أ.د. أحمد محمد وهبان

من فوائد ما يحصل في سوريا من قتل وما حدث في العراق من احتلال

كاتب الموضوع الأصلي: عمر العتيبي 20

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اتذكر عندما قامت الحرب العراقية الايرانية كيف ان الكثير من الحكومات والحركات الاسلامية والشعبية
كانت متأثرة بالجمهورية الايرانية وكيف كانت التأييد لها في حربها مع العراق حتى لوقت متأخر من الزمان
كانت الشعوب الاسلامية تتأثر بما يقوله الخميني وكأنه أحد المبعوثين من السماء….

أتذكر جيدا كيف أن الشعوب العربية الاسلامية المغلوبة على امرها كانت تصفق لحسن رئيس الحزب الايراني
في لبنان عندما كان يطلق بعضا من الالعاب الصاروخية باتجاه اسرائيل وكيف كانت الشعوب تتغنى بهذا الرجل
وبطولاته وبحزبه الشيطاني….

من فوائد احتلال العراق

ظهور الشيعة بوجهه الحقيقي والتي كان الكثيرين من اهل السنة دائما ما يقولون بالتقارب والحاصل الان
في العراق اظهر هذه العقيدة الفاسدة للعيان وكيف ان من صلب هذه العقيدة تكفير الاخرين….

من فوائد القتل الحاصل في سوريا

توحيد الصف السني نوعا ما تجاه خطر الشيعة والايرانيين في المنطقة وان حسن النية والنوم في العسل
كانت كلها ضحك على الذقون وكيف لا … مع ظهور حقيقة الحزب الشيطاني الذي الان هو من يقتل
الابرياء من السنة بدلا عن النظام السوري…

بين هذا وهذا اقول لا أهل السنة والجماعة الى متى سوف تبقى ويبقى هذا الفكر الساذج عندنا من حسن نية
والى اخر هذه المصطلحات الجميلة التي لا تصلح لزماننا ولفترتنا هذه… لماذا لانقرأ ونرى ما حدث ويحدث
ابعد كل ماحدث ويحدث سيأتي فترة بعد الاحداث سنصفق ايضا على من هو على شاكلة حزب الشيطان….
اقول نعم وليست ببعيده وهؤلاء القوم يعلمون هذا الامر جيدا انه سوف ياتي زمان ونصفق مرة اخرى لا أننا
ومع الاسف امة لا تقرا ولا تعرف التاريخ جيدا!

الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

المستشار / طارق البشري*

أتصور أنه لكي نتلمس رؤية المستقبل للحركة الإسلامية ، يحسن بنا أن نطالع ملامح الوعاء الزمني الذي تعمل فيه هذه الحركة والزمان المعاصر في تاريخنا يتكون من هذين القرنين الأخيرين ، وقد شارف القرن الثاني منهما على نهايته ، وصرنا على مشارف قرن ثالث يبدأ معنا بالملامح عينها التي صبغت تاريخنا المعاصر منذ بداية القرن التاسع عشر0

أمام الحركة الإسلامية في بلادنا مهام جد متعددة ومتنوعة ، في مجالات الفكر والفقه ، والنظم السياسية والرؤى الحركية ، وفي تشييد المؤسسات ورسم العلاقات في هذه المجالات وغيرها أمامنا العديد من المشاكل ، منها على سبيل المثال ؛ مسألة التجديد مع المحافظة على الأصول تعني الصمود ، ومنها الانفصال الحادث بين علوم الدين وعلوم الدنيا ، وهو انفصال طرأت تداعياته مما ألم بنا من توجهات الغرب في القرنين الأخيرين ، وعلينا أن نعيد المزج والدمج بين هذه العلوم جميعا ، كما كان فقهاؤنا القدامى يعتبرون العبادات والمعاملات أبوابا من علم واحد0

ومن المشاكل أيضا تلك القطيعة بين الفكر والنظم الوافدة من الغرب والفكرة والنظم الموروثة ، وهي قطيعة تتعمق في وعي الناس عبر السنين ، ومن ذلك أيضا هذا الازدواج في بناء المؤسسات والنظم والهيئات ، سواء في التعليم أو في القضاء أو في مؤسسات الإدارة والحكم أو في الاقتصاد 0 ومنه أيضا هذا التنوع الكبير للرؤى الإسلامية للواقع الراهن أو هذا الغموض الذي يعوق حسن إدراكنا للأوضاع المعيشية ولما يتعين علينا اتخاذه من الذرائع لحفظ الجماعة الإسلامية والنهوض بها 0

