أ.د. أحمد محمد وهبان

ماهي مشكلة دارفور ..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد العسكر2080

إقليم دارفور أحد أكبر الأقاليم في السودان الآن وهو يقع في غرب السودان وتبلغ مساحته أكثر من نصف مليون كيلو متر مربع ويقترب عدد سكانه من ستة ملايين إنسان معظمهم من المسلمين السنة وعندهم توجه إسلامي واضح حيث تزداد فيهم ستة المحافظين لكتاب الله حث يصل إلى 50% من السكان. لقد ظهرت في هذا الإقليم حركات تدعو إلى التمرد والانفصال عن الكيان الأم السودان وكان هذا في فترة السبعينات من القرن العشرين ثم تفاقم الوضع ووصل إلى المحاولات العسكرية للانفصال في سنة 2003 وازداد الوضع اضطراباً مع مرور الوقت وأصبحت القضية مطروحة عالمية: هل ينبغي أن تنفصل دارفور عن السودان ؟ أم أن بقاءها كإقليم في داخل الدولة حتمي ؟؟ ولكي يمكن الإجابة على هذا السؤال لا بد من مراجعته تاريخية وواقعية وسياسية ومبينة للموقف في دارفور كما ينبغي أن ننظر إلى الأمور بتجرؤ وحيادية حتى نستطيع أن نصل إلى حل منطقي للمشكلة ؟؟
ولابد من الاعتراف أن و ضع دارفور خطير للغاية وأن احتمالات انفصالها واردة جداً وأننا نريد عملاً ليلاً ونهاراً حتى نمنع هذه الكارثة.
وإن هذا التخوف يأتي من عدة أمور:-
أولاً: المساحة الضخمة لهذا الإقليم والتي تؤهله أن يكون دولة مستقلة بإمكانيات قوية حيث أنه ليس فقط من عشرات الدول في العالم ولكنه أيضاً يمتلك البترول واليورانيوم ولقد دأب المحللون الغربيون على وصف الإقليم بأنه يساوي مساحة فرنسا ليرمخوا في الوجدان انه من الممكن أن يستقل بذاته.
ثانياً: الحدود الجغرافية، المعقدة للإقليم فهو يتجاوز من ناحيته الغربية مع تشاد بحدود طولها 600 كيلو متر وكذلك مع ليبيا وأفريقيا الوسطى ومن المعروف أن هذه المناطق الصحراوية والقبلية ليست محكمة بالحدود كغيرها من الدول وعليه فدخول الأفراد من وإلى دارفور سهل للغاية وخاصة أن هناك قبائل كثيرة ممن يعيش في الإقليم ترتبط بعلاقات مصاهرة ونسب وعلاقات اقتصادية وسياسية مع للقبائل في الدول المجاو0114رة وخاصة تشاد وهذا جعل الكثير من المشاكل السياسية التي تحدث في تكاد تكون مرجعيتها إلى دارفور والعكس وهذا يعني أن الدول المجاورة ستكون عنصراً فاعلاً في مشكلة دارفور.
ثالثاً: طبيعة القبائل في الإقليم تثير الكثير من القلق فمع أن الجميع مسلمون إلا أن الأصول الإثنية تختلف فحوالي 80% …
من السكان ينتمون إلى القبائل الإفريقية غير العربية، وهؤلاء يعملون في المعظم في الزراعة، أما بقية السكان فمن القبائل العربية التي هاجرت في القرن الماضي إلى منطقة دارفور، وهؤلاء يعملون في الرعي. وهذه الخلفيات العرقية لها تأثير في الاختلاف بين الطائفتين، وهذا أمر متوقع، ومن الغباء أن ننكره، ونكتفي بالقول بأن الجميع مسلمون، فقد حدثت خلافات قبل ذلك بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج، وما لم يؤخذ الأمر بجدية وتعقل فإن الخلافات قد تتعقد جداً، ومن ثم ينعدم الأمان في المنطقة، وهذا قد يدفع السكان إلى البدائل المطروحة، ومنها الانفصال تحت قيادة موحدة قوية تضم الجميع.ويزيد من تعقيد الموضوع في دارفور مشكلة التصحر وقلة المراعي؛ مما يدفع القبائل الكثيرة إلى التصارع على موارد الماء ومناطق الزراعة، وهو صراع من أجل الحياة، يصبح إزهاق الأرواح فيه أمراً طبيعياً !
رابعًا: البُعد التاريخي المهمّ لمنطقة دارفور يجعل مسألةَ انفصالها أمرًا خطيرًا يحتاج إلى حذرٍ وحرص؛ فالمنطقة في معظم تاريخها كانت بالفعل مستقلة عن السودان، وكانت في واقع الأمر سلطنة مسلمة تضم عددًا كبيرًا من القبائل الإفريقية، وآخر سلاطينها هو السلطان المسلم الوَرِع عليّ بن دينار، الذي حكم من سنة 1898 إلى سنة 1917م، والذي كان يرسل كسوة الكعبة إلى مكة على مدار عشرين سنة كاملةً !، وكان يُطعِم الحجيج بكثافة، لدرجة أنه أقام مكانًا لتزويد الحجاج بالطعام عند ميقات أهل المدينة المعروف بذي الحُلَيفة. وقد وقف هذا السلطان المسلم مع الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى من منطلق إسلامي، إلا أن هذا أزعج جدًّا السلطات الإنجليزية التي كانت تسيطر على السودان آنذاك، فقامت بضم هذا الإقليم إلى السودان في سنة 1917م، ومن يومها وهو جزء من السودان، وهذه الخلفية التاريخية تشير إلى نفسيّة السكان الذين إذا لم يشعروا بالأمان والاطمئنان لحكومة السودان، فإنهم سيرغبون في العودة إلى ما كانوا عليه منذ مئات السنين، وهو التجاور مع السودان وليس الانضمام لها.
خامسًا: التدخل الغربي الصهيوني الكثيف في المنطقة يغيِّر الكثير من الحسابات، ويدفع بقوة إلى فكرة الانفصال، وذلك لتحقيق مصالح استراتيجية خطيرة، وقد أصبح هؤلاء يتعاملون بمنتهى الوضوح مع قادة التمرد في دارفور؛ لكي يدفعوهم إلى الانفصال لتقوم دولة تدين بالولاء إلى الكيانات الغربية والصهيونية الموالية، وتأتي في مقدمة الدول المهتمَّة بإقليم دارفور فرنسا، حيث تمثِّل هذه المنطقة تاريخًا مهمًّا جدًّا لفرنسا؛ لأن دارفور هي أقصى شرق الحزام المعروف بالحزام الفرانكفوني (أي المنسوب إلى فرنسا)، وهي الدول التي كانت تسيطر عليها فرنسا قديمًا في هذه المنطقة، وهي دارفور وتشاد والنيجر وإفريقيا الوسطى والكاميرون، وقد استطاعت فرنسا الوصول إلى شخصية من قبيلة الفور، وهي أكبر القبائل الإفريقية في دارفور، وإليها ينسب الإقليم (دارفور)، وهذه الشخصية هي عبد الواحد محمد نور صاحب التوجُّهات العلمانية الفرنسية الواضحة، ومؤسِّس أكبر جماعات التمرد في دارفور، والمعروفة باسم جيش تحرير السودان، وهي حركة مختلفة عن الجيش الشعبي لتحرير السودان، والمتمركزة في جنوب السودان، وإن كانت الأيدلوجية الفكرية للحركتين متشابهة، بل هناك تنسيق واضح بينهما.
أما إنجلترا فهي تضع أنفها في المنطقة عن طريق خليل إبراهيم، الذي أنشأ حركة تمرد أخرى تنتمي إلى قبيلة أخرى من القبائل الإفريقية، وهي قبيلة الزغاوة، حيث قام مدعومًا ببريطانيا بإنشاء حركة العدل والمساواة، وهي كذلك حركة علمانية تطالب بفصل دارفور عن السودان.
وإضافةً إلى فرنسا وإنجلترا فهناك أمريكا صاحبة الأطماع المستمرة ليس في دارفور فقط، ولا في السودان فحسب، بل ليس في القرن الإفريقي وحده، وإنما في العالم أجمع!! فهي تدفع بقوة في اتجاه وجود قوات دُوليّة لحفظ السلام في المنطقة تكون تحت السيطرة المباشرة لمجلس الأمن، ومِن ثَم لأمريكا. وأخيرًا تأتي دولة الكيان الصهيوني “إسرائيل” لتشارك بقوَّة وصراحة ووضوح في مسألة دارفور، وليس فقط عن طريق تحالف جماعات الضغط الصهيونية في أمريكا والمعروف بتحالف “أنقذوا دارفور”، ولكن أيضًا عن طريق التدخل السافر للحكومة الصهيونية نفسها حيث رصدت الحكومة الصهيونية مبلغ 5 ملايين دولار لمساعدة لاجئي دارفور، وفتحت الباب أمام الجمعيات الخيرية في إسرائيل للمشاركة. كما أعلنت عن استعدادها لشراء أدوية ومعدات لتحليل المياه بما يعادل 800 ألف دولار يتم جمعها من بعض الشركات الصهيونية!! كما سبق أن أعلنت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية اليهودية في اجتماع لها مع بعض السفراء الأفارقة في تل أبيب سنة 2008 أن حكومتها ستسعى لإيجاد حل لأزمة دارفور!!
وبالطبع لن تترك المجال عند الحديث عن التدخل الأجنبي في المنطقة دون الإشارة إلى عشرات الجمعيات الإغاثية، والتي تمارس خليطًا من الأعمال الإغاثية من جانب، والتبشيرية التنصيرية من جانب آخر، والإجرامية من جانب ثالث، وليس ببعيدٍ ما فعلته جمعية “لارش دي زو” الفرنسية من خطف أطفال من دارفور لبيعهم لعائلات إنجليزية وفرنسية، حيث تم اكتشاف هذه الفضيحة في أكتوبر 2007، وما خفي كان أعظم!
سادسًا: الأخطاء الإدارية والفكرية الفادحة التي وقعت فيها الحكومة السودانية على مدار عِدَّة عقود أدت إلى الوصول إلى هذا الوضع المعقَّد؛ فواقع الأمر أن الحكومة السودانية لا تتعامل مع دارفور كجزءٍ مهم في الدولة السودانية، وذلك منذ عشرات السنين، وكان منطلقها في ذلك أنها أرض صحراوية تعيش فيها قبائل بدوية، وليس فيها ثروات تُذكر، ولا تداخل مع الشئون السودانية بشكل مؤثر؛ وهذا أدى إلى فقرٍ شديد للمنطقة، وفقدان للبنية التحتية، وانعدام للأمن، وعدم تمثيل مناسب في الحكومة أو البرلمان، وعدم وجود اتصال علمي أو إعلامي مع المنطقة، وغير ذلك من مظاهر الإهمال التي أفقدت الكثير من شعب دارفور الولاء لدولة السودان الأم، وحتى عندما تولى الرئيس عمر البشير الحكم بعد الانقلاب 1989 فإنه تولى في ظروف صعبة تزامنت مع الحرب المدمِّرة في جنوب السودان، والتي أخذت الاهتمام الحكومي السوداني كله، فازداد السقوط المعنوي في دارفور، وهذا كله قاد إلى تنامي حركات التمرد، وحتى عندما تتم جلسات مصالحة أو تفاوض مع زعماء المتمردين، فإنها تكتفي بتأجيل المشكلة لا حلها، وهذا يُهدِّئ الأوضاع لفترة محدودة لتعود لتشتعل بشكل أكبر بعدها بقليل!
سابعًا: الضعف العسكري الشديد للحكومة السودانية، فجيشها لا يزيد على 90 ألف جندي، بإمكانيات عسكرية هزيلة للغاية، وخاصةً بعد المرور بحرب جنوب السودان على مدار عشرين عامًا كاملة، أرهقت الجيش بصورة كبيرة، وهذا الجيش الضعيف لا يستطيع بحال أن يسيطر على المساحات الشاسعة الموجودة بالسودان بصفة عامة، وفي دارفور بصفة خاصة؛ وهذا أدى إلى ظهور عصابات “الجانجويد”، وهي عصابات من قبائل عربية تركب الخيول وتلبس الملابس البيضاء وتحمل الرشاشات، وتتجول بِحُرِّية في ربوع دارفور، فتقتل وتسرق وتفرض ما تريد، ويتَّهِم الغرب الحكومة السودانية بالتعاون مع عصابات الجانجويد، وتنفي الحكومة السودانية ذلك، ولكنه في العموم مظهر من مظاهر الانفلات الأمني، والضعف العسكري غير المقبول؛ فإذا كانت الحكومة متعاونة مع الجانجويد كما يقول الغرب، فهذا مظهر من مظاهر الضعف حيث لا تستطيع الحكومة بنفسها السيطرة على الأمور فتلجأ إلى البلطجية والمجرمين!ّ . وإذا كانت الحكومة غير متعاونة معهم، فهذا أيضًا مظهر من مظاهر الضعف، حيث تعلن الحكومة بصراحة أنها لا سيطرة لها على عصابات الجانجويد، وأنهم يقتلون من الجيش السوداني كما يقتلون من المتمردين، وهذا وضع في الحقيقة غير مقبول من حكومة مستقرة وجيش نظامي، وهو أمر يحتاج إلى مراجعة وحساب.
ثامنًا: حالة الجهل الشديدة التي يمر بها أهل دارفور، مع كون الكثير منهم يحفظ كتاب الله عزَّ وجلَّ، فمدارسهم ضعيفة جدًّا، وإعلامهم منعدم، ومِن ثَمَّ فإن السيطرة الفكرية عليهم تصبح سهلة للغاية. وليس بالضرورة أن يكون الأمر بالتحوُّل إلى النصرانية، ولكن يكفي أن يطبِّقوا ما تريده الحركات المتمردة والغرب الصليبي والعدو الصهيوني من فصلٍ للدين عن الدولة، وعلمانية المناهج، وفكرة الانفصال، وهذا أمر قد لا يستنكره الشعب هناك في ظل غياب المعلمين والدعاة والمفكرين المخلصين.
تاسعًا: عدم وجود دراسات علمية موثَّقة تشرح طبيعة المنطقة، وتشعباتها الجغرافية والتاريخية والسكانية، وطرق التعامل مع القبائل المختلفة، ومناهج تفكيرهم ومنطلقاتهم، ومِن ثَم فإن الذي يسعى لحلّ المشكلة ولجمع الأطراف لا يستطيع غالبًا أن يدخل من الباب الصحيح، وقد يفشل في الحل حتى لو كان مخلصًا متجردًا؛ حيث لا يملك آليات الحل السليم، ولا المعلومات الدقيقة.
عاشرًا: حالة “الطناش” الإسلامية الشنيعة ! فهذه الأحداث المركَّبة تتفاقم منذ أكثر من عشر سنوات، ولا حراك، ولا شك أن ترك السودان بمفرده في هذه الأزمة سيجعل قضية انفصال دارفور أمرًا مسلَّمًا به.
أما آليات الحل فتشمل هذه الأمور
أولاً: لابد أن تدخل السودان في بؤرة اهتمام العالم الإسلامي، فلقد عاش السودان لسبب أو لآخر زمناً طويلاً بمعزل عن فكر ووجدان العالم الإسلامي، وهذا خطأ مركب شارك فيه علماء ودعاة وسياسيون واقتصاديون وإعلاميون وغيرهم. ومن ثم فالبداية أن نحرك مشاعر المسلمين وعقولهم تجاه حب السودان، والحرص عليه، والتعاطف معه، بل والتضحية من أجله، فهو في البداية والنهاية بلد إسلامي عريق، وشعبه من الشعوب التي تتميز بفطرة إسلامية أصيلة، ويغلب على أفرادها الطيبة والمودة والكرم.
إننا نحتاج أن نضع السودان في دائرة الاهتمام الأولى من حياتنا، ونحتاج أن نجد في مكتباتنا المؤلفات العديدة عن تاريخ السودان وواقعه، وعن اقتصاده وسياسته واجتماعياته وفنونه، وغير ذلك من أوجه النشاط فيه، ونحتاج أيضاً أن نتعرف على أعلامه ورموزه، وأن نشارك بقوة في فعالياته.
ثانياً: لابد من فهم قضية السودان بشكل عام، ودارفور بشكل خاص، فما نكتبه من أوراق لا يمثل إلا صفحة واحدة من كتاب السودان الضخم، وبداية الحل دائماً هي الفهم، ولا يمكن أن نقدم مشروعاً ناجحاً بغير فهم دقيق للأحداث؛ وهذه في الواقع الأمر مشكلة كبرى؛ لأن المعلومات عن إقليم دارفور أو السودان بشكل عام – متضاربة جداً، وغير موثقة بالمرة، وبالتالي فإننا نريد من المخلصين المتخصصين في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية وغيرها، أن ينفقوا الوقت والجهد من أجل إخراج دراسات أصيلة ترفع الواقع الموجود بصدق، وتنقل الصورة الحقيقية لداخل السودان بكامله، وتستمع إلى كل الأطراف، ولا مانع – بل لابد – من دراسات ميدانية تشاهد وتسمع وتسجل. كما لابد من استبيانات شاملة تنقل رؤى المواطنين ومشاكلهم وأحلامهم واقتراحاتهم، وهذا جهد لابد أن يشارك فيه المخلصون من أبناء السودان في داخل أرضه وفي خارجها، كما لابد أن يشارك فيه العلماء من كل بقاع العالم الإسلامي.
ثالثاً: لابد من خطة واقعية عملية طويلة المدى للارتقاء مدنياً بإقليم دارفور وغيره من الأقاليم الواسعة في السودان؛ فالجميع ممن عاش في دارفور أو زارها يشهد بضعف التنمية في هذا الإقليم المهم، وليس معنى هذا أنها لا تشهد أي تنمية، ولكن ما نراه هناك من مشروعات وأعمال لا يتوازى مطلقاً مع ساحة الإقليم أو عدد سكانه أو ثرواته، وهذه نقطة تحتاج إلى مراجعة

ببينيتو موسوليني

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد العسكر2080

بينيتو موسوليني
بينيتو أندريا موسوليني حاكم إيطاليا ما بين 1922 و1943. رئيس الدولة الإيطالية ورئيس وزرائها وفي بعض المراحل وزير الخارجية والداخلية. من مؤسسي الحركة الفاشية الإيطالية وزعمائها، سمي بالدوتشي أي القائد من عام 1930 م إلى 1943 م. ويكيبيديا
الميلاد: ٢٩ يوليو، ١٨٨٣، بريدابيو، إيطاليا
الطول: ١٫٦٩ م
الاغتيال: ٢٨ أبريل، ١٩٤٥
الابناء: إيدا موسوليني، رومانو موسوليني، برونو موسوليني، فيتوريو موسوليني، آنا ماريا موسوليني، بنيتو البينو موسوليني
الزوج/الزوجة: راتشيل موسوليني (متزوج ١٩١٥–١٩٤٥)، إيدا دالسر (متزوج ١٩١٤)
الوالدان: اليساندرو موسوليني، روزا ملتوني

ببينيتو موسوليني :

كان موسوليني في فترة حكمه رئيس الدولة الإيطالية ورئيس وزرائها وفي بعض المراحل وزير الخارجية والداخلية. من مؤسسي الحركة الفاشية الإيطالية وزعمائها. سمي ب الدوتشة (بالإيطالية: Il Duce) أي القائد. دخل حزب العمال الوطني ولكنه خرج منه بسبب معارضة الحزب لدخول إيطاليا الحرب عمل موسولني في تحرير صحيفة افانتي (إلى الامام)ومن ثم أسس ما يعرف بوحدات الكفاح التي أصبحت النواة لحزبه الفاشي الذي وصل به الحكم بعد المسيرة التي خاضها من ميلانوا في الشمال حتى روما في الوسط دخل الحرب العالميه الثانية مع دول المحور أعدم مع أعوانه السبعة عشر في ميدان “دونجو” بميلانو على يد الشعب الإيطالي عام 1945.

ولد بينيتو موسوليني 29 يوليو 1883 وترعرع في قرية دوفو دينو بريدابيو قرية صغيرة بشمال إيطاليا.من أبوين إيطاليين روزا واليساندرو موسوليني.وسمي بنيتو على اسم الرئيس الإصلاحي المكسيكي بينيتو خواريس. وكانت والدته معلمة وأبوه حداد. كانت عائلته فقيرة كسائر عائلات الاقارب والجيران وعندما كان موسوليني طفلا كان همجي ومتهور. ومنع من دخول كنيسة والدته لسوء سلوكه فكان يرمي رواد الكنيسة بالحجارة.اضطر إلى دخول المدرسة متاخرا في مدرسة داخلية. لم يكن كثير الكلام ولكنه كان يجيد استعمال قبضته.. عندما كان في الثامنة من عمره كان يسرق ودائم الشجار مع بقية أقرانه. وكان دائم المشاكل في المدرسة وقد طرد من المدرسة لطعنه ولد آخر بالسكين في بطنه.

في عام 1902 هاجر إلى سويسرا هربا من الخدمة العسكرية. خلال هذه الفترة لم يستطع العثور على عمل دائم فيها، وتم القبض عليه بتهمة التشرد وسجن ليلة واحدة. ففي صبيحة يوم 24 يوليو 1902، أُوقف من طرف الشرطة تحت جسر قضى تحته ليلته. لم يكن بحوزته حينها إلا جواز سفر وشهادة التخرج من مدرسة المعلمين و15 سنتيما.

اشتغل مدرسا مؤقتا للصف الابتدائي في بلدة غوالتياري لكن لم يتمّ تجديد عقد عمله بسبب علاقة أقامها مع سيدة كان زوجها متغيبا لأداء الخدمة العسكرية.

قضى موسوليني الأشهر الأولى من عام 1904 بين جنيف وآنماس (في فرنسا المجاورة) في عقد اجتماعات وإلقاء محاضرات ذات طابع سياسي ونقابي إضافة إلى مراسلات صحفية مع منشورات ومجلات اشتراكية وفوضوية.

وفي شهر أبريل من عام 1904، أفلت – بفضل تدخل حاسم من سلطات كانتون تيشينو – من الإبعاد مجددا إلى إيطاليا التي حُوكم فيها بتهمة التقاعس عن أداء الواجب العسكري. ثم تحول إلى لوزان حيث سجل في كلية العلوم الاجتماعية وتابع لبضعة أشهر محاضرات عالم الاجتماع فيلفريدو باريت

بعد ذلك، وجد له عملا في مدينة تورينتو ذات الأصول الإيطالية والتي كانت تحت سيطرة النمسا -المجر في شباط / فبراير 1909. هناك اشتغل شغلا إداري للفرع المحلي للحزب الاشتراكي ومحررا لصحيفة اففينيري دل لافوراتوري (“مستقبل العامل”). في عام 1915 كان تزوج ورزق بابن من دالسير من سوبرامونتي بالقرب ترينتو. نشر رواية رومانسية مبتذلة بعنوان عشيقة الكاردينال بعد عفو عن الهاربين من خدمة الجيش.

في الفترة الفاصلة ما بين عامي 1908 و1910، أقام موسيليني في سويسرا لفترات متقطعة. فعمل بنّاء في شركة المقاولات البرية والحديدة في لوغانو حيث تعرف على الزعيم الاشتراكي غوليالمو كانيفاشيني الذي استضافه في بيته.

عندما اعلنت إيطاليا عام 1911 الحرب على تركيا وتحركت لغزو ليبيا، قاد موسوليني ككل الاشتراكيين، مظاهرات ضد الحرب وحوكم وسجن لعدة أشهر، وبعد إطلاق سراحه رحب به الاشتراكيون وعينوه رئيسا لتحرير جريدتهم الوطنية إلى الامام.

ثم فجأة ودون مقدمات أو مشاورات مع قيادة الحزب الاشتراكي نشر موسوليني مقالا في الجريدة يطالب فيه إيطاليا بالدخول إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، فطرد من عمله والحزب واتهم بالخيانة، وقد فسر هذا التحول بانه قبض مبلغا سريا من الحكومة الفرنسية.

بدأت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 وقد دخلت إيطاليا الحرب حيث قضى موسوليني عامين بالجيش وبعد انتهاء الحرب كانت إيطاليا تشهد كثيرا من المشاكل. لم يكن العمل متوفرا للجنود العائدين من الحرب.. والأسعار عالية ولم يكن باستطاعة الفقراء شراء حوائجهم. وكانت هناك الاضرابات في المدن وتشكلت العصابات من الفقراء وبدأت بحرق بيوت الاغنياء. وكان الجميع خائفا من شيء ما.وقد استشعر موسوليني مزاج الشعب وحالته النفسية وكان يرى غضب الجنود. لم يكن موسوليني راضي عن حياة الفقراء وكان يريد تغيير ذلك وكان يؤمن بأن العنف هو السبيل الوحيد لتحقيق ذلك.

أصبحت الفاشية حركة سياسية منظمه بعد اجتماع ميلانو، في 23 مارس 1919 (أسس موسوليني فاسكي دي كومباتيمنتو في 23 فبراير). بعد فشله في انتخابات 1919، تمكن موسوليني من دخول البرلمان في عام 1921. شكلت الفاشية فرق مسلحة من المحاربين القدامى سميت سكوادريستي لإرهاب الفوضويين والاشتراكيين والشيوعيين.

زحف موسوليني بتظاهراته الكبرى التي شارك فيها نحو أربعين الفا من أصحاب القمصان السود الذين جاءوا من مختلف المدن الإيطالية ليحقق مسيرته الكبرى إلى روما المتهرئة عام 1922. هؤلاء الذين لم يكن لهم أي وجود غداة الحرب العالمية الأولى، فاذا بهم خلال سنوات قليلة يصل تعدادهم إلى عشرات الالوف من المضللين، الذين يحملون هوية الحزب الذي شكله موسوليني وينعمون بالامتيازات، وسط أوضاع متردية سياسيا واقتصاديا، هيأت لموسوليني الذي تحول من الاشتراكية إلى الفاشية من جعل حزبه بديلا لدولة لم تعد ذات وجود ومكنه من القيام بحملة ديماغوجية حرك من خلالها الغرائز المتطرفة لعدد كبير من العاطلين عن العمل من الجنود المسرحين، ومن ذوي السوابق الاجرامية، ومن فلول عصابات الاجرام المنظم المافيا والكومورا وفايدا فجعل لهم ايديولوجية متعصبة حد التطرف ليملأ الفراغ السياسي والايديولوجي والروحي المأزوم بسبب الهزيمة المريرة في الحرب العالمية الأولى

ونتيجة لعدم تدخل الحكومة تفاقمت المشكلة فقام موسوليني مقابل دعم مجموعة من الصناعيين بالموافقة على استخدام قواته في كسر الاضراب ووقف الانتفاضات الثوريه. عندما فشلت الحكومات الليبراليه التي ترأسها جوفاني جوليتي، يفانوي بونومي وويجي فاكتا في وقف انتشار الفوضى. إيطاليا استجابت له بطريقة سحرية في البداية وعاد العمال لمصانعهم والطلاب إلى مدارسهم وبدأ الدوتشي رحلة للسيطرة على السلطة بحيث أصبح في النهاية الحاكم الوحيد الذي لايخضع الا للملك.

2 تشرين الأول/ أكتوبر وباحتفال بمدينة نابولي الجنوبية يصرخ موسوليني اما ان تعطي لنا الحكومة أو سناخذ حقنا بالمسير إلى روما وتجيبه الحشود.. إلى روما.. إلى روما. وبعد تنظيم الفاشيون لمظاهرات ومسيرات التهديد (مارسيا سو روما)”مسيرة روما” (28 أكتوبر 1922)، توجه 14000 فاشي إلى روما بالقطارات والحافلات، ونتيجة الذعر الذي شعرت به الحكومة عرض على موسوليني منصب وزير في الحكومة، وناشد رئيس الوزراء الملك إعلان حالة الطوارئ، لكن الأخير رفض.

دعي فيتوري مانويلي الثالث(الملك الإيطالي) موسوليني لتأليف حكومة جديدة وكان عمره آنذاك 39 سنة، وأصبح اصغر رئيس وزراء في تاريخ إيطاليا في 31 أكتوبر 1922.

هتلر .. قصته وسيرته

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد العسكر2080


هتلر من أبرز الزعماء الذين غيروا وجه العالم خلال القرن العشرين. و بين عدائه الشديد لليهود و إيمانه الراسخ بتفوق العرق الآرى الألمانى ظهرت عورات الحضارة الغربية الهشة التى تسمح لأحد قادتها المتهورين أن يقود العالم إلى مذابح يروح ضحيتها أكثر من 30 مليون قتيل.

أولا : هتلر في سطور

1889 ولادة أدولف هتلر في قرية برونو (النمسا) ـ 20 نيسان.
1907 فشله في دخول كلية الفنون.
1909 ـ 1913 هتلر يعيش حياة تشرد في شوارع فيينا.
1914 ـ 1918 مشاركته في الحرب العالمية الأولى التي انتهت بهزيمة ألمانيا.
1919 هتلر ينتسب إلى حزب العمال الألماني.
1920 تأسيس الحزب النازي.
1921 انتخاب هتلر رئيسا للحزب.
1924 محاكمة هتلر وسجنه لمدة خمس سنوات بتهمة الخيانة العظمى.
1924 هتلر يؤلف كتاب “كفاحي” في السجن.
1925 اطلاق سراحه بعد تسعة اشهر.
1930 وصول الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا.
1933 هتلر يصبح مستشارا لألمانيا.
1939 بداية الحرب العالمية الثانية لتوحيد جميع البلدان الناطقة بالألمانية.
1945 نهاية الحرب العالمية الثانية بهزيمة ألمانيا. وانتحار هتلر في 30 نيسان.

ثانيا : سيرته التاريخية :

ولد ادولف هتلر في 20 نيسان 1889 في برونو ( النمسا)، وهي بلدة صغيرة على ضفة نهر الإن الذي يجري من ألمانيا. وبعد ولادته بمدة قصيرة انتقلت عائلته إلى مدينة لينز في النمسا أيضا. وهناك دخل المدرسة الابتدائية، وكان تلميذا متفوقا، إلا انه بعد انتقاله إلى المدرسة الثانوية تكاسل ولم ينجح في دروسه، مما أثار حفيظة والده الذي كان راغبا في أن يكون ابنه موظفا حكوميا على غراره. ومن أهم أسباب انحدار مستواه الدراسي اهتمامه بالفنون ورغبته في أن يكون فنانا.
عام 1907 انتقل هتلر إلى فيينا (النمسا) في محاولة منه لتحقيق حلمه الفني. ولكن محاولته انتهت سريعا عندما رسب في امتحان الدخول إلى كلية الفنون الجميلة. غير انه بعد وفاة والدته في العام نفسه قرر البقاء في فيينا ، وبعد عام تقدم إلى امتحان الدخول وفشل فيه أيضا.
لم يستطع هتلر أن يحصل على وظيفة، بل كان يقوم بأعمال متفرقة لم تكف للإنفاق على مسكنه وطعامه. فكان يقيم في غرف رخيصة بالإيجار أو يقضي لياليه على مقاعد الحدائق العامة، ويعتمد على الحسنات في تامين الوجبات الغذائية الأساسية.
كان هتلر نمساويا من الناطقين بالألمانية. وأثناء إقامته في فيينا كره غير الألمان لأنه اعتبر نفسه ألمانيا، وقد سخر من الحكومة النمساوية التي كانت تعترف بثمان لغات رسمية، وآمن انه ما من حكومة يمكن أن تبقى في السلطة إذا حاولت معاملة كل الجماعات الاثنية بالتساوي، وانه لا بد في النهاية من تفضيل بعض على البعض الآخر.
عام 1913 انتقل هتلر إلى ميونيخ في ألمانيا، وعندما بدأت الحرب العالمية الأولى تطوع للخدمة في الجيش الألماني. وحارب ببسالة وتلقى تنويهين إلا انه رفع إلى رتبة عريف فقط. وعند نهاية الحرب كان هتلر يعالج في إحدى المستشفيات لإصابته بعمى مؤقت، نتيجة ما يرجح انه كان قنبلة من الغاز المسموم.
سلخت معاهدة فرساي التي وقعت في نهاية الحرب معظم الأقاليم الألمانية، وفرضت عليها نزع السلاح ودفع تعويضات هائلة. وعندما عاد الجيش إلى ألمانيا كانت البلاد في حالة يائسة، تعاني من الإفلاس ومن البطالة.
عام 1919 انتسب هتلر إلى حزب العمال الألماني الذي ما لبث أن صار اسمه “حزب العمال الوطني الاشتراكي الألماني”، ومن حروفه الأولى تكونت كلمة “نازي”.
دعا الحزب إلى اتحاد كافة الناطقين بالألمانية في وطن قومي واحد، بقيادة حكومة مركزية قوية، والى إلغاء معاهدة فرساي. وما لبث هتلر أن صار رئيسا للحزب وراح الناطقون بالألمانية من كافة البلدان ينتمون إليه بالآلاف، مدفوعين بخطبه النارية.
اثر نجاحه الملحوظ في تجنيد أعضاء جدد للحزب قام هتلر بإنشاء “قوات العاصفة” (ذات القمصان الرمادية)، بمثابة جيش للحزب هدفه قتال الجماعات الداعية إلى التشكيك في “الوحدة النازية”.
في 9 تشرين الثاني 1923 قاد هتلر ألفين من قوات العاصفة لاحتلال مقاطعة بافاريا واستبدال حكومتها، ولكن المحاولة فشلت والقي القبض على هتلر وحوكم ثم سجن لمدة خمس سنوات بتهمة الخيانة. وفي السجن ألف هتلر كتابه الشهير “كفاحي”، وقد ضمنه كل معتقداته ورؤيته لمستقبل ألمانيا.
أطلق سراح هتلر بعد تسعة اشهرن فعاد إلى بناء الحزب من جديد. ولكن السلطات الألمانية كانت قد فرضت حظرا على مطبوعات الحزب ومنعت رئيسه من إلقاء خطب في الأمكنة العامة. غير أن ذلك لم يمنع هتلر من كسب أعضاء جدد. ثم أسس منظمة “القوات الخاصة” من مجموعات من المقاتلين المدربين والمعدين للالتحاق السريع بوحداتهم عندما تدعو الحاجة.
ومع بداية العام 1929 كان الحزب النازي قد صار واحدا من أهم أحزاب الأقلية في المجلس النيابي الألماني. وجاء الكساد الاقتصادي الذي ضرب العالم سنة 1930 ليزيد من مشاكل ألمانيا، إذ كان عليها، إضافة إلى متاعبها الاقتصادية، أن تسدد ديونا وتعويضات فرضت عليها في الحرب العالمية الأولى. وقد عارض هتلر وحزبه النازي دفع تلك التعويضات، قائلا إن اليهود والشيوعيين هم الذين تسببوا بخسارة ألمانيا للحرب، واعدا بتنظيف ألمانيا منهم وبتوحيد كل الناطقين بالألمانية في أوروبا وسائر مقاطعاتهم في دولة واحدة.
في انتخابات 1932 نال الحزب النازي ما يقارب ال 40% من الأصوات وصار اكبر حزب في ألمانيا. وفي 30 كانون الثاني 1933 قام الرئيس الألماني بول فون هايندنبرغ بتعيين هتلر مستشارا على ألمانيا. وما لبث أن صار حاكما فرديا وحصر السلطات كلها بيده. وبوفاة الرئيس الألماني (1934) صار هتلر الزعيم الأوحد وأعطى نفسه لقب “فوهرر” (القائد).
عرفت فترة حكم هتلر لألمانيا بعهد “الرايخ الثالث”، وأتاحت الفرصة لبث معتقداته بين الألمان بما يشبه غسل الأدمغة. وقد قاد حزبه حملة مركزة هدفها إقناع كل الناطقين بالألمانية بتكوين عرق آري متفوق على سواه. وكانت خطة هتلر أن يخلي بلاده من كل اليهود والغجر والسود والمعاقين والمتخلفين عقليا. وقد سما خطته ” الحل الأخير”.
بدأت الحرب العالمية الثانية عندما اجتاحت ألمانيا الأراضي البولندية (1939) كمقدمة لتوحيد كافة الناطقين بالألمانية. وقد أدت الظروف والأوضاع الدولية آنذاك إلى تحالف إيطاليا واليابان مع ألمانيا، مقابل التحالف الفرنسي ـ الأميركي ـ البريطاني ـ السوفياتي. ما أدى إلى نهاية الحرب بهزيمة قاسية لهتلر وحلفاؤه بعد خمس سنوات من القتال الذي راح ضحيته ملايين البشر، واستعملت خلاله القنابل الذرية للمرة الأولى في العالم.
لم يحتمل هتلر صدمة الهزيمة، فانتحر وهو في مركز قيادته تحت الأرض في 30 نيسان 1945، وبعد سبعة أيام أعلنت ألمانيا الاستسلام

ريتشارد الأول ملك إنجلترا .. (ريتشارد قلب الاسد)

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد العسكر2080

ريتشارد الأول (8 سبتمبر 1157 – 6 أبريل 1199) ملك إنجلترا منذ 6 يوليو 1189 وحتى وفاته. كما حكم كدوق لنورماندي (باسم ريتشارد الرابع) ودوق أقطانية وغاسكونية وسيد قبرص وكونت أنجو ومين ونانت وسيد عموم بريتاني على فترات أثناء عهده1. وقد عرف بلقب ريتشارد قلب الأسد، حتى قبل تتويجه بفضل سمعته كقائد عسكري ومحارب عظيم.[1] وسمّاه المؤرخون المسلمون ملك الإنكتار.[2]
في عمر السادسة عشرة، قاد ريتشارد جيشه، وأخضع التمردات على عرش أبيه هنري الثاني ملك إنجلترا في بواتو.[1] كما كان ريتشارد القائد الرئيس خلال الحملة الصليبية الثالثة، بعد أن رحل فيليب الثاني ملك فرنسا، وحقق انتصارات معقولة على منافسه المسلم صلاح الدين الأيوبي، بالرغم من عدم استطاعته الاستيلاء على القدس.[3]
تحدث ريتشارد لهجة (Langues d’oïl) وهي لهجة غالو رومانسية، إضافة إلى القسطانية وهي لغة أيضًا رومانسية كانت منتشرة في جنوب فرنسا والمناطق القريبة منها.[4] لم يُمض ريتشارد وقتًا طويلاً من حياته في مملكة إنجلترا، حيث عاش في دوقية أقطانية في جنوب غرب فرنسا، مفضلاً جعلها حائط صد لحماية مملكته.[5] كان أتباعه يعتبرونه بطلاً تقيًا. كما أنه من الملوك القلائل في إنجلترا، الذي غلب لقب شهرته (ريتشارد قلب الأسد) على لقب ترتيبه (ريتشارد الأول)، كما يعتبر من أيقونات إنجلترا وفرنسا.[6]

عائلته وشبابه[عدل]

خاتم ريتشارد الأول عام 1189
ولد ريتشارد في 8 سبتمبر 1157،[7] من المحتمل في قصر بومونت،[8] في أكسفورد بمملكة إنجلترا، وهو الشقيق الأصغر لويليام التاسع كونت بواتييه وهنري الملك الشاب وماتيلدا دوقة ساكسونيا.[9] ولكونه الابن الشرعي الثالث للملك هنري الثاني ملك إنجلترا، لم يكن متوقعًا أن يعتلي العرش.[10] كما كان شقيقًا أكبر لجيوفري الثاني دوق بريتاني وإليانور ملكة قشتالة وجوان ملكة صقلية وجون ملك إنجلترا الذي خلفه على عرش إنجلترا. أيضًا كان أخًا غير شقيق أصغر لماري كونتيسة شامبين وأليكس كونتيسة بلوا.[9] توفي ويليام أكبر أبناء هنري الثاني وإليانور آكيتيان عام 1156، قبل مولد ريتشارد.[9] غالبًا ما كان ريتشارد يوصف بأنه الابن المفضل لأمه إليانور آكيتيان.[11] والده هنري نورماني-إنجوي ينحدر من نسل ويليام الفاتح. وقد نسب المؤرخ المعاصر لتلك الفترة رالف الديسيتوي عائلته إلى ماتيلدا ملكة إسكتلندا والملوك الأنجلوساكسونيين لإنجلترا ولألفريد العظيم، حتى نوح ووودن. ووفقًا للأسطورة الأنجوية، فإنه تجري في عروقهم دماء شيطانية.[8]
على الأرجح أنه في الوقت الذي كان أبوه يتنقل بين أراضيه من إسكتلندا إلى فرنسا، كان ريتشارد يقضي طفولته في إنجلترا. ويرجع تاريخ أول وثيقة توثق زيارته للقارة الأوربية إلى مايو 1165 م، عندما صحبته أمه إلى نورماندي.[12] رضع ريتشارد من امرأة تدعى هوديرنا، التي منحها معاشًا كريمًا عندما أصبح ملكًا.[13] ولا يعرف الكثير عن تعليمه.[14] ورغم أنه ولد في أوكسفورد وتربى في إنجلترا إلى عمر الثامنة، إلا أنه من غير المعلوم إلى أي مدى استخدم أو فهم الإنجليزية. بينما من المعروف أنه كتب الشعر باللهجة الليموزية إحدى لهجات القسطانية، كما كتب بالفرنسية.[15] تكهن عدد من المؤلفين أن ريتشارد لم يكن يعرف الإنجليزية،[16] إلا أن الأدلة المتاحة للمؤرخين لم تكن قاطعة في هذا الشأن. ولا توجد كتابات معاصرة لتلك الفترة تذكر أن ريتشارد كان يجهل اللغة. وبالتأكيد، أثناء أسر ريتشارد استخدم شقيقه جون الإنجليزية في تعاملاته مع الأجانب لإنهاء سلطة مستشار ريتشارد ويليام لونغشامب النورماني. وفي إحدى التهم التي وجهها هيو نونات أسقف كوفنتري ضد لونغشامب، أنه لا يتحدث الإنجليزية. وهذا يدل على أنه بحلول نهاية القرن الثاني عشر، أصبح واجبًا على من في السلطة في إنجلترا، أن يكون على دراية باللغة الإنجليزية.[17][18]

ريتشارد قلب الأسد
يقال أن ريتشارد كان جذابًا للغاية، وقد كان شعره بين الأحمر والأشقر، كما كانت عينيه براقة مع بشرة شاحبة. ويرجح أن طوله كان أعلى من المتوسط، فوفقًا لكليفورد بروير، فقد كان طوله نحو 192 سم،[19] غير أنه لا دليل على تحديد طوله على وجه الدقة. ومنذ صغر سنه، أظهر ريتشارد قدرات سياسية وعسكرية، بدت ملحوظة وواضحة عندما قاتل النبلاء المتمردين في أراضيه. وقد تُوّج أخاه الأكبر هنري ملكًا على إنجلترا بالمشاركة مع أبيه في حياة أبيه.[20]
كان التحالف عن طريق الزواج شائعًا بين الأسر الملكية، فكانت تمهد للتحالفات السياسية ومعاهدات السلام، وتفتح الباب أمام مطالبات الأسر بحق وراثة العرش في ممالك الآخرين. تزوج هنري أخو ريتشارد الأكبر من مارغريت ابنة لويس السابع ملك فرنسا في 2 نوفمبر 1160.[21] كان هذا الزواج سببًا في بعض الصدامات التي كانت بين أسرتي بلانتجانت وكابيه ملوك فرنسا. وفي عام 1168، كان تدخل البابا ألكسندر الثالث ضروريًا لعقد هدنة بينهما، بعد أن غزا هنري الثاني بريتاني وسيطرت على جيزور وفيكسين، اللتان كانتا جزءً من مهر مارغريت.[22] قبل ذلك بأعوام، كان من المقترح أن يتزوج ريتشارد من أليس كونتيسة فيكسين رابع بنات لويس السابع، وبسبب النزاع بين ملوك إنجلترا وفرنسا، عارض لويس الزواج. عقدت معاهدة سلام في يناير 1169، وتمت الموافقة على خطبة ريتشارد لأليس.[23] قرر هنري الثاني تقسيم أراضيه وأراضي زوجته على أبنائه، الذين كان عددهم ثلاثة في ذاك الوقت، فأصبح هنري ملك إنجلترا، وسيطر على أنغو ومين ونورماندي، بينما حصل ريتشارد على أقطانية من والدته وأصبح كونت بواتييه، فيما حصل جيوفري على بريتاني من خلال زواجه كونستانس ولية عهد بريتاني. وخلال حفل خطبته لأليس، جعل هنري ولاء أقطانية لملك فرنسا، وبذلك وطّد أواصر العلاقات بين البلدين.[24]
في عام 1170، نفذ هنري الثاني خطته بتقسيم أراضيه على أبنائه عندما أحس بأن مرضه اشتد به، مع احتفاظه بسلطته الكاملة على أبنائه وأراضيهم. وفي عام 1171، غادر ريتشارد إلى أقطانية مع والدته، ومنحه أباه دوقية أقطانية بناءً على طلب والدته[25] بدأ ريتشارد وأمه جولة في أقطانية لاستمالة السكان المحليين.[26] ثم أسسا دير القديس أوغسطين في ليموج. وفي يونيو 1172، تم الاحتفال بتنصيبه دوقًا على أقطانية في بواتييه، وأعيد في ليموج حيث ارتدى خاتم القديس فاليري شفيع أقطانية.[27]
الثورة على هنري الثاني[عدل]
وفقًا للمؤرخ رالف الكوجيشالي، فإن هنري الملك الشاب كان المحرض على التمرد ضد هنري الثاني، فقد أراد أن يحكم بشكل مستقل الأراضي التي وعده إياها أباه، وكسر أغلال تبعيته لأبيه والسيطرة على الخزانة.[28] ويعتقد جان فلوري المؤرخ المتخصص في فترة القرون الوسطى، أن إليانور شجعت أبنائها على الثورة ضد أبيهم.[29] مما دفع هنري الملك الشاب لترك أبيه، والذهاب للبلاط الفرنسي سعيًا وراء حماية لويس السابع. ثم سرعان ما لحقه أشقائه الأصغر سنًا ريتشارد وجيوفري، بينما ظل جون البالغ من العمر 5 سنوات مع أبيه. دعم لويس الأبناء الثلاثة، وجعل ريتشارد فارسًا، ليجعلهم من أتباعه.[30] مما جعل جوردان فانتوسمي الشاعر المعاصر لتلك الأحداث يصف التمرد بأنه “حرب بلا حب”.[31]

القلعة التي انسحب إليها ريتشارد، بعدما أسرت قوات هنري الثاني ستين فارسًا وأربعمائة راميًا من رجاله الذين قاتلوا معه في سانتس.[32]
أقسم الأشقاء الثلاثة في البلاط الفرنسي أنهم لن يعقدوا أي اتفاقات مع هنري الثاني دون الرجوع للويس السابع والبارونات الفرنسيين.[33] وبدعم من لويس، جذب هنري الملك الشاب العديد من البارونات لصفه، بعد أن وعدهم بأراض وأموال. كان للأشقاء مؤيديهم في إنجلترا المستعدين للثورة، بقيادة روبرت دي بومونت إيرل ليشستر وهيو بيغود إيرل نورفولك وهيو دي كيفيلوك إيرل شيستر وويليام الأول ملك إسكتلندا. نجح التحالف في البداية، وبحلول يوليو 1173، حاصروا أومالي ونوف-مارشيه وفرنويل، كما سيطر هيو دي كيفيلوك على مدينة دول في بريتاني.[34] ذهب ريتشارد إلى بواتو لمساندة البارونات الموالين له ولأمه في تمرده على أبيه. ثم سقطت أمه في الأسر، فاضطر ريتشارد لمواجهة مؤيدي أبيه في أقطانية وحده. فتوجه للاستيلاء على لا روشيل، إلا أن سكانها رفضوه، فانسحب إلى مدينة سانتس التي اتخذها قاعدة تنطلق منها حملاته.[35][36]
في الوقت نفسه، جهز هنري الثاني جيشًا من 20,000 من المرتزقة لمواجهة التمرد.[34] فتوجه نحو فرنويل، فانسحب لويس بقواته. ثم استولى على دول وسيطر على بريتاني. عندئذ، قدّم هنري الثاني عرضًا للسلام مع أبنائه، إلا أنهم بنصيحة من لويس رفضوا العرض.[37] استولى هنري الثاني بعدئذ على سانتس وأسر معظم حاميتها، وفر ريتشارد في مجموعة صغيرة من الجند. ثم لجأ إلى قلعة تيليبورغ باقي الحرب.[35] خطط هنري الملك الشاب وكونت الفلاندرز للرسو بقواتهم في إنجلترا لدعم قوات إيرل ليشستر. ولتوقعه ذلك، عاد هنري الثاني لإنجلترا مع 500 جندي وأسراه (بما في ذلك إليانور وزوجات أبنائه وخطيباتهم)،[38] ولكن عند وصوله وجد أن التمرد قد انهار بالفعل. فقد أسر ويليام الأول ملك إسكتلندا وهيو بوغارد في 13 و 25 يوليو على التوالي. فعاد هنري الثاني إلى فرنسا حيث رفع حصار روان، فلحق هنري الملك الشاب بلويس السابع بعد أن تخلى عن خطته لغزو انجلترا. وبهزيمة لويس، تم التوقيع على معاهدة سلام مونتلويس[39] في سبتمبر 1174.[37]
عندما دخل هنري الثاني ولويس السابع في الهدنة يوم 8 سبتمبر 1174، استثني ريتشارد من الهدنة على وجه الخصوص.[38][40] وبعد أن هجره لويس، وخوفًا من مواجهة جيش والده في معركة، ذهب ريتشارد إلى بلاط هنري الثاني في بواتييه في 23 سبتمبر، وتوسل طالبًا المغفرة وبكى وسقط تحت أقدام هنري، الذي منح ريتشارد قبلة السلام.[38][40] وبعد عدة أيام، سعى إخوة ريتشارد سعيه في مصالحة والدهم.[38] قبل الأشقاء الثلاثة بشروط صلح أقل سخاءً من تلك التي عرضها عليهم أبيهم من قبل،[33] مُنح ريتشارد قلعتين في بواتو ونصف دخل أقطانية، ومُنح هنري الملك الشاب قلعتين في نورماندي، وجيوفري نصف دخل بريتاني. بينما ظلت إليانور أسيرة هنري الثاني حتى وفاته، كتأمين لضمان التزام ريتشارد بالصلح.[41]
تحت حكم هنري الثاني[عدل]

عملة فضية سُكّت عندما كان ريتشارد كونتًا لبواتييه.
بعد انتهاء التمرد، بدأت عملية تهدئة الأوضاع في المقاطعات التي تمردت على هنري الثاني، فسافر إلى أنجو لهذا الغرض وتعامل جيوفري مع بريتاني. وفي يناير 1175، تم إرسال ريتشارد لأقطانية لمعاقبة البارونات الذين قاتلوا من أجله. وفقًا للمؤرخ روجر الهوديني مؤرخ عهد هنري، أعيدت معظم القلاع التي استولى عليها المتمردون إلى الحالة التي كانت عليها قبل 15 يومًا من اندلاع الحرب، بينما كان لابد من نسف بعضها.[42] كان من الشائع في تلك الفترة بناء القلاع من الحجر، وقد قام العديد من البارونات بتوسيع أو تحصين قلاعهم، وهي مهمة لم تكن سهلة.[43] ونظرًا لنجاحه في حملته تلك،[42] اكتسب ريتشارد لقب “ريتشارد قلب الأسد”.[43] كانت أولى نجاحاته حصار قلعة سور أجين، التي عرفت بأنها من القلاع القوية، ولكن بعد حصار مدته شهرين، استسلم المدافعون لريتشارد.[44]
في عامي 1181-1182، واجه ريتشارد تمردًا في مقاطعة أنغوليم، ولجأ خصومه إلى فيليب الثاني ملك فرنسا للحصول على الدعم، ودار القتال في ليموزا وبيريغورد. اتهم ريتشارد بارتكاب أعمال وحشية ضد رعاياه، بما في ذلك الاغتصاب.[45] ولكن مع دعم أبيه وشقيقه هنري الملك الشاب، نجح ريتشارد في إخضاع التمرد. وفي يونيو 1183، توفي هنري الملك الشاب. وبوفاة هنري الملك الشاب، أصبح ريتشارد الابن الأكبر ووريث التاج الإنجليزي.
ولتقوية مركزه، في عام 1187، تحالف ريتشارد مع فيليب الثاني، ابن زوج أمه السابق لويس السابع ملك فرنسا. وقد كتب المؤرخ روجر الهوديني قائلاً:
ريتشارد الأول ملك إنجلترا أصابت ملك إنجلترا دهشة كبيرة، وتساءل ما معنى ذلك [يعني التحالف]، واتخذ احتياطاته المستقبلية، فأرسل رسلاً إلى فرنسا لاستدعاء ابنه ريتشارد الذي تظاهر بميله للسلام واستعداده للقدوم إلى والده، واتخذ طريقه إلى شينو، وبدلاً من توجهه بعهدته من الكنوز الكثيرة إلى والده، وتحصينه القلاع في بواتو. رفض أن يذهب إلى والده.[46] ريتشارد الأول ملك إنجلترا
وعمومًا، تناول الهوديني بالدرجة الأولى العلاقات السياسية بين ريتشارد والملك فيليب. فيما تناول المؤرخ جون جيلينغهام نظريات تشير إلى وجود علاقة جنسية بينهما، مستدلاً بوثيقة تشير – كرمز للوحدة بين البلدين – إلى كون الاثنان كانا يناما في سرير واحد. وصف جيلينغهام ذلك بأنه “فعل مقبول سياسيًا، لا يمت للاتصال الجنسي بصلة؛ … تمامًا كالتقاط الصور في العصر الحديث.”[47] كما قدم ريتشارد ولائه لفيليب في نوفمبر 1188.[48] وفي العام التالي، حاول ريتشارد الوصول لعرش إنجلترا من خلال الانضمام إلى حملة فيليب على إنجلترا.[49] وفي 4 يوليو 1189، هزم ريتشارد وقوات فيليب جيش هنري الثاني في بالانز. فوافق هنري مع رضا جون، على تسمية ريتشارد خليفة له.[50] وبعد يومين، توفي هنري الثاني في شينون، وخلفه ريتشارد كملك على إنجلترا وكدوق لنورماندي وكونت لأنجو.
ريتشارد ملكًا والحملة الصليبية[عدل]

التتويج الملكي والعنف ضد اليهود[عدل]

ريتشارد خلال تتويجه في دير وستمنستر
أعلن ريتشارد رسمياً دوق نورماندي في العشرين من يوليو عام 1189 ثم توّج ملكاً في دير وستمنستر في الثالث من سبتمبر من نفس العام.[51] منع ريتشارد جميع اليهود والنساء من حضور مراسم التتويج. على الرغم من ذلك، حضر بعض قادة اليهود مقدمين له الهدايا. [52] وفقاً للمؤرخ رالف ديكيتو، قام أتباع ريتشارد بضرب وجلد اليهود وتجريدهم مما بحوزتهم ومن ثم طردهم إلى الخارج. [53]
انتشرت شائعة بأن ريتشارد قد أمر بقتل جميع اليهود. فقام سكان لندن بارتكاب مجزرة بحقهم.[53] تعرض الكثير منهم للضرب حتى الموت، وللسرقة، كما حرق بعضهم أحياء.[53] هدمت العديد من منازلهم، وتعرض بعضهم للتعميد قسراً.[53] اتخذ بعضهم من برج لندن ملاذاً، بينما فرّ الآخرون للحفاظ على حياتهم. ادّعى البعض أن مرتكبي هذه الجرائم كانوا مجرد مواطنين غيورين ومتعصبين، وأن الملك ريتشارد قام بمعاقبتهم. كما قام بالسماح لليهود الذين أجبروا على ترك دينهم بالعودة إلى اليهودية. يشار إلى أن مشاركة ريتشارد في الجرائم ضد اليهود لم يثبت قط[54].
شعر ريتشارد بأن هذه الاعتداءات قد تزعزع من استقرار مملكته قبيل رحيله للمشاركة في الحملة الصليبية الثالثة. لذلك أمر ريتشارد بإعدام المسؤولين عن أفظع جرائم القتل والإضطهاد. من ضمنهم من أحرق بعض منازل المسيحيين عن طريق الخطأ.[55] وأصدر مرسوماً ملكياً يطالب بترك اليهود بشأنهم وعدم الاعتداء عليهم. على الرغم من ذلك، استمرت الاعتداءات في شهر مارس مثل مجزرة يورك التي وقعت في 16 مارس 1190 والتي تعتبر واحدة من أبشع المجازر وأشرسها.
التجهيز للحملة الصليبية[عدل]

صورة رسمتها ماري-جوزيف بلونديل لريتشارد في القرن التاسع عشر.
بعد أن أصبح ريتشارد ملكًا، وافق هو وفيليب، على الذهاب في الحملة الصليبية الثالثة، لأن كليهما خشى أن يغتصب الآخر أراضيه في غيابه.[56] وبدأ في تجهيز الجيش الصليبي الجديد، فأنفق معظم ما في خزانة والده (الممتلئة بالأموال التي جمعتها عشور صلاح الدين)، وزاد الضرائب، وحتى وافق على إطلاق سراح الملك ويليام الأول ملك إسكتلندا نظير قسمه بأن يدفع لريتشارد 10,000 قطعة فضية. ولجمع المزيد من الأموال، باع العديد من الألقاب الرسمية والامتيازات والأراضي للراغبين.[57] كما إضطر من يحملون ألقابًا بالفعل لدفع مبالغ ضخمة للاحتفاظ بمناصبهم. فدفع ويليام لونغشامب أسقف إيلي ومستشار الملك 3,000 قطعة فضية للاحتفاظ بمنصبه كمستشار للملك.[58]
كما قام ريتشارد بعض الترتيبات النهائية في أراضيه في القارة،[59] فعيّن ويليام فيتزرالف حاكمًا على نورماندي. وفي أنجو، أقال ستيفن التوري من منصبه كحاكم، وسجنه مؤقتًا لسوء إدارته المالية، واستبدله بباين دي روشفور. وفي بواتو، عين بيتر بيرتن حاكمًا، وفي غاسكونية، اختار لها هيلي دي لا سيل حاكمًا. ثم انطلق في الحملة الصليبية في صيف 1190.[59] وعين هيو دي بوسيه أسقف دورهام وويليام دي ماندفيل إيرل إسكس كأوصياء على العرش، لكن سرعان ما توفي الأخير وخلفه مستشار ريتشارد ويليام لونغشامب،[60] وهي القرارات التي لم ترض جون شقيق ريتشارد.
انتقد بعض المؤرخين ريتشارد لقضاء ستة أشهر فقط من حكمه في إنجلترا، ومصّ موارد المملكة لدعم حملته. فيقول المؤرخ ويليام ستابس:
ريتشارد الأول ملك إنجلترا كان ملكًا سيئًا. إلا أن مآثره العظيمة كمهارته العسكرية وسخائه وتذوقه للشعر وروحه المغامرة، لم تشفع له ليتعاطف معه شعبه. لم يكن إنجليزيًا، لكن ذلك لا يعني أنه منح نورماندي أو أنجو أو أقطانية الحب أو الرعاية التي حرم منها مملكته. كان طموحه كمحارب: أن يقاتل من أجل أي شيء أيا كان، لكنه على استعداد لأن يبيع أي شيء قاتل من أجله. كان المجد الذي سعى خلفه هو النصر لا الفتح.[61] ريتشارد الأول ملك إنجلترا
تذرع ريتشارد بأن إنجلترا “باردة والسماء تمطر دومًا”، وعندما كان يجمع الأموال لحملته، قال أنه “على استعداد لبيع لندن لمن يشتري.”[62] ومع ذلك، على الرغم من إنجلترا مثلت قيمة كبيرة وجزءً كبيرًا من أراضيه، وبالأخص لأنها منحته لقب ملكي جعله على قدم المساواة مع الملوك الآخرين، لم توجه إنجلترا له أي تهديدات داخلية أو خارجية كبيرة خلال فترة حكمه، على عكس أراضيه في القارة، لذا لم تتطلب حضوره الدائم هناك. وكمعظم ملوك بلانتاجانت قبل القرن الرابع عشر، لم يكن في حاجة لاستخدام اللغة الإنجليزية على نطاق واسع. وبتركه البلاد في أيدي عدة مسؤولين (بما فيهم والدته)، أصبح ريتشارد أكثر قلقًا على أراضيه الفرنسية الواسعة. وبعد كل تجهيزاته تلك، أصبح لديه جيشًا من 4,000 رجل مثقل بالأسلحة، و 4,000 جندي مشاة وأسطولاً من 100 سفينة.
احتلال صقلية[عدل]
توج تانكريد ملكاً على صقلية عام 1189 بعد وفاة ويليام الثاني على الرغم من أن كونستانس زوجة الإمبراطور هنري السادس كانت الوريثة الشرعية للحكم. زج الملك تانكارد الملكة جوان بالسجن ورفض إعطائها ميراثها المستحق، وهي أرملة ويليام وأخت ريتشارد. وفي سبتمبر 1190، وصل كل من ريتشارد وفيليب إلى جزيرة صقلية.[63] وفور وصول ريتشارد طالب تانكارد بإطلاق سراح أخته وإعطائها الميراث. خرجت جوان من السجن في 28 سبتمبر ولكن تانكارد رفض إعطائها ميراثها.[64]
شعر سكان مسينا بالضيق نتيجة تواجد قوات أجنبية على أرضهم، فثاروا مطالبين بخروجهم.[65] فهاجم ريتشارد مدينة مسينا واستولى عليها في الرابع من أكتوبر عام 1190.[65] وبعد سلب ونهب وحرق المدينة، أسس ريتشارد قاعدة له فيها. خلق هذا العمل حالة من التوتر بين ريتشارد وفيليب. بقي ريتشارد في صقلية حتى وافق تانكارد أخيراً على توقيع معاهدة. تم توقيع المعاهدة في 4 مارس 1191 بين كل من ريتشارد وفيليب وتانكارد.[66] كانت شروطها الأساسية:
تحصل جوان على 20,000 أونصة من الذهب تعويضاً لها على الميراث الذي لم يعطها إياه تانكارد.
أعلن ريتشارد رسمياً ابن أخاه آرثر دوق بريتاني ولي عهده ووريث حكمه، وعلى تانكارد أن يعده بتزويج آرثر إحدى بناته عندما يبلغ سن الرشد.
بقي ريتشارد وفيليب في صقلية بعضاً من الوقت، مما أدى إلى زيادة حدة التوتر بينهما، حتى أن فيليب أراد التآمر مع تانكارد على ريتشارد.[67] لكن الخصومة انتهت عند لقائهما حيث توصلا إلى اتفاقية تضمنت إنهاء خطبة ريتشارد لأليس شقيقة فيليب.[68]
غزو قبرص[عدل]

