أ.د. أحمد محمد وهبان

نشأة حزب البعث

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

– حزب البعث، نشأته وتطوره

نشأة حزب البعث

       بعد الثورة الفرنسية، وتحول فرنسا من الملكية إلى الجمهورية، بدأت فرنسا تصدر إلى الدول الأوربية الأخرى بعض المفاهيم الجديدة في اللغة السياسية، وأصبحت الأحزاب السياسية في أوروبا تنقسم إلى ثلاثة اتجاهات:

ـ أحزاب اليمين.

ـ أحزاب اليسار الاشتراكي.

ـ أحزاب الوسط.

       وتأثر مفكرو سورية ومثقفوها، بتلك الأفكار السياسية ـ الجديدة ـ من دون ما تمييز حقيقي، بين المعنى الأيديولوجي لليمين، أو اليسار، أو الوسط. فقد كانت الأحزاب والجماعات السياسية، السالف ذكرها، سواء داخل سورية، أو خارجها، محاكاة شكلية فقط لأفكار ومبادئ، تلك الأحزاب الغربية.

       ويرى بعض الدارسين، أن النضال الوطني السوري، قبيل فترة الاستقلال، كان يجمع بين ثلاثة مستويات، في آن واحد، هي:

1. المستوى الوطني

ضد الاستعمار الفرنسي، الذي كان يتمثل في قضية جلاء القوات الفرنسية عن الأراضي السورية، والحصول على الحكم الذاتي الوطني، وإلغاء نظام الانتداب الفرنسي.

2. المستوى القومي

كان النضال الوطني السوري، يعد مقدمة طبيعية للنضال القومي العربي. فغالبية البرامج الحزبية السورية، كانت تهدف إلى وحدة النضال العربي. وكان هناك ارتباط وثيق في تاريخ سورية المعاصر، بين المشكلة الفلسطينية، من ناحية، ومجريات الأحداث السياسية داخل سورية، من ناحية أخرى.

3. المستوى الاجتماعي

وهو النضال في خط السير نحو الأعمق، أي في اتجاه القواعد الشعبية. فالنضال الاجتماعي سمة جوهرية، في صميم التجانس الوطني، والوحدة القومية. وهو، أيضا، يستهدف وحدة الشعب، في فئاته المختلفة، وفي تكويناته الاجتماعية (العشيرة، الحى، الطائفة، القرية، المدينة).

       ولم تتمكن كل الأحزاب السورية ـ خاصة حزب البعث ـ من استيعاب العناصر الثلاثة للنضال: (الوطني ـ القومي ـ الاجتماعي).

       فالأحزاب، التي استجابت للنضال القومي وحده، كان مصدرها العنصرية واليمينية المتطرفة، كالحزب السوري القومي، والحزب الوطني.

       أّما أحزاب اليسار، فلم تستطع أن تواجه مسؤولية الثورية الاجتماعية. على الرغم من هذه اليسارية، فقد بقيت الأحزاب القومية والاشتراكية، والشيوعية، تستمد قواها من المصادر نفسها، التي يعتمد عليها النضال الوطني تارة، والنضال القومي تارة أخرى، ولكنها ـ في كل الأحوال ـ كانت ذات خط يميني.

       فالحزب الشيوعي لم ينشأ إلاّ على حساب قوى اليمين في سورية ! بل إنه لم يطرح أفكار الصراع الطبقي، أو الثورة الاجتماعية، كما هي منطلقات الفلسفة الماركسية، التي كان يتبناها هذا الحزب!.

       أما حزب البعث، فقد كانت نشأته خلال السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وما بعدها، وهي نشأة تجمع وطني، قومي، لا يختلف عن بقية الأحزاب السورية الأخرى.

النشأة الأولى لحزب البعث السوري:

       يُعد زكي الأرسوزي هو المؤسس الأول لحزب البعث السوري. وهو من مواليد عام 1900م في لواء الأسكندرونة بجبال العلويين، واستقر مع عائلته في مدينة إنطاكية، التي كانت جزءاً من سورية، حيث أنهى الأرسوزى دراسته الابتدائية، والثانوية. كما تعلم ـ أيضاً ـ اللغة التركية، واللغة الفرنسية. وبعد ضم لواء الأسكندرونة إلى تركيا، غادر الأرسوزى مدينة إنطاكية في نهاية عام 1938م، حيث أقام في دمشق. وبدأ يمارس نشاطه السياسي، الناجم عن ثقافته الأوربية المتأثرة بأفكار الفيلسوف الألماني “نيتشه”، والفلاسفة الفرنسيين: “ديكارت” و “كانت “، و”برجسون”. ونشط “الأرسوزى” في نشر أفكاره البعثية، بين زملائه “أساتذة الثانوي”، وطلابه بمدرسة (التجهيز الأولى)، التي سميت (جوده الهاشمي) فيما بعد. وكان يدعو إلى تأليف حزب قومي، ليحقق من خلاله أفكاره البعثية. وكانت مدرسة (التجهيز الأولى)، هي المدرسة الثانوية الوحيدة الرسمية آنذاك، وطلابها في مقدمة الطلاب، الذين كانوا يشاركون في النضال، ضد المحتل الفرنسي، وحكوماته المتعاونة مع الزعماء السوريين التقليديين، الذين كانوا يمثلون الكتلة الوطنية، وقد ابتعدوا بالتدريج عن قواعدهم الشعبية، نظير الاقتراب السياسي من الحاكم الأجنبي، استعداداً لوراثته في حكم سورية بعد الجلاء. وبناءً على ذلك، كان طلاب المرحلة الثانوية هم جنود البعث الأوائل، الذين حملوا لواء النضال ضد الاحتلال الفرنسي. وكانوا يمثلون ـ في ذلك الوقت ـ الطبقة المثقفة ذات الأصول الشعبية، أو الأقرب إلى الطبقة الوسطى. وبدأت هذه الطبقة تنمو بزيادة عدد المدارس الابتدائية والثانوية في المدن السورية، خاصة دمشق.

المؤسسون الأوائل لحركة “البعث” السوري

       كان البعث السوري “حركة فكرية” في بادئ الأمر، تضم بجانب “زكي الأرسوزي”، كلاً من: جلال السيد “من دير الزور”، ووهيب الغانم “علوي من أسكندرون”، وجمال الأتاسي “من حمص”، وعلي حيدر “من اللاذقية”، وصدقي إسماعيل “من اللاذقية”، وعبدالحليم قدور “من منطقة قاره”، وسامي الجندي “من السّلمية”.

       وكانت أفكار “الأرسوزي” تدور، حول بعث التاريخ العربي بحضارته، وتوحيد الأقطار العربية، وإنشاء دولة عصرية جديدة. وبدأ بأفكاره البعثية يؤلف “نواة البعث العربي”، واستطاع أن يطرح فكراً قوميا مثالياً، يتخطى حدود الطوائف المحلية، ويجمعها كلها في جبهة واحدة. فقد كان مفكراً ومثقفاً عربياً من طراز فريد، امتزجت دراسته للفلسفة في فرنسا، مع جذوره العربية، وعبقريته الفكرية، وشخصيته الجذابة، وحماسه القومي الملتهب، وعناده النضالي. فأصبح زعيما شعبيا في ذلك الوقت. وكانت شخصية “الأرسوزى” المتفردة والمثالية، سبباً في إصابة الزعماء التقليديين بالذعر والقلق. وبدأوا في محاربته بأسلوبين:

الأول:  فرض العزلة السياسية حوله، واضطهاده. وتعاون في تحقيق هذا الهدف، القيادات التقليدية للاتجاهات والأحزاب السياسية، مع قيادات الانتداب الفرنسي.

الثاني:  الالتفاف حول فكر البعث، واستهلاك شخصية الأرسوزي واحتوائه. وقد باشر هذا الأسلوب كل من: “ميشيل عفلق، وصلاح البيطار”. ففي عام 1938 جرت محاولة لإنشاء “منظمة البعث” وكانت تتكون من: الأرسوزي ـ وميشيل عفلق ـ وصلاح البيطار ـ وميشيل قوزما ـ وشاكر العاصي. وعرض ميشيل قوزما تمويل الحزب مادياً، ولكن اختلافات هؤلاء المؤسسين أدت إلى إخفاق منظمة البعث، من قبل أن تبدأ. وغادر الأرسوزي دمشق في عام 1939 إلى بغداد، ليمارس وظيفته “معلم ثانوي” في بغداد. ثم عاد إلى دمشق بعد أقل من عام، معلناً سخطه على نظام الحكم في العراق. وبعد عودته استؤنفت المناقشات، بينه وبين “ميشيل عفلق”، في شأن إنشاء حزب البعث. ولم يتفقا إذ كان كل منهما، يسعى إلى رئاسة الحزب.

       وأخذ ميشيل عفلق يحاصر الأرسوزي، سواء من داخل حزب البعث ـ قبل إعلانه رسميا ـ أو من خارج الحزب، ثم بدأ يكون حلقات من أتباعه، أخذت تنمو وتتسع. وكان لعفلق، بحكم انتمائه إلى عائلة مسيحية تسكن حي “الميدان” في دمشق، علاقات قوية مع عائلات الجنوب (حوران، وجبل العرب)، وبعض الأسر الدرزية. وعن هذا الطريق جُندت أعداد كثيرة من طلاب الدروز ومثقفيهم، في دمشق والسويداء مركز محافظة جبل العرب. وبذلك كانت العناصر الحزبية المكونة لنواة حزب البعث، تتكون من: المثقفين من الأساتذة والطلاب والموظفين ـ وشريحة من الطائفية السورية وهي: الجذور العلوية ثم الدرزية، فالإسماعيلية والمسيحية” على التوالي”. وكانت تلك التركيبة ـ غير المتجانسة ـ سببا في عدم وجود شعبية لحزب البعث في سورية، وذلك لوجود تناقضات فكرية وثقافية واجتماعية وطائفية، بين الرعيل الأول للحزب.

       وفي عام 1941، بدأت فكرة قيام التنظيمات والحركات الحزبية في دمشق، وكلها تدعو لمبادئ القومية العربية، باستثناء الكتلة الوطنية، التي كان من أهدافها (سيادة البلاد مع تمسكها بالعقيدة الإسلامية). وتكوّن محور ثلاثي (ميشيل عفلق ـ صلاح البيطار ـ جلال السيد) لتشكيل “البعث”، مع إقصاء الأرسوزي عن قيادة التنظيم البعثي. وكان منهج البعث ـ في ذلك الوقت ـ معارضة الحكومات السورية، في أي عمل تقوم به، إن أخطأت أو أصابت على السواء. فقد كان الحزب، منذ أيامه الأولى، يلتزم بموقف المعارضة لكل شئ تقوم به الحكومات الوطنية المتعاقبة، حتى ولو كان لمصلحة الوطن والمواطنين. وبدأ الحزب في إعلان شعاراته وإطلاقها بين أتباعه. وكانت شعاراته الأولى هي:

“أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة”

*

والبعث حانت ثورته

الدهر دارت دورته

*

لبيك بعث العربِ

قد أسمعتنا دعوته

*

       ومضى حزب البعث يعمل في الخفاء، دون إذن رسمي بالترخيص له حتى عام 1946، حين أصبح حقيقة واقعة، يمارس نشاطه السياسي بصورة علنية.

الإعلان الرسمي لحزب البعث

       أعلن رسميا عن قيام حزب البعث، في 4 أبريل عام 1947 م، حيث عقد الحزب أول مؤتمر رسمي له ـ بعد الإعلان عن المولد الرسمي للحزب ـ من 4 إلى 6 أبريل في “مقهى الرشيد” بدمشق، برئاسة جلال السيد. وانتخب ميشيل عفلق عميدا لحركة البعث، وصلاح البيطار، وجلال السيد، ووهيب الغانم، أعضاء في اللجنة التنفيذية. وفي نهاية المؤتمر تم إقرار “دستور البعث”، الذي نصت المادة السادسة منه على الآتي:

       (حزب البعث العربي، انقلابي، يؤمن بأن أهدافه الرئيسية في بعث القومية العربية، وبناء الاشتراكية، لا يمكن أن تتم إلاّ عن طريق الانقلاب، والنضال، وأن الاعتماد على التطور البطيء، والاكتفاء بالإصلاح الجزئي، يهددان هذه الأهداف بالإخفاق والضياع، لذلك يقرر:

النضال ضد الاستعمار الأجنبي، لتحرير الوطن العربي تحريرا مطلقاً كاملاً.

النضال لجمع شمل العرب كلهم، في دولة مستقلة واحدة.

الانقلاب على الواقع الفاسد، انقلابًا يشمل جميع مناحي الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية).

ونصت المادة السابعة على أن:

       (الوطن العربي هو هذه البقعة من الأرض، التي تسكنها الأمة العربية، التي تمتد بين جبال طوروس وجبال بشتكويه “جبال إيران”، وخليج البصرة، والبحر العربي، وجبال الحبشة، والصحراء الكبرى، والمحيط الأطلسى، والبحر الأبيض المتوسط).

ونصت المواد من 26 حتى 28 على:

       (أن حزب البعث يؤمن بأن الثروة الاقتصادية في الوطن العربي، ملك للأمة العربية … وأن التوزيع الراهن للثروات في الوطن العربي غير عادل. لذلك، يعاد النظر في أمرها، وتوزع بين المواطنين توزيعاً عادلاً … المواطنون جميعا متساوون بالقيمة الإنسانية، ولذا فالحزب يمنع استثمار جهد الآخرين).

حزب البعث وعصر الانقلابات العسكرية

       اتسمت فترة ما بعد الاستقلال، بظاهرة “عدم الاستقرار السياسي” منذ 17 أبريل عام 1947م حتى بداية حكم “حافظ الأسد”، في 14 مارس 1971م (ثلاثاً وعشرين سنة، وعشرة شهور، وسبعة وعشرين يوماً) إذ تعاقب على سورية، خلال تلك الفترة، تسعة عشر نظاما للحكم. وكان متوسط استقرار الحكم في تلك الفترة، يبلغ سنة واحدة وثلاثة أشهر!..

علاقة حزب البعث برموز الانقلابات العسكرية في تلك الفترة

البعث والانقلاب العسكري الأول (30 مارس 1949)

       قاده “حسني الزعيم” قائد الجيش، وأطاح بالحكم الوطني، وبرئيس الجمهورية “شكري القوتلي”، ورئيس الوزراء “خالد العظم”.

       وأصدر حزب البعث ـ في حينه ـ بياناً يعلن فيه:”… ليس ما حدث في سورية انقلاباً، فهو في الواقع خطوة نحو الانقلاب، وإننا نستبشر بهذا الحادث، ونعلق عليه الآمال، ولكن علينا أن نوسع أفقنا، وننظم صفوفنا، وأن ننظر دوما إلى الأمام، إلى العُلا. فالانقلاب، الذي يطمح إليه الشعب العربي، هو انقلاب شامل، الانقلاب الذي يجب أن نسعى إليه دائما، وأن نجعل من انقلابنا الحاضر وسيلة وخطوة نحوه، هو الانقلاب الذي يحقق للشعب العربي في جميع أقطاره الاشتراكية العربية والوحدة العربية”

       وكانت قيادات حزب البعث (ممثلة في ميشيل عفلق)، تسدي النصح لحسني الزعيم، وتعلن تأييدها ومناصرتها له، إلى أن أعلن حل الأحزاب السياسية في سورية، ومن بينها ـ بالطبع ـ حزب البعث. فبدأ حزب البعث ـ ومعه بقية الأحزاب السورية ـ يهاجم حسني الزعيم. وفي 30 مايو عام 1949، أصدر حزب البعث بيانا شديداً حمل فيه على حسني الزعيم، متهماً إياه بالقيام بتصرفات غير مسؤولة، لا تليق بالحكم. فأصدر الزعيم أوامره إلى (العقيد إبراهيم الحسيني) مدير الشرطة العسكرية، باعتقال ميشيل عفلق وبعض أعضاء الحزب بسجن المزة العسكري. كما سلمّ (أنطون سعادة)، زعيم الحزب القومي السوري، إلى السلطات اللبنانية، حيث عقدت له محاكمة صورية في بيروت، وحُكم عليه بالإعدام.

وجدير بالذكر أن واقعة غريبة قد حدثت خلال تلك الفترة، من حكم حسني الزعيم، وهي:

       انتُخب حسني الزعيم يوم السبت 25 يونيه عام 1949، لمنصب رئاسة الجمهورية. وكان هو المرشح الوحيد، إذ كان محظوراً على أي مواطن أن يتقدم بترشيح نفسه، لمنصب رئاسة الجمهورية. وكان اليوم التالي للانتخاب (الأحد 26 يونيه 1949)، معداً لاستقبال وفود المهنئين والمباركين، بانتخابه لرئاسة الجمهورية. وكان مفتي دمشق على وشك إعلان ثبوت رؤية هلال شهر رمضان المبارك، وأن أول أيام شهر رمضان هو الأحد 26 يونيه. ولكن حسني الزعيم أمر بتأجيل إعلان رؤية هلال شهر رمضان إلى اليوم التالي، لكي تتمكن الوفود من تقديم واجب التهنئة له، كما كان معداً ومرتباً من قبل. وتقرر أن يبدأ صوم رمضان اعتبارا من يوم الاثنين 27 يونيه، بدلاً من الأحد 26 يونيه!!…

رسالة ميشيل عفلق، إلى حسني الزعيم:

       أثناء حبسه بسجن المزة العسكري، أرسل ميشيل عفلق إلى حسني الزعيم، رسالة شهيرة، أثارت جدلاً كبيراً لدى الساسة والمؤرخين، نصها:

“سيدي دولة الزعيم

       إن هذه التجربة الأخيرة قد علمتني أشياء، ونبهتني إلى أخطاء كثيرة. لقد انتهيت إلى أننا بحكم العادة، بقينا نستعمل أسلوباً لم يعد يصلح في عهد الإنشاء والعمل الإيجابي .. والحق أننا في قلوبنا وعقولنا، أردنا هذا الانقلاب منذ الساعة الأولى، ولا نزال نعتبر أن واجبنا خدمته وتأييده، ولكن الأسلوب الذي اعتدناه طيلة سنين عديدة، من المعارضة للانتداب، والعهد السابق، هو الذي بقيت آثاره في كياننا وبعض تصرفاتنا، وهو الذي أبعد عنكم ـ يا دولة الزعيم ـ حقيقتنا، وأظهرنا بمظهر المعارض، لعهد وضعنا فيه كل آمالنا، وصممنا على خدمته بتفانٍ وإخلاص.

سيدي دولة الزعيم

       إنني قانع كل القناعة، بأن هذا العهد، الذي ترعونه وتنشؤونه، يمثل أعظم الآمال وإمكانات التقدم لبلادنا، فإذا شئتم فسنكون في عداد الجنود البنائين، وإذا رغبتم في أن نلزم الحياد والصمت، فنحن مستعدون لذلك.

       إن هذه المجموعة من الشباب، التي يضمها البعث العربي، قد عملت كثيراً في الماضي من دون قدوة من النزاهة والوطنية الصادقة، وإن ماضيها يشفع لها عندكم، يا سيدي، لكي تعذروا ما ظهر منها من تسرع برئ، وأن وراء هذا النزق نفوساً صافية، ومؤهلات ثمينة للخدمة العامة، ما أجدر عهدكم أن يفتح لها، مجال الفتح والإنتاج. أما أنا، يا سيدي الزعيم، فقد اخترت أن أنسحب نهائيا من كل عمل سياسي، بعد أن انتهيت بمناسبة سجني، إلى أخطاء أورثتني إياها سنون طويلة من النضال القومي، ضد الاستعمار والعهد السابق، وأعتقد بأن مهمتي قد انتهت، وأن أسلوبي لم يعد يصلح لعهد جديد، وأن بلادي لن تجد من عملي، أي نفع بعد اليوم.

سيدي دولة الزعيم ..

       أنتم اليوم بمكان الأب لأبناء البلاد، ولا يمكن أن تحملوا حقداً لأبنائكم، ولقد كان لنا في التجربة تنبيه كاف ومفيد.

       اتركوا لنا المجال، لكي نصحح خطأنا، ونقدم لكم البراهين، على وفائنا وولائنا”.

       وقد أُفرج عن ميشيل عفلق، بعد أيام قليلة من تقديم تلك الرسالة. ولكنه جوبه بثورة عارمة، من بعض أعضاء الحزب، سيما الشباب. فقد عقد اجتماع في مدينة حمص، برئاسة صلاح البيطار، وأجمع الحاضرون على ضرورة محاكمة عفلق، وإزاحته من الأمانة العامة للحزب. ورُشح وهيب الغانم، أحد تلاميذ زكي الأرسوزي، لتولي أمانة الحزب، إلا أنه رفض قبول المنصب بناءً على ضغوط أنصار عفلق، بزعامة جلال السيد، أحد مؤسسي الحزب الأوائل. وكانت تلك أولى الصدمات، التي تلقاها شباب حزب البعث من أحد قيادات الحزب، إذ كان التساؤل العام، الذي ساد بينهم: كيف لا يستطيع عفلق معاناة السجن، وتحمل ما أصابه في سبيل عقيدة آمن بها، ويسعى إلى نشرها في صفوف المجتمع العربي؟ وكان هذا الموقف المتخاذل من عفلق، أول نكسة سياسية لأعضاء الحزب وأنصاره ومبادئه. وعلى إثر ذلك أعلن عفلق اعتزاله العمل السياسي، وهاجر إلى البرازيل، حيث عمل بالتجارة مع خاله شكري زيدان المقيم هناك، ريثما تهدأ الحملة عليه من مريديه، ومن رجال السياسة، وعامة الشعب السوري.

البعث، والانقلاب العسكري الثاني (14 أغسطس 1949م)

       وقع الانقلاب العسكري الثاني صباح 14 أغسطس عام 1949، وقاده اللواء سامي الحناوي. وفور علم ميشيل عفلق بهذا الانقلاب، طار عائداً من البرازيل إلى سورية معلنا تأييده المطلق لهذا الانقلاب. وكانت أهم أهداف انقلاب 14 أغسطس 1949:

إقامة اتحاد بين سورية والعراق.

إحياء مشروع “الهلال الخصيب”.

       وحظي انقلاب 14 أغسطس، بتأييد كبير من قيادات حزب البعث. وتولى ميشيل عفلق وزارة المعارف، في الحكومة السورية الجديدة (في أوائل شهر ديسمبر عام 1949م).

البعث، والانقلاب العسكري الثالث (19 ديسمبر عام 1949م)

       وقع الانقلاب العسكري الثالث، بقيادة العقيد أديب الشيشكلي، وأُعلنت الأحكام العرفية. وأسرع حزب البعث بتأييد هذا الانقلاب، ولكن ما لبث الحزب أن بدأ في انتقاد أديب الشيشكلي، ومهاجمة تصرفاته وسياساته في البلاد.

البعث، والانقلاب العسكري الرابع (2 ديسمبر عام 1951م)

       وهو أيضاً الانقلاب الثاني لأديب الشيشكلي! واستمر حزب البعث في مناهضة حكم الشيشكلي، على الرغم من سيطرته على البلاد، وتوليه رئاسة الجمهورية.

       وفي عام 1952، اندمج حزب البعث مع الحزب العربي الاشتراكي، الذي كان يرأسه “أكرم الحوراني”، تحت اسم “حزب البعث العربي الاشتراكي”. وأصبح يسيطر عليه، ثلاثة من أقطاب السياسة في سورية، هم: ميشيل عفلق ـ وصلاح البيطارـ وأكرم الحوراني.

       وتضامنت الأحزاب السورية ضد الشيشكلي، حيث عُقدت الاجتماعات السرية، ونظّمت مظاهرات الاستنكار والمعارضة، من أحزاب: الشعب ـ والوطني ـ والبعث ـ والشيوعي. وعقدوا عزمهم على إسقاط حكم الشيشكلي، على الرغم من تعارض أفكارهم ومبادئهم وبرامجهم الحزبية. وإزاء ذلك اعتقل الشيشكلي قيادات تلك الأحزاب، ومن بينهم ثلاثي حزب البعث عفلق ـ والحوراني ـ والبيطار.

       وفي 24 سبتمبر عام 1953، أجريت الانتخابات البرلمانية، وحصل حزب البعث على 22 مقعداً من 142 مقعداً، “جملة عدد أعضاء المجلس النيابي”، أي بنسبة 15.5% من المقاعد، إذ تفوق على حزب البعث ممثلي حزب الشعب، والمستقلين (أكثر من 45%) من جملة المقاعد.

الانقلاب العسكري الخامس (25 فبراير عام 1954م)

       أَعلنَ هذا الانقلاب، من إذاعة حلب، النقيب مصطفى حمدون، رئيس موقع حلب العسكري، (وهو من أنصار أكرم الحوراني!) حيث أعلن العصيان المسلح على حكم الشيشكلي بإيعاز من الحوراني، وأُفرج عن القيادات السورية السياسية، ومن بينهم ثلاثي حزب البعث عفلق، والحوراني، والبيطار.

       وفي مارس 1954 جرى تشكيل وزارة جديدة، برئاسة صبري العسلي، تكونت من ائتلاف حزبي الشعب والوطني، ولم تضم أي ممثل لحزب البعث. ولذلك، لقيت تلك الوزارة معارضة شديدة من حزب البعث.

       وفي تلك الأثناء، اتجهت أنظار غالبية السوريين إلى الإسكندرية، حيث يقيم شكري القوتلي، بطل الجلاء في نظرهم. وأُرسلت إليه آلاف البرقيات، من مختلف الأحزاب والهيئات السياسية (عدا حزب البعث)، تدعوه إلى العودة لوطنه ومعاودة تولي المسؤولية. كما سافر إليه في الإسكندرية أعداد كبيرة من السوريين، لحثه على العودة إلى سورية. وإزاء ذلك دبّر حزب البعث، بقيادة عفلق والحوراني، تظاهرات في سورية تندد بشكري القوتلي، وتصفه بأنه ” مندوب سام “، وأنه أداة في يد السياسة الأمريكية. وعلى الرغم من ذلك، عاد القوتلي إلى سورية، وتولى رئاسة الجمهورية في 6 سبتمبر 1955م.

البعث، والوحدة المصرية السورية

       خلال شهر يناير 1958، استقبل جمال عبدالناصر وفداً سورياً، مكوناً من (22) ضابطا يمثلون القوات المسلحة السورية، وتناقشوا معه حول “حتمية الوحدة المصرية ـ السورية”، خاصة بالنسبة لسورية، التي كانت تعيش في ظروف مضطربة، نتيجة عدة عوامل داخلية وخارجية، من أهمها “الصراع الحزبي المرير، وضغوط حلف بغداد، والتهديدات العسكرية الإسرائيلية”. وقد قال لهم عبدالناصر: (ما هي صفتكم في الحديث عن هذا الأمر؟)، أنا أعرف أنكم تمسكون في أيديكم بزمام القوة الحقيقية في سورية، ولكني من ناحيتي، لا أقبل في مثل هذه الأمور، أن أتحدث إلاّ مع حكومة مسؤولة).

       وفي اليوم التالي حضر ـ على الفور ـ صلاح البيطار (وزير خارجية سورية، وأحد قيادات حزب البعث)، معلناً موافقة الحكومة السورية، على إتمام الوحدة بين مصر وسورية. وعندما اشترط عبدالناصر لإتمام الوحدة ـ فيما اشترطه ـ أن يتوقف النشاط الحزبي في سورية، وافق صلاح البيطار على كل شروطه الأخرى، وبالنسبة لهذا الشرط، أعلن عن ضرورة رجوعه إلى قيادة حزب البعث، في هذا الشأن. وبالفعل، وافقت الأحزاب السورية كلها على شروط عبدالناصر، ومن بينها حزب البعث. وعلى الرغم من حماس قيادات حزب البعث للوحدة المصرية ـ السورية، وإسناد مناصب مهمة لهم في بداية الوحدة (أكرم الحوراني نائباً لرئيس الجمهورية ـ صلاح البيطار وزيراً للثقافة والإرشاد القومي) إلاّ أن هذا الوفاق، بين عبدالناصر وحزب البعث، لم يستمر طويلاً، إذ بدأ عبدالناصر يهاجم حزب البعث وعقيدته ومبادئه هجوماً عنيفاً، كما اشتد الحزب في التهكم على نظام الحكم، وعلى زعامة عبدالناصر. ووصل الخلاف ذروته عام 1959، عندما كان عبدالناصر في زيارة لدمشق، وقد أُعد له مهرجان خطابي كبير (رسمي وشعبي) في سينما الزهراء، حضره كبار رجال الدولة، وجمهور كبير من المواطنين، وألقى عبدالناصر خطاباً مهماً، تهجم فيه على موقف حزب البعث، وعلى تآمر قيادته على الوحدة. وقد نال هذا الهجوم استحسان جميع الحضور، وقوطع خطاب عبدالناصر بعاصفة من التصفيق الحاد، أكثر من مرة. وكان ثاني هجوم يشنه عبدالناصر على البعثيين يوم 23 ديسمبر 1959 في بورسعيد، أثناء إلقاء خطابه بمناسبة “عيد النصر”، حيث ندد فيه بالحزبية والنشاط الحزبي، وقال: “أي شخص يعمل في الحزبية خارج الاتحاد القومي، إنما يعمل من أجل دولة أجنبية، أو يكون عميلاً لدولة أجنبية”. وفي اليوم التالي قدم الوزراء البعثيون استقالاتهم من الحكومة. وأعلن صلاح البيطار التصريح التالي: ” إن التعاون مع جمال عبدالناصر قد أصبح في حكم الخيانة، بعد أن ثبتت خيانته لمبادئ الوحدة العربية”.

       وبعد انفصال 28 سبتمبر 1961، أصدر ميشيل عفلق بياناً من بيروت، يوم 4 أكتوبر، يؤيد فيه الانفصال، وأطلق حزب البعث على واقعة الانفصال، مُسمى “الانتفاضة”. وأقيم مؤتمر سياسي كبير في دمشق، شاركت فيه كل الأحزاب السياسية، ومن بينها حزب البعث، لتأييد “الانتفاضة السورية”. ومثّل الحزب في هذا المؤتمر صلاح البيطار. وفي ذلك الوقت انفصل أكرم الحوراني، بحزبه القديم “العربي الاشتراكي”، عن حزب البعث، وشارك أيضا في هذا المؤتمر.

البعث، وانقلاب 8 مارس 1963

       كان دور البعث في الانقلابات السابقة، ينحصر في التحريض على الانقلاب، أو تأييده، أو القيام بدور الشريك التابع، في تنفيذ الانقلاب. ولكن في انقلاب مارس 1963، كان حزب البعث هو المخطط، والمنفذ للانقلاب. وأصبح هذا التاريخ عيداً قومياً لسورية، يُحتفل به كل عام، بجانب عيد الجلاء (17 أبريل).

       وقد نفّذ هذا الانقلاب، اللواء زياد الحريري، وشُكّل “المجلس الوطني لقيادة الثورة”، برئاسة الفريق لؤي الأتاسي.

       وفي 29 يونيه 1963، أصدر الفريق لؤي الأتاسي، بعد موافقة المجلس الثوري، مرسوماً تشريعياً بالرقم (89)، ينص على تشكيل منظمات “الحرس البعثي القومي”. وهي منظمات شعبية عسكرية، تتألف من المتطوعين السوريين والمتطوعات، ومن جنود وضباط الصف، وضباط الاحتياط غير المطلوبين للخدمة في القوات المسلحة، وأيضا من المتطوعين والمتطوعات، من الأقطار العربية. وكانت مهمة “الحرس البعثي”، حماية النظام، وحفظ الأمن، والتوجه القومي.

       ويعد عام 1963، بداية ممارسة السلطة الفعلية لحزب البعث، سواء في سورية، أو في العراق؛ إذ تمكن حزب البعث من الوصول إلى السلطة، يوم 8 فبراير عام 1963 في العراق، وأيضاً في سورية يوم 8 مارس عام 1963. وكان حزب البعث يخطط، أيضا، لتولى زمام السلطة في الأردن، حيث جرت اتصالات سرية، بين قيادات حزب البعث في سورية، مع عدد من الضباط الأردنيين، للقيام بانقلاب عسكري بعثي في الأردن، تحدد له يوم 8 أبريل عام 1963. وكان الانقلاب يستهدف اغتيال الملك حسين. ولكن تشاء الأقدار أن إسرائيل، هي التي حالت دون إتمام هذا الانقلاب!، فقد أدلى “مورخاي هود”، قائد سلاح الطيران الإسرائيلي السابق، بتصريح في جريدة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية قال فيه:

       “لقد أنقذت الملك حسين من الموت في فترة التوتر بين سورية والأردن، فبينما كان يطير في سماء الأردن، أسقط سلاح الجو الإسرائيلي أربع طائرات ميج سورية، كانت تطارده”.

البعث واتفاق الوحدة الثلاثية

       كانت شعارات البعث، في تلك الفترة، تندد بالانفصال السوري ـ المصري، وتطالب بالوحدة العربية، ولكن على أسس كونفدرالية، وليست وحدة شاملة، كما حدث في وحدة سورية ومصر. وعُقدت في القاهرة، خلال شهر مارس 1963، عدة اجتماعات تمهيدية، لإعلان الوحدة الثلاثية بين (مصر، وسورية، والعراق). وكان الوفد العراقي برئاسة علي صالح السعدي، ويشغل منصب نائب رئيس الوزراء، وأحد قيادات البعث العراقي. وكان الوفد السوري برئاسة ميشيل عفلق. وكان الهدف الرئيسي من تلك الاجتماعات، هو رغبة البعث (العراقي والسوري)، في إحراج عبدالناصر، عن طريق إصرارهما على التمسك بالوحدة الكونفدرالية، وبالقيادة الجماعية (للجمهورية العربية المتحدة)، باعتبار أنه سوف يرفض هذا الطلب، وأنه لن يتخلى عن موقع القيادة، الذي ينفرد به. ولكن عبدالناصر فاجأهم بقبول مبدأ القيادة الجماعية، وألاّ تكون الوحدة اندماجية !، وتم توقيع اتفاق الوحدة الثلاثية في 17 أبريل عام 1963 م بالقاهرة. وفي اليوم التالي لإعلان الوحدة وقعت اضطرابات دموية شرسة في دمشق بين الناصريين من جانب، والبعثيين من جانب آخر، ذهب ضحيتها 170 قتيلاً، وتمكن الضباط البعثيون بقيادة اللواء أمين الحافظ، من السيطرة على الموقف، والقضاء على الفئات الناصرية، ومحاكمتهم عسكرياً وإعدامهم. وهكذا فشلت تلك الوحدة فور إعلانها.

       وخلال تلك الفترة تحًول مشروع الوحدة الثلاثية، إلى حرب إعلامية بين الدول الثلاث، بين مصر وسورية، وبين سورية والعراق (بقيادة عبدالسلام عارف). وتراشق كل جانب الاتهامات والانتقادات اللاذعة. ففي إحدى خطب عبدالناصر، خلال شهر أبريل عام ،1963 قال عن البعث: (إن الديمقراطية، التي يتحدث عنها حزب البعث، هي طبعاً ديمقراطية البعث في أن يقتل الناس ويضعهم في السجون، وفي أن يتآمر الحزب؛ لأن البعثيين أناس متآمرون وحكمهم مبنى على الإرهاب والدماء والقتل، الواحد يستغرب لما يشوف البلد كلها ضدهم، طبعا همّ جماعة كدابين، ما هي الأهداف اللي قاعدين من أجلها، بيقولوا وحدة واشتراكية وحرية، وهم غدروا بالوحدة، وغدروا بالحرية، الحرية بقيت سجون ومعتقلات، والاشتراكية اللي بيتكلموا عليها اشتراكية مزيفة، إحنا دفعنا لحزب البعث أموال، أموال كثيرة، سبعين ألف جنيه، وأربعين ألف جنيه في فترات متقاربة، والمبلغ استلمه ميشيل عفلق، واليوم يتحالف حزب البعث مع الاستعمار ومع أعوان الاستعمار، اسمعوا جميع محطات الاستعمار، وأقرأوا جميع صحف الاستعمار، والصحف العميلة وشوفوا بتقول إيه على حزب البعث، بيسقفوا لحزب البعث، وسعداء جدا بحزب البعث، دي الريحة اللي إحنا شفناها النهارده، واللي تدعو إلى الشبهه، راديو لندن يدافع عن حزب البعث، الجرايد الناطقة باسم الاستعمار باللغة العربية وباللغات الأجنبية بتدافع عن حزب البعث. إذن هل يستطيع البعث أن يسأل نفسه بعد هذا هل هو ماشى في الطريق الصحيح؟. لقد أصبح حزب البعث يعتمد على العناصر التي تعاونت مع الاستعمار ليضع البلاد داخل مناطق النفوذ الاستعمارية. حينما يكون حزب البعث خارج الحكم فهي الحرية البرلمانية، أما إذا كان في الحكم، فإن الحرية هي حرية الحزب الواحد، وهو حزب البعث).

       وأضاف عبدالناصر في مناسبة أخرى: (شعار الحرية لحزب البعث أن تكون المغانم للبعثيين، وتكون الفرص للبعثيين، وتكون المساواة للبعثيين، أما باقي الشعب فيحرم من المساواة ويحرم من حقه في الحياة، ويحرم من حقه في العيش، ويحرم من حقه في العمل. هذا هو شعار الحرية بالنسبة لهؤلاء الساسة، الذين احترفوا سرقة الشعارات، واحترفوا سرقة المبادئ، والذين آمنوا أن سبيلهم إلى تحقيق أهدافهم وتسلطهم، هو السبيل اللا أخلاقي، الذين يسيرون في طريق الاستعمار، ليحققوا أهداف الاستعمار، إذن حزب البعث اللي طول عمره كذاب، لما يطلع بيان من القيادة القومية بيكون هذا البيان كذاب. حزب البعثيين يتبع سياسة انتهازية، ويحاول يلعب بقضايا المصير، ولكن الشعب العربي كشفهم، والشعب العربي عارف أساليبهم، وعارف أساليب الغدر والطعن في الظهر، وعارف حقدهم).

       وفي المقابل وجه ميشيل عفلق عدة اتهامات لعبدالناصر، منها: (إن السياسة التي اتبعتها البيروقراطية الإقليمية العقائدية، التي تحكم القاهرة، كانت مع الأسف الشديد نسخة من السياسة التي كانت في القاهرة قبل عام 1952م. أي سياسة إقليمية توسعية، قصيرة النظر، تعمل لإضعاف الأقطار العربية، لتبقى هي المتفوقة والمسيطرة، فلا تقوم ثورة إلا إذا عملت لهذه الأجهزة).

       كما رددت إذاعة وصحف دمشق اتهامات حزب البعث لعبدالناصر، التي تصفه بالديكتاتور العربي، وبأنه يحاول إقامة إمبراطورية عربية ناصرية، تحقيقاً لمجده الشخصي، وأنه يريد وحدة عربية تحت زعامته وسيطرته …

التطور التاريخي لوضع الصحراء الغربيه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

– مشكلة الصحراء الغربية (البوليساريو)مبحث تمهيدي

التطور التاريخي لوضع الصحراء الغربيةبنهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر، قامت أوروبا بمحاولات استكشافية استهدفت مناطق عديدة في العالم، وخاصة في أفريقيا، بحثاً عن مناطق يوجد بها مواد أولية وأسواق لترويج بضائعها، إلا أن هذه الحملات سرعان ما تحولت إلى أطماع استعمارية أدت إلى استخدام القوة العسكرية في الاستيلاء على المناطق ذات الأهمية الحيوية ونهب ثرواتها الطبيعية،وكان من نتائج هذه الحملات ظهور مستعمرات جديدة على امتداد المحيط الأطلسي، حيث تسابقت الدول الاستعمارية على تقسيم مناطق النفوذ في شمال وشمال غرب أفريقيا، وكان الاستعمار البرتغالي أول من وصل إلى سواحل الصحراء، وبدأ يتوغل في الجنوب حتى وصل إلى عمق الصحراء الغربية عام 1436، وأطلقوا على إقليم الصحراء الغربية اسم وادي الذهب Roi Doouro وأقاموا بها عدة مراكز متناثرة، اتخذوا منها نقاط للانطلاق من أجل تجارة الرقيق، ونقلوا، بالفعل، أعداداً كبيرة من رقيق صنهاجة. وقـد شارك الأسبان البرتغاليين، فيما بعد، في إنشاء بعض المراكز الساحلية. غير أن هذه المراكز اندثرت، عندما ظهرت مواقع أخرى أكثر ملاءمة للإقامة والاستقرار، قرب مصاب الأنهار، في غربي أفريقيا؛ ولذلك، لم تجذب المنطقة انتباه الاستعمار الأوروبي، إلاّ في نهاية القرن التاسع عشر، وكانت الصحراء الغربية بحكم موقعها الإستراتيجي منطقة اتصال حيوية بين أفريقيا وأوروبا، ولذلك زادت أهميتها الاقتصادية، ومن خلال التنافس الاستعماري اضطر البرتغاليون إلى التخلي عن الصحراء الغربية لصالح أسبانيا.

وقد شهد أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين صراعات بين الدول الاستعمارية بهدف فرض السيادة على دول شمال أفريقيا، وفي مؤتمر برلين عام 1884 تم تقسيم أفريقيا بين الدول الاستعمارية، ولقد أكد هذا التقسيم سيطرة أسبانيا على الصحراء الغربية، إلا أن موقف القبائل الصحراوية من الاستعمار الأسباني كان متشدداً، حيث زاد الكفاح المسلح، ومع تفاقم الأوضاع والصعوبات التي واجهها الاستعمار الأسباني والفرنسي، تم إجراء العديد من المعاهدات بينهما بهدف ترسيخ نفوذهما في المنطقة، وسيطرت أسبانيا خلال هذه المعاهدات على معظم مناطق إقليم الصحراء الغربية. ومنذ منتصف القرن العشرين اشتد الكفاح المسلح، حيث تكون جيش التحرير المغربي، وخلاله بدأ تقلص منطقة النفوذ الأسبانية، والتي اقتصرت على إيفني والصحراء الأسبانية ـ سابقاً ـ بقسميها الساقية الحمراء ووادي الذهب، إلا أنها في الوقت ذاته قد عمدت إلى اتخاذ خطوات تدعم فصل الصحراء عن المغرب، وعلى الرغم من أن أسبانيا قد اضطرت إلى التسليم لسكان الصحراء بحق تقرير مصيرهم، إلا أنها ظلت تسعى إلى أن يمنح الإقليم حكماً ذاتياً على أن تستمر محتفظة بسيطرتها الاقتصادية، حيث أدى ذلك إلى زيادة عمق المشكلة وتنامي حدة التوتر بين كل من المغرب وموريتانيا والجزائر، والذي وصل في إحدى مراحله إلى صراع مسلح بسبب أهمية الصحراء الغربية لكل القوى الإقليمية المحيطة بها.

أولاً: الفتح الإسلامي للمغرب الأقصىقبل الرسالة المحمدية كان العرب الكنعانيون قد دخلوا المغرب منذ عام 480 قبل الميلاد، حيث ازداد امتزاجهم مع سكان هذه المناطق من البربر القدماء، ومع بعث الرسالة المحمدية تم إرساء نظام متكامل وضحت خلاله المعالم الأساسية للأمة العربية الإسلامية، فانطلقت الفتوحات الإسلامية، حيث أنزل المسلمون الهزيمة بالبيزنطيين، وبعد تمام فتح فلسطين تقدم عمرو بن العاص لفتح مصر عام 18هـ/639م ، ودخل رفح والعريش وبئر العبد، ثم انتهى إلى الفرما، وهي ميناء صغير على بحر الروم ـ البحر المتوسط حالياً ـ ثم اتجه للقنطرة ومنها إلى بلبيس، ثم اتجه بعد ذلك إلى رأس الدلتا حيث كان يقع جنوبها حصن بابليون واستولى عليه، ثم قرر عمرو بن العاص بعد ذلك المسير إلى الإسكندرية عاصمة مصر البيزنطية، وبدخوله الإسكندرية وتسليمها في عام 20هـ/641م. تم نقل عاصمة البلاد من الإسكندرية إلى موقع الفسطاط عند رأس الدلتا، بناءاً على أوامر عمر بن الخطاب. وبعد أن وقع عمرو بن العاص معاهدة الإسكندرية التي اكتمل بها فتح مصر في 16 شوال 21هـ/ 17 سبتمبر 642م، تقدم عمرو بن العاص لفتح برقة، واستمر تقدمه حيث فتح طرابلس عام 23هـ/ 644م.

وبذلك امتدت حدود الدولة الإسلامية غرباً حتى حدود ولاية إفريقية البيزنطية، كما تم ضم إقليم طرابلس إلى ولاية مصر، وتوقفت الفتوحات الإسلامية في المغرب بعض الوقت، حتى استقرت الأوضاع لمعاوية بن أبي سفيان وقيام الخلافة الأموية في دمشق عام 40هـ/ 661م، وبتولي أمر مصر عقبة بن عامر بن قيس عام 44هـ/ 664هـ، تم إعادة فتح برقة وطرابلس (اُنظر خريطة الفتوحات الإسلامية من 22 – 64 هـ)، وخلال الفترة من 50-55هـ/ 670-675م، حيث تولى عقبة بن نافع الفهري فتح المغرب بعد أن ولاه معاوية بن أبي سفيان، وتقدم إلى ولاية أفريقية وأنشأ فيها قاعدة سُميت القيروان ـ أي المعسكر ـ وبذلك أصبحت ولاية أفريقية يسكنها جماعة عربية وجماعات بربرية إسلامية مستعربة، ولم يكن ممكناً لدولة الخلافة أن تتخلى عن هذه الولاية الجديدة والتي أصبحت رابع الأمصار الإسلامية بعد الكوفة والبصرة والفسطاط.

خلال الفترة من عام 62-64هـ/ 681-683م، قام عقبة بن نافع بأكبر حملة قام بها قائد عربي على المغرب، حيث اقتحم مناطق البربر في جبال الأوراس حتى وصل إلى طنجة، وتقدم حتى دخل مدينة نارودانت وعبر نهر السوس وبلغ شاطئ الأطلسي، حيث بلغ نهاية بلاد المغرب. إلا أنه استشهد ومن بقي من جنوده عام 64هـ/ 683م، وكان لاستشهاده وما أبدى من بسالة صدى عظيم في المغرب، فعز الإسلام في نظر من لم يكن قد أسلم من البربر، حيث نشر عقبة بن نافع الإسلام باستشهاده أكثر من نشره إياه في حياته. وخلال الفترة من عام 69-71هـ/ 688-690م، تمكن زهير بن قيس البلوي من العودة إلى القيروان والانتقام لمقتل عقبة بن نافع، إلا أنه استشهد على يد الروم بالقرب من طرابلس. وخلال الفترة من عام 71-85هـ/ 690-704م، تمكن حسان بن النعمان الغساني من القضاء على الروم في ولاية إفريقية وسواحل المغرب، حيث قام بتدمير قرطاجنة وأنشأ ميناء تونس عام 84هـ/ 703م ، والتي كانت ثاني مدينة كبرى ينشئها العرب في المغرب، إلا أنه مع قيام ثورة الكاهنة زعيمة قبيلة جراوة الصهانجة في المغرب الأوسط، والتي تمكنت من هزيمة حسان وأرغمته على التراجع إلى برقة، ولكنه سرعان ما استطاع أن يعيد سيطرته على القيروان ووضع أسس النظام الإداري لولاية المغرب الكبير والتي تبدأ من برقة وحتى طنجة وساحل الأطلسي. وخلال الفترة من عام 85-92هـ/ 704-711م، تمكن موسى بن نصير من استكمال فتح المغرب، حيث وصل إلى بلاد السوس وأنشأ به ولاية سجلماسة، وبذلك كان فتح المغرب من أعظم الفتوحات الإسلامية التي قام بها عرب الأجيال الأولى، حيث استمرت قرابة سبعون عاماً، بذل فيها العرب جهوداً كبيرة لنشر الإسلام، وانضم برابرة المغرب عن بكرة أبيهم إلى الإسلام، وقسم العرب المغرب إلى أقسام، وجعلوا على رأس كل قسم عائلة من العرب، ونصبوا عليها أميراً، وأُطلق عليهم الأبطال المغاور. ولقد شيد العرب الفاتحون طرق المواصلات الصحراوية في الساقية الحمراء، والتي مكنت قوافل المسلمين من الانسياب إلى مجاهل أفريقيا، وقامت آنذاك دولة المرابطين، حيث استقطبت الدعوة الإسلامية سكان جميع الصحراء، وتوسع المرابطون واتجهوا شمالاً وأسسوا مملكة ضمت المغرب بأكمله، واتخذوا مراكش عاصمة لهم. (اُنظر خريطة الفتوحات الإسلامية من 69 – 92 هـ)

بانقسام المغرب في عصر الولاة إلى أربع مناطق كبرى، شملت ولاية إفريقية ثلاثة أقاليم، هي: طرابلس وبرقة والقيروان، حيث بدأ عصر الولاة في إفريقية من إنشاء القيروان وحتى قيام دولة الأغالبة عام 184هـ/ 800م. أما بالنسبة للمغرب الأوسط، فلقد استمر حتى عام 164هـ/781م حيث قامت فيه دولة بني رستم الخارجية في النصف الشرقي من المغرب الأوسط. وفي المغرب الأقصى بدأ عصر الولاة حوالي عام 90هـ/709م، وهي السنة التي قامت فيها دولة الأدارسة (اُنظر خريطة ولايات المغرب العربي). وفي عام 155هـ/772م، قامت دولة بني مدرار في سجلماسة، ويُعد عصر الولاة من أهم عصور تاريخ المغرب الإسلامي، إذ وقعت خلاله صراعات متعددة بين العرب والبلدانيين، وهم عرب الفتح، حيث أنشئوا جاليات عربية مغربية نازعت ولاة بني أمية الحكم، وكذلك بين العرب والبربر، وأيضاً بين أهل السنة والخوارج. ولقد بلغت هذه الصراعات ذروتها في الفتنة الكبرى التي بدأت عام 122هـ/740م، حين اختلطت عناصر السكان بعضها ببعض أثناء المعارك، وبذلت الدولة العباسية كل جهدها، مما أدى في النهاية إلى انتصار أهل السنة، وكانت هذه السنية هي الأساس القوي، الذي قامت عليه عروبة المغرب.

وفي عام 297هـ/909م، نشأت الدولة الفاطمية في المغرب ، حيث حاولت إقامة دولة جديدة ذات تنظيماً واسعاً للدعوة الشيعية الإسماعيلية، مما أدى إلى معارك عديدة بين السنية المالكية والشيعية الإسماعيلية على أرض ولاية إفريقية، انتهت بنزوح الخلافة الفاطمية من المغرب وانتقالها إلى مصر في عام 362هـ/973م. ولقد واجه المغرب بعد ذلك أعقد فترات الاضطراب، حيث أنشأ البربر أول دولة إسلامية لهم بعد أن استعربوا وأسلموا (اُنظر خريطة الدولة البربرية بشمال أفريقيا)، وكانت هذه الدولة هي دولة قبيلة التي استمرت تحكم المغرب الأوسط حتى عام 442هـ/1050م، حيث بدأ تدفق العرب من مصر إلى المغرب مرة أخرى. وخلال الفترة من 448-541هـ/ 1056-1146م نشأت دولة المرابطين في الصحراء الفاصلة بين المغرب الأقصى وحوض السنغال، وكانت القبائل التي أنشأتها مغربية، ومن أهمها قبائل صنهاجة الصحراء . وبانهيار دولة المرابطين بدأ قيام دولة الموحدين، والتي مرت بأربع مراحل أساسية هي:

المرحلة الأولى: الاستيلاء على مراكش عام 540هـ/1145م.

المرحلة الثانية: الاستيلاء على شمال المغرب عام 542هـ/1147م.

المرحلة الثالثة: فتح المغرب الأوسط والدخول للجزائر عام 548هـ/1153م.

المرحلة الرابعة: السيطرة على ولاية إفريقية ومدينة طرابلس عام 555هـ/1160م.

وبعد أن بدأ الصدع يحدق بالدولة الموحدية، تمكنت الدولة المرينية من بسط سلطانها على شمال المغرب كله حتى سبتة وطنجة ، وانقسم المغرب بذلك إلى أربع دول، هي: دولة الموحدون في جنوب المغرب ومركزهم مراكش، ودولة بني مرين في شمال المغرب الأقصى ومركزهم فاس ، ثم دولة بني زياد في شرقي المغرب الأوسط ومركزهم تلمسان، والدولة الحفصية في ولاية إفريقية. ولم تتوقف الحروب بين دول المغرب الأربع طوال القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، مما أدى إلى إضعاف هذه الدول جميعاً. (اُنظر خريطة الحدود التقريبية للمغرب العربي)

ثانياً: الحملة الصليبية على المغرب العربيكان ضعف الدولة الأموية في الأندلس، بعد حكم استمر سبعة قرون، من العوامل التي شجعت أوروبا على بدء حملتها الصليبية على الدولة الإسلامية، حيث أدى تفكك أقاليم المغرب، وكذلك سقوط الخلافة الإسلامية في الأندلس إلى انطلاق الاستعمار الأوروبي، حيث كان البرتغاليون هم المستكشفون الأوائل للمغرب، حيث أصبحت سواحل الصحراء المغربية ميداناً للمنافسة بين الأساطيل الأسبانية والبرتغالية ، وكانت الدول الأوروبية تطمع في فتح المغرب بهدف إقامة المبادلات التجارية، حيث كان للسواحل الصحراوية دوراً مهماً في التجارة مع السودان، لكونها الممرات والمسالك الوحيدة التي كانت تمر خلالها هذه التجارة، فأصبحت بذلك المغرب العربي مفتوحة للتدخلات الخارجية، حيث سعت كل الدول الاستعمارية الأوروبية إلى كسب صداقة المغرب والانفراد به متظاهرة بالدفاع عن سيادة السلطان واستقلال البلاد، إلا أن أسبانيا كانت تهتم أكثر من غيرها بالمغرب، نظراً لما يشكله من تهديد لسواحلها. وبسبب عوامل الضعف والتفكك التي أصابت البلاد المغربية في نهاية القرن الخامس عشر، أصبحت سواحل الصحراء المغربية ميداناً للمنافسة بين الأساطيل الأسبانية والبرتغالية، وتدخلت الكنيسة في العديد من المنازعات وُقِعَت خلالها عدة معاهدات بين الجانبين لتحديد مجال توسعها. ومع فقد البرتغاليون لاهتمامهم بالمنطقة، بدأت تزداد الأطماع التوسعية الأسبانية وغزوها سواحل المغرب الجنوبية، إلا أنه في عام 1524، فقدت أسبانيا السيطرة على قلعة سانتا كروز Santa Cruz، حيث استولى عليها سلطان المغرب.

مع زيادة الاهتمام الفرنسي بسواحل أفريقيا الغربية، خشيت أسبانيا من أن تتمكن فرنسا خلال توسعها الوصول عبر صحراء المغرب إلى الساحل الأطلسي وتنشأ قواعد حربية ومراكز تجارية تؤثر على الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية للمناطق التي تسيطر عليها أسبانيا، ولذلك كان هناك إصرار أسباني في الحصول على منطقة الجنوب المغربي طبقاً لاتفاقية عام 1860 بين المغرب وأسبانيا، والتي يتعهد فيها ملك المغرب بالتنازل إلى الأبد لأسبانيا عن الأراضي الكافية لإنشاء مركز لصيد الأسماك بالقرب من سانتا كروز بساحل المحيط الأطلسي. وكذلك بدأ تزايد شعور أسبانيا بالخطر الذي أصبح يهدد مصالحها في جزر كانارياس، وخاصة مع ظهور التجار البريطانيون في المنطقة، وكذلك زاد عدد الرعايا البريطانيين الذين أقاموا في الموانئ المغربية، حيث وصلت نسبتهم في عام 1858م إلى 40% من عدد الأجانب المقيمين في البلاد، ومن ثم زادت أهمية موانئ وسواحل المغرب الغربية بالنسبة لبريطانيا، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية. أما فرنسا فإن نفوذها السياسي والعسكري بدأ يزداد في الجزائر، وخاصة بعد أن استخدمتها مركزاً للانطلاق منه للقارة الأفريقية، وأمام هذا التوغل والتنامي الاقتصادي البريطاني من الغرب والضغط العسكري والسياسي الفرنسي على المغرب من الشرق، وجدت أسبانيا أنها قد تُجبر على إخلاء قواعدها في شمال المغرب، وخاصة في حجر باديس وأمام الحسيمة وفي سبتة ومليلة. ونظراً لأن هذا الوجود يرجع إلى أواخر القرن الخامس عشر، وكان استمراره ذا تكلفة مادية عالية لأسبانيا، لذلك كان هناك تفكير أسباني في ترك أو بيع هذه القواعد، إلا أن أهمية سبتة الإستراتيجية جعلت أسبانيا تتراجع عن هذا التفكير ، إضافة إلى روح العداء المستحكم مع المغاربة، التي كانت سبباً في العديد من الحوادث الخاصة بالخطوط الملاحية، التي كانت تهَاجَم من كلا الجانبين.

بدأ التوتر يزداد بين الجانبين المغربي والأسباني منذ عام 1858، خاصة بعد أن طالبت أسبانيا المغرب بتعويضات عن إحدى السفن التي هاجمها بعض المغاربة في مناطق الريف، مع أن المغرب استجابت للمطالب الأسبانية، إلا أنها حرّكت أسطولها إلى طنجة، كما عزّزت قواعدها العسكرية في شمال المغرب، حيث تم احتواء الأزمة في أغسطس 1859. إلا أن زيادة حدة الحوادث حول سبتة، أدت إلى إنشاء أسبانيا مراكز عسكرية جديدة أمام سبتة وفي داخل الأراضي المغربية، مما زاد من حدة التوتر ومعدل هجوم المغاربة على القوات الأسبانية. وأصبح الموقف يمهد إلى صدام بين الجانبين، مستنداً إلى المقومات المعنوية والدينية، واتخذ من شكل الحرب والجهاد بين الصليب والهلال إطاراً عاماً له. وأعدت أسبانيا قواتها، وكاد الموقف يتحول إلى صراع مسلح بين بريطانيا وأسبانيا، خاصة بعد أن حرّكت بريطانيا أسطولها لمنع أسبانيا من احتلال طنجة، بينما وجدت فرنسا أن مصلحتها الحيوية تحتم عليها عدم التدخل ضد أسبانيا. ولقد أدى ذلك إلى تنامي شعور معادٍ لدى أسبانيا ضد المغاربة، وأصبح هناك شبه تأييد من الرأي العام الأوروبي لعمليات أسبانيا العسكرية في الأراضي المغربية.

وبعد أن أعدت أسبانيا قواتها، التي بلغت حوالي 44 ألف مقاتل، ودعمتها بحوالي أربعة عشر سفن حربية، قامت بمهاجمة شمال المغرب، وتمكنت القوات الأسبانية من خلال هذه الهجوم القضاء على مقاومة المغاربة أمام سبتة، كما حاصر الأسطول الأسباني السواحل المغربية ودمر ما تبقى من الأسطول المغربي. ومع توقف الصراع المسلح أصرت أسبانيا خلال عملية الصلح في 16 مارس 1860 على أن تدفع المغرب غرامة مالية قدرها 11 مليون ريال، وكذلك اشترطت على توسيع أراضي القواعد الأسبانية في سبتة ومليلة، والتنازل عن جزء من الأراضي المغربية بالقرب من إيفني، وتم التوقيع على معاهدة بين أسبانيا والمغرب في 20 نوفمبر 1861، ووصل المغرب بهذه المعاهدة إلى نقطة تحول خطيرة، حيث أصبح من الصعب العودة إلى سياسة الانعزال، حيث بدأ زيادة النشاط التجاري والسياسي لكل من أسبانيا وبريطانيا وفرنسا في المنطقة، كما بدأ يتضح اهتمام أوروبا بالصحراء الغربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من خلال رحلات المستكشفون الفرنسيون وتوغلهم في أفريقيا الوسطى عام 1871 ، حيث فكر الأوربيون في عبور الصحراء الكبرى للاتصال بالأسواق الأفريقية والحصول على المواد الخام الاستوائية منها، ورغم فشل كل المحاولات التي قام بها المستكشفون، إلا أنها كانت تدل على رغبة جامحة في التغلب على الصحراء والوصول إلى عمق أفريقيا، حيث ظهرت بعض مشروعات إنشاء خطوط سكك حديدية عبر الصحراء، وظهر المغرب الأقصى في ذاك الوقت على أنه يفوق في أهميته الصحراء الغربية، خاصة وأنه كان يسيطر على جزء هام من تجارة القارة الأفريقية.

وفي عام 1883، أسست الشركة الأفريقية للمستعمرات ، وتمكنت من امتلاك حوالي 500 كم على الساحل، ما بين رأس بوجادور في الشمال حتى الرأس الأبيض في الجنوب، وبنت فيها مركزين تجاريين، كما تعهدت القبائل، التي باعت الأراضي لأسبانيا، بعدم السماح لإقامة أي مراكز تجارية أخرى باستثناء ما أقامته أسبانيا. وخلال هذه المرحلة كانت هناك محاولات متتابعة للشركات الأسبانية، للاستقرار في المنطقة التي امتلكتها، إلا أنها لم تتمكن من ذلك. وفي 26 ديسمبر 1884م، اتبعت الحكومة الأسبانية أسلوباً جديداً لإضفاء الشرعية على سياستها تجاه المنطقة، وإحكام قبضتها على الصحراء، حيث أعلنت رسمياً عن فرض حمايتها على الشاطئ الغربي الأفريقي بين خطي العرض 20ه و27ه، أي المنطقة المحصورة بين الرأس الأبيض وحتى رأس بوجادور، وبذلك التحديد تكون أسبانيا قد اقتصرت في حمايتها على هذه المنطقة، ولم تشمل أي مناطق شمالها تلافياً الاقتراب من “المخزن” وخوفاً من بريطانيا. كذلك ابتعدت عن جنوب المنطقة حيث كان الفرنسيون قد بدأوا في الوجود هناك. وفي إطار تأكيد السيادة الأسبانية على المنطقة، صدر مرسوم أسباني ملكي في 6 أبريل 1887م يحدد عمق المساحة التي امتلكتها أسبانيا بحوالي 150 ميلاً داخل الصحراء، وكان ذلك بسبب عجز الشركات الأسبانية التجارية من التغلغل في الصحراء الغربية، وكذلك عجزت عن إقامة علاقات ودية تعاونية مع الشيخ ماء العينين، الذي وضحت أهميته ومكانته من عام 1890.

     وبدأت كل من فرنسا وأسبانيا في التفكير الجدي حول إنهاء خلافاتهما، حتى يمكنهما مواجهة الأطماع البريطانية، الخاصة بمطالبة “المخزن” المغربي بساحل طرفاية. ولذلك بدأت المفاوضات في العاصمة الفرنسية باريس، بين كل من أسبانيا وفرنسا، بشأن غينيا والصحراء الغربية، ونتج عن هذه المفاوضات اتفاق باريس في 26 يونيه 1900، حيث جرى خلاله اقتسام الصحراء الغربية (اُنظر ملحق اتفاقية تحديد الممتلكات الفرنسية والإسبانية في أفريقيا الغربية، في ساحل الصحراء وساحل غينيا، الموقعة في باريس، بتاريخ 26 يونيه 1900)، وبموجب هذا الاتفاق سيطرت أسبانيا على وادي الذهب، وعملت فرنسا بعد ذلك على التقرب من بريطانيا، حيث استمرت المباحثات بينهما قرابة العامين، وفي 8 أبريل 1904 جرى توقيع اتفاق بين الجانبين هدف إلى إنهاء النزاعات الاستعمارية بما يحقق تعزيز الموقف الفرنسي في المغرب ويطمئن بريطانيا على موقفها في مصر، وكذلك تعهد الجانبان الفرنسي والبريطاني على مساعدة أسبانيا في توسيع نفوذها في المناطق شمال وادي الذهب . وفي 3 أكتوبر 1904 اتفق كل من فرنسا وأسبانيا سراً على تحديد مناطق النفوذ الأسبانية والفرنسية ، حيث انفتح المجال أمامهما لفرض سيطرتهما الكاملة على المغرب، ولم تواجه فرنسا أية معارضة إلا من ألمانيا، والتي عملت على ألا تسيطر فرنسا على مساحات كبيرة من المغرب.

وتضمن ذلك الاتفاق، كثيراً من الفقرات السِّرِّية، التي لم تعرف نصوصها، إلاّ بعد سنوات، وعلى وجه التحديد في 8 نوفمبر 1911 عندما نشرتها جريدة “لو ماتان” الفرنسية. وكانت هذه الفقرات، تتكون من إحدى عشرة فقرة سِرية، يمكن إيجازها على النحو الآتي:

ثالثاً: ردود الفعل المغربية تجاه السياسة الاستعمارية ومحاولات فرض السيطرةمع تزايد حدة الموقف بين فرنسا وألمانيا، عُقد مؤتمر الجزيرة الخضراء في 16 يناير 1906، وحضره معظم الدول الأوروبية . ورغم أنه خلال المؤتمر تم التأكيد على سيادة المغرب واستقلال السلطان، إلا أن الحقيقة كانت فقد المغرب لاستقلاله والجزء الأكبر من سيادته ، وتم الاعتراف لأسبانيا وفرنسا بوضع خاص في المغرب، وأصبح المخزن يواجه الأطماع التوسعية لفرنسا وأسبانيا على حدوده الشرقية والشمالية والجنوبية، وكان لفرض أوروبا لقرارات مؤتمر الجزيرة على المغرب تأثيراً واضحاً على الرأي العام، حيث كانت قرارات المؤتمر إجحافاً بحقوق البلاد ، وإذا كان المولى عبدالعزيز قد حاول أن يخفف من وطأة قرارات المؤتمر، إلا أنه فشل في الوقت الذي كانت ثورات الروجي والريسولي تهدد سلطانه وحكمه سياسياً وعسكرياً، وأدى ذلك إلى خروج كثير من المناطق عن طاعته، وأصبحت شبه مستقلة، وكذلك خرج العديد من الأسر الإقطاعية عن سلطان المخزن، وبدأ المغاربة ينظرون إلى كل أجنبي في البلاد على أنه عميل ودخيل يمهد إلى ضياع استقلال البلاد، مما أدى إلى زيادة حوادث قتل الأجانب خاصة الفرنسيين، وسرعان ما قررت الحكومة الفرنسية في 23 مارس 1907 احتلال مدينة وجدة، وكذلك عمدت إلى زيادة سلطاتها في شرق المغرب وإبعاد المغرب عن إقليم موريتانيا ، ولم تعارض الدول الأوروبية احتلال فرنسا لوجدة، إلا أن هذه العملية أثارت المغاربة، وأثارت المخزن نفسه، وحاول السلطان عبدالعزيز أن يحتوي الموقف وأن يصل إلى تفاهم مع الفرنسيين، لكن التهديد الفرنسي أجبره على الخضوع لفرنسا، إلا أن هذا الموقف أدى إلى إثارة روح المقاومة المغربية وبدأت الاضطرابات تظهر جنوب البلاد، كما وقفت قبائل الجنوب في مواجهة سلطان البلاد.

تجمعت القبائل حول مراكش، ووجهت إنذارها إلى المولى عبدالحفيظ نائب السلطان في المدينة، تطالبه بطرد الأجانب. وهددت هذه القبائل بالعصيان والخروج على طاعة المخزن في فاس. وكانت المفاوضات بين القبائل الثائرة والمولى عبدالحفيظ، هي التي هيأت الأوضاع لتولي المولى عبدالحفيظ زعامة الثورة، والوصول إلى عرش السلطنة. وكان الشيخ ماء العينين قد حضر إلى المغرب من موريتانيا، وأخذ في المناداة بالجهاد ضد الاحتلال الفرنسي، مما ساعد على انتشار روح الثورة في كل أنحاء البلاد، حتى وصلت إلى الدار البيضاء. وباقتراب رجال القبائل من المدينة، طالبوا رفع خط السكك الحديدية وإيقاف أعمال البناء في الميناء، ومغادرة الأجانب للمدينة فوراً، وحينما تباطأ العمال في تنفيذ هذه المطالب، خرّب رجال القبائل خط السكك الحديدية يوم 30 يوليه 1907م، كما وقع اشتباك بين الجانبين قتل فيه ثمانية أجانب، منهم خمسة فرنسيون. واتخذت فرنسا من هذه الأعمال ذريعة لتدخلها العسكري، حيث قررت تحريك قوتها البحرية إلى الدار البيضاء واحتلالها، بالاشتراك مع أسبانيا. وقد أدى ذلك إلى زيادة حدة التوتر والاصطدام، بين القوات الفرنسية والمغاربة، بمشاركة من جنود المخزن.

مع زيادة حدة الصراع المسلح بين الجانبين، وجدت القوات الفرنسية والأسبانية نفسها محاصرة في الدار البيضاء، خاصة وأن القبائل المحيطة بالمدينة بدأت تستعد للجهاد، ولذلك قامت القوات الفرنسية بتوسيع دائرة الصراع، وتمكنت من احتلال قلعة مديونة. ومع زيادة حدة الصراع، ووضوح عجز المولى عبدالعزيز في مواجهة الضغط الاستعماري الأوروبي، إضافة إلي الصعوبات التي واجهته، والتي تمثلت في ضعف إمكانياته المالية وموافقته على قرارات مؤتمر الجزيرة، وكذلك قيام فرنسا باحتلال وجدة والدار البيضاء والشاوية. ولقد أدت هذه التطورات إلي فقد المولى عبدالعزيز السيطرة على الحكم . كما أعلن المولى عبدالحفيظ نفسه سلطاناً على المغرب، لكي يجاهد من أجل الاحتفاظ باستقلال البلاد، حيث تم تولية المولى عبدالحفيظ السلطة في 16 أغسطس 1907 وبموافقة أعيان وعلماء وأشراف مدينة مراكش. وقد أظهر المولى عبدالحفيظ موافقته مع سياسة الجهاد والنضال، استناداً على الزعامات العربية الموجودة في جنوب المغرب. وبدأ الصراع بين الأخوين، واعتمد خلاله المولى عبدالعزيز على فرنسا، التي قدمت له كل العون والنصح حتى يتمكن من الاحتفاظ بعرشه. ولذلك اضطر إلى الموافقة على المطالب الفرنسية، سواء من حيث تعديل الحدود أم التعاون مع القوات الفرنسية، لإنشاء قوات تسيطر على مدينتي فاس وطنجة. وفقد بذلك المولى عبدالعزيز ما تبقى من سلطة وسمعة داخل البلاد، حيث أخذ أنصاره في الابتعاد عنه، واندلعت الثورة في مدينة فاس نفسها في أواخر شهر ديسمبر 1907.

وانتشرت بذلك الثورة في كافة الأراضي المغربية، بسبب توغل النفوذ الفرنسي العسكري والسياسي والاقتصادي في البلاد. كما كان لاضطراب الأوضاع المالية وانتشار الفوضى وعجز المولى عبدالعزيز، من العوامل التي حتّمت اختيار حاكمٍ جديدٍ. فقد اجتمع أشراف مدينة فاس في 3 يناير 1908 في المسجد الكبير، مع رؤساء القبائل المجاورة، وأعلنوا أن المولى عبدالعزيز لم يمتثل لقواعد الشرع، عند استيلاء الفرنسيين بالاستيلاء على عدة مدن، من دون أن يؤدي مهامه الأساسية وهي الدفاع عن استقلال البلاد. ولذلك أُعلن في الاجتماع عزل المولى عبدالعزيز، ومبايعة المولى عبدالحفيظ ، على أن يسعى إلى مقاومة معاهدة الجزيرة، التي توافق الأمة عليها. وكذلك عليه أن يعمل على استرجاع ما تم استقطاعه من الأراضي المغربية. كما اشترطوا عليه أنه إذا دعت الضرورة إلى إقامة وحدة، فليكن ذلك مع كافة الممالك المسلمة المستقلة، وإذا وجب مفاوضة الأجانب في أمور سلمية أو تجارية، فلا يتم عقد أية اتفاقات معهم، إلا بعد موافقة الأمة. وبذلك كانت بيعة فاس للمولى عبدالحفيظ مشتملة على شروط متعلقة باستقلال المغرب وسلامة أراضيه. كما شملت على تقييد السلطة دستورياً، والخضوع لمبدأ الشورى.

وقد أكدت هذه البيعة رفض الاعتراف بقرارات مؤتمر الجزيرة، كما أوضحت الأسلوب الواجب اتباعه مع الدول العربية والإسلامية، بدلاً من أن يدور المغرب بمفرده في فلك السياسة الأوروبية. ولذلك عمل المولى عبدالحفيظ، منذ توليه السلطة، على الاحتفاظ بشخصية خاصة متميزة حيال الدول العربية المجاورة، وكذلك الدول الإسلامية، وكان ذلك يمثل انتشار وقوة حركة الجامعة الإسلامية في المغرب الأقصى في ذلك الوقت ، كما نظر العلماء والفقهاء وعامة الشعب إلى سياسة المولى عبدالحفيظ، على أنها يمكن أن تخلص المغرب من الأخطار التي تهدده، وفي الوقت ذاته تتميز باتجاه وحدوي أصيل.

اتصل أهل مدينة فاس بالقبائل المحيطة بمدينتهم، لإعلان ولائهم للمولى عبدالحفيظ، كما شكلوا لجنة ثورية من العلماء والوجهاء للإشراف على حركة الجهاد، التي تم إعلانها، كما كونوا قوة عسكرية تقدمت شرقاً في اتجاه مدينة تازا لمواجهة القوات الفرنسية. ونجح بذلك المولى عبدالحفيظ في دخول مدينة فاس، عاصمة المغرب الشمالية في 6 يونيه 1908، رغم المقاومة المسلحة التي أبداها المولى عبدالعزيز والمساعدات الفرنسية التي قُدمت إليه. وقد كانت الثورة التي تزعمها المولى عبدالحفيظ بمثابة مواجهة مباشرة، ضد التدخل الأجنبي في المغرب، خاصة التدخل الفرنسي، ومع ذلك تباينت المواقف الفرنسية تجاه أحداث المغرب، حيث عدّ بعض الناس الانقسام الداخلي في المغرب ذريعة لزيادة التدخل الفرنسي، بينما اعتبرها البعض تهديداً للمصالح الفرنسية، خاصة أن حركة المولى عبدالحفيظ تعارض بقوة قرارات مؤتمر الجزيرة، وإذا كان بعض الفرنسيين طالبوا مواجهة حركة مولى عبدالحفيظ، وزيادة حجم القوات الفرنسية في الدار البيضاء ووجدة، إلا أن عناصر أخرى قد عمدت إلي تأييد المولى عبدالحفيظ وحركته بصفته سلطاناً شرعياً، كذلك حاولت قطاعات أخرى استغلال هذا الانقسام الداخلي في عمليات تهريب الأسلحة والذخائر إلى الحركة الثورية. ويتضح بذلك وجود انقسام في الرأي الفرنسي بشأن المغرب، ولذلك أعلنت فرنسا حيادها تجاه الصراع الداخلي، ولكنها أصرت على ضرورة تطبيق قرارات مؤتمر الجزيرة، خاصة فيما يتعلق بتنظيم وتشكيل القوات اللازمة لتحقيق الاستقرار والأمن والنظام في الإقليم. وكذلك كان الموقف لكل من بريطانيا وأسبانيا، حيث أعلنتا أنه إذا كان المولى عبدالعزيز هو صاحب الحق الشرعي في الحكم، فإن ذلك لا يمنعهما من التعامل مع المولى عبدالحفيظ على أساس أنه صاحب الحق الفعلي، في ممارسة الحكم.

بعد أن نجح المولى عبدالحفيظ في الوصول للسلطة، والسيطرة على مقاليد الحكم، كان عليه أن يسعى لتحقيق مطالب الرأي العام المغربي. ولذلك كان عليه أن يكون ثورياً وشعبياً ويستمر في جهاده، حتى يتمكن من تحقيق المهمة التي ألقيت على عاتقه. إلا أن الإمكانيات المادية التي توفرت لديه كانت محدودة، ولا تمكنه من تنفيذ البرنامج الذي كلفه به الرأي العام في المغرب . أما من الناحية السياسية، فقد أصبح يمثل عرش المغرب وبشكل يجبره على احترام الحقوق والتمسك بها واحترام تعهداته والوفاء بها. وقد حاول المولى عبدالحفيظ أن يكسب تأييد الدول الأوروبية، وكذلك دعم الرأي العام العالمي لحركته، إلا أنه وجد رفضاً قاطعاً من بريطانيا وأسبانيا وفرنسا، حيث استندوا إلى عدم رغبتهم في التدخل لاحتواء المشكلات والنزعات الداخلية، وأمام الضغوط الخارجية وانعدام الموارد الداخلية، اضطر المولى عبدالحفيظ إلى بدء مفوضات دبلوماسية مع فرنسا للوصول إلى اعتراف بشرعية حكمه، وفي الوقت ذاته إرضاء الأماني القومية لإجلاء القوات الأجنبية الموجودة بالمغرب. إلا أن هذه الجهود الدبلوماسية قد فشلت بسبب الشروط المجحفة التي كانت تفرضها فرنسا عليه، حيث كانت هذه الشروط إجبار للمولى عبدالحفيظ على الاختيار إما بالاستسلام أو الجهاد، ونظراً للإمكانيات المحدودة للمقاومة وعدم وجود تأييد أو دعم خارجي خاصة من ألمانيا، اضطر المولى عبدالحفيظ إلى التعهد بتأمين سلامة الرعايا الأجانب، كذلك اعترف بالمعاهدات التي عُقدت بين أسلافه وبين الدول الأوروبية، كما اعترف بميثاق الجزيرة ، وقد توسطت ألمانيا في المفاوضات على أساس قيام المغرب بتعويض فرنسا وأسبانيا مالياً عن عملياتهم الحربية، وكذلك تعويض الرعايا الأجانب عن خسائرهم، وبقبول المولى عبدالحفيظ بهذه الشروط، اعترفت الدول الأوروبية في نهاية ديسمبر 1908 بالمولى عبدالحفيظ سلطاناً على المغرب.

واضطر المولى عبدالحفيظ إلى الدخول في مفاوضات مع فرنسا، لإجلاء القوات الفرنسية من بعض المدن المغربية، خاصة من مدينتي الشاوية ووجدة، وكذلك لتسوية الديون المالية، واستمرت هذه المفاوضات خلال شهري فبراير ومارس 1909، واقترحت فرنسا سحب قواتها من المغرب تدريجياً، ولكن على أساس احتفاظها ببعض المراكز حول مدينة الدار البيضاء، وكذلك احتفاظها بالقوات شبه العسكرية ـ قوات القوم ـ التي أعدتها فرنسا ويقودها ضباط فرنسيون. كذلك أصرت فرنسا على ضرورة عدم تدخل المخزن وتأييده للزعيم ماء العينين وقادة الصحراء وموريتانيا، الذين أعلنوا جهادهم ضد القوات الفرنسية في الجنوب ، وكذلك طلبت فرنسا تعيين مفوضين سامين، أحدهما فرنسي والآخر مغربي، لمنطقة الحدود الجزائرية. وتحت الضغط الفرنسي وافق المغرب عل الاتفاقية، التي وُقعت في مارس 1910. وبعد التوقيع على هذه الاتفاقية أصرت أسبانيا على أن تدخل في مفاوضات مع المغرب، انتهت في 17 نوفمبر 1910، ومن خلالها تم تعيين مفوض مغربي يتعاون مع مفوض أسباني للسيطرة على القوات المغربية، التي تم تشكيلها ويقودها ضباط أسبانيون، كما تعهد السلطان بتسليم سانتا كروز إلي أسبانيا. وهكذا كانت هذه الاتفاقيات، التي تمت بين الدول الاستعمارية بعضها البعض، وكذلك بينها وبين المغرب، بمثابة وسائل ضغط استعمارية أدت إلي زيادة النفوذ الأجنبي في البلاد، ودفعت بالمغرب إلى الثورة، في الوقت الذي تمكنت الدول الاستعمارية من السيطرة الكاملة على المغرب.

ازداد تفاقم الأوضاع في المغرب، حين عجز المولى عبدالحفيظ عن المقاومة نتيجة لاشتداد الأزمة المالية، وكذلك سيطرة البعثة العسكرية الفرنسية على القوات المغربية ، إضافة إلى السياسة المالية التي اتبعها المولى عبدالحفيظ، ودفعت البلاد إلى الثورة ضد الاستعمار وضد السلطان، حيث شكلت قبائل بني مطير والشراردة حلفاً ضد المخزن في عام 1911. وعلى الرغم من المحاولات التي قام بها المولى عبدالحفيظ لاحتواء هذه القبائل، إلا أن العديد من القبائل كانت قد انضمت إلى الثورة، ووضح عجز المولى عبدالحفيظ في السيطرة على الموقف، خاصة وأنه كان يعتمد على ضباط فرنسيين لقيادة قواته، مما كان يثير روح الثورة والجهاد في نفوس المغاربة. وقد أدى تطور القتال بين الجانبين إلى تمكن الثوار من إتمام حصارهم لمدينة فاس ـ العاصمة ـ كما دخلوا مدينة مكناس، وأعلنوا المولى زين سلطاناً على المغرب. وكانت هذه الأحداث بمثابة فرصة مناسبة لفرنسا للتدخل ومساعدة المخزن، والمحافظة على سيادة السلطان. ولذلك تحركت القوات الفرنسية صوب العاصمة بعد أن استنجد المولى عبدالحفيظ بها، وتمكنت من دخول مدينة فاس يوم 21 مايو 1911، ووجدت أسبانيا أن هذه الأحداث مناسبة، فاختلقت بعض الحوادث بالقرب من مدينة العرائش حيث تمكنت يوم 9 يونيه 1911 من دخول مدينتي القصر الكبير والعرائش.

ازداد الموقف الأوروبي توتراً بسبب التدخل الفرنسي العسكري في المغرب الأقصى، خاصة مع زحف القوات الفرنسية على فاس ونزول القوات الأسبانية في العرائش، مما كان يؤكد تقسيم المغرب إلى مناطق نفوذ. وكانت ألمانيا، في الوقت ذاته، تبدي اهتمامها بالإقليم الجنوبي من المغرب، الذي يضم وادي السوس. ولذلك حركت ألمانيا إحدى قطعها البحرية نحو ميناء أغادير لحماية مصالحها، ووضح بذلك أن ألمانيا تحاول السيطرة على جنوب المغرب، كخطوة أولى ونتيجة طبيعية لدخول القوات الفرنسية إلى فاس . وقد أدت هذه التطورات إلى توتر العلاقات الدولية، وظهرت خلالها بوادر صدام مسلح عالمي، إلا أنه أمكن إجراء مفاوضات في برلين يوم 9 يوليه 1911 ، استمرت حتى بداية نوفمبر، اتفقت خلالها فرنسا وألمانيا على عدم عرقلة ألمانيا لمشروع الحماية الفرنسية. وقد أدى هذا الاتفاق إلى اضطرار المولى عبدالحفيظ التوقيع على معاهدة 30 مارس 1912 مع فرنسا ، وهي المعاهدة التي أثبتت سيادة فرنسا على المغرب، وحولتها إلى محمية فرنسية. وقد أحدث هذا التوقيع توتراً شاملاً داخل البلاد، حيث عُدّ استسلاماً وخيانة من السلطان ضد البلاد والإسلام.

مع رفض المخزن للحماية الفرنسية، وكذلك رفض المولى عبدالحفيظ التعاون مع الفرنسيين، تم تنصيب مولاي يوسف خلفاً له في 14 أغسطس 1912 . وكانت الفترة التالية لإعلان الحماية الفرنسية على المغرب الأقصى، هي فترة كفاح مسلح قامت بها العناصر الوطنية في جميع أنحاء المغرب، وحين أُعلنت الحرب العالمية الأولى عام 1914، كانت فرنسا قد تمكنت من فرض سيطرتها على البلاد، سواء في الجزائر أو المغرب ، ورغم أن فرنسا لجأت إلى التهدئة ، إلا أن رجال الجامعة الإسلامية قد نشطوا مع بداية الحرب العالمية الأولى، وتمكنت بعض العناصر الألمانية من الاتصال بقادة المغرب الأقصى. كما اتصلوا بالسلطان السابق المولى عبدالعزيز، وكذلك بالمولى عبدالحفيظ، كما اتصلوا بهبة الله ابن ماء العينين. إلا أن فرنسا تمكنت من السيطرة على الأوضاع، وشهدت السنوات التالية لنهاية الحرب العالمية الأولى عمليات تصفية للنفوذ والمصالح الألمانية في المغرب، لصالح فرنسا.

سعت أسبانيا إلى مد سيطرتها صوب الداخل، حيث كانت تحتل بعض النقاط والموانئ الساحلية، إلا أنها كانت غير قادرة على مد سلطاتها الفعلية على مناطق قبائل الريف المعروفة باسم الأمازيغ، ولقد شعر الأمير عبدالكريم الخطابي، وهو زعيم أكبر وأشهر قبائل الريف ـ قبيلة بنو رياغل ـ بالأهمية الاقتصادية للمناطق التي تسكنها قبائل الأمازيغ، واختار عبدالكريم أسبانيا دولة يتعاون معها لصالح الطرفين، مع تمسكه بحريته وسيادته، إلا أن الخلافات التي دبت بين الطرفين أدت إلى أن تفرض أسبانيا سيطرتها الفعلية على الإقليم، من خلال الحملات العسكرية، حيث تقدمت القوات الأسبانية في شهر أغسطس 1920 تجاه مناطق الريف، ولكنها وجدت مقاومة عنيفة من قبائل الريف. وبوفاة الشيخ عبدالكريم الخطابي، خلفه في قيادة القبيلة والثورة ابنه محمد عبدالكريم، الذي استمر في تدعيم قواته وسلطته، ومد نطاق دولته الثورية في منطقة الجبال . ولم يتراجع الأمير محمد عبدالكريم في استخدام الشدة والحزم ضد بعض القبائل الجبلية ـ الريفية ـ خاصة من تعاون منهم مع الأسبان. وهكذا أصبح محمد عبدالكريم الخطابي رئيساً لدولة وزعيماً لشعب، وقائداً لثورة. وأعلن هدفه في تحرير الريف والجبال، كما أعلن موافقته على ترك سبتة ومليلة لسيطرة الأسبان . ومع تزايد حدة القتال بين أسبانيا وثورة محمد عبدالكريم، أخذ الصراع يتسع لتشارك فيه القوات الفرنسية ضد ثورة الريف، وبذلك تضاربت المصالح والاتجاهات بين القوى الوطنية والقوى الاستعمارية في المنطقة، ووضح صعوبة التفاهم بين فرنسا وبين قادة الريف. كما أن فرنسا لم تقبل استمرار محمد عبدالكريم الخطابي في ثورته، وتهديد نفوذها في شمال أفريقيا. ومع شعور فرنسا بخطورة ثورة الريف عليها، وعلى مستعمراتها في شمال أفريقيا، قررت سرعة القضاء عليها، وحاول الأمير محمد عبدالله الخطابي أن يتوصل إلى اتفاق مع فرنسا للاعتراف باستقلال الريف، إلا أن محاولته باءت بالفشل، فبدأ الريفيون هجومهم على فرنسا منذ منتصف عام 1925.

وعلى الرغم من العمليات العسكرية البطولية التي خاضها الريفيون، إلا أن الفرنسيين اغتنموا فرصة توقف العمليات خلال فصل الشتاء، وتمكنوا من استمالة القبائل الموالية للأمير محمد عبدالكريم، حيث بدأت بعض هذه القبائل في الانفضاض من حوله. ولذلك لجأ الأمير محمد عبدالكريم إلى المفاوضات والصلح مع كل من فرنسا وأسبانيا، في أبريل 1926 ، إلا أن هذه المفاوضات فشلت على الرغم من استعداد الأمير محمد عبدالكريم للتنازل والانسحاب. وبدأت القوات الفرنسية والأسبانية هجومهما، وطلب محمد عبدالكريم وقف العمليات واستسلم للقوات الفرنسية، واستمر الزحف الأسباني حتى استُكمل احتلال الريف بأكمله. وفي صيف 1926 نشأت حركة الجامعة المغربية في الرباط، كذلك تأسس اتحاد الطلبة، وفي 27 أبريل من العام نفسه، تقرر دمج الحركتين تحت مسمى “حزب الاستقلال”. وأخذ طابع الحركة اتجاهاً تقدمياً ديموقراطياً، إلا أنه لم ينفصل عن المبادئ الروحية الإسلامية . وفي عام 1932 أصبح للحركة العديد من المؤيدين، ورفضت فرنسا بحث فكرة التفاوض مع الوطنيين، الذين يقودهم حزب الاستقلال، مع أن مطالبهم في بداية الحركة كانت تتمثل في تنفيذ معاهدة الحماية المعلنة عام 1912 . وبدأ العمل الوطني يأخذ طابعه الجماهيري بعد أن رفضت فرنسا قيام السلطان محمد الخامس بالصلاة في جامعة القرويين، التي كانت معقلاً من معاقل الحركة الوطنية التي كانت تأخذ النضال السياسي أسلوباً لها، ولكن هذا الأسلوب كان دائماً ما يشوبه الاضطرابات الدامية، بسبب النهج الاستعماري الفرنسي الذي كانت تتبعه فرنسا لإبعاد البربر عن المسلمين من خلال القوانين التي كانت تصدرها لتأكيد الفصل بين السلطات .

بدأت الاضطرابات تنتشر في البلاد منذ عام 1937، حيث بدأ ينتشر إصدار الصحافة المغربية، وتشكيل الأحزاب الوطنية المناهضة للاستعمار، ومنها كان حزب الإصلاح برئاسة عبدالخالق الطريس، وحزب الوحدة والاستقلال برئاسة محمد المكي الناصري، واللجنة التنفيذية برئاسة أحمد بلافريج. وكانت الحرب العالمية الثانية، التي شهدت انهيار فرنسا أمام ألمانيا، حيث نزلت القوات الأمريكية في مراكش عام 1942، وما تبع ذلك من ترحيب السلطان محمد الخامس بالرئيس الأمريكي روزفلت ، مما أدى إلى المطالبة بالاستقلال التام. وفي 11 يناير 1944، انعقد المؤتمر الوطني، الذي جعل الاستقلال هدفه الأول، كما أعلن ولاءه للأسرة الحاكمة، حيث طالب بتطبيق نظام الملكية الدستورية، وبمنح الحريات الديمقراطية لأفراد الشعب، كما استبدل الحزب بلقب السلطان لقب الملك، الذي سُمي منذ ذلك التاريخ “الملك محمد الخامس” . وتبدد الأمل في نفوس الوطنيين في المغرب بسبب عدم تمكن الحلفاء من تخفيف قبضة فرنسا على بلادهم، حيث اجتمعت الأحزاب الوطنية المغربية يوم 11 يناير 1944، وأعلنت ميثاقها، الذي تضمن أهداف المغرب الآتية:

1.     المطالبة بالاستقلال التام ووحدة الأراضي المغربية.

2.     إقرار الملكية الدستورية كنظام للحكم.

3.     التعاون بين الملك والشعب على تحرير البلاد وتحقيق الإصلاح.

وبذلك يكون قرار الوطنيين في المغرب، أن نظام الحماية لا يمكن أن يحقق طموحهم، وأن الاستقلال هو السبيل الوحيد. وزاد نشاط محمد الخامس، كذلك زادت حدة الاضطرابات الداخلية قام خلالها الفرنسيون بمذبحة كبيرة في الدار البيضاء، قُتل فيها أكثر من أربعة آلاف مواطن مغربي، واعتقل زعماء الأحزاب وأعلنوا حلها، كما اعتقل الملك محمد الخامس وأفراد أسرته، وأُبعد إلى مدغشقر. ومع استمرار الأحوال المضطربة في المغرب، وتحت ضغط الرأي العام الدولي، تراجعت فرنسا عن موقفها وأعادت الملك إلى عرشه بعد عامين من الصراع المرير، وعاد الملك بعد أن صدر تصريح مشترك بينه وبين فرنسا في 6 نوفمبر 1955، اعترفت فيه فرنسا باستقلال مراكش. وفي 2 مارس 1956 جرى التوقيع على اتفاقية تضمنت إلغاء الحماية والاعتراف باستقلال مراكش ووحدة الأراضي المغربية (اُنظر ملحق وثيقة الاستقلال الموقعة بتاريخ 2 مارس 1956، البيان المشترك بين المغرب وفرنسا). كذلك صدر في 6 أبريل 1956 بيان أسباني مغربي مماثل، استعاد خلاله المغرب حريته السياسية (اُنظر ملحق بيان استقلال المغرب بتاريخ 6 أبريل 1956، صادر من أسبانيا والمغرب)، واتخذت مراكش “المغرب” اسماً رسمياً للدولة.

رابعاً: رد فعل سكان الصحراء الغربية تجاه الاستعماربعد إعلان استقلال المغرب، حدد حزب الاستقلال الأراضي التي ما زالت تحت الاحتلال بالآتي:

1.     أراضٍ استمرت أسبانيا تسيطر عليها، تمثلت في مدينتي مليلة وسبتة في الشمال على البحر المتوسط، والجزر الجعفرية بمحاذاة الحسيمة وإقليم طرفاية، وهو يقع داخل الصحراء الغربية جنوب المنطقة، التي كانت تحت النفوذ الفرنسي، وإقليم إيفني، وإقليم الساقية الحمراء، ووادي الذهب جنوب طرفاية.

2.     أراضٍ استمرت فرنسا تسيطر عليها، وهي موريتانيا، التي تمتد من وادي الذهب إلى حدود السنغال، وأراضٍ في التخوم الشرقية ضمتها فرنسا إلى الجزائر وقت الاحتلال، وكذلك جزء تحت الحكم الدولي وهي طنجة التي كانت خاضعة لإدارة مختلطة تكونها مجموعة من الدول الغربية. (اُنظر شكل أماكن الاستعمار الفرنسي والأسباني)

وقد طالبت الحركة الوطنية، بعد توقيع معاهدتي الاستقلال مع فرنسا وأسبانيا، باستكمال استقلال المغرب، وكان رد فعل السلطات الاستعمارية سريعاً، حيث عقدت كل من فرنسا وأسبانيا اتفاقاً يتعلق بإقرار الحدود بين منطقتي الصحراء الغربية، التي تقع تحت نفوذ كل منها، وعملتا على فصل الصحراء عن المغرب وعن أفريقيا الغربية. إلا أنه مع عدم استكمال استقلال المغرب، توجهت عدة وحدات من جيش التحرير خلال عام 1956 إلى الصحراء الغربية، وانضمت إليها القبائل الصحراوية، وبذلك أصبح هذا الجيش يتكون من عناصر تنتمي لمختلف مناطق المغرب، من الريف والأطلسي وتافيلات والشاوية ودكالة والساقية الحمراء، ووادي الذهب وغيرها، مكوناً بذلك صورة من الإجماع الشعبي على استمرار الكفاح لإتمام التحرير والوحدة. وقد استقرت هذه القوات في باستيك، وأقا، وطاطا، وأصبحت هذه المناطق مراكز لتدريب الجيش، وتنظيم العمليات العسكرية، ونقط انطلاق القوات لخوض المعارك ضد الاستعمار، خاصة الأسباني .

لم يرغب جيش التحرير بدء عمليات الكفاح المسلح ضد الاستعمار الأسباني، في كل من مناطق أُيت باعمران والصحراء الغربية، بل فضل، أولاً، تحييد أسبانيا أثناء مواجهته القوات الفرنسية في صحراء تندوف وموريتانيا، لهذا طلب جيش التحرير من سكان إيفني وأيت باعمران إيجاد نوع من الهدنة مع أسبانيا، حتى يتم تحرير المناطق الأخرى، خاصة وأن أسبانيا كانت لا تعارض تحركات جيش التحرير بسبب تأزم العلاقات الفرنسية الأسبانية. كما أن أسبانيا فتحت مناطقها لأفراد المقاومة اللاجئين إليها، خوفاً من القمع الفرنسي. إلا أنه بعد تركيز الجيش وتجمعه، ووضوح قوته، بدأ توسيع دائرة المعارك لتشمل القوات الأسبانية والفرنسية، كذلك بدأت العمليات في كل من أيت باعمران ووادي الذهب والساقية الحمراء، خاصة بعد أن غيّرت أسبانيا مواقفها السياسية تجاه جيش التحرير، حيث بدأت تحد من تحركات وحداته، كما سمحت للجيش الفرنسي بشن عمليات عسكرية داخل مناطق نفوذها.

خامساً: معارك جيش التحرير ضد الوجود الفرنسي بالصحراء الغربيةبدأ جيش التحرير عملياته بالتوغل داخل الأراضي المستعمرة، ومهاجمة مراكز القوات الفرنسية في الصحراء الشرقية، التي كانت مسرح العمليات الأولى. فقد هاجمت قوات جيش التحرير في يونيه 1956 مركز أم العشار الفرنسي ـ ويبعد 130 كم من شمال تندوف ـ ودُمر المركز وقُتل قائده. وكانت هذه العملية بمثابة فتح جبهة جديدة ضد القوات الفرنسية بغرض تشتيت جهودها، كما كان ذلك مساندة للثورة الجزائرية، حيث عزّزت فرنسا قواتها في تندوف، في الوقت الذي كانت فرنسا تركز جهودها ضد الثورة الجزائرية. وفي أكتوبر 1956 توترت الأوضاع في الجنوب، حين تحركت القوات البرية الفرنسية صوب الجنوب من مختلف مناطق المغرب، فخرجت المظاهرات الشعبية، وأعلن إضراب شامل في أغادير، وحاصرت قبائل الجنوب الطرق، التي تمر منها القوات الفرنسية وشلت الحركة. وفي 12 يناير 1957 نفّذ جيش التحرير هجمات متعددة داخل موريتانيا، نتج عنها خسائر بشرية في الجانبين، وعلى الرغم من عدم تمكن جيش التحرير من تحقيق مهمته، إلا أنه كسب تأييداً سياسياً، خاصة من الحكومة الموريتانية. ولأن العمليات العسكرية لجيش التحرير، كانت تتسم بطابع التحدي وتتخذ الأسلوب الانتحاري، فقد أدى إلى ذلك إلى اتخاذ فرنسا عدة إجراءات ضد جيش التحرير، منها إدماج مدينة تندوف بالمناطق التي تحتلها بالجزائر، كذلك سارعت فرنسا للاتفاق مع أسبانيا على سرعة القضاء على مراكز جيش التحرير في الصحراء الغربية. وظهرت بوادر هذا الاتفاق خلال المعارك التي دارت شمال موريتانيا، حيث توغلت القوات الجوية والبرية الفرنسية داخل وادي الذهب، لتتبع جيش التحرير. كما اعترضت القوات الأسبانية وحدات جيش التحرير عند عودتها من شمال موريتانيا وسحبت أسلحتهم. ويعد هذا الموقف بداية لتوتر العلاقات بين جيش التحرير والجيش الأسباني، وبداية للتحالف الفرنسي الأسباني، الذي عجّل بانفجار العلاقات بين جيش التحرير والأسبان. فقد اتفق الجانبان الفرنسي والأسباني على خطة عمل مشتركة لمواجهة جيش التحرير وصد هجماته، وعقدت اتفاقية تضمنت الآتي :

1.     منع تسرب أفراد جيش التحرير إلى داخل الصحراء الغربية.

2.     فرض حصار اقتصادي في الحدود بين الشمال المستقل، والمنطقة التي تحتلها أسبانيا.

3.     الدفاع المشترك عن الصحراء، والعمل على عدم دمجها في المغرب.

4.     استغلال مشترك للمعادن الموجودة بالصحراء الغربية والشرقية.

5.     تعزيز قوات الجيش الأسباني بقوات فرنسية لمواجهة تحركات جيش التحرير.

واستمرت حملات الجيش الفرنسي جنوب وادي الذهب، بهدف تدمير جيش التحرير، الذي اضطر إلى تجميع قواته في عدة مراكز شمال الصحراء الغربية. وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهها، فإنه لم يتوقف عن مهاجمة القوات الفرنسية، حتى أمكنه معاودة هجوم مركز أم لعشار في 6 أغسطس 1957، رغم قوة الحراسة على هذا المركز، وكان الهجوم رداً عملياً لدحض الادعاء الفرنسي، بعدم وجود خطر يهدد المنطقة.

سادساً: معارك جيش التحرير ضد الوجود الأسباني بالصحراء الغربيةبعد أن أخفقت الاتصالات مع أسبانيا، وتمادت القوات الاستعمارية في استخدام قواتها العسكرية، تحمّل جيش التحرير مسؤوليته في استكمال تحرير الأراضي المغربية، بمشاركة فعالة لمواطني باعمران. وكانت أسبانيا قد بدأت بحشد قواتها، بداية من سبتمبر 1957، في كل من مناطق الداخلة والعيون وطرفاية وإيفني. كما شنت القوات الأسبانية هجوماً على قبيلة أصبويا بأيت باعمران، وفرضت قيوداً على القبائل، ومنعت دخولهم أو خروجهم إلى هذه المناطق. كما تركّز الهجوم الأسباني على مركز حزب الاستقلال بمدينة العيون في 11 سبتمبر 1957، حيث اعتقلوا العديد من أفراد القبائل ومزّقوا العلم المغربي، فثارت الجماهير المغربية، يتزعمها الشيخ الأغطف ابن الشيخ ماء العينين. وخلال هذه الثورة الشعبية بدأ الكفاح المسلح منطلقاً من آيات باعمران اعتماداً على المتطوعين، وهاجمت وحدات جيش التحرير يوم 13 نوفمبر 1957 ثمانية عشر مركزاً أسبانياً، وحققت العديد من الانتصارات، رغم اختلال ميزان القوى لصالح القوات الأسبانية. ونتج عن ذلك تنسيق بين القوات الفرنسية والأسبانية، لتنفيذ خطة ـ عملية الإعمار ـ للاشتراك في تطهير الصحراء من جيش التحرير. وتمكنت القوتان، الفرنسية والأسبانية، من هزيمة جيش التحرير وإجباره على التراجع لإعادة تنظيم قواته عسكرياً وسياسياً، حيث تمكن بعد ذلك من شن هجمات متعددة ضد القوات الفرنسية على الحدود الشرقية، واستطاع أن يفرض وجوده في منطقة تندوف.

وقد واجه جيش التحرير المغربي الهجمات الاستعمارية الموسعة، على الرغم من ضعف إمكانياته، متشبثاً بالمبادئ التي التزم بها، حيث كان مطلبه الأساسي الاستقلال ووحدة الأراضي المغربية. وقد ثبت خلال هذه المرحلة مدى ارتباط الشمال المغربي بجنوبه، ومدى التماسك بين قبائل الصحراء وحركات المقاومة، ومع تضافر جهود القوات الفرنسية والأسبانية، أمكن إيقاف أعمال قتال جيش التحرير، كما شرعت فرنسا في إنشاء ما سُمي بالمنطقة المشتركة للأقاليم الصحراوية. إلا أنه في 23 نوفمبر 1957، نشب قتال واسع النطاق بين القوات الأسبانية وقوات جيش التحرير على قطاع إيفني جنوب مراكش. وفي أول ديسمبر دعمت أسبانيا قواتها البحرية في المياه المغربية، وتوجهت مباشرة إلى إيفني، وأعلنت أسبانيا في تصريح لها أنها تعتزم استمرار فرض سيطرتها على الساقية الحمراء ووادي الذهب، وفي أوائل عام 1958 أعلنت أسبانيا أنها قررت ضم إيفني إلى جزر الخالدات الأسبانية . وفي 10 يناير 1958 صدر قانون أسباني لإنشاء إقليم الصحراء منفصلاً عن إيفني، على أن يتولى إدارة إقليم الصحراء المقيم العام التابع لرئاسة الحكومة، كما أصبح الإقليم ممثلاً في البرلمان الأسباني بثلاث نواب، وبهذا القانون تكون أسبانيا قد أعلنت دمج إقليم الصحراء الغربية ضمن الأراضي الأسبانية، ولذلك تجدد كفاح جيش التحرير المغربي، حتى تمكن من تحرير معظم الصحراء الغربية وطرد القوات الأسبانية منها، وتمكن من السيطرة على كافة مناطقها باستثناء المنطقة الساحلية ومنطقة الداخلة ـ العاصمة ـ إلا أنه من خلال التنسيق العسكري الفرنسي ـ الأسباني أمكن استرداد الأراضي المحررة، ولتخفيف حدة التوتر دعت أسبانيا المغرب لمفاوضات مباشرة لإنهاء الصراع المسلح، وأسفرت هذه المفاوضات عن تنازل أسبانيا للمغرب عن منطقة طرفاية والمنطقة المحيطة بسيدي إيفني في إطار معاهدة سنترا والتي تم التوقيع عليها بين المغرب وأسبانيا في 8 مارس 1958، في حين تمسكت فرنسا بموريتانيا. ولقد هدفت أسبانيا من هذه المعاهدة إيقاف المقاومة الشعبية المغربية ضد الوجود الأسباني، وكذلك إحراج فرنسا المسيطرة على الطرف الآخر من الصحراء وموريتانيا.

وظلت أسبانيا تتمسك بمنطقتي إيفني والصحراء الغربية، كما كانت المغرب تطالب بهما. ولكن في الوقت ذاته انشغل المغرب بالمطالبة بإقليم موريتانيا نفسه، إذ كان المغرب يرى أنه من خلال ضم موريتانيا، يمكنه ضم الصحراء الغربية.

فلسفة السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: وليد حسين المطيري336

الفلسفة السياسية : تعني التفكير المجرد المرتبط بالوجود السياسي ويمكن تحديدها النظام العام للقيم التي تحكم الوجود السياسي وهي ذاتية ومتعددة وتتجه للمستقبل ونسبية الفلسفة السياسية هي من فروع الفلسفة كما أنها في نفس الوقت فرعا من فروع العلوم السياسية ، أيضا يصنفها أرسطو ضمن العلوم التطبيقية ، نظرا لارتباطها بالممارسة العملية .
والفلسفة السياسية هي إحدى المحاور الأساسية لموضوعات الفكر السياسي ، وتتناول كذلك السياسات المتبعة أو التي يجب أن تتبع ، عن الملكيات العامة والخاصة وعن القانون : ماهي ولماذا يحتاجها الإنسان وماهي معايير اعتبار حكومة ما شرعية وماهي الحقوق والحريات التي يجب أن تقيد ، ولماذا وكيفية إجراء التقييد عليها ولماذا ، كما تعرف فلسفة السياسة القانون وتحاول تحديد واجبات المواطن تجاه حكومته الشرعية – إن كانت تحكمه حكومة شرعية.
تعود الفلسفة السياسية للرغبة في التفكير في ما تطرحها الحياة السياسية من مشكلات ، تستعصي على الفهم والحل ، وهي تختلف عن علم السياسة من جهة أنه إحصاء وترتيب للنظم السياسية، وتختلف عن علم الاجتماع السياسي من جهة ما هو بحث في الأبعاد الاجتماعية للتجربة السياسية .

فلاسفة سياسيون .

أفلاطون :
فيلسوف يوناني ولد سنة 427 ق.م له عدة رؤى في التنظيم السياسي والعدالة والتعليم والنظام الأجتماعي وكان طابعه فلسفي بشكل عميق ويعاب عليه بأنه كان يفصل الأمور عن الواقع, وله عدة كتب تحدث بها عن شكل الحكومة وطبيعتها ومنها: كتاب الجمهورية، وكتاب السياسي، وكتاب القوانين.

مايكل ساندل :
فيلسوف سياسي أمريكي معاصر يشتهر بحواره عن مفهوم العدالة.

تشارلز تيلور :
فيلسوف سياسي كندي معاصر معروف بكونه أحد أعمد الجماعانية.

أفرام نعوم تشومسكي :
فيلسوف لغوي وسياسي أمريكي معاصر يشتهر بمواقفه السياسية المعارضة للسياسة الأمريكية الداخلة والخارجة.

فلسفة السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: وليد حسين المطيري336

الفلسفة السياسية : تعني التفكير المجرد المرتبط بالوجود السياسي ويمكن تحديدها النظام العام للقيم التي تحكم الوجود السياسي وهي ذاتية ومتعددة وتتجه للمستقبل ونسبية الفلسفة السياسية هي من فروع الفلسفة كما أنها في نفس الوقت فرعا من فروع العلوم السياسية ، أيضا يصنفها أرسطو ضمن العلوم التطبيقية ، نظرا لارتباطها بالممارسة العملية .
والفلسفة السياسية هي إحدى المحاور الأساسية لموضوعات الفكر السياسي ، وتتناول كذلك السياسات المتبعة أو التي يجب أن تتبع ، عن الملكيات العامة والخاصة وعن القانون : ماهي ولماذا يحتاجها الإنسان وماهي معايير اعتبار حكومة ما شرعية وماهي الحقوق والحريات التي يجب أن تقيد ، ولماذا وكيفية إجراء التقييد عليها ولماذا ، كما تعرف فلسفة السياسة القانون وتحاول تحديد واجبات المواطن تجاه حكومته الشرعية – إن كانت تحكمه حكومة شرعية.
تعود الفلسفة السياسية للرغبة في التفكير في ما تطرحها الحياة السياسية من مشكلات ، تستعصي على الفهم والحل ، وهي تختلف عن علم السياسة من جهة أنه إحصاء وترتيب للنظم السياسية، وتختلف عن علم الاجتماع السياسي من جهة ما هو بحث في الأبعاد الاجتماعية للتجربة السياسية .

فلاسفة سياسيون .

أفلاطون :
فيلسوف يوناني ولد سنة 427 ق.م له عدة رؤى في التنظيم السياسي والعدالة والتعليم والنظام الأجتماعي وكان طابعه فلسفي بشكل عميق ويعاب عليه بأنه كان يفصل الأمور عن الواقع, وله عدة كتب تحدث بها عن شكل الحكومة وطبيعتها ومنها: كتاب الجمهورية، وكتاب السياسي، وكتاب القوانين.

مايكل ساندل :
فيلسوف سياسي أمريكي معاصر يشتهر بحواره عن مفهوم العدالة.

تشارلز تيلور :
فيلسوف سياسي كندي معاصر معروف بكونه أحد أعمد الجماعانية.

أفرام نعوم تشومسكي :
فيلسوف لغوي وسياسي أمريكي معاصر يشتهر بمواقفه السياسية المعارضة للسياسة الأمريكية الداخلة والخارجة.

فلسفة السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: وليد حسين المطيري336

الفلسفة السياسية : تعني التفكير المجرد المرتبط بالوجود السياسي ويمكن تحديدها النظام العام للقيم التي تحكم الوجود السياسي وهي ذاتية ومتعددة وتتجه للمستقبل ونسبية الفلسفة السياسية هي من فروع الفلسفة كما أنها في نفس الوقت فرعا من فروع العلوم السياسية ، أيضا يصنفها أرسطو ضمن العلوم التطبيقية ، نظرا لارتباطها بالممارسة العملية .
والفلسفة السياسية هي إحدى المحاور الأساسية لموضوعات الفكر السياسي ، وتتناول كذلك السياسات المتبعة أو التي يجب أن تتبع ، عن الملكيات العامة والخاصة وعن القانون : ماهي ولماذا يحتاجها الإنسان وماهي معايير اعتبار حكومة ما شرعية وماهي الحقوق والحريات التي يجب أن تقيد ، ولماذا وكيفية إجراء التقييد عليها ولماذا ، كما تعرف فلسفة السياسة القانون وتحاول تحديد واجبات المواطن تجاه حكومته الشرعية – إن كانت تحكمه حكومة شرعية.
تعود الفلسفة السياسية للرغبة في التفكير في ما تطرحها الحياة السياسية من مشكلات ، تستعصي على الفهم والحل ، وهي تختلف عن علم السياسة من جهة أنه إحصاء وترتيب للنظم السياسية، وتختلف عن علم الاجتماع السياسي من جهة ما هو بحث في الأبعاد الاجتماعية للتجربة السياسية .

فلاسفة سياسيون .

أفلاطون :
فيلسوف يوناني ولد سنة 427 ق.م له عدة رؤى في التنظيم السياسي والعدالة والتعليم والنظام الأجتماعي وكان طابعه فلسفي بشكل عميق ويعاب عليه بأنه كان يفصل الأمور عن الواقع, وله عدة كتب تحدث بها عن شكل الحكومة وطبيعتها ومنها: كتاب الجمهورية، وكتاب السياسي، وكتاب القوانين.

مايكل ساندل :
فيلسوف سياسي أمريكي معاصر يشتهر بحواره عن مفهوم العدالة.

تشارلز تيلور :
فيلسوف سياسي كندي معاصر معروف بكونه أحد أعمد الجماعانية.

أفرام نعوم تشومسكي :
فيلسوف لغوي وسياسي أمريكي معاصر يشتهر بمواقفه السياسية المعارضة للسياسة الأمريكية الداخلة والخارجة.

مؤلَّفات افلاطون

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الهويدي36336

مؤلَّفاته

الجمهورية لأفلاطون
يغلب على مؤلفات أفلاطون طابع المحاورة وهو أسلوب كان شائعاً في العصر الذي ازداد فيه نشاط السفسطائيين وسقراط.[14] يعد أفلاطون أول فيلسوف يوناني وصلتنا جميع مؤلفاته ولكننا لا نستطيع لأن نجزم بأن كل ما وصل إلينا من كتب تحمل اسم أفلاطون تصح نسبتها إليه، فقد أثبت النقد التاريخي أن هناك محاورات منحولة نسبت إلى أفلاطون وقد ثبت انه ليست له، وعلى هذا فإننا نكتفي هنا بالإشارة إلى المؤلفات التي تعرف مؤرخو الفلسفة على صحة نسبتها إليه.أما من حيث تصنيف هذه المؤلفات فقد تمكن العلماء-بعد دراسة أسلوب المحاورات وموسوعاتها من ترتيبها على هيئة تصنيف زمني تطوري حسب أطوار حيتة المؤلف فهناك مؤلفات ترجع إلى عهد الشباب وأخرى تم تأليفها بعد إنشاء الأكاديمية ،أما المجموعة الثالثة فهي من إنتاج أفلاطون في عهد الشيخوخة.
المأدبة أو “في الحب”: يبيِّن هذا الحوار، الذي جرى تأليفه في العام 384 ق م، كيف أن ولوج الحقيقة يمكن أن يتم بطرق أخرى غير العقل، وليس فقط عن طريقه: لأن هناك أيضًا وظيفة للـقلب، تسمح بالانتقال من مفهوم الجمال الحسِّي إلى مفهوم الجمال الكامل للمثال الجلي.
والقصة هي قصة الشاعر أغاثون الذي أقام في منزله مأدبة للاحتفال بنجاح أول عمل مسرحي له. وفي هذه المأدبة طُلِبَ من كلِّ المدعوين، ومن بينهم سقراط، أن يلقوا كلمة تمجِّد إله الحب – وخاصة أريستوفان الذي طوَّر أسطورة الخنثى البدئية. ويقوم سقراطمن تقريظ الجمال، بمحاولة لتحديد طبيعة الحب، متجنبًا الوقوع في شرك الجدال، أخيرًا إلى حبِّ العلم. لأنه، وبسبب كونه رغبةً في الخلود وتطلعًا إلى الجمال في ذاته، يقودنا الحبُّ الأرضي إلى الحبِّ السماوي. وهذا هو معنىndel– الذي هو أحد أجمل الحوارات – لم تتدنَّ خلال تاريخ الفلسفة كلِّه: حيث نجد صداه، مثلاً، في العقيدة المسيحية للقديس أوغسطين، الذي كان يعتقد بأن “كلَّ فعل محبة هو، في النهاية، حب للإله”.
فيدون : يدور هذا الحوار في الحجرة التي كان سقراط ينتظر الموت فيها. لأن الحضور، وانطلاقًا مما كان يدَّعيه بأن الفيلسوف الحقيقي لا يخشى الموت، يدعو المعلِّم لكي يبرهن على خلود النفس. وهنا، يجري بسط أربع حجج أساسية:
الحجة الأولى، التي تستند إلى وجود المفارقات، تقول إنه، انطلاقًا من الصيرورة المستمرة للأشياء، ليس في وسعنا فهم شيء ما (النوم مثلاً) دون الاستناد إلى نقيضه (اليقظة ليس حصرًا). ولأن الموت يبيِّن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الآخرة، فإنه من المنطقي الاعتقاد بأن “الولادة من جديد” تعني الانتقال منه إلى الحياة. وبالتالي، إذا كانت النفس تولد من جديد، فإن هذا يعني أن التقمص حقيقة طرمة زيه.
أما الحجة الثانية، فهي تستند إلى تلك الأفكار التي ندعوها بـالذكريات. لأن ما نواجهه في العالم الحسِّي إنما هو أشياء جميلة، لكنها ليست هي الجمال. لذلك ترانا نحاول تلمس هذا الأخير من خلال تلك الأشياء، التي، باستحضارها، تعيدنا حتمًا إلى لحظات من الحياة فوق الأرضية كانت روحنا فيها على تماس مباشر مع الطهارة.

أكاديمية أفلاطون في أثينا
وتقول الحجة الثالثة إنه يمكن شَمْلُ كلِّ ما في الوجود ضمن مقولتين اثنتين: المقولة الأولى تضم كلَّ ما هو مركَّب (وبالتالي ممكن التفكك) أي المادة؛ والمقولة الأخرى التي تشمل ما هو بسيط (أي لا يمكن تفكيكه)، كجزء مما هو مدرَك، أي الروح.
وعندما يلاحظ كيبيوس بأن سقراط، الذي برهن على إمكانية انتقال الروح من جسم إلى آخر، لم يبرهن على خلود هذه الأخيرة في حدِّ ذاتها، يجيبه سقراط من خلال عرض مسهب، يتطرق فيه إلى نظرية المُثُل، حيث يبيِّن في نهايته أن الروح لا تتوافق مع الموت لأنها من تلك العناصر التي ليس بوسعها تغيير طبيعتها.
وينتهي الحوار بعرض طويل لمفهومي العالم العلوي والمصير الذي يمكن أن تواجهه النفس: حيث ترتفع النفوس الأكمل نحو عالم علوي، بينما ترسب النفوس المذنبة في الأعماق السفلى. وتكون كلمات سقراط الأخيرة هي التي مفادها بأنه مدين في علمه لأسكليبيوس (إله الطب والشفاء) – من أجل تذكيرنا رمزيًّا بأنه يجب علينا شكر الإله الذي حرَّره من مرض الموت.
الجمهورية أو “في العدالة”: يشكل هذا الحوار، المجموع في عشر كتيبات تمت خلال عدة سنوات (ما بين أعوام 389 و369 ق م)، العمل الرئيسي لأفلاطون المتعلِّق بـالفلسفة السياسية.
يبدأ سقراط بمحاولة تعريف العدالة استنادًا إلى ما قاله عنها سيمونيدِس، أي “قول الحقيقة وإعطاء كلِّ شخص حقه”. هذا التعريف مشكوك في ملاءمته، لأنه يجعلنا نلحق الضرر بأعدائنا، مما يعني جعلهم، بالتالي، أسوأ وأظلم. كذلك أيضًا يستبعد تعريف السفسطائي ثراسيماخوس الذي قال بأن “العدل” هو ما ينفع الأقوى.
ونصل مع أفلاطون إلى التمعُّن في مفهوم الدولة العادلة – تلك التي تعني “الإنسان مكبَّرًا” – القائمة على مشاعية الأملاك والنساء، اللواتي لا يكون التزاوج معهن انطلاقًا من الرغبات الشخصية، إنما استنادًا لاعتبارات النسل – تلك المشاعية الخاضعة لمفهوم التقشف الصحي، أي المعادي للبذخ؛ تلك الدولة القائمة على التناغم والمستندة إلى فصل صارم بين طبقاتها الأساسية الثلاث التي هي: طبقة الفلاسفة أو القادة، وطبقة الجنود، وطبقة الصنَّاع – والتي هي على صورة التوازن القائم بين المكونات الثلاث للنفس الفردية. ونلاحظ هنا، من خلال العرض، أن الطبقة الدنيا (أو طبقة الصنَّاع) لا تخضع لمتطلَّبات الملكية الجماعية لأنها لن تفهمها انطلاقًا من مستوى إدراكها.
ويفترض سقراط أنه على رأس هذه الدولة يجب وضع أفضل البشر. من هنا تأتي ضرورة تأهيلهم الطويل للوصول إلى الفهم الفلسفي للخير الذي يعكس نور الحقيقة وينير النفس، كما تنير الشمس أشياء عالمنا (استعارة الكهف).
ذلك لأن الظلم يشوِّه، بشكل أو بآخر، كافة الأشكال الأخرى من الدول، التي يعدِّدها أفلاطون كما يلي: الدولة التيموقراطية (التي يسود فيها الظلم والعنف)، الدولة الأوليغارخية (حيث الطمع الدائم واشتهاء الثروات المادية)، الدولة الديموقراطية (حيث تنفلت الغرائز وتسود ديكتاتورية العوام)، وأخيرًا، دولة الاستبداد، حيث يكون الطاغية بنفسه عبدًا لغرائزه، وبالتالي غير عادل.
وأخيرًا فإن هذا المفهوم نسبي حيث أن العدالة لن تتحقق بالكامل، كما تصف ذلك أسطورة إرْ، إلا في حياة مستقبلية أخرى: حيث النفوس، وقد حازت على ما تستحقه من ثواب أو عقاب، تعود لتتجسد من جديد، ناسية ذكرى حياتها الماضية.

مؤلَّفات افلاطون

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الهويدي36336

مؤلَّفاته

الجمهورية لأفلاطون
يغلب على مؤلفات أفلاطون طابع المحاورة وهو أسلوب كان شائعاً في العصر الذي ازداد فيه نشاط السفسطائيين وسقراط.[14] يعد أفلاطون أول فيلسوف يوناني وصلتنا جميع مؤلفاته ولكننا لا نستطيع لأن نجزم بأن كل ما وصل إلينا من كتب تحمل اسم أفلاطون تصح نسبتها إليه، فقد أثبت النقد التاريخي أن هناك محاورات منحولة نسبت إلى أفلاطون وقد ثبت انه ليست له، وعلى هذا فإننا نكتفي هنا بالإشارة إلى المؤلفات التي تعرف مؤرخو الفلسفة على صحة نسبتها إليه.أما من حيث تصنيف هذه المؤلفات فقد تمكن العلماء-بعد دراسة أسلوب المحاورات وموسوعاتها من ترتيبها على هيئة تصنيف زمني تطوري حسب أطوار حيتة المؤلف فهناك مؤلفات ترجع إلى عهد الشباب وأخرى تم تأليفها بعد إنشاء الأكاديمية ،أما المجموعة الثالثة فهي من إنتاج أفلاطون في عهد الشيخوخة.
المأدبة أو “في الحب”: يبيِّن هذا الحوار، الذي جرى تأليفه في العام 384 ق م، كيف أن ولوج الحقيقة يمكن أن يتم بطرق أخرى غير العقل، وليس فقط عن طريقه: لأن هناك أيضًا وظيفة للـقلب، تسمح بالانتقال من مفهوم الجمال الحسِّي إلى مفهوم الجمال الكامل للمثال الجلي.
والقصة هي قصة الشاعر أغاثون الذي أقام في منزله مأدبة للاحتفال بنجاح أول عمل مسرحي له. وفي هذه المأدبة طُلِبَ من كلِّ المدعوين، ومن بينهم سقراط، أن يلقوا كلمة تمجِّد إله الحب – وخاصة أريستوفان الذي طوَّر أسطورة الخنثى البدئية. ويقوم سقراطمن تقريظ الجمال، بمحاولة لتحديد طبيعة الحب، متجنبًا الوقوع في شرك الجدال، أخيرًا إلى حبِّ العلم. لأنه، وبسبب كونه رغبةً في الخلود وتطلعًا إلى الجمال في ذاته، يقودنا الحبُّ الأرضي إلى الحبِّ السماوي. وهذا هو معنىndel– الذي هو أحد أجمل الحوارات – لم تتدنَّ خلال تاريخ الفلسفة كلِّه: حيث نجد صداه، مثلاً، في العقيدة المسيحية للقديس أوغسطين، الذي كان يعتقد بأن “كلَّ فعل محبة هو، في النهاية، حب للإله”.
فيدون : يدور هذا الحوار في الحجرة التي كان سقراط ينتظر الموت فيها. لأن الحضور، وانطلاقًا مما كان يدَّعيه بأن الفيلسوف الحقيقي لا يخشى الموت، يدعو المعلِّم لكي يبرهن على خلود النفس. وهنا، يجري بسط أربع حجج أساسية:
الحجة الأولى، التي تستند إلى وجود المفارقات، تقول إنه، انطلاقًا من الصيرورة المستمرة للأشياء، ليس في وسعنا فهم شيء ما (النوم مثلاً) دون الاستناد إلى نقيضه (اليقظة ليس حصرًا). ولأن الموت يبيِّن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الآخرة، فإنه من المنطقي الاعتقاد بأن “الولادة من جديد” تعني الانتقال منه إلى الحياة. وبالتالي، إذا كانت النفس تولد من جديد، فإن هذا يعني أن التقمص حقيقة طرمة زيه.
أما الحجة الثانية، فهي تستند إلى تلك الأفكار التي ندعوها بـالذكريات. لأن ما نواجهه في العالم الحسِّي إنما هو أشياء جميلة، لكنها ليست هي الجمال. لذلك ترانا نحاول تلمس هذا الأخير من خلال تلك الأشياء، التي، باستحضارها، تعيدنا حتمًا إلى لحظات من الحياة فوق الأرضية كانت روحنا فيها على تماس مباشر مع الطهارة.

أكاديمية أفلاطون في أثينا
وتقول الحجة الثالثة إنه يمكن شَمْلُ كلِّ ما في الوجود ضمن مقولتين اثنتين: المقولة الأولى تضم كلَّ ما هو مركَّب (وبالتالي ممكن التفكك) أي المادة؛ والمقولة الأخرى التي تشمل ما هو بسيط (أي لا يمكن تفكيكه)، كجزء مما هو مدرَك، أي الروح.
وعندما يلاحظ كيبيوس بأن سقراط، الذي برهن على إمكانية انتقال الروح من جسم إلى آخر، لم يبرهن على خلود هذه الأخيرة في حدِّ ذاتها، يجيبه سقراط من خلال عرض مسهب، يتطرق فيه إلى نظرية المُثُل، حيث يبيِّن في نهايته أن الروح لا تتوافق مع الموت لأنها من تلك العناصر التي ليس بوسعها تغيير طبيعتها.
وينتهي الحوار بعرض طويل لمفهومي العالم العلوي والمصير الذي يمكن أن تواجهه النفس: حيث ترتفع النفوس الأكمل نحو عالم علوي، بينما ترسب النفوس المذنبة في الأعماق السفلى. وتكون كلمات سقراط الأخيرة هي التي مفادها بأنه مدين في علمه لأسكليبيوس (إله الطب والشفاء) – من أجل تذكيرنا رمزيًّا بأنه يجب علينا شكر الإله الذي حرَّره من مرض الموت.
الجمهورية أو “في العدالة”: يشكل هذا الحوار، المجموع في عشر كتيبات تمت خلال عدة سنوات (ما بين أعوام 389 و369 ق م)، العمل الرئيسي لأفلاطون المتعلِّق بـالفلسفة السياسية.
يبدأ سقراط بمحاولة تعريف العدالة استنادًا إلى ما قاله عنها سيمونيدِس، أي “قول الحقيقة وإعطاء كلِّ شخص حقه”. هذا التعريف مشكوك في ملاءمته، لأنه يجعلنا نلحق الضرر بأعدائنا، مما يعني جعلهم، بالتالي، أسوأ وأظلم. كذلك أيضًا يستبعد تعريف السفسطائي ثراسيماخوس الذي قال بأن “العدل” هو ما ينفع الأقوى.
ونصل مع أفلاطون إلى التمعُّن في مفهوم الدولة العادلة – تلك التي تعني “الإنسان مكبَّرًا” – القائمة على مشاعية الأملاك والنساء، اللواتي لا يكون التزاوج معهن انطلاقًا من الرغبات الشخصية، إنما استنادًا لاعتبارات النسل – تلك المشاعية الخاضعة لمفهوم التقشف الصحي، أي المعادي للبذخ؛ تلك الدولة القائمة على التناغم والمستندة إلى فصل صارم بين طبقاتها الأساسية الثلاث التي هي: طبقة الفلاسفة أو القادة، وطبقة الجنود، وطبقة الصنَّاع – والتي هي على صورة التوازن القائم بين المكونات الثلاث للنفس الفردية. ونلاحظ هنا، من خلال العرض، أن الطبقة الدنيا (أو طبقة الصنَّاع) لا تخضع لمتطلَّبات الملكية الجماعية لأنها لن تفهمها انطلاقًا من مستوى إدراكها.
ويفترض سقراط أنه على رأس هذه الدولة يجب وضع أفضل البشر. من هنا تأتي ضرورة تأهيلهم الطويل للوصول إلى الفهم الفلسفي للخير الذي يعكس نور الحقيقة وينير النفس، كما تنير الشمس أشياء عالمنا (استعارة الكهف).
ذلك لأن الظلم يشوِّه، بشكل أو بآخر، كافة الأشكال الأخرى من الدول، التي يعدِّدها أفلاطون كما يلي: الدولة التيموقراطية (التي يسود فيها الظلم والعنف)، الدولة الأوليغارخية (حيث الطمع الدائم واشتهاء الثروات المادية)، الدولة الديموقراطية (حيث تنفلت الغرائز وتسود ديكتاتورية العوام)، وأخيرًا، دولة الاستبداد، حيث يكون الطاغية بنفسه عبدًا لغرائزه، وبالتالي غير عادل.
وأخيرًا فإن هذا المفهوم نسبي حيث أن العدالة لن تتحقق بالكامل، كما تصف ذلك أسطورة إرْ، إلا في حياة مستقبلية أخرى: حيث النفوس، وقد حازت على ما تستحقه من ثواب أو عقاب، تعود لتتجسد من جديد، ناسية ذكرى حياتها الماضية.

مؤلَّفات افلاطون

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الهويدي36336

مؤلَّفاته

الجمهورية لأفلاطون
يغلب على مؤلفات أفلاطون طابع المحاورة وهو أسلوب كان شائعاً في العصر الذي ازداد فيه نشاط السفسطائيين وسقراط.[14] يعد أفلاطون أول فيلسوف يوناني وصلتنا جميع مؤلفاته ولكننا لا نستطيع لأن نجزم بأن كل ما وصل إلينا من كتب تحمل اسم أفلاطون تصح نسبتها إليه، فقد أثبت النقد التاريخي أن هناك محاورات منحولة نسبت إلى أفلاطون وقد ثبت انه ليست له، وعلى هذا فإننا نكتفي هنا بالإشارة إلى المؤلفات التي تعرف مؤرخو الفلسفة على صحة نسبتها إليه.أما من حيث تصنيف هذه المؤلفات فقد تمكن العلماء-بعد دراسة أسلوب المحاورات وموسوعاتها من ترتيبها على هيئة تصنيف زمني تطوري حسب أطوار حيتة المؤلف فهناك مؤلفات ترجع إلى عهد الشباب وأخرى تم تأليفها بعد إنشاء الأكاديمية ،أما المجموعة الثالثة فهي من إنتاج أفلاطون في عهد الشيخوخة.
المأدبة أو “في الحب”: يبيِّن هذا الحوار، الذي جرى تأليفه في العام 384 ق م، كيف أن ولوج الحقيقة يمكن أن يتم بطرق أخرى غير العقل، وليس فقط عن طريقه: لأن هناك أيضًا وظيفة للـقلب، تسمح بالانتقال من مفهوم الجمال الحسِّي إلى مفهوم الجمال الكامل للمثال الجلي.
والقصة هي قصة الشاعر أغاثون الذي أقام في منزله مأدبة للاحتفال بنجاح أول عمل مسرحي له. وفي هذه المأدبة طُلِبَ من كلِّ المدعوين، ومن بينهم سقراط، أن يلقوا كلمة تمجِّد إله الحب – وخاصة أريستوفان الذي طوَّر أسطورة الخنثى البدئية. ويقوم سقراطمن تقريظ الجمال، بمحاولة لتحديد طبيعة الحب، متجنبًا الوقوع في شرك الجدال، أخيرًا إلى حبِّ العلم. لأنه، وبسبب كونه رغبةً في الخلود وتطلعًا إلى الجمال في ذاته، يقودنا الحبُّ الأرضي إلى الحبِّ السماوي. وهذا هو معنىndel– الذي هو أحد أجمل الحوارات – لم تتدنَّ خلال تاريخ الفلسفة كلِّه: حيث نجد صداه، مثلاً، في العقيدة المسيحية للقديس أوغسطين، الذي كان يعتقد بأن “كلَّ فعل محبة هو، في النهاية، حب للإله”.
فيدون : يدور هذا الحوار في الحجرة التي كان سقراط ينتظر الموت فيها. لأن الحضور، وانطلاقًا مما كان يدَّعيه بأن الفيلسوف الحقيقي لا يخشى الموت، يدعو المعلِّم لكي يبرهن على خلود النفس. وهنا، يجري بسط أربع حجج أساسية:
الحجة الأولى، التي تستند إلى وجود المفارقات، تقول إنه، انطلاقًا من الصيرورة المستمرة للأشياء، ليس في وسعنا فهم شيء ما (النوم مثلاً) دون الاستناد إلى نقيضه (اليقظة ليس حصرًا). ولأن الموت يبيِّن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الآخرة، فإنه من المنطقي الاعتقاد بأن “الولادة من جديد” تعني الانتقال منه إلى الحياة. وبالتالي، إذا كانت النفس تولد من جديد، فإن هذا يعني أن التقمص حقيقة طرمة زيه.
أما الحجة الثانية، فهي تستند إلى تلك الأفكار التي ندعوها بـالذكريات. لأن ما نواجهه في العالم الحسِّي إنما هو أشياء جميلة، لكنها ليست هي الجمال. لذلك ترانا نحاول تلمس هذا الأخير من خلال تلك الأشياء، التي، باستحضارها، تعيدنا حتمًا إلى لحظات من الحياة فوق الأرضية كانت روحنا فيها على تماس مباشر مع الطهارة.

أكاديمية أفلاطون في أثينا
وتقول الحجة الثالثة إنه يمكن شَمْلُ كلِّ ما في الوجود ضمن مقولتين اثنتين: المقولة الأولى تضم كلَّ ما هو مركَّب (وبالتالي ممكن التفكك) أي المادة؛ والمقولة الأخرى التي تشمل ما هو بسيط (أي لا يمكن تفكيكه)، كجزء مما هو مدرَك، أي الروح.
وعندما يلاحظ كيبيوس بأن سقراط، الذي برهن على إمكانية انتقال الروح من جسم إلى آخر، لم يبرهن على خلود هذه الأخيرة في حدِّ ذاتها، يجيبه سقراط من خلال عرض مسهب، يتطرق فيه إلى نظرية المُثُل، حيث يبيِّن في نهايته أن الروح لا تتوافق مع الموت لأنها من تلك العناصر التي ليس بوسعها تغيير طبيعتها.
وينتهي الحوار بعرض طويل لمفهومي العالم العلوي والمصير الذي يمكن أن تواجهه النفس: حيث ترتفع النفوس الأكمل نحو عالم علوي، بينما ترسب النفوس المذنبة في الأعماق السفلى. وتكون كلمات سقراط الأخيرة هي التي مفادها بأنه مدين في علمه لأسكليبيوس (إله الطب والشفاء) – من أجل تذكيرنا رمزيًّا بأنه يجب علينا شكر الإله الذي حرَّره من مرض الموت.
الجمهورية أو “في العدالة”: يشكل هذا الحوار، المجموع في عشر كتيبات تمت خلال عدة سنوات (ما بين أعوام 389 و369 ق م)، العمل الرئيسي لأفلاطون المتعلِّق بـالفلسفة السياسية.
يبدأ سقراط بمحاولة تعريف العدالة استنادًا إلى ما قاله عنها سيمونيدِس، أي “قول الحقيقة وإعطاء كلِّ شخص حقه”. هذا التعريف مشكوك في ملاءمته، لأنه يجعلنا نلحق الضرر بأعدائنا، مما يعني جعلهم، بالتالي، أسوأ وأظلم. كذلك أيضًا يستبعد تعريف السفسطائي ثراسيماخوس الذي قال بأن “العدل” هو ما ينفع الأقوى.
ونصل مع أفلاطون إلى التمعُّن في مفهوم الدولة العادلة – تلك التي تعني “الإنسان مكبَّرًا” – القائمة على مشاعية الأملاك والنساء، اللواتي لا يكون التزاوج معهن انطلاقًا من الرغبات الشخصية، إنما استنادًا لاعتبارات النسل – تلك المشاعية الخاضعة لمفهوم التقشف الصحي، أي المعادي للبذخ؛ تلك الدولة القائمة على التناغم والمستندة إلى فصل صارم بين طبقاتها الأساسية الثلاث التي هي: طبقة الفلاسفة أو القادة، وطبقة الجنود، وطبقة الصنَّاع – والتي هي على صورة التوازن القائم بين المكونات الثلاث للنفس الفردية. ونلاحظ هنا، من خلال العرض، أن الطبقة الدنيا (أو طبقة الصنَّاع) لا تخضع لمتطلَّبات الملكية الجماعية لأنها لن تفهمها انطلاقًا من مستوى إدراكها.
ويفترض سقراط أنه على رأس هذه الدولة يجب وضع أفضل البشر. من هنا تأتي ضرورة تأهيلهم الطويل للوصول إلى الفهم الفلسفي للخير الذي يعكس نور الحقيقة وينير النفس، كما تنير الشمس أشياء عالمنا (استعارة الكهف).
ذلك لأن الظلم يشوِّه، بشكل أو بآخر، كافة الأشكال الأخرى من الدول، التي يعدِّدها أفلاطون كما يلي: الدولة التيموقراطية (التي يسود فيها الظلم والعنف)، الدولة الأوليغارخية (حيث الطمع الدائم واشتهاء الثروات المادية)، الدولة الديموقراطية (حيث تنفلت الغرائز وتسود ديكتاتورية العوام)، وأخيرًا، دولة الاستبداد، حيث يكون الطاغية بنفسه عبدًا لغرائزه، وبالتالي غير عادل.
وأخيرًا فإن هذا المفهوم نسبي حيث أن العدالة لن تتحقق بالكامل، كما تصف ذلك أسطورة إرْ، إلا في حياة مستقبلية أخرى: حيث النفوس، وقد حازت على ما تستحقه من ثواب أو عقاب، تعود لتتجسد من جديد، ناسية ذكرى حياتها الماضية.

افلاطون

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الهويدي36336

فلسفته

لقد أسس أفلاطون الفلسفة المثالية وعرف الفلسفة بأنها السعى الدائم لتحصيل المعرفة الكلية الشامله التي تستخدم العقل وسيلة لها وتجعل الوصول إلى الحقيقة أسمى غاياتها[12]
أوجد أفلاطون ماعُرِفَ من بعدُ بطريقة الحوار، التي كانت عبارة عن دراما فلسفية حقيقية، عبَّر من خلالها عن أفكاره عن طريق شخصية سقراط، الذي تمثَّله إلى حدِّ بات من الصعب جدًّا التمييز بين عقيدة التلميذ وعقيدة أستاذه الذي لم يترك لنا أيَّ شيء مكتوب، بخلاف أفلاطون الذي ينسب إليه نحو أربعين كتابا، بينها سبع وعشرون محاورة موثوقة، في حين يعد الباقي إما مشكوكاً في نسبته إليه وإما منحولاً عليه بالكامل. وتتألق في الحوارات الأولى، المسماة “السقراطية”، صورة سقراط التي تتخذ طابعًا مثاليًّاً؛ كما تتضح من خلالها نظريته في الصُوَر المعقولة أو المُثُل التي هي أساس فلسفته.

استعارة الكهف حسب مفهوم أفلاطون للوجود
تميِّز الميتافيزياء الأفلاطونية بين عالمين: العالم الأول، أو العالم المحسوس، هو عالم التعددية، عالم الصيرورة والفساد. ويقع هذا العالم بين الوجود واللاوجود، ويُعتبَر منبعًا للأوهام (معنى استعارة الكهف) لأن حقيقته مستفادة من غيره، من حيث كونه لا يجد مبدأ وجوده إلا في العالم الحقيقي للـمُثُل المعقولة، التي هي نماذج مثالية تتمثل فيها الأشياء المحسوسة بصورة مشوَّهة. ذلك لأن الأشياء لا توجد إلاَّ عبر المحاكاة والمشاركة، ولأن كينونتها هي نتيجة ومحصلِّة لعملية يؤديها الفيض، كـصانع إلهي، أعطى شكلاً للمادة التي هي، في حدِّ ذاتها، أزلية وغير مخلوقة (تيميوس).
هذا ويتألف عالم المحسوسات من أفكار ميتافيزيائية (كالدائرة، والمثلث) ومن أفكار “غير افتراضية” (كالحذر، والعدالة، والجمال، إلخ)، تلك التي تشكِّل فيما بينها نظامًا متناغمًا، لأنه معماري البنيان ومتسلسل بسبب وعن طريق مبدأ المثال السامي الموحَّد الذي هو “منبع الكائن وجوهر المُثُل الأخرى”، أي مثال الخير.
لكن كيف يمكننا الاستغراق في عالم المُثُل والتوصل إلى المعرفة؟ في كتابه فيدروس، يشرح أفلاطون عملية سقوط النفس البشرية التي هَوَتْ إلى عالم المحسوسات – بعد أن عاشت في العالم العلوي – من خلال اتحادها مع الجسم. لكن هذه النفس، وعن طريق تلمُّسها لذلك المحسوس، تصبح قادرة على دخول أعماق ذاتها لتكتشف، كالذاكرة المنسية، الماهية الجلية التي سبق أن تأمَّلتها في حياتها الماضية: وهذه هي نظرية التذكُّر، التي يعبِّر عنها بشكل رئيسي في كتابه مينون، من خلال استجواب العبد الشاب وملاحظات سقراط الذي “توصل” لأن يجد في نفس ذلك العبد مبدأً هندسيًّا لم يتعلَّمه هذا الأخير في حياته.
إن فنَّ الحوار والجدل، أو لنقل الديالكتيكا، هو ما يسمح للنفس بأن تترفَّع عن عالم الأشياء المتعددة والمتحولة إلى العالم العياني للأفكار. لأنه عن طريق هذه الديالكتيكا المتصاعدة نحو الأصول، يتعرَّف الفكر إلى العلم انطلاقًا من الرأي الذي هو المعرفة العامية المتشكِّلة من الخيالات والاعتقادات وخلط الصحيح بالخطأ. هنا تصبح الرياضيات، ذلك العلم الفيثاغوري المتعلق بالأعداد والأشكال، مجرد دراسة تمهيدية. لأنه عندما نتعلَّم هذه الرياضيات “من أجل المعرفة، وليس من أجل العمليات التجارية” يصبح بوسعنا عن طريقها “تفتيح النفس […] للتأمل وللحقيقة”. لأن الدرجة العليا من المعرفة، التي تأتي نتيجة التصعيد الديالكتيكي، هي تلك المعرفة الكشفية التي نتعرَّف عن طريقها إلى الأشياء الجلية.
لذلك فإنه يجب على الإنسان – الذي ينتمي إلى عالمين – أن يتحرر من الجسم (المادة) ليعيش وفق متطلبات الروح ذات الطبيعة الخالدة، كما توحي بذلك نظرية التذكُّر وتحاول البرهنة عليه حجج فيدون. من أجل” فإن الفضيلة، التي تقود إلى السعادة الحقيقية، تتحقق، بشكل أساسي، عن هي التناغم النفسي الناجم عن خضوع الحساسية للقلب الخاضع لحكمة العقل. وبالتالي، فإن هدف الدولة يصبح، على الصعيد العام، حكم المدينة المبنية بحيث يتَّجه جميع مواطنيها نحو الفضيلة.
هذا وقد ألهمت مشاعية أفلاطون العديد من النظريات الاجتماعية والفلسفية، بدءًا من يوطوبيات توماس مور وكامبانيلا، وصولاً إلى تلك النظريات الاشتراكية الحديثة الخاضعة لتأثيره، إلى هذا الحدِّ أو ذاك. وبشكل عام فإن فكر أفلاطون قد أثَّر في العمق على مجمل الفكر الغربي، سواء في مجال علم اللاهوت (المسلم أو اليهودي أو المسيحي) أو في مجال الفلسفة العلمانية التي يشكِّل هذا الفكر نموذجها الأول.

المرأة بين الوأد والوعد بقلم: طراد بن سعيد العمري

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الهويدي36336

تعيين الدكتورة موضي الخلف مساعداً للملحق الثقافي السعودي بالولايات المتحدة الأميركية قرار شجاع وصائب، هذا المنصب الرفيع، في ملحقية رفيعة، في دولة رفيعة، ولدولة رفيعة مثل السعودية، خطوة عملية ومستقبلية، إذن نحن أمام قرار : شجاع، وصائب، وعملي، ومستقبلي… ملك الشجاعة، من دون أدنى منازع، هو الملك عبدالله بن عبدالعزيز، الذي مكّن المرأة السعودية لكي تتبوأ مكانتها اللائقة من دون النظر إلى المزايدات الاجتماعية، فعين أول امرأة بمرتبة وزير، وهي الدكتورة نورة الفايز، وأسس جامعة من أحدث وأكبر الجامعات في العالم للمرأة سماها «جامعة الأميرة نورة»، وألحق ذلك بأن أمر أن تُعين المرأة في مجلس الشورى … الشجاعة الثانية تقف عند وزير التعليم العالي، الدكتور خالد العنقري، الذي دعم القرار وأيده وشجعه، بصرف النظر عما يمكن أن يُقال أو يتردد في أوساط استطابت وأد المرأة… الشجاعة الثالثة، تُحسب للملحق التعليمي / الثقافي في الولايات المتحدة، الدكتور محمد العيسى، الذي استند إلى العقل والمنطق والحكمة، وكفاءة المرشحة، في اتخاذ قرار كهذا، جاعلاً نصب عينيه المصلحة العليا، وضارباً «بنمنمات المنممين وهمهمات المهمهمين» عرض الحائط، متخذاً من الآية الكريمة (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) دليلاً وهادياً وسراجاً منيراً… أما الشجاعة الرابعة، فبالتأكيد تجير لمصلحة الدكتورة موضي الخلف، التي ستقف تحت الأضواء الكاشفة، واللاسعة أيضاً
تدرك موضي الخلف –مع حفظ الألقاب– أي مسؤولية تنتظرها، ليس في العمل، فقد كانت مسؤولة عن الشؤون الثقافية والاجتماعية لأكثر من «٧٠ ألف» سعودي وسعودية في الولايات المتحدة لخمسة أعوام خلت، بل المسؤولة لإثبات الذات بأن المرأة السعودية لا تقل كفاءة عن أي امرأة في العالم، في أعظم دولة في العالم .
يتجلى الصواب في تمكين المرأة السعودية، ليس لأنها تشكل نصف المجتمع فحسب، بل لأنها درست وتعلمت وأثبتت نجاحاً وتفوقاً على الرجال في التعليم وحسن الأداء… هل نسينا العالمة حياة سندي؟ وهل يمكن أن ننسى الدكتورة خولة الكريع، التي منحها الملك عبدالله وسام الملك عبدالعزيز لتحقيقها إنجازات عدة بحثية مميزة؟ أو ننسى الدكتورة هدى العميل، التي ترأس أكبر وأحدث جامعات العالم؟ عملت المرأة في مجالات التعليم ومجالات الإدارة والتجارة فأثبتت قدرتها.. هل ننسى المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان الدكتورة ثريا عبيد؟ أو الدكتورة لمى السليمان نائب رئيس غرفة جدة؟ وإن تناسينا كل الأسماء السابقة فلا يمكن أن ننسى الدكتورة بدرية البشر، الزميلة في هذه الصحيفة، التي دأبت على كشف عورات فكر الرجل/ الذكر تجاه المرأة / الأنثى..الأسماء عدة والنساء كثر، ولا نحتاج إلا للابتعاد بأنفسنا عن حال «الإنكار» التي نعيشها لأنها لا تزيدنا إلا خبالاً..الصواب هو أن نستفيد من تلك الطاقات البشرية النسائية التي تعلمت وعملت فأحسنت وأجادت

تمكين المرأة في مناصب عليا أمر عملي في معظم المجالات..في التربية والتعليم، إذ إن عدد الطلبة والطالبات متقارب، وفي العمل، إذ تشكل المرأة أكثر من ٨٣ في المئة من المسجلين في برنامج «حافز»، وفي الشؤون الاجتماعية والصحة، كذلك، فالوزارتان تتعاملان مع مواطنين يشكل النساء النسبة الأكبر والأعقد، كما أن وزارة الداخلية بحاجة إلى عدد كبير من النساء في أقسام الشُرط، وفي إمارات المناطق… وزارة العدل، أيضاً، بحاجة إلى نساء متعلمات في المحاكم الخاصة بالعلاقات الأسرية، ولا ننسى وزارة البلديات التي يجب أن تُمكن المرأة في العمل في الأمانات – أحسنت أمانة جدة بأن سمحت للمرأة بأن تتبوأ مكانة عالية لما تملكه من علم وكفاءة – كل وزارة وكل إدارة لها علاقة بالمجتمع والمواطن تحتاج إلى تعيين امرأة في قمة هرمها وتشكيلها الإداري، ولا يُكتفى بقسم نسائي بباب خلفي يقطن حوله المتسولون والمتسكعون، وترتع القطط وتنساب أمامه مياه الصرف الصحي

المستقبل واعد ومشرق بإذن الله، وتمكين المرأة جزء من ذلك المستقبل، يجب ألا نخاف من تعليم المرأة أو عملها أو تنصيبها في أعلى المناصب، أثبتت الدراسات أن المرأة أكثر جدية وإلتزاماً، وأقل هدراً للوقت وأندر فساداً في العمل الإداري… ديننا الحنيف وتاريخنا الإسلامي يتمحور حول نساء فاضلات، مثل خديجة وعائشة وحفصة وأم سلمة وفاطمة وأسماء، رضوان الله عليهم، أمرنا نبينا ورسولنا الأعظم محمد «عليه أفضل الصلاة والسلام»، واستوصانا بالنساء خيراً، فهل ما نقوله أو نفعله، سراً أو جهراً، يتوافق مع ما استوصانا به نبينا ورسولنا الكريم؟ كم حديثاً يحكي تفصيلاً عن أقوال وأفعال سيد الخلق حدثت به عائشة، رضي الله عنها، فحفظناه عن ظهر قلب، وكان من أسس التشريع؟ كم آيةً نزلت جواباً عن أسئلة سألتها أم سلمة، رضي الله عنها؟ أم أننا نحتج ونتحجج بأعراف وعادات وتقاليد سادت ثم بادت؟ أو أننا وجدنا آباءنا على ملة وإنا على آثارهم لمقتفون؟ كان أسلافنا في الجاهلية (إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم)، فوأدوا المرأة ودفنوها تحت أديم الأرض وأهالوا عليها غبار التراب، وجاء الإسلام العظيم، فكرّم المرأة وجرم ذلك العمل الشائن، (وإذا الموؤدة سُئلت، بأي ذنب قتلت)، فهل نستمر اليوم بؤادها فوق الأرض ونهيل عليها، تجملاً، قليلاً أو كثيراً من غبار المكياج؟

النساء شقائق الرجال، والمرأة مكون أساسي وأصيل في كل مجتمع، ونحن في السعودية لسنا نشازاً بين الأمم، لذا فإنه من المضني، ونحن مجتمع متعدد ومتجدد الثقافات، أن نحتكم لثقافة محددة ومحدودة في الجغرافيا والتاريخ والفكر والنظام المعرفي، لكي تقودنا تلك الثقافة إلى المستقبل، و«تتوحم» على ثقافاتنا المتعددة وأفكارنا المتجددة وما أدركناه بالمعرفة والممارسة، وما تصورناه للمستقبل، كما أنه من غير العدل والإنصاف، أن تتوقف مسيرة المجتمع بأكمله نحو المستقبل لحين إقتناع فئة محدودة عدداً وعدة بأن تمكين المرأة هو أمر حتمي يفرضه الواقع العملي والاستشراف المستقبلي وفيه كل الخير، دنيا ودين… تصوير مجتمعنا على أنه مجموعة من الذئاب البشرية تنقض على كل أنثى، وتطارد كل خمار أسود، فيه كثير من التجني على الرجل والمرأة سواء بسواء، بل فيه تأكيد على عدم فاعلية وفعالية خطاب ديني عشناه عقوداً عدة .
أخيراً، المرأة مقبلة، شئنا أم أبينا، وولاة الأمر متفهمون ومدركون وداعمون ومؤيدون ولله الحمد والمنة، فلنهنئ أنفسنا وعقولنا، ونفرش لهن الورد، ونقدم لهن الود، فخير البر عاجله، والمثل الشعبي يقول: «شيء لابد منه استقرب منه»..ا

نتمنى أن نشاهد، عن قريب بإذن الله، بنات الوطن في مناصب مهمة في وزارة الخارجية، سفيرات في أميركا وأوروبا وآسيا، ووزيرات في مجلس الوزراء في التعليم والعمل والشؤون الاجتماعية والصحة والاقتصاد والتخطيط والتجارة، وحتى المالية، وعضوات فاعلات في مجلس الشورى يشاركن في كل اللجان من دون استثناء. لِمَّ لا؟ فليست مارغريت ثاتشر، أو مادلين أولبرايت، أو كورازان أكينو، أو نانسو تشيلر أو بينزير بوتو، أو كونداليزا رايس أو حتى هيلاري كلينتون بأفضل منهن

في الختام، هنيئاً لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده بأبنائه وبناته، وهنيئاً لوزير التعليم العالي على الكفاءات الوطنية، رجالاً ونساءً، وهنيئاً وشكراً للدكتور محمد العيسى على حسن الإدارة والقرار، وتهنئة خاصة للدكتورة موضي بنت عبدالله الخلف، وشكراً أيضاً، على كفاءتها وشجاعتها وقبولها المنصب بكل ما فيه من غرم يفوق أضعاف ما فيه من غنم… حفظ الله الوطن .