وليس آخر تلك المشاكل مشكلة التفتت التي تعاني منها أوطاننا ، أي هذه التجربة الإقليمية والقطرية التي صرنا إليها عبر القرنين الأخيرين ، وما أدى إليه هذا الوضع من ظهور عناصر التباعد والتنافر في كل قطر إزاء غيره ، حتى تكونت عوائق ذاتية صارت تكبح نمو حركات التوحيد العربي والإسلامي ، لأن التجزئة قد غايرت من أوضاع كل قطر إزاء غيره ، في أمور الاقتصاد والسياسة وبناء النظم والمؤسسات وهذه المغايرة تشكل عوائق أمام مساعدي التوحيد ، متى وجدت تلك المساعي وحيثما وجدت0

أن تاريخنا المعاصر بدأ بحركتين للإصلاح كانتا مضاربتين ، ولم يكتب لهما أثر عميق فيما عرفنا من بعد من وجوه الإصلاح0

أولى الحركتين ، كانت حركة التجديد الفقهي والفكري التي استفتحت بابن عبد الوهاب في نجد في القرن الثامن عشر (1703 ـ 1791) تقوم على التوحيد المطلق وترفض فكرة الحلول والاتحاد وتؤكد مسؤولية الإنسان وتمنع التوسل بغير الله وتدعو لفتح باب الاجتهاد ، ومظهر محمد بن نوح الغلاتي في المدينة (752 ـ1803) كما ظهر ولي الدين الدهلوي في الهند (1702 ـ 1762) وفي اليمن ظهر محمد بن علي الشوكاني (1758 ـ 1834) ثم الشهاب الألوسي في العراق (1802 ـ1854 ) وفي المغرب ظهر محمد بن على السنوسي (1878 ـ1859) ثم ظهر في السودان محمد بن أحمد المهدي (1843 ـ1885)0

ونلحظ أن هذه الدعوات التجديدية الإصلاحية كانت ظاهرة عامة من منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريبا ، وأنه رغم الخلافات التي تبدو بين بعض هذه الدعوات وبعضها ، فهي جميعا تكون حركة تجديدية ، وهي جميعها تتفق اتفاقا عاما ونبذ التقليد وفتح باب الاجتهاد0

ونحن إذا نظرنا إلى مناطق قيام هذه الحركات وجدناها تظهر في الهند والعراق شرقا وفي نجد واليمن والحجاز والسودان جنوبا وفي المغرب بالجزائر وليبيا غربا فهي حركة عامة ولكنها تتفادى منطقة القلب من الأمة الإسلامية ، بحسبان أن منطقة القلب من هذه الأمة كانت تتمركز في مجال الهيمنة المركزية للدولة العثمانية في ذلك الوقت ، وهي المنطقة الممتدة على المحور من تركيا إلى الشام إلى مصر ، (استامبول ـ دمشق ـ القاهرة) 0

وكان من الطبيعي أن تبقى منطقة المركز عصية على التغيير والتجديد ، لاستتباب المؤسسات التقليدية وعظم النفوذ المحافظ لهذه المؤسسات ، واتصالها جميعا بهيئات الحكم والسلطان ووجودها كلها في منطقة الضوء الساطع لدى أجهزة الدولة وكانت التجديد الفقهي والفكري خليقة بان تنمو للإصلاح الفكري وللتجديد الفقهي في ذلك الوقت ولأن ثمة شواهد تاريخية تشير إلى أن هذه الدعوات كانت مما يحسن قبلوه لدى عامة المفكرين والمثقفين في مصر والشام ، لو لم تواجه بمثل ما وجهت به من السلطة0

ثانيا هاتين الحركتين ، كانت حركة الإصلاح المؤسسي التي قامت مع نهاية القرن الثامن عشر ونهايات القرن التاسع عشر على امتداد محور السلطة المركزية للدول العثمانية بين استامبول والقاهر0