الشرق الأدنى إبّان الحملة الصليبية الثالثة (قبرص بارزة باللون البنفسجي)
في أبريل 1191، خرج ريتشارد بأسطوله الكبير من مسينا متوجهاً إلى عكا.[69] لكن الأسطول تعرض إلى عاصفة أدت إلى تفريقه. وبعد البحث، اكتشف ريتشارد أن القارب الذي أقلّ أخته وخطيبته برنجاريا قد رسى على الساحل الجنوبي لجزيرة قبرص جنباً إلى جنب مع حطام بقية السفن. وتعرض الناجون من الحادث للأسر من قبل الحاكم إسحاق كومنينوس.[70]
وصل أسطول ريتشارد في الأول من مايو عام 1191 إلى ميناء ليماسول في قبرص.[70] طلب ريتشارد من إسحاق إطلاق سراح السجناء،[70] إلّا أن طلبه قوبل بالرفض. ردًا على ذلك، استولى ريتشارد على ليماسول.[71] ثم وصل عدد من الأمراء إلى ليماسول، وكان من ضمنهم غي دي لوزينيان. وأعلن الجميع دعمهم لريتشارد الذي قام بدوره بدعم غي دي لوزينيان ضد غريمه كونراد من مونفيراتو.[72]
نبذ البارونات المحليون إسحاق، الذي اعتبروه صانع السلام مع ريتشارد والذي وافق على المشاركة في الحملة الصليبية وعلى تزويج ابنته من ريتشارد.[73] لكن إسحاق غير رأيه وحاول الهرب. أما ريتشارد فبدأ حملة الاستيلاء على الجزيرة بأكملها مستعينًا بقواته تحت قيادة غي دي لوزينيان، فاستسلم إسحاق. ومع حلول الأول من يونيو، كان ريتشارد قد سيطر على قبرص بأكملها. ثم باع ريتشارد الجزيرة لفرسان الهيكل، ثم أصبحت قبرص في عام 1192 تحت حكم غي دي لوزينيان الذي جعل منها مملكة إقطاعية مستقرة.[74]
كان الغزو السريع لقبرص مهماً جداً بالنسبة للأوروبيين، لكونها تحتل الجزيرة موقعاً استراتيجياً واقعاً على الممرات المائية على طريق الأراضي المقدسة، والتي كان من المستحيل احتلالها بدون الدعم القادم من البحار.[74] وقد ظلت قبرص معقلاً للمسيحية حتى معركة ليبانتو عام 1571.[75][76] وقد ساهم غزو ريتشارد لجزيرة قبرص في زيادة شهرته، كما أنه أمده بمكاسب مالية كبيرة.[75] ثم غادر ريتشارد مع حلفائه إلى عكا في الخامس من شهر يونيو عام 1191.[75]
الزواج والحياة الجنسية[عدل]
قبل مغادرة قبرص، تزوج ريتشارد من برنجاريا الابنة الكبرى لسانشو السادس ملك نافارا2، التي تعرف عليها ريتشارد في بادئ الأمر من خلال مسابقة كانت قد أقيمت في موطنها نافارا.[77] عقد حفل الزفاف في 12 مايو 1191 في كنيسة القديس جورج في مدينة ليماسول القبرصية، بحضور أخته جوان التي كان قد أحضرها ريتشارد من صقلية. كان حفل الزفاف ضخماً، وغايةً في الروعة والفخامة، محتوياً على الكثير من الولائم والأطعمة، ووسائل التسلية. كما تبعه احتفالات ومسيرات عامة، من ضمنها التتويج الملكي المزدوج، حيث توّج ريتشارد ملكاً على قبرص، وتوجت برنجاريا ملكةً على كل من قبرص وإنجلترا. أراد ريتشارد هذا الزواج من أجل الحصول على نافارا وجعلها إقطاعية، كما حصل أبوه على أقطانية بزواجه من إليانور. كما أن والدته دعمت زواجه من برنجاريا، من أجل تأمين حدود أقطانية الجنوبية حيث تقع نافارا. وبعد الزواج بوقت قصير، ذهب ريشارد إلى الحملة الصليبية برفقة زوجته الجديدة، لكنهما عادا بشكل منفصل. وقد واجهت برنجاريا صعوبات جمة في طريق العودة كما حدث مع ريتشارد. ولم ترَ إنجلترا إلّا بعد وفاته. وبعد إطلاق سراح ريتشارد من الأسر الألماني، أبدى ريتشارد بعض الأسف على ما فعله سابقاً لكنّه مع ذلك لم يعد إلى زوجته.[78] ولم ينجبا أطفالاً من هذا الزواج.
منذ خمسينيات القرن الماضي، أصبحت قضية حياة ريشارد الجنسية مثيرة للإهتمام والجدل. مع أنه من النادر ما عالج المؤرخون الفيكتوريون والإدوارديون هذه المسألة، إلّا أن المؤرخ جون هارفي تحدى عام 1948 ما كان ينظر إليها على أنها مؤامرة الصمت التي تحيط بشذوذ ريتشارد الجنسي.[79] اعتمدت تلك الفكرة في المقام الأول على الوثائق التاريخية التي تخص سلوك ريتشارد، حيث تؤكد بعض السجلات التاريخية أن ريتشارد قام بالاعتراف والتوبة مرتين. كما أنه لم ينجب أطفالاً طيلة فترة زواجه من برنجاريا.[80]
ويتحدث المؤرخ روجر الهوديني عن راهب كان قد حذّر ريتشارد من خطر اللواط وطلب منه عدم القيام بالأعمال غير المشروعة، وبناءً على ذلك كان ريتشارد قد حصل على الغفران، فعاد إلى زوجته التي هجرها زمناً طويلاً، وابتعد عن الفاحشة التي كان يقوم بها، وظلّ مخلصاً لزوجته حتى أصبحا كالجسد الواحد.[81] لكن هذه النظريات تناقض حقيقة أن ريتشارد أنجب طفلاً غير شرعي واحد على الأقل (فيليب)، وكذلك تناقض المزاعم التي تفيد بأن ريتشارد أقام علاقات جنسية مع النساء المحليات خلال الحملات التي كان يقوم بها.[82]
وما زال المؤرخون حتى اليوم منقسمين حول هذه القضية،[83] حيث يوجد بعض المؤيدين لنظرية جون هارفي،[84] في حين هناك مؤرخون لا يوافقونه مثل جون غيلينغهام،[85] الذي يعتقد أن ريتشارد كان طبيعياً.[86] أما المؤرخ جان فلوري، فيقول بأن معظم المؤرخين في الوقت الحاضر يعتقدون بأن ريتشارد كان مثلي الجنس،[84][87] مستدلاً بذلك على توبة ريتشارد (عام 1191 وكذلك 1195)، التي يقول فلوري أنها كانت توبة من اللواط.[88] كما يقول فلوري بأن ريتشارد أقام علاقات مع النساء بالقوة.[89] ويعتقد جون فلوري أن ريتشارد أقام علاقات مع كل من النساء والرجال خلال مراحل مختلفة من حياته.[90] إلّا أن فلوري يوافق غيلينغهام بعدم تصديق الإدّعاءات التي تقول بأن ريتشارد كان على علاقة مع فيليب الثاني ملك فرنسا، والتي يصدقها بعض المؤرخين في الوقت الحاضر.[91]
في الأرض المقدسة[عدل]

تصور لريتشارد (يسار) وصلاح الدين (يمين) يعود للفترة بين عامي 1250-1260.
رسى ريتشارد بقواته في عكا في 8 يونيو 1191.[92] وقدّم دعمه لابن مقاطعته البواتوي غي دي لوزينيان، الذي أرسل له الجنود لمساعدته في قبرص. كان غي زوجًا لأرملة ابن عم أبيه سيبيلا ملكة أورشليم، وكان يحاول المحافظة على مملكة أورشليم، وبوفاة زوجته أثناء حصار عكا في العام السابق. نافسه كونراد من مونفيراتو زوج إيزابيلا شقيقة سيبيلا وابن عم لويس السابع والد فيليب الثاني في المطالبة بالعرش. تحالف ريتشارد مع هيمفري الرابع لورد تورون زوج إيزابيلا الأول الذي أرغم على تطليقها عام 1190. كان هيمفري يدين بالولاء لغي ويتحدث العربية بطلاقة، فاستخدمه ريتشارد كمترجم وكدليل.
ساهم ريتشارد وقواته في الاستيلاء على عكا، رغم مرضه الشديد. في النهاية، تفاوض كونراد من مونفيراتو مع صلاح الدين على شروط الاستسلام ورفع رايات الملوك على المدينة. اختلف ريتشارد مع ليوبولد الخامس دوق النمسا حول مشاركة إسحاق كومنينوس حاكم قبرص في الحملة الصليبية. رفع ليوبولد رايته في مستوى الرايتين الإنجليزية والفرنسية. ففسر ذلك ريتشارد وفيليب أنها غطرسة، فليوبولد تابع للإمبراطور الروماني المقدس (على الرغم من أنه الزعيم الأعلى رتبة من بين القوات الإمبراطورية). مزق رجال ريتشارد الراية، ورموها في خندق عكا. فغادر ليوبولد الحملة الصليبية الثالثة فورًا. ثم غادر فيليب بعد ذلك بوقت قصير، وهو في حالة صحية سيئة، وبعد مزيد من النزاعات مع ريتشارد حول وضع قبرص (طالب فيليب بنصف الجزيرة) وتملك أورشليم. ليجد ريتشارد نفسه فجأة، بلا حلفاء.
استبقى ريتشارد 2,700 أسير مسلم كرهائن ضد صلاح الدين الأيوبي للوفاء بجميع شروط استسلام الأراضي حول عكا. وقبل أن يغادر فيليب، سلّم أسراه إلى كونراد، لكن ريتشارد أجبره على تسليمهم له. خشي ريتشارد أن يعرقله الأسرى عن التحرك بقواته من عكا، فأمر بإعدامهم جميعًا.[93][94][95][96] ثم اتجه جنوبًا، وهزم قوات صلاح الدين الأيوبي في معركة أرسوف في 7 سبتمبر 1191‏3. وفي نوفمبر 1191، بعد الاستيلاء على يافا، تقدم الجيش الصليبي نحو القدس. وصل إلى بيت نوبا، على بعد 12 ميل من القدس. كانت معنويات المسلمين في القدس منخفضة جدًا خشية سقوط المدينة بسرعة. إلا أن الطقس الذي كان سيئًا باردًا مع أمطار غزيرة وعواصف، وهذا بالإضافة لخوفه من أن يحاصر جيشه في القدس، دفعاه للانسحاب والعودة إلى الساحل.[97] ثم حاول التفاوض مع صلاح الدين الأيوبي، إلا أنه لم ينجح في ذلك. وفي النصف الأول من عام 1192، حصّن هو وجنوده عسقلان.
اضطر ريتشارد بقبول كونراد كملك لأورشليم بعد أن تم انتخابه، ثم باع قبرص لغي دي لوزينيان.[74] وبعد أيام في 28 أبريل 1192، اغتيل كونراد على أيدي الحشاشين قبل تتويجه.[98] وبعد ثمانية أيام، تزوج ابن شقيقته هنري الثاني كونت شامبين من الأرملة إيزابيلا ملكة أورشليم, رغم حملها في ابن كونراد. لم يُعرف من وراء الجريمة، إلا أن المؤرخين يشتبهون في تورط ريتشارد.[99]
تقدم الجيش الصليبي مرة أخرى نحو القدس في يونيو 1192، ورغم ان المدينة كانت على مرمى البصر، إلا أنهم اضطروا للانسحاب بسبب الخلافات بين قادة الجيش. كان ريتشارد ومعظم قادة الجيش يريدون إجبار صلاح الدين الأيوبي على التخلي عن القدس من خلال مهاجمة قاعدة سلطانه مصر. في حين أصر قائد القوات الفرنسية هيو الثالث دوق بورجوندي على أن الهجوم المباشر على القدس يجب أن يتم. قسّم هذا الشقاق الجيش الصليبي إلى فصيلين، ليس في قدرة أحدهما فرض رأيه على الآخر. وقال ريتشارد أنه سيصاحب أي هجوم على القدس فقط كجندي بسيط، ورفض قيادة الجيش. ودون قيادة موحدة، اضطر الجيش للانسحاب والعودة إلى الساحل.[100]
بدأت فترة من المناوشات البسيطة مع قوات صلاح الدين في الوقت الذي تفاوض فيه ريتشارد وصلاح الدين الأيوبي على تسوية الصراع. كما علم ريتشارد بأن فيليب وشقيقه جون بدئا في التآمر ضده. ومع ذلك، أصر صلاح الدين على هدم تحصينات عسقلان، التي صنعها رجال ريتشارد، وعدد قليل من النقاط الأخرى. حاول ريتشارد محاولة أخيرة لتعزيز موقفه التفاوضي بمحاولة غزو مصر، لكنه فشل. في النهاية، نفد الوقت أمام ريتشارد، وأدرك أنه ليس بإمكانه تأجيل عودته. وتوصل مع صلاح الدين الأيوبي على تسوية في 2 سبتمبر 1192، اشتملت على هدم تحصينات عسقلان، والسماح للحجاج والتجار المسيحيين بدخول القدس،[101][102] كما تضمنت هدنة لمدة ثلاث سنوات.[102]
الأسر والعودة[عدل]

تصور للإمبراطور هنري السادس وهو يسامح ريتشارد، تعود لنحو عام 1196.
أجبر الطقس السيء سفينة ريتشارد على أن تحط في كورفو، في أراضي الإمبراطور البيزنطي إسحاق الثاني، الذي اعترض على ضم ريتشارد لقبرص التي كانت أرض بيزنطية مسبقًا. متنكرًا في زي فرسان الهيكل، أبحر ريتشارد مع أربع مرافقين من كورفو، غير أن سفينته تحطمت قرب أكيليا، مما أجبره على رحلة خطرة في وسط أوروبا. وفي طريقه عبر أراضي زوج شقيقته هاينريش الأسد، أسر ريتشارد قبل عيد الميلاد عام 1192 بوقت قصير قرب فيينا من قبل ليوبولد الخامس دوق النمسا، الذي اتهم ريتشارد بالترتيب لقتل ابن عمه كونراد من مونفيراتو. وعلاوة على ذلك، أهان ريتشارد ليوبولد شخصيًا بإنزال رايته من فوق أسوار عكا.
سجن ليوبولد ريتشارد في قلعة دورنشتاين،[103] وصل خبر تحطم سفينة ريتشارد إلى إنجلترا، إلا أن الأوصياء على عرشه ظلوا لعدة أسابيع غير متيقنين من مكان وجوده. أثناء وجوده في السجن، كتب ريتشارد أغنية “Ja nus hons pris” (“لا يوجد رجل مسجون”)، التي وجهها إلى أخته غير الشقيقة ماري كونتيسة شامبين. كتبها بالفرنسية والقسطانية، للتعبير عن مشاعر الهجر من قبل شعبه وأخته. كان احتجاز المشاركين في الحملات الصليبية مخالفًا للقانون العام،[104][105] وعلى هذه الأسس حرم البابا سلستين الثالث الدوق ليوبولد كنسيًا.

أطلال قلعة دورنشتاين، حيث احتجز ليوبولد ريتشارد.
في 28 مارس 1193، تم تسليم ريتشارد للإمبراطور هنري السادس، الذي كان متضررًا من دعم أسرة بلانتيجانت لأسرة هاينريش الأسد، وأيضًا من اعتراف ريتشارد بتانكريد ملكًا على صقلية،[104] فسجنه في قلعة تريفلز. كان هنري السادس في حاجة للمال لتجهيز جيش للمطالبة بحقوقه في جنوب إيطاليا، فاحتجز ريتشارد لكي يحصل على فدية. مما دفع البابا سلستين الثالث لحرمان هنري السادس أيضًا كنسيًا لاحتجازه غير المشروع لريتشارد. رفض ريتشارد تقديم التحية للامبراطور، وقائلاً: «لقد ولدت في رتبة لا تعترف بأن أحدًا يفوقها إلا الله.[106]» وعلى الرغم من شكواه، لم تكن ظروف احتجازه شديدة.
طلب الإمبراطور 150,000 قطعة فضية فدية لإطلاق سراح ريتشارد، وهو ما يعادل ما جمعته عشور صلاح الدين قبل ذلك بأعوام،[107] ومن 2–3 أضعاف دخل إنجلترا في ذلك الوقت، وهو ما قدره المؤرخ ديفيد بويل بحوالي ملياري جنيه إسترليني بأسعار عام 2011.‏[108] عملت أمه على جمع الفدية، حتى أنها صادرت بعض ممتلكات الكنائس. وفي الوقت نفسه، عرض شقيقه جون والملك فيليب الثاني ملك فرنسا على الإمبراطور 80,000 قطعة فضية لتأخير إطلاق ريتشارد حتى نهاية سبتمبر 1194، لكن الإمبراطور رفض العرض. أرسلت أموال الفدية مع سفراء الإمبراطور عبر ألمانيا، وفي 4 فبراير 1194، أطلق سراح ريتشارد. فأرسل فيليب إلى جون قائلاً: «انتبه إلى نفسك، فقد أطلق الشيطان.[109]»
السنوات اللاحقة والوفاة[عدل]

ريتشارد وفيليب، مخطوطة فرنسية من عام 1261
في الفترة التي غاب فيها ريتشارد، ثار أخوه جون بمساعدة فيليب الثاني، الذي كان قد استولى على نورماندي بينما كان ريتشارد في السجن.[110] غفر ريتشارد لجون على فعلته عندما التقيا مرة أخرى; تماشياً مع الضرورة السياسية. كما جعل جون وريثه بدلاً من ابن أخيه آرثر.
فتح سقوط قلعة غيزور (بالفرنسية: Château de Gisors) بيد القوات الفرنسية عام 1196 فجوة في الدفاعات النورماندية. بحث ريتشارد عن موقع جديد يبني فيه قلعة جديدة من أجل الدفاع عن دوقية نورماندي، ولاستخدامه كقاعدة يبدأ منها حملته لاستعادة مقاطعة فيكسين من الفرنسيين.[111] واختير هذا الموقع على ضفاف نهر السين، في قصور أنديلي. بموجب شروط صلح اللوفر بين ريتشارد وفيليب في ديسمبر عام 1195، لم يكن مسموحاً لكلا الملكين بتحصين هذا الموقع. على الرغم من ذلك، أراد ريتشارد بناء قلعة غايّار (بالفرنسية: Chateau Gaillard) هناك.[112] حاول ريتشارد الحصول على تلك القصور من خلال المفاوضات، لكن رئيس الأساقفة والتر دي كوتانس كان متردداً في بيعها، حيث كانت تلك القصور إحدى أكثر الأبرشيات ربحاً للأموال. كما أن بقية الأبرشيات كانت قد تعرضت للدمار خلال الحروب.[112] وعندما حاصر فيليب الثاني منطقة أومال في نورماندي، نفذ صبر ريتشارد واستولى عليها،[112][113] على الرغم من معارضة الكنيسة لذلك.[114] أصدر والتر دي كوتانس حرماناً بحق دوقية نورماندي ومنع من تقديم الخدمات الكنسية فيها. يقول المؤرخ روجر الهوديني: «ظلت جثث الموتى ملقاة في الشوارع دون أن تدفن في مدن نورماندي». لكن الحرمان ألغي من قبل البابا سلستين الثالث في شهر أبريل من عام 1197 بعدما قدم ريتشارد هدايا لوالتر كان من ضمنها أبرشيتين وميناء كبير في دييب.[115][116]
في عهد ريتشارد، انخفض الإنفاق الملكي على بناء القلاع مقارنة بعهد والده هنري الثاني، ويعزى ذلك إلى تركيز إنفاق الموارد على حروب ريتشارد مع ملك فرنسا.[117] إلّا أن بناء قلعة غايّار كلّف 15-20 ألف جنيه إسترليني في الفترة ما بين 1196-1198، فكانت بذلك واحدة من أكثر القلاع كلفة في ذلك الوقت،[118] حيث كانت تكلفة القلاع التي بناها ريتشارد في إنجلترا حوالي 7 آلاف جنيه إسترليني، وهي بذلك أقل من نصف تكلفة قلعة غايّار.[119] كما أن سرعة بنائها لم يسبق لها مثيل، حيث بنيت في عامين تقريبا، بينما كان بناء القلاع الأخرى يستغرق حوالي العقد من الزمان.[118] ووفقًا للمؤرخ الإنجليزي ويليام بارفوس، أنه في شهر مايو من عام 1198 هطل على ريتشارد والعاملين بالبناء مطر غزير من الدم; فظنّ البعض أنه نذير شؤم،إلّا أن ريتشارد لم يأبه به.[120] يقول ويليام[121] «لم يتأثر الملك بما حصل، ولم يسمح بالتهاون في العمل ولو بمقدار ذرة، بل واصل عمله بسعادة. وإن لم أكن مخطئًا، حتى لو نزل ملك من السماء ليؤخر البناء لاضطر للعن ريتشارد لأنه لن يوافق على ذلك.»

مظهر بانورامي لقلعة غايّار
لم يذكر شيء عن المشرف على عملية بناء القلعة. تقول المؤرخة ألين براون أن المشرف على البناء كان الملك ريتشارد بنفسه; يدعم هذا الرأي الاهتمام الذي أبداه ريتشارد خلال زياراته المتكررة للقلعة أثناء بنائها.[122] أصبحت القلعة في سنوات ريتشارد الأخيرة مكان إقامته المفضل. وكانت قلعة غايّار سابقة لعصرها، متضمنة ابتكارات اعتمدت في عمارة القلاع لقرن تلاها من الزمان.[123] وصفتها المؤرخة ألين بأنها أحد أفضل قلاع أوروبا في زمانها.[123] يقول المؤرخ العسكري البريطاني تشارلز أومان:[124] «تعتبر قلعة غايّار تحفة عصرها. ستبقى سمعة ريتشارد كمهندس عسكري عظيم ثابتة بسببها. لم يكن ريتشارد مجرد مقلد لما رآه في الشرق، بل ابتكر بنفسه تفاصيل أدخلها على بناء هذه القلعة.»
عزم ريتشارد على مقاومة أطماع فيليب الثاني بالأراضي المتنازع عليها مثل مقاطعة فيكسين، حيث أخرج كل ما في جعبته من خبرة عسكرية وموارد هائلة في وجه ملك فرنسا. فقام ريتشارد بصنع تحالف ضد فيليب مكون من بالدوين التاسع كونت فلاندرز، ورينو كونت بولوني، وسانشو السادس ملك نافارا الذي داهم أراضي فيليب من الجنوب. والأهم من ذلك كله، استطاع ريتشارد تأمين ميراث فلف في ساكسونيا لابن أخته أوتو حاكم بواتو، الذي أصبح إمبراطوراً رومانياً مقدساً (بإسم أوتو الرابع) عام 1198. ونتيجة لهذه التحالفات وغيرها من المكائد، انتصر ريتشارد على فيليب في عدة مناسبات. فرّ فيليب من فيتيفال (الواقعة في وسط فرنسا) عام 1194 فور عودة ريتشارد من الأسر تاركاً أرشيفاً كاملاً من المراجعات المالية والوثائق التي حصل عليها ريتشارد. وفي معركة غيزور (تسمى أيضاً بمعركة كورسيل) عام 1198، اتخذ ريتشارد من عبارة الرب وحقي (بالفرنسية: Dieu et mon Droit) شعاراً له (وهو ما زال مستخدماً كشعار للملكية في المملكة المتحدة).
في شهر مارس من عام 1199، قام ريتشارد بقمع الثائرين في ليموزا. وعلى الرغم من أن ذلك الوقت كان وقت الصوم الكبير، إلّا أن ريتشارد “دمّر الأرض بالنار والسيف”.[125] ثم حاصر قلعة شالو شابرول التي كانت ضعيفة ومنزوعة السلاح تقريباً. يقول بعض المؤرخين أن ريتشارد حاصرها لأنّ أحد الفلاحين المحليين كان قد أخبره عن وجود كنز مدفون من الذهب الروماني،[126] الذي ادّعى ريتشارد أحقيته في الحصول عليه بصفته سيداً أعلى على الإقطاعية.
وفي مساء اليوم الخامس والعشرين من مارس عام 1199، كان ريتشارد يتجول حول محيط القلعة بدون ارتداء درعه، يتحقق من وضع جنوده المتواجدين فوق جدران القلعة. كان الملك ريتشارد يقضي وقتاً ممتعاً وهو ينظر إلى أحد الجنود الذي كان يحمل القوس والنشاب بيد واحدة. صوّب هذا الجندي القوس تجاه ريتشارد، وقد لاقى هذا الفعل استحساناً من قبل الملك. إلّا أن رجلاً آخر رمى الملك بسهم ضرب كتفه الأيسر بالقرب من عنقه. أٌدخل الملك خيمته وقام الجرّاح (الذي وصفه البعض بالجزّار) بإزالة السهم بطريقة غير احترافية على الإطلاق، ما أدى إلى تحول الجرح بشكل سريع إلى غنغرينة. يقال أن ريتشارد طلب إحضار قاتله إليه الذي اختلف في اسمه، فقيل بيير أو بيتر، وقال البعض أن اسمه جون.[127][128] وعندما وقف بين يدي ريتشارد، اتضح له (وفقاً لبعض المصادر وليس جميعها) أنه مجرد صبي. ادّعى هذا الصبي أن ريتشارد كان قد قتل أباه وأخويه؛ فأراد قتل ريتشارد انتقاماً لذلك. اعتقد الصبي أنه سيتعرض للإعدام، لكن ريتشارد أراد أن يكون رحيماً وهو على وشك توديع الحياة، فسامح الصبي على فعلته وقال له: أكمل حياتك، وبفضلي سترى نور الغد. وقبل إطلاق سراح الصبي، أمر بإعطائه 100 شلن.[129] قام ريتشارد بتوريث جميع أراضيه لأخيه جون، أما المجوهرات فورثها لابن أخته أوتو.

الملك ريتشارد الأول
توفي ريتشارد في السادس من أبريل عام 1199 في أحضان والدته. وصفت وفاته بمصطلح الأسد الذي قٌتل من النملة وذلك يعزى إلى طريقة قتله. يقول أحد المؤرخين:[130] «أثبت ريتشارد في آخر أعماله أن الشهامة كانت غير مثمرة خلال العصور الوسطى بهمجيتها ووحشيتها. حيث قام المرتزق الشائن ميركادير بسلخ جلد قاتل ريتشارد وتعليقه على القلعة فور وفاة ريتشارد.»
دُفن قلب ريتشارد في روان في نورماندي. ودُفنت أحشاؤه في شالو (المكان الذي توفي فيه). أما باقي جسده فدُفن في كنيسة فونتفريد في أنجو بجانب أبيه.[131] في عام 2012، قام العلماء بتحليل ما تبقى من قلب ريتشارد واكتشفوا أنه قد تم تحنيطه باستخدام عدة مواد من ضمنها اللبان، وهي مادة ذات أهمية رمزية وذلك لأنها قُدمت عند ولادة المسيح وتحنيطه تم وفقاً للمسيحية.[132]
المظهر[عدل]
وفقاً لكتاب خط سير رحلة الملك ريتشارد (باللاتينية: Itinerarium Regis Ricardi) الذي يسرد أحداث الحملة الصليبية الثالثة:
ريتشارد الأول ملك إنجلترا كان طويل القامة، مثالي البنية. كان شعره ما بين الأحمر والذهبي، وكانت أطرافه مرنة ومستقيمة. أما ذراعاه فكانتا طويلتين متناسبتين مع سيفه عند إشهاره إياه، وكانت ساقاه طويلتين متوافقتين مع بقية أجزاء جسده. ريتشارد الأول ملك إنجلترا
الإرث[عدل]

تمثال ريتشارد الأول أمام قصر وستمنستر في لندن.
تقلبت سمعة ريتشارد عبر الزمن “بعنف”. الصورة المعاصرة لريتشارد هي صورة الملك الفارس.[133] عرف بكونه قائد عسكري ومقاتل باسل وكريم. إلا أن سمعته تضررت على مر العصور، وحددت النظرة الشعبية لريتشارد.[133] فقد ترك بصمة لا تمحى على الخيال حتى وقتنا الحاضر، بسبب مآثره العسكرية. انعكس ذلك على تعليق المؤرخ ستيفين رونسيمان على ريتشارد الأول: «كان ولدًا عاقًا وزوج سيء وملك سيء، إلا أنه كان جندي باسل ورائع.» كما كتب عنه المؤرخون المسلمون خلال فترة الحروب الصليبية[134] «لم نواجه قط خصمًا أكثر جرأة وبراعة منه.[134]»
رغم ذلك، كانت هناك صور سلبية عن ريتشارد. خلال حياته، تعرض لانتقادات من قبل المؤرخين لجمعه الضرائب من رجال الدين سواء للحملة الصليبية أو لفديته، في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة ورجال الدين عادة معافون من الضرائب.[135] شهد العصر الفكتوري انقسام حول ريتشارد، فقد أعجب به الكثيرون على اعتبار أنه بطل صليبي ورجل الله، وشيدوا له تمثالاً بطوليًا أمام برلمان المملكة المتحدة؛ وعلى الجانب الآخر، يصفه المؤرخ ستابس بأنه «ولد عاق، وزوج سيء، وحاكم أناني، ورجل خبيث.» وعلى الرغم من مولده في أكسفورد، فلم يتحدث الإنجليزية. وخلال عهده الذي دام عشر سنوات، لم يمكث في إنجلترا لمدة تزيد عن ستة أشهر، وغاب عنها تمامًا في الخمس سنوات الأخيرة.
لم يكن لريتشارد ورثة شرعيين، فقط لديه ابن غير شرعي هو فيليب الكونجاكي. لذا، خلفه شقيقه جون ملك إنجلترا. ومع ذلك، رفضت أراضيه الفرنسية خلافة جون له، وفضلت ابن أخيه آرثر الأول دوق بريتاني ابن شقيقه الراحل جيوفري. كان عدم وجود وريث مباشر لريتشارد الخطوة الأولى تجاه حل الإمبراطورية الأنجوية. ورغم أن ملوك إنجلترا ضغطوا للمطالبة بأراضيه في القارة، إلا أنهم لم يتمكنوا أبدًا من حكمها مرة أخرى.
فلكلور العصور الوسطى[عدل]
في حوالي منتصف القرن الثالث عشر، نشأت عدد من الأساطير حول أسر ريتشارد، فقالوا أن المغني بلوندل دي نيسل جاب أوروبا من قلعة إلى قلعة، وهو يصيح بأغنية لا يعرفها سوى اثنين هو وريتشارد.[136] إلى أن وصل في النهاية إلى المكان الذي كان ريتشارد محتجزًا فيه، فسمع ريتشارد الأغنية، وأكمل باقي الأغنية، فعرف بلوندل مكان سجنه. كانت القصة الأساس الذي أوبرا أندريه غريتري ريتشارد قلب الأسد، ويبدو أنها كانت ملهمة لريتشارد ثورب في مقدمة الفيلم السينمائي إيفانهوي عام 1952. لكنها لا تبدو قصة حقيقية تتناسب مع بلوندل المنشد الأرستقراطي. كما لا تتوافق مع الواقع التاريخي، حيث لم يخف آسري الملك حقيقة أسره، بل على العكس، فقد أعلنوا ذلك.[137]
وبحلول القرن السادس عشر، بدأت قصص روبن هود في الظهور، التي صورته كمعاصر ومؤيد للملك ريتشارد قلب الأسد، مما اضطر روبن للخروج عن القانون خلال حكم جون شقيق ريتشارد الشرير، في الوقت الذي كان فيه ريتشارد بعيدًا في الحملة الصليبية. وعلى الرغم من أن هذه القصة تزايدت شعبيتها، إلا أنها بالتأكيد لم تكن شائعة في القصائد التي عاصرت تلك الفترة.
في الأعمال الفنية المعاصرة[عدل]

الشعار الذي استخدمه ريتشارد الأول في نهاية عصره.
ظهر ريتشارد كشخصية رئيسية أو ثانوية في العديد من الأعمال، سواء المكتوبة أو السمعية البصرية. فظهر مرتبطًا بشخصية روبن هود في رواية والتر سكوت ايفانهو والعديد من الأعمال المبنية على الرواية، كذلك في عدد من الأفلام عن روبن هود. كما كان أحد الشخصيات الرئيسية في رواية سكوت الطلسم التي تدور أحداثها خلال الحملة الصليبية الثالثة، والتي صورت فيلمًا عام 1954 بعنوان الملك ريتشارد والصليبيين، لعب فيه جورج ساندرز دور ريتشارد وريكس هاريسون دور صلاح الدين الأيوبي. كما ظهر في العديد من الأعمال التي تناولت الحملة الصليبية الثالثة وتوابعها. كما دارت أوبرا ريكاردو بريمو لجورج فريدريك هاندل حول غزو ريتشارد لقبرص.
لعب شون كونري دور ريتشارد مع كيفين كوستنر في فيلم روبن هود:أمير اللصوص عام 1991، كما مثله أنتوني هوبكنز في فيلم أنطوني هارفي الأسد في الشتاء عام 1968، كما ظهرت شخصية ريتشارد الأول في مشهد عابر في نهاية فيلم مملكة السماء من إخراج ريدلي سكوت، والذي قام فيه إيان غلين بالدور. وفي الفيلم الملحمي روبن هود الذي أخرجه سكوت أيضًا عام 2010، مثل داني هيوستن دور ريتشارد الأول، تناول الفيلم وفاة الملك أثناء حصار قلعة تشالوس، وجعل إعادة تاجه إلى إنجلترا من مسئولية روبن هود. وعربيًا، أدى الممثل حمدي غيث دور ريتشارد قلب الأسد في فيلم الناصر صلاح الدين من إخراج يوسف شاهين.

ريتشارد الأول ملك إنجلترا .. (ريتشارد قلب الاسد)

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد العسكر2080

ريتشارد الأول (8 سبتمبر 1157 – 6 أبريل 1199) ملك إنجلترا منذ 6 يوليو 1189 وحتى وفاته. كما حكم كدوق لنورماندي (باسم ريتشارد الرابع) ودوق أقطانية وغاسكونية وسيد قبرص وكونت أنجو ومين ونانت وسيد عموم بريتاني على فترات أثناء عهده1. وقد عرف بلقب ريتشارد قلب الأسد، حتى قبل تتويجه بفضل سمعته كقائد عسكري ومحارب عظيم.[1] وسمّاه المؤرخون المسلمون ملك الإنكتار.[2]
في عمر السادسة عشرة، قاد ريتشارد جيشه، وأخضع التمردات على عرش أبيه هنري الثاني ملك إنجلترا في بواتو.[1] كما كان ريتشارد القائد الرئيس خلال الحملة الصليبية الثالثة، بعد أن رحل فيليب الثاني ملك فرنسا، وحقق انتصارات معقولة على منافسه المسلم صلاح الدين الأيوبي، بالرغم من عدم استطاعته الاستيلاء على القدس.[3]
تحدث ريتشارد لهجة (Langues d’oïl) وهي لهجة غالو رومانسية، إضافة إلى القسطانية وهي لغة أيضًا رومانسية كانت منتشرة في جنوب فرنسا والمناطق القريبة منها.[4] لم يُمض ريتشارد وقتًا طويلاً من حياته في مملكة إنجلترا، حيث عاش في دوقية أقطانية في جنوب غرب فرنسا، مفضلاً جعلها حائط صد لحماية مملكته.[5] كان أتباعه يعتبرونه بطلاً تقيًا. كما أنه من الملوك القلائل في إنجلترا، الذي غلب لقب شهرته (ريتشارد قلب الأسد) على لقب ترتيبه (ريتشارد الأول)، كما يعتبر من أيقونات إنجلترا وفرنسا.[6]

عائلته وشبابه[عدل]

خاتم ريتشارد الأول عام 1189
ولد ريتشارد في 8 سبتمبر 1157،[7] من المحتمل في قصر بومونت،[8] في أكسفورد بمملكة إنجلترا، وهو الشقيق الأصغر لويليام التاسع كونت بواتييه وهنري الملك الشاب وماتيلدا دوقة ساكسونيا.[9] ولكونه الابن الشرعي الثالث للملك هنري الثاني ملك إنجلترا، لم يكن متوقعًا أن يعتلي العرش.[10] كما كان شقيقًا أكبر لجيوفري الثاني دوق بريتاني وإليانور ملكة قشتالة وجوان ملكة صقلية وجون ملك إنجلترا الذي خلفه على عرش إنجلترا. أيضًا كان أخًا غير شقيق أصغر لماري كونتيسة شامبين وأليكس كونتيسة بلوا.[9] توفي ويليام أكبر أبناء هنري الثاني وإليانور آكيتيان عام 1156، قبل مولد ريتشارد.[9] غالبًا ما كان ريتشارد يوصف بأنه الابن المفضل لأمه إليانور آكيتيان.[11] والده هنري نورماني-إنجوي ينحدر من نسل ويليام الفاتح. وقد نسب المؤرخ المعاصر لتلك الفترة رالف الديسيتوي عائلته إلى ماتيلدا ملكة إسكتلندا والملوك الأنجلوساكسونيين لإنجلترا ولألفريد العظيم، حتى نوح ووودن. ووفقًا للأسطورة الأنجوية، فإنه تجري في عروقهم دماء شيطانية.[8]
على الأرجح أنه في الوقت الذي كان أبوه يتنقل بين أراضيه من إسكتلندا إلى فرنسا، كان ريتشارد يقضي طفولته في إنجلترا. ويرجع تاريخ أول وثيقة توثق زيارته للقارة الأوربية إلى مايو 1165 م، عندما صحبته أمه إلى نورماندي.[12] رضع ريتشارد من امرأة تدعى هوديرنا، التي منحها معاشًا كريمًا عندما أصبح ملكًا.[13] ولا يعرف الكثير عن تعليمه.[14] ورغم أنه ولد في أوكسفورد وتربى في إنجلترا إلى عمر الثامنة، إلا أنه من غير المعلوم إلى أي مدى استخدم أو فهم الإنجليزية. بينما من المعروف أنه كتب الشعر باللهجة الليموزية إحدى لهجات القسطانية، كما كتب بالفرنسية.[15] تكهن عدد من المؤلفين أن ريتشارد لم يكن يعرف الإنجليزية،[16] إلا أن الأدلة المتاحة للمؤرخين لم تكن قاطعة في هذا الشأن. ولا توجد كتابات معاصرة لتلك الفترة تذكر أن ريتشارد كان يجهل اللغة. وبالتأكيد، أثناء أسر ريتشارد استخدم شقيقه جون الإنجليزية في تعاملاته مع الأجانب لإنهاء سلطة مستشار ريتشارد ويليام لونغشامب النورماني. وفي إحدى التهم التي وجهها هيو نونات أسقف كوفنتري ضد لونغشامب، أنه لا يتحدث الإنجليزية. وهذا يدل على أنه بحلول نهاية القرن الثاني عشر، أصبح واجبًا على من في السلطة في إنجلترا، أن يكون على دراية باللغة الإنجليزية.[17][18]

ريتشارد قلب الأسد
يقال أن ريتشارد كان جذابًا للغاية، وقد كان شعره بين الأحمر والأشقر، كما كانت عينيه براقة مع بشرة شاحبة. ويرجح أن طوله كان أعلى من المتوسط، فوفقًا لكليفورد بروير، فقد كان طوله نحو 192 سم،[19] غير أنه لا دليل على تحديد طوله على وجه الدقة. ومنذ صغر سنه، أظهر ريتشارد قدرات سياسية وعسكرية، بدت ملحوظة وواضحة عندما قاتل النبلاء المتمردين في أراضيه. وقد تُوّج أخاه الأكبر هنري ملكًا على إنجلترا بالمشاركة مع أبيه في حياة أبيه.[20]
كان التحالف عن طريق الزواج شائعًا بين الأسر الملكية، فكانت تمهد للتحالفات السياسية ومعاهدات السلام، وتفتح الباب أمام مطالبات الأسر بحق وراثة العرش في ممالك الآخرين. تزوج هنري أخو ريتشارد الأكبر من مارغريت ابنة لويس السابع ملك فرنسا في 2 نوفمبر 1160.[21] كان هذا الزواج سببًا في بعض الصدامات التي كانت بين أسرتي بلانتجانت وكابيه ملوك فرنسا. وفي عام 1168، كان تدخل البابا ألكسندر الثالث ضروريًا لعقد هدنة بينهما، بعد أن غزا هنري الثاني بريتاني وسيطرت على جيزور وفيكسين، اللتان كانتا جزءً من مهر مارغريت.[22] قبل ذلك بأعوام، كان من المقترح أن يتزوج ريتشارد من أليس كونتيسة فيكسين رابع بنات لويس السابع، وبسبب النزاع بين ملوك إنجلترا وفرنسا، عارض لويس الزواج. عقدت معاهدة سلام في يناير 1169، وتمت الموافقة على خطبة ريتشارد لأليس.[23] قرر هنري الثاني تقسيم أراضيه وأراضي زوجته على أبنائه، الذين كان عددهم ثلاثة في ذاك الوقت، فأصبح هنري ملك إنجلترا، وسيطر على أنغو ومين ونورماندي، بينما حصل ريتشارد على أقطانية من والدته وأصبح كونت بواتييه، فيما حصل جيوفري على بريتاني من خلال زواجه كونستانس ولية عهد بريتاني. وخلال حفل خطبته لأليس، جعل هنري ولاء أقطانية لملك فرنسا، وبذلك وطّد أواصر العلاقات بين البلدين.[24]
في عام 1170، نفذ هنري الثاني خطته بتقسيم أراضيه على أبنائه عندما أحس بأن مرضه اشتد به، مع احتفاظه بسلطته الكاملة على أبنائه وأراضيهم. وفي عام 1171، غادر ريتشارد إلى أقطانية مع والدته، ومنحه أباه دوقية أقطانية بناءً على طلب والدته[25] بدأ ريتشارد وأمه جولة في أقطانية لاستمالة السكان المحليين.[26] ثم أسسا دير القديس أوغسطين في ليموج. وفي يونيو 1172، تم الاحتفال بتنصيبه دوقًا على أقطانية في بواتييه، وأعيد في ليموج حيث ارتدى خاتم القديس فاليري شفيع أقطانية.[27]
الثورة على هنري الثاني[عدل]
وفقًا للمؤرخ رالف الكوجيشالي، فإن هنري الملك الشاب كان المحرض على التمرد ضد هنري الثاني، فقد أراد أن يحكم بشكل مستقل الأراضي التي وعده إياها أباه، وكسر أغلال تبعيته لأبيه والسيطرة على الخزانة.[28] ويعتقد جان فلوري المؤرخ المتخصص في فترة القرون الوسطى، أن إليانور شجعت أبنائها على الثورة ضد أبيهم.[29] مما دفع هنري الملك الشاب لترك أبيه، والذهاب للبلاط الفرنسي سعيًا وراء حماية لويس السابع. ثم سرعان ما لحقه أشقائه الأصغر سنًا ريتشارد وجيوفري، بينما ظل جون البالغ من العمر 5 سنوات مع أبيه. دعم لويس الأبناء الثلاثة، وجعل ريتشارد فارسًا، ليجعلهم من أتباعه.[30] مما جعل جوردان فانتوسمي الشاعر المعاصر لتلك الأحداث يصف التمرد بأنه “حرب بلا حب”.[31]

القلعة التي انسحب إليها ريتشارد، بعدما أسرت قوات هنري الثاني ستين فارسًا وأربعمائة راميًا من رجاله الذين قاتلوا معه في سانتس.[32]
أقسم الأشقاء الثلاثة في البلاط الفرنسي أنهم لن يعقدوا أي اتفاقات مع هنري الثاني دون الرجوع للويس السابع والبارونات الفرنسيين.[33] وبدعم من لويس، جذب هنري الملك الشاب العديد من البارونات لصفه، بعد أن وعدهم بأراض وأموال. كان للأشقاء مؤيديهم في إنجلترا المستعدين للثورة، بقيادة روبرت دي بومونت إيرل ليشستر وهيو بيغود إيرل نورفولك وهيو دي كيفيلوك إيرل شيستر وويليام الأول ملك إسكتلندا. نجح التحالف في البداية، وبحلول يوليو 1173، حاصروا أومالي ونوف-مارشيه وفرنويل، كما سيطر هيو دي كيفيلوك على مدينة دول في بريتاني.[34] ذهب ريتشارد إلى بواتو لمساندة البارونات الموالين له ولأمه في تمرده على أبيه. ثم سقطت أمه في الأسر، فاضطر ريتشارد لمواجهة مؤيدي أبيه في أقطانية وحده. فتوجه للاستيلاء على لا روشيل، إلا أن سكانها رفضوه، فانسحب إلى مدينة سانتس التي اتخذها قاعدة تنطلق منها حملاته.[35][36]
في الوقت نفسه، جهز هنري الثاني جيشًا من 20,000 من المرتزقة لمواجهة التمرد.[34] فتوجه نحو فرنويل، فانسحب لويس بقواته. ثم استولى على دول وسيطر على بريتاني. عندئذ، قدّم هنري الثاني عرضًا للسلام مع أبنائه، إلا أنهم بنصيحة من لويس رفضوا العرض.[37] استولى هنري الثاني بعدئذ على سانتس وأسر معظم حاميتها، وفر ريتشارد في مجموعة صغيرة من الجند. ثم لجأ إلى قلعة تيليبورغ باقي الحرب.[35] خطط هنري الملك الشاب وكونت الفلاندرز للرسو بقواتهم في إنجلترا لدعم قوات إيرل ليشستر. ولتوقعه ذلك، عاد هنري الثاني لإنجلترا مع 500 جندي وأسراه (بما في ذلك إليانور وزوجات أبنائه وخطيباتهم)،[38] ولكن عند وصوله وجد أن التمرد قد انهار بالفعل. فقد أسر ويليام الأول ملك إسكتلندا وهيو بوغارد في 13 و 25 يوليو على التوالي. فعاد هنري الثاني إلى فرنسا حيث رفع حصار روان، فلحق هنري الملك الشاب بلويس السابع بعد أن تخلى عن خطته لغزو انجلترا. وبهزيمة لويس، تم التوقيع على معاهدة سلام مونتلويس[39] في سبتمبر 1174.[37]
عندما دخل هنري الثاني ولويس السابع في الهدنة يوم 8 سبتمبر 1174، استثني ريتشارد من الهدنة على وجه الخصوص.[38][40] وبعد أن هجره لويس، وخوفًا من مواجهة جيش والده في معركة، ذهب ريتشارد إلى بلاط هنري الثاني في بواتييه في 23 سبتمبر، وتوسل طالبًا المغفرة وبكى وسقط تحت أقدام هنري، الذي منح ريتشارد قبلة السلام.[38][40] وبعد عدة أيام، سعى إخوة ريتشارد سعيه في مصالحة والدهم.[38] قبل الأشقاء الثلاثة بشروط صلح أقل سخاءً من تلك التي عرضها عليهم أبيهم من قبل،[33] مُنح ريتشارد قلعتين في بواتو ونصف دخل أقطانية، ومُنح هنري الملك الشاب قلعتين في نورماندي، وجيوفري نصف دخل بريتاني. بينما ظلت إليانور أسيرة هنري الثاني حتى وفاته، كتأمين لضمان التزام ريتشارد بالصلح.[41]
تحت حكم هنري الثاني[عدل]

عملة فضية سُكّت عندما كان ريتشارد كونتًا لبواتييه.
بعد انتهاء التمرد، بدأت عملية تهدئة الأوضاع في المقاطعات التي تمردت على هنري الثاني، فسافر إلى أنجو لهذا الغرض وتعامل جيوفري مع بريتاني. وفي يناير 1175، تم إرسال ريتشارد لأقطانية لمعاقبة البارونات الذين قاتلوا من أجله. وفقًا للمؤرخ روجر الهوديني مؤرخ عهد هنري، أعيدت معظم القلاع التي استولى عليها المتمردون إلى الحالة التي كانت عليها قبل 15 يومًا من اندلاع الحرب، بينما كان لابد من نسف بعضها.[42] كان من الشائع في تلك الفترة بناء القلاع من الحجر، وقد قام العديد من البارونات بتوسيع أو تحصين قلاعهم، وهي مهمة لم تكن سهلة.[43] ونظرًا لنجاحه في حملته تلك،[42] اكتسب ريتشارد لقب “ريتشارد قلب الأسد”.[43] كانت أولى نجاحاته حصار قلعة سور أجين، التي عرفت بأنها من القلاع القوية، ولكن بعد حصار مدته شهرين، استسلم المدافعون لريتشارد.[44]
في عامي 1181-1182، واجه ريتشارد تمردًا في مقاطعة أنغوليم، ولجأ خصومه إلى فيليب الثاني ملك فرنسا للحصول على الدعم، ودار القتال في ليموزا وبيريغورد. اتهم ريتشارد بارتكاب أعمال وحشية ضد رعاياه، بما في ذلك الاغتصاب.[45] ولكن مع دعم أبيه وشقيقه هنري الملك الشاب، نجح ريتشارد في إخضاع التمرد. وفي يونيو 1183، توفي هنري الملك الشاب. وبوفاة هنري الملك الشاب، أصبح ريتشارد الابن الأكبر ووريث التاج الإنجليزي.
ولتقوية مركزه، في عام 1187، تحالف ريتشارد مع فيليب الثاني، ابن زوج أمه السابق لويس السابع ملك فرنسا. وقد كتب المؤرخ روجر الهوديني قائلاً:
ريتشارد الأول ملك إنجلترا أصابت ملك إنجلترا دهشة كبيرة، وتساءل ما معنى ذلك [يعني التحالف]، واتخذ احتياطاته المستقبلية، فأرسل رسلاً إلى فرنسا لاستدعاء ابنه ريتشارد الذي تظاهر بميله للسلام واستعداده للقدوم إلى والده، واتخذ طريقه إلى شينو، وبدلاً من توجهه بعهدته من الكنوز الكثيرة إلى والده، وتحصينه القلاع في بواتو. رفض أن يذهب إلى والده.[46] ريتشارد الأول ملك إنجلترا
وعمومًا، تناول الهوديني بالدرجة الأولى العلاقات السياسية بين ريتشارد والملك فيليب. فيما تناول المؤرخ جون جيلينغهام نظريات تشير إلى وجود علاقة جنسية بينهما، مستدلاً بوثيقة تشير – كرمز للوحدة بين البلدين – إلى كون الاثنان كانا يناما في سرير واحد. وصف جيلينغهام ذلك بأنه “فعل مقبول سياسيًا، لا يمت للاتصال الجنسي بصلة؛ … تمامًا كالتقاط الصور في العصر الحديث.”[47] كما قدم ريتشارد ولائه لفيليب في نوفمبر 1188.[48] وفي العام التالي، حاول ريتشارد الوصول لعرش إنجلترا من خلال الانضمام إلى حملة فيليب على إنجلترا.[49] وفي 4 يوليو 1189، هزم ريتشارد وقوات فيليب جيش هنري الثاني في بالانز. فوافق هنري مع رضا جون، على تسمية ريتشارد خليفة له.[50] وبعد يومين، توفي هنري الثاني في شينون، وخلفه ريتشارد كملك على إنجلترا وكدوق لنورماندي وكونت لأنجو.
ريتشارد ملكًا والحملة الصليبية[عدل]

التتويج الملكي والعنف ضد اليهود[عدل]

ريتشارد خلال تتويجه في دير وستمنستر
أعلن ريتشارد رسمياً دوق نورماندي في العشرين من يوليو عام 1189 ثم توّج ملكاً في دير وستمنستر في الثالث من سبتمبر من نفس العام.[51] منع ريتشارد جميع اليهود والنساء من حضور مراسم التتويج. على الرغم من ذلك، حضر بعض قادة اليهود مقدمين له الهدايا. [52] وفقاً للمؤرخ رالف ديكيتو، قام أتباع ريتشارد بضرب وجلد اليهود وتجريدهم مما بحوزتهم ومن ثم طردهم إلى الخارج. [53]
انتشرت شائعة بأن ريتشارد قد أمر بقتل جميع اليهود. فقام سكان لندن بارتكاب مجزرة بحقهم.[53] تعرض الكثير منهم للضرب حتى الموت، وللسرقة، كما حرق بعضهم أحياء.[53] هدمت العديد من منازلهم، وتعرض بعضهم للتعميد قسراً.[53] اتخذ بعضهم من برج لندن ملاذاً، بينما فرّ الآخرون للحفاظ على حياتهم. ادّعى البعض أن مرتكبي هذه الجرائم كانوا مجرد مواطنين غيورين ومتعصبين، وأن الملك ريتشارد قام بمعاقبتهم. كما قام بالسماح لليهود الذين أجبروا على ترك دينهم بالعودة إلى اليهودية. يشار إلى أن مشاركة ريتشارد في الجرائم ضد اليهود لم يثبت قط[54].
شعر ريتشارد بأن هذه الاعتداءات قد تزعزع من استقرار مملكته قبيل رحيله للمشاركة في الحملة الصليبية الثالثة. لذلك أمر ريتشارد بإعدام المسؤولين عن أفظع جرائم القتل والإضطهاد. من ضمنهم من أحرق بعض منازل المسيحيين عن طريق الخطأ.[55] وأصدر مرسوماً ملكياً يطالب بترك اليهود بشأنهم وعدم الاعتداء عليهم. على الرغم من ذلك، استمرت الاعتداءات في شهر مارس مثل مجزرة يورك التي وقعت في 16 مارس 1190 والتي تعتبر واحدة من أبشع المجازر وأشرسها.
التجهيز للحملة الصليبية[عدل]

صورة رسمتها ماري-جوزيف بلونديل لريتشارد في القرن التاسع عشر.
بعد أن أصبح ريتشارد ملكًا، وافق هو وفيليب، على الذهاب في الحملة الصليبية الثالثة، لأن كليهما خشى أن يغتصب الآخر أراضيه في غيابه.[56] وبدأ في تجهيز الجيش الصليبي الجديد، فأنفق معظم ما في خزانة والده (الممتلئة بالأموال التي جمعتها عشور صلاح الدين)، وزاد الضرائب، وحتى وافق على إطلاق سراح الملك ويليام الأول ملك إسكتلندا نظير قسمه بأن يدفع لريتشارد 10,000 قطعة فضية. ولجمع المزيد من الأموال، باع العديد من الألقاب الرسمية والامتيازات والأراضي للراغبين.[57] كما إضطر من يحملون ألقابًا بالفعل لدفع مبالغ ضخمة للاحتفاظ بمناصبهم. فدفع ويليام لونغشامب أسقف إيلي ومستشار الملك 3,000 قطعة فضية للاحتفاظ بمنصبه كمستشار للملك.[58]
كما قام ريتشارد بعض الترتيبات النهائية في أراضيه في القارة،[59] فعيّن ويليام فيتزرالف حاكمًا على نورماندي. وفي أنجو، أقال ستيفن التوري من منصبه كحاكم، وسجنه مؤقتًا لسوء إدارته المالية، واستبدله بباين دي روشفور. وفي بواتو، عين بيتر بيرتن حاكمًا، وفي غاسكونية، اختار لها هيلي دي لا سيل حاكمًا. ثم انطلق في الحملة الصليبية في صيف 1190.[59] وعين هيو دي بوسيه أسقف دورهام وويليام دي ماندفيل إيرل إسكس كأوصياء على العرش، لكن سرعان ما توفي الأخير وخلفه مستشار ريتشارد ويليام لونغشامب،[60] وهي القرارات التي لم ترض جون شقيق ريتشارد.
انتقد بعض المؤرخين ريتشارد لقضاء ستة أشهر فقط من حكمه في إنجلترا، ومصّ موارد المملكة لدعم حملته. فيقول المؤرخ ويليام ستابس:
ريتشارد الأول ملك إنجلترا كان ملكًا سيئًا. إلا أن مآثره العظيمة كمهارته العسكرية وسخائه وتذوقه للشعر وروحه المغامرة، لم تشفع له ليتعاطف معه شعبه. لم يكن إنجليزيًا، لكن ذلك لا يعني أنه منح نورماندي أو أنجو أو أقطانية الحب أو الرعاية التي حرم منها مملكته. كان طموحه كمحارب: أن يقاتل من أجل أي شيء أيا كان، لكنه على استعداد لأن يبيع أي شيء قاتل من أجله. كان المجد الذي سعى خلفه هو النصر لا الفتح.[61] ريتشارد الأول ملك إنجلترا
تذرع ريتشارد بأن إنجلترا “باردة والسماء تمطر دومًا”، وعندما كان يجمع الأموال لحملته، قال أنه “على استعداد لبيع لندن لمن يشتري.”[62] ومع ذلك، على الرغم من إنجلترا مثلت قيمة كبيرة وجزءً كبيرًا من أراضيه، وبالأخص لأنها منحته لقب ملكي جعله على قدم المساواة مع الملوك الآخرين، لم توجه إنجلترا له أي تهديدات داخلية أو خارجية كبيرة خلال فترة حكمه، على عكس أراضيه في القارة، لذا لم تتطلب حضوره الدائم هناك. وكمعظم ملوك بلانتاجانت قبل القرن الرابع عشر، لم يكن في حاجة لاستخدام اللغة الإنجليزية على نطاق واسع. وبتركه البلاد في أيدي عدة مسؤولين (بما فيهم والدته)، أصبح ريتشارد أكثر قلقًا على أراضيه الفرنسية الواسعة. وبعد كل تجهيزاته تلك، أصبح لديه جيشًا من 4,000 رجل مثقل بالأسلحة، و 4,000 جندي مشاة وأسطولاً من 100 سفينة.
احتلال صقلية[عدل]
توج تانكريد ملكاً على صقلية عام 1189 بعد وفاة ويليام الثاني على الرغم من أن كونستانس زوجة الإمبراطور هنري السادس كانت الوريثة الشرعية للحكم. زج الملك تانكارد الملكة جوان بالسجن ورفض إعطائها ميراثها المستحق، وهي أرملة ويليام وأخت ريتشارد. وفي سبتمبر 1190، وصل كل من ريتشارد وفيليب إلى جزيرة صقلية.[63] وفور وصول ريتشارد طالب تانكارد بإطلاق سراح أخته وإعطائها الميراث. خرجت جوان من السجن في 28 سبتمبر ولكن تانكارد رفض إعطائها ميراثها.[64]
شعر سكان مسينا بالضيق نتيجة تواجد قوات أجنبية على أرضهم، فثاروا مطالبين بخروجهم.[65] فهاجم ريتشارد مدينة مسينا واستولى عليها في الرابع من أكتوبر عام 1190.[65] وبعد سلب ونهب وحرق المدينة، أسس ريتشارد قاعدة له فيها. خلق هذا العمل حالة من التوتر بين ريتشارد وفيليب. بقي ريتشارد في صقلية حتى وافق تانكارد أخيراً على توقيع معاهدة. تم توقيع المعاهدة في 4 مارس 1191 بين كل من ريتشارد وفيليب وتانكارد.[66] كانت شروطها الأساسية:
تحصل جوان على 20,000 أونصة من الذهب تعويضاً لها على الميراث الذي لم يعطها إياه تانكارد.
أعلن ريتشارد رسمياً ابن أخاه آرثر دوق بريتاني ولي عهده ووريث حكمه، وعلى تانكارد أن يعده بتزويج آرثر إحدى بناته عندما يبلغ سن الرشد.
بقي ريتشارد وفيليب في صقلية بعضاً من الوقت، مما أدى إلى زيادة حدة التوتر بينهما، حتى أن فيليب أراد التآمر مع تانكارد على ريتشارد.[67] لكن الخصومة انتهت عند لقائهما حيث توصلا إلى اتفاقية تضمنت إنهاء خطبة ريتشارد لأليس شقيقة فيليب.[68]
غزو قبرص[عدل]

الشرق الأدنى إبّان الحملة الصليبية الثالثة (قبرص بارزة باللون البنفسجي)
في أبريل 1191، خرج ريتشارد بأسطوله الكبير من مسينا متوجهاً إلى عكا.[69] لكن الأسطول تعرض إلى عاصفة أدت إلى تفريقه. وبعد البحث، اكتشف ريتشارد أن القارب الذي أقلّ أخته وخطيبته برنجاريا قد رسى على الساحل الجنوبي لجزيرة قبرص جنباً إلى جنب مع حطام بقية السفن. وتعرض الناجون من الحادث للأسر من قبل الحاكم إسحاق كومنينوس.[70]
وصل أسطول ريتشارد في الأول من مايو عام 1191 إلى ميناء ليماسول في قبرص.[70] طلب ريتشارد من إسحاق إطلاق سراح السجناء،[70] إلّا أن طلبه قوبل بالرفض. ردًا على ذلك، استولى ريتشارد على ليماسول.[71] ثم وصل عدد من الأمراء إلى ليماسول، وكان من ضمنهم غي دي لوزينيان. وأعلن الجميع دعمهم لريتشارد الذي قام بدوره بدعم غي دي لوزينيان ضد غريمه كونراد من مونفيراتو.[72]
نبذ البارونات المحليون إسحاق، الذي اعتبروه صانع السلام مع ريتشارد والذي وافق على المشاركة في الحملة الصليبية وعلى تزويج ابنته من ريتشارد.[73] لكن إسحاق غير رأيه وحاول الهرب. أما ريتشارد فبدأ حملة الاستيلاء على الجزيرة بأكملها مستعينًا بقواته تحت قيادة غي دي لوزينيان، فاستسلم إسحاق. ومع حلول الأول من يونيو، كان ريتشارد قد سيطر على قبرص بأكملها. ثم باع ريتشارد الجزيرة لفرسان الهيكل، ثم أصبحت قبرص في عام 1192 تحت حكم غي دي لوزينيان الذي جعل منها مملكة إقطاعية مستقرة.[74]
كان الغزو السريع لقبرص مهماً جداً بالنسبة للأوروبيين، لكونها تحتل الجزيرة موقعاً استراتيجياً واقعاً على الممرات المائية على طريق الأراضي المقدسة، والتي كان من المستحيل احتلالها بدون الدعم القادم من البحار.[74] وقد ظلت قبرص معقلاً للمسيحية حتى معركة ليبانتو عام 1571.[75][76] وقد ساهم غزو ريتشارد لجزيرة قبرص في زيادة شهرته، كما أنه أمده بمكاسب مالية كبيرة.[75] ثم غادر ريتشارد مع حلفائه إلى عكا في الخامس من شهر يونيو عام 1191.[75]
الزواج والحياة الجنسية[عدل]
قبل مغادرة قبرص، تزوج ريتشارد من برنجاريا الابنة الكبرى لسانشو السادس ملك نافارا2، التي تعرف عليها ريتشارد في بادئ الأمر من خلال مسابقة كانت قد أقيمت في موطنها نافارا.[77] عقد حفل الزفاف في 12 مايو 1191 في كنيسة القديس جورج في مدينة ليماسول القبرصية، بحضور أخته جوان التي كان قد أحضرها ريتشارد من صقلية. كان حفل الزفاف ضخماً، وغايةً في الروعة والفخامة، محتوياً على الكثير من الولائم والأطعمة، ووسائل التسلية. كما تبعه احتفالات ومسيرات عامة، من ضمنها التتويج الملكي المزدوج، حيث توّج ريتشارد ملكاً على قبرص، وتوجت برنجاريا ملكةً على كل من قبرص وإنجلترا. أراد ريتشارد هذا الزواج من أجل الحصول على نافارا وجعلها إقطاعية، كما حصل أبوه على أقطانية بزواجه من إليانور. كما أن والدته دعمت زواجه من برنجاريا، من أجل تأمين حدود أقطانية الجنوبية حيث تقع نافارا. وبعد الزواج بوقت قصير، ذهب ريشارد إلى الحملة الصليبية برفقة زوجته الجديدة، لكنهما عادا بشكل منفصل. وقد واجهت برنجاريا صعوبات جمة في طريق العودة كما حدث مع ريتشارد. ولم ترَ إنجلترا إلّا بعد وفاته. وبعد إطلاق سراح ريتشارد من الأسر الألماني، أبدى ريتشارد بعض الأسف على ما فعله سابقاً لكنّه مع ذلك لم يعد إلى زوجته.[78] ولم ينجبا أطفالاً من هذا الزواج.
منذ خمسينيات القرن الماضي، أصبحت قضية حياة ريشارد الجنسية مثيرة للإهتمام والجدل. مع أنه من النادر ما عالج المؤرخون الفيكتوريون والإدوارديون هذه المسألة، إلّا أن المؤرخ جون هارفي تحدى عام 1948 ما كان ينظر إليها على أنها مؤامرة الصمت التي تحيط بشذوذ ريتشارد الجنسي.[79] اعتمدت تلك الفكرة في المقام الأول على الوثائق التاريخية التي تخص سلوك ريتشارد، حيث تؤكد بعض السجلات التاريخية أن ريتشارد قام بالاعتراف والتوبة مرتين. كما أنه لم ينجب أطفالاً طيلة فترة زواجه من برنجاريا.[80]
ويتحدث المؤرخ روجر الهوديني عن راهب كان قد حذّر ريتشارد من خطر اللواط وطلب منه عدم القيام بالأعمال غير المشروعة، وبناءً على ذلك كان ريتشارد قد حصل على الغفران، فعاد إلى زوجته التي هجرها زمناً طويلاً، وابتعد عن الفاحشة التي كان يقوم بها، وظلّ مخلصاً لزوجته حتى أصبحا كالجسد الواحد.[81] لكن هذه النظريات تناقض حقيقة أن ريتشارد أنجب طفلاً غير شرعي واحد على الأقل (فيليب)، وكذلك تناقض المزاعم التي تفيد بأن ريتشارد أقام علاقات جنسية مع النساء المحليات خلال الحملات التي كان يقوم بها.[82]
وما زال المؤرخون حتى اليوم منقسمين حول هذه القضية،[83] حيث يوجد بعض المؤيدين لنظرية جون هارفي،[84] في حين هناك مؤرخون لا يوافقونه مثل جون غيلينغهام،[85] الذي يعتقد أن ريتشارد كان طبيعياً.[86] أما المؤرخ جان فلوري، فيقول بأن معظم المؤرخين في الوقت الحاضر يعتقدون بأن ريتشارد كان مثلي الجنس،[84][87] مستدلاً بذلك على توبة ريتشارد (عام 1191 وكذلك 1195)، التي يقول فلوري أنها كانت توبة من اللواط.[88] كما يقول فلوري بأن ريتشارد أقام علاقات مع النساء بالقوة.[89] ويعتقد جون فلوري أن ريتشارد أقام علاقات مع كل من النساء والرجال خلال مراحل مختلفة من حياته.[90] إلّا أن فلوري يوافق غيلينغهام بعدم تصديق الإدّعاءات التي تقول بأن ريتشارد كان على علاقة مع فيليب الثاني ملك فرنسا، والتي يصدقها بعض المؤرخين في الوقت الحاضر.[91]
في الأرض المقدسة[عدل]

تصور لريتشارد (يسار) وصلاح الدين (يمين) يعود للفترة بين عامي 1250-1260.
رسى ريتشارد بقواته في عكا في 8 يونيو 1191.[92] وقدّم دعمه لابن مقاطعته البواتوي غي دي لوزينيان، الذي أرسل له الجنود لمساعدته في قبرص. كان غي زوجًا لأرملة ابن عم أبيه سيبيلا ملكة أورشليم، وكان يحاول المحافظة على مملكة أورشليم، وبوفاة زوجته أثناء حصار عكا في العام السابق. نافسه كونراد من مونفيراتو زوج إيزابيلا شقيقة سيبيلا وابن عم لويس السابع والد فيليب الثاني في المطالبة بالعرش. تحالف ريتشارد مع هيمفري الرابع لورد تورون زوج إيزابيلا الأول الذي أرغم على تطليقها عام 1190. كان هيمفري يدين بالولاء لغي ويتحدث العربية بطلاقة، فاستخدمه ريتشارد كمترجم وكدليل.
ساهم ريتشارد وقواته في الاستيلاء على عكا، رغم مرضه الشديد. في النهاية، تفاوض كونراد من مونفيراتو مع صلاح الدين على شروط الاستسلام ورفع رايات الملوك على المدينة. اختلف ريتشارد مع ليوبولد الخامس دوق النمسا حول مشاركة إسحاق كومنينوس حاكم قبرص في الحملة الصليبية. رفع ليوبولد رايته في مستوى الرايتين الإنجليزية والفرنسية. ففسر ذلك ريتشارد وفيليب أنها غطرسة، فليوبولد تابع للإمبراطور الروماني المقدس (على الرغم من أنه الزعيم الأعلى رتبة من بين القوات الإمبراطورية). مزق رجال ريتشارد الراية، ورموها في خندق عكا. فغادر ليوبولد الحملة الصليبية الثالثة فورًا. ثم غادر فيليب بعد ذلك بوقت قصير، وهو في حالة صحية سيئة، وبعد مزيد من النزاعات مع ريتشارد حول وضع قبرص (طالب فيليب بنصف الجزيرة) وتملك أورشليم. ليجد ريتشارد نفسه فجأة، بلا حلفاء.
استبقى ريتشارد 2,700 أسير مسلم كرهائن ضد صلاح الدين الأيوبي للوفاء بجميع شروط استسلام الأراضي حول عكا. وقبل أن يغادر فيليب، سلّم أسراه إلى كونراد، لكن ريتشارد أجبره على تسليمهم له. خشي ريتشارد أن يعرقله الأسرى عن التحرك بقواته من عكا، فأمر بإعدامهم جميعًا.[93][94][95][96] ثم اتجه جنوبًا، وهزم قوات صلاح الدين الأيوبي في معركة أرسوف في 7 سبتمبر 1191‏3. وفي نوفمبر 1191، بعد الاستيلاء على يافا، تقدم الجيش الصليبي نحو القدس. وصل إلى بيت نوبا، على بعد 12 ميل من القدس. كانت معنويات المسلمين في القدس منخفضة جدًا خشية سقوط المدينة بسرعة. إلا أن الطقس الذي كان سيئًا باردًا مع أمطار غزيرة وعواصف، وهذا بالإضافة لخوفه من أن يحاصر جيشه في القدس، دفعاه للانسحاب والعودة إلى الساحل.[97] ثم حاول التفاوض مع صلاح الدين الأيوبي، إلا أنه لم ينجح في ذلك. وفي النصف الأول من عام 1192، حصّن هو وجنوده عسقلان.
اضطر ريتشارد بقبول كونراد كملك لأورشليم بعد أن تم انتخابه، ثم باع قبرص لغي دي لوزينيان.[74] وبعد أيام في 28 أبريل 1192، اغتيل كونراد على أيدي الحشاشين قبل تتويجه.[98] وبعد ثمانية أيام، تزوج ابن شقيقته هنري الثاني كونت شامبين من الأرملة إيزابيلا ملكة أورشليم, رغم حملها في ابن كونراد. لم يُعرف من وراء الجريمة، إلا أن المؤرخين يشتبهون في تورط ريتشارد.[99]
تقدم الجيش الصليبي مرة أخرى نحو القدس في يونيو 1192، ورغم ان المدينة كانت على مرمى البصر، إلا أنهم اضطروا للانسحاب بسبب الخلافات بين قادة الجيش. كان ريتشارد ومعظم قادة الجيش يريدون إجبار صلاح الدين الأيوبي على التخلي عن القدس من خلال مهاجمة قاعدة سلطانه مصر. في حين أصر قائد القوات الفرنسية هيو الثالث دوق بورجوندي على أن الهجوم المباشر على القدس يجب أن يتم. قسّم هذا الشقاق الجيش الصليبي إلى فصيلين، ليس في قدرة أحدهما فرض رأيه على الآخر. وقال ريتشارد أنه سيصاحب أي هجوم على القدس فقط كجندي بسيط، ورفض قيادة الجيش. ودون قيادة موحدة، اضطر الجيش للانسحاب والعودة إلى الساحل.[100]
بدأت فترة من المناوشات البسيطة مع قوات صلاح الدين في الوقت الذي تفاوض فيه ريتشارد وصلاح الدين الأيوبي على تسوية الصراع. كما علم ريتشارد بأن فيليب وشقيقه جون بدئا في التآمر ضده. ومع ذلك، أصر صلاح الدين على هدم تحصينات عسقلان، التي صنعها رجال ريتشارد، وعدد قليل من النقاط الأخرى. حاول ريتشارد محاولة أخيرة لتعزيز موقفه التفاوضي بمحاولة غزو مصر، لكنه فشل. في النهاية، نفد الوقت أمام ريتشارد، وأدرك أنه ليس بإمكانه تأجيل عودته. وتوصل مع صلاح الدين الأيوبي على تسوية في 2 سبتمبر 1192، اشتملت على هدم تحصينات عسقلان، والسماح للحجاج والتجار المسيحيين بدخول القدس،[101][102] كما تضمنت هدنة لمدة ثلاث سنوات.[102]
الأسر والعودة[عدل]

تصور للإمبراطور هنري السادس وهو يسامح ريتشارد، تعود لنحو عام 1196.
أجبر الطقس السيء سفينة ريتشارد على أن تحط في كورفو، في أراضي الإمبراطور البيزنطي إسحاق الثاني، الذي اعترض على ضم ريتشارد لقبرص التي كانت أرض بيزنطية مسبقًا. متنكرًا في زي فرسان الهيكل، أبحر ريتشارد مع أربع مرافقين من كورفو، غير أن سفينته تحطمت قرب أكيليا، مما أجبره على رحلة خطرة في وسط أوروبا. وفي طريقه عبر أراضي زوج شقيقته هاينريش الأسد، أسر ريتشارد قبل عيد الميلاد عام 1192 بوقت قصير قرب فيينا من قبل ليوبولد الخامس دوق النمسا، الذي اتهم ريتشارد بالترتيب لقتل ابن عمه كونراد من مونفيراتو. وعلاوة على ذلك، أهان ريتشارد ليوبولد شخصيًا بإنزال رايته من فوق أسوار عكا.
سجن ليوبولد ريتشارد في قلعة دورنشتاين،[103] وصل خبر تحطم سفينة ريتشارد إلى إنجلترا، إلا أن الأوصياء على عرشه ظلوا لعدة أسابيع غير متيقنين من مكان وجوده. أثناء وجوده في السجن، كتب ريتشارد أغنية “Ja nus hons pris” (“لا يوجد رجل مسجون”)، التي وجهها إلى أخته غير الشقيقة ماري كونتيسة شامبين. كتبها بالفرنسية والقسطانية، للتعبير عن مشاعر الهجر من قبل شعبه وأخته. كان احتجاز المشاركين في الحملات الصليبية مخالفًا للقانون العام،[104][105] وعلى هذه الأسس حرم البابا سلستين الثالث الدوق ليوبولد كنسيًا.

أطلال قلعة دورنشتاين، حيث احتجز ليوبولد ريتشارد.
في 28 مارس 1193، تم تسليم ريتشارد للإمبراطور هنري السادس، الذي كان متضررًا من دعم أسرة بلانتيجانت لأسرة هاينريش الأسد، وأيضًا من اعتراف ريتشارد بتانكريد ملكًا على صقلية،[104] فسجنه في قلعة تريفلز. كان هنري السادس في حاجة للمال لتجهيز جيش للمطالبة بحقوقه في جنوب إيطاليا، فاحتجز ريتشارد لكي يحصل على فدية. مما دفع البابا سلستين الثالث لحرمان هنري السادس أيضًا كنسيًا لاحتجازه غير المشروع لريتشارد. رفض ريتشارد تقديم التحية للامبراطور، وقائلاً: «لقد ولدت في رتبة لا تعترف بأن أحدًا يفوقها إلا الله.[106]» وعلى الرغم من شكواه، لم تكن ظروف احتجازه شديدة.
طلب الإمبراطور 150,000 قطعة فضية فدية لإطلاق سراح ريتشارد، وهو ما يعادل ما جمعته عشور صلاح الدين قبل ذلك بأعوام،[107] ومن 2–3 أضعاف دخل إنجلترا في ذلك الوقت، وهو ما قدره المؤرخ ديفيد بويل بحوالي ملياري جنيه إسترليني بأسعار عام 2011.‏[108] عملت أمه على جمع الفدية، حتى أنها صادرت بعض ممتلكات الكنائس. وفي الوقت نفسه، عرض شقيقه جون والملك فيليب الثاني ملك فرنسا على الإمبراطور 80,000 قطعة فضية لتأخير إطلاق ريتشارد حتى نهاية سبتمبر 1194، لكن الإمبراطور رفض العرض. أرسلت أموال الفدية مع سفراء الإمبراطور عبر ألمانيا، وفي 4 فبراير 1194، أطلق سراح ريتشارد. فأرسل فيليب إلى جون قائلاً: «انتبه إلى نفسك، فقد أطلق الشيطان.[109]»
السنوات اللاحقة والوفاة[عدل]

ريتشارد وفيليب، مخطوطة فرنسية من عام 1261
في الفترة التي غاب فيها ريتشارد، ثار أخوه جون بمساعدة فيليب الثاني، الذي كان قد استولى على نورماندي بينما كان ريتشارد في السجن.[110] غفر ريتشارد لجون على فعلته عندما التقيا مرة أخرى; تماشياً مع الضرورة السياسية. كما جعل جون وريثه بدلاً من ابن أخيه آرثر.
فتح سقوط قلعة غيزور (بالفرنسية: Château de Gisors) بيد القوات الفرنسية عام 1196 فجوة في الدفاعات النورماندية. بحث ريتشارد عن موقع جديد يبني فيه قلعة جديدة من أجل الدفاع عن دوقية نورماندي، ولاستخدامه كقاعدة يبدأ منها حملته لاستعادة مقاطعة فيكسين من الفرنسيين.[111] واختير هذا الموقع على ضفاف نهر السين، في قصور أنديلي. بموجب شروط صلح اللوفر بين ريتشارد وفيليب في ديسمبر عام 1195، لم يكن مسموحاً لكلا الملكين بتحصين هذا الموقع. على الرغم من ذلك، أراد ريتشارد بناء قلعة غايّار (بالفرنسية: Chateau Gaillard) هناك.[112] حاول ريتشارد الحصول على تلك القصور من خلال المفاوضات، لكن رئيس الأساقفة والتر دي كوتانس كان متردداً في بيعها، حيث كانت تلك القصور إحدى أكثر الأبرشيات ربحاً للأموال. كما أن بقية الأبرشيات كانت قد تعرضت للدمار خلال الحروب.[112] وعندما حاصر فيليب الثاني منطقة أومال في نورماندي، نفذ صبر ريتشارد واستولى عليها،[112][113] على الرغم من معارضة الكنيسة لذلك.[114] أصدر والتر دي كوتانس حرماناً بحق دوقية نورماندي ومنع من تقديم الخدمات الكنسية فيها. يقول المؤرخ روجر الهوديني: «ظلت جثث الموتى ملقاة في الشوارع دون أن تدفن في مدن نورماندي». لكن الحرمان ألغي من قبل البابا سلستين الثالث في شهر أبريل من عام 1197 بعدما قدم ريتشارد هدايا لوالتر كان من ضمنها أبرشيتين وميناء كبير في دييب.[115][116]
في عهد ريتشارد، انخفض الإنفاق الملكي على بناء القلاع مقارنة بعهد والده هنري الثاني، ويعزى ذلك إلى تركيز إنفاق الموارد على حروب ريتشارد مع ملك فرنسا.[117] إلّا أن بناء قلعة غايّار كلّف 15-20 ألف جنيه إسترليني في الفترة ما بين 1196-1198، فكانت بذلك واحدة من أكثر القلاع كلفة في ذلك الوقت،[118] حيث كانت تكلفة القلاع التي بناها ريتشارد في إنجلترا حوالي 7 آلاف جنيه إسترليني، وهي بذلك أقل من نصف تكلفة قلعة غايّار.[119] كما أن سرعة بنائها لم يسبق لها مثيل، حيث بنيت في عامين تقريبا، بينما كان بناء القلاع الأخرى يستغرق حوالي العقد من الزمان.[118] ووفقًا للمؤرخ الإنجليزي ويليام بارفوس، أنه في شهر مايو من عام 1198 هطل على ريتشارد والعاملين بالبناء مطر غزير من الدم; فظنّ البعض أنه نذير شؤم،إلّا أن ريتشارد لم يأبه به.[120] يقول ويليام[121] «لم يتأثر الملك بما حصل، ولم يسمح بالتهاون في العمل ولو بمقدار ذرة، بل واصل عمله بسعادة. وإن لم أكن مخطئًا، حتى لو نزل ملك من السماء ليؤخر البناء لاضطر للعن ريتشارد لأنه لن يوافق على ذلك.»

مظهر بانورامي لقلعة غايّار
لم يذكر شيء عن المشرف على عملية بناء القلعة. تقول المؤرخة ألين براون أن المشرف على البناء كان الملك ريتشارد بنفسه; يدعم هذا الرأي الاهتمام الذي أبداه ريتشارد خلال زياراته المتكررة للقلعة أثناء بنائها.[122] أصبحت القلعة في سنوات ريتشارد الأخيرة مكان إقامته المفضل. وكانت قلعة غايّار سابقة لعصرها، متضمنة ابتكارات اعتمدت في عمارة القلاع لقرن تلاها من الزمان.[123] وصفتها المؤرخة ألين بأنها أحد أفضل قلاع أوروبا في زمانها.[123] يقول المؤرخ العسكري البريطاني تشارلز أومان:[124] «تعتبر قلعة غايّار تحفة عصرها. ستبقى سمعة ريتشارد كمهندس عسكري عظيم ثابتة بسببها. لم يكن ريتشارد مجرد مقلد لما رآه في الشرق، بل ابتكر بنفسه تفاصيل أدخلها على بناء هذه القلعة.»
عزم ريتشارد على مقاومة أطماع فيليب الثاني بالأراضي المتنازع عليها مثل مقاطعة فيكسين، حيث أخرج كل ما في جعبته من خبرة عسكرية وموارد هائلة في وجه ملك فرنسا. فقام ريتشارد بصنع تحالف ضد فيليب مكون من بالدوين التاسع كونت فلاندرز، ورينو كونت بولوني، وسانشو السادس ملك نافارا الذي داهم أراضي فيليب من الجنوب. والأهم من ذلك كله، استطاع ريتشارد تأمين ميراث فلف في ساكسونيا لابن أخته أوتو حاكم بواتو، الذي أصبح إمبراطوراً رومانياً مقدساً (بإسم أوتو الرابع) عام 1198. ونتيجة لهذه التحالفات وغيرها من المكائد، انتصر ريتشارد على فيليب في عدة مناسبات. فرّ فيليب من فيتيفال (الواقعة في وسط فرنسا) عام 1194 فور عودة ريتشارد من الأسر تاركاً أرشيفاً كاملاً من المراجعات المالية والوثائق التي حصل عليها ريتشارد. وفي معركة غيزور (تسمى أيضاً بمعركة كورسيل) عام 1198، اتخذ ريتشارد من عبارة الرب وحقي (بالفرنسية: Dieu et mon Droit) شعاراً له (وهو ما زال مستخدماً كشعار للملكية في المملكة المتحدة).
في شهر مارس من عام 1199، قام ريتشارد بقمع الثائرين في ليموزا. وعلى الرغم من أن ذلك الوقت كان وقت الصوم الكبير، إلّا أن ريتشارد “دمّر الأرض بالنار والسيف”.[125] ثم حاصر قلعة شالو شابرول التي كانت ضعيفة ومنزوعة السلاح تقريباً. يقول بعض المؤرخين أن ريتشارد حاصرها لأنّ أحد الفلاحين المحليين كان قد أخبره عن وجود كنز مدفون من الذهب الروماني،[126] الذي ادّعى ريتشارد أحقيته في الحصول عليه بصفته سيداً أعلى على الإقطاعية.
وفي مساء اليوم الخامس والعشرين من مارس عام 1199، كان ريتشارد يتجول حول محيط القلعة بدون ارتداء درعه، يتحقق من وضع جنوده المتواجدين فوق جدران القلعة. كان الملك ريتشارد يقضي وقتاً ممتعاً وهو ينظر إلى أحد الجنود الذي كان يحمل القوس والنشاب بيد واحدة. صوّب هذا الجندي القوس تجاه ريتشارد، وقد لاقى هذا الفعل استحساناً من قبل الملك. إلّا أن رجلاً آخر رمى الملك بسهم ضرب كتفه الأيسر بالقرب من عنقه. أٌدخل الملك خيمته وقام الجرّاح (الذي وصفه البعض بالجزّار) بإزالة السهم بطريقة غير احترافية على الإطلاق، ما أدى إلى تحول الجرح بشكل سريع إلى غنغرينة. يقال أن ريتشارد طلب إحضار قاتله إليه الذي اختلف في اسمه، فقيل بيير أو بيتر، وقال البعض أن اسمه جون.[127][128] وعندما وقف بين يدي ريتشارد، اتضح له (وفقاً لبعض المصادر وليس جميعها) أنه مجرد صبي. ادّعى هذا الصبي أن ريتشارد كان قد قتل أباه وأخويه؛ فأراد قتل ريتشارد انتقاماً لذلك. اعتقد الصبي أنه سيتعرض للإعدام، لكن ريتشارد أراد أن يكون رحيماً وهو على وشك توديع الحياة، فسامح الصبي على فعلته وقال له: أكمل حياتك، وبفضلي سترى نور الغد. وقبل إطلاق سراح الصبي، أمر بإعطائه 100 شلن.[129] قام ريتشارد بتوريث جميع أراضيه لأخيه جون، أما المجوهرات فورثها لابن أخته أوتو.

الملك ريتشارد الأول
توفي ريتشارد في السادس من أبريل عام 1199 في أحضان والدته. وصفت وفاته بمصطلح الأسد الذي قٌتل من النملة وذلك يعزى إلى طريقة قتله. يقول أحد المؤرخين:[130] «أثبت ريتشارد في آخر أعماله أن الشهامة كانت غير مثمرة خلال العصور الوسطى بهمجيتها ووحشيتها. حيث قام المرتزق الشائن ميركادير بسلخ جلد قاتل ريتشارد وتعليقه على القلعة فور وفاة ريتشارد.»
دُفن قلب ريتشارد في روان في نورماندي. ودُفنت أحشاؤه في شالو (المكان الذي توفي فيه). أما باقي جسده فدُفن في كنيسة فونتفريد في أنجو بجانب أبيه.[131] في عام 2012، قام العلماء بتحليل ما تبقى من قلب ريتشارد واكتشفوا أنه قد تم تحنيطه باستخدام عدة مواد من ضمنها اللبان، وهي مادة ذات أهمية رمزية وذلك لأنها قُدمت عند ولادة المسيح وتحنيطه تم وفقاً للمسيحية.[132]
المظهر[عدل]
وفقاً لكتاب خط سير رحلة الملك ريتشارد (باللاتينية: Itinerarium Regis Ricardi) الذي يسرد أحداث الحملة الصليبية الثالثة:
ريتشارد الأول ملك إنجلترا كان طويل القامة، مثالي البنية. كان شعره ما بين الأحمر والذهبي، وكانت أطرافه مرنة ومستقيمة. أما ذراعاه فكانتا طويلتين متناسبتين مع سيفه عند إشهاره إياه، وكانت ساقاه طويلتين متوافقتين مع بقية أجزاء جسده. ريتشارد الأول ملك إنجلترا
الإرث[عدل]

تمثال ريتشارد الأول أمام قصر وستمنستر في لندن.
تقلبت سمعة ريتشارد عبر الزمن “بعنف”. الصورة المعاصرة لريتشارد هي صورة الملك الفارس.[133] عرف بكونه قائد عسكري ومقاتل باسل وكريم. إلا أن سمعته تضررت على مر العصور، وحددت النظرة الشعبية لريتشارد.[133] فقد ترك بصمة لا تمحى على الخيال حتى وقتنا الحاضر، بسبب مآثره العسكرية. انعكس ذلك على تعليق المؤرخ ستيفين رونسيمان على ريتشارد الأول: «كان ولدًا عاقًا وزوج سيء وملك سيء، إلا أنه كان جندي باسل ورائع.» كما كتب عنه المؤرخون المسلمون خلال فترة الحروب الصليبية[134] «لم نواجه قط خصمًا أكثر جرأة وبراعة منه.[134]»
رغم ذلك، كانت هناك صور سلبية عن ريتشارد. خلال حياته، تعرض لانتقادات من قبل المؤرخين لجمعه الضرائب من رجال الدين سواء للحملة الصليبية أو لفديته، في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة ورجال الدين عادة معافون من الضرائب.[135] شهد العصر الفكتوري انقسام حول ريتشارد، فقد أعجب به الكثيرون على اعتبار أنه بطل صليبي ورجل الله، وشيدوا له تمثالاً بطوليًا أمام برلمان المملكة المتحدة؛ وعلى الجانب الآخر، يصفه المؤرخ ستابس بأنه «ولد عاق، وزوج سيء، وحاكم أناني، ورجل خبيث.» وعلى الرغم من مولده في أكسفورد، فلم يتحدث الإنجليزية. وخلال عهده الذي دام عشر سنوات، لم يمكث في إنجلترا لمدة تزيد عن ستة أشهر، وغاب عنها تمامًا في الخمس سنوات الأخيرة.
لم يكن لريتشارد ورثة شرعيين، فقط لديه ابن غير شرعي هو فيليب الكونجاكي. لذا، خلفه شقيقه جون ملك إنجلترا. ومع ذلك، رفضت أراضيه الفرنسية خلافة جون له، وفضلت ابن أخيه آرثر الأول دوق بريتاني ابن شقيقه الراحل جيوفري. كان عدم وجود وريث مباشر لريتشارد الخطوة الأولى تجاه حل الإمبراطورية الأنجوية. ورغم أن ملوك إنجلترا ضغطوا للمطالبة بأراضيه في القارة، إلا أنهم لم يتمكنوا أبدًا من حكمها مرة أخرى.
فلكلور العصور الوسطى[عدل]
في حوالي منتصف القرن الثالث عشر، نشأت عدد من الأساطير حول أسر ريتشارد، فقالوا أن المغني بلوندل دي نيسل جاب أوروبا من قلعة إلى قلعة، وهو يصيح بأغنية لا يعرفها سوى اثنين هو وريتشارد.[136] إلى أن وصل في النهاية إلى المكان الذي كان ريتشارد محتجزًا فيه، فسمع ريتشارد الأغنية، وأكمل باقي الأغنية، فعرف بلوندل مكان سجنه. كانت القصة الأساس الذي أوبرا أندريه غريتري ريتشارد قلب الأسد، ويبدو أنها كانت ملهمة لريتشارد ثورب في مقدمة الفيلم السينمائي إيفانهوي عام 1952. لكنها لا تبدو قصة حقيقية تتناسب مع بلوندل المنشد الأرستقراطي. كما لا تتوافق مع الواقع التاريخي، حيث لم يخف آسري الملك حقيقة أسره، بل على العكس، فقد أعلنوا ذلك.[137]
وبحلول القرن السادس عشر، بدأت قصص روبن هود في الظهور، التي صورته كمعاصر ومؤيد للملك ريتشارد قلب الأسد، مما اضطر روبن للخروج عن القانون خلال حكم جون شقيق ريتشارد الشرير، في الوقت الذي كان فيه ريتشارد بعيدًا في الحملة الصليبية. وعلى الرغم من أن هذه القصة تزايدت شعبيتها، إلا أنها بالتأكيد لم تكن شائعة في القصائد التي عاصرت تلك الفترة.
في الأعمال الفنية المعاصرة[عدل]

الشعار الذي استخدمه ريتشارد الأول في نهاية عصره.
ظهر ريتشارد كشخصية رئيسية أو ثانوية في العديد من الأعمال، سواء المكتوبة أو السمعية البصرية. فظهر مرتبطًا بشخصية روبن هود في رواية والتر سكوت ايفانهو والعديد من الأعمال المبنية على الرواية، كذلك في عدد من الأفلام عن روبن هود. كما كان أحد الشخصيات الرئيسية في رواية سكوت الطلسم التي تدور أحداثها خلال الحملة الصليبية الثالثة، والتي صورت فيلمًا عام 1954 بعنوان الملك ريتشارد والصليبيين، لعب فيه جورج ساندرز دور ريتشارد وريكس هاريسون دور صلاح الدين الأيوبي. كما ظهر في العديد من الأعمال التي تناولت الحملة الصليبية الثالثة وتوابعها. كما دارت أوبرا ريكاردو بريمو لجورج فريدريك هاندل حول غزو ريتشارد لقبرص.
لعب شون كونري دور ريتشارد مع كيفين كوستنر في فيلم روبن هود:أمير اللصوص عام 1991، كما مثله أنتوني هوبكنز في فيلم أنطوني هارفي الأسد في الشتاء عام 1968، كما ظهرت شخصية ريتشارد الأول في مشهد عابر في نهاية فيلم مملكة السماء من إخراج ريدلي سكوت، والذي قام فيه إيان غلين بالدور. وفي الفيلم الملحمي روبن هود الذي أخرجه سكوت أيضًا عام 2010، مثل داني هيوستن دور ريتشارد الأول، تناول الفيلم وفاة الملك أثناء حصار قلعة تشالوس، وجعل إعادة تاجه إلى إنجلترا من مسئولية روبن هود. وعربيًا، أدى الممثل حمدي غيث دور ريتشارد قلب الأسد في فيلم الناصر صلاح الدين من إخراج يوسف شاهين.

ريتشارد الأول ملك إنجلترا .. (ريتشارد قلب الاسد)

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد العسكر2080

ريتشارد الأول (8 سبتمبر 1157 – 6 أبريل 1199) ملك إنجلترا منذ 6 يوليو 1189 وحتى وفاته. كما حكم كدوق لنورماندي (باسم ريتشارد الرابع) ودوق أقطانية وغاسكونية وسيد قبرص وكونت أنجو ومين ونانت وسيد عموم بريتاني على فترات أثناء عهده1. وقد عرف بلقب ريتشارد قلب الأسد، حتى قبل تتويجه بفضل سمعته كقائد عسكري ومحارب عظيم.[1] وسمّاه المؤرخون المسلمون ملك الإنكتار.[2]
في عمر السادسة عشرة، قاد ريتشارد جيشه، وأخضع التمردات على عرش أبيه هنري الثاني ملك إنجلترا في بواتو.[1] كما كان ريتشارد القائد الرئيس خلال الحملة الصليبية الثالثة، بعد أن رحل فيليب الثاني ملك فرنسا، وحقق انتصارات معقولة على منافسه المسلم صلاح الدين الأيوبي، بالرغم من عدم استطاعته الاستيلاء على القدس.[3]
تحدث ريتشارد لهجة (Langues d’oïl) وهي لهجة غالو رومانسية، إضافة إلى القسطانية وهي لغة أيضًا رومانسية كانت منتشرة في جنوب فرنسا والمناطق القريبة منها.[4] لم يُمض ريتشارد وقتًا طويلاً من حياته في مملكة إنجلترا، حيث عاش في دوقية أقطانية في جنوب غرب فرنسا، مفضلاً جعلها حائط صد لحماية مملكته.[5] كان أتباعه يعتبرونه بطلاً تقيًا. كما أنه من الملوك القلائل في إنجلترا، الذي غلب لقب شهرته (ريتشارد قلب الأسد) على لقب ترتيبه (ريتشارد الأول)، كما يعتبر من أيقونات إنجلترا وفرنسا.[6]

عائلته وشبابه[عدل]

خاتم ريتشارد الأول عام 1189
ولد ريتشارد في 8 سبتمبر 1157،[7] من المحتمل في قصر بومونت،[8] في أكسفورد بمملكة إنجلترا، وهو الشقيق الأصغر لويليام التاسع كونت بواتييه وهنري الملك الشاب وماتيلدا دوقة ساكسونيا.[9] ولكونه الابن الشرعي الثالث للملك هنري الثاني ملك إنجلترا، لم يكن متوقعًا أن يعتلي العرش.[10] كما كان شقيقًا أكبر لجيوفري الثاني دوق بريتاني وإليانور ملكة قشتالة وجوان ملكة صقلية وجون ملك إنجلترا الذي خلفه على عرش إنجلترا. أيضًا كان أخًا غير شقيق أصغر لماري كونتيسة شامبين وأليكس كونتيسة بلوا.[9] توفي ويليام أكبر أبناء هنري الثاني وإليانور آكيتيان عام 1156، قبل مولد ريتشارد.[9] غالبًا ما كان ريتشارد يوصف بأنه الابن المفضل لأمه إليانور آكيتيان.[11] والده هنري نورماني-إنجوي ينحدر من نسل ويليام الفاتح. وقد نسب المؤرخ المعاصر لتلك الفترة رالف الديسيتوي عائلته إلى ماتيلدا ملكة إسكتلندا والملوك الأنجلوساكسونيين لإنجلترا ولألفريد العظيم، حتى نوح ووودن. ووفقًا للأسطورة الأنجوية، فإنه تجري في عروقهم دماء شيطانية.[8]
على الأرجح أنه في الوقت الذي كان أبوه يتنقل بين أراضيه من إسكتلندا إلى فرنسا، كان ريتشارد يقضي طفولته في إنجلترا. ويرجع تاريخ أول وثيقة توثق زيارته للقارة الأوربية إلى مايو 1165 م، عندما صحبته أمه إلى نورماندي.[12] رضع ريتشارد من امرأة تدعى هوديرنا، التي منحها معاشًا كريمًا عندما أصبح ملكًا.[13] ولا يعرف الكثير عن تعليمه.[14] ورغم أنه ولد في أوكسفورد وتربى في إنجلترا إلى عمر الثامنة، إلا أنه من غير المعلوم إلى أي مدى استخدم أو فهم الإنجليزية. بينما من المعروف أنه كتب الشعر باللهجة الليموزية إحدى لهجات القسطانية، كما كتب بالفرنسية.[15] تكهن عدد من المؤلفين أن ريتشارد لم يكن يعرف الإنجليزية،[16] إلا أن الأدلة المتاحة للمؤرخين لم تكن قاطعة في هذا الشأن. ولا توجد كتابات معاصرة لتلك الفترة تذكر أن ريتشارد كان يجهل اللغة. وبالتأكيد، أثناء أسر ريتشارد استخدم شقيقه جون الإنجليزية في تعاملاته مع الأجانب لإنهاء سلطة مستشار ريتشارد ويليام لونغشامب النورماني. وفي إحدى التهم التي وجهها هيو نونات أسقف كوفنتري ضد لونغشامب، أنه لا يتحدث الإنجليزية. وهذا يدل على أنه بحلول نهاية القرن الثاني عشر، أصبح واجبًا على من في السلطة في إنجلترا، أن يكون على دراية باللغة الإنجليزية.[17][18]

ريتشارد قلب الأسد
يقال أن ريتشارد كان جذابًا للغاية، وقد كان شعره بين الأحمر والأشقر، كما كانت عينيه براقة مع بشرة شاحبة. ويرجح أن طوله كان أعلى من المتوسط، فوفقًا لكليفورد بروير، فقد كان طوله نحو 192 سم،[19] غير أنه لا دليل على تحديد طوله على وجه الدقة. ومنذ صغر سنه، أظهر ريتشارد قدرات سياسية وعسكرية، بدت ملحوظة وواضحة عندما قاتل النبلاء المتمردين في أراضيه. وقد تُوّج أخاه الأكبر هنري ملكًا على إنجلترا بالمشاركة مع أبيه في حياة أبيه.[20]
كان التحالف عن طريق الزواج شائعًا بين الأسر الملكية، فكانت تمهد للتحالفات السياسية ومعاهدات السلام، وتفتح الباب أمام مطالبات الأسر بحق وراثة العرش في ممالك الآخرين. تزوج هنري أخو ريتشارد الأكبر من مارغريت ابنة لويس السابع ملك فرنسا في 2 نوفمبر 1160.[21] كان هذا الزواج سببًا في بعض الصدامات التي كانت بين أسرتي بلانتجانت وكابيه ملوك فرنسا. وفي عام 1168، كان تدخل البابا ألكسندر الثالث ضروريًا لعقد هدنة بينهما، بعد أن غزا هنري الثاني بريتاني وسيطرت على جيزور وفيكسين، اللتان كانتا جزءً من مهر مارغريت.[22] قبل ذلك بأعوام، كان من المقترح أن يتزوج ريتشارد من أليس كونتيسة فيكسين رابع بنات لويس السابع، وبسبب النزاع بين ملوك إنجلترا وفرنسا، عارض لويس الزواج. عقدت معاهدة سلام في يناير 1169، وتمت الموافقة على خطبة ريتشارد لأليس.[23] قرر هنري الثاني تقسيم أراضيه وأراضي زوجته على أبنائه، الذين كان عددهم ثلاثة في ذاك الوقت، فأصبح هنري ملك إنجلترا، وسيطر على أنغو ومين ونورماندي، بينما حصل ريتشارد على أقطانية من والدته وأصبح كونت بواتييه، فيما حصل جيوفري على بريتاني من خلال زواجه كونستانس ولية عهد بريتاني. وخلال حفل خطبته لأليس، جعل هنري ولاء أقطانية لملك فرنسا، وبذلك وطّد أواصر العلاقات بين البلدين.[24]
في عام 1170، نفذ هنري الثاني خطته بتقسيم أراضيه على أبنائه عندما أحس بأن مرضه اشتد به، مع احتفاظه بسلطته الكاملة على أبنائه وأراضيهم. وفي عام 1171، غادر ريتشارد إلى أقطانية مع والدته، ومنحه أباه دوقية أقطانية بناءً على طلب والدته[25] بدأ ريتشارد وأمه جولة في أقطانية لاستمالة السكان المحليين.[26] ثم أسسا دير القديس أوغسطين في ليموج. وفي يونيو 1172، تم الاحتفال بتنصيبه دوقًا على أقطانية في بواتييه، وأعيد في ليموج حيث ارتدى خاتم القديس فاليري شفيع أقطانية.[27]
الثورة على هنري الثاني[عدل]
وفقًا للمؤرخ رالف الكوجيشالي، فإن هنري الملك الشاب كان المحرض على التمرد ضد هنري الثاني، فقد أراد أن يحكم بشكل مستقل الأراضي التي وعده إياها أباه، وكسر أغلال تبعيته لأبيه والسيطرة على الخزانة.[28] ويعتقد جان فلوري المؤرخ المتخصص في فترة القرون الوسطى، أن إليانور شجعت أبنائها على الثورة ضد أبيهم.[29] مما دفع هنري الملك الشاب لترك أبيه، والذهاب للبلاط الفرنسي سعيًا وراء حماية لويس السابع. ثم سرعان ما لحقه أشقائه الأصغر سنًا ريتشارد وجيوفري، بينما ظل جون البالغ من العمر 5 سنوات مع أبيه. دعم لويس الأبناء الثلاثة، وجعل ريتشارد فارسًا، ليجعلهم من أتباعه.[30] مما جعل جوردان فانتوسمي الشاعر المعاصر لتلك الأحداث يصف التمرد بأنه “حرب بلا حب”.[31]

القلعة التي انسحب إليها ريتشارد، بعدما أسرت قوات هنري الثاني ستين فارسًا وأربعمائة راميًا من رجاله الذين قاتلوا معه في سانتس.[32]
أقسم الأشقاء الثلاثة في البلاط الفرنسي أنهم لن يعقدوا أي اتفاقات مع هنري الثاني دون الرجوع للويس السابع والبارونات الفرنسيين.[33] وبدعم من لويس، جذب هنري الملك الشاب العديد من البارونات لصفه، بعد أن وعدهم بأراض وأموال. كان للأشقاء مؤيديهم في إنجلترا المستعدين للثورة، بقيادة روبرت دي بومونت إيرل ليشستر وهيو بيغود إيرل نورفولك وهيو دي كيفيلوك إيرل شيستر وويليام الأول ملك إسكتلندا. نجح التحالف في البداية، وبحلول يوليو 1173، حاصروا أومالي ونوف-مارشيه وفرنويل، كما سيطر هيو دي كيفيلوك على مدينة دول في بريتاني.[34] ذهب ريتشارد إلى بواتو لمساندة البارونات الموالين له ولأمه في تمرده على أبيه. ثم سقطت أمه في الأسر، فاضطر ريتشارد لمواجهة مؤيدي أبيه في أقطانية وحده. فتوجه للاستيلاء على لا روشيل، إلا أن سكانها رفضوه، فانسحب إلى مدينة سانتس التي اتخذها قاعدة تنطلق منها حملاته.[35][36]
في الوقت نفسه، جهز هنري الثاني جيشًا من 20,000 من المرتزقة لمواجهة التمرد.[34] فتوجه نحو فرنويل، فانسحب لويس بقواته. ثم استولى على دول وسيطر على بريتاني. عندئذ، قدّم هنري الثاني عرضًا للسلام مع أبنائه، إلا أنهم بنصيحة من لويس رفضوا العرض.[37] استولى هنري الثاني بعدئذ على سانتس وأسر معظم حاميتها، وفر ريتشارد في مجموعة صغيرة من الجند. ثم لجأ إلى قلعة تيليبورغ باقي الحرب.[35] خطط هنري الملك الشاب وكونت الفلاندرز للرسو بقواتهم في إنجلترا لدعم قوات إيرل ليشستر. ولتوقعه ذلك، عاد هنري الثاني لإنجلترا مع 500 جندي وأسراه (بما في ذلك إليانور وزوجات أبنائه وخطيباتهم)،[38] ولكن عند وصوله وجد أن التمرد قد انهار بالفعل. فقد أسر ويليام الأول ملك إسكتلندا وهيو بوغارد في 13 و 25 يوليو على التوالي. فعاد هنري الثاني إلى فرنسا حيث رفع حصار روان، فلحق هنري الملك الشاب بلويس السابع بعد أن تخلى عن خطته لغزو انجلترا. وبهزيمة لويس، تم التوقيع على معاهدة سلام مونتلويس[39] في سبتمبر 1174.[37]
عندما دخل هنري الثاني ولويس السابع في الهدنة يوم 8 سبتمبر 1174، استثني ريتشارد من الهدنة على وجه الخصوص.[38][40] وبعد أن هجره لويس، وخوفًا من مواجهة جيش والده في معركة، ذهب ريتشارد إلى بلاط هنري الثاني في بواتييه في 23 سبتمبر، وتوسل طالبًا المغفرة وبكى وسقط تحت أقدام هنري، الذي منح ريتشارد قبلة السلام.[38][40] وبعد عدة أيام، سعى إخوة ريتشارد سعيه في مصالحة والدهم.[38] قبل الأشقاء الثلاثة بشروط صلح أقل سخاءً من تلك التي عرضها عليهم أبيهم من قبل،[33] مُنح ريتشارد قلعتين في بواتو ونصف دخل أقطانية، ومُنح هنري الملك الشاب قلعتين في نورماندي، وجيوفري نصف دخل بريتاني. بينما ظلت إليانور أسيرة هنري الثاني حتى وفاته، كتأمين لضمان التزام ريتشارد بالصلح.[41]
تحت حكم هنري الثاني[عدل]

عملة فضية سُكّت عندما كان ريتشارد كونتًا لبواتييه.
بعد انتهاء التمرد، بدأت عملية تهدئة الأوضاع في المقاطعات التي تمردت على هنري الثاني، فسافر إلى أنجو لهذا الغرض وتعامل جيوفري مع بريتاني. وفي يناير 1175، تم إرسال ريتشارد لأقطانية لمعاقبة البارونات الذين قاتلوا من أجله. وفقًا للمؤرخ روجر الهوديني مؤرخ عهد هنري، أعيدت معظم القلاع التي استولى عليها المتمردون إلى الحالة التي كانت عليها قبل 15 يومًا من اندلاع الحرب، بينما كان لابد من نسف بعضها.[42] كان من الشائع في تلك الفترة بناء القلاع من الحجر، وقد قام العديد من البارونات بتوسيع أو تحصين قلاعهم، وهي مهمة لم تكن سهلة.[43] ونظرًا لنجاحه في حملته تلك،[42] اكتسب ريتشارد لقب “ريتشارد قلب الأسد”.[43] كانت أولى نجاحاته حصار قلعة سور أجين، التي عرفت بأنها من القلاع القوية، ولكن بعد حصار مدته شهرين، استسلم المدافعون لريتشارد.[44]
في عامي 1181-1182، واجه ريتشارد تمردًا في مقاطعة أنغوليم، ولجأ خصومه إلى فيليب الثاني ملك فرنسا للحصول على الدعم، ودار القتال في ليموزا وبيريغورد. اتهم ريتشارد بارتكاب أعمال وحشية ضد رعاياه، بما في ذلك الاغتصاب.[45] ولكن مع دعم أبيه وشقيقه هنري الملك الشاب، نجح ريتشارد في إخضاع التمرد. وفي يونيو 1183، توفي هنري الملك الشاب. وبوفاة هنري الملك الشاب، أصبح ريتشارد الابن الأكبر ووريث التاج الإنجليزي.
ولتقوية مركزه، في عام 1187، تحالف ريتشارد مع فيليب الثاني، ابن زوج أمه السابق لويس السابع ملك فرنسا. وقد كتب المؤرخ روجر الهوديني قائلاً:
ريتشارد الأول ملك إنجلترا أصابت ملك إنجلترا دهشة كبيرة، وتساءل ما معنى ذلك [يعني التحالف]، واتخذ احتياطاته المستقبلية، فأرسل رسلاً إلى فرنسا لاستدعاء ابنه ريتشارد الذي تظاهر بميله للسلام واستعداده للقدوم إلى والده، واتخذ طريقه إلى شينو، وبدلاً من توجهه بعهدته من الكنوز الكثيرة إلى والده، وتحصينه القلاع في بواتو. رفض أن يذهب إلى والده.[46] ريتشارد الأول ملك إنجلترا
وعمومًا، تناول الهوديني بالدرجة الأولى العلاقات السياسية بين ريتشارد والملك فيليب. فيما تناول المؤرخ جون جيلينغهام نظريات تشير إلى وجود علاقة جنسية بينهما، مستدلاً بوثيقة تشير – كرمز للوحدة بين البلدين – إلى كون الاثنان كانا يناما في سرير واحد. وصف جيلينغهام ذلك بأنه “فعل مقبول سياسيًا، لا يمت للاتصال الجنسي بصلة؛ … تمامًا كالتقاط الصور في العصر الحديث.”[47] كما قدم ريتشارد ولائه لفيليب في نوفمبر 1188.[48] وفي العام التالي، حاول ريتشارد الوصول لعرش إنجلترا من خلال الانضمام إلى حملة فيليب على إنجلترا.[49] وفي 4 يوليو 1189، هزم ريتشارد وقوات فيليب جيش هنري الثاني في بالانز. فوافق هنري مع رضا جون، على تسمية ريتشارد خليفة له.[50] وبعد يومين، توفي هنري الثاني في شينون، وخلفه ريتشارد كملك على إنجلترا وكدوق لنورماندي وكونت لأنجو.
ريتشارد ملكًا والحملة الصليبية[عدل]

التتويج الملكي والعنف ضد اليهود[عدل]

ريتشارد خلال تتويجه في دير وستمنستر
أعلن ريتشارد رسمياً دوق نورماندي في العشرين من يوليو عام 1189 ثم توّج ملكاً في دير وستمنستر في الثالث من سبتمبر من نفس العام.[51] منع ريتشارد جميع اليهود والنساء من حضور مراسم التتويج. على الرغم من ذلك، حضر بعض قادة اليهود مقدمين له الهدايا. [52] وفقاً للمؤرخ رالف ديكيتو، قام أتباع ريتشارد بضرب وجلد اليهود وتجريدهم مما بحوزتهم ومن ثم طردهم إلى الخارج. [53]
انتشرت شائعة بأن ريتشارد قد أمر بقتل جميع اليهود. فقام سكان لندن بارتكاب مجزرة بحقهم.[53] تعرض الكثير منهم للضرب حتى الموت، وللسرقة، كما حرق بعضهم أحياء.[53] هدمت العديد من منازلهم، وتعرض بعضهم للتعميد قسراً.[53] اتخذ بعضهم من برج لندن ملاذاً، بينما فرّ الآخرون للحفاظ على حياتهم. ادّعى البعض أن مرتكبي هذه الجرائم كانوا مجرد مواطنين غيورين ومتعصبين، وأن الملك ريتشارد قام بمعاقبتهم. كما قام بالسماح لليهود الذين أجبروا على ترك دينهم بالعودة إلى اليهودية. يشار إلى أن مشاركة ريتشارد في الجرائم ضد اليهود لم يثبت قط[54].
شعر ريتشارد بأن هذه الاعتداءات قد تزعزع من استقرار مملكته قبيل رحيله للمشاركة في الحملة الصليبية الثالثة. لذلك أمر ريتشارد بإعدام المسؤولين عن أفظع جرائم القتل والإضطهاد. من ضمنهم من أحرق بعض منازل المسيحيين عن طريق الخطأ.[55] وأصدر مرسوماً ملكياً يطالب بترك اليهود بشأنهم وعدم الاعتداء عليهم. على الرغم من ذلك، استمرت الاعتداءات في شهر مارس مثل مجزرة يورك التي وقعت في 16 مارس 1190 والتي تعتبر واحدة من أبشع المجازر وأشرسها.
التجهيز للحملة الصليبية[عدل]

صورة رسمتها ماري-جوزيف بلونديل لريتشارد في القرن التاسع عشر.
بعد أن أصبح ريتشارد ملكًا، وافق هو وفيليب، على الذهاب في الحملة الصليبية الثالثة، لأن كليهما خشى أن يغتصب الآخر أراضيه في غيابه.[56] وبدأ في تجهيز الجيش الصليبي الجديد، فأنفق معظم ما في خزانة والده (الممتلئة بالأموال التي جمعتها عشور صلاح الدين)، وزاد الضرائب، وحتى وافق على إطلاق سراح الملك ويليام الأول ملك إسكتلندا نظير قسمه بأن يدفع لريتشارد 10,000 قطعة فضية. ولجمع المزيد من الأموال، باع العديد من الألقاب الرسمية والامتيازات والأراضي للراغبين.[57] كما إضطر من يحملون ألقابًا بالفعل لدفع مبالغ ضخمة للاحتفاظ بمناصبهم. فدفع ويليام لونغشامب أسقف إيلي ومستشار الملك 3,000 قطعة فضية للاحتفاظ بمنصبه كمستشار للملك.[58]
كما قام ريتشارد بعض الترتيبات النهائية في أراضيه في القارة،[59] فعيّن ويليام فيتزرالف حاكمًا على نورماندي. وفي أنجو، أقال ستيفن التوري من منصبه كحاكم، وسجنه مؤقتًا لسوء إدارته المالية، واستبدله بباين دي روشفور. وفي بواتو، عين بيتر بيرتن حاكمًا، وفي غاسكونية، اختار لها هيلي دي لا سيل حاكمًا. ثم انطلق في الحملة الصليبية في صيف 1190.[59] وعين هيو دي بوسيه أسقف دورهام وويليام دي ماندفيل إيرل إسكس كأوصياء على العرش، لكن سرعان ما توفي الأخير وخلفه مستشار ريتشارد ويليام لونغشامب،[60] وهي القرارات التي لم ترض جون شقيق ريتشارد.
انتقد بعض المؤرخين ريتشارد لقضاء ستة أشهر فقط من حكمه في إنجلترا، ومصّ موارد المملكة لدعم حملته. فيقول المؤرخ ويليام ستابس:
ريتشارد الأول ملك إنجلترا كان ملكًا سيئًا. إلا أن مآثره العظيمة كمهارته العسكرية وسخائه وتذوقه للشعر وروحه المغامرة، لم تشفع له ليتعاطف معه شعبه. لم يكن إنجليزيًا، لكن ذلك لا يعني أنه منح نورماندي أو أنجو أو أقطانية الحب أو الرعاية التي حرم منها مملكته. كان طموحه كمحارب: أن يقاتل من أجل أي شيء أيا كان، لكنه على استعداد لأن يبيع أي شيء قاتل من أجله. كان المجد الذي سعى خلفه هو النصر لا الفتح.[61] ريتشارد الأول ملك إنجلترا
تذرع ريتشارد بأن إنجلترا “باردة والسماء تمطر دومًا”، وعندما كان يجمع الأموال لحملته، قال أنه “على استعداد لبيع لندن لمن يشتري.”[62] ومع ذلك، على الرغم من إنجلترا مثلت قيمة كبيرة وجزءً كبيرًا من أراضيه، وبالأخص لأنها منحته لقب ملكي جعله على قدم المساواة مع الملوك الآخرين، لم توجه إنجلترا له أي تهديدات داخلية أو خارجية كبيرة خلال فترة حكمه، على عكس أراضيه في القارة، لذا لم تتطلب حضوره الدائم هناك. وكمعظم ملوك بلانتاجانت قبل القرن الرابع عشر، لم يكن في حاجة لاستخدام اللغة الإنجليزية على نطاق واسع. وبتركه البلاد في أيدي عدة مسؤولين (بما فيهم والدته)، أصبح ريتشارد أكثر قلقًا على أراضيه الفرنسية الواسعة. وبعد كل تجهيزاته تلك، أصبح لديه جيشًا من 4,000 رجل مثقل بالأسلحة، و 4,000 جندي مشاة وأسطولاً من 100 سفينة.
احتلال صقلية[عدل]
توج تانكريد ملكاً على صقلية عام 1189 بعد وفاة ويليام الثاني على الرغم من أن كونستانس زوجة الإمبراطور هنري السادس كانت الوريثة الشرعية للحكم. زج الملك تانكارد الملكة جوان بالسجن ورفض إعطائها ميراثها المستحق، وهي أرملة ويليام وأخت ريتشارد. وفي سبتمبر 1190، وصل كل من ريتشارد وفيليب إلى جزيرة صقلية.[63] وفور وصول ريتشارد طالب تانكارد بإطلاق سراح أخته وإعطائها الميراث. خرجت جوان من السجن في 28 سبتمبر ولكن تانكارد رفض إعطائها ميراثها.[64]
شعر سكان مسينا بالضيق نتيجة تواجد قوات أجنبية على أرضهم، فثاروا مطالبين بخروجهم.[65] فهاجم ريتشارد مدينة مسينا واستولى عليها في الرابع من أكتوبر عام 1190.[65] وبعد سلب ونهب وحرق المدينة، أسس ريتشارد قاعدة له فيها. خلق هذا العمل حالة من التوتر بين ريتشارد وفيليب. بقي ريتشارد في صقلية حتى وافق تانكارد أخيراً على توقيع معاهدة. تم توقيع المعاهدة في 4 مارس 1191 بين كل من ريتشارد وفيليب وتانكارد.[66] كانت شروطها الأساسية:
تحصل جوان على 20,000 أونصة من الذهب تعويضاً لها على الميراث الذي لم يعطها إياه تانكارد.
أعلن ريتشارد رسمياً ابن أخاه آرثر دوق بريتاني ولي عهده ووريث حكمه، وعلى تانكارد أن يعده بتزويج آرثر إحدى بناته عندما يبلغ سن الرشد.
بقي ريتشارد وفيليب في صقلية بعضاً من الوقت، مما أدى إلى زيادة حدة التوتر بينهما، حتى أن فيليب أراد التآمر مع تانكارد على ريتشارد.[67] لكن الخصومة انتهت عند لقائهما حيث توصلا إلى اتفاقية تضمنت إنهاء خطبة ريتشارد لأليس شقيقة فيليب.[68]
غزو قبرص[عدل]

الشرق الأدنى إبّان الحملة الصليبية الثالثة (قبرص بارزة باللون البنفسجي)
في أبريل 1191، خرج ريتشارد بأسطوله الكبير من مسينا متوجهاً إلى عكا.[69] لكن الأسطول تعرض إلى عاصفة أدت إلى تفريقه. وبعد البحث، اكتشف ريتشارد أن القارب الذي أقلّ أخته وخطيبته برنجاريا قد رسى على الساحل الجنوبي لجزيرة قبرص جنباً إلى جنب مع حطام بقية السفن. وتعرض الناجون من الحادث للأسر من قبل الحاكم إسحاق كومنينوس.[70]
وصل أسطول ريتشارد في الأول من مايو عام 1191 إلى ميناء ليماسول في قبرص.[70] طلب ريتشارد من إسحاق إطلاق سراح السجناء،[70] إلّا أن طلبه قوبل بالرفض. ردًا على ذلك، استولى ريتشارد على ليماسول.[71] ثم وصل عدد من الأمراء إلى ليماسول، وكان من ضمنهم غي دي لوزينيان. وأعلن الجميع دعمهم لريتشارد الذي قام بدوره بدعم غي دي لوزينيان ضد غريمه كونراد من مونفيراتو.[72]
نبذ البارونات المحليون إسحاق، الذي اعتبروه صانع السلام مع ريتشارد والذي وافق على المشاركة في الحملة الصليبية وعلى تزويج ابنته من ريتشارد.[73] لكن إسحاق غير رأيه وحاول الهرب. أما ريتشارد فبدأ حملة الاستيلاء على الجزيرة بأكملها مستعينًا بقواته تحت قيادة غي دي لوزينيان، فاستسلم إسحاق. ومع حلول الأول من يونيو، كان ريتشارد قد سيطر على قبرص بأكملها. ثم باع ريتشارد الجزيرة لفرسان الهيكل، ثم أصبحت قبرص في عام 1192 تحت حكم غي دي لوزينيان الذي جعل منها مملكة إقطاعية مستقرة.[74]
كان الغزو السريع لقبرص مهماً جداً بالنسبة للأوروبيين، لكونها تحتل الجزيرة موقعاً استراتيجياً واقعاً على الممرات المائية على طريق الأراضي المقدسة، والتي كان من المستحيل احتلالها بدون الدعم القادم من البحار.[74] وقد ظلت قبرص معقلاً للمسيحية حتى معركة ليبانتو عام 1571.[75][76] وقد ساهم غزو ريتشارد لجزيرة قبرص في زيادة شهرته، كما أنه أمده بمكاسب مالية كبيرة.[75] ثم غادر ريتشارد مع حلفائه إلى عكا في الخامس من شهر يونيو عام 1191.[75]
الزواج والحياة الجنسية[عدل]
قبل مغادرة قبرص، تزوج ريتشارد من برنجاريا الابنة الكبرى لسانشو السادس ملك نافارا2، التي تعرف عليها ريتشارد في بادئ الأمر من خلال مسابقة كانت قد أقيمت في موطنها نافارا.[77] عقد حفل الزفاف في 12 مايو 1191 في كنيسة القديس جورج في مدينة ليماسول القبرصية، بحضور أخته جوان التي كان قد أحضرها ريتشارد من صقلية. كان حفل الزفاف ضخماً، وغايةً في الروعة والفخامة، محتوياً على الكثير من الولائم والأطعمة، ووسائل التسلية. كما تبعه احتفالات ومسيرات عامة، من ضمنها التتويج الملكي المزدوج، حيث توّج ريتشارد ملكاً على قبرص، وتوجت برنجاريا ملكةً على كل من قبرص وإنجلترا. أراد ريتشارد هذا الزواج من أجل الحصول على نافارا وجعلها إقطاعية، كما حصل أبوه على أقطانية بزواجه من إليانور. كما أن والدته دعمت زواجه من برنجاريا، من أجل تأمين حدود أقطانية الجنوبية حيث تقع نافارا. وبعد الزواج بوقت قصير، ذهب ريشارد إلى الحملة الصليبية برفقة زوجته الجديدة، لكنهما عادا بشكل منفصل. وقد واجهت برنجاريا صعوبات جمة في طريق العودة كما حدث مع ريتشارد. ولم ترَ إنجلترا إلّا بعد وفاته. وبعد إطلاق سراح ريتشارد من الأسر الألماني، أبدى ريتشارد بعض الأسف على ما فعله سابقاً لكنّه مع ذلك لم يعد إلى زوجته.[78] ولم ينجبا أطفالاً من هذا الزواج.
منذ خمسينيات القرن الماضي، أصبحت قضية حياة ريشارد الجنسية مثيرة للإهتمام والجدل. مع أنه من النادر ما عالج المؤرخون الفيكتوريون والإدوارديون هذه المسألة، إلّا أن المؤرخ جون هارفي تحدى عام 1948 ما كان ينظر إليها على أنها مؤامرة الصمت التي تحيط بشذوذ ريتشارد الجنسي.[79] اعتمدت تلك الفكرة في المقام الأول على الوثائق التاريخية التي تخص سلوك ريتشارد، حيث تؤكد بعض السجلات التاريخية أن ريتشارد قام بالاعتراف والتوبة مرتين. كما أنه لم ينجب أطفالاً طيلة فترة زواجه من برنجاريا.[80]
ويتحدث المؤرخ روجر الهوديني عن راهب كان قد حذّر ريتشارد من خطر اللواط وطلب منه عدم القيام بالأعمال غير المشروعة، وبناءً على ذلك كان ريتشارد قد حصل على الغفران، فعاد إلى زوجته التي هجرها زمناً طويلاً، وابتعد عن الفاحشة التي كان يقوم بها، وظلّ مخلصاً لزوجته حتى أصبحا كالجسد الواحد.[81] لكن هذه النظريات تناقض حقيقة أن ريتشارد أنجب طفلاً غير شرعي واحد على الأقل (فيليب)، وكذلك تناقض المزاعم التي تفيد بأن ريتشارد أقام علاقات جنسية مع النساء المحليات خلال الحملات التي كان يقوم بها.[82]
وما زال المؤرخون حتى اليوم منقسمين حول هذه القضية،[83] حيث يوجد بعض المؤيدين لنظرية جون هارفي،[84] في حين هناك مؤرخون لا يوافقونه مثل جون غيلينغهام،[85] الذي يعتقد أن ريتشارد كان طبيعياً.[86] أما المؤرخ جان فلوري، فيقول بأن معظم المؤرخين في الوقت الحاضر يعتقدون بأن ريتشارد كان مثلي الجنس،[84][87] مستدلاً بذلك على توبة ريتشارد (عام 1191 وكذلك 1195)، التي يقول فلوري أنها كانت توبة من اللواط.[88] كما يقول فلوري بأن ريتشارد أقام علاقات مع النساء بالقوة.[89] ويعتقد جون فلوري أن ريتشارد أقام علاقات مع كل من النساء والرجال خلال مراحل مختلفة من حياته.[90] إلّا أن فلوري يوافق غيلينغهام بعدم تصديق الإدّعاءات التي تقول بأن ريتشارد كان على علاقة مع فيليب الثاني ملك فرنسا، والتي يصدقها بعض المؤرخين في الوقت الحاضر.[91]
في الأرض المقدسة[عدل]

تصور لريتشارد (يسار) وصلاح الدين (يمين) يعود للفترة بين عامي 1250-1260.
رسى ريتشارد بقواته في عكا في 8 يونيو 1191.[92] وقدّم دعمه لابن مقاطعته البواتوي غي دي لوزينيان، الذي أرسل له الجنود لمساعدته في قبرص. كان غي زوجًا لأرملة ابن عم أبيه سيبيلا ملكة أورشليم، وكان يحاول المحافظة على مملكة أورشليم، وبوفاة زوجته أثناء حصار عكا في العام السابق. نافسه كونراد من مونفيراتو زوج إيزابيلا شقيقة سيبيلا وابن عم لويس السابع والد فيليب الثاني في المطالبة بالعرش. تحالف ريتشارد مع هيمفري الرابع لورد تورون زوج إيزابيلا الأول الذي أرغم على تطليقها عام 1190. كان هيمفري يدين بالولاء لغي ويتحدث العربية بطلاقة، فاستخدمه ريتشارد كمترجم وكدليل.
ساهم ريتشارد وقواته في الاستيلاء على عكا، رغم مرضه الشديد. في النهاية، تفاوض كونراد من مونفيراتو مع صلاح الدين على شروط الاستسلام ورفع رايات الملوك على المدينة. اختلف ريتشارد مع ليوبولد الخامس دوق النمسا حول مشاركة إسحاق كومنينوس حاكم قبرص في الحملة الصليبية. رفع ليوبولد رايته في مستوى الرايتين الإنجليزية والفرنسية. ففسر ذلك ريتشارد وفيليب أنها غطرسة، فليوبولد تابع للإمبراطور الروماني المقدس (على الرغم من أنه الزعيم الأعلى رتبة من بين القوات الإمبراطورية). مزق رجال ريتشارد الراية، ورموها في خندق عكا. فغادر ليوبولد الحملة الصليبية الثالثة فورًا. ثم غادر فيليب بعد ذلك بوقت قصير، وهو في حالة صحية سيئة، وبعد مزيد من النزاعات مع ريتشارد حول وضع قبرص (طالب فيليب بنصف الجزيرة) وتملك أورشليم. ليجد ريتشارد نفسه فجأة، بلا حلفاء.
استبقى ريتشارد 2,700 أسير مسلم كرهائن ضد صلاح الدين الأيوبي للوفاء بجميع شروط استسلام الأراضي حول عكا. وقبل أن يغادر فيليب، سلّم أسراه إلى كونراد، لكن ريتشارد أجبره على تسليمهم له. خشي ريتشارد أن يعرقله الأسرى عن التحرك بقواته من عكا، فأمر بإعدامهم جميعًا.[93][94][95][96] ثم اتجه جنوبًا، وهزم قوات صلاح الدين الأيوبي في معركة أرسوف في 7 سبتمبر 1191‏3. وفي نوفمبر 1191، بعد الاستيلاء على يافا، تقدم الجيش الصليبي نحو القدس. وصل إلى بيت نوبا، على بعد 12 ميل من القدس. كانت معنويات المسلمين في القدس منخفضة جدًا خشية سقوط المدينة بسرعة. إلا أن الطقس الذي كان سيئًا باردًا مع أمطار غزيرة وعواصف، وهذا بالإضافة لخوفه من أن يحاصر جيشه في القدس، دفعاه للانسحاب والعودة إلى الساحل.[97] ثم حاول التفاوض مع صلاح الدين الأيوبي، إلا أنه لم ينجح في ذلك. وفي النصف الأول من عام 1192، حصّن هو وجنوده عسقلان.
اضطر ريتشارد بقبول كونراد كملك لأورشليم بعد أن تم انتخابه، ثم باع قبرص لغي دي لوزينيان.[74] وبعد أيام في 28 أبريل 1192، اغتيل كونراد على أيدي الحشاشين قبل تتويجه.[98] وبعد ثمانية أيام، تزوج ابن شقيقته هنري الثاني كونت شامبين من الأرملة إيزابيلا ملكة أورشليم, رغم حملها في ابن كونراد. لم يُعرف من وراء الجريمة، إلا أن المؤرخين يشتبهون في تورط ريتشارد.[99]
تقدم الجيش الصليبي مرة أخرى نحو القدس في يونيو 1192، ورغم ان المدينة كانت على مرمى البصر، إلا أنهم اضطروا للانسحاب بسبب الخلافات بين قادة الجيش. كان ريتشارد ومعظم قادة الجيش يريدون إجبار صلاح الدين الأيوبي على التخلي عن القدس من خلال مهاجمة قاعدة سلطانه مصر. في حين أصر قائد القوات الفرنسية هيو الثالث دوق بورجوندي على أن الهجوم المباشر على القدس يجب أن يتم. قسّم هذا الشقاق الجيش الصليبي إلى فصيلين، ليس في قدرة أحدهما فرض رأيه على الآخر. وقال ريتشارد أنه سيصاحب أي هجوم على القدس فقط كجندي بسيط، ورفض قيادة الجيش. ودون قيادة موحدة، اضطر الجيش للانسحاب والعودة إلى الساحل.[100]
بدأت فترة من المناوشات البسيطة مع قوات صلاح الدين في الوقت الذي تفاوض فيه ريتشارد وصلاح الدين الأيوبي على تسوية الصراع. كما علم ريتشارد بأن فيليب وشقيقه جون بدئا في التآمر ضده. ومع ذلك، أصر صلاح الدين على هدم تحصينات عسقلان، التي صنعها رجال ريتشارد، وعدد قليل من النقاط الأخرى. حاول ريتشارد محاولة أخيرة لتعزيز موقفه التفاوضي بمحاولة غزو مصر، لكنه فشل. في النهاية، نفد الوقت أمام ريتشارد، وأدرك أنه ليس بإمكانه تأجيل عودته. وتوصل مع صلاح الدين الأيوبي على تسوية في 2 سبتمبر 1192، اشتملت على هدم تحصينات عسقلان، والسماح للحجاج والتجار المسيحيين بدخول القدس،[101][102] كما تضمنت هدنة لمدة ثلاث سنوات.[102]
الأسر والعودة[عدل]

تصور للإمبراطور هنري السادس وهو يسامح ريتشارد، تعود لنحو عام 1196.
أجبر الطقس السيء سفينة ريتشارد على أن تحط في كورفو، في أراضي الإمبراطور البيزنطي إسحاق الثاني، الذي اعترض على ضم ريتشارد لقبرص التي كانت أرض بيزنطية مسبقًا. متنكرًا في زي فرسان الهيكل، أبحر ريتشارد مع أربع مرافقين من كورفو، غير أن سفينته تحطمت قرب أكيليا، مما أجبره على رحلة خطرة في وسط أوروبا. وفي طريقه عبر أراضي زوج شقيقته هاينريش الأسد، أسر ريتشارد قبل عيد الميلاد عام 1192 بوقت قصير قرب فيينا من قبل ليوبولد الخامس دوق النمسا، الذي اتهم ريتشارد بالترتيب لقتل ابن عمه كونراد من مونفيراتو. وعلاوة على ذلك، أهان ريتشارد ليوبولد شخصيًا بإنزال رايته من فوق أسوار عكا.
سجن ليوبولد ريتشارد في قلعة دورنشتاين،[103] وصل خبر تحطم سفينة ريتشارد إلى إنجلترا، إلا أن الأوصياء على عرشه ظلوا لعدة أسابيع غير متيقنين من مكان وجوده. أثناء وجوده في السجن، كتب ريتشارد أغنية “Ja nus hons pris” (“لا يوجد رجل مسجون”)، التي وجهها إلى أخته غير الشقيقة ماري كونتيسة شامبين. كتبها بالفرنسية والقسطانية، للتعبير عن مشاعر الهجر من قبل شعبه وأخته. كان احتجاز المشاركين في الحملات الصليبية مخالفًا للقانون العام،[104][105] وعلى هذه الأسس حرم البابا سلستين الثالث الدوق ليوبولد كنسيًا.

أطلال قلعة دورنشتاين، حيث احتجز ليوبولد ريتشارد.
في 28 مارس 1193، تم تسليم ريتشارد للإمبراطور هنري السادس، الذي كان متضررًا من دعم أسرة بلانتيجانت لأسرة هاينريش الأسد، وأيضًا من اعتراف ريتشارد بتانكريد ملكًا على صقلية،[104] فسجنه في قلعة تريفلز. كان هنري السادس في حاجة للمال لتجهيز جيش للمطالبة بحقوقه في جنوب إيطاليا، فاحتجز ريتشارد لكي يحصل على فدية. مما دفع البابا سلستين الثالث لحرمان هنري السادس أيضًا كنسيًا لاحتجازه غير المشروع لريتشارد. رفض ريتشارد تقديم التحية للامبراطور، وقائلاً: «لقد ولدت في رتبة لا تعترف بأن أحدًا يفوقها إلا الله.[106]» وعلى الرغم من شكواه، لم تكن ظروف احتجازه شديدة.
طلب الإمبراطور 150,000 قطعة فضية فدية لإطلاق سراح ريتشارد، وهو ما يعادل ما جمعته عشور صلاح الدين قبل ذلك بأعوام،[107] ومن 2–3 أضعاف دخل إنجلترا في ذلك الوقت، وهو ما قدره المؤرخ ديفيد بويل بحوالي ملياري جنيه إسترليني بأسعار عام 2011.‏[108] عملت أمه على جمع الفدية، حتى أنها صادرت بعض ممتلكات الكنائس. وفي الوقت نفسه، عرض شقيقه جون والملك فيليب الثاني ملك فرنسا على الإمبراطور 80,000 قطعة فضية لتأخير إطلاق ريتشارد حتى نهاية سبتمبر 1194، لكن الإمبراطور رفض العرض. أرسلت أموال الفدية مع سفراء الإمبراطور عبر ألمانيا، وفي 4 فبراير 1194، أطلق سراح ريتشارد. فأرسل فيليب إلى جون قائلاً: «انتبه إلى نفسك، فقد أطلق الشيطان.[109]»
السنوات اللاحقة والوفاة[عدل]

ريتشارد وفيليب، مخطوطة فرنسية من عام 1261
في الفترة التي غاب فيها ريتشارد، ثار أخوه جون بمساعدة فيليب الثاني، الذي كان قد استولى على نورماندي بينما كان ريتشارد في السجن.[110] غفر ريتشارد لجون على فعلته عندما التقيا مرة أخرى; تماشياً مع الضرورة السياسية. كما جعل جون وريثه بدلاً من ابن أخيه آرثر.
فتح سقوط قلعة غيزور (بالفرنسية: Château de Gisors) بيد القوات الفرنسية عام 1196 فجوة في الدفاعات النورماندية. بحث ريتشارد عن موقع جديد يبني فيه قلعة جديدة من أجل الدفاع عن دوقية نورماندي، ولاستخدامه كقاعدة يبدأ منها حملته لاستعادة مقاطعة فيكسين من الفرنسيين.[111] واختير هذا الموقع على ضفاف نهر السين، في قصور أنديلي. بموجب شروط صلح اللوفر بين ريتشارد وفيليب في ديسمبر عام 1195، لم يكن مسموحاً لكلا الملكين بتحصين هذا الموقع. على الرغم من ذلك، أراد ريتشارد بناء قلعة غايّار (بالفرنسية: Chateau Gaillard) هناك.[112] حاول ريتشارد الحصول على تلك القصور من خلال المفاوضات، لكن رئيس الأساقفة والتر دي كوتانس كان متردداً في بيعها، حيث كانت تلك القصور إحدى أكثر الأبرشيات ربحاً للأموال. كما أن بقية الأبرشيات كانت قد تعرضت للدمار خلال الحروب.[112] وعندما حاصر فيليب الثاني منطقة أومال في نورماندي، نفذ صبر ريتشارد واستولى عليها،[112][113] على الرغم من معارضة الكنيسة لذلك.[114] أصدر والتر دي كوتانس حرماناً بحق دوقية نورماندي ومنع من تقديم الخدمات الكنسية فيها. يقول المؤرخ روجر الهوديني: «ظلت جثث الموتى ملقاة في الشوارع دون أن تدفن في مدن نورماندي». لكن الحرمان ألغي من قبل البابا سلستين الثالث في شهر أبريل من عام 1197 بعدما قدم ريتشارد هدايا لوالتر كان من ضمنها أبرشيتين وميناء كبير في دييب.[115][116]
في عهد ريتشارد، انخفض الإنفاق الملكي على بناء القلاع مقارنة بعهد والده هنري الثاني، ويعزى ذلك إلى تركيز إنفاق الموارد على حروب ريتشارد مع ملك فرنسا.[117] إلّا أن بناء قلعة غايّار كلّف 15-20 ألف جنيه إسترليني في الفترة ما بين 1196-1198، فكانت بذلك واحدة من أكثر القلاع كلفة في ذلك الوقت،[118] حيث كانت تكلفة القلاع التي بناها ريتشارد في إنجلترا حوالي 7 آلاف جنيه إسترليني، وهي بذلك أقل من نصف تكلفة قلعة غايّار.[119] كما أن سرعة بنائها لم يسبق لها مثيل، حيث بنيت في عامين تقريبا، بينما كان بناء القلاع الأخرى يستغرق حوالي العقد من الزمان.[118] ووفقًا للمؤرخ الإنجليزي ويليام بارفوس، أنه في شهر مايو من عام 1198 هطل على ريتشارد والعاملين بالبناء مطر غزير من الدم; فظنّ البعض أنه نذير شؤم،إلّا أن ريتشارد لم يأبه به.[120] يقول ويليام[121] «لم يتأثر الملك بما حصل، ولم يسمح بالتهاون في العمل ولو بمقدار ذرة، بل واصل عمله بسعادة. وإن لم أكن مخطئًا، حتى لو نزل ملك من السماء ليؤخر البناء لاضطر للعن ريتشارد لأنه لن يوافق على ذلك.»

مظهر بانورامي لقلعة غايّار
لم يذكر شيء عن المشرف على عملية بناء القلعة. تقول المؤرخة ألين براون أن المشرف على البناء كان الملك ريتشارد بنفسه; يدعم هذا الرأي الاهتمام الذي أبداه ريتشارد خلال زياراته المتكررة للقلعة أثناء بنائها.[122] أصبحت القلعة في سنوات ريتشارد الأخيرة مكان إقامته المفضل. وكانت قلعة غايّار سابقة لعصرها، متضمنة ابتكارات اعتمدت في عمارة القلاع لقرن تلاها من الزمان.[123] وصفتها المؤرخة ألين بأنها أحد أفضل قلاع أوروبا في زمانها.[123] يقول المؤرخ العسكري البريطاني تشارلز أومان:[124] «تعتبر قلعة غايّار تحفة عصرها. ستبقى سمعة ريتشارد كمهندس عسكري عظيم ثابتة بسببها. لم يكن ريتشارد مجرد مقلد لما رآه في الشرق، بل ابتكر بنفسه تفاصيل أدخلها على بناء هذه القلعة.»
عزم ريتشارد على مقاومة أطماع فيليب الثاني بالأراضي المتنازع عليها مثل مقاطعة فيكسين، حيث أخرج كل ما في جعبته من خبرة عسكرية وموارد هائلة في وجه ملك فرنسا. فقام ريتشارد بصنع تحالف ضد فيليب مكون من بالدوين التاسع كونت فلاندرز، ورينو كونت بولوني، وسانشو السادس ملك نافارا الذي داهم أراضي فيليب من الجنوب. والأهم من ذلك كله، استطاع ريتشارد تأمين ميراث فلف في ساكسونيا لابن أخته أوتو حاكم بواتو، الذي أصبح إمبراطوراً رومانياً مقدساً (بإسم أوتو الرابع) عام 1198. ونتيجة لهذه التحالفات وغيرها من المكائد، انتصر ريتشارد على فيليب في عدة مناسبات. فرّ فيليب من فيتيفال (الواقعة في وسط فرنسا) عام 1194 فور عودة ريتشارد من الأسر تاركاً أرشيفاً كاملاً من المراجعات المالية والوثائق التي حصل عليها ريتشارد. وفي معركة غيزور (تسمى أيضاً بمعركة كورسيل) عام 1198، اتخذ ريتشارد من عبارة الرب وحقي (بالفرنسية: Dieu et mon Droit) شعاراً له (وهو ما زال مستخدماً كشعار للملكية في المملكة المتحدة).
في شهر مارس من عام 1199، قام ريتشارد بقمع الثائرين في ليموزا. وعلى الرغم من أن ذلك الوقت كان وقت الصوم الكبير، إلّا أن ريتشارد “دمّر الأرض بالنار والسيف”.[125] ثم حاصر قلعة شالو شابرول التي كانت ضعيفة ومنزوعة السلاح تقريباً. يقول بعض المؤرخين أن ريتشارد حاصرها لأنّ أحد الفلاحين المحليين كان قد أخبره عن وجود كنز مدفون من الذهب الروماني،[126] الذي ادّعى ريتشارد أحقيته في الحصول عليه بصفته سيداً أعلى على الإقطاعية.
وفي مساء اليوم الخامس والعشرين من مارس عام 1199، كان ريتشارد يتجول حول محيط القلعة بدون ارتداء درعه، يتحقق من وضع جنوده المتواجدين فوق جدران القلعة. كان الملك ريتشارد يقضي وقتاً ممتعاً وهو ينظر إلى أحد الجنود الذي كان يحمل القوس والنشاب بيد واحدة. صوّب هذا الجندي القوس تجاه ريتشارد، وقد لاقى هذا الفعل استحساناً من قبل الملك. إلّا أن رجلاً آخر رمى الملك بسهم ضرب كتفه الأيسر بالقرب من عنقه. أٌدخل الملك خيمته وقام الجرّاح (الذي وصفه البعض بالجزّار) بإزالة السهم بطريقة غير احترافية على الإطلاق، ما أدى إلى تحول الجرح بشكل سريع إلى غنغرينة. يقال أن ريتشارد طلب إحضار قاتله إليه الذي اختلف في اسمه، فقيل بيير أو بيتر، وقال البعض أن اسمه جون.[127][128] وعندما وقف بين يدي ريتشارد، اتضح له (وفقاً لبعض المصادر وليس جميعها) أنه مجرد صبي. ادّعى هذا الصبي أن ريتشارد كان قد قتل أباه وأخويه؛ فأراد قتل ريتشارد انتقاماً لذلك. اعتقد الصبي أنه سيتعرض للإعدام، لكن ريتشارد أراد أن يكون رحيماً وهو على وشك توديع الحياة، فسامح الصبي على فعلته وقال له: أكمل حياتك، وبفضلي سترى نور الغد. وقبل إطلاق سراح الصبي، أمر بإعطائه 100 شلن.[129] قام ريتشارد بتوريث جميع أراضيه لأخيه جون، أما المجوهرات فورثها لابن أخته أوتو.

الملك ريتشارد الأول
توفي ريتشارد في السادس من أبريل عام 1199 في أحضان والدته. وصفت وفاته بمصطلح الأسد الذي قٌتل من النملة وذلك يعزى إلى طريقة قتله. يقول أحد المؤرخين:[130] «أثبت ريتشارد في آخر أعماله أن الشهامة كانت غير مثمرة خلال العصور الوسطى بهمجيتها ووحشيتها. حيث قام المرتزق الشائن ميركادير بسلخ جلد قاتل ريتشارد وتعليقه على القلعة فور وفاة ريتشارد.»
دُفن قلب ريتشارد في روان في نورماندي. ودُفنت أحشاؤه في شالو (المكان الذي توفي فيه). أما باقي جسده فدُفن في كنيسة فونتفريد في أنجو بجانب أبيه.[131] في عام 2012، قام العلماء بتحليل ما تبقى من قلب ريتشارد واكتشفوا أنه قد تم تحنيطه باستخدام عدة مواد من ضمنها اللبان، وهي مادة ذات أهمية رمزية وذلك لأنها قُدمت عند ولادة المسيح وتحنيطه تم وفقاً للمسيحية.[132]
المظهر[عدل]
وفقاً لكتاب خط سير رحلة الملك ريتشارد (باللاتينية: Itinerarium Regis Ricardi) الذي يسرد أحداث الحملة الصليبية الثالثة:
ريتشارد الأول ملك إنجلترا كان طويل القامة، مثالي البنية. كان شعره ما بين الأحمر والذهبي، وكانت أطرافه مرنة ومستقيمة. أما ذراعاه فكانتا طويلتين متناسبتين مع سيفه عند إشهاره إياه، وكانت ساقاه طويلتين متوافقتين مع بقية أجزاء جسده. ريتشارد الأول ملك إنجلترا
الإرث[عدل]

تمثال ريتشارد الأول أمام قصر وستمنستر في لندن.
تقلبت سمعة ريتشارد عبر الزمن “بعنف”. الصورة المعاصرة لريتشارد هي صورة الملك الفارس.[133] عرف بكونه قائد عسكري ومقاتل باسل وكريم. إلا أن سمعته تضررت على مر العصور، وحددت النظرة الشعبية لريتشارد.[133] فقد ترك بصمة لا تمحى على الخيال حتى وقتنا الحاضر، بسبب مآثره العسكرية. انعكس ذلك على تعليق المؤرخ ستيفين رونسيمان على ريتشارد الأول: «كان ولدًا عاقًا وزوج سيء وملك سيء، إلا أنه كان جندي باسل ورائع.» كما كتب عنه المؤرخون المسلمون خلال فترة الحروب الصليبية[134] «لم نواجه قط خصمًا أكثر جرأة وبراعة منه.[134]»
رغم ذلك، كانت هناك صور سلبية عن ريتشارد. خلال حياته، تعرض لانتقادات من قبل المؤرخين لجمعه الضرائب من رجال الدين سواء للحملة الصليبية أو لفديته، في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة ورجال الدين عادة معافون من الضرائب.[135] شهد العصر الفكتوري انقسام حول ريتشارد، فقد أعجب به الكثيرون على اعتبار أنه بطل صليبي ورجل الله، وشيدوا له تمثالاً بطوليًا أمام برلمان المملكة المتحدة؛ وعلى الجانب الآخر، يصفه المؤرخ ستابس بأنه «ولد عاق، وزوج سيء، وحاكم أناني، ورجل خبيث.» وعلى الرغم من مولده في أكسفورد، فلم يتحدث الإنجليزية. وخلال عهده الذي دام عشر سنوات، لم يمكث في إنجلترا لمدة تزيد عن ستة أشهر، وغاب عنها تمامًا في الخمس سنوات الأخيرة.
لم يكن لريتشارد ورثة شرعيين، فقط لديه ابن غير شرعي هو فيليب الكونجاكي. لذا، خلفه شقيقه جون ملك إنجلترا. ومع ذلك، رفضت أراضيه الفرنسية خلافة جون له، وفضلت ابن أخيه آرثر الأول دوق بريتاني ابن شقيقه الراحل جيوفري. كان عدم وجود وريث مباشر لريتشارد الخطوة الأولى تجاه حل الإمبراطورية الأنجوية. ورغم أن ملوك إنجلترا ضغطوا للمطالبة بأراضيه في القارة، إلا أنهم لم يتمكنوا أبدًا من حكمها مرة أخرى.
فلكلور العصور الوسطى[عدل]
في حوالي منتصف القرن الثالث عشر، نشأت عدد من الأساطير حول أسر ريتشارد، فقالوا أن المغني بلوندل دي نيسل جاب أوروبا من قلعة إلى قلعة، وهو يصيح بأغنية لا يعرفها سوى اثنين هو وريتشارد.[136] إلى أن وصل في النهاية إلى المكان الذي كان ريتشارد محتجزًا فيه، فسمع ريتشارد الأغنية، وأكمل باقي الأغنية، فعرف بلوندل مكان سجنه. كانت القصة الأساس الذي أوبرا أندريه غريتري ريتشارد قلب الأسد، ويبدو أنها كانت ملهمة لريتشارد ثورب في مقدمة الفيلم السينمائي إيفانهوي عام 1952. لكنها لا تبدو قصة حقيقية تتناسب مع بلوندل المنشد الأرستقراطي. كما لا تتوافق مع الواقع التاريخي، حيث لم يخف آسري الملك حقيقة أسره، بل على العكس، فقد أعلنوا ذلك.[137]
وبحلول القرن السادس عشر، بدأت قصص روبن هود في الظهور، التي صورته كمعاصر ومؤيد للملك ريتشارد قلب الأسد، مما اضطر روبن للخروج عن القانون خلال حكم جون شقيق ريتشارد الشرير، في الوقت الذي كان فيه ريتشارد بعيدًا في الحملة الصليبية. وعلى الرغم من أن هذه القصة تزايدت شعبيتها، إلا أنها بالتأكيد لم تكن شائعة في القصائد التي عاصرت تلك الفترة.
في الأعمال الفنية المعاصرة[عدل]

الشعار الذي استخدمه ريتشارد الأول في نهاية عصره.
ظهر ريتشارد كشخصية رئيسية أو ثانوية في العديد من الأعمال، سواء المكتوبة أو السمعية البصرية. فظهر مرتبطًا بشخصية روبن هود في رواية والتر سكوت ايفانهو والعديد من الأعمال المبنية على الرواية، كذلك في عدد من الأفلام عن روبن هود. كما كان أحد الشخصيات الرئيسية في رواية سكوت الطلسم التي تدور أحداثها خلال الحملة الصليبية الثالثة، والتي صورت فيلمًا عام 1954 بعنوان الملك ريتشارد والصليبيين، لعب فيه جورج ساندرز دور ريتشارد وريكس هاريسون دور صلاح الدين الأيوبي. كما ظهر في العديد من الأعمال التي تناولت الحملة الصليبية الثالثة وتوابعها. كما دارت أوبرا ريكاردو بريمو لجورج فريدريك هاندل حول غزو ريتشارد لقبرص.
لعب شون كونري دور ريتشارد مع كيفين كوستنر في فيلم روبن هود:أمير اللصوص عام 1991، كما مثله أنتوني هوبكنز في فيلم أنطوني هارفي الأسد في الشتاء عام 1968، كما ظهرت شخصية ريتشارد الأول في مشهد عابر في نهاية فيلم مملكة السماء من إخراج ريدلي سكوت، والذي قام فيه إيان غلين بالدور. وفي الفيلم الملحمي روبن هود الذي أخرجه سكوت أيضًا عام 2010، مثل داني هيوستن دور ريتشارد الأول، تناول الفيلم وفاة الملك أثناء حصار قلعة تشالوس، وجعل إعادة تاجه إلى إنجلترا من مسئولية روبن هود. وعربيًا، أدى الممثل حمدي غيث دور ريتشارد قلب الأسد في فيلم الناصر صلاح الدين من إخراج يوسف شاهين.

نبذه عن جورج واشنطن القائد القعلى لتحرير الامريكيين

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد العسكر2080

ولد في في ولاية فيرجينيا لأسرة تمتهن الزراعة كغالبية الشعب الأمريكي في تلك الحقبة. وبعد انتهائه من تعليمه التحق عام 1760بالجيش الانجليزى الذي كان الاقوى آن ذاك في أمريكا و بعد أن صارت أمريكا الشمالية كلها تابعة للتاج البريطانى بعد التغلب على فرنسا كثر الظلم على أبناء أمريكا وخصوصا السود وفرضت الضرائب الباهظة، في ذلك الوقت كان جورج واشنطن القائد الفعلى للامريكيين فقاد ثورة التحرير، ثم اختير عام 1775 م قائدًا لهذا الجيش ليخوض به حروبا عنيفة انتهت بعد ست سنوات. كما شارك فيما يعرف بالحرب الفرنسية الهندية. كان ناجحًا جدًا في عمله الذي كان القائد الأعلى في الجيشِ القاريِ في الحرب الثورية الأمريكية من 1775 إلى 1783 ولاحقًا كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. معظم الأقاويل والكتب تقول أنه انتخب مرتان في 1789 وفي 1797. يقول المؤرخون أنه عمل أولًا كضابط أثناء الحرب الفرنسية الهندية وثانيًا كزعيم المقاومة الشعبية الاستعمارية التي تدعم الإمبراطورية البريطانية.بعد قيادة النصر الأمريكي في الحرب الثورية، رفض قيادة النظام العسكري (مع هذا دفعه البعض لعمل ذلك) عاد إلى الحياة المدنية في جبل فيرنون. في 1787 ترأس الاتفاقية الدستوريةَ التي صاغت الدستور الأمريكي الحالي، وفي 1789، اختارت الانتخابات واشنطون كأول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية، لقد وضع واشنطون الكثير من السياساتِ والتقاليد التي هي حتى الآن موجودة ،بسبب دورِه المركزي في تأسيس الولايات المتحدة، مدينة واشنطن العاصمة سميت باسمه ,و في أغلب الأحيان يسمى (أبّ البلاد). العلماء يصنفوه مع أبراهام لينكون كأعظم رئيسين أمريكيين. إعتمد سياسة التحرش ببريطانيا وعدم خوض مواجهات كبيرة ومباشرة، كما استعان بفرنسا لطرد الإنجليز من كورنوليز في مدينة يورك.
استمر في جهوده الرامية إلى إقرار النظام الفدرالي بين الولايات الأمريكية حتى تكللت في النهاية بعقد مؤتمر دستوري في فيلادلفيا عام 1787. وبعد إقرار الدستور في مؤتمر فيلادلفيا إنتخبته الهيئة الانتخابية بالإجماع رئيسًا للولايات المتحدة ليبدأ حكم دولة مقدر لها أن تكون أكبر قوة في العالم. أدى أول قسم دستوري في تاريخ الولايات المتحدة في شرفة مبنى مجلس الشيوخ يوم 30 أبريل 1789 ليحكم أميركا لفترتين متتاليتين من 1789 – 1797.
تميز باحترامه العميق لقرارات الكونغرس، إذ لم يسع لتجاوز صلاحيات الكونغرس الدستورية. وعمل على تحييد أمريكا وعدم إقحامها في الصراع الدائر بين بريطانيا وفرنسا، ورفض الأخذ بآراء العديد من وزرائه في التحيز لإحدى الدولتين. وقبل أن تنتهي السنة الثالثة من خروجه من الرئاسة أصيب بمرض توفي إلى إثره في 14 ديسمبر 1799.

النكبة الفلسطينية

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف 6

النكبة مصطلح فلسطيني يبحث في المأساة الإنسانية المتعلقة بتشريد عدد كبير من الشعب الفلسطيني خارج دياره. وهو الاسم الذي يطلقه الفلسطينيون على تهجيرهم وهدم معظم معالم مجتمعهم السياسية والاقتصادية والحضارية عام 1948. وهي السنة التي طرد فيها الشعب الفلسطيني من بيته وأرضه وخسر وطنه لصالح، إقامة الدولة اليهودية- إسرائيل.

وتشمل أحداث النكبة، احتلال معظم أراضي فلسطين من قبل الحركة الصهيونية، وطرد ما يربو على 750 ألف فلسطيني وتحويلهم إلى لاجئين، كما تشمل الأحداث عشرات المجازر والفظائع وأعمال النهب ضد الفلسطينيين، وهدم أكثر من 500 قرية وتدمير المدن الفلسطينية الرئيسية وتحويلها إلى مدن يهودية.

وطرد معظم القبائل البدوية التي كانت تعيش في النقب ومحاولة تدمير الهوية الفلسطينية ومحو الأسماء الجغرافية العربية وتبديلها بأسماء عبرية وتدمير طبيعة البلاد العربية الأصلية من خلال محاولة خلق مشهد طبيعي أوروبي.[1]

على الرغم من أن السياسيين اختاروا 1948/5/15 لتأريخ بداية النكبة الفلسطينية، إلا أن المأساة الإنسانية بدأت قبل ذلك عندما هاجمت عصابات صهيونية إرهابية قرىً وبلدات فلسطينية بهدف إبادتها أو دب الذعر في سكان المناطق المجاورة بهدف تسهيل تهجير سكانها لاحقاً.

هل تستطيع واشنطن التأثير في الشراكة الصينية – الإيرانية ؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

تعد العلاقة الإستراتيجية التي تربط بين إيران والصين أحد العوامل التي تنطوي على تأثير بالغ الأهمية في التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يشكل مصدر إزعاج للعديد من الدول الإقليمية والدولية بشكل عام، والولايات المتحدة -على وجه التحديد- التي ترى في هذا النوع من العلاقات تهديدًا لأمن واستقرار المنطقة، وكذا إخلالا بالتوازنات القائمة فيها، ما يعني بالتأكيد تهديد مصالحها الحيوية في هذه المنطقة.

وفي خضم الانشغال بالتحولات الدراماتيكية التي أفرزتها ثورات الربيع العربي؛ قد يكون التقارب بين إيران والصين متواريًا إلى حدٍّ ما عن أنظار الكثيرين، أو لا يتصدر أولوية الاهتمام بالنسبة لما تموج به المنطقة من تصاعد للأحداث، بيد أن أهمية هذا التقارب لم تغب عن مؤسسة راند التي نشرت تقريرا بعنوان “الصين وإيران: العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية” لكل من اسكوت هارولد وأليريزا نادر في محاولة لتقديم فهم أعمق لطبيعة هذه العلاقات، ومدى تشابك المصالح بينهما. كما يبرز التقريرُ أيضًا التأثيرات الخارجية المحتملة على مسار تلك العلاقات في ضوء الجهود الدولية التي تقودها الولايات المتحدة لعزل إيران، والتي ستؤدي حتمًا إلى تركيز انتباه واشنطن وأوروبا على بكين.

أهمية العلاقات الصينية – الإيرانية

تكتسب دراسة العلاقات بين البلدين أهمية خاصة، انطلاقا من اعتبارات عدة:

أولها: التحولات التي تطغى على المشهد الدولي، وازدياد حدة التنافس بين القوى الدولية من جهة وتشابك علاقاتها وتعقيداتها من جهة أخرى، ما تبدو معه الشراكة بين الصين وإيران بمثابة تحدٍّ فريد من نوعه لمصالح هذه القوى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

ثانيها: التداعيات المترتبة لهذه الشراكة على الساحة الإقليمية في ضوء ثورات الربيع العربي، ولا سيما الثورة السورية، بالإضافة إلى تأثيرها على التطورات التي تشهدها إيران، بعد تكثيف المجتمع الدولي ضغوطه عليها، ما يعد الموقف الأكثر حساسية الذي تواجهه منذ زمن بعيد، وما يرتبط بذلك من مصالح للدولة الصينية.

ثالثها: باتت الصين على أعتاب مرحلة جديدة من التحول الجيوسياسي والإستراتيجي، وهو ما بدا جليًّا في استعمالها للفيتو في المسألة السورية، ما يشير إلى أنها تعمل على وضع قواعد جديدة في تعاملها مع القوى الكبرى، وإبراز حضورها على المسرح الإقليمي والدولي، لا سيما في الشرق الأوسط.

أبعاد التقارب الصيني-الإيراني

في مستهل تناول العوامل التي تدفع نحو التقارب بين الصين وإيران؛ يبدأ التقرير بتأثير العامل التاريخي، فكلتا الدولتين تشتركان في الموروث الحضاري والتاريخي العظيم، ما يجعلهما متقاربتين في وجهات النظر من حيث الميل ليس فقط إلى الشعور المشترك بالعظمة الثقافية، ولكن أيضًا شعور مشترك بالإيذاء من قبل القوى الغربية؛ حيث تتشابه منظومة القيم والصور النمطية عن الذات والآخر لدى النخب الحاكمة في طهران وبكين؛ إذ تسيطر صورة الضحية على الوعي الجمعي لكليهما.وعلى الرغم من أهمية البُعد التاريخي، يبدو أنه لا يقدم تفسيرًا كافيًا لفهم دقيق لطبيعة العلاقات؛ إذ ثمة أبعاد أخرى متعددة تدفع نحو هذا التقارب، تتمثل في:

1- البعد السياسي:

بداية يمكن القول إن طهران ما بعد الثورة وجدت نفسها أمام ضرورة الانفتاح على الصين، ذلك النموذج الأمثل في مخيلة قادتها، وبالمقابل فإن بكين اختارت أن تفتح أبوابها أمام الثورة الوليدة، ما جعل العلاقات تنطلق نحو آفاقٍ أكثر رحابة، لا سيما في ظل التطورات العميقة التي بدأت تموج في بحور الأوضاع الإقليمية والدولية المتشابكة، ومن ثم كان ولا يزال الدعم الصيني يُعد من أهم الركائز التي تستند إليها السياسة الإيرانية، وهنا يرى التقرير أن هذا الحيز المهم الذي تشغله الصين في العقل السياسي الإيراني، يُعزَى إلى المدركات التالية:

أولًا: على الرغم من بعض النجاح الذي حققته إيران في تأسيس نفسها على أنها اللاعب الإقليمي المهم في المنطقة؛ فإن القلق يساورها من الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، ومن ثم ترى الصين الحليف القوي ضد عدوها الرئيسي، ألا وهو الولايات المتحدة.

ثانيًا: تنظر طهران إلى الصين باعتبارها القوة الناشئة الأكثر بروزًا على الصعيد العالمي بشكل عام، وفي الشرق الأوسط على وجه التحديد، وفي ضوء هذه الرؤية يبدو أن الإيرانيين يأملون في أن تفضي الطبيعة الإستراتيجية للشراكة مع الصين إلى قلب التوازن في المنطقة لصالحهم.

ثالثًا: تُعد الصين الشريك الاقتصادي الأكبر لإيران، ما يسهم في مواجهة العقوبات، فضلًا عن أنه أصبح واضحًا إلى حدٍّ كبير أن الصين قد أصبحت الحامية الدبلوماسية لها من خلال جهودها لمنع العقوبات.

رابعًا: في ضوء انخفاض مستوى دعم الحلفاء الآخرين لإيران -وخاصة روسيا- بعد التوتر الذي قفز إلى واجهة الأحداث بين البلدين في أعقاب التصويت الروسي لصالح قرار مجلس الأمن 1929، وكذا رفضها تزويد إيران بصواريخ S-300؛ أصبح جليًّا لدى الإيرانيين أن الاحتماء خلف السور الصيني قد أصبح الملاذ الأخير بالنسبة لهم.

وفي المقابل، فإن الصين لديها أيضًا ما يدفعها نحو التعاون مع إيران مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر، وخاصة في ظل العزلة التي تعاني منها، فمن جانب تنظر الصين إليها باعتبارها قوة مواجهة أمام الولايات المتحدة، وبالتالي فإن ثمة قيمة إستراتيجية في مساعدة إيران على تطوير قدراتها بما يمكنها من التصدي لهيمنتها في الخليج.

ومن جانب آخر؛ في ضوء التحديات المتعددة أمام الصين، فإن بناء علاقات مع إيران أقوى من أي وقت مضى يُمكن النظام الصيني من التوجيه الإستراتيجي لها في المنطقة، ما يعني زيادة نفوذها وفعاليتها على الصعيد الإقليمي، وبالتالي زيادة الوزن الإستراتيجي لها في الشئون الدولية.

2- البعد العسكري:

إن العلاقة بين الجانبين لا تتعلق فقط بالنفط والغاز، وهنا يستعرض التقرير التعاون العسكري كأحد الأبعاد المهمة في هذه العلاقة؛ حيث قدمت الصين مساعدات عسكرية كبيرة لإيران، كان لها دور يُعتد به في تحديث قدراتها العسكرية، سواء فيما يتعلق بالقدرات التقليدية أو بتطوير البرنامج النووي.

فبالنسبة لتحديث القدرات العسكرية التقليدية. في الوقت الذي تدهورت فيه علاقات إيران مع الولايات المتحدة خلال سنوات الحرب الثماني مع العراق ورفضت فيه القوى الغربية الكبرى بالإضافة إلى الاتحاد السوفيتي تزويد طهران بالمعدات العسكرية؛ برز هنا دور الصين حيث قدمت في كثير من الأحيان المبيعات العسكرية إليها بصورة غير مباشرة من خلال طرف ثالث عبر دول مثل كوريا الشمالية. ولم يتوقف الأمر عند حد تزويدها بالأسلحة الصغيرة فحسب؛ بل زودتها كذلك بالصواريخ البالستية وصواريخ كروز، ما يجوز معه الادعاء بأن الصين كان لها الدور الحاسم في انطلاق المؤسسة العسكرية لإيران.

أما فيما يتعلق بدعم القدرات النووية؛ فليس من قبيل المبالغة القول إن دعم الصين للبرنامج النووي هو الأكثر إزعاجًا للعديد من الدول؛ حيث إن جهودها كانت عاملا مهمًّا ليس فقط في تأسيس القدرات النووية الإيرانية؛ بل العمل على استمرارها وتطويرها، ويتوقف التقرير هنا عند نوعين اتخذهما هذا الدعم، هما الدعم المادي: حيث ساعدت الصين في بدء البرنامج النووي الإيراني، وعلى الرغم من إيقافها تقديم الدعم المباشر منذ عام 1997، فإنها استمرت في تقديم الدعم الدبلوماسي: ففي ظل العزلة المتزايدة لم يعد أمام إيران غير الاعتماد على الصين التي يبدو أنها لا تخيب لها ظنًّا، فبالإضافة إلى محاولاتها المستميتة لعرقلة قرارات مجلس الأمن، لا تتوانى عن العمل على إضعاف تأثير العقوبات، وما يمكن قراءته من بين السطور هنا أنها إستراتيجية متعمدة من جانب بكين لتوسيع نفوذها في هذا البلد.

وفي الواقع؛ ليس واضحًا ما إذا كان تقديم الدعم -سواء المادي أو الدبلوماسي- مرتبطًا بالهدف المتعلق بمساعدة إيران على تطوير قدراتها النووية في حد ذاته، أم ربما كان الدافع هو المزيد من الأرباح للشركات الصينية المعنية والحكومة ذاتها، لكن بغض النظر فإن التأثير النهائي هو امتلاك إيران قدرات نووية متطورة تفضي إلى التدشين المحتمل لهيمنتها على الخليج، ومن ثم يجوز الادعاء بأن القيادات الصينية ارتكزت على رؤية مفادها أن تقديم الدعم لبرنامج إيران النووي يجعلها أكثر قوة، ما يخدم في الأخير المصالح الصينية في الشرق الأوسط.

3- البُعد الاقتصادي:

تُعد الصين الشريك الاقتصادي الأكبر لإيران، ولعل ذلك يعود في جزء منه إلى أنها مستورد أساسي لموارد الطاقة، وبتعاظم معدلات التنمية زادت حاجتها لهذه الموارد، كما أن إيران منتج ضخم للطاقة، وسوق كبير لتصريف المنتجات الصينية اللازمة لإدامة معدلات التنمية المرتفعة التي تشكل الأساس لنموذجها الاقتصادي الحالي، ومن ثم يمكن القول إن النفط يحتل مكانة مركزية في العلاقات التبادلية بين الجانبين، ويشكل قاطرتها الأساسية.

ويُضاف إلى شراء النفط والغاز؛ تعد الصين أيضًا أهم لاعب أجنبي في التنقيب والاستخراج، ففي حين مورست الضغوط من قبل الولايات المتحدة على العديد من البلدان الآسيوية والأوروبية للتخلي عن استثماراتها في إيران؛ كان بمقدور الصين ملء الفراغ الذي خلفه رحيل هذه الشركات من خلال الموافقة على تطوير العديد من الحقول، وعلى رأسها حقلا النفط العملاقان أزاديجان ويادوران، بالإضافة إلى حقل غاز بارس الجنوبي العملاق.

وحقيقة الأمر؛ لم يقتصر التعاون بين الطرفين على قطاع الطاقة، فالمساهمة الصينية في مجال البنية التحتية تشكل أيضًا عنصرًا جوهريًّا للعلاقات الاقتصادية، ولعل أبرز مثال على ذلك أنه خلال الأعوام الأخيرة امتد التعاون ليشمل ما لا يقل عن 100 مشروع خاص بتطوير شبكات السكك الحديدية والأنفاق في جميع أنحاء إيران.

الشراكة الصينية-الإيرانية.. توترات محتملة

على الرغم من المصالح المتشابكة التي تربط بين الجانبين الصيني والإيراني؛ لا يخلو الأمر من بعض التوترات التي لا يمكن استبعاد تأثيرها على شكل ومتانة هذه الشراكة مستقبلا، ويعود ذلك وفقًا للتقرير إلى جملة من الأسباب، يمكن إجمالها في الآتي:

أولًا: على الرغم من العلاقة الاقتصادية الواسعة مع إيران، فإن هناك قلقا يساور الأوساط الصينية الرسمية من أن الخلاف حول القضية النووية قد وصل إلى حافة الهاوية، وهو ما كان له دورٌ في نكوص العديد من الشركات الصينية الكبرى عن تنفيذ اتفاقاتها مع إيران في الآونة الأخيرة، أو قد يكون تنفيذها لهذه الاتفاقات يتسم بالبطء، ما يفتح الباب أمام التكهنات بأن هذه خطوات تكتيكية طويلة الأجل قد تقود أي تغيير قادم في تقييم بكين لتعاونها مع إيران، تجنبًا للسقوط في براثن الضبابية التي تلف مستقبلها، عوضًا عما قد توحي بأنه قرار للحكومة المركزية لوقف أو خفض ذلك التعاون.

ثانيًا: ثمة ارتياب ينتاب بعض الإيرانيين يتعلق بالتصورات المرتبطة بفهم الأهداف التي ترنو إليها الصين، فبالنظر إلى أن إيران قد أصبحت في عزلة متزايدة، يرى البعض أن الصين تعمل على استغلال هذا الوضع من أجل انتزاع تنازلات حول فرص الاستثمار أو بشأن أسعار عقود النفط، وقد يتبادر إلى الذهن أن من يتبنى هذه النظرة هي الحركات الاصلاحية فقط، لكن في الواقع هنالك قطاعات أخرى يبدو أنها تميل بشكل متزايد لرؤية الصين باعتبارها دولة ذات طبيعة استغلالية، وهو ما يمكن أن يشكل تحديًا لمستقبل العلاقات إذا أصبحت إيران أكثر ديمقراطية.

ثالثًا: تملك الصين نفوذًا أكثر من أي دولة أخرى في إيران، لكنها أيضًا لديها الكثير لتخسره في حال توسيع نطاق العقوبات، أو في حال اندلاع مواجهة عسكرية معها، ما يجعلها تقع في موقف متناقض. ففي حين تسعى إلى التعاون الدبلوماسي مع الولايات المتحدة في قضايا منع الانتشار النووي والتنمية الاقتصادية درءًا لما قد يتمخض عنه صراعها مع إيران؛ لا يغيب عن أذهان مسئوليها حتمية الحفاظ على العلاقات الإستراتيجية مع إيران، فما بين هذا وذاك تتأرجح الرؤية الصينية لمستقبل التعاون مع طهران.

رابعًا: يُخطئ من يظن أن العلاقة بين إيران والصين تخلو من المصالح المتعارضة حول عددٍ من القضايا التي ربما تحد من نطاق التعاون مستقبلا، بداية من الاختلاف الكبير في نهج تعامل كل منهما مع الولايات المتحدة، فبينما تتوقف قدرة الصين على التعبير عن استيائها بمدى رغبتها في الحفاظ على علاقات اقتصادية مستقرة معها، يصبغ تعامل إيران معها بصبغة صدامية، مرورًا بتخلي الصين كثيرًا عن الأيديولوجية الثورية في قضايا السياسة الخارجية، في الوقت الذي يقع فيه الكيان الثوري في القلب من سياسات إيران، ومن ثم فإن دعمها للحركات الإرهابية وحركات التمرد ينظر إليه في الصين ببعض الذعر، وانتهاء بالتوجس من المخاطر التي قد يشكلها السلوك الإيراني على هدف الصين في الحفاظ على بيئة سلمية إقليمية لتسهيل التنمية الاقتصادية المستمرة، في الوقت الذي يشكل رد فعلها السلبي على التهديدات بإغلاق مضيق هرمز مصدرًا لعدم الراحة لدى القيادة الإيرانية.

في الأخير يصح القول إنه على الرغم من متانة الشراكة بين الصين وإيران، لكنها ليست على أساس تقارب ثقافي أو ديني خاص، لذلك فهي أكثر تأثرًا بالظروف الدولية والمحلية. فبإمكان التغيرات في كلا البلدين أو في علاقاتهما مع الولايات المتحدة أن تحدث تغييرًا جذريًّا في طبيعة العلاقات بينهما.

الخيارات الأمريكية ومستقبل الشراكة

رغم التوترات التي تواجه العلاقات الإيرانية-الصينية، فإن هذه العلاقات اتسعت وتعمقت باستمرار خلال العقود الثلاثة الماضية، ولعل أحد أهم الآثار المترتبة على ذلك هو أنه باستثناء التغييرات الدراماتيكية الكبيرة مثل وقوع مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة؛ من المرجح أن تستمر العلاقات في النمو بشكل مطرد، أو على الأقل تبقى مستقرة.

ولعل من أهم المشتركات بين البلدين هي معارضة الهيمنة الأمريكية، وبعض العداء المشترك للغرب، فضلا عن اعتقاد كل منهما في الخصائص الفريدة من نوعها والإرث الحضاري والتاريخي العظيم، كما أن إيران تؤيد حق الصين في حكم شعبها وفق ما يراه الحزب الشيوعي الصيني مناسبا، في حين تدعم الصين السيادة الإيرانية التي تترجم في كثير من الأحيان إلى حقها في قمع جماعات المعارضة.

وتأسيسًا على ما تقدم؛ من غير المرجح أن تكون الولايات المتحدة قادرة على إحداث تغيير جذري في التوجه الإيراني نحو الصين؛ لأن نفوذها لدى طهران يعد معدوما، بيد أنها بالمقابل تمتلك أوراقًا للضغط يمكن استعمالها للتأثير على بكين، وذلك عبر إستراتيجية ثنائية الأبعاد وهي “إستراتيجية الضغوط والحوافز”، يشمل بُعدها الأول: ممارسة بعض الضغوط على الصين من خلال التلويح بفرض عقوبات على الشركات التي تستثمر في إيران بالتزامن مع تشجيع العديد من البلدان على زيادة صادراتها النفطية إلى الصين، وبالتالي تبديل اعتماد بكين النسبي على إيران. أما البعد الثاني: فهو حزمة الحوافز التي يمكن تقديمها لاستمالة الصين بعيدًا عن إيران، وتشمل الخيارات الممكنة في هذا الشأن رفع مستوى التعاون في العلاقات الأمريكية الصينية، وإظهار قدر أكبر من القبول لدور الصين في الشئون العالمية، والنظر بعين الاعتبار لمصالح الأمن القومي للصين.

ولكن يبدو أن الجهود الأمريكية قد أتت بنتائج عكسية؛ إذ يُنظر إليها من قبل بعض المحللين الصينيين على أنها مؤامرة على بكين، بينما يرى البعض الآخر أنها مؤشر على ضعف واشنطن تعكس حاجتها إلى مساعدة الصين، ويخطئ من يظن أن مجرد الترحيب بأن تلعب الصين دورًا أكبر على المستوى الدولي أو الاعتراف بالمصالح الجوهرية لها يُعد أمرًا كافيًا؛ إذ ثمة إشكاليتان يبرزهما التقرير ينبغي وضعهما في الحسبان لتحقيق ما ترنو إليه واشنطن، وهما:

الإشكالية الأولى: يتطلب إقناع بكين للحد من تعاونها مع إيران خطوات ملموسة، تتمثل في أن تبدأ الولايات المتحدة في التراجع عن التزامها تجاه تايوان، مع ما يعنيه ذلك من تقليص مبيعات الأسلحة إلى الجزيرة، وهي خطوة من غير المرجح أن تتخذ.

الإشكالية الثانية: يجب أن تعمل الولايات المتحدة على تحرير القيود التجارية المفروضة على السلع ذات التكنولوجيا العالية والمواد الدفاعية، وهو أمر مستبعد أيضًا لأن الصين البلد الوحيد القادر على مطابقة القوة العسكرية للولايات المتحدة هذا من جانب. ومن جانب آخر لا يبدو الكونجرس على استعداد في الوقت الحاضر لرفع القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا الدفاعية للصين التي تم سنها بعد مذبحة ميدان السلام السماوي العام 1989.

في جميع الاحتمالات؛ فإن فشل جهود الولايات المتحدة في إعادة تشكيل العلاقات الصينية الإيرانية يعكس حقيقة مفادها أن هذه العلاقات قد انتقلت إلى مرحلة من التعاون متعددة الأوجه. كما أن سيناريو تغيير سياسة الصين طويلة الأمد تجاه إيران هو على الأرجح أمر صعب للغاية. ومع ذلك لا يمكن استبعاده بشكل تام، بيد أنه يتوقف على حدوث تطورات دراماتيكية مثل تصاعد كبير في مستوى المواجهة بين واشنطن وطهران، بحيث يصبح استمرار علاقات قوية مع طهران أمرًا مكلفًا للغاية بالنسبة لبكين.

كيف تعاملت مصر مع التهديدات الغربية بقطع المساعدات؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

أثارت الأزمة بين مصر والقوى الغربية بعد فض اعتصامات الإخوان المسلمين في ميداني رابعة العدوية والنهضة تساؤلات حول أبعاد الموقف الغربي من التطورات الجارية في مصر، ومسارات تحرك الحكومة المصرية الممكنة إزاء تلك الأزمة ، لاسيما بعد أن هددت القوى الغربية بقطع المساعدات عن القاهرة، إلا أن التحركات الإقليمية التي قادتها السعودية ساهمت في تخفيف تلك الضغوط على مصر، بل واستطاعت تحييد العامل الغربي في التأثير على الشأن الداخلي المصري بعد 30 يونيو.

أبعاد الموقف الغربي من التطورات في مصر:

اتسم الموقف الغربي من التطورات الجارية في مصر بـ”الحذر” عقب عزل الرئيس محمد مرسي. فمع تجنب وصف ذلك التدخل بـ”الانقلاب العسكري”، فقد حرصت القوى الغربية على الجانب الآخر على تأكيد أهمية العودة سريعاً إلى المسار الديمقراطي، مرحبة بحذر بالإعلان الدستوري الذي أقره الرئيس المؤقت عدلي منصور، والذي يتضمن جدولاً زمنياً لتعديل الدستور، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.ولكن مع النهج الذي تم به فض اعتصام مناصري مرسي في “رابعة العدوية” و”ميدان النهضة”، فقد أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن الولايات المتحدة الأمريكية “تدين بقوة الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية ضد المدنيين”، ودعا السلطات في مصر إلى احترام الحقوق العالمية للإنسان، وإلغاء حالة الطوارئ، والبدء في حوار شامل.

وأعلن أوباما عن إلغاء مناورات “النجم الساطع” بين الجيشين الأمريكي والمصري، التي كانت مقررة في سبتمبر 2013، قائلاً إن “تعاوننا التقليدي مع مصر لا يمكن أن يستمر كما هو “، فيما تناقش إدارة أوباما ما إذا كانت ستوقف تزويد الجيش المصري بطائرات “أباتشي” جديدة من طراز “آي إتش 64” دي، والذي كان مقرراً أيضاً أن يتم في سبتمبر، أم لا.

وقد شدد الرئيس الأمريكي، في تصريحاته في 23 أغسطس 2013، على أن الإدارة الأمريكية تقوم حالياً بعمل تقييم شامل حول العلاقات الأمريكية- المصرية، مستبعداً عودة العلاقات التجارية مع مصر إلى ما كانت عليه في السابق، موضحاً: “لقد بذلنا جهوداً دبلوماسية كبيرة لحث الجيش المصرى -عقب عزل مرسي- للسير فى طريق المصالحة، غير أنهم لم يستغلوا الفرصة”- على حد قوله.

وعلى الرغم من ترجيحه أنه فى حال اتخاذ قرار بقطع المعونة الأمريكية عن مصر، فإن ذلك لن يؤثر فى قرارات الحكومة المصرية المؤقتة، فإن أوباما أضاف: “أعتقد أن معظم الأمريكيين سيقولون إن علينا الحرص على ألا نظهر أننا ندعم سلوكاً يكون مخالفاً لقيمنا ومثالنا”، موضحاً: “لهذا السبب، نقوم حالياً بمراجعة علاقة الولايات المتحدة بمصر”.

وفي حين أن أوباما لم يعلن تعليق المساعدات العسكرية السنوية لمصر التي تبلغ قيمتها 1.5 مليار دولار، فإن هناك دعوات في الكونجرس إلى وقف هذه المساعدات، وذلك فيما يفكر الاتحاد الأوروبي كذلك في إيقاف مساعداته عن مصر.

وقد قرر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 21 أغسطس “تعليق تراخيص المعدات التي يمكن أن تساعد في عمليات القمع في مصر”، بحسب ما صرّحت مسئولة الشئون الخارجية في الاتحاد كاثرين آشتون، موضحة أن كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي ستأخذ فى الحسبان كيفية تطبيق هذا القرار وفقاً لمصالحها.

هذا، وقررت بعض الدول، ومنها ألمانيا، تجميد صادراتها من الأسلحة إلى مصر، حيث تدرس دول الاتحاد الأوروبي إعادة النظر في المساعدة الأمنية المقدمة إليها.كما أوقفت ثلاث دول أوروبية مساعدات مالية مخصصة لمشروعات تنموية في مصر، حيث جمدت الحكومة الألمانية أموال مساعدات لمصر بقيمة 25 مليون يورو. وكذلك، فإن الدنمارك وهولندا أوقفتا المساعدات الاقتصادية التي تقدر بـ4 ملايين يورو للدنمارك، كانت مخصصة لدعم الشركات الصغيرة، وتوفير فرص عمل للشباب في مصر، و8 ملايين يورو لهولندا مخصصة لدعم مشروعات تنموية في مجالات حقوق الإنسان، والإدارة، وإمدادات المياه.

مدى تأثر مصر بالتهديدات الغربية:

وفقاً لجهاز الأبحاث بالكونجرس الأمريكي، فإن مصر ثاني أكبر دولة بعد إسرائيل تحصل على مساعدات من واشنطن، منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، ووصلت المساعدات الأمريكية للقاهرة إلى 71.6 مليار دولار منذ عام 1984 وحتى عام 2011. وفي الآونة الأخيرة، بلغت المساعدات الأمريكية نحو 1.55 مليار دولار سنوياً، منها نحو 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية.

وعلى الرغم من أن المساعدات العسكرية لمصر تبدو كأنها مبلغ زهيد بالمقارنة بالاقتصاد المصرى، فإن هذه المساعدات تعد مدخلا رئيسيا لحصول القاهرة على الأسلحة المتطورة. ومن ذلك، أثار البعض مخاوف من مدى قدرة الحكومة المصرية على الاستغناء عن المساعدات الغربية، خصوصاً الأمريكية، في حال اُتخذ قرار بإيقاف تلك المساعدات، في حين استبعد البعض الآخر أن تمضي القوى الغربية في مواقفها تجاه فرض عقوبات على مصر، وذلك استناداً إلى الآتي:

– على الرغم من إلغاء تدريبات عسكرية مشتركة بين واشنطن والقاهرة، فقد صرّح وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيجل، بأنه أبلغ نظيره المصري، الفريق أول عبد الفتاح السيسي، بأن البنتاجون سيواصل علاقاته العسكرية مع مصر. فمن المهم للجيش الأمريكي الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية مع القاهرة، وبالنظر إلى أن هناك سفن حربية أمريكية تمر من قناة السويس. وإذا تم منع ذلك، فسوف تتكبد الولايات المتحدة خسائر مالية تتعدي أضعاف دعمها لمصر، حيث تتحكم القناة فيما لا يقل عن 4% من حركة النفط العالمية، و8% من حركة التجارة البحرية.

– يستبعد المحللون أن تقطع الإدارة الأمريكية مساعداتها للجيش المصري، لأنها توليه الآن أهمية أكبر من أي وقت مضى بسبب الأوضاع التي يمر بها الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تقدم الدعم إلى مصر، لأنها واحدة من دولتين عربيتين فقط وقعتا اتفاق سلام مع إسرائيل، والولايات المتحدة لا ترغب في المساس بهذا التوازن، في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها المنطقة، وفي ظل تطورات الوضع على الساحة السورية، حيث لم يعد مستبعداً خيار التدخل العسكري لإنهاء الأزمة الإنسانية التي تشهدها البلاد.

– في واقع الأمر، فإن معظم المساعدات العسكرية المقدمة إلى مصر تستحوذ عليها صناعة الدفاع الأمريكية التي توفر العتاد والصيانة وقطع الغيار. ومن ثم فمن الناحية الاقتصادية البحتة، فإن تراجع الأموال المخصصة للمشتريات الأمريكية الاستراتيجية، وإن كان سيؤثر فى الجيش المصري، فإن شركات المقاولات الدفاعية الأمريكية ستفقد أيضاً مزايا كبيرة تتمتع بها. وقد أكد متخصصو المشتريات العسكرية فى الكونجرس أن قطع المساعدات عن مصر سيورط الإدارة الأمريكية فى معركة تعاقدية مع شركات الأسلحة الأمريكية. فبينما ترتبط مصر بعقود مع هذه الشركات حتى عام 2018، بموجب ائتمان نقدى تعهدت به واشنطن، فإن إلغاء الصفقة سيجبر الحكومة الأمريكية على تحمل عقوبات تبلغ مليارى دولار.

– وحتى على الجانب الأوروبي، وبصدد العقوبات التي فرضها وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على القاهرة، فقد أوضحت كاثرين آشتون أنه سيُترك لكل دولة من دول الاتحاد النظر في كيفية تطبيق القرار وفقاً لمصالحها الخاصة، الأمر الذي يتيح مرونة كبيرة في عدم تطبيق القرار، خصوصاً في حال التوصل إلى تفاهمات مع الحكومة المصرية بشأن التطورات الجارية في البلاد، وذلك مع إجماع عدد من الخبراء على أن الاتحاد الأوروبي يميل إلى تغليب مصالحه المادية في تعاطيه مع الشأن المصري، وذلك مع الإشارة إلى أن الاتحاد لم يشأ توصيف عزل مرسي بالانقلاب.

مسارات التحرك الحكومي في مواجهة المواقف الغربية:

مع المواقف الغربية من التطورات الجارية في مصر، والتهديد بفرض عقوبات على القاهرة، فقد اهتمت الحكومة المصرية المؤقتة بانتهاج ثلاثة مسارات رئيسية في سبيل تحجيم خطر فرض أي عقوبات، ممثلة في المسارات التالية.

– تأكيد أهمية التعاون مع الغرب: فعلى الرغم من توتر العلاقات بين القاهرة وعدد من القوى الغربية، فقد حرص وزير الخارجية المصري، نبيل فهمي، على تأكيد أن “التلويح بسحب المساعدات في هذه المرحلة مرفوض، والمساعدات مشكورة استفادت بها مصر، ونأمل أن تستمر”، مشدداً في الوقت ذاته على أهمية “ألا تعد القوى الغربية، وخصوصاً واشنطن، ما تقدمه لمصر هبة، بل إن هناك مصالح ينبغي وضعها في الحسبان لدى اتخاذ قرار”.

وفي سبيل طمأنة القوى الغربية بشأن مستقبل التطورات السياسية في البلاد، فقد أعلن فهمي اعتزام القاهرة تشكيل لجنة تقصي حقائق من شخصيات مستقلة لتوثيق ما حدث بدقة في البلاد منذ فض اعتصامي مؤيدي مرسي، مضيفاً- خلال مؤتمر صحفي عقده في 18 أغسطس في مقر وزارة الخارجية المصرية- أنه “سيتم النظر فيما هو قادم من المنظور السياسي، والانتقال إلى تنفيذ خريطة الطريق بما يشمل الجميع دون إقصاء، ما دام هناك التزام بالقانون”، وقال إن “المسار السياسي هو الاتجاه المصري، فلا توجد مشكلة تحل بالمسار الأمني فقط”.

وطالب فهمي وسائل الإعلام العالمية بضرورة الحياد والتوازن تجاه الأحداث التي شهدتها مصر خلال الأيام الماضية، وعدم الانحياز إلى طرف على حساب طرف آخر، حفاظاً على المصداقية والمهنية، وبناءً على ما يحدث على أرض الواقع فقط.

– الاستفادة من دعم دول الخليج: حيث تستفيد القاهرة في الوقت الراهن من دعم دول الخليج خلال فترة ما بعد 30 يونيو في تقليل خسائرها من توتر العلاقات مع عدد من الدول الغربية، وذلك مع الإشارة إلى أن الحكومة المصرية حصلت على تعهدات من السعودية، والإمارات، والكويت بمنحها مساعدات بقيمة 12 مليار دولار، حصلت منها القاهرة على 5 مليارات دولار، كما تعهدت الرياض بسد أي عجز مالي قد تعانيه مصر، إذا أوقفت دول غربية معوناتها للقاهرة.

وقد دافع وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، عن الموقف المصري، وأكد وقوف المملكة إلى جانب مصر على كافة الصعد في مواجهة التهديدات الغربية، وقال: “لن نتأخر عن تقديم كل أشكال الدعم لمصر.. فمصيرنا واحد، وهدفنا واحد”، وأضاف: “لن نسمح بأن يتلاعب المجتمع الدولي بمصير مصر، أو يعبث بأمنها واستقرارها”، وذلك مع تحذيره الدول الغربية من ممارسة أي ضغط على الحكومة المصرية لوقف الإجراءات التي تتخذها ضد أنصار مرسي.

– تقوية العلاقات مع روسيا: حيث يشار في هذا الصدد إلى أن موسكو اتخذت موقفاً داعماً للحكومة المصرية، خلال الجلسة التي عقدها مجلس الأمن الدولي في منتصف أغسطس، برفضها إصدار المجلس أي بيانات تدين القاهرة، على خلفية فض اعتصامي “رابعة” و”النهضة”، أو وصف ما حدث في مصر بالانقلاب. وكانت موسكو أكثر تحفظاً في إدانة الأحداث التي شهدتها مصر، إذ اكتفت بدعوة جميع القوى السياسية في البلد إلى ضبط النفس دون إدانة تدخل قوات الأمن لفض الاعتصامات.

وقد ذكرت مواقع عسكرية إلكترونية أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عقد اجتماعاً عاجلاً مع قادة الجيوش الروسية، ومسئولي أجهزة المخابرات في 16 أغسطس، لبحث الوضع في مصر، وإمكانية تقديم المساعدة للجيش المصري، وإقامة تعاون عسكري بين القاهرة وموسكو في المستقبل القريب. وعلى الرغم من عدم الإعلان عن أي قرار للاجتماع حتى الآن، فإنه تمت مناقشة إجراء مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة بين الجيشين الروسي والمصري، بالإضافة إلى بحث التعاون العسكري، وبيع أسلحة للقاهرة في المستقبل.

يشار كذلك إلى تغليب عدد من المتابعين قيام الرياض بلعب دور الوسيط بين القاهرة وموسكو في الوقت الحالي، وذلك على الرغم من اختلاف المواقف بشأن الأزمة السورية، حيث قام رئيس المخابرات السعودية، الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز، بزيارة غير معلنة إلى موسكو في 31 يوليو، كان من ضمن أهدافها بحث فرص التعاون العسكري، والتوسط في صفقة أسلحة روسية لمصر، لتكون بديلاً عن الأسلحة الأمريكية، إذا ما قررت واشنطن قطع المعونة العسكرية عن الجيش المصري. وقد تحدثت التسريبات عن عرض الأمير بندر صفقة أسلحة ضخمة بقيمة 150 مليار دولار مع موسكو لتشجيعها على تعزيز التعاون مع القاهرة، الأمر الذي يساعد على تخفيف الضغط الأمريكي على الحكومة المصرية.