاه الآشوريين ولكن من جانب آخر أبرزت سلبيات كثيرة في الكتاب بحيث كان قاصراً في فهم تاريخ الآشوريين وأصلهم وقضيتهم القومية في تلك الفترة واعتماد المؤلف على الكثير من المصادر الرسمية والمعادية للآشوريين وفي عين الوقت عجزه عن الحصول على المصادر الأجنبية أو المحايدة تجاه هذه القضية. ويظهر بأن السيد القيسي قرأ موضوع نقدي وتحليلي للكتاب فكتب رداً على ردي تحت عنوان طويل (رد على نقد أبرام شبيرا لـ “تطور قضية الآشوريين في العراق” – وعنوان رئيسي “لو نظر إلى الكتاب راضيا… لكن عين السخط تبدي المساويا” ونشر في في نفس جريدة الحياة اللندنية بعددها المؤرخ في 01 حزيران 2000 وكان الموضوع طويلاً بحيث أحتل ثلاثة أرباع صفحة الجريدة.

بطبيعة الحال لم يكن السيد القيسي راضياً عن إتهامي له في تقصيره في فهم أصل وتاريخ الآشوريين وقضيتهم في العراق على حقيقتها وتقييم قيادتها إلى درجة أعتقد بأنني جرحت مشاعره وأسيئ فهمه فشرع بتبرير وتعليل كل ما تم إنتقاده ودافع عن بعض من الأفكار التي طرحها حتى وإن تبينت بأنها غير صحيحة، نذكر منها على سبيل المثال موقفه من قوات الليفي الآشورية حيث يقول “… إذا ذهبنا مع الأستاذ الناقد – يقصد أنا – من عدم ضلوع الآشوريين في قمع الثورة العراقية – يقصد ثورة العشرين – في الجنوب فلا يستطيع ولا نستطيع أن ننكر دورهم في إحتلال مدينة بعقوبة ونهبها …” طبعاً هذه مخالطة كبيرة من المؤلف. فالآشوريون المهجرون من منطقة هيكاري بعد الحرب الكونية الأولى لم يحتلوا بعقوبة بل أسكنوهم في مخيمات للاجئين من قبل القوات البريطانية قرب مدينة بعقوبة وكانت القبائل العربية البدوية في منطقة ديالي هم الذين يغارون على مخيم اللاجئين وينهبون ممتلكاتهم ويهجمون على سكانه … إلخ”. على أية حال موضوع ردي على الكتاب ورد السيد القيسي سيأتي ضمن سياق تقييمي المختصر للكتاب. لكن المهم من كل هذا وذاك فالسيد القيسي يبين مدى سعة صدره ومدى أفقه ورفعة أخلاقه ودماثة طبعه وتقبله للنقد ومعالجة الأخطاء التي وردت في الكتاب، إذ يقول في خاتمة رده على ردي بالقول “وختاماً نتقدم بالإعتذار من الأستاذ شبيرا على ما وجد في كتابنا من سلبيات لم نقصد بها إلى الإساءة والتجريح، ونتقدم منه بالشكر إصالة عنا ونيابة عن الناشرين…”. وقد كانت هذه السجالات والمناطحات الفكرية عاملاً مؤثرا في نفسية القيسي الطيبة وخلقت فيه نوع التوق والرغبة لللقاء بي وهذا ما تم فعلاً في نهاية عام 2000 في أبو ظبي والسنوات التي لحقتها… رحمه الله لقد كان إنسان نبيلاً ومحقاً في إحقاق الحق خاصة بالنسبة لأقلية صغير لم يكن في دفاعه عنهم أية مصلحة غير إنصاف عدالة قضية الآشوريين في العراق الذين ظلموا قهراً وبهتاناً وأسيء فهم هذه القضية من قبل الأنظمة المتعاقبة على السلطة في العراق.

تقييم الكتاب:
بغنـى عن محتويات وأفكار واجتهادات أي كتاب عن الآشـوريين، سواء أكان مجحفاً وظالمـاً بحقهم أو منصفا ومساندا لطموحاتهم القومية والوطنيــة المشروعة، فهو يعتبر إضافة جديدة يساهم بشكل أو بأخر في تفعيل الدراسات والبحوث عن الآشوريين ويزيد من فاعلية المسألة الآشورية ومن إثارتها، وبالتالي يؤكد حيويتها، تلك الحيوية التي تحالف الإنسان الباغي مع الزمان القاسي تحالفاً غير مقدساً على طمسها في عالم النسيان، وهو التحالف الذي كان قد تجسدت نتائجه في سياسة حزب البعث الحاكم في العراق في منتصف السبعينات تجاه الآشوريين عندما قام بسحب كافة الكتب التي كانت تتناول تاريخ الآشوريين من المكتبات العامة أو منع طبعها أو نشرها أو حصر تداول البعض منها على نطاق خاص وضيق ولاعتبارات أمنية وحزبية. وكتاب رياض رشيد الحيــدري (وهو كردي الأصل مستعرب) المعنون ” الآثوريــون في العراق 1918 – 1933 “، والذي اعتبره القيسي مرجعاً أساسيا أقتبس منه معظم معلوماته عن الآشوريين، هو مثال من بين عشرات الأمثلة على ذلك. فهذا الكتاب الذي كان بالأساس أطروحة ماجستير في التاريخ الحديث ، طبع في القاهرة ومنع تسويقه في العراق وحتى النسخ القليلة التي أتيحت لطلاب الدراسات العليا والباحثين الإطلاع عليها في المكتبة المركزية لجمامعة بغداد ختمت بعبارة “للتداول المحدود” من قبل مديرية رقابة المطبوعات ثم أختفى من المكتبة كغير من الكتب التي كانت تتناول تاريخ الاشوريين ومسألتهم في العراق على أثر سياسة حزب البعث الإستبدادية في حملة “إعادة كتابة التاريخ” في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع مؤلف الكتاب موضوع البحث ، نؤكد التقدير والتثمين له على هذه الإضافة الجديدة لجدول الكتب التي تبحث في تاريخ الآشوريين وفي مسألتهم القومية في العراق. ولكن حتى لا نخون مبادئنا القومية الإنسانية التي تولدت من مخاض مأساة الآشوريين المستديمة ونبقــى أوفياء للحق الآشوري الذي غبــن كثيراً، وحتى نكون أيضا مخلصين للأمانة العلمية والتاريخية يجب أن لا يلغي هذا التثمين والتقدير واجبنا في تدقيق محتويات الكتاب ودراستها دراسة علمية صحيحة وتقييمها وإظهار عيوبها وقصورها ثم محاولة تقويم اعوجاجها. كما يجب أن لا يمحي طموحنا المشروع في قراءة كتاب يضع الحق الآشوري في نصابه الصحيح ويعالج وقائع تاريخ الآشوريين ومسألتهم القومية معالجة علمية سـليمة. وفي سياق هذه المهمة سنحاول وبقدر الإمكان التخلي عن الأسلوب التقليدي الأكاديمي في عرض وتقييم الكتاب شكلا ومضمونا ومتابعة محتوياته خطوة فخطوة وتقييم معلوماته المسهبة، فهذه المسالة يتطلبها مجلدا كاملاً ، لذلك سنكتفي بمعالجته بشكل عام ومن زاويتين : الأولى ، من حيث المراجع المعتمد عليها، والثانية، من حيث بعض المضامين والأفكار والاجتهادات لأحداث مهمة أشار الكاتب إليها في كتابه هذا مختصرين بقدر الإمكان.

أولا : من حيث المراجـــع
معظم مراجع الكتاب هي المراجع العراقية الرسمية ومذكرات وأوراق رجال النخبة العراقية الحاكمة الذين اشتركوا بشكل أو بآخر في تأجيج أحداث المسألة الآشورية والمذبحة التي أعقبتها في سميل عام 1933 أو هي مراجع لكُتاب ساهموا في ترسيخ وتعميم القيم والمفاهيم والسياسات الاستبدادية التي تبنتها الأنظمة السياسية المتعاقبة على السلطة في العراق في تعاملها مع الآشوريين. والكتاب الأجنبـي الوحيد الذي أعتمه هو كتاب ” العراق 1900 – 1950 ” لمؤلفه البريطاني ســتيفن لونكـرك الذي عمل في خدمة وزارة الداخلية العراقية أثناء تلك الفترة وهو معروف بمواقفه وتعاطفه مع الحكومة العراقية حينذاك والذي ظل ” يحب العراق ” كما يدعي، حتى بعد تسريحه من الخدمة والانعكاف لإنجاز كتابه هذا والذي ظهر فيه عدم تأثره بالدماء الآشورية الطاهرة التي أريقت في ســميل مثلما “تأثر” زميلـه البريطاني لونارد ستافورد، وأنبه ضميره لدوره القذر في تعقيــد الأحداث، فاستقال من منصبه كمفتش إداري في لواء الموصل التابع لوزارة الداخلية، أو الأصح صرف من مهمته بعد انتهاءها بانتهاء مذبحة سميل، فعاد الى أهلـه في بريطانيا ليكتب كتابه المعروف ” مأساة الآشوريين ” والذي تعذر على القيسـي الإطلاع عليه وقراءته رغم توفره لدى بعض الأشخاص والمكتبات الرئيسية.

أما بالنسبة لكتاب رياض رشيد، السالف الذكر، والذي اعتمده السيد القيسي اعتماداً رئيسياً في اقتباسه للمعلومات وأقر له الكثير من الفضل والامتنان لكونه كتاب جامع لتاريخ الآشوريين وملم بجميع أو أغلب ما كتب عنهم، فأنه، على الرغم من إشارة القيسي الى السلبيات الواردة في هذا الكتاب إلا أنه لم يأخذه مأخذ الجد وبالاعتبار المطلوب في فهم تاريخ الآشوريين عندما اقتبس منه معظم معلوماته. ولبيان حجم أعتماد السيد القيسي على هذا الكتاب فأنه ذكره في (70) هامش هذا إضافة إلى إقتباسات وإشارات كثيرة له في متن الكتاب. وحتى نضع أمور هذا ” المرجع الأساس”، كما يسميه السيد القيسي، في نصابه الصحيح نود أن نبين بشأنه ما يلي :
أ – الكتاب بالأصل أطروحة جامعية من القاهرة أهل انضمام الكاتب الى حزب البعث الحاكم ميزة الحصول على البعثة الدراسية للكتابة عن هذا الموضوع ونيل الشهادة الأكاديمية عنه فهو، أي الكتاب، “إيفاء والتزام” من الكاتب تجاه فضل حزبه .
ب – زار الحيدري أثناء فترة جمع المعلومات وإعداد أطروحته النادي الثقافي الآشوري في بغداد، مركز استقطاب المثقفين الآشوريين في السبعينيات من القرن الماضي، وحصل على معلومات وبيانات مفيدة لمشروعه العلمي ثم تبين بعد إنجازه بأنه خان الأمانة العلمية وزيف الكثير من الحقائق وأخفى أو أهمل تلك التي كانت تتعارض مع منهجه البعثي في دراسة تاريخ الآشوريين في العراق وتبرير شرعية إستبداد السلطة تجاه المسألة الآشورية.
ج – صحيح أن كتاب الحيدري جامع وملم بكل ما كتب عن الآشوريين “ويكشف عن حقائق لم يجرؤ أحد قبله على كشفها” كما يدعي السيد القيسي، إلا أن لهذه الميزة أسباب : أولهما : الأهمية المخابراتية للموضوع من جهة، وانتماء الكاتب للحزب الحاكم من جهة أخرى، منحتا له ميزة أو تسهيلات للتنقيب والبحث في الوثائق والمستندات والمراسلات المهمة والسرية المتعلقة بالمسألة الآشورية التي تكتظ بها خزائن الدوائر الأمنية في العراق. وثانيهما : كون الكتاب بالأساس أطروحة جامعية تشكل صفتا الشــمول والإلمام من الصفات الأساسية لكل أطروحة جامعية، كما وان الكتاب كان آخر ما كتب عن الآشوريين في العراق ، فاستفاد المؤلف من كل ما سبق وكتب عن هذا الموضوع.
د – كتاب الحيدري ، كما يقول السيد القيسـي، “هو أول كتاب باللغة العربية يكسر طوق الحجر الفكري ويخرج عن الإجماع التاريخي والرسمي والوطني بشأن المسألة الآشورية” غير أنه لم يخرج أيضا عن ، بل التزم التزاماً كاملاً، بأيديولوجية حزب البعث الحاكم في تزييف تاريخ الآشوريين وامحاء أساسهم القومي والتاريخي في العراق والتعامل معهم كطائفة مسيحية بهدف تحقيق سياساته الاستبدادية تجاههم. وهو ما أكده السيد القيسي بنفسه عندما ذكر انجرار الحيدري خلف التفسير الرسمي لحزب البعث وعدم قدرته الخروج منه مما أوقع نفسه في تناقض واضح تجاه استقامة رأيه حول هذا المصدر الذي اعتبره أهم مصادره في تأليف كتابه عن الآشوريين.
هـ – وأخيراً ، قد تجدر الإشارة الى النتائج التي آلت الى الحيدري من وراء كتابه هذا عن الآشوريين. تجاريا، الكتاب منع تسويقه في العراق كما سبق ذكره. أكاديمياً ، لم يؤهله موضوع الكتاب ارتقاء مناصب علمية سوى تدريس مادة “الثقافة القوميــة” في أحدى كليات جامعة بغداد والتي كان الطلاب يسخرون منها ويطلقون عليها “السخافة القومية” لأنها لم تكن أكثر من تطبيل وتزمير لأفكار حزب البعث الحاكم. ولا أدري فيما بعد إذا كانت “حيدريتـه” قد سمحت له في ظل نظام البعث العشائري الاستبدادي ارتقاء مناصب علمية أخرى.
أعترف بأنني أسهبت بعض الشيء في كتاب الحيدري وقصدي من ذلك كان بيان حقائق أخرى عنه طالما أسرف السيد القيسي في اعتماده كمرجع أساسي في دراسته عن القضية الآشورية في العراق. كما قد يأتي إسرافي في التعليق على كتاب الحيدري في هذه المناسبة كرد جزء من الدين المترتب على اعناقي منذ أمد بعيد لكتابة بعض الملاحظات الانتقادية حوله والذي طالما طالبوني بها بعض الأصدقاء والقراء.

ومن الملاحظات الأخرى على المراجع التي اعتمدها السيد القيسي ، هي كون جميعها مصادر معروفة ومنشورة وســبقه الكثير من الكتاب والباحثين اعتمادها وتحليلها ونشرها لذلك لم يأتي أو يذكر مرجع جديد أو بحث أو اعتمد على بعض المراجع القيمة والنزيهة في المسألة الآشورية ولكتاب وباحثين معروفين بالنزاهة والاستقامة العلمية والموضوعية، مثل كتاب الأستاذ عبد الغني الملاح المعنون ” تاريخ الحركة الديموقراطية في العراق ” في طبعته الأولى ، وليس الثانية التي أخضعها حزب البعث الحاكم الى سياسته الشوفينية في منهجه الخاص بـ “إعادة كتابة التاريخ” وحذف منه صفحات مهمة تشير إلى صلة آشوريي اليوم بالأشوريين القدماء. كما هناك كتب ومراجع علمية وموضوعية عالجت وحللت إستبدادية السلطة في العراق تجاه المسألة الآشورية بكل نزاهة وأخص بالذكر هنا كتاب “جمهورية الخوف” للكاتب والأكاديمي العراقي “سمير الخليل” وأسمه الحقيقي كنعان مكية.

يعترف السيد القيسي بأن ما اعتمده من مصادر ليست بالشاملة والوافية حيث يقول بأنه لم يتسنى له الإطلاع على مراجع مهمة وعديدة صدرت حول الموضوع وباللغتين الآشورية والإنكليزية ولغات أخرى رغم ترجمة العديد منها الى العربية. كما تعذر عليه الإطلاع على أهم المراجع قاطبة بهذا الشأن، وأقصد الوثائق البريطانية، وهو عذرُ أقبح من الفعل نفسه، لان جميع هذه المراجع متوفرة ومتاحة ولا نجد إطلاقا العثور عليها والإطلاع عليها مشقة أو صعوبة تذكر، سيما وأن الكثير منها متوفرة في المكتبات وعند بعض الآشوريين أو غيرهم سواء أكانوا أفراد أو مؤسسات. وعلى الرغم من اعتراف الكاتب إهماله لهذه المراجع المهمة وعدم إطلاعه عليها ، فان هذا بحد ذاته يعتبر مسألة غير مقبولة من الناحية العلمية والمنطقية وإلا لما استوجب تأليف ونشر هذا الكتاب طالما أفتقر الى المراجع المهمة والى الأساس العلمي والموضوعي المطلوب في البحث، خاصة عند البحث عن تاريخ شعب من شعوب المنطقة وعن مسألته السياسية والقومية التي شغلت العراق وطغت على سطحه السياسي في النصف الأول من القرن الماضي. لهذا السبب ستنعكس مشكلة المراجع على مضمون محتويات الكتاب، وهذا ما سيتأكد لنا فيما بعد .

المرجع الآشوري اليتيم الذي اعتمده القيسي في كتابه هو مقالتنا المنشورة في جريدة ” الشرق الأوســط” اللندنيــة عدد 5375 في 16/8/1993 والمعنونة بـ “التعامل مع الأقليات في مسار تاريخ العراق السياسي” والتي كتبتها بمناسبة مرور ستين عاماً على مذبحة الآشوريين في سميل. وحتى هذا المرجع البسيط فأنه لم يكن استخدامه موفقاً ومناسباً وإنما يبدو وكأنه حشر حشراً في الكتاب ولم يتسق مع سياق الموضوع. كما وأن اقتباس صفحتين أو أكثر من أي مرجع مسألة غير صحيحة تفقد التوازن العلمي للكتاب، وهي الصفة الطاغية على الكتاب حيث هناك نصوص طويلة من ذكريات رجال الحكم في العراق وبيانات رسمية ومقاطع كتب مقتبسة من المراجع المعتمدة معظمها منشورة في السابق ومعروفة للباحث أو للقارئ في تاريخ العراق السياسي الحديث وبدت كأنها تكرار لما سبق نشره. وإذا كان اعتماد الكاتب على المراجع التي ذكرها ينحصر على اقتباس وقائع تاريخية أو مراسلات رسمية ووثائق وبيانات وأحاديث أو ذكريات لرجال الحكم والسياسة لكان الأمر مقبولاً من الناحية الشكلية، وإن كانت المصداقية العلمية والأمانة التاريخية لأصحاب هذه المراجع مهزوزة أو مفقودة في أحيان كثيرة، إلا إن السيد القيسي تجاوز ذلك كثيراً في اعتماده على هذه المراجع وبلغ به الأمر الى درجة اعتماده اعتماداً كلياً على آراءهم وتفسيراتهم واجتهاداتهم حول الآشوريين وأصلهم ومسألتهم في العراق في بناء تصوراته وأفكاره عنهم، وهي ظاهرة غير علمية وغير سليمة، بل هو أسلوب انتقائي، طالما أقر الكاتب نفسه سلفا موقفه الفكري المعارض من هؤلاء الكتاب. فلا يجوز، كما يقول السيد القيسي، اعتبار عبد الرزاق الحسني فاقداً للحيدة والموضوعية والحس التاريخي والتحليل الصائب أو وصف عبد الرحمن البزاز بالمنساق وراء أوهام العزة والكرامة والمندفع الى تجاهل واقع الحال والقفز فوق الحقائق، كما لا يجوز القول بأن غلبة التفسير التآمري للأحداث على تفكير رياض الحيدري واعتماده التفسير الرسمي لحزب البعث الحاكم في العراق لأحداث التاريخ ومن ثم رجوع القيسي نفسه واعتماد آراء هؤلاء الكتاب واستنساخها في أصل الآشوريين وفي تاريخهم ومسألتهم القومية في العراق واعتبارها مراجع مهمة له في كتابه في الوقت الذي هو نفسه أقر بمواقف هؤلاء المعادية للآشوريين. لهذا السبب لم يستطيع الكاتب الخروج من طوق هذه الآراء طالما كان اعتماده الرئيسي عليها، وهذا ما سيظهر وبكل وضوح في بحث مضمون محتويات الكتاب. وقد يكون من الطرافة أن نذكر عجز السيد القيسي في فهم أصل الآشوريين وقضيتهم من خلال عجزه عن كتابة أسمي عند الإشارة إلى مقالتي أعلاه حيث ذكره عدة مرات بصيغ عديدة ومختلفة.

ثانياً : من حيث المحتوى:
بين اعتماد الكاتب اعتماداً كلياً على المراجع المعادية للآشوريين وإغفاله للمراجع الآشورية والمحايدة أوقع نفسه في تناقض كبير يقوم على الإيجاب والسلب. يتمثل جانب الإيجاب في قدرة الكاتب على تحليل المراجع العراقية والرسمية المعتمدة ومن ثم الوصول الى نتائج موفقة في فهم السلوك السياسي للنخبة الحاكمة تجاه القضية الآشورية. وكان الكاتب منطقيا وموضوعيا في الاجتهادات التي توصل إليها في تفسيره لتعسف وتضليل الحكومة العراقية للمسألة الآشورية وأقترب كثيرا من الحقيقية، لا بل واندمج بها اندماجاً تاماً عندما فهم السياسة العراقية الحقيقية الرامية الى تصعيد الأحداث وتوصيلها الى الحافات الهاوية بهدف ذبح الآشوريين في سميل مسجلاً بذلك بادرة تثلج قلوب الآشوريين المكتويين بنيران الأنظمة الاستبدادية وسياساتها الفاشية تجاه طموحاتهم القومية والوطنية المشروعة، وهي بادرة سيتحسسها القارئ اللبيب ابتداءً من الصفحات الأولى للكتاب، لذلك لا نرى سبباً في الإطناب فيها سوى تأكيد الثناء والتقدير لهذا الموقف الإيجابي.

أما الجانب السلبي لمحتوى الكتاب فيتمثل في إخفاق الكاتب في فهم أصل وتاريخ الآشوريين، لا بل وتجاوز في أحيان كثيرة حدود الإساءة والتجريح لهم ولتاريخهم ولزعامتهم الدينية والقومية، وهي نتيجة منطقية وحتمية توصل إليها الكاتب بسبب اعتماده الكلي على المراجع المعادية للآشوريين وإغفاله المراجع الآشورية والمحايدة وهو الإغفال الذي لا يمكن قبول أعذاره لأنــه يفقد الدراسة موضوعيتها ويحرفها نحو جانب واحد بعد أن تكون قد فقدت أهم جوانبها المتمثل في الحس الآشوري أو رأي الآشوريين في أصلهم وتاريخهم ومضامين مسألتهم القومية في العراق والذي كان يجب أن يشكل الركن أو الأساس الآخر لموضوع الكتاب. فالمنطق يقول لا يمكن دراسة الظواهر من دون معرفتها، لذلك فدراسة السيد القيسي للقضية الآشورية جاءت من خلال معرفته للجانب المعادي لها وليس من خلال صاحب القضية نفسه فبالتالي جاءت كدراسة “عرجاء” لا تستقيم مع المسار الحقيقي للقضية الآشورية كما هي في حقيقتها الموضوعية.

من هذا المنطق نقول لو توفرت للكاتب المراجع الآشورية والمحايدة واطلع عليها لوجد بأن آشوريي اليوم يرتبطون بآشوريي الأمس بجملة صلات وروابط حضارية ولغوية وتراثيـة لا يزال يمارسونها منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا وليسوا مجرد “مجموعة قبائل مسيحية الدين ونسطورية المذهب” كما يدعي الكاتب مقلداً بذلك معظم مفكري ومؤرخي تاريخ العراق الحديث، وهو الادعاء نفسه الذي كان يتبناه حزب البعث الحاكم في العراق في تعامله مع الآشوريين. فمن الظلم والجور والتجاوز على الحقيقية الموضوعية عندما يتم تحجيم تاريخ الآشوريين بتاريخ طائفة واحدة من طوائفـه الدينية المتعددة، فمثله كمثل من يُعرف العرب بطائفة السنة أو الكرد بالطريقة النقشبندية … وهكذا. فمن المعروف بأن الآشوريين، كغيرهم من الشعوب والأقوام، ينتمون الى طوائف دينية مختلفة والى وحدات عشائرية اجتماعية متعددة. فلو أتيحت للكاتب فرصة الإطلاع على بعض المصادر الآشورية التي أرخت نشؤ الحركة القومية الآشورية، لعرف بأن معظم زعماء هذه الحركة ومفكريها كانوا من طوائف غير الطائفة النسطورية كالطائفة السريانية الأرثوذكسية والطائفة الكلدانية الكاثوليكية. فجميع هؤلاء الزعماء والمفكرين ناضلوا وكتبوا عن الحركة القومية الآشورية وأسسوا منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين مؤسسات قومية لا زال البعض منها قائماً حتى الوقت الحاضر. واليوم ، وبنفس الوعي والإدراك يناضل الكثير من الآشوريين ومن مختلف طوائفهم ويقدمون الشهداء من أجل مواصلة هذه الحركة نحو تحقيق أهدافها القومية والوطنية النبيلة. لو اطلع الكاتب على مرجع آشوري أو محايد يتناول الفترة الحرجة التي خلدت اسم الشهيد مار بنيامين شمعون بطريريك كنيسة المشرق قبل وأثناء الحرب الكونية الأولى لأنصدم من الفرق الشاسع من أن يكون هذا المغدور “رجلاً ضعيف الرأي والإرادة واهن العزم” كما يدعي الكاتب، وبين أن يكون مار بنيامين الشهيد بطلاً من أبطال التاريخ الآشوري قاد شعبه في أصعب وأحلك الظروف وضحى بأخيه وبنفسه من أجل كرامة وعزة شعبه. وقصة هذا البطل الخالد، الذي يعتبر رمزاً قومياً ودينياً عند الآشوريين، ملحمة بطولية نادرة ليس في تاريخ الآشوريين فحسب بل في تاريخ شعوب المنطقة أيضا، يصعب، لا بل يستحيل فهمها، على من لم يطلع على كتاب آشوري أو محايد واحد يتناول تلك المرحلة.

أما المسائل المثار في الكتاب مثل هجرة الآشوريين الى العراق وانضمامهم الى قوات الليفي ودورهم في ضرب الحركة الوطنية وغيرها من المسائل المكررة أيضا من قبل معظم مؤرخي تاريخ العراق الحديث ومفكري النخبات الحاكمة في العراق والتي تنم عن حقد وكراهية تجاه الآشوريين، فأنني كامل اليقين بأنه لو تسنى للكاتب الإطلاع على جزء يسير من الوثائق البريطانية الضخمة التي تناولت هذه المسائل بشكل مفصل ودقيق لكان قد توصل الى قناعات أخرى تخالف مخالفة كبيرة لتلك التي توصل إليها وكان قد أكتشف بأن الآشوريين لم يهاجروا من تركيا الى العراق بل أن القسم الأعظم منهم كان يعيش ولا يزال في المناطق التي أصبحت عراقية بعد رسم الحدود بين العراق وتركيا. وحتى الآشوريون (النساطرة) الذين نزحوا من منطقة هيكاري التي اصبحت ضمن أراضي تركيا بعد رسم الحدود، فانهم لم ينزحوا من تركيا الى دولة العراق التي لم تكن قائمة في تلك الفترة بل أنهم انتقلوا، أو بالأحرى هُجــروا بسبب الحرب، من منطقة الى منطقة أخرى ضمن بلاد كانت تعرف بـ “بلاد ما بين النهريــن”، موطنهم الأصلي، والذي كان خاضعاً للدولة العثمانية قبل تأسيس كيان العراق ثم أصبحوا ضحية للمناورات السياسية الخبيثة وثمناً رخيصاً لتسويات الحدود الغادرة التي تمت بين بريطانيا وتركيا لصالح ضمان حدود كيان العراق الفتي، نتيجة ذلك تحولوا الى ” أقلية وافدة ” حسب المفهوم العراقي السائد عن الآشوريين، وهو المفهوم الذي لو تم تطبيقه على بقية العراقيين لوجدنا بأن ملك العراق المغفور له فيصل الأول وأبناءه وأهله أقل عراقية من الآشوريين الهيكاريين، وأن قسم كبير من عشائر سكان العراق الجنوبي والشمالي كان قد نزح الى العراق واستقر فيه بعد تأسيس كيانه السياسي، فهل يقبلون هؤلاء أن ننعتهم بشعب وافد الى العراق ؟؟ .

أما مسألة قوات الليفـي ” المرتزقة ” هي الأخرى مسألة عويصة ومعقدة يفتح التطرق إليها صفحات سلبية ومؤلمة في تاريخ العراق الحديث لا يملك الكثير من المؤرخين العراقيين الشجاعة الأدبية الكافية لمناقشتها مناقشة موضوعية كما هي موثقة ذلك لأنها ستكشف بكل وضوح بأن قوات الليفي العربية والكردية هي التي ساهمت في ضرب ثورة العشرين في العراق وفي قمع تمرد شــيوخ العشائر وأن الآشوريين في تلك الفترة كانوا منهكين مشردين في مخيم بعقوبــة للاجئين لا حولة لهم ولا قوة وأنهم لم ينضموا رسمياً الى هذه القوات إلا بعد تأسيس دولة العراق والجيش العراقي وتسريح قوات الليفي العربية والكردية وانضمامهم الى الجيش الجديد حيث أن الإنكليز، لا بل حتى الحكومة العراقية، كانوا بحاجة شديدة الى قوات متمرسة في حروب الجبال لضمان حدود العراق الشمالية من أطماع تركيا في ولاية الموصل لأن جيش العراق الناشئ لم يكن يملك خبرة قتالية في الجبال العاصية فاستطاع الإنكليز استغلال الآشوريين في تثبيت كيان العراق السياسي واستقرار حدوده على حساب تعاظم مأساتهم ومعاناتهم في العراق. هذه المسائل التي يطول الحديث عنها مفصلة تفصيلاً أكثر إقناعاً في بعض المقالات والبحوث التي نشرتها في بعض الجرائد والمجلات وفي كتابي الأخير المعنون “الآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر ” الذي أصدره اتحاد الأندية الآشورية في السويد وقد قمت بأهداء السيد القيسي نسخة منه.

لقد حاولت جلّ جهدي أن اكتفــي بهذا القدر من الملاحظات عن هذا الكتاب ، إلا أن كثرة المخالطات الواردة فيه ولدت لدي حوافز للاستمرار في إبداء ملاحظات أخرى مهمة على المسألة الآشورية. ومن هذه المخالطات التي وقع فيها السيد القيسي في كتابه، موقف الإنكليز المساند لاغا بطرس ولمشروعه السياسي في إقامة كيان آشوري شامل لجميع الطوائف الآشورية في شمال بيت نهرين. فالعكس هو الصحيح، فالإنكليز كانوا يمقتون اغا بطرس مقتاً شديداً ولأسباب مختلفة منها طائفية، لأنه كان كاثوليكياً، ومنها ثقافية ، لأنه كان فرنسي الثقافة والتوجه، ومنها سياسية، لأنه كان عارفاً بحيل وألاعيب الإنكليز تجاه الآشوريين من جهة، وملما بفنون لعبة المساومات السياسية بين الدول العظمى حينذاك خاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا من جهة أخرى، وهذا كان يزعج الإنكليز ويزيد قلقهم تجاه ذكاءه وفطنته وتجاه طموحاته القومية. صحيح أن الإنكليز أظهروا في البداية تأييدهم لمشروع اغا بطرس لا لشيء إلا بهدف استغلاله لضرب الحركة الكردية وضمان حدود العراق الشمالية من أطماع تركيا غير أنه بعد قرار مؤتمر القاهرة لعام 1921 والقاضي بتأسيس دولة عربية في العراق ونصب الأمير فيصل بن الشريف حسين على عرشها أنقلب الإنكليز على اغا بطرس لأن مشروعه كان يتناقض مع قرار مؤتمر القاهرة لذلك حاربوه وأفشلوا مشروعه. وإزاء إصرار اغا بطرس على النضال لتحقيق مشروعه دبر الإنكليز قراراً لنفيــه من العراق الى فرنسا، فلم يهرب كما يدعي السيد القيسي في كتابه، وعندما تصاعدت وثائــر الحركة الآشورية في العراق وازدادت حالة التوتر مع الحكومة العراقية ومستشاريها الإنكليز حاول اغا بطرس العودة الى العراق إلا إن القنصلية البريطانية في مدينة بوردو الفرنسية رفضت ذلك ومنعته رغم إصراره على ضرورة العودة إلى العراق والالتحاق بالحركة الآشورية. غير أنه بعد أيام وُجــد ميتاً في أحد شــوارع مدينة تولوز الفرنسية وفي ظروف غامضة ومثيرة للتساؤل وجهت أصابع الاتهــام في حينها إلى الإنكليز وأعوانهم لتقول بأنهم دبروا أمر تسميمه وقتله. هكذا نحن الآشوريون نفهم اغا بطرس كرمز من رموز النضال القومي وبطلاً من أبطال التاريخ الآشوري ومن لا يفهم رموز الآشوريين وأبطالهم لا يمكن إطلاقاً أن يفهم قضيتهم ويدرس تاريخهم بموضوعية نزيهة.

أما بالنسبة لمواضيع مشروع إسكان الآشوريين والتفاصيل المعلقة بالحركة الآشورية وزعماؤهم ومن ثم رفضهم لمشروع الإسكان ، فهي مسائل تتطلب صفحات طويلة لإبداء الملاحظات عليها، إلا أننا نؤكــد بأن ما أورده الكاتب فيه الكثير من المخالطات والتي رددها غيره من المؤرخين العراقيين. ولعل أهم المهمات في هذه الملاحظات الذي أود بيانه هو السبب الذي دفع بزعماء الآشوريين رفض مشروع الإسكان. فمن الحقائق الموثقة في أرشيف عصبة الأمم في جنيف بهذا الشأن والتي تبيــن بأن توصية مجلس العصبة في جلسته الرابع عشرة في 15/10/1932 كانت تقضي بإسكان الآشوريين في وحده اجتماعية متجانسة كأساس للحفاظ على تراثهم وتقاليدهم، غير أن اللجنة الثلاثية التي شكلتها عصبة الأمم بخصوص مشروع الإسكان، وبتأثير من الإنكليز، تبنت قراراً مخالفاً لذلك يقضي بإسكان الآشوريين النازحين من هيكاري في مجموعات أو أقسام مختلفة وبعيدة عن مناطق أخوتهم الآشوريين العراقيين بحجة عدم توفر الأراضي الكافية لهم، مما سبب ذلك امتعاض قادة الآشوريين ورفض هذه الصيغة لقرار توزيعهم على أراضٍ متباعدة والتي تبينت في ما بعد بأنها أراضٍ جدباء ومبؤة بالأمراض المعدية فكان هذا السـبب الرئيسي الذي دفع بزعماء الآشوريين الى رفض مشروع الإسكان بصيغته العراقية – الإنكليزية وليس السبب الذي أورده القيسي في “طبع الآشوريين المشاكس وافتقاد زعمائهم الحس التاريخي في تفسير الأحداث وتغليب التطرف والعناد على العقل والاعتدال”. لا بل على العكس من هذا تماماً، فزعماء الآشوريين كانوا يملكون الحس التاريخي والمنطقي في تفسير الأحداث خاصة في تفسير سلوك النخبة الحاكمة ونوايا الإنكليز في التخلص من الآشوريين وفي قمعهم و “تأديبهم” خاصة بعد إستنفاذ حاجتهم الى خدماتهم العسكرية. فلو تسنى للسيد القيسي أن يطلع على الكتب التي كتبها هؤلاء الزعماء أمثال مار شمعون إيشاي وماليك ياقو ماليك اسماعيل والمفكر يوسف ماليك التلكيفي لأدرك بأن نظرتهم لمجريات الأمور كانت صحيحة وأن مخاوفهم كانت مشــروعة، تلك المخاوف الناشئة من ترك الإنكليز سلطة البلاد بيد نخبة سياسية متعطشة للسلطة همها الوحيد مواصلة تلك السياسة الاستبدادية التي بدأتها عندما كانت في خدمة الجيش العثماني، تلك المخاوف التي كانت تؤكد بأن الكارثة لا محال واقعة بالشعب الآشوري، سواء أكانت الكارثة على الفريق المؤيد للحكومة العراقية ومشروعها الإسكاني أم كانت على الفريق الرافض، والتي تحققت فعلاً عندما أزهقت أرواح أكثر من ثلاثة آلاف آشــوري في سـميل عام 1933 من دون أي تمييـز بين هذا الفريق أو ذاك. وهنا يجب أن نسجل تقديرنا وتثميننا العظيمين للسيد القيسي في تأكيده لهذا العدد من الضحايا أثناء مذبحة سميل لأنه كان شاهد عيان في تلك الفترة وفي الوقت الذي تشير الوثائق الرسمية العراقية إلى ثلاثمائة ضحية فقط ووثائق أخرى تشير إلى أقل من هذا العدد. ومن المشاهد المأساوية لهذا الحادث ذكر لي السيد القيسي شخصياً في أحدى لقاءاتنا وكشاهد عيان بأنه أحضر بعض الجنود العراقيين شخصين أشوريين كانا يعملان في مهنة الفلاحة في الموصل إلى حجي رمضان مساعد بكر صدقي وقيل له بأنهما جاسوسان للإنكليز فما كان من حجي رمضان إلا أن سحب مسدسه وأطلق النار عليهما فقتلهما في الوقت الذي كان يقف خلفه أثنان من المستشاريين الإنكليز اللذان كانا يعملان في خدمة الحكومة العراقية في الموصل.

وقصة المنكوب كوريال يونان ، الذي خدم الحكومة العراقية فترة طويلة وكان من أشد أنصارها وأكثرهم حماساً لمشروعها الإسكاني، قصة مأساوية معروفة تدمــى لها القلوب حيث وجد مذبوحاً في داره مع ابنه الوحيد وليم والجنسية العراقية معلقة في رقبته وملطخة بدماءه الزكية وعلم العراق يرفرف فوق سطح داره لبيان مدى وطنيته كما ذبح معه مجموعة تزيد عن الثمانين شخصاً من الآشوريين المؤيدين للحكومة بين نساء وأطفال ورجال دين لجأوا الى داره طلباً للحماية. هذه القصة هي نموذج من نماذج كثيرة كان زعماء الآشوريين يتخوفون منها قبل وقوعها، غير أن النخبة السياسية الحاكمة ومفكريها عجزوا عن فهمهما وتقديرها.

وأخيراً ، بقى أن نقول بأن الأستاذ القيسي اجتهد في كتابه وأظهر في جوانب منه موقفه الشجاع غير أنه أيضا أخطأً في اجتهاده في فهم تاريخ الآشوريين وقضيتهم القومية. فهذه الحقيقة النبيلة التي أقرها الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب هي التي منحتني أجر الاجتهاد الصادق في ملاحظاتي هذه. وضمن هذا الاجتهاد اختم الحديث بالقول بأن الكاتب وفق كثيراً في أن يكون وكيل الاتهام للحكومة العراقية والجيش العراقي بخصوص دورهما في تصعيد الأحداث وارتكاب مذبحة ســميل بحق الآشوريين الأبرياء، ولكن مع الأسف الشديد فشل في أن يكون محامي الدفاع عن القضية الآشورية، كما حاول البعض وصفه، ومرد فشله يعود الى عدم إطلاعه على أوراق القضية وعدم سماعه لأقوال أصحاب القضية والاكتفاء في دفاعه عن الآشوريين على أوراق الخصم وأقواله وأفكاره، وهو منطق غير مقبول إطلاقاً لأننا متأكدين تأكيداً قاطعاً بأنه لا يتم من خلاله إحقاق الحق الآشوري الذي غبن كثيراً وان تتحقق العدالة وسيادة القانون وإشاعة الحرية والديمقراطية والتي ننشدها جميعاً لوطننا الحبيب وهي الأهداف التي كرس الأستاذ عبد المجيد القيسي حياته من أجلها وما هذا الكتاب إلا تأكيداً على ذلك… رحمه الله فذاكرته ستبقى مع بقاء هذا الكتاب القيم.

قراءات أخرى في كتاب "التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين

كاتب الموضوع الأصلي: احمد الاحمري 336

قراءات أخرى في كتاب “التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق”

أبرم شبيرا

توطئة: كتاب وذكريات
قرأت موضوع الأخ والصديق المهندس خوشابا سولاقا عن كتاب “التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق” للأستاذ عبد المجيد حسيب القيسي الذي نشر في موقعنا العزيز عنكاوه. وأول تأثيراته كانت أنه فتح خزانة عقلي عن ذكريات تزيد عن أربعين عاماً حينما كنًا معاً في المراحل الأولية الرومانسية من الفكر والعمل السياسي نجاهد جهاداً مضنياً من أجل الحصول على كتاب أو مقالة عن الآشوريين ومن ثم تداوله سرياً بيننا ومع مجموعة من أصدقاء تلك المرحلة مؤمنين بأن المطالعة والعلم والثقافة وإغتراف المعارف في تاريخنا القومي هو السبيل الأمثل لإمتلاك وعي قومي صحيح يبنى عليه آمال لبناء تنظيم سياسي يكون أداة لتحقيق طموحاتنا القومية. وبطبيعة الحال وبسبب الظروف الإستبدادية والكبت الفكري في تلك الفترة كان مثل هذه الكتب والمقالات نادرة الوجود والتداول، لا بل كان إمتلاكها وتعميم نشرها نوع من المخاطرة وقد تسبب لمتداوليها التعرض لإستبداد السلطة ولعواقبها الوخيمة. كان أشهر كتب تلك المرحلة “الآشوريون في التاريخ” جمعه إيشو ماليك خليل جوارو وترجمه وأشرف عليه سليم واكيم وطبع في بيروت عام 1962، والثاني “تاريخ الآثوريين” – الجزء الأول، ترجمه من الروسية أسامة نعمان وطبع في مطبعة الجاحظ في بغداد عام 1970، وهي ترجمة محرفة وغير دقيقة لكتاب “المسألة الآشورية أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى 1914- 1933” للبرفسور الآشوري بار متي ماتييف لا بل تعتبر الترجمة قرصنة فكرية لأن المترجم لم يحصل موافقة المؤلف كما ذكر ذلك لي شخصياً. المهم، بمجرد أن أنتهيت من قراءة موضوع صديقي خوشابا حتى هرعت إلى مكتبتي الصغيرة وأجد الكتابين المذكورين راكنان في الرفوف العالية وقد أصفرت وتيبست أطراف بعض من أوراقهما وتكسرت ولكن الأمر الذي حزً في صدري هو أن أجد في الصفحة الأخيرة من كتاب “الآشوريون في التاريخ” كلمة شكر وإمتنان مني ومن بقية الأصدقاء مؤرخة بتاريخ 7/8/1969 إلى المرحوم إيشعيا هرمز يونان الذي فارق الحياة قبل سنتين أو أكثر لكونه هو الذي عثر على هذا الكتاب وعممه علينا ولا أتذكر فيما اذا كان هذا التاريخ الذي أقر في السنة اللاحقة كيوم للشهيد الآشوري مصادفة أم مقصود. وهذه مناسبة أن نترحم على روح شاعرنا الكبير دنخا إيشا الذي كان يلهمنا في تلك الفترة بأشعاره ويزيدنا همة وصلابة ونحن سائرين على الطريق الصعب المليء بالمخاطر. وعلى العموم وكما يقال: على الحياة أن تستمر… وهكذا أجد اليوم في صديقي خوشابا إستمراراً لهذه الحياة ولهذه العادة في “النبش” في الكتب والبحوث وعلى نفس مسار أربعة عقود وأكثر من الزمن في البحث والدراسة وإغتراف المعارف في كل ما يتعلق بأمتنا. وأرجو المعذرة من القراء الأعزاء في الإطالة في هذه التوطئة وظهورها كأنها مسألة أو ذكريات شخصية ولكن في الحقيقة ليست هكذا فحسب بل تمثل جانب من بداية مسيرة شباب على منوال طويل من الوعي القومي والسياسي التقدمي قائم على الإستقامة والتواصل والنزاهة والإخلاص ونكران الذات من أجل هذه الأمة رغم الظروف الإستبدادية الصعبة التي كانت تحيط بهم ورغم سياسة “الجزرة والعصى” التي كان يمارسها النظام البعثي الإستبدادي ولكن كل هذا وذاك لم تقوى هذه السياسة الإستبدادية على لوي أذرع هؤلاء الشباب فأستمروا المسيرة وهم يحملون سلاحاً قوياً تمثل في نقاء ضميرهم الحي وتوجهاتهم النزيهة تجاه هذه الأمة، وهذا كنز لا يفنى حتى بفناء الحياة.

من هو مؤلف الكتاب ؟:
مؤلف الكتاب هو الإستاذ عبد المجيد حسيب القيسي، عراقي عمل كمستشار قانوني في الدوائر العسكرية والمدنية في العهد الملكي والجمهوري في العراق وبعد إشتداد الكبت الفكر والقهر السياسي في نهاية الستينيات من القرن الماضي لم تتحمل سعة أفكاره وحبه للحرية والدفاع عن الحق والعدالة إلا أن يترك العراق ويجد في أبو ظبي – الإمارات العربية المتحدة موطناً له للإستقرار وقضاء بقية حياته وعائلته في هذا البلد المضياف حيث عمل كغيره من العراقيين المبدعين في تأسيس وإدارة النظام الفيدرالي في هذه الدولة. لقد كانت فرصة إستثنائية أن ازوره في بيته في أبو ظبي أنا والدكتور سعدي المالح في أواخر عام 2000 وأن نقضي ساعات طويلة معه في نقاشات مفيدة عن كتابه بشكل خاص وعن الآشوريين ومسألتهم في العراق بشكل عام وكان إهتمامه الكبير ظاهراً عليه بشكل واضح حيث أكد لنا بأنه آخر مرة ألتقى بالآشوريين كان أثناء أحداث سميل عام 1933. ثم في السنوات اللاحقة قمت بزيارته أكثر من مرة وتهاتفنا العديد من المرات في المستجدات المتعلقة بالآشوريين في العراق وقد كانت السنين الطويلة المتعبة من العمل الجاد والدفاع عن الحق والعدالة بادية عليه وأهرمته حتى زارته المنية فتوفي في عام 2006. لقد كان رحمة الله إنساناً طيباً رؤوفاً واسع الصدر ومنشرح الفكر في تقبل أي نقد موجه إلى أفكاره أو كتابه موضوع البحث لهذا السبب كان يسعده جداً اللقاء بي والدخول في مناقشات معه. وأود هنا أن أوضح بأن السيد القيسي ليس بباحث أو أكاديمي أو مؤرخ بل شاهد عيان لأحداث حاسمة وخطيرة مرة على العراق ومنها حادثة مذبحة سميل حيث عايش كموظف بسيط في الدولة أثناء المذبحة والمأساة التي رافقتها والإرهاصات التي أعقبتها على المستوى العراقي وبضمير حي وبعدالة وإحقاق حق الآشوريين في تلك الفترة، وما هذا الكتاب إلا نموذج لتلك المعايشة.

كيف صدر الكتاب؟:
خلال عمل الكاتب في خدمة دولة العراق وإهتمامه بالأحداث التاريخية وتدوينها ومن ثم إصداره بعض الكتب بهذا الشأن تكونت لديه أفكار وآراء حول الآشوريين ومسألتهم في العراق وجمع عنهم معلومات كانت من الكفاية لتأليف كتاب خاص بهم. وبعد إكماله أتصل بصديقه السيد سعد صالح جبر الذي كان رئيساً للمجلس العراقي الحر في لندن والمعارض لنظام البعث العراقي يسأله عن إمكانية مساعدته في طبع الكتاب ونشره، فأتصل هذا الأخير بالسيد سركون داديشو رئيس “المجلس القومي الآشوري” الذي كان له معرفة به عارضاً عليه الفكرة فكانت نتيجتها طبع الكتاب وصدوره من قبل المؤتمر القومي الآشوري في عام 1996 وتحت عنوان “هوامش على تاريخ العراق السياسي الحديث في رؤيـة جديدة – تاريخ القضية الآثـورية “. وفي أحدى لقاءاتي مع السيد القيسي بينً عدم رضاءه عن طبع ونشر الكتاب بالطريقة التي طبع ونشر بها حيث أولاً: لم يتم تزويده غير بثلاثة نسخ من الكتاب في الوقت الذي كان يطلب بحدود ثلاثين نسخة فقط لتوزيعها على أصدقاءه. وثانيا، وجد القيسي حذف بعض الكلمات من الكتاب وحشر أسم السيد سركون داديشو في متن الكتاب من دون أخذ موافقة المؤلف، لذا أعتقد بأن السيد القيسي وجد في إعادة طبعه ونشره من قبل دار نشر معروفة سبيلاً لتعميم الفائدة للجهد الذي بذله في هذا المجال. هكذا قامت الدار العربية للموسوعات في بيروت (صاحبها العراقي خالد العاني) بطبعه في عام 2004 وتحت عنوان “التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق: 1921 – 1999” وهو الكتاب الذي أعتمد عليه صديقنا خوشابا. ومن الجدير بالذكر أن الكتاب كان قد طبع أيضا من قبل “دار الموسوعات العالمية” في عام 1999 ولكن السيد القيسي يجهل تماماً هذه الطبعة ولم يسمع عن هذا الدار، هذا ما ذكره لي شخصيا. علما بأن جميع هذه الطبعات تشير إلى كونها “الطبعة الأولى”. والمأخذ الذي يؤخذ على هذه الطبعة الأخيرة هو عنوان الكتاب. فإذا كان التاريخ السياسي للآثوريين عنواناً مقبولاً لكون قضيتهم القومية سياسية طغت على السطح السياسي العراقي في الثلث الأول من القرن الماضي إلا إنه لم يكن لهم تاريخ عسكري فالإشتباكات المسلحة بين مجموعة من الآشوريين مع بعض من قطاعات الجيش العراقي لا يمكن تدوينها كتاريخ عسكري. والمأخذ الثاني هو أن تمديد هذا التاريخ لغاية 1999 لا معنى له طالما لم يتطرق السيد القيسي إلى أية أحداث تاريخية، خاصة العسكرية منها لهذه الفترة والفترة التي سبقتها غير صفحة أو صفحتين، لهذا لم يكن أي معنى لهذا التاريخ. فصفحة واحدة أو أكثر لا تكفي لتكون مادة تاريخية للكتابة وتؤخذ عنواناً للكتاب. ومن المصادفة أن تكون صفحات كل الطبعات الثلاث للكتاب (332) صفحة رغم إختلاف حجم صفحات الكتب التي تطبع في أميركا ولكن بقت الفصول والعناوين نفسها. فالكتاب موزع على أحد عشر فصلاً مع مقدمة. يستهل الكتاب بفصل في أصل الآشوريين وتاريخهم قبل نشوء دولة العراق ثم يتناول القضية الآشورية في العراق بشكل عام والملابسات التي أحيطت بها ويحلل تحليلاً مفصلاً وعميقاً سياسة النخبة الحاكمة تجاهها وأساليب معالجتها بعد استقصاء وبحث ومناقشة الكتب والمراجع والمذكرات التي كتبت عنها، ولا أريد قراءة كل فصول الكتاب حيث قام وسيقوم الصديق خوشابا بهذه المهمة، ولكن أكتفي ببيان بعض الملاحظات على الكتاب.

مناقشات وسجالات بيني وبين مؤلف الكتاب:
بمجرد ما أن أهدى لي السيد سركون داديشو نسخة من هذا الكتاب، طلب مني بعض الأصدقاء كتابة نقد وتحليل له وفعلاً لبيت طلبهم فكتبت موضوعاً نقدياً للكتاب تحت عنوان “تكرار أخطاء المؤرخين السابقين ضيع إيجابية القيسي في فهم تاريخ الآشوريين” ونشر في جريدة الحياة اللندنية بعددها المؤرخ في 02 شباط 2000 حيث كان موضوعي قد أحتل أكثر من نصف صفحة الجريدة. ثم قام بعض من المجلات والدوريات الآِشورية التي كانت تصدر في الخارج بإعادة نشره تعميماً للفائدة. وفي هذا النقد والتحليل بينت بكل وضوح إيجابية الكتاب والمواضيع التي تطرق إليها السيد القيسي بكل شجاعة وأعتبرته من الأوائل الذين كتبوا بإنصاف وعدل في بيان إستبدادية السلطة في العراق أثناء مذبحة سميل تجاه الآشوريين ولكن من جانب آخر أبرزت سلبيات كثيرة في الكتاب بحيث كان قاصراً في فهم تاريخ الآشوريين وأصلهم وقضيتهم القومية في تلك الفترة واعتماد المؤلف على الكثير من المصادر الرسمية والمعادية للآشوريين وفي عين الوقت عجزه عن الحصول على المصادر الأجنبية أو المحايدة تجاه هذه القضية. ويظهر بأن السيد القيسي قرأ موضوع نقدي وتحليلي للكتاب فكتب رداً على ردي تحت عنوان طويل (رد على نقد أبرام شبيرا لـ “تطور قضية الآشوريين في العراق” – وعنوان رئيسي “لو نظر إلى الكتاب راضيا… لكن عين السخط تبدي المساويا” ونشر في في نفس جريدة الحياة اللندنية بعددها المؤرخ في 01 حزيران 2000 وكان الموضوع طويلاً بحيث أحتل ثلاثة أرباع صفحة الجريدة.

بطبيعة الحال لم يكن السيد القيسي راضياً عن إتهامي له في تقصيره في فهم أصل وتاريخ الآشوريين وقضيتهم في العراق على حقيقتها وتقييم قيادتها إلى درجة أعتقد بأنني جرحت مشاعره وأسيئ فهمه فشرع بتبرير وتعليل كل ما تم إنتقاده ودافع عن بعض من الأفكار التي طرحها حتى وإن تبينت بأنها غير صحيحة، نذكر منها على سبيل المثال موقفه من قوات الليفي الآشورية حيث يقول “… إذا ذهبنا مع الأستاذ الناقد – يقصد أنا – من عدم ضلوع الآشوريين في قمع الثورة العراقية – يقصد ثورة العشرين – في الجنوب فلا يستطيع ولا نستطيع أن ننكر دورهم في إحتلال مدينة بعقوبة ونهبها …” طبعاً هذه مخالطة كبيرة من المؤلف. فالآشوريون المهجرون من منطقة هيكاري بعد الحرب الكونية الأولى لم يحتلوا بعقوبة بل أسكنوهم في مخيمات للاجئين من قبل القوات البريطانية قرب مدينة بعقوبة وكانت القبائل العربية البدوية في منطقة ديالي هم الذين يغارون على مخيم اللاجئين وينهبون ممتلكاتهم ويهجمون على سكانه … إلخ”. على أية حال موضوع ردي على الكتاب ورد السيد القيسي سيأتي ضمن سياق تقييمي المختصر للكتاب. لكن المهم من كل هذا وذاك فالسيد القيسي يبين مدى سعة صدره ومدى أفقه ورفعة أخلاقه ودماثة طبعه وتقبله للنقد ومعالجة الأخطاء التي وردت في الكتاب، إذ يقول في خاتمة رده على ردي بالقول “وختاماً نتقدم بالإعتذار من الأستاذ شبيرا على ما وجد في كتابنا من سلبيات لم نقصد بها إلى الإساءة والتجريح، ونتقدم منه بالشكر إصالة عنا ونيابة عن الناشرين…”. وقد كانت هذه السجالات والمناطحات الفكرية عاملاً مؤثرا في نفسية القيسي الطيبة وخلقت فيه نوع التوق والرغبة لللقاء بي وهذا ما تم فعلاً في نهاية عام 2000 في أبو ظبي والسنوات التي لحقتها… رحمه الله لقد كان إنسان نبيلاً ومحقاً في إحقاق الحق خاصة بالنسبة لأقلية صغير لم يكن في دفاعه عنهم أية مصلحة غير إنصاف عدالة قضية الآشوريين في العراق الذين ظلموا قهراً وبهتاناً وأسيء فهم هذه القضية من قبل الأنظمة المتعاقبة على السلطة في العراق.

تقييم الكتاب:
بغنـى عن محتويات وأفكار واجتهادات أي كتاب عن الآشـوريين، سواء أكان مجحفاً وظالمـاً بحقهم أو منصفا ومساندا لطموحاتهم القومية والوطنيــة المشروعة، فهو يعتبر إضافة جديدة يساهم بشكل أو بأخر في تفعيل الدراسات والبحوث عن الآشوريين ويزيد من فاعلية المسألة الآشورية ومن إثارتها، وبالتالي يؤكد حيويتها، تلك الحيوية التي تحالف الإنسان الباغي مع الزمان القاسي تحالفاً غير مقدساً على طمسها في عالم النسيان، وهو التحالف الذي كان قد تجسدت نتائجه في سياسة حزب البعث الحاكم في العراق في منتصف السبعينات تجاه الآشوريين عندما قام بسحب كافة الكتب التي كانت تتناول تاريخ الآشوريين من المكتبات العامة أو منع طبعها أو نشرها أو حصر تداول البعض منها على نطاق خاص وضيق ولاعتبارات أمنية وحزبية. وكتاب رياض رشيد الحيــدري (وهو كردي الأصل مستعرب) المعنون ” الآثوريــون في العراق 1918 – 1933 “، والذي اعتبره القيسي مرجعاً أساسيا أقتبس منه معظم معلوماته عن الآشوريين، هو مثال من بين عشرات الأمثلة على ذلك. فهذا الكتاب الذي كان بالأساس أطروحة ماجستير في التاريخ الحديث ، طبع في القاهرة ومنع تسويقه في العراق وحتى النسخ القليلة التي أتيحت لطلاب الدراسات العليا والباحثين الإطلاع عليها في المكتبة المركزية لجمامعة بغداد ختمت بعبارة “للتداول المحدود” من قبل مديرية رقابة المطبوعات ثم أختفى من المكتبة كغير من الكتب التي كانت تتناول تاريخ الاشوريين ومسألتهم في العراق على أثر سياسة حزب البعث الإستبدادية في حملة “إعادة كتابة التاريخ” في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع مؤلف الكتاب موضوع البحث ، نؤكد التقدير والتثمين له على هذه الإضافة الجديدة لجدول الكتب التي تبحث في تاريخ الآشوريين وفي مسألتهم القومية في العراق. ولكن حتى لا نخون مبادئنا القومية الإنسانية التي تولدت من مخاض مأساة الآشوريين المستديمة ونبقــى أوفياء للحق الآشوري الذي غبــن كثيراً، وحتى نكون أيضا مخلصين للأمانة العلمية والتاريخية يجب أن لا يلغي هذا التثمين والتقدير واجبنا في تدقيق محتويات الكتاب ودراستها دراسة علمية صحيحة وتقييمها وإظهار عيوبها وقصورها ثم محاولة تقويم اعوجاجها. كما يجب أن لا يمحي طموحنا المشروع في قراءة كتاب يضع الحق الآشوري في نصابه الصحيح ويعالج وقائع تاريخ الآشوريين ومسألتهم القومية معالجة علمية سـليمة. وفي سياق هذه المهمة سنحاول وبقدر الإمكان التخلي عن الأسلوب التقليدي الأكاديمي في عرض وتقييم الكتاب شكلا ومضمونا ومتابعة محتوياته خطوة فخطوة وتقييم معلوماته المسهبة، فهذه المسالة يتطلبها مجلدا كاملاً ، لذلك سنكتفي بمعالجته بشكل عام ومن زاويتين : الأولى ، من حيث المراجع المعتمد عليها، والثانية، من حيث بعض المضامين والأفكار والاجتهادات لأحداث مهمة أشار الكاتب إليها في كتابه هذا مختصرين بقدر الإمكان.

أولا : من حيث المراجـــع
معظم مراجع الكتاب هي المراجع العراقية الرسمية ومذكرات وأوراق رجال النخبة العراقية الحاكمة الذين اشتركوا بشكل أو بآخر في تأجيج أحداث المسألة الآشورية والمذبحة التي أعقبتها في سميل عام 1933 أو هي مراجع لكُتاب ساهموا في ترسيخ وتعميم القيم والمفاهيم والسياسات الاستبدادية التي تبنتها الأنظمة السياسية المتعاقبة على السلطة في العراق في تعاملها مع الآشوريين. والكتاب الأجنبـي الوحيد الذي أعتمه هو كتاب ” العراق 1900 – 1950 ” لمؤلفه البريطاني ســتيفن لونكـرك الذي عمل في خدمة وزارة الداخلية العراقية أثناء تلك الفترة وهو معروف بمواقفه وتعاطفه مع الحكومة العراقية حينذاك والذي ظل ” يحب العراق ” كما يدعي، حتى بعد تسريحه من الخدمة والانعكاف لإنجاز كتابه هذا والذي ظهر فيه عدم تأثره بالدماء الآشورية الطاهرة التي أريقت في ســميل مثلما “تأثر” زميلـه البريطاني لونارد ستافورد، وأنبه ضميره لدوره القذر في تعقيــد الأحداث، فاستقال من منصبه كمفتش إداري في لواء الموصل التابع لوزارة الداخلية، أو الأصح صرف من مهمته بعد انتهاءها بانتهاء مذبحة سميل، فعاد الى أهلـه في بريطانيا ليكتب كتابه المعروف ” مأساة الآشوريين ” والذي تعذر على القيسـي الإطلاع عليه وقراءته رغم توفره لدى بعض الأشخاص والمكتبات الرئيسية.

أما بالنسبة لكتاب رياض رشيد، السالف الذكر، والذي اعتمده السيد القيسي اعتماداً رئيسياً في اقتباسه للمعلومات وأقر له الكثير من الفضل والامتنان لكونه كتاب جامع لتاريخ الآشوريين وملم بجميع أو أغلب ما كتب عنهم، فأنه، على الرغم من إشارة القيسي الى السلبيات الواردة في هذا الكتاب إلا أنه لم يأخذه مأخذ الجد وبالاعتبار المطلوب في فهم تاريخ الآشوريين عندما اقتبس منه معظم معلوماته. ولبيان حجم أعتماد السيد القيسي على هذا الكتاب فأنه ذكره في (70) هامش هذا إضافة إلى إقتباسات وإشارات كثيرة له في متن الكتاب. وحتى نضع أمور هذا ” المرجع الأساس”، كما يسميه السيد القيسي، في نصابه الصحيح نود أن نبين بشأنه ما يلي :
أ – الكتاب بالأصل أطروحة جامعية من القاهرة أهل انضمام الكاتب الى حزب البعث الحاكم ميزة الحصول على البعثة الدراسية للكتابة عن هذا الموضوع ونيل الشهادة الأكاديمية عنه فهو، أي الكتاب، “إيفاء والتزام” من الكاتب تجاه فضل حزبه .
ب – زار الحيدري أثناء فترة جمع المعلومات وإعداد أطروحته النادي الثقافي الآشوري في بغداد، مركز استقطاب المثقفين الآشوريين في السبعينيات من القرن الماضي، وحصل على معلومات وبيانات مفيدة لمشروعه العلمي ثم تبين بعد إنجازه بأنه خان الأمانة العلمية وزيف الكثير من الحقائق وأخفى أو أهمل تلك التي كانت تتعارض مع منهجه البعثي في دراسة تاريخ الآشوريين في العراق وتبرير شرعية إستبداد السلطة تجاه المسألة الآشورية.
ج – صحيح أن كتاب الحيدري جامع وملم بكل ما كتب عن الآشوريين “ويكشف عن حقائق لم يجرؤ أحد قبله على كشفها” كما يدعي السيد القيسي، إلا أن لهذه الميزة أسباب : أولهما : الأهمية المخابراتية للموضوع من جهة، وانتماء الكاتب للحزب الحاكم من جهة أخرى، منحتا له ميزة أو تسهيلات للتنقيب والبحث في الوثائق والمستندات والمراسلات المهمة والسرية المتعلقة بالمسألة الآشورية التي تكتظ بها خزائن الدوائر الأمنية في العراق. وثانيهما : كون الكتاب بالأساس أطروحة جامعية تشكل صفتا الشــمول والإلمام من الصفات الأساسية لكل أطروحة جامعية، كما وان الكتاب كان آخر ما كتب عن الآشوريين في العراق ، فاستفاد المؤلف من كل ما سبق وكتب عن هذا الموضوع.
د – كتاب الحيدري ، كما يقول السيد القيسـي، “هو أول كتاب باللغة العربية يكسر طوق الحجر الفكري ويخرج عن الإجماع التاريخي والرسمي والوطني بشأن المسألة الآشورية” غير أنه لم يخرج أيضا عن ، بل التزم التزاماً كاملاً، بأيديولوجية حزب البعث الحاكم في تزييف تاريخ الآشوريين وامحاء أساسهم القومي والتاريخي في العراق والتعامل معهم كطائفة مسيحية بهدف تحقيق سياساته الاستبدادية تجاههم. وهو ما أكده السيد القيسي بنفسه عندما ذكر انجرار الحيدري خلف التفسير الرسمي لحزب البعث وعدم قدرته الخروج منه مما أوقع نفسه في تناقض واضح تجاه استقامة رأيه حول هذا المصدر الذي اعتبره أهم مصادره في تأليف كتابه عن الآشوريين.
هـ – وأخيراً ، قد تجدر الإشارة الى النتائج التي آلت الى الحيدري من وراء كتابه هذا عن الآشوريين. تجاريا، الكتاب منع تسويقه في العراق كما سبق ذكره. أكاديمياً ، لم يؤهله موضوع الكتاب ارتقاء مناصب علمية سوى تدريس مادة “الثقافة القوميــة” في أحدى كليات جامعة بغداد والتي كان الطلاب يسخرون منها ويطلقون عليها “السخافة القومية” لأنها لم تكن أكثر من تطبيل وتزمير لأفكار حزب البعث الحاكم. ولا أدري فيما بعد إذا كانت “حيدريتـه” قد سمحت له في ظل نظام البعث العشائري الاستبدادي ارتقاء مناصب علمية أخرى.
أعترف بأنني أسهبت بعض الشيء في كتاب الحيدري وقصدي من ذلك كان بيان حقائق أخرى عنه طالما أسرف السيد القيسي في اعتماده كمرجع أساسي في دراسته عن القضية الآشورية في العراق. كما قد يأتي إسرافي في التعليق على كتاب الحيدري في هذه المناسبة كرد جزء من الدين المترتب على اعناقي منذ أمد بعيد لكتابة بعض الملاحظات الانتقادية حوله والذي طالما طالبوني بها بعض الأصدقاء والقراء.

ومن الملاحظات الأخرى على المراجع التي اعتمدها السيد القيسي ، هي كون جميعها مصادر معروفة ومنشورة وســبقه الكثير من الكتاب والباحثين اعتمادها وتحليلها ونشرها لذلك لم يأتي أو يذكر مرجع جديد أو بحث أو اعتمد على بعض المراجع القيمة والنزيهة في المسألة الآشورية ولكتاب وباحثين معروفين بالنزاهة والاستقامة العلمية والموضوعية، مثل كتاب الأستاذ عبد الغني الملاح المعنون ” تاريخ الحركة الديموقراطية في العراق ” في طبعته الأولى ، وليس الثانية التي أخضعها حزب البعث الحاكم الى سياسته الشوفينية في منهجه الخاص بـ “إعادة كتابة التاريخ” وحذف منه صفحات مهمة تشير إلى صلة آشوريي اليوم بالأشوريين القدماء. كما هناك كتب ومراجع علمية وموضوعية عالجت وحللت إستبدادية السلطة في العراق تجاه المسألة الآشورية بكل نزاهة وأخص بالذكر هنا كتاب “جمهورية الخوف” للكاتب والأكاديمي العراقي “سمير الخليل” وأسمه الحقيقي كنعان مكية.

يعترف السيد القيسي بأن ما اعتمده من مصادر ليست بالشاملة والوافية حيث يقول بأنه لم يتسنى له الإطلاع على مراجع مهمة وعديدة صدرت حول الموضوع وباللغتين الآشورية والإنكليزية ولغات أخرى رغم ترجمة العديد منها الى العربية. كما تعذر عليه الإطلاع على أهم المراجع قاطبة بهذا الشأن، وأقصد الوثائق البريطانية، وهو عذرُ أقبح من الفعل نفسه، لان جميع هذه المراجع متوفرة ومتاحة ولا نجد إطلاقا العثور عليها والإطلاع عليها مشقة أو صعوبة تذكر، سيما وأن الكثير منها متوفرة في المكتبات وعند بعض الآشوريين أو غيرهم سواء أكانوا أفراد أو مؤسسات. وعلى الرغم من اعتراف الكاتب إهماله لهذه المراجع المهمة وعدم إطلاعه عليها ، فان هذا بحد ذاته يعتبر مسألة غير مقبولة من الناحية العلمية والمنطقية وإلا لما استوجب تأليف ونشر هذا الكتاب طالما أفتقر الى المراجع المهمة والى الأساس العلمي والموضوعي المطلوب في البحث، خاصة عند البحث عن تاريخ شعب من شعوب المنطقة وعن مسألته السياسية والقومية التي شغلت العراق وطغت على سطحه السياسي في النصف الأول من القرن الماضي. لهذا السبب ستنعكس مشكلة المراجع على مضمون محتويات الكتاب، وهذا ما سيتأكد لنا فيما بعد .

المرجع الآشوري اليتيم الذي اعتمده القيسي في كتابه هو مقالتنا المنشورة في جريدة ” الشرق الأوســط” اللندنيــة عدد 5375 في 16/8/1993 والمعنونة بـ “التعامل مع الأقليات في مسار تاريخ العراق السياسي” والتي كتبتها بمناسبة مرور ستين عاماً على مذبحة الآشوريين في سميل. وحتى هذا المرجع البسيط فأنه لم يكن استخدامه موفقاً ومناسباً وإنما يبدو وكأنه حشر حشراً في الكتاب ولم يتسق مع سياق الموضوع. كما وأن اقتباس صفحتين أو أكثر من أي مرجع مسألة غير صحيحة تفقد التوازن العلمي للكتاب، وهي الصفة الطاغية على الكتاب حيث هناك نصوص طويلة من ذكريات رجال الحكم في العراق وبيانات رسمية ومقاطع كتب مقتبسة من المراجع المعتمدة معظمها منشورة في السابق ومعروفة للباحث أو للقارئ في تاريخ العراق السياسي الحديث وبدت كأنها تكرار لما سبق نشره. وإذا كان اعتماد الكاتب على المراجع التي ذكرها ينحصر على اقتباس وقائع تاريخية أو مراسلات رسمية ووثائق وبيانات وأحاديث أو ذكريات لرجال الحكم والسياسة لكان الأمر مقبولاً من الناحية الشكلية، وإن كانت المصداقية العلمية والأمانة التاريخية لأصحاب هذه المراجع مهزوزة أو مفقودة في أحيان كثيرة، إلا إن السيد القيسي تجاوز ذلك كثيراً في اعتماده على هذه المراجع وبلغ به الأمر الى درجة اعتماده اعتماداً كلياً على آراءهم وتفسيراتهم واجتهاداتهم حول الآشوريين وأصلهم ومسألتهم في العراق في بناء تصوراته وأفكاره عنهم، وهي ظاهرة غير علمية وغير سليمة، بل هو أسلوب انتقائي، طالما أقر الكاتب نفسه سلفا موقفه الفكري المعارض من هؤلاء الكتاب. فلا يجوز، كما يقول السيد القيسي، اعتبار عبد الرزاق الحسني فاقداً للحيدة والموضوعية والحس التاريخي والتحليل الصائب أو وصف عبد الرحمن البزاز بالمنساق وراء أوهام العزة والكرامة والمندفع الى تجاهل واقع الحال والقفز فوق الحقائق، كما لا يجوز القول بأن غلبة التفسير التآمري للأحداث على تفكير رياض الحيدري واعتماده التفسير الرسمي لحزب البعث الحاكم في العراق لأحداث التاريخ ومن ثم رجوع القيسي نفسه واعتماد آراء هؤلاء الكتاب واستنساخها في أصل الآشوريين وفي تاريخهم ومسألتهم القومية في العراق واعتبارها مراجع مهمة له في كتابه في الوقت الذي هو نفسه أقر بمواقف هؤلاء المعادية للآشوريين. لهذا السبب لم يستطيع الكاتب الخروج من طوق هذه الآراء طالما كان اعتماده الرئيسي عليها، وهذا ما سيظهر وبكل وضوح في بحث مضمون محتويات الكتاب. وقد يكون من الطرافة أن نذكر عجز السيد القيسي في فهم أصل الآشوريين وقضيتهم من خلال عجزه عن كتابة أسمي عند الإشارة إلى مقالتي أعلاه حيث ذكره عدة مرات بصيغ عديدة ومختلفة.

ثانياً : من حيث المحتوى:
بين اعتماد الكاتب اعتماداً كلياً على المراجع المعادية للآشوريين وإغفاله للمراجع الآشورية والمحايدة أوقع نفسه في تناقض كبير يقوم على الإيجاب والسلب. يتمثل جانب الإيجاب في قدرة الكاتب على تحليل المراجع العراقية والرسمية المعتمدة ومن ثم الوصول الى نتائج موفقة في فهم السلوك السياسي للنخبة الحاكمة تجاه القضية الآشورية. وكان الكاتب منطقيا وموضوعيا في الاجتهادات التي توصل إليها في تفسيره لتعسف وتضليل الحكومة العراقية للمسألة الآشورية وأقترب كثيرا من الحقيقية، لا بل واندمج بها اندماجاً تاماً عندما فهم السياسة العراقية الحقيقية الرامية الى تصعيد الأحداث وتوصيلها الى الحافات الهاوية بهدف ذبح الآشوريين في سميل مسجلاً بذلك بادرة تثلج قلوب الآشوريين المكتويين بنيران الأنظمة الاستبدادية وسياساتها الفاشية تجاه طموحاتهم القومية والوطنية المشروعة، وهي بادرة سيتحسسها القارئ اللبيب ابتداءً من الصفحات الأولى للكتاب، لذلك لا نرى سبباً في الإطناب فيها سوى تأكيد الثناء والتقدير لهذا الموقف الإيجابي.

أما الجانب السلبي لمحتوى الكتاب فيتمثل في إخفاق الكاتب في فهم أصل وتاريخ الآشوريين، لا بل وتجاوز في أحيان كثيرة حدود الإساءة والتجريح لهم ولتاريخهم ولزعامتهم الدينية والقومية، وهي نتيجة منطقية وحتمية توصل إليها الكاتب بسبب اعتماده الكلي على المراجع المعادية للآشوريين وإغفاله المراجع الآشورية والمحايدة وهو الإغفال الذي لا يمكن قبول أعذاره لأنــه يفقد الدراسة موضوعيتها ويحرفها نحو جانب واحد بعد أن تكون قد فقدت أهم جوانبها المتمثل في الحس الآشوري أو رأي الآشوريين في أصلهم وتاريخهم ومضامين مسألتهم القومية في العراق والذي كان يجب أن يشكل الركن أو الأساس الآخر لموضوع الكتاب. فالمنطق يقول لا يمكن دراسة الظواهر من دون معرفتها، لذلك فدراسة السيد القيسي للقضية الآشورية جاءت من خلال معرفته للجانب المعادي لها وليس من خلال صاحب القضية نفسه فبالتالي جاءت كدراسة “عرجاء” لا تستقيم مع المسار الحقيقي للقضية الآشورية كما هي في حقيقتها الموضوعية.

من هذا المنطق نقول لو توفرت للكاتب المراجع الآشورية والمحايدة واطلع عليها لوجد بأن آشوريي اليوم يرتبطون بآشوريي الأمس بجملة صلات وروابط حضارية ولغوية وتراثيـة لا يزال يمارسونها منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا وليسوا مجرد “مجموعة قبائل مسيحية الدين ونسطورية المذهب” كما يدعي الكاتب مقلداً بذلك معظم مفكري ومؤرخي تاريخ العراق الحديث، وهو الادعاء نفسه الذي كان يتبناه حزب البعث الحاكم في العراق في تعامله مع الآشوريين. فمن الظلم والجور والتجاوز على الحقيقية الموضوعية عندما يتم تحجيم تاريخ الآشوريين بتاريخ طائفة واحدة من طوائفـه الدينية المتعددة، فمثله كمثل من يُعرف العرب بطائفة السنة أو الكرد بالطريقة النقشبندية … وهكذا. فمن المعروف بأن الآشوريين، كغيرهم من الشعوب والأقوام، ينتمون الى طوائف دينية مختلفة والى وحدات عشائرية اجتماعية متعددة. فلو أتيحت للكاتب فرصة الإطلاع على بعض المصادر الآشورية التي أرخت نشؤ الحركة القومية الآشورية، لعرف بأن معظم زعماء هذه الحركة ومفكريها كانوا من طوائف غير الطائفة النسطورية كالطائفة السريانية الأرثوذكسية والطائفة الكلدانية الكاثوليكية. فجميع هؤلاء الزعماء والمفكرين ناضلوا وكتبوا عن الحركة القومية الآشورية وأسسوا منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين مؤسسات قومية لا زال البعض منها قائماً حتى الوقت الحاضر. واليوم ، وبنفس الوعي والإدراك يناضل الكثير من الآشوريين ومن مختلف طوائفهم ويقدمون الشهداء من أجل مواصلة هذه الحركة نحو تحقيق أهدافها القومية والوطنية النبيلة. لو اطلع الكاتب على مرجع آشوري أو محايد يتناول الفترة الحرجة التي خلدت اسم الشهيد مار بنيامين شمعون بطريريك كنيسة المشرق قبل وأثناء الحرب الكونية الأولى لأنصدم من الفرق الشاسع من أن يكون هذا المغدور “رجلاً ضعيف الرأي والإرادة واهن العزم” كما يدعي الكاتب، وبين أن يكون مار بنيامين الشهيد بطلاً من أبطال التاريخ الآشوري قاد شعبه في أصعب وأحلك الظروف وضحى بأخيه وبنفسه من أجل كرامة وعزة شعبه. وقصة هذا البطل الخالد، الذي يعتبر رمزاً قومياً ودينياً عند الآشوريين، ملحمة بطولية نادرة ليس في تاريخ الآشوريين فحسب بل في تاريخ شعوب المنطقة أيضا، يصعب، لا بل يستحيل فهمها، على من لم يطلع على كتاب آشوري أو محايد واحد يتناول تلك المرحلة.

أما المسائل المثار في الكتاب مثل هجرة الآشوريين الى العراق وانضمامهم الى قوات الليفي ودورهم في ضرب الحركة الوطنية وغيرها من المسائل المكررة أيضا من قبل معظم مؤرخي تاريخ العراق الحديث ومفكري النخبات الحاكمة في العراق والتي تنم عن حقد وكراهية تجاه الآشوريين، فأنني كامل اليقين بأنه لو تسنى للكاتب الإطلاع على جزء يسير من الوثائق البريطانية الضخمة التي تناولت هذه المسائل بشكل مفصل ودقيق لكان قد توصل الى قناعات أخرى تخالف مخالفة كبيرة لتلك التي توصل إليها وكان قد أكتشف بأن الآشوريين لم يهاجروا من تركيا الى العراق بل أن القسم الأعظم منهم كان يعيش ولا يزال في المناطق التي أصبحت عراقية بعد رسم الحدود بين العراق وتركيا. وحتى الآشوريون (النساطرة) الذين نزحوا من منطقة هيكاري التي اصبحت ضمن أراضي تركيا بعد رسم الحدود، فانهم لم ينزحوا من تركيا الى دولة العراق التي لم تكن قائمة في تلك الفترة بل أنهم انتقلوا، أو بالأحرى هُجــروا بسبب الحرب، من منطقة الى منطقة أخرى ضمن بلاد كانت تعرف بـ “بلاد ما بين النهريــن”، موطنهم الأصلي، والذي كان خاضعاً للدولة العثمانية قبل تأسيس كيان العراق ثم أصبحوا ضحية للمناورات السياسية الخبيثة وثمناً رخيصاً لتسويات الحدود الغادرة التي تمت بين بريطانيا وتركيا لصالح ضمان حدود كيان العراق الفتي، نتيجة ذلك تحولوا الى ” أقلية وافدة ” حسب المفهوم العراقي السائد عن الآشوريين، وهو المفهوم الذي لو تم تطبيقه على بقية العراقيين لوجدنا بأن ملك العراق المغفور له فيصل الأول وأبناءه وأهله أقل عراقية من الآشوريين الهيكاريين، وأن قسم كبير من عشائر سكان العراق الجنوبي والشمالي كان قد نزح الى العراق واستقر فيه بعد تأسيس كيانه السياسي، فهل يقبلون هؤلاء أن ننعتهم بشعب وافد الى العراق ؟؟ .

أما مسألة قوات الليفـي ” المرتزقة ” هي الأخرى مسألة عويصة ومعقدة يفتح التطرق إليها صفحات سلبية ومؤلمة في تاريخ العراق الحديث لا يملك الكثير من المؤرخين العراقيين الشجاعة الأدبية الكافية لمناقشتها مناقشة موضوعية كما هي موثقة ذلك لأنها ستكشف بكل وضوح بأن قوات الليفي العربية والكردية هي التي ساهمت في ضرب ثورة العشرين في العراق وفي قمع تمرد شــيوخ العشائر وأن الآشوريين في تلك الفترة كانوا منهكين مشردين في مخيم بعقوبــة للاجئين لا حولة لهم ولا قوة وأنهم لم ينضموا رسمياً الى هذه القوات إلا بعد تأسيس دولة العراق والجيش العراقي وتسريح قوات الليفي العربية والكردية وانضمامهم الى الجيش الجديد حيث أن الإنكليز، لا بل حتى الحكومة العراقية، كانوا بحاجة شديدة الى قوات متمرسة في حروب الجبال لضمان حدود العراق الشمالية من أطماع تركيا في ولاية الموصل لأن جيش العراق الناشئ لم يكن يملك خبرة قتالية في الجبال العاصية فاستطاع الإنكليز استغلال الآشوريين في تثبيت كيان العراق السياسي واستقرار حدوده على حساب تعاظم مأساتهم ومعاناتهم في العراق. هذه المسائل التي يطول الحديث عنها مفصلة تفصيلاً أكثر إقناعاً في بعض المقالات والبحوث التي نشرتها في بعض الجرائد والمجلات وفي كتابي الأخير المعنون “الآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر ” الذي أصدره اتحاد الأندية الآشورية في السويد وقد قمت بأهداء السيد القيسي نسخة منه.

لقد حاولت جلّ جهدي أن اكتفــي بهذا القدر من الملاحظات عن هذا الكتاب ، إلا أن كثرة المخالطات الواردة فيه ولدت لدي حوافز للاستمرار في إبداء ملاحظات أخرى مهمة على المسألة الآشورية. ومن هذه المخالطات التي وقع فيها السيد القيسي في كتابه، موقف الإنكليز المساند لاغا بطرس ولمشروعه السياسي في إقامة كيان آشوري شامل لجميع الطوائف الآشورية في شمال بيت نهرين. فالعكس هو الصحيح، فالإنكليز كانوا يمقتون اغا بطرس مقتاً شديداً ولأسباب مختلفة منها طائفية، لأنه كان كاثوليكياً، ومنها ثقافية ، لأنه كان فرنسي الثقافة والتوجه، ومنها سياسية، لأنه كان عارفاً بحيل وألاعيب الإنكليز تجاه الآشوريين من جهة، وملما بفنون لعبة المساومات السياسية بين الدول العظمى حينذاك خاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا من جهة أخرى، وهذا كان يزعج الإنكليز ويزيد قلقهم تجاه ذكاءه وفطنته وتجاه طموحاته القومية. صحيح أن الإنكليز أظهروا في البداية تأييدهم لمشروع اغا بطرس لا لشيء إلا بهدف استغلاله لضرب الحركة الكردية وضمان حدود العراق الشمالية من أطماع تركيا غير أنه بعد قرار مؤتمر القاهرة لعام 1921 والقاضي بتأسيس دولة عربية في العراق ونصب الأمير فيصل بن الشريف حسين على عرشها أنقلب الإنكليز على اغا بطرس لأن مشروعه كان يتناقض مع قرار مؤتمر القاهرة لذلك حاربوه وأفشلوا مشروعه. وإزاء إصرار اغا بطرس على النضال لتحقيق مشروعه دبر الإنكليز قراراً لنفيــه من العراق الى فرنسا، فلم يهرب كما يدعي السيد القيسي في كتابه، وعندما تصاعدت وثائــر الحركة الآشورية في العراق وازدادت حالة التوتر مع الحكومة العراقية ومستشاريها الإنكليز حاول اغا بطرس العودة الى العراق إلا إن القنصلية البريطانية في مدينة بوردو الفرنسية رفضت ذلك ومنعته رغم إصراره على ضرورة العودة إلى العراق والالتحاق بالحركة الآشورية. غير أنه بعد أيام وُجــد ميتاً في أحد شــوارع مدينة تولوز الفرنسية وفي ظروف غامضة ومثيرة للتساؤل وجهت أصابع الاتهــام في حينها إلى الإنكليز وأعوانهم لتقول بأنهم دبروا أمر تسميمه وقتله. هكذا نحن الآشوريون نفهم اغا بطرس كرمز من رموز النضال القومي وبطلاً من أبطال التاريخ الآشوري ومن لا يفهم رموز الآشوريين وأبطالهم لا يمكن إطلاقاً أن يفهم قضيتهم ويدرس تاريخهم بموضوعية نزيهة.

أما بالنسبة لمواضيع مشروع إسكان الآشوريين والتفاصيل المعلقة بالحركة الآشورية وزعماؤهم ومن ثم رفضهم لمشروع الإسكان ، فهي مسائل تتطلب صفحات طويلة لإبداء الملاحظات عليها، إلا أننا نؤكــد بأن ما أورده الكاتب فيه الكثير من المخالطات والتي رددها غيره من المؤرخين العراقيين. ولعل أهم المهمات في هذه الملاحظات الذي أود بيانه هو السبب الذي دفع بزعماء الآشوريين رفض مشروع الإسكان. فمن الحقائق الموثقة في أرشيف عصبة الأمم في جنيف بهذا الشأن والتي تبيــن بأن توصية مجلس العصبة في جلسته الرابع عشرة في 15/10/1932 كانت تقضي بإسكان الآشوريين في وحده اجتماعية متجانسة كأساس للحفاظ على تراثهم وتقاليدهم، غير أن اللجنة الثلاثية التي شكلتها عصبة الأمم بخصوص مشروع الإسكان، وبتأثير من الإنكليز، تبنت قراراً مخالفاً لذلك يقضي بإسكان الآشوريين النازحين من هيكاري في مجموعات أو أقسام مختلفة وبعيدة عن مناطق أخوتهم الآشوريين العراقيين بحجة عدم توفر الأراضي الكافية لهم، مما سبب ذلك امتعاض قادة الآشوريين ورفض هذه الصيغة لقرار توزيعهم على أراضٍ متباعدة والتي تبينت في ما بعد بأنها أراضٍ جدباء ومبؤة بالأمراض المعدية فكان هذا السـبب الرئيسي الذي دفع بزعماء الآشوريين الى رفض مشروع الإسكان بصيغته العراقية – الإنكليزية وليس السبب الذي أورده القيسي في “طبع الآشوريين المشاكس وافتقاد زعمائهم الحس التاريخي في تفسير الأحداث وتغليب التطرف والعناد على العقل والاعتدال”. لا بل على العكس من هذا تماماً، فزعماء الآشوريين كانوا يملكون الحس التاريخي والمنطقي في تفسير الأحداث خاصة في تفسير سلوك النخبة الحاكمة ونوايا الإنكليز في التخلص من الآشوريين وفي قمعهم و “تأديبهم” خاصة بعد إستنفاذ حاجتهم الى خدماتهم العسكرية. فلو تسنى للسيد القيسي أن يطلع على الكتب التي كتبها هؤلاء الزعماء أمثال مار شمعون إيشاي وماليك ياقو ماليك اسماعيل والمفكر يوسف ماليك التلكيفي لأدرك بأن نظرتهم لمجريات الأمور كانت صحيحة وأن مخاوفهم كانت مشــروعة، تلك المخاوف الناشئة من ترك الإنكليز سلطة البلاد بيد نخبة سياسية متعطشة للسلطة همها الوحيد مواصلة تلك السياسة الاستبدادية التي بدأتها عندما كانت في خدمة الجيش العثماني، تلك المخاوف التي كانت تؤكد بأن الكارثة لا محال واقعة بالشعب الآشوري، سواء أكانت الكارثة على الفريق المؤيد للحكومة العراقية ومشروعها الإسكاني أم كانت على الفريق الرافض، والتي تحققت فعلاً عندما أزهقت أرواح أكثر من ثلاثة آلاف آشــوري في سـميل عام 1933 من دون أي تمييـز بين هذا الفريق أو ذاك. وهنا يجب أن نسجل تقديرنا وتثميننا العظيمين للسيد القيسي في تأكيده لهذا العدد من الضحايا أثناء مذبحة سميل لأنه كان شاهد عيان في تلك الفترة وفي الوقت الذي تشير الوثائق الرسمية العراقية إلى ثلاثمائة ضحية فقط ووثائق أخرى تشير إلى أقل من هذا العدد. ومن المشاهد المأساوية لهذا الحادث ذكر لي السيد القيسي شخصياً في أحدى لقاءاتنا وكشاهد عيان بأنه أحضر بعض الجنود العراقيين شخصين أشوريين كانا يعملان في مهنة الفلاحة في الموصل إلى حجي رمضان مساعد بكر صدقي وقيل له بأنهما جاسوسان للإنكليز فما كان من حجي رمضان إلا أن سحب مسدسه وأطلق النار عليهما فقتلهما في الوقت الذي كان يقف خلفه أثنان من المستشاريين الإنكليز اللذان كانا يعملان في خدمة الحكومة العراقية في الموصل.

وقصة المنكوب كوريال يونان ، الذي خدم الحكومة العراقية فترة طويلة وكان من أشد أنصارها وأكثرهم حماساً لمشروعها الإسكاني، قصة مأساوية معروفة تدمــى لها القلوب حيث وجد مذبوحاً في داره مع ابنه الوحيد وليم والجنسية العراقية معلقة في رقبته وملطخة بدماءه الزكية وعلم العراق يرفرف فوق سطح داره لبيان مدى وطنيته كما ذبح معه مجموعة تزيد عن الثمانين شخصاً من الآشوريين المؤيدين للحكومة بين نساء وأطفال ورجال دين لجأوا الى داره طلباً للحماية. هذه القصة هي نموذج من نماذج كثيرة كان زعماء الآشوريين يتخوفون منها قبل وقوعها، غير أن النخبة السياسية الحاكمة ومفكريها عجزوا عن فهمهما وتقديرها.

وأخيراً ، بقى أن نقول بأن الأستاذ القيسي اجتهد في كتابه وأظهر في جوانب منه موقفه الشجاع غير أنه أيضا أخطأً في اجتهاده في فهم تاريخ الآشوريين وقضيتهم القومية. فهذه الحقيقة النبيلة التي أقرها الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب هي التي منحتني أجر الاجتهاد الصادق في ملاحظاتي هذه. وضمن هذا الاجتهاد اختم الحديث بالقول بأن الكاتب وفق كثيراً في أن يكون وكيل الاتهام للحكومة العراقية والجيش العراقي بخصوص دورهما في تصعيد الأحداث وارتكاب مذبحة ســميل بحق الآشوريين الأبرياء، ولكن مع الأسف الشديد فشل في أن يكون محامي الدفاع عن القضية الآشورية، كما حاول البعض وصفه، ومرد فشله يعود الى عدم إطلاعه على أوراق القضية وعدم سماعه لأقوال أصحاب القضية والاكتفاء في دفاعه عن الآشوريين على أوراق الخصم وأقواله وأفكاره، وهو منطق غير مقبول إطلاقاً لأننا متأكدين تأكيداً قاطعاً بأنه لا يتم من خلاله إحقاق الحق الآشوري الذي غبن كثيراً وان تتحقق العدالة وسيادة القانون وإشاعة الحرية والديمقراطية والتي ننشدها جميعاً لوطننا الحبيب وهي الأهداف التي كرس الأستاذ عبد المجيد القيسي حياته من أجلها وما هذا الكتاب إلا تأكيداً على ذلك… رحمه الله فذاكرته ستبقى مع بقاء هذا الكتاب القيم.

قراءات أخرى في كتاب "التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين

كاتب الموضوع الأصلي: احمد الاحمري 336

قراءات أخرى في كتاب “التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق”

أبرم شبيرا

توطئة: كتاب وذكريات
قرأت موضوع الأخ والصديق المهندس خوشابا سولاقا عن كتاب “التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق” للأستاذ عبد المجيد حسيب القيسي الذي نشر في موقعنا العزيز عنكاوه. وأول تأثيراته كانت أنه فتح خزانة عقلي عن ذكريات تزيد عن أربعين عاماً حينما كنًا معاً في المراحل الأولية الرومانسية من الفكر والعمل السياسي نجاهد جهاداً مضنياً من أجل الحصول على كتاب أو مقالة عن الآشوريين ومن ثم تداوله سرياً بيننا ومع مجموعة من أصدقاء تلك المرحلة مؤمنين بأن المطالعة والعلم والثقافة وإغتراف المعارف في تاريخنا القومي هو السبيل الأمثل لإمتلاك وعي قومي صحيح يبنى عليه آمال لبناء تنظيم سياسي يكون أداة لتحقيق طموحاتنا القومية. وبطبيعة الحال وبسبب الظروف الإستبدادية والكبت الفكري في تلك الفترة كان مثل هذه الكتب والمقالات نادرة الوجود والتداول، لا بل كان إمتلاكها وتعميم نشرها نوع من المخاطرة وقد تسبب لمتداوليها التعرض لإستبداد السلطة ولعواقبها الوخيمة. كان أشهر كتب تلك المرحلة “الآشوريون في التاريخ” جمعه إيشو ماليك خليل جوارو وترجمه وأشرف عليه سليم واكيم وطبع في بيروت عام 1962، والثاني “تاريخ الآثوريين” – الجزء الأول، ترجمه من الروسية أسامة نعمان وطبع في مطبعة الجاحظ في بغداد عام 1970، وهي ترجمة محرفة وغير دقيقة لكتاب “المسألة الآشورية أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى 1914- 1933” للبرفسور الآشوري بار متي ماتييف لا بل تعتبر الترجمة قرصنة فكرية لأن المترجم لم يحصل موافقة المؤلف كما ذكر ذلك لي شخصياً. المهم، بمجرد أن أنتهيت من قراءة موضوع صديقي خوشابا حتى هرعت إلى مكتبتي الصغيرة وأجد الكتابين المذكورين راكنان في الرفوف العالية وقد أصفرت وتيبست أطراف بعض من أوراقهما وتكسرت ولكن الأمر الذي حزً في صدري هو أن أجد في الصفحة الأخيرة من كتاب “الآشوريون في التاريخ” كلمة شكر وإمتنان مني ومن بقية الأصدقاء مؤرخة بتاريخ 7/8/1969 إلى المرحوم إيشعيا هرمز يونان الذي فارق الحياة قبل سنتين أو أكثر لكونه هو الذي عثر على هذا الكتاب وعممه علينا ولا أتذكر فيما اذا كان هذا التاريخ الذي أقر في السنة اللاحقة كيوم للشهيد الآشوري مصادفة أم مقصود. وهذه مناسبة أن نترحم على روح شاعرنا الكبير دنخا إيشا الذي كان يلهمنا في تلك الفترة بأشعاره ويزيدنا همة وصلابة ونحن سائرين على الطريق الصعب المليء بالمخاطر. وعلى العموم وكما يقال: على الحياة أن تستمر… وهكذا أجد اليوم في صديقي خوشابا إستمراراً لهذه الحياة ولهذه العادة في “النبش” في الكتب والبحوث وعلى نفس مسار أربعة عقود وأكثر من الزمن في البحث والدراسة وإغتراف المعارف في كل ما يتعلق بأمتنا. وأرجو المعذرة من القراء الأعزاء في الإطالة في هذه التوطئة وظهورها كأنها مسألة أو ذكريات شخصية ولكن في الحقيقة ليست هكذا فحسب بل تمثل جانب من بداية مسيرة شباب على منوال طويل من الوعي القومي والسياسي التقدمي قائم على الإستقامة والتواصل والنزاهة والإخلاص ونكران الذات من أجل هذه الأمة رغم الظروف الإستبدادية الصعبة التي كانت تحيط بهم ورغم سياسة “الجزرة والعصى” التي كان يمارسها النظام البعثي الإستبدادي ولكن كل هذا وذاك لم تقوى هذه السياسة الإستبدادية على لوي أذرع هؤلاء الشباب فأستمروا المسيرة وهم يحملون سلاحاً قوياً تمثل في نقاء ضميرهم الحي وتوجهاتهم النزيهة تجاه هذه الأمة، وهذا كنز لا يفنى حتى بفناء الحياة.

من هو مؤلف الكتاب ؟:
مؤلف الكتاب هو الإستاذ عبد المجيد حسيب القيسي، عراقي عمل كمستشار قانوني في الدوائر العسكرية والمدنية في العهد الملكي والجمهوري في العراق وبعد إشتداد الكبت الفكر والقهر السياسي في نهاية الستينيات من القرن الماضي لم تتحمل سعة أفكاره وحبه للحرية والدفاع عن الحق والعدالة إلا أن يترك العراق ويجد في أبو ظبي – الإمارات العربية المتحدة موطناً له للإستقرار وقضاء بقية حياته وعائلته في هذا البلد المضياف حيث عمل كغيره من العراقيين المبدعين في تأسيس وإدارة النظام الفيدرالي في هذه الدولة. لقد كانت فرصة إستثنائية أن ازوره في بيته في أبو ظبي أنا والدكتور سعدي المالح في أواخر عام 2000 وأن نقضي ساعات طويلة معه في نقاشات مفيدة عن كتابه بشكل خاص وعن الآشوريين ومسألتهم في العراق بشكل عام وكان إهتمامه الكبير ظاهراً عليه بشكل واضح حيث أكد لنا بأنه آخر مرة ألتقى بالآشوريين كان أثناء أحداث سميل عام 1933. ثم في السنوات اللاحقة قمت بزيارته أكثر من مرة وتهاتفنا العديد من المرات في المستجدات المتعلقة بالآشوريين في العراق وقد كانت السنين الطويلة المتعبة من العمل الجاد والدفاع عن الحق والعدالة بادية عليه وأهرمته حتى زارته المنية فتوفي في عام 2006. لقد كان رحمة الله إنساناً طيباً رؤوفاً واسع الصدر ومنشرح الفكر في تقبل أي نقد موجه إلى أفكاره أو كتابه موضوع البحث لهذا السبب كان يسعده جداً اللقاء بي والدخول في مناقشات معه. وأود هنا أن أوضح بأن السيد القيسي ليس بباحث أو أكاديمي أو مؤرخ بل شاهد عيان لأحداث حاسمة وخطيرة مرة على العراق ومنها حادثة مذبحة سميل حيث عايش كموظف بسيط في الدولة أثناء المذبحة والمأساة التي رافقتها والإرهاصات التي أعقبتها على المستوى العراقي وبضمير حي وبعدالة وإحقاق حق الآشوريين في تلك الفترة، وما هذا الكتاب إلا نموذج لتلك المعايشة.

كيف صدر الكتاب؟:
خلال عمل الكاتب في خدمة دولة العراق وإهتمامه بالأحداث التاريخية وتدوينها ومن ثم إصداره بعض الكتب بهذا الشأن تكونت لديه أفكار وآراء حول الآشوريين ومسألتهم في العراق وجمع عنهم معلومات كانت من الكفاية لتأليف كتاب خاص بهم. وبعد إكماله أتصل بصديقه السيد سعد صالح جبر الذي كان رئيساً للمجلس العراقي الحر في لندن والمعارض لنظام البعث العراقي يسأله عن إمكانية مساعدته في طبع الكتاب ونشره، فأتصل هذا الأخير بالسيد سركون داديشو رئيس “المجلس القومي الآشوري” الذي كان له معرفة به عارضاً عليه الفكرة فكانت نتيجتها طبع الكتاب وصدوره من قبل المؤتمر القومي الآشوري في عام 1996 وتحت عنوان “هوامش على تاريخ العراق السياسي الحديث في رؤيـة جديدة – تاريخ القضية الآثـورية “. وفي أحدى لقاءاتي مع السيد القيسي بينً عدم رضاءه عن طبع ونشر الكتاب بالطريقة التي طبع ونشر بها حيث أولاً: لم يتم تزويده غير بثلاثة نسخ من الكتاب في الوقت الذي كان يطلب بحدود ثلاثين نسخة فقط لتوزيعها على أصدقاءه. وثانيا، وجد القيسي حذف بعض الكلمات من الكتاب وحشر أسم السيد سركون داديشو في متن الكتاب من دون أخذ موافقة المؤلف، لذا أعتقد بأن السيد القيسي وجد في إعادة طبعه ونشره من قبل دار نشر معروفة سبيلاً لتعميم الفائدة للجهد الذي بذله في هذا المجال. هكذا قامت الدار العربية للموسوعات في بيروت (صاحبها العراقي خالد العاني) بطبعه في عام 2004 وتحت عنوان “التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق: 1921 – 1999” وهو الكتاب الذي أعتمد عليه صديقنا خوشابا. ومن الجدير بالذكر أن الكتاب كان قد طبع أيضا من قبل “دار الموسوعات العالمية” في عام 1999 ولكن السيد القيسي يجهل تماماً هذه الطبعة ولم يسمع عن هذا الدار، هذا ما ذكره لي شخصيا. علما بأن جميع هذه الطبعات تشير إلى كونها “الطبعة الأولى”. والمأخذ الذي يؤخذ على هذه الطبعة الأخيرة هو عنوان الكتاب. فإذا كان التاريخ السياسي للآثوريين عنواناً مقبولاً لكون قضيتهم القومية سياسية طغت على السطح السياسي العراقي في الثلث الأول من القرن الماضي إلا إنه لم يكن لهم تاريخ عسكري فالإشتباكات المسلحة بين مجموعة من الآشوريين مع بعض من قطاعات الجيش العراقي لا يمكن تدوينها كتاريخ عسكري. والمأخذ الثاني هو أن تمديد هذا التاريخ لغاية 1999 لا معنى له طالما لم يتطرق السيد القيسي إلى أية أحداث تاريخية، خاصة العسكرية منها لهذه الفترة والفترة التي سبقتها غير صفحة أو صفحتين، لهذا لم يكن أي معنى لهذا التاريخ. فصفحة واحدة أو أكثر لا تكفي لتكون مادة تاريخية للكتابة وتؤخذ عنواناً للكتاب. ومن المصادفة أن تكون صفحات كل الطبعات الثلاث للكتاب (332) صفحة رغم إختلاف حجم صفحات الكتب التي تطبع في أميركا ولكن بقت الفصول والعناوين نفسها. فالكتاب موزع على أحد عشر فصلاً مع مقدمة. يستهل الكتاب بفصل في أصل الآشوريين وتاريخهم قبل نشوء دولة العراق ثم يتناول القضية الآشورية في العراق بشكل عام والملابسات التي أحيطت بها ويحلل تحليلاً مفصلاً وعميقاً سياسة النخبة الحاكمة تجاهها وأساليب معالجتها بعد استقصاء وبحث ومناقشة الكتب والمراجع والمذكرات التي كتبت عنها، ولا أريد قراءة كل فصول الكتاب حيث قام وسيقوم الصديق خوشابا بهذه المهمة، ولكن أكتفي ببيان بعض الملاحظات على الكتاب.

مناقشات وسجالات بيني وبين مؤلف الكتاب:
بمجرد ما أن أهدى لي السيد سركون داديشو نسخة من هذا الكتاب، طلب مني بعض الأصدقاء كتابة نقد وتحليل له وفعلاً لبيت طلبهم فكتبت موضوعاً نقدياً للكتاب تحت عنوان “تكرار أخطاء المؤرخين السابقين ضيع إيجابية القيسي في فهم تاريخ الآشوريين” ونشر في جريدة الحياة اللندنية بعددها المؤرخ في 02 شباط 2000 حيث كان موضوعي قد أحتل أكثر من نصف صفحة الجريدة. ثم قام بعض من المجلات والدوريات الآِشورية التي كانت تصدر في الخارج بإعادة نشره تعميماً للفائدة. وفي هذا النقد والتحليل بينت بكل وضوح إيجابية الكتاب والمواضيع التي تطرق إليها السيد القيسي بكل شجاعة وأعتبرته من الأوائل الذين كتبوا بإنصاف وعدل في بيان إستبدادية السلطة في العراق أثناء مذبحة سميل تجاه الآشوريين ولكن من جانب آخر أبرزت سلبيات كثيرة في الكتاب بحيث كان قاصراً في فهم تاريخ الآشوريين وأصلهم وقضيتهم القومية في تلك الفترة واعتماد المؤلف على الكثير من المصادر الرسمية والمعادية للآشوريين وفي عين الوقت عجزه عن الحصول على المصادر الأجنبية أو المحايدة تجاه هذه القضية. ويظهر بأن السيد القيسي قرأ موضوع نقدي وتحليلي للكتاب فكتب رداً على ردي تحت عنوان طويل (رد على نقد أبرام شبيرا لـ “تطور قضية الآشوريين في العراق” – وعنوان رئيسي “لو نظر إلى الكتاب راضيا… لكن عين السخط تبدي المساويا” ونشر في في نفس جريدة الحياة اللندنية بعددها المؤرخ في 01 حزيران 2000 وكان الموضوع طويلاً بحيث أحتل ثلاثة أرباع صفحة الجريدة.

بطبيعة الحال لم يكن السيد القيسي راضياً عن إتهامي له في تقصيره في فهم أصل وتاريخ الآشوريين وقضيتهم في العراق على حقيقتها وتقييم قيادتها إلى درجة أعتقد بأنني جرحت مشاعره وأسيئ فهمه فشرع بتبرير وتعليل كل ما تم إنتقاده ودافع عن بعض من الأفكار التي طرحها حتى وإن تبينت بأنها غير صحيحة، نذكر منها على سبيل المثال موقفه من قوات الليفي الآشورية حيث يقول “… إذا ذهبنا مع الأستاذ الناقد – يقصد أنا – من عدم ضلوع الآشوريين في قمع الثورة العراقية – يقصد ثورة العشرين – في الجنوب فلا يستطيع ولا نستطيع أن ننكر دورهم في إحتلال مدينة بعقوبة ونهبها …” طبعاً هذه مخالطة كبيرة من المؤلف. فالآشوريون المهجرون من منطقة هيكاري بعد الحرب الكونية الأولى لم يحتلوا بعقوبة بل أسكنوهم في مخيمات للاجئين من قبل القوات البريطانية قرب مدينة بعقوبة وكانت القبائل العربية البدوية في منطقة ديالي هم الذين يغارون على مخيم اللاجئين وينهبون ممتلكاتهم ويهجمون على سكانه … إلخ”. على أية حال موضوع ردي على الكتاب ورد السيد القيسي سيأتي ضمن سياق تقييمي المختصر للكتاب. لكن المهم من كل هذا وذاك فالسيد القيسي يبين مدى سعة صدره ومدى أفقه ورفعة أخلاقه ودماثة طبعه وتقبله للنقد ومعالجة الأخطاء التي وردت في الكتاب، إذ يقول في خاتمة رده على ردي بالقول “وختاماً نتقدم بالإعتذار من الأستاذ شبيرا على ما وجد في كتابنا من سلبيات لم نقصد بها إلى الإساءة والتجريح، ونتقدم منه بالشكر إصالة عنا ونيابة عن الناشرين…”. وقد كانت هذه السجالات والمناطحات الفكرية عاملاً مؤثرا في نفسية القيسي الطيبة وخلقت فيه نوع التوق والرغبة لللقاء بي وهذا ما تم فعلاً في نهاية عام 2000 في أبو ظبي والسنوات التي لحقتها… رحمه الله لقد كان إنسان نبيلاً ومحقاً في إحقاق الحق خاصة بالنسبة لأقلية صغير لم يكن في دفاعه عنهم أية مصلحة غير إنصاف عدالة قضية الآشوريين في العراق الذين ظلموا قهراً وبهتاناً وأسيء فهم هذه القضية من قبل الأنظمة المتعاقبة على السلطة في العراق.

تقييم الكتاب:
بغنـى عن محتويات وأفكار واجتهادات أي كتاب عن الآشـوريين، سواء أكان مجحفاً وظالمـاً بحقهم أو منصفا ومساندا لطموحاتهم القومية والوطنيــة المشروعة، فهو يعتبر إضافة جديدة يساهم بشكل أو بأخر في تفعيل الدراسات والبحوث عن الآشوريين ويزيد من فاعلية المسألة الآشورية ومن إثارتها، وبالتالي يؤكد حيويتها، تلك الحيوية التي تحالف الإنسان الباغي مع الزمان القاسي تحالفاً غير مقدساً على طمسها في عالم النسيان، وهو التحالف الذي كان قد تجسدت نتائجه في سياسة حزب البعث الحاكم في العراق في منتصف السبعينات تجاه الآشوريين عندما قام بسحب كافة الكتب التي كانت تتناول تاريخ الآشوريين من المكتبات العامة أو منع طبعها أو نشرها أو حصر تداول البعض منها على نطاق خاص وضيق ولاعتبارات أمنية وحزبية. وكتاب رياض رشيد الحيــدري (وهو كردي الأصل مستعرب) المعنون ” الآثوريــون في العراق 1918 – 1933 “، والذي اعتبره القيسي مرجعاً أساسيا أقتبس منه معظم معلوماته عن الآشوريين، هو مثال من بين عشرات الأمثلة على ذلك. فهذا الكتاب الذي كان بالأساس أطروحة ماجستير في التاريخ الحديث ، طبع في القاهرة ومنع تسويقه في العراق وحتى النسخ القليلة التي أتيحت لطلاب الدراسات العليا والباحثين الإطلاع عليها في المكتبة المركزية لجمامعة بغداد ختمت بعبارة “للتداول المحدود” من قبل مديرية رقابة المطبوعات ثم أختفى من المكتبة كغير من الكتب التي كانت تتناول تاريخ الاشوريين ومسألتهم في العراق على أثر سياسة حزب البعث الإستبدادية في حملة “إعادة كتابة التاريخ” في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع مؤلف الكتاب موضوع البحث ، نؤكد التقدير والتثمين له على هذه الإضافة الجديدة لجدول الكتب التي تبحث في تاريخ الآشوريين وفي مسألتهم القومية في العراق. ولكن حتى لا نخون مبادئنا القومية الإنسانية التي تولدت من مخاض مأساة الآشوريين المستديمة ونبقــى أوفياء للحق الآشوري الذي غبــن كثيراً، وحتى نكون أيضا مخلصين للأمانة العلمية والتاريخية يجب أن لا يلغي هذا التثمين والتقدير واجبنا في تدقيق محتويات الكتاب ودراستها دراسة علمية صحيحة وتقييمها وإظهار عيوبها وقصورها ثم محاولة تقويم اعوجاجها. كما يجب أن لا يمحي طموحنا المشروع في قراءة كتاب يضع الحق الآشوري في نصابه الصحيح ويعالج وقائع تاريخ الآشوريين ومسألتهم القومية معالجة علمية سـليمة. وفي سياق هذه المهمة سنحاول وبقدر الإمكان التخلي عن الأسلوب التقليدي الأكاديمي في عرض وتقييم الكتاب شكلا ومضمونا ومتابعة محتوياته خطوة فخطوة وتقييم معلوماته المسهبة، فهذه المسالة يتطلبها مجلدا كاملاً ، لذلك سنكتفي بمعالجته بشكل عام ومن زاويتين : الأولى ، من حيث المراجع المعتمد عليها، والثانية، من حيث بعض المضامين والأفكار والاجتهادات لأحداث مهمة أشار الكاتب إليها في كتابه هذا مختصرين بقدر الإمكان.

أولا : من حيث المراجـــع
معظم مراجع الكتاب هي المراجع العراقية الرسمية ومذكرات وأوراق رجال النخبة العراقية الحاكمة الذين اشتركوا بشكل أو بآخر في تأجيج أحداث المسألة الآشورية والمذبحة التي أعقبتها في سميل عام 1933 أو هي مراجع لكُتاب ساهموا في ترسيخ وتعميم القيم والمفاهيم والسياسات الاستبدادية التي تبنتها الأنظمة السياسية المتعاقبة على السلطة في العراق في تعاملها مع الآشوريين. والكتاب الأجنبـي الوحيد الذي أعتمه هو كتاب ” العراق 1900 – 1950 ” لمؤلفه البريطاني ســتيفن لونكـرك الذي عمل في خدمة وزارة الداخلية العراقية أثناء تلك الفترة وهو معروف بمواقفه وتعاطفه مع الحكومة العراقية حينذاك والذي ظل ” يحب العراق ” كما يدعي، حتى بعد تسريحه من الخدمة والانعكاف لإنجاز كتابه هذا والذي ظهر فيه عدم تأثره بالدماء الآشورية الطاهرة التي أريقت في ســميل مثلما “تأثر” زميلـه البريطاني لونارد ستافورد، وأنبه ضميره لدوره القذر في تعقيــد الأحداث، فاستقال من منصبه كمفتش إداري في لواء الموصل التابع لوزارة الداخلية، أو الأصح صرف من مهمته بعد انتهاءها بانتهاء مذبحة سميل، فعاد الى أهلـه في بريطانيا ليكتب كتابه المعروف ” مأساة الآشوريين ” والذي تعذر على القيسـي الإطلاع عليه وقراءته رغم توفره لدى بعض الأشخاص والمكتبات الرئيسية.

أما بالنسبة لكتاب رياض رشيد، السالف الذكر، والذي اعتمده السيد القيسي اعتماداً رئيسياً في اقتباسه للمعلومات وأقر له الكثير من الفضل والامتنان لكونه كتاب جامع لتاريخ الآشوريين وملم بجميع أو أغلب ما كتب عنهم، فأنه، على الرغم من إشارة القيسي الى السلبيات الواردة في هذا الكتاب إلا أنه لم يأخذه مأخذ الجد وبالاعتبار المطلوب في فهم تاريخ الآشوريين عندما اقتبس منه معظم معلوماته. ولبيان حجم أعتماد السيد القيسي على هذا الكتاب فأنه ذكره في (70) هامش هذا إضافة إلى إقتباسات وإشارات كثيرة له في متن الكتاب. وحتى نضع أمور هذا ” المرجع الأساس”، كما يسميه السيد القيسي، في نصابه الصحيح نود أن نبين بشأنه ما يلي :
أ – الكتاب بالأصل أطروحة جامعية من القاهرة أهل انضمام الكاتب الى حزب البعث الحاكم ميزة الحصول على البعثة الدراسية للكتابة عن هذا الموضوع ونيل الشهادة الأكاديمية عنه فهو، أي الكتاب، “إيفاء والتزام” من الكاتب تجاه فضل حزبه .
ب – زار الحيدري أثناء فترة جمع المعلومات وإعداد أطروحته النادي الثقافي الآشوري في بغداد، مركز استقطاب المثقفين الآشوريين في السبعينيات من القرن الماضي، وحصل على معلومات وبيانات مفيدة لمشروعه العلمي ثم تبين بعد إنجازه بأنه خان الأمانة العلمية وزيف الكثير من الحقائق وأخفى أو أهمل تلك التي كانت تتعارض مع منهجه البعثي في دراسة تاريخ الآشوريين في العراق وتبرير شرعية إستبداد السلطة تجاه المسألة الآشورية.
ج – صحيح أن كتاب الحيدري جامع وملم بكل ما كتب عن الآشوريين “ويكشف عن حقائق لم يجرؤ أحد قبله على كشفها” كما يدعي السيد القيسي، إلا أن لهذه الميزة أسباب : أولهما : الأهمية المخابراتية للموضوع من جهة، وانتماء الكاتب للحزب الحاكم من جهة أخرى، منحتا له ميزة أو تسهيلات للتنقيب والبحث في الوثائق والمستندات والمراسلات المهمة والسرية المتعلقة بالمسألة الآشورية التي تكتظ بها خزائن الدوائر الأمنية في العراق. وثانيهما : كون الكتاب بالأساس أطروحة جامعية تشكل صفتا الشــمول والإلمام من الصفات الأساسية لكل أطروحة جامعية، كما وان الكتاب كان آخر ما كتب عن الآشوريين في العراق ، فاستفاد المؤلف من كل ما سبق وكتب عن هذا الموضوع.
د – كتاب الحيدري ، كما يقول السيد القيسـي، “هو أول كتاب باللغة العربية يكسر طوق الحجر الفكري ويخرج عن الإجماع التاريخي والرسمي والوطني بشأن المسألة الآشورية” غير أنه لم يخرج أيضا عن ، بل التزم التزاماً كاملاً، بأيديولوجية حزب البعث الحاكم في تزييف تاريخ الآشوريين وامحاء أساسهم القومي والتاريخي في العراق والتعامل معهم كطائفة مسيحية بهدف تحقيق سياساته الاستبدادية تجاههم. وهو ما أكده السيد القيسي بنفسه عندما ذكر انجرار الحيدري خلف التفسير الرسمي لحزب البعث وعدم قدرته الخروج منه مما أوقع نفسه في تناقض واضح تجاه استقامة رأيه حول هذا المصدر الذي اعتبره أهم مصادره في تأليف كتابه عن الآشوريين.
هـ – وأخيراً ، قد تجدر الإشارة الى النتائج التي آلت الى الحيدري من وراء كتابه هذا عن الآشوريين. تجاريا، الكتاب منع تسويقه في العراق كما سبق ذكره. أكاديمياً ، لم يؤهله موضوع الكتاب ارتقاء مناصب علمية سوى تدريس مادة “الثقافة القوميــة” في أحدى كليات جامعة بغداد والتي كان الطلاب يسخرون منها ويطلقون عليها “السخافة القومية” لأنها لم تكن أكثر من تطبيل وتزمير لأفكار حزب البعث الحاكم. ولا أدري فيما بعد إذا كانت “حيدريتـه” قد سمحت له في ظل نظام البعث العشائري الاستبدادي ارتقاء مناصب علمية أخرى.
أعترف بأنني أسهبت بعض الشيء في كتاب الحيدري وقصدي من ذلك كان بيان حقائق أخرى عنه طالما أسرف السيد القيسي في اعتماده كمرجع أساسي في دراسته عن القضية الآشورية في العراق. كما قد يأتي إسرافي في التعليق على كتاب الحيدري في هذه المناسبة كرد جزء من الدين المترتب على اعناقي منذ أمد بعيد لكتابة بعض الملاحظات الانتقادية حوله والذي طالما طالبوني بها بعض الأصدقاء والقراء.

ومن الملاحظات الأخرى على المراجع التي اعتمدها السيد القيسي ، هي كون جميعها مصادر معروفة ومنشورة وســبقه الكثير من الكتاب والباحثين اعتمادها وتحليلها ونشرها لذلك لم يأتي أو يذكر مرجع جديد أو بحث أو اعتمد على بعض المراجع القيمة والنزيهة في المسألة الآشورية ولكتاب وباحثين معروفين بالنزاهة والاستقامة العلمية والموضوعية، مثل كتاب الأستاذ عبد الغني الملاح المعنون ” تاريخ الحركة الديموقراطية في العراق ” في طبعته الأولى ، وليس الثانية التي أخضعها حزب البعث الحاكم الى سياسته الشوفينية في منهجه الخاص بـ “إعادة كتابة التاريخ” وحذف منه صفحات مهمة تشير إلى صلة آشوريي اليوم بالأشوريين القدماء. كما هناك كتب ومراجع علمية وموضوعية عالجت وحللت إستبدادية السلطة في العراق تجاه المسألة الآشورية بكل نزاهة وأخص بالذكر هنا كتاب “جمهورية الخوف” للكاتب والأكاديمي العراقي “سمير الخليل” وأسمه الحقيقي كنعان مكية.

يعترف السيد القيسي بأن ما اعتمده من مصادر ليست بالشاملة والوافية حيث يقول بأنه لم يتسنى له الإطلاع على مراجع مهمة وعديدة صدرت حول الموضوع وباللغتين الآشورية والإنكليزية ولغات أخرى رغم ترجمة العديد منها الى العربية. كما تعذر عليه الإطلاع على أهم المراجع قاطبة بهذا الشأن، وأقصد الوثائق البريطانية، وهو عذرُ أقبح من الفعل نفسه، لان جميع هذه المراجع متوفرة ومتاحة ولا نجد إطلاقا العثور عليها والإطلاع عليها مشقة أو صعوبة تذكر، سيما وأن الكثير منها متوفرة في المكتبات وعند بعض الآشوريين أو غيرهم سواء أكانوا أفراد أو مؤسسات. وعلى الرغم من اعتراف الكاتب إهماله لهذه المراجع المهمة وعدم إطلاعه عليها ، فان هذا بحد ذاته يعتبر مسألة غير مقبولة من الناحية العلمية والمنطقية وإلا لما استوجب تأليف ونشر هذا الكتاب طالما أفتقر الى المراجع المهمة والى الأساس العلمي والموضوعي المطلوب في البحث، خاصة عند البحث عن تاريخ شعب من شعوب المنطقة وعن مسألته السياسية والقومية التي شغلت العراق وطغت على سطحه السياسي في النصف الأول من القرن الماضي. لهذا السبب ستنعكس مشكلة المراجع على مضمون محتويات الكتاب، وهذا ما سيتأكد لنا فيما بعد .

المرجع الآشوري اليتيم الذي اعتمده القيسي في كتابه هو مقالتنا المنشورة في جريدة ” الشرق الأوســط” اللندنيــة عدد 5375 في 16/8/1993 والمعنونة بـ “التعامل مع الأقليات في مسار تاريخ العراق السياسي” والتي كتبتها بمناسبة مرور ستين عاماً على مذبحة الآشوريين في سميل. وحتى هذا المرجع البسيط فأنه لم يكن استخدامه موفقاً ومناسباً وإنما يبدو وكأنه حشر حشراً في الكتاب ولم يتسق مع سياق الموضوع. كما وأن اقتباس صفحتين أو أكثر من أي مرجع مسألة غير صحيحة تفقد التوازن العلمي للكتاب، وهي الصفة الطاغية على الكتاب حيث هناك نصوص طويلة من ذكريات رجال الحكم في العراق وبيانات رسمية ومقاطع كتب مقتبسة من المراجع المعتمدة معظمها منشورة في السابق ومعروفة للباحث أو للقارئ في تاريخ العراق السياسي الحديث وبدت كأنها تكرار لما سبق نشره. وإذا كان اعتماد الكاتب على المراجع التي ذكرها ينحصر على اقتباس وقائع تاريخية أو مراسلات رسمية ووثائق وبيانات وأحاديث أو ذكريات لرجال الحكم والسياسة لكان الأمر مقبولاً من الناحية الشكلية، وإن كانت المصداقية العلمية والأمانة التاريخية لأصحاب هذه المراجع مهزوزة أو مفقودة في أحيان كثيرة، إلا إن السيد القيسي تجاوز ذلك كثيراً في اعتماده على هذه المراجع وبلغ به الأمر الى درجة اعتماده اعتماداً كلياً على آراءهم وتفسيراتهم واجتهاداتهم حول الآشوريين وأصلهم ومسألتهم في العراق في بناء تصوراته وأفكاره عنهم، وهي ظاهرة غير علمية وغير سليمة، بل هو أسلوب انتقائي، طالما أقر الكاتب نفسه سلفا موقفه الفكري المعارض من هؤلاء الكتاب. فلا يجوز، كما يقول السيد القيسي، اعتبار عبد الرزاق الحسني فاقداً للحيدة والموضوعية والحس التاريخي والتحليل الصائب أو وصف عبد الرحمن البزاز بالمنساق وراء أوهام العزة والكرامة والمندفع الى تجاهل واقع الحال والقفز فوق الحقائق، كما لا يجوز القول بأن غلبة التفسير التآمري للأحداث على تفكير رياض الحيدري واعتماده التفسير الرسمي لحزب البعث الحاكم في العراق لأحداث التاريخ ومن ثم رجوع القيسي نفسه واعتماد آراء هؤلاء الكتاب واستنساخها في أصل الآشوريين وفي تاريخهم ومسألتهم القومية في العراق واعتبارها مراجع مهمة له في كتابه في الوقت الذي هو نفسه أقر بمواقف هؤلاء المعادية للآشوريين. لهذا السبب لم يستطيع الكاتب الخروج من طوق هذه الآراء طالما كان اعتماده الرئيسي عليها، وهذا ما سيظهر وبكل وضوح في بحث مضمون محتويات الكتاب. وقد يكون من الطرافة أن نذكر عجز السيد القيسي في فهم أصل الآشوريين وقضيتهم من خلال عجزه عن كتابة أسمي عند الإشارة إلى مقالتي أعلاه حيث ذكره عدة مرات بصيغ عديدة ومختلفة.

ثانياً : من حيث المحتوى:
بين اعتماد الكاتب اعتماداً كلياً على المراجع المعادية للآشوريين وإغفاله للمراجع الآشورية والمحايدة أوقع نفسه في تناقض كبير يقوم على الإيجاب والسلب. يتمثل جانب الإيجاب في قدرة الكاتب على تحليل المراجع العراقية والرسمية المعتمدة ومن ثم الوصول الى نتائج موفقة في فهم السلوك السياسي للنخبة الحاكمة تجاه القضية الآشورية. وكان الكاتب منطقيا وموضوعيا في الاجتهادات التي توصل إليها في تفسيره لتعسف وتضليل الحكومة العراقية للمسألة الآشورية وأقترب كثيرا من الحقيقية، لا بل واندمج بها اندماجاً تاماً عندما فهم السياسة العراقية الحقيقية الرامية الى تصعيد الأحداث وتوصيلها الى الحافات الهاوية بهدف ذبح الآشوريين في سميل مسجلاً بذلك بادرة تثلج قلوب الآشوريين المكتويين بنيران الأنظمة الاستبدادية وسياساتها الفاشية تجاه طموحاتهم القومية والوطنية المشروعة، وهي بادرة سيتحسسها القارئ اللبيب ابتداءً من الصفحات الأولى للكتاب، لذلك لا نرى سبباً في الإطناب فيها سوى تأكيد الثناء والتقدير لهذا الموقف الإيجابي.

أما الجانب السلبي لمحتوى الكتاب فيتمثل في إخفاق الكاتب في فهم أصل وتاريخ الآشوريين، لا بل وتجاوز في أحيان كثيرة حدود الإساءة والتجريح لهم ولتاريخهم ولزعامتهم الدينية والقومية، وهي نتيجة منطقية وحتمية توصل إليها الكاتب بسبب اعتماده الكلي على المراجع المعادية للآشوريين وإغفاله المراجع الآشورية والمحايدة وهو الإغفال الذي لا يمكن قبول أعذاره لأنــه يفقد الدراسة موضوعيتها ويحرفها نحو جانب واحد بعد أن تكون قد فقدت أهم جوانبها المتمثل في الحس الآشوري أو رأي الآشوريين في أصلهم وتاريخهم ومضامين مسألتهم القومية في العراق والذي كان يجب أن يشكل الركن أو الأساس الآخر لموضوع الكتاب. فالمنطق يقول لا يمكن دراسة الظواهر من دون معرفتها، لذلك فدراسة السيد القيسي للقضية الآشورية جاءت من خلال معرفته للجانب المعادي لها وليس من خلال صاحب القضية نفسه فبالتالي جاءت كدراسة “عرجاء” لا تستقيم مع المسار الحقيقي للقضية الآشورية كما هي في حقيقتها الموضوعية.

من هذا المنطق نقول لو توفرت للكاتب المراجع الآشورية والمحايدة واطلع عليها لوجد بأن آشوريي اليوم يرتبطون بآشوريي الأمس بجملة صلات وروابط حضارية ولغوية وتراثيـة لا يزال يمارسونها منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا وليسوا مجرد “مجموعة قبائل مسيحية الدين ونسطورية المذهب” كما يدعي الكاتب مقلداً بذلك معظم مفكري ومؤرخي تاريخ العراق الحديث، وهو الادعاء نفسه الذي كان يتبناه حزب البعث الحاكم في العراق في تعامله مع الآشوريين. فمن الظلم والجور والتجاوز على الحقيقية الموضوعية عندما يتم تحجيم تاريخ الآشوريين بتاريخ طائفة واحدة من طوائفـه الدينية المتعددة، فمثله كمثل من يُعرف العرب بطائفة السنة أو الكرد بالطريقة النقشبندية … وهكذا. فمن المعروف بأن الآشوريين، كغيرهم من الشعوب والأقوام، ينتمون الى طوائف دينية مختلفة والى وحدات عشائرية اجتماعية متعددة. فلو أتيحت للكاتب فرصة الإطلاع على بعض المصادر الآشورية التي أرخت نشؤ الحركة القومية الآشورية، لعرف بأن معظم زعماء هذه الحركة ومفكريها كانوا من طوائف غير الطائفة النسطورية كالطائفة السريانية الأرثوذكسية والطائفة الكلدانية الكاثوليكية. فجميع هؤلاء الزعماء والمفكرين ناضلوا وكتبوا عن الحركة القومية الآشورية وأسسوا منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين مؤسسات قومية لا زال البعض منها قائماً حتى الوقت الحاضر. واليوم ، وبنفس الوعي والإدراك يناضل الكثير من الآشوريين ومن مختلف طوائفهم ويقدمون الشهداء من أجل مواصلة هذه الحركة نحو تحقيق أهدافها القومية والوطنية النبيلة. لو اطلع الكاتب على مرجع آشوري أو محايد يتناول الفترة الحرجة التي خلدت اسم الشهيد مار بنيامين شمعون بطريريك كنيسة المشرق قبل وأثناء الحرب الكونية الأولى لأنصدم من الفرق الشاسع من أن يكون هذا المغدور “رجلاً ضعيف الرأي والإرادة واهن العزم” كما يدعي الكاتب، وبين أن يكون مار بنيامين الشهيد بطلاً من أبطال التاريخ الآشوري قاد شعبه في أصعب وأحلك الظروف وضحى بأخيه وبنفسه من أجل كرامة وعزة شعبه. وقصة هذا البطل الخالد، الذي يعتبر رمزاً قومياً ودينياً عند الآشوريين، ملحمة بطولية نادرة ليس في تاريخ الآشوريين فحسب بل في تاريخ شعوب المنطقة أيضا، يصعب، لا بل يستحيل فهمها، على من لم يطلع على كتاب آشوري أو محايد واحد يتناول تلك المرحلة.

أما المسائل المثار في الكتاب مثل هجرة الآشوريين الى العراق وانضمامهم الى قوات الليفي ودورهم في ضرب الحركة الوطنية وغيرها من المسائل المكررة أيضا من قبل معظم مؤرخي تاريخ العراق الحديث ومفكري النخبات الحاكمة في العراق والتي تنم عن حقد وكراهية تجاه الآشوريين، فأنني كامل اليقين بأنه لو تسنى للكاتب الإطلاع على جزء يسير من الوثائق البريطانية الضخمة التي تناولت هذه المسائل بشكل مفصل ودقيق لكان قد توصل الى قناعات أخرى تخالف مخالفة كبيرة لتلك التي توصل إليها وكان قد أكتشف بأن الآشوريين لم يهاجروا من تركيا الى العراق بل أن القسم الأعظم منهم كان يعيش ولا يزال في المناطق التي أصبحت عراقية بعد رسم الحدود بين العراق وتركيا. وحتى الآشوريون (النساطرة) الذين نزحوا من منطقة هيكاري التي اصبحت ضمن أراضي تركيا بعد رسم الحدود، فانهم لم ينزحوا من تركيا الى دولة العراق التي لم تكن قائمة في تلك الفترة بل أنهم انتقلوا، أو بالأحرى هُجــروا بسبب الحرب، من منطقة الى منطقة أخرى ضمن بلاد كانت تعرف بـ “بلاد ما بين النهريــن”، موطنهم الأصلي، والذي كان خاضعاً للدولة العثمانية قبل تأسيس كيان العراق ثم أصبحوا ضحية للمناورات السياسية الخبيثة وثمناً رخيصاً لتسويات الحدود الغادرة التي تمت بين بريطانيا وتركيا لصالح ضمان حدود كيان العراق الفتي، نتيجة ذلك تحولوا الى ” أقلية وافدة ” حسب المفهوم العراقي السائد عن الآشوريين، وهو المفهوم الذي لو تم تطبيقه على بقية العراقيين لوجدنا بأن ملك العراق المغفور له فيصل الأول وأبناءه وأهله أقل عراقية من الآشوريين الهيكاريين، وأن قسم كبير من عشائر سكان العراق الجنوبي والشمالي كان قد نزح الى العراق واستقر فيه بعد تأسيس كيانه السياسي، فهل يقبلون هؤلاء أن ننعتهم بشعب وافد الى العراق ؟؟ .

أما مسألة قوات الليفـي ” المرتزقة ” هي الأخرى مسألة عويصة ومعقدة يفتح التطرق إليها صفحات سلبية ومؤلمة في تاريخ العراق الحديث لا يملك الكثير من المؤرخين العراقيين الشجاعة الأدبية الكافية لمناقشتها مناقشة موضوعية كما هي موثقة ذلك لأنها ستكشف بكل وضوح بأن قوات الليفي العربية والكردية هي التي ساهمت في ضرب ثورة العشرين في العراق وفي قمع تمرد شــيوخ العشائر وأن الآشوريين في تلك الفترة كانوا منهكين مشردين في مخيم بعقوبــة للاجئين لا حولة لهم ولا قوة وأنهم لم ينضموا رسمياً الى هذه القوات إلا بعد تأسيس دولة العراق والجيش العراقي وتسريح قوات الليفي العربية والكردية وانضمامهم الى الجيش الجديد حيث أن الإنكليز، لا بل حتى الحكومة العراقية، كانوا بحاجة شديدة الى قوات متمرسة في حروب الجبال لضمان حدود العراق الشمالية من أطماع تركيا في ولاية الموصل لأن جيش العراق الناشئ لم يكن يملك خبرة قتالية في الجبال العاصية فاستطاع الإنكليز استغلال الآشوريين في تثبيت كيان العراق السياسي واستقرار حدوده على حساب تعاظم مأساتهم ومعاناتهم في العراق. هذه المسائل التي يطول الحديث عنها مفصلة تفصيلاً أكثر إقناعاً في بعض المقالات والبحوث التي نشرتها في بعض الجرائد والمجلات وفي كتابي الأخير المعنون “الآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر ” الذي أصدره اتحاد الأندية الآشورية في السويد وقد قمت بأهداء السيد القيسي نسخة منه.

لقد حاولت جلّ جهدي أن اكتفــي بهذا القدر من الملاحظات عن هذا الكتاب ، إلا أن كثرة المخالطات الواردة فيه ولدت لدي حوافز للاستمرار في إبداء ملاحظات أخرى مهمة على المسألة الآشورية. ومن هذه المخالطات التي وقع فيها السيد القيسي في كتابه، موقف الإنكليز المساند لاغا بطرس ولمشروعه السياسي في إقامة كيان آشوري شامل لجميع الطوائف الآشورية في شمال بيت نهرين. فالعكس هو الصحيح، فالإنكليز كانوا يمقتون اغا بطرس مقتاً شديداً ولأسباب مختلفة منها طائفية، لأنه كان كاثوليكياً، ومنها ثقافية ، لأنه كان فرنسي الثقافة والتوجه، ومنها سياسية، لأنه كان عارفاً بحيل وألاعيب الإنكليز تجاه الآشوريين من جهة، وملما بفنون لعبة المساومات السياسية بين الدول العظمى حينذاك خاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا من جهة أخرى، وهذا كان يزعج الإنكليز ويزيد قلقهم تجاه ذكاءه وفطنته وتجاه طموحاته القومية. صحيح أن الإنكليز أظهروا في البداية تأييدهم لمشروع اغا بطرس لا لشيء إلا بهدف استغلاله لضرب الحركة الكردية وضمان حدود العراق الشمالية من أطماع تركيا غير أنه بعد قرار مؤتمر القاهرة لعام 1921 والقاضي بتأسيس دولة عربية في العراق ونصب الأمير فيصل بن الشريف حسين على عرشها أنقلب الإنكليز على اغا بطرس لأن مشروعه كان يتناقض مع قرار مؤتمر القاهرة لذلك حاربوه وأفشلوا مشروعه. وإزاء إصرار اغا بطرس على النضال لتحقيق مشروعه دبر الإنكليز قراراً لنفيــه من العراق الى فرنسا، فلم يهرب كما يدعي السيد القيسي في كتابه، وعندما تصاعدت وثائــر الحركة الآشورية في العراق وازدادت حالة التوتر مع الحكومة العراقية ومستشاريها الإنكليز حاول اغا بطرس العودة الى العراق إلا إن القنصلية البريطانية في مدينة بوردو الفرنسية رفضت ذلك ومنعته رغم إصراره على ضرورة العودة إلى العراق والالتحاق بالحركة الآشورية. غير أنه بعد أيام وُجــد ميتاً في أحد شــوارع مدينة تولوز الفرنسية وفي ظروف غامضة ومثيرة للتساؤل وجهت أصابع الاتهــام في حينها إلى الإنكليز وأعوانهم لتقول بأنهم دبروا أمر تسميمه وقتله. هكذا نحن الآشوريون نفهم اغا بطرس كرمز من رموز النضال القومي وبطلاً من أبطال التاريخ الآشوري ومن لا يفهم رموز الآشوريين وأبطالهم لا يمكن إطلاقاً أن يفهم قضيتهم ويدرس تاريخهم بموضوعية نزيهة.

أما بالنسبة لمواضيع مشروع إسكان الآشوريين والتفاصيل المعلقة بالحركة الآشورية وزعماؤهم ومن ثم رفضهم لمشروع الإسكان ، فهي مسائل تتطلب صفحات طويلة لإبداء الملاحظات عليها، إلا أننا نؤكــد بأن ما أورده الكاتب فيه الكثير من المخالطات والتي رددها غيره من المؤرخين العراقيين. ولعل أهم المهمات في هذه الملاحظات الذي أود بيانه هو السبب الذي دفع بزعماء الآشوريين رفض مشروع الإسكان. فمن الحقائق الموثقة في أرشيف عصبة الأمم في جنيف بهذا الشأن والتي تبيــن بأن توصية مجلس العصبة في جلسته الرابع عشرة في 15/10/1932 كانت تقضي بإسكان الآشوريين في وحده اجتماعية متجانسة كأساس للحفاظ على تراثهم وتقاليدهم، غير أن اللجنة الثلاثية التي شكلتها عصبة الأمم بخصوص مشروع الإسكان، وبتأثير من الإنكليز، تبنت قراراً مخالفاً لذلك يقضي بإسكان الآشوريين النازحين من هيكاري في مجموعات أو أقسام مختلفة وبعيدة عن مناطق أخوتهم الآشوريين العراقيين بحجة عدم توفر الأراضي الكافية لهم، مما سبب ذلك امتعاض قادة الآشوريين ورفض هذه الصيغة لقرار توزيعهم على أراضٍ متباعدة والتي تبينت في ما بعد بأنها أراضٍ جدباء ومبؤة بالأمراض المعدية فكان هذا السـبب الرئيسي الذي دفع بزعماء الآشوريين الى رفض مشروع الإسكان بصيغته العراقية – الإنكليزية وليس السبب الذي أورده القيسي في “طبع الآشوريين المشاكس وافتقاد زعمائهم الحس التاريخي في تفسير الأحداث وتغليب التطرف والعناد على العقل والاعتدال”. لا بل على العكس من هذا تماماً، فزعماء الآشوريين كانوا يملكون الحس التاريخي والمنطقي في تفسير الأحداث خاصة في تفسير سلوك النخبة الحاكمة ونوايا الإنكليز في التخلص من الآشوريين وفي قمعهم و “تأديبهم” خاصة بعد إستنفاذ حاجتهم الى خدماتهم العسكرية. فلو تسنى للسيد القيسي أن يطلع على الكتب التي كتبها هؤلاء الزعماء أمثال مار شمعون إيشاي وماليك ياقو ماليك اسماعيل والمفكر يوسف ماليك التلكيفي لأدرك بأن نظرتهم لمجريات الأمور كانت صحيحة وأن مخاوفهم كانت مشــروعة، تلك المخاوف الناشئة من ترك الإنكليز سلطة البلاد بيد نخبة سياسية متعطشة للسلطة همها الوحيد مواصلة تلك السياسة الاستبدادية التي بدأتها عندما كانت في خدمة الجيش العثماني، تلك المخاوف التي كانت تؤكد بأن الكارثة لا محال واقعة بالشعب الآشوري، سواء أكانت الكارثة على الفريق المؤيد للحكومة العراقية ومشروعها الإسكاني أم كانت على الفريق الرافض، والتي تحققت فعلاً عندما أزهقت أرواح أكثر من ثلاثة آلاف آشــوري في سـميل عام 1933 من دون أي تمييـز بين هذا الفريق أو ذاك. وهنا يجب أن نسجل تقديرنا وتثميننا العظيمين للسيد القيسي في تأكيده لهذا العدد من الضحايا أثناء مذبحة سميل لأنه كان شاهد عيان في تلك الفترة وفي الوقت الذي تشير الوثائق الرسمية العراقية إلى ثلاثمائة ضحية فقط ووثائق أخرى تشير إلى أقل من هذا العدد. ومن المشاهد المأساوية لهذا الحادث ذكر لي السيد القيسي شخصياً في أحدى لقاءاتنا وكشاهد عيان بأنه أحضر بعض الجنود العراقيين شخصين أشوريين كانا يعملان في مهنة الفلاحة في الموصل إلى حجي رمضان مساعد بكر صدقي وقيل له بأنهما جاسوسان للإنكليز فما كان من حجي رمضان إلا أن سحب مسدسه وأطلق النار عليهما فقتلهما في الوقت الذي كان يقف خلفه أثنان من المستشاريين الإنكليز اللذان كانا يعملان في خدمة الحكومة العراقية في الموصل.

وقصة المنكوب كوريال يونان ، الذي خدم الحكومة العراقية فترة طويلة وكان من أشد أنصارها وأكثرهم حماساً لمشروعها الإسكاني، قصة مأساوية معروفة تدمــى لها القلوب حيث وجد مذبوحاً في داره مع ابنه الوحيد وليم والجنسية العراقية معلقة في رقبته وملطخة بدماءه الزكية وعلم العراق يرفرف فوق سطح داره لبيان مدى وطنيته كما ذبح معه مجموعة تزيد عن الثمانين شخصاً من الآشوريين المؤيدين للحكومة بين نساء وأطفال ورجال دين لجأوا الى داره طلباً للحماية. هذه القصة هي نموذج من نماذج كثيرة كان زعماء الآشوريين يتخوفون منها قبل وقوعها، غير أن النخبة السياسية الحاكمة ومفكريها عجزوا عن فهمهما وتقديرها.

وأخيراً ، بقى أن نقول بأن الأستاذ القيسي اجتهد في كتابه وأظهر في جوانب منه موقفه الشجاع غير أنه أيضا أخطأً في اجتهاده في فهم تاريخ الآشوريين وقضيتهم القومية. فهذه الحقيقة النبيلة التي أقرها الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب هي التي منحتني أجر الاجتهاد الصادق في ملاحظاتي هذه. وضمن هذا الاجتهاد اختم الحديث بالقول بأن الكاتب وفق كثيراً في أن يكون وكيل الاتهام للحكومة العراقية والجيش العراقي بخصوص دورهما في تصعيد الأحداث وارتكاب مذبحة ســميل بحق الآشوريين الأبرياء، ولكن مع الأسف الشديد فشل في أن يكون محامي الدفاع عن القضية الآشورية، كما حاول البعض وصفه، ومرد فشله يعود الى عدم إطلاعه على أوراق القضية وعدم سماعه لأقوال أصحاب القضية والاكتفاء في دفاعه عن الآشوريين على أوراق الخصم وأقواله وأفكاره، وهو منطق غير مقبول إطلاقاً لأننا متأكدين تأكيداً قاطعاً بأنه لا يتم من خلاله إحقاق الحق الآشوري الذي غبن كثيراً وان تتحقق العدالة وسيادة القانون وإشاعة الحرية والديمقراطية والتي ننشدها جميعاً لوطننا الحبيب وهي الأهداف التي كرس الأستاذ عبد المجيد القيسي حياته من أجلها وما هذا الكتاب إلا تأكيداً على ذلك… رحمه الله فذاكرته ستبقى مع بقاء هذا الكتاب القيم.

طراىف وحكم جميله

كاتب الموضوع الأصلي: احمد الاحمري 336

اللهم صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين

قال الامام علي (ع): ان القلوب تمل كما تمل الأبدان00

فاهدوا اليها طرائف الحكمة

—————————————————

بهلول يجلس بالمقابر
————————–
قال أحد العرفاء : خرجت يوما الى المقابر -فرأيت البهلول-

فقلت له : ما تصنع ؟

قال : أجالس قوما لا يؤذوني-

وان غفلت عن الآخرة يذكروني-

وان غبت لم يغتابوني0

أرسل عثمان بن عفان مع عبد له كيسا من الدراهم

الى أبي ذر (ره) وقال له :

ان قبل أخذ الدراهم فأنت حر –

فأتى الغلام بالكيس الى أبي ذر – وألح عليه في

قبوله- فلم يقبل-

فقال له : أقبله ! ففيه عتقي –

فقال أبي ذر ( ره ) : وفيه رقي 0

قالت الأم لطفلها : أي التفاحتين تريد ؟

الطفل : الكبيرة –

الأم : لماذا لا تكون مهذبا وتختار الصغيرة ؟

قال الطفل : هل تريدينني أن أكذب لأكون مهذبا ؟!

إمراة الفيلسوف

سئل احد الفلاسفة: كيف تختار امرأتك.
فأجاب: لا أريدها جميلة .. فيطمع فيها غيري ..
ولا قبيحة .. فتشمئز منها نفسي ..
ولا طويلة .. فأرفع لها هامتي ..
ولا قصيرة .. فأطأطئ لها رأسي ..
ولا سمينة .. فتسد علي منافذ النسيم ..
ولا هزيلة .. فاحسبها خيالي ..
ولا بيضاء .. مثل الشمع ..
ولا سوداء .. مثل الشبح ..
ولا جاهلة .. فلا تفهمني ..
ولا متعلمة .. فتجادلني ..
ولا غنية .. فتقول هذا مالي ..
ولا فقيرة .. فيشقى من بعدها ولدي ..

لعد هذا شيريد

رأي في النساء

سئل دون جوان : من هي أجمل النساء في نظرك ؟؟
قال: حبيبتي
فقيل له: ومن غيرها ؟
قال: زوجة جاري..
فقيل له : ثم من ؟؟
قال: خادمتي ..
فقيل له: ثم من ؟؟
قال: زوجتي ..

الله الله .اكيد اكوناس فرحت
شأخبار الدجلاويين
همزين بالنهايه تذكر زوجته

امرأتان

تزوج رجل بأمراتين .. أحداهما اسمها ( حانة ) والثانية اسمها ( مانة )، وكانت (حانة) صغيرة في السن عمرها لا يتجاوز العشرين .. بخلاف ( مانة ) التي كان يزيد عمرها على الخمسين، والشيب لعب برأسها ..
فكان كلما دخل إلى حجرة ( حانة ) تنظر إلى لحيته وتنزع منها كل شعرة بيضاء .. وتقول: يصعب علي عندما أرى الشعر الشائب يلعب بهذه اللحية الجميلة، وأنت ما زلت شاباً ..
فيذهب الرجل إلى حجرة ( مانة ) فتمسك لحيته هي الأخرى ، وتنزع منها الشعر الأسود وهي تقول له : يكدرني أن أرى شعراً اسود بلحيتك , وأنت رجل كبير السن جليل القدر ..
ودام حال الرجل على هذا المنوال .. إلى أن نظر في المرآة يوماً فرأى بها – لحيته – نقصاً عظيماً .. فمسكها بعنف وقال :
( بين حانة ومانة ضاعت لحاناً ).
ومن وقتها … صار مثلاً.

كان ياما كان

قالت الزوجة المريضة لزوجها: إذا أنا مت فأكتب على قبري هذه الجملة: ( في السماء راحة وسلام ).
فقال لها زوجها: بل سأكتب ( كان في السماء راحة وسلام ).

وصية امرأة

عندما أحست إحدى الزوجات بدنو أجلها .. قالت لزوجها: يا زوجي الحبيب .. لقد أخلصت لي طوال حياتك .. ولم تفكر يوماً في خيانتي .. لذلك أوصيت لك بكل ثروتي.. ولكن أريد منك وعداً بأنك إذا تزوجت بعد وفاتي .. فلا تسمح لزوجتك أن ترتدي ملابسي ..
فقال لها زوجها: كوني مطمئنة أيتها الحبيبة .. فملابسك ليست على مقاسها ..
شكد عيييييييييييييييب.لعد زوجته شكد رشيقة

حكاية المرأة .. والفرسان الثلاثة

قال أحدهم لصديقه: تصور .. زوجتي كانت تقرأ قصة ( الفرسان الثلاثة ) .. فأنجبت ثلاثة توائم ..
فصرخ صديقه وقال: يا ساتر .. لقد تركت زوجتي وهي تقرأ قصة ( علي بابا والأربعين حرامي ) …

المرأة .. وردها لإهانتها

كانت إمرأة تسوق أربعة حمير .. وإذا بشابين سائرين بجانبها .. فقالا لها : نهارك سعيد يا أم الحمير ..
فأجابتهما على الفور : نهاركم مبارك يا أولادي ..

أمرأة ليس لها أسنان

قال أحدهم لأمه مازحاً، عندما جاءها بطبق من المهلبية:
هل تتزوجين يا أماه .. أو تأكلين هذه المهلبية ؟
فقالت له: يا بني الله يرضى عليك .. وهل لي أسنان للمهلبية ؟

ههههههههه

ثمار الفيلسوف

حُكي عن فيلسوف أنه رأى إمرأة شنقت نفسها على شجرة ..
فقال: ياليت كل الأشجار تحمل مثل هذه الثمار ..

وفي النساء قال سقراط :

لأحد تلاميذه: تزوج يابني .. فإنك إن رزقت بإمرأة صالحة .. أصبحت أسعد مخلوق على وجه الأرض .. وإذا كانت شريرة .. صرت فيلسوفا ً ..

أسباب ضعف الدول النامية خاصة العريية والإسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: احمد الاحمري 336

أسباب ضعف الدول النامية خاصة العريية والإسلامية

عمان: «الشرق الأوسط»
شكلت ظاهرة الدولة بمفهومها السياسي والقانوني منذ قرون موضوع اهتمام الباحثين، لكن معظم الدراسات حاولت حصر الأسس السياسية لقوة الدولة ولم تحظ الأسس القانونية لهذه القوة بنفس المقدار.
وقد اختار الدكتور محمد بن عيد حمود العتيبي موضوع الأسس القانونية لقوة الدولة في دراسة نشرها مؤخراً تناول فيها ماهية هذه الأسس على ضوء مبادئ القوانين الوضعية بمذاهبها المختلفة من جهة، ثم على ضوء الشريعة الإسلامية من جهة أخرى.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب إنه حرص على تضمين بحثه أهم ما يقوي الدولة من الناحية الإدارية والقانونية والدستورية وحتى الأخلاقية نظراً لاستناد القانون الى الأخلاق.

وقد حدد لذلك الفرضيات التالية كأسس انطلاق للبحث وهي:

أ ـ الفرضية الأولى: أن التأمل في القوانين الوضعية قد بيّن مدى ارتباطها بالتطور التاريخي مما أعطاه صفة النسبية، الأمر الذي لم يسمح بتحقيق استقرار الدول وهو شرط أساسي لتحقيق قوتها.

ب ـ الفرضية الثانية: أن التناقض الذي ساد هذه القواعد أينما وجدت (التصور الغربي الرأسمالي، والتصور الشيوعي، وبينهما التصور الاشتراكي) قد جعل من هذه القوانين الوضعية مصدر نزاع وصراع (حتى داخل الدولة الواحدة)، وهو وضع يؤدي الى إضعاف قوة الدولة.

ج ـ الفرضية الثالثة: أن القوانين الوضعية جعلت بعض القيم الإنسانية والأخلاقية تتناقض في ما بينها وهذا حدث نتيجة تركيز المذهب الشيوعي وحتى الاشتراكي على قيمة المساواة على حساب الحريات والعكس في المذهب الراسمالي.

د ـ الفرضية الرابعة: أن الشريعة الإسلامية بإدارتها شؤون الدولة، وتحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وتركيزها على العدل كقيمة رئيسية، تجعل من العلاقة بين الحريات والمساواة علاقة توفيقية تساعد على انسجام المجتمع (الشعب السياسي والشعب الاجتماعي) وبالتالي تعمل على تعزيز قوة الدولة.

وللتأكد من هذه الفرضيات لجأ الباحث الى منهجين نظراً لطبيعة الدراسة وتشابك مواضيعها وهما المنهج التاريخي والنهج المقارن، حيث يهدف المنهج الأول الى تتبع تطور القوانين الوضعية عبر التاريخ وبذلك يساعد على تحديد الثابت والمتغير. أما المنهج الثاني فقد سمح للباحث بتحديد ما يميز مذهباً عن مذهب آخر في ما يخص القوانين الوضعية وآخر ما يميز الشريعة الإسلامية عن كليهما.

وتبرز الأهمية العلمية للبحث في طبيعة الموضوع ذاته والمتمثل في دراسة الدولة وقوتها في إطار القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية، وهذا أثار جدلاً فكرياً واسعاً حول مساهمة هذه القوانين في حل المشكلات التي تواجهها الدولة الحديثة، كما أن اهمية هذا البحث تظهر أيضاً في الحاجة العلمية إليه نظراً لندرة الدراسات حوله.

وتبدو أهمية البحث العملية في أنه يعالج أسباب ضعف الدول النامية خاصة العربية والإسلامية منها والتي لم تستطع التوفيق بين الأصالة (التراث الديني) وبين العصرنة، أي التنظيم المؤسساتي، إذ يرى الباحث ان الدول التي تتميز بتراث ديني ومنها قسم كبير من الدول العربية والإسلامية فشلت في تحقيق مهامها، فلا هي دول دنيوية ناجحة ولا هي دول دينية موفقة.

وهو يتساءل عن أسباب هذا الوضع وارتباطها بطريقة تنظيم هذه الدول لشؤونها والعلاقات بين أفرادها حكاماً ومحكومين كما يعرض بشكل مفصل لأشكال الحكم في العالم، مقارناً بين النظام الديمقراطي والشورى حيث يرى أن النظام الديمقراطي شبه المباشر أقرب الأنظمة الى تحقيق الديمقراطية السليمة بالمفهوم الغربي وخاصة بعد ازدياد السكان في أغلب الدول، اذ يقلل من سيطرة الأحزاب على الناخبين، ويحول دون استبداد المجالس النيابية وتحقيق الانسجام بين البرلمان والشعب، ويعتبره أقرب أنظمة الحكم الى الشورى في الشريعة الإسلامية.

ويشرح المؤلف معنى الديمقراطية شبه المباشرة بأنها قيام الشعب بممارسة السلطة عن طريق وسيط، أي يقوم بانتخاب برلمان لينوب عنه في تعزيز القوانين وممارسة السلطة، ولكن لا يترك له جميع مقاليد الأمور في الدولة، بل يحتفظ الشعب لنفسه بحق المشاركة في بعض المسائل المهمة وخاصة التشريعية، ولهذا النوع من الديمقراطية مظاهر متعددة منها الاقتراع الشعبي حيث يتم اعداد مشروع القانون بمساهمة الشعب ليقدم للبرلمان للمناقشة وتشترط بعض الدساتير ان يوقع على هذا المشروع عدد كبير من أفراد الشعب، ويتم كذلك وبنفس الطريقة الاعتراض الشعبي على القوانين ، إضافة الى إجراء الاستفتاء الشعبي الذي نصت عليه العديد من الدساتير الحديثة، ومنح الناخبين حق إقالة ممثليهم في البرلمان وحتى حل البرلمان، بل حق عزل رئيس الجمهورية كما هو متبع في النمسا.

وبعد مقارنتة للأنظمة الديمقراطية المباشرة منها والنيابية والأنظمة الرئاسية وغيرها يخلص الى نتائج تبين الفروق بين هذه الأنظمة وسلبياتها وإيجابياتها، موضحاً بعد إيراد أمثلة واقعية وتاريخية على أن نظام الحكم في الإسلام يتضمن كافة الإيجابيات في القوانين والأنظمة الوضعية متجنباً السلبيات ، ولكن العبرة في التطبيق الدقيق والأمين لهذا النظام الذي يميزه الحرص على العدالة والمساواة والشورى والتوزيع العادل للثروات.

الأسس القانونية لقوة الدولة المؤلف: محمد بن عيد العتيبي اصدار خاص

الدبلوماسية الوقائية

كاتب الموضوع الأصلي: حمود السمير32

الدبلوماسية الوقائية :
تركز الدبلوماسية الوقائية أساساً على تحديد النزاعات الناشئة والرد عليها بغية تجنب وقوع أعمال عنف. فوفقاً للمدافعين عن هذه الدبلوماسية الوقائية، يسهل حل النزاعات قبل أن تصل إلى مرحلة العنف. فمتى انفجر نزاع عنيف، يصعب للغاية وضع حد له. وهكذا، تُزهق الأرواح، وتتولد موجات جديدة من الكراهية، وتقع الأضرار الجسيمة. ومن جهة أخرى، يقول بعض العلماء إن النزاع قد لا ينضج حلاً إلا بعد الوصول إلى «حائط مسدود » يصبح الوضع معه لا يطاق بالنسبة إلى الفريقين إضافة إلى تكاليفه الباهظة. ومع بلوغ الحائط المسدود، يكون كل من الفريقين قد تكبد خسائر فادحة فيسعى يائساً إلى تسوية. عندئذ، تبدو الحلول التي كانت غير مقبولة سابقاً مستساغة مقابل الألم الذي يعانيه الفريقان، أو من المتوقع أن يعانيه كل منهما في المستقبل. وعادة ما يمر وقت طويل، سنوات في أكثر الأحيان، قبل أن يصل النزاع الشديد إلى حائط مسدود. وفي هذه الأثناء، يتكبد الفريقان خسائر جمة.
تمنح الدبلوماسية الوقائية فرصة تجنب الكثير من الألم والضرر الناجمين عن نزاع عنيف وعن حالة «الحائط المسدود » التي غالباً ما تتبع أعمال العنف. وقد يبدو تدخل فريق ثالث )مثل الدول أو المنظمات الدولية( جد فاعل في وقت مبكر. فقبل أن يستحيل النزاع عنفاً، تكون المسائل العالقة أقل حجماً وتعقيداً، ولا تكون تعبئة الفريقين وانحيازهما وتسليحهما في حالتها القصوى. وبما أن الدماء لم تهرق بعد، لا تتصاعد حدة الشعور بالغبن، والرغبة في الانتقام. ولم يبدأ الفريقان بعد تجريح واحدهما الآخر ووضعه في أنماط مقولبة؛ ولا يزال القادة المعتدلون ممسكين بزمام الميول المتطرفة. ولا يندفع الفريقان بدرجة كبيرة لتحقيق الانتصار ذلك أن الحل الوسط لن يكلف خسارة ماء الوجه.
ولكن قد تنشأ صعوبة عند تطبيق الدبلوماسية الوقائية، وهي أنه غالباً ما تتوافر نافذة ضيقة للغاية يمكن من خلالها أن يتجنب الفريقان وقوع أعمال عنف. وفي المراحل الأولى من النزاع، يصعب تمييز مدى خطورة الوضع فلا ينشأ أي حافز للتدخل. إضافة إلى ذلك، قد يولد التدخل قبل أوانه حالة نزاع حقيقية وحتى متأزمة في أذهان الفريقين المتنازعين، كما ومن الممكن أن يساهم أي تدخل مبكر لا يأخذ في الحسبان الظروف المحلية، وحاجات الفريقين ومصالحهما وطبيعة النزاع في توسيع الهوة بين الفريقين بدلاً من تضييقها. على سبيل
المثال، إذا بدا أن جهات خارجية ومنظمات دولية تشرع المطالبات الوطنية الداعية إلى الحق في__
206
تقرير المصير في بداية النزاع، فقد تشرع أيضاً الحملات المتطرفة وتقوض السلطة السياسية القائمة. ولكن في الوقت نفسه، إذا انتظرت الجهات الخارجية وقتاً أكثر من اللازم، يمكن أن يتم تخطي الخط الأحمر نحو أعمال العنف قبل اللجوء إلى الدبلوماسية الوقائية. وما إن يتم تخطي هذا الخط حتى تتوانى مساعي حل النزاع على نحو خطير، إن لم نقل إنها تضيع. لذلك يعتبر التوقيت المناسب للجوء إلى الدبلوماسية الوقائية عنصراً أساسياً وفرصة يمكن تفويتها في عملية حل النزاعات.
وتتطلب الدبلوماسية الوقائية أولاً التيقظ إلى «الإنذار المبكر » لكشف الظروف التي قد تؤدي إلى وقوع نزاع عنيف. وقد تمثل المظاهرات وأعمال الشغب مؤشرات على هذا الإنذار المبكر كما تكون الحال مع أعمال القمع التي تقوم بها الحكومات لامتصاص التمرد. وقد تهدد الأطراف المتنازعة نفسها السلام الذي شهدته أو عرفته. وتظهر هذه الإنذارات عادة في خضم النزاعات بين الدول أو في داخلها. ومن بين الإنذارات الأهم لنزاع ناشئ، نداءات تحررية وحدوية تحث على الانفصال والاتحاد بدولة أخرى، وكذلك التهديدات بتوسيع نطاق نزاع
دائر ليشمل دول مجاورة، وأعمال التمرد العشوائية التي يقوم بها أفراد تابعون لمجموعات وأقليات راديكالية ضد مؤسسات الدولة أو ممثليها بالإضافة إلى إشارات تدخل خارجي محتمل وغير مشروع في النزاعات الداخلية الدائرة.
لا يكفي الإنذار المبكر وحده للقيام بالرد المناسب. فالقدرة على التمييز بين إنذار بنزاع حقيقي وإنذار خاطئ شرط أساسي. هذا يعني أن مشكلة الدبلوماسية الوقائية ليست في عدم القدرة على تحديد الإشارات المحتملة لوقوع نزاع بل في فهم مثل هذه الظروف بشكل كاف يسمح بتوقع احتمال انفجار أي منها وتحولها إلى نزاع، إضافة إلى توقع موعد انفجارها.
ومهما كانت نية كل من الدول والمنظمات المتعددة الأطراف حسنة، فإنها قد تثير سخط الجماهير من خلال إطلاق إنذارات مبالغ فيها عن احتمال وقوع أعمال عنف ليست موجودة أصلاً، كما يمكنها أن تستبعد أطرافاً إذا حاولت التدخل في وضع لا يبدو أنه يبرر التدخل الخارجي المبكر. وقد تضعف إرادتها وتستنفد مواردها المحدودة من جراء تدخلها في نزاعات عدة لا يمكنها تولي أمرها في آن معاً.
207
وما أن يتم الاعتراف بأزمة ناشئة، تقع المشكلة التالية التي غالباً ما تكون أصعب وهي إقناع الأطراف المتنازعة بدخول مفاوضات مباشرة في ما بينها أو السماح لجهة أجنبية بالتدخل. وقد لا يسهل بالضرورة الإنذار المبكر الرد السريع. فقد تأخذ الدبلوماسية الوقائية أشكالاً عدة مثل الاعتراضات الدبلوماسية الشفهية، والتنديد، وفرض العقوبات والإشراف على تنفيذ الاتفاقيات بشكل فاعل والتحقق منها، وحفظ السلام، والقيام بالمساعي الحميدة، وأشكال أخرى من الوساطة يجريها فريق ثالث. انظر أيضاً: الأزمة؛ الأمم المتحدة؛ بناء السلام؛ الحروب من النوع الثالث؛ حفظ السلام؛ الدبلوماسية؛ منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
وفي غضون سنوات قليلة، أصبحت أعداد عمليات حفظ السلام التي قامت بها الأمم المتحدة عشرين ضعف ما كانت عليه، وصارت ميزانية حفظ السلام الدولية أربعة أضعاف ما كانت عليه، لبتلغ 4 مليارات دولار أمريكي، كما إن أعداد قوات حفظ السلام التي نشرت حول العالم طالت أرقاماً عالية جداً لتبلغ حوالى 80 ألف جندي. وفي عام 1993 ، صار ينظر إلى آلاف الجنود من أصحاب القبعات الزرقاء على أنهم أدوات خلاص في مناطق كالكويت والصومال والبوسنة ومنطقة البحيرات الكبرى في أفريقيا الوسطى. كان هؤلاء الجنود هم التعبير الواضح عن رغبة إدارة كلينتون الشديدة بتطبيق سياسة تعدد الأطراف التوكيدية، كما سمّتها مادلين ألبرايت سفيرة الولايات المتحدة آنذاك في المنظمة العالمية.

الفاروق عمر بن الخطاب

كاتب الموضوع الأصلي: احمد الاحمري 336

أبو حفص عمر بن الخطاب العدوي القرشي، المُلقب بالفاروق، هو ثاني الخلفاء الراشدين ومن كبار أصحاب الرسول محمد، وأحد أشهر الأشخاص والقادة في التاريخ الإسلامي ومن أكثرهم تأثيرًا ونفوذًا.[1] هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن علماء الصحابة وزهّادهم. تولّى الخلافة الإسلامية بعد وفاة أبي بكر الصديق في 23 أغسطس سنة 634م، الموافق للثاني والعشرين من جمادى الثانية سنة 13 هـ.[2] كان ابن الخطّاب قاضيًا خبيرًا وقد اشتهر بعدله وإنصافه الناس من المظالم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وكان ذلك أحد أسباب تسميته بالفاروق، لتفريقه بين الحق والباطل.

هو مؤسس التقويم الهجري، وفي عهده بلغ الإسلام مبلغًا عظيمًا، وتوسع نطاق الدولة الإسلامية حتى شمل كامل العراق ومصر وليبيا والشام وفارس وخراسان وشرق الأناضول وجنوب أرمينية وسجستان، وهو الذي أدخل القدس تحت حكم المسلمين لأول مرة وهي ثالث أقدس المدن في الإسلام، وبهذا استوعبت الدولة الإسلامية كامل أراضي الإمبراطورية الفارسية الساسانية وحوالي ثلثيّ أراضي الامبراطورية البيزنطية.[3] تجلّت عبقرية عمر بن الخطاب العسكرية في حملاته المنظمة المتعددة التي وجهها لإخضاع الفرس الذين فاقوا المسلمين قوة، فتمكن من فتح كامل إمبراطوريتهم خلال أقل من سنتين، كما تجلّت قدرته وحنكته السياسية والإدارية عبر حفاظه على تماسك ووحدة دولة كان حجمها يتنامى يومًا بعد يوم ويزداد عدد سكانها وتتنوع أعراقها.[4]

نسبه :

اسم عُمر بن الخطّاب بالخط العربي الثلث‎ العثماني كما يظر في آيا صوفيا في بمدينة إسطنبول بتركياهو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي[5] بن غالب [6] بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، العدوي القرشي.[7]
وهو ابن عمّ زيد بن عمرو بن نفيل الموحد على دين إبراهيم. وأخوه الصحابي زيد بن الخطاب والذي كان قد سبق عمر إلى الإسلام. ويجتمع نسب عمر بن الخطاب بالرسول محمد في كعب بن لؤي.

أمه: حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وهي ابنة عمّ كلٍ من أم المؤمنين أم سلمة والصحابي خالد بن الوليد وعمرو بن هشام المعروف بلقب أبي جهل.[8] ويجتمع نسبها مع النبي محمد في كلاب بن مرة.[6]

نشأته

ولد بعد عام الفيل، وبعد مولد الرسول محمد بثلاث عشرة سنة.[9] وكان منزل عمر في الجاهلية في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان اسم الجبل في الجاهلية العاقر وبه منازل بني عدي بن كعب، نشأ في قريش وامتاز عن معظمهم بتعلم القراءة. عمل راعيًا للإبل وهو صغير، وكان والده غليظًا في معاملته.[10] وكان يرعى لوالده ولخالات له من بني مخزوم. وتعلم المصارعة وركوب الخيل والفروسية، والشعر. وكان يحضر أسواق العرب وسوق عكاظ وسوق مجنة وسوق ذي المجاز، فتعلم بها التجارة،[11] التي ربح منها وأصبح من أغنياء مكة، رحل صيفًا إلى بلاد الشام وإلى اليمن في الشتاء،[12] كان عمر من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة فهو سفير قريش، فإن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيراً، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر رضوا به، بعثوه منافراً ومفاخراً.[13][14][15] نشأ عمر في البيئة العربية الجاهلية الوثنية على دين قومه، كغيره من أبناء قريش، وكان مغرمًا بالخمر والنساء.[16]

معادته للمسلمين :

يتفق المؤرخون وعلماء الشريعة على أن النبي محمداً بُعث سنة 610م وهو في الأربعين من عمره. وكانت الدعوة الإسلامية في بداية عهدها دعوة سريّة، وبعد مضيّ ثلاث سنين من بعثته، أُمِرَ النبي بالجهر في دعوة الناس إلى الإسلام، فعاداه القرشيون لا سيما بعد أن بدأ يُحقّر من شأن آلهتهم؛ هُبل واللات والعزى ومن شأن الأصنام جميعها. وهبّ سادة قريش إلى الدفاع عن معتقداتهم، وأخذوا يعتدون على المسلمين ويؤذونهم. وكان عمر بن الخطاب من ألد أعداء الإسلام وأكثر أهل قريش أذى للمسلمين،[17] وكان غليظ القلب تجاههم فقد كان يعذِّب جارية له علم بإسلامها من أول النهار حتى آخره، ثم يتركها نهاية الأمر ويقول: “والله ما تركتك إلا ملالةً”،[18] ومن شدة قسوته جنّد نفسه يتبع محمد أينما ذهب، فكلما دعا أحداً إلى الإسلام أخافه عمر وجعله يفر من تلك الدعوة.

بعد أن أمر النبي محمد المسلمين في مكة بالهجرة إلى الحبشة جعل عمر يتخوف من تشتت أبناء قريش وانهيار أسس القبيلة العريقة عندهم، فقرر الحيلولة دون ذلك بقتل النبي مقابل أن يقدم نفسه لبني هاشم ليقتلوه فتكون قريش قد تخلصت مما يهددها به هذا الدين الجديد.[19]

إسلامه[عدل]كان عمر يخفي وراء تلك القسوة والشدة رقة نادرة. تحكي هذا زوجة عامر بن ربيعة العنزي حليف بني عدي، وذلك حينما رآها عمر وهي تعد نفسها للهجرة إلى الحبشة، فقال لها كلمة شعرت من خلالها برقة عذبة في داخله، وأحست بقلبها أنه من الممكن أن يسلم عمر، وذلك أنه قال لها: “صحبكم الله”.[18][20] لم تتوان زوجة عامر بن ربيعة في أن تخبر زوجها بما رأت من عمر، فرد عليها بقوله: “أطمعت في إسلامه؟” قالت: “نعم”. ولأن الانطباعات الأولى ما زالت محفورة في نفسه، رد عليها زوجها بقوله: “فلا يسلم الذي رأيتِ حتى يسلم حمار الخطاب”.[18]

في هذه الفترة كان عمر بن الخطاب يعيش صراعًا نفسيًا حادًا، فقد حدثه قلبه بأن هؤلاء الناس قد يكونون على صواب، ورأى أن ثباتهم عجيب جدًّا فيما يتعرضون له، وهم يقرؤون كلامًا غريبًا لم تسمع قريش بمثله من قبل، هذا إضافةً إلى أن رئيسهم محمدًا ليس عليه من الشبهات شيء، فهو الصادق الأمين باعتراف أعدائه من القرشيين.[18] وفي الوقت نفسه حدثه عقله بأنه سفير قريش، وقائد من قادتها، والإسلام سيضيّع كل هذا، فذلك الدين قسم مكة إلى نصفين، نصف يؤمن به ونصف يحاربه، فمنذ ست سنوات والقرشيون يعانون المتاعب والمشاكل بسببه، ويدخلون في مناظرات ومحاورات.[18] وفي غمار هذا الصراع الداخلي ولأن من طبعه الحسم وعدم التردد، فقد قرر أن ينتهي من كل ما يؤرقه، وأراد أن يخلص نفسه ويخلص مكة كلها ممن أحدث فيها هذه البدع وتلك المشاكل، فقرر أن يقوم بما فكر فيه كثير من مشركي قريش قبل ذلك، لكنهم لم يفلحوا فيه، ألا وهو قتل محمد.[21]

وكان قد دفعه إلى أخذ هذا القرار -أيضًا- ما حدث قبل يومين من إهانة شديدة لأبي جهل في مكة على يد عم النبي محمد حمزة بن عبد المطلب، والذي أصبح على الإسلام، وكان الدافع لذلك نابعاً من أن أبا جهل كان خال عمر بن الخطاب، فرأى عمر أنه قد أصيب في كرامته تمامًا كما أصيب أبو جهل، ورد الاعتبار في حالة كهذه عند العرب يكون عادة بالسيف. فسن سيفه وخرج من داره قاصدًا النبي محمداً، وفي الطريق لقيه نُعَيم بن عبد الله العدوي القرشي وكان من المسلمين الذين أخفوا إسلامهم، فقال له: «أين تريد يا عمر؟»، فرد عليه قائلا: «أريد محمدا هذا الصابي الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله.»، فلمّا عرف أنه يتجه لقتل النبي قال له: «والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الارض وقد قتلت محمدا ؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ فإن ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب قد والله أسلما وتابعا محمدًا على دينه؛ فعليك بهما.» فانطلق مسرعاً غاضباً إليهما، فوجد الصحابي خباب بن الأرت يجلس معهما يعلمهما القرآن، [22] فضرب سعيدًا، ثم ضرب فاطمة ضربة قوية شقت وجهها،[22] فسقطت منها صحيفة كانت تحملها، وحين أراد عمر قراءة ما فيهاأبت أخته أن يحملها إلا أن يتوضأ، فتوضأ عمر وقرأ الصحيفة وإذ فيها: طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ،[23] فاهتز عمر وقال: “ما هذا بكلام البشر” وأسلم من ساعته،[24] في ذلك اليوم من شهر ذي الحجة من السنة الخامسة من البعثة [25] وذلك بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب بثلاثة أيام،[26] وقد كان يبلغ من العمر ما يقارب الثلاثين سنة، أو بضعاً وعشرين سنة، على اختلاف الروايات.[27] خرج عمر بعد ذلك إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم حيث كان يجتمع النبي محمد بأصحابه وأعلن إسلامه هناك.[22] وفق المصادر الإسلامية فقد استجاب الله لدعوة النبي محمد، إذ قال: «اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين، عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام. قال: “وكان أحبهما إليه عمر”.[28]» وكان قد سبق عمر إلى الإسلام تسعة وثلاثون صحابيًا فكان هو متممًا للأربعين، فعن ابن عباس أنه قال: «أسلم مع رسول الله تسعة وثلاثون رجلاً، ثم إن عمر أسلم، فصاروا أربعين، فنزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.[29]»

وفي رواية أخرى أن عمر أسلم بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة -في السنة الخامسة للبعثة– أي أنه أسلم في السنة السادسة للبعثة. كما روي أن عمر قد أسلم قبل الهجرة إلى المدينة المنورة بقليل في السنة الثالثة عشرة من البعثة. حيث ذكر بعض المؤرخين أن عمر أسلم بعد 40 أو 45 رجلاً،[30] بينما كان كل المهاجرين من المسلمين الذين آخا النبي بينهم وبين الأنصار في المدينة المنورة لا يتجاوزون هذا العدد إلا بقليل،[31] وعليه تُرجّح بعض الروايات أن عمر كان من أواخر من أسلموا من المهاجرين حيث ذكر بعض المؤرخين أن عمر دنا من محمد في مكة وهو يصلي ويجهر بالقراءة فسمعه يقرأ في صلاته الجهرية بالمسجد الحرام آيتين من سورة العنكبوت: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ، فتأثر عمر وأسلم.[32] وقد كانت سورة العنكبوت آخر سورة نزلت في مكة قبل الهجرة إلى يثرب.

كان المسلمون قبل إسلام عمر وحمزة يخفون إيمانهم خوفًا من تعرضهم للأذى، لقلة حيلتهم وعدم وجود من يدافع عنهم، أما بعد إسلامهما فأصبح للمسلمين من يدافع عنهم ويحميهم، لا سيما أنهما كانا من أشد الرجال في قريش وأمنعهم، وكان عمر يجاهر بالإسلام ولا يخشى أحداً، فلم يرضَ مثلاً عن أداء المسلمين للصلاة في شعاب مكة بعيدين عن أذى قريش، بل فضل مواجهة القوم بكل عزم، فقام وقال للنبي: “يا رسول الله ألسنا على الحق؟”، فأجابه: “نعم”، قال عمر: “أليسوا على الباطل؟”، فأجابه: “نعم”، فقال عمر بن الخطاب: “ففيمَ الخفية؟”، قال النبي: “فما ترى يا عمر؟”، قال عمر: “نخرج فنطوف بالكعبة”، فقال له النبي: “نعم يا عمر”،[22] فخرج المسلمون لأول مرة يكبرون ويهللون في صفين، صف على رأسه عمر بن الخطاب وصف على رأسه حمزة بن عبد المطلب وبينهما النبي محمد، حتى دخلوا وصلّوا عند الكعبة. ومن بعيدٍ نظرت قريش إلى عمر وإلى حمزة وهما يتقدمان المسلمين، فَعَلتْ وجوهَهُم كآبة شديدة،[33] يقول عمر: «فسماني رسول الله الفاروق يومئذٍ».

كان إسلام عمر حدثًا بارزًا في التاريخ الإسلامي، فقد قوّى وجوده في صف المسلمين شوكتهم، وأصبح لهم من يُدافع عنهم ويحميهم من أذى من بقي على الوثنية، ويُلاحظ فرحة المسلمين بإسلام عمر في عدّة أقوال منسوبة إلى عدد من الصحابة، منها ما قاله صهيب الرومي: «لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودُعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتى به‏»، وما قاله عبد الله بن مسعود: «ما كنا نقدر أن نصلّي عند الكعبة حتى أسلم عمر‏»، و:«ما زلنا أعِزَّة منذ أسلم عمر».[34]

الفاروق

لقبه “الفاروق” وكنيته “أبو حفص”، أما كنيته، فقد قيل أن الرسول محمد كنّاه بذلك يوم بدر[246][247] ويرجع سبب إطلاق المسلمين السنّة لقب “الفاروق” على عمر ابن الخطاب، لأنه حسب الروايات أنه أظهر الإسلام في مكة وفرّق بين الحق والباطل. وكان الناس يهابونه، فعندما آمن وجاء إلى الرسول في دار الأرقم بن ابي الارقم قال له: «ألسنا على حق؟» قال: «بلى» قال: «والذي بعثك بالحق لنخرجن». وخرج المسلمون في صفين صف يتقدمه حمزة بن عبد المطلب وصف يتقدمه عمر فيعتبرون أن فرق الله به بين الكفر والإيمان.[248] وقيل أول من سماه بذلك النبي محمد. فقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق وأبو نعيم في حلية الأولياء عن ابن عباس أنه قال:

«سألت عمر رضي الله عنه “لأي شيء سميت الفاروق؟” قال: “أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام، ثم شرح الله صدري للإسلام”، فقلت: “الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، فما في الأرض نسمة أحب إلي من نسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم”، قلت: “أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟” قالت أختي: “هو في دار الأرقم بن الأرقم عند الصفا”، فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوس في الدار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت، فضربت الباب فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: “مالكم؟” قالوا: “عمر”، قال: “فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بمجامع ثيابه ثم نثره فما تمالك أن وقع على ركبته”، فقال: “ما أنت بمنته يا عمر؟” قال: “فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله”. قال: “فكبّر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد”، قال: “فقلت: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟” قال: “بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم”، قال: “فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن”، فاخرجناه في صفين حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد، قال: “فنظرت إلى قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله يومئذ الفاروق. وفرق الله بين الحق والباطل.”[249][250]»وروى الطبري في تاريخه، وابن أبي شيبة في تاريخ المدينة وابن سعد وابن الأثير في أسد الغابة في معرفة الصحابة عن أبي عمرو ذكوان قال:« “قلت لعائشة: “من سمى عمر الفاروق؟” قالت: النبي صلى الله عليه وسلم”.[251][252][253]» وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق والمتقي الهندي في كنز العمال عن النزال بن سبرة قال: «وافقنا من علي يومًا أطيب نفسًا ومزاجًا فقلنا يا أمير المؤمنين حدثنا عن عمر بن الخطاب قال: “ذاك امرؤ سماه الله الفاروق فرق به بين الحق والباطل”.[254][255][256]» وقيل سماه به أهل الكتاب. قال ابن سعد في الطبقات الكبرى: « قال ابن شهاب: “بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر الفاروق، وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله ذكر من ذلك شيئاً ولم يبلغنا”[257]» وقيل سماه به جبريل عليه السلام، رواه البغوي.

حكم ذات مغزى

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن336_100

قال الرسول صلى الله عليه وسلم
( وتبسمك في وجه أخيك صدقة ) صحيح الألباني.

يقول الصينيون في حكمةٍ يرددونها : أنّ الذي لا يعرف كيف يبتسم لا ينبغي له أن يفتح متجرا ً.

وصدق من سمَّى الابتسامة سفيرة القلوب، لذلك نرى دوماً كأن الوجه الباسم باب مفتوح أمامنا، كما أن الوجه العابس باب موصد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثير التبسم وكان يمزح ولا يقول الا حقا ً .

وثبت أيضا ً أن الضحك والابتسام من أقوى الأسباب الدافعة للعمل والإنتاج، والمقصود هنا الضحك المعتدل الذي يُبعد السآمة والملل عن الإنسان، ويكون بمقدار ما يُعطى الطعام من الملح، فلا ينبغي أن يستكثر الرجل من هذا حتى يُعرف بالمزاح ويكون هذا ديدنه وهجيراه، فتُخرم عند ذوي النُهى مروءته ، وتسقط في النفوس هيبته .

ولربما مَزَحَ الصديقُ بمزحةٍ .. كانت لبدْءِ عَـداوةٍ مفتاحا

وقد قيل : أن الضحك المحمود، ما كان في وقتهِ، بلا قهقهة عابثة ولا اسفاف في الطرح ولا إكثار، ولذلك أحببتُ أن أقدم لكم بعض الطرائف التي جمعتها من هنا وهناك، محاولا ً كسر السآمة و إقصاء الملل بعض الشيء، فكما أن الجسد يَكَل كذلك النفس تمَل، فتحتاج من حين إلى حين أن نُروّحها بالمُباح .

وانقلكم الى جو من الحكم والطرائف بسلسلة قصيرة

لكلاً منها مايسر …..

v
v
v
v
v

شجاعة أعرابي !

قيل لأعرابي مايمنعك أن تغزو ؟قال : والله إني لأبغض الموت على فراشي فكيف أمضي
إليه ركضا ً !!

صُرّة موسى ؟

سرق أعرابي اسمه موسى صرة فيها دراهم، فدخل أحد المساجد ليختلط بالناس، وقد ضجت أصوات المصلين بقولهم آآآآآمين، كبّر السارق ودخل في الصلاة فقرأ الإمام من سورة طه { وما تلك بيمينك يا موسى } .
فقال الاعرابي : والله إنك لساحر،
ثم رمى الصرة وهرب !…

أبو دلامة وزوجة الخليفة

دخل أبو دلامة المشهور بالدعابة، على زوجة الخليفة السفاح ليعزيها في وفاته، وكان نديما ً له في حياته، فقالت والله ما أُصيب بالخليفة غيري وغيرك يا أبا دلامة، فقال لها : لم يُصَب به أحد سواي، أنتِ لك منه ولد تتسلين به، و أنا ليس لي منه ولد، فضحكت ولم تكن ضحكت منذ أن مات الخليفة،
وقالت له: أنت لا تدع أحداً ألا أضحكته …

الفقيه والسقف ؟!

سكن بعض الفقهاء في بيت استأجره ، وكان سقفه يقرقع في كل وقت .
فجاءه صاحب البيت يطلب الأجرة، فقال الشيخ : أصلح السقف فإنه يقرقع !قال صاحب البيت : لا تخف فإنه يسبح لله .
فقال الشيخ : أخشى أن تدركه الخشية فيسجد!…

البقرة المغشوشة

قال الفلاح لامرأته : إذا مت فتزوجي جارنا، فقالت الزوجة: ولماذا ؟
قال : لقد باعني قبل زمن بقرة مغشوشة
ولم أنتقم !…

مرآة أبي شراعة

نظر أبو شراعة في المرآة فرأى دمامة وجهه ،
فقال : الحمدلله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه …

مدعي النبوة

أُخذ رجل ادعى النبوة أيام الخليفة المهدي بن المنصور، فأُدخل عليه، فقال له : أنت نبي ؟
قال : نعم، قال : وإلى مَن بُعِثت ؟قال : أوتركتموني أذهب لأحد ؟
ساعة مابُعِثت وضعتموني في الحبس !
فضحك الخليفة من قوله ..

حكمة زوجيّة

قالت زوجة عالم آثار لصديقاتها : إن عالم الآثار هو خير زوج تحظى به أية امرأة، لأنها كلما تقدمت هي في السن ازداد شغفه واهتمامه بها !..

الرجل الساخر

قال رجل لبيرنان شو بسخرية : أليس الطباخ أنفع للأمة من الأديب ؟
فقال : الكلاب تعتقد ذلك !
وقال له كاتبٌ مغرور: نحن أفضل منك، أنت تبدع بحثاً عن المال، ونحن نبدع بحثاً عن الشرف والكرامة .
فأجابه بيرنان شو بهدوء: لك الحق، كلٌ منا يبحث عما ينقصه !…

الأعمى وزوجته

تزوج أعمى امرأة، فقالت له : لو رأيت بياضي وجمالي لعجبت!
فقال : لو كنتِ كما تقولين ماترككِ المبصرون لي !…

من أبلغ الرياء

قيل : كان أعرابي يصلي، فجعل بعض الناس يمدحونه ويثنون على صلاته و يصفونه بالصلاح والتقوى، فالتفت إليهم أثناء الصلاة
وقال : وفوق ذلك أنا صائم اليوم !..

بين الراقصة والأديب !

رأت إحدى الراقصات، الأديب المشهور يركب سيارته المتواضعة، وهي تركب سيارتها الفخمة ، فقالت له : بص الأدب عمل فيك ايه ، فقال لها : وبصي قلة الأدب عملت فيكِ ايه !

سرعة بديهة شاعر النيل

كان الشاعر حافظ إبراهيم جالس في حديقة منزله بحلوان، فدخل عليه الكاتب الساخر عبدالعزيز البشري فقال حين جلس : شُفتك من بعيد، فـفـتكرتك وحده ست .
فقال حافظ : يظهر إنه نظرنا ضعف، أنا كمان شُفتك وانت جاي فـفـتكرتك راجل !!..

حتى جدول الضرب ارتفع !!

كان الأديب الفكاهي فكري أباظه يتمشى مع صديق ٍله في أحد شوارع القاهرة أيام الحرب العالمية، وكان الحديث عن ارتفاع الأسعار في المواد الغذائية : فالسكر كان سعره كذا وارتفع الى كذا، واللحم والحبوب، وبينما هما في هذا الحديث إذا بهما أمام أطفال في الكتاتيب، وإذا بالإستاذ يسأل أحد الصبية : سبعة في سبعة كم يا واد ؟
فأجاب الولد : 59 .
فالتفت فكري أباظة إلى صديقه وقال : ودي طول عمرها كانت بسبعة واربعين، أديها غِليِت كمان .

ألقمه حجر

سأل رجلٌ بشار بن برد الشاعر الأعمى : ما أخذ الله بصر أحد إلا عوضه بخير منه، فما عوضك ؟
فقال بشار: بأن لا أرى أمثالك !..

الافخاخ الامريكية للاحزاب الاسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن336_100

الافخاخ الامريكية للاحزاب الاسلامية

تتوالى يوماً بعد يوم الاشارات والايماءات الايجابية الصادرة عن الادارة الأميركية تجاه قوى الاسلام السياسي في المنطقة العربية، لعل من أبرزها الاعلانات المتكررة عن حوارات ايجابية تجري بين الادارة الأميركية وبعض القوى الاسلامية، وتصريح وزيرة خارجية اميركا هيلاري كلينتون عن استعداد اميركا للتعامل مع الاسلاميين العرب.

والمشترك بين كل هذه الاشارات والايماءات هو الاغراء الذي تحمله لقوى الاسلام السياسي عن امكانية حصولها على دعم اميركي يساعدها على الوصول كلياً أو جزئياً الى السلطة في مقابل صفقة سياسية استراتيجية. الأمر الذي يطرح العديد من الاسئلة اولها ماذا يريد الاميركيون من قوى الاسلام السياسي في المنطقة العربية، وماذا يمكن ان تكون عليه بنود هذه الصفقة، وآخرها هل أن قوى الاسلام السياسي في المنطقة العربية مستعدة لعقد هذه الصفقة وما هي آثارها ونتائجها؟

في استعادة مكثفة لثوابت الاستراتيجية الاميركية تجاه المنطقة العربية في يومنا الراهن، فان الهدف المركزي لهذه الاستراتيجية ما زال كما كان على عهد جورج بوش الابن، هو بناء شرق اوسط جديد تمزق فيه الاقطار العربية الى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية، الامر الذي يدمر عناصر القوة العربية المستندة الى هويتها القومية الجامعة، ويبرر وجود الكيان الصهيوني باعتباره دولة يهودية تتواجد مع مثيلاتها من الدويلات الطائفية والعرقية والمذهبية المراد اقامتها. كما أن الوسيلة الاساسية المعتمدة اميركياً لبلوغ هذا الهدف هو نشر الفوضى الخلاقة، وهو التعبير الدبلوماسي المخفف عن استراتيجية تفجير الصراعات الدموية بين مكونات الامة واشاعة الاحتراب الداخلي فيما بينها. فما هو الدور الذي تسعى اميركا لأن تلعبه قوى الاسلام السياسي التي قد تنطلي عليها الاغراءات الاميركية في خدمة هذه الاستراتيجية؟

في مراجعة لوقائع من تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر، ولوثائق ودراسات اميركية، فان المتابع يستطيع أن يستخلص اربعة مهام تتوقع الادارة الاميركية من قوى الاسلام السياسي أن تلعبها لحساب مخططها في اقامة شرق اوسط جديد.

اولها: ان تتولى هذه القوى اطلاق حملة عداء للعروبة كهوية وانتماء بدعاوي الاسلام، واعادة بعث الخطاب التناقضي ما بين العروبة والاسلام وترجمة ذلك عملياً بالتصدي لكل توجه تكاملي او تضامني او توحيدي بين العرب مقرونة باطلاق هجمة على كل توجه عروبي وقواه الشعبية.

ان اميركا تدرك أن نجاح مخطط التمزيق الطائفي والمذهبي والعرقي مرهون باضعاف القوة الموحدة للامة بكل مكوناتها وهي الرابطة العربية، من هنا فان اعادة بعث الفكر والنهج الذي يعادي العروبة باسم الاسلام واحتضانه يمثل مكسباً كبيراً لمخطط الشرق الاوسط الكبير.

ومما يعزز التوجه الاميركي لاستخدام قوى الاسلام السياسي في حربها على العروبة، ان سوابق تاريخية اكدت أن بعض الاسلاميين مستعدون لاداء هذا الدور، ففي الستينيات سعت اميركا لمواجهة حركة التحرر القومية العربية بحلف اسلامي يضم ايران الشاهنشاهية وتركيا الاطلسية وفي تلك المرحلة ايدت بعض الحركات الاسلامية هذا السعي ووافقت عليه. واذا كانت اميركا تسعى لبعث هذه التجربة بصيغة منقحة فان السؤال هل تجدد بعض قوى الاسلام السياسي انخراطها فيه ام ان هناك تغيير في الرأي والنهج؟

اما ثاني المهام التي يسعى الاميركيون لاستدراج بعض قوى الاسلام السياسي للاضطلاع بها في خدمة مشروع الشرق الاوسط الجديد، هي أن يشكل هؤلاء الاسلاميون فزاعة لكل العرب غير المسلمين يشعرونهم بالخطر على الوجود والدور في اطار الكيان الوطني الموحد، ويثيرون بينهم كل المخاوف، من الاضطهاد لدفعهم الى المطالبة بكيانات مستقلة او بغية ايجاد مناخات تتفجر فيها فتن طائفية تتيح للقوى الاستعمارية ان تتدخل فيها تحت ذريعة حماية الاقليات.

وبنظر الاميركيين فان تجربة حسن الترابي، الذي اتبع نهجا في السودان ساهم بتمزيق قطر عربي كبير، تمثل سابقة لنهج تلعب فيه قوى ترفع رايات الاسلام دوراً اساسياً في انجاح التقسيم.

فحسن الترابي تحالف مع جعفر النميري في مواجهة التيار العروبي في السودان اثر انحياز الاخير لنهج انور السادات وتأييده لاتفاقية كامب دايفيد، وعزز قواه اثناء وجوده في السلطة حتى تمكن من الاستئثار بها والاطاحة بالنميري، ليطرح شعارات بناء دولة اسلامية وتطبيق الشريعة. فكانت هذه السياسات والشعارات الذريعة التي تلقفتها قوى الانفصال المحتَضنة اساساً من القوى الاستعمارية والعدو الاسرائيلي لكي تُصعّد حربها الانفصالية بحجة حماية الاقليات وصيانة حقوقها والتي انتهت بتمزيق السودان.

ان الدلائل على سعي اميركا لتعميم التجربة “السودانية الترابية” في اكثر من قطر عربي وخاصة في مصر وبلاد الشام والعراق عديدة، لعل ابرزها هو الاحتضان الاميركي لمجموعات قبطية انفصالية تنادي بدويلة قبطية في مصر، في نفس الوقت الذي تغازل فيه قوى الاسلام السياسي المصري. الامر الذي يطرح مجدداً السؤال هل مستقبل قوى الاسلام السياسي أن تلعب دور الفزاعة في خدمة المخطط الاميركي؟؟

اما ثالث المهام التي تسعى اميركا لاستدراج الاسلاميين للاضطلاع بها فهي ان يكونوا عامل تفجير لصراع مذهبي، خاصة سني – شيعي ، ليس في المنطقة العربية فحسب وانما على امتداد العالم الاسلامي كله.

فثمة سمة مشتركة بين كافة قوى الاسلام السياسي وهي انها وان رفعت رايات الاسلام، الا ان كل واحدة منها تتسم بطابع مذهبي محدد، ومن هنا فإن حركتها السياسية وتنافسها يوجد، بارادة منها او بغير ارادتها، مناخات تعبئة مذهبية. فاذا اقترنت تلك التعبئة باستخدام وسائل عنفية من قبل المتشددين والمتطرفين من كل المذاهب فان ذلك يؤدي بالضرورة الى تفجير صراعات مذهبية.

لقد عبرت اميركا على لسان جورج بوش الابن اثر احداث 12 ايلول عن سعيها لتفجير هذه الصراعات المذهبية بين المسلمين حينما قال ان ادارته ستعمل لكي تجعل “الاعداء” – يقصد المسلمين – يقاتلون بعضهم بعضاً.

كما أن اميركا والعدو الصهيوني يدركان معاً ان صراعاً مذهبياً وبخاصة بين السنة والشيعة سوف يُغرق العالم الاسلامي في فوضى مدمرة، تطمئن فيها اسرائيل على وجودها، ويفتح امامها كل الابواب لكي تتدخل لتغذية هذه الصراعات وادارتها واستثمار نتائجها، فهل ستقبل قوى الاسلام السياسي ان تعم تجربة بعض القوى التي ترفع شعارات اسلامية في العراق والتي عملت برعاية قوات الاحتلال وبالتنسيق معها ولا تزال، لتفجير حرب سنية شيعية بين ابناء الارض الواحدة والايمان الواحد؟

اما رابع المهام التي تسعى اميركا لتكليف القوى الاسلامية بالقيام بها فهي تعميم التجربة التركية الاردوغانية التي امتدحها جورج بوش الابن عام 2004 واعتبرها النموذج الاسلامي الذي ترحب اميركا بالتعامل الايجابي معه لثلاثة اسباب، اولها انها ملتزمة بالديمقراطية وثانيها انها خاضعة لحلف شمالي الاطلسي ملتزمة بكل توجهاته واخيراً لانها على علاقة طيبة وتطبيعية مع الكيان الصهيوني.

فاميركا لا يزعجها ان تقتصر “اسلامية” اردوغان على ارتداء زوجته للحجاب، طالما ان التزامات تركيا تجاه حلف شمالي الاطلسي مستوفاة، والاتفاقيات العسكرية والامنية والاقتصادية مع اسرائيل محترمة، وبالتأكيد فان اميركا لن يزعجها ان تقتصر “اسلامية” بعض القوى على اطالة اللحى اذا ما ارتضوا الارتباط بالاطلسي، واتخذوا موقفاً حيادياً من العدو الاسرائيلي كحد ادنى. ومرة اخرى يُطرح السؤال هل سترفض القوى الاسلامية ان تدفع ثمن الرضى الاميركي عنها التفريط بالثوابت الوطنية والقومية والاسلامية؟؟

بعض المراقبين “المتشائمين” يرون أن الصفقة قد ابرمت بين بعض اطراف الاسلام السياسي واميركا وكانت تركيا الوسيط او لنقل “السمسار”، والادلة التي يستندون اليها عديدة منها موقف القوى الرافعة لإلوية الاسلام السياسي في العراق والمنخرطة كلياً في الاستراتيجية الاميركية، والتي لم يصدر اي موقف ناقد لها من اي طرف سياسي اسلامي سواء كانت سنية الطابع او شيعية.

ومنها ايضاً تصريحات فيلتمان، المدير التنفيذي لمشروع الشرق الاوسط الجديد في الادارة الاميركية، من أن اميركا توافقت مع الاخوان المسلمين في مصر على عدم المس باتفاقية كامب دايفيد والتي لم يصدر اي تصريح او بيان ينفي هذا الكلام.

ومنها ايضاً الحلف الذي جمع ما بين الاخوان المسلمين في سورية وافراد معروفة ارتباطاتهم بدوائر اجهزة المخابرات الاطلسية في اطار المجلس الاسطبمولي المتحمس جداً لتدخل اطلسي في سورية.

على ان في مواجهة الجناح المتشائم ثمة قطاع من المراقبين ما زال يرى انه من المبكر اصدار حكم نهائي حول السعي الاميركي لغواية قوى الاسلام السياسي. وهذه الفئة من المراقبين “الانتظاريين” ترى المؤشرات السلبية ولكنها في نفس الوقت تأخذ في عين الاعتبار ثلاثة عوامل ترى انه لا يجوز اهمالها:

اولها: ان قوى اسلامية عديدة اتخذت في العقدين الاخيرين مواقف واضحة ضد اميركا واسرائيل، وفي مراجعة سريعة للبيانات الصادرة عن المؤتمر القومي الاسلامي، الذي شكل ساحة لقاء بين قوى قومية واسلامية عربية، فاننا نجد ان المواقف المعلنة، ان على الصعيد الفكري في ادانة خطاب التناقض ما بين العروبة والاسلام، او على الصعيد الاستراتيجي في ادانة الشرق الاوسط الجديد، واعتبار اسرائيل وحلفاءها العدو الاستراتيجي للامة، ورفض كل اتفاقية تهدد الحقوق العربية او تذعن لمطالب القوى الاستعمارية، او على صعيد التمسك باهداف الامة في التحرير والوحدة والعدالة – نقول – ان مجمل هذه المواقف تشكل احراجاً لأية قوة تسعى للخروج عليها او انتهاج سياسات تناقضها.

وثانيها: انه حتى ولو تجرأت اطراف اسلامية على انتهاج خط نقيض لما كانت تعلنه خلال عقدين من الزمن، فهل تستطيع هذه الحركات ان تحافظ على وحدتها الداخلية؟ لقد دفعت حركة الاخوان المسلمين ثمن ترددها في الانضمام الى قوى ثورة 25 يناير في مصر، اذ تمرد شباب الاخوان على قياداتهم والتحقوا بالثورة، ثم اسسوا احزاباً خاصة بهم، فهل ستتحمل الحركات الاسلامية خضات مشابهة وفي قضايا اخطر واهم شأناً اذا ما عقدوا صفقة مع الاميركيين؟ فاذا اضفنا الى تجربة الاخوان المسلمين في مصر تجربة الحزب الاسلامي في العراق الذي انفضت قواعده عنه اثر انخراطه في العملية السياسية التي نظمها بريمر في العراق، فان التساؤلات حول مدى قدرة هذه الاطراف على ابرام صفقة مع الاميركيين مهما كانت غواية السلطة تصبح مشروعة.

وثالثها: ان تعددية الجماعات الاسلامية الناجمة عن خلافات مذهبية وفقهية وسياسية سوف تجعل من موافقة بعض الاطراف على الطلبات الاميركية عرضة للنقد والتشكيك والتهجم من جماعات اخرى، وعلى الارجح ان يتصاعد هذا التشكيك والاعتراض بخلفية من فكر تكفيري ليفجر صراعات اسلامية – اسلامية تتخذ اشكالاً عدة، فهل تقدر هذه الحركات على تحمل نتائج مثل هذا الصراع اذا ما توفرت اسبابه وتأمنت مستلزماته؟

لهذه الاسباب الثلاثة فإن بعض المراقبين يميلون الى الانتظار قبل اصدار حكم نهائي، ولكن تبقى حقيقة وهي انه مهما تعددت الاجتهادات والتخمينات فإن الجواب اليقين على كل ما يكتب ويقال هو عند القوى الاسلامية التي وحدها مطالبة باعلان مواقف صريحة وواضحة من محاولة الغواية الاميركية ومن مشروع الشرق الاوسط الجديد ومن موقفها الحاسم من قضايا الامة ومن التحديات التي تواجهها