استفتحت هذه الحركة يسعى السلطان سليم الثالث لإعادة بناء الجيش العثاني على الطراز الجديد ، وذلك بغية التمكن من مواجهة الأخطار الفعلية المحدقة بالدولة العثمانية ، سواء من روسيا القيصرية في الشمال أو من الإنجليز بأسطولهم في البحر المتوسط أو من سائر الدولة الأوربية الكبرى في ذلك الوقت 0 وتلت حركة سليم الثالث الفاشلة حركة السلطان محمود الثاني (1808 ـ 1840) وحركة محمد علي من مصر (1805 ـ 1848) وقامت هذه الحركات بمناسبة وقائع الغزو الأوربي لأرض المسلمين بخاصة ، وللشرق بعامة0

لم يبدأ تاريخنا المعاصر إلا وكان قد احكم الحصار حولنا ، اكتشف طريق رأس الرجاء الصالح ، الذي أدى إلى تطويق العالم الإسلامي من الجنوب والشرق ، فضلا عن الغرب والشمال ونحن نذكر توسعات روسيا القيصرية في آسيا الوسطى وسيطرتها على بلدان “ما وراء النهر” ودخول بخارى وطشقند وسمرقند في حوزتها ، ثم حروبها ضد الدولة العثمانية بالزحف عليها من الشمال كما نعرف سيطرة الإنجليز على الهند ووصول هولندا إلى جزر الهند الشرقية ن ثم صعود الإنجليز من الهند شمالا إلى أواسط آسيا0

وبعد تمام حركة الحصار الغرب وبدأت عمليات غزو القلب مع نهايات القرن الثامن عشر وعلى مدى القرن التاسع عشر ، ومن ابرز ملامحها حملة نابليون على مصر 1798 التي كان يستهدف منها الاستيلاء على مصر وأرض الشام كلها ، ثم استيلاء الإنجليز على عدن في 1839 واستيلاء فرنسا على الجزائر في 1830 ثم تونس في 1881 ، واستيلاء الإنجليز على مصر في 1882 ثم على السودان في 1899 ، واستيلاء ايطاليا على ليبيا في 1912 واستيلاء فرنسا على المغرب في السنة نفسها ، ثم اقتسام الشام والعراق بين بريطانيا وفرنسا بعد انتهاء الحرب العالمية الولى في 1918 وهكذا تقطعت البلاد شلوا مما كان له أثره العميق من بعد0

كان من الطبيعي أن تلفت هذه المخاطر أقصى الانتباه من رجال الدولة والقائمين على الحكم ، وإن توقظ فيهم الشعور بالحاجة إلى الإصلاح ، وهم المسؤولون عن الرباط وحماية الثغور والدفاع عن الحوزة ، ورجال الحكم رجال عمل وتصدي تلقتهم المشاكل العملية ويبادرون في التصدي بها بالحلول العملية ، ووجوه الإصلاح والتجديد التي يهتمون بها هي ما يتصل مباشرة بما نسميه الآن “شؤون الأمن القومي” ونقطة البداية في ذلك مؤسسة الدفع عن الديار ، وهي الجيش وفي هذا يتفق سليم الثالث مع محمود الثاني مع محمد علي 0

وإذا بدأ الإصلاح في مجال الجيش ، فإنه يبدو أول ما يبدو إصلاحا في استخدم آلات القتال كالمدافع وغيرها وإدخال أدوات القتال الحديثة يستدعى إدخال وسائل التنظيم الحديث الملائم لاستخدامها ، وفي هذين المجالين لابد من الاستفادة من خبرة الخصم الذي ثبت تفوقه فيها 0 كما أن هذين المجالين يستدعيان إدخال أنماط جديدة من التعليم تتعلق بعلوم الصناعة وقنواتها ، مما يمكن من الاستخدام الأمثل والسيطرة على وسائل الحرب الجديدة ، سواء الآلات وصناعتها وتركيبها واستخراجها ، أو التنظيمات التي يتحقق بها التنسيق الأمثل0

كل هذه المهام يقوم على تحقيقها رجال دولة ومديرو أعمال ومنفذو سياسات ، وهم بحكم نوع أعمالهم وخبراتهم ذوو حس عملي مباشر ، ولا ينشغلون كثيرا بالجوانب النظرية والفكرية 0 ثم إن الضرورة تستدعي منهم سرعة سريعة في التحرك والتنفيذ ، لمواجهة المخاطر الخارجية أولا ، للمناورة والالتفاف على القوى التقليدية في الجيش وفي مراكز الدولة ثانيا0

جماع هذه الأوضاع ألجأت حكام الزمان إلى أن يتوسلوا للإصلاح بإنشاء ما يمكن أن نسميه “المؤسسات البديلة” فلم يهتموا بأن يتبنوا حركة تجديد ما يمكن أن نسميه “المؤسسات البديلة ” فلم يهتموا بأن يتبنوا حركة تجديد شامل للجماعة والمؤسسات المختلفة ولم يهتموا بأن يظهر الجديد انبثاقا من القديم أبقوا القديم على حاله من القدم ، فكرا ومؤسسات ورجالا ، القوة على ركوده ،، وأنشأوا بجانبه المؤسسات الجديدة برجال آخرين وفكر آخر ، ولم يجر ذلك منهم استجابة لضرورات السرعة في التنفيذ فقط ، ولكنه جرى تجنبا للخلاف والصراع مع مؤسسات تقليدية كانت هي نفسها من ركائز الحكم ومن أعمدة قيامه ودعامات استقراره ، وذلك سواء في الجيش أو في التعليم أو في الفكر أو الإدارة المدنية0

فيبقى الجيش القديم وأنشئت بجواره فرق جديدة ، وبقى التعليم التقليدي وأقيمت بجانبه مدارس حديثه وهكذا ، صار هذا الازدواج منهجا وتقليدا ، سواء في السياسات المنفذة أو في بناء عقلية الحكام المصلحين في بلادنا ثم صار منهجا يترسم على وجه التلقائية في إنفاذ مطالب الإصلاح في المجالات المختلفة0

وثمة ملاحظات يمكن الإشارة هنا ؛ فإن هذا الازدواج الذي حدث بين المؤسسات القديمة والحديثة ، لم يكن من شأنه وحده أن يقيم صدعا في الجماعة أو في البيئة الاجتماعية أو الهياكل الفكرية ، لو أن الأمور جرت على منوالها ، كان الأرجح أن يتفاعل الطرفان ويتبادلون التغذية على المدى الزماني الأطول ، ولكن الذي جدت أنه ما أن ظهر هذا الازدواج حتى بدأ يتسرب إلينا النفوذ الأوربي في الكثير من المجالات والأنشطة 0 ووجد هذا النفوذ فيما وفد علينا من مؤسسات غربية كالبنوك ومن نظم التعامل القانوني ومن فكر وعقائد 0 ووجدت هذه المؤسسات والنظم والأفكار الوافدة ، وجدت في الازدواج الحادث ظرفا مواتيا ورؤوس جسور لتلك النظم والأفكار الوافدة ، فسرعان ما ضلت هذه المؤسسة الحديثة وصرفتها عن هدفها الأصلي الخادم لحركة المقاومة الحديثة ضد مخاطر الغزو الغربي ، ووجهتها وجهة التلقي والتابعية والتثبيت للنفوذ الغربي بعامة ، وتضرب لذلك المثل بالمقارنة السريعة لمدارس محمد على الحديثة التي أنشئت لتغذي الجيش المحارب وتقتصر على تدريس علوم الصنائع وقنواتها ، كالهندسة والطب والحربية 00 الخ وبين مدارس الخديوي إسماعيل والاحتلال البريطاني مع نهاية القرن التاسع عشر التي صرفت همها عن تلك العلوم إلى تدريس الآداب والنظم القانونية الوافدة 00 الخ ونلحظ ذلك أيضا في المقارنة المماثلة بين بعثات محمد علي في أوائل القرن الماضي وبعثات الاحتلال البريطاني في أواخر ذلك القرن0

وثانية الملاحظتين ، أن عامل الخطر الخارجي كان هو السبب في كل الظواهر السابقة ، هذا الخطر الخارجي الحال ذو الوقائع الممتدة عبر سنين القرن التاسع عشر ، هو ما به توقفت حركة الإصلاح الفكري والفقهي التي سبقت الإشارة إليها ، لأن مجال التجديد في الفكر والفقه كان يجري مكافحة للمؤسسات المحافظة 0 ولأن قيام الخطر المهدد لأمن الجماعة كلها من شأن أن ينحي المشاكل الداخلية ويبعدها عن بؤرة الاهتمام ، من شأنه أن يلقي على سلطات الحكم والمؤسسات الحاكمة مهام الدفاع عن الجماعة وحماية الحوزة مما يستدعي من الكافة المساندة والالتفاف وأرجاء خلافات الداخل وهذا ما حدث منذ اشتعلت المخاطر الخارجية في بدايات القرن التاسع عشر 0 إذ ذوت مع حركات الإصلاح الفكري على مدى النصف أو الثلثين من بداية ذلك القرن0

وهو ذاته هذا الخطر الخارجي ، الذي استدعى أسلوبا عاجلا سريعا عمليا للإصلاح أعتمد على بناء مؤسسات جديدة موازية للقديم دون أن تظهر منها ودون أن يصاحبه هذا الإصلاح حركة فكرية وحركة أحياء للقديم تواكبها وتنتقل بالمجتمع كله من حال قديم إلى حال جديد ناهض تنسجم هياكله وأبنيته وتتكامل في أداء وظيفي واحد ، وهو ذاته الخطر الخارجي الذي احتل بنفوذه سائر المؤسسات المحدثة وغير من وظائفها ليجعلها باسم الحداثة قواعد تثبيت التبعية له في المجتمعات المفردة0

والحال أن لم تفتقر حركة الإصلاح المؤسسي 0الجيش والدولة 00 الخ ) دعم حركة الإصلاح الفقهي والفكري فقط ، ولكنها حاربتها وعملت على تصفيتها ، وهذا ما كان من مسلك استانبول (محمود الثاني) والقاهرة (محمد علي) من الحركة الوهابية في 1811م0 لذلك كان من نتائج هذه الفترة ، نوع من الانفصام بين حركة الإصلاح المؤسسي وحركة الإصلاح الفكري ، ونوع من الازدواج بين الأبنية التقليدية نظما وفكرا وبين الأبنية الحديثة نظما وفكرا ، فصار القديم ابتر مقطوعا لم يفض إلى جديد من نوعه ومن مادته ومائه ، وصار الجديد أجنبيا لقيطا وفد من نسق عقيدي آخر ومن أوضاع اجتماعية وتاريخية مختلفة 0

وما حل القرن العشرين حتى كانت البيئة الاجتماعية والفكرية قد انصدعت بين قرن أبتر وقرن لقيط أعقبه ، وهذا ما وثناه حتى اليوم وما تواجهه الحركة الإسلامية لتتعامل مع مجتمع مصدوع ، عليها أن تلائم صدعه وأن تجد قديمه وتؤصل حديثة 0

وفي ظل هذا الظرف أتت الموجة التجديدية الثانية ، جاءت من المناطق التي عرفت من قبل بمناطق القلب ، والتي آلت مع نهايات القرن التاسع عشر إلى الغزو والاحتلال الأجنبي 0 واستفتحت برجال مثل جمال الدين الأفغاني (1839 ـ 1896) ومحمد عبده (1849 ـ1905) ومحمد رشيد رضا (1865 ـ 1939) وفي الوقت ذاته صار للتيار المحافظ وظيفة جد هامة تتعلق بالوقوف دفاعا عن أصول العقيدة وثوابتها في وجه رياح الغزو العاتية التي لم تترك أخضر ولا يابس وشملت الفكر والعقائد والعوائد وأساليب العيش 00 الخ0

لقد صار على الحركة الإسلامية في عمومها وبمجدديها ومحافظيها أن تواجه أوضاعا متعددة تستدعي مواقف فكرية متباينة ، فهي لم تعد تواجه ما كان يواجهه ابن عبد الوهاب من تعصب مذهبي وبدع وخرافات ، وهي لم تعد تواجه أخطار الاحتلال العسكري الغربي لأراضي المسلمين ، إنما صارت تواجه مع كل ذلك وفضلا عنه ، موجات من “التبشير” تقوم به بعثات مسيحية أوربية وأمريكية ، وتواجه أفكار الفلسفات المادية واللاتينية 0 ونزعة التغريب في وسائل العيش والأساليب والعلاقاتالاجتماعية0

هذا في ظني هو المنشأ التاريخي الحديث للتحديات التي تواجه الحركة الإسلامية فكرا وعملا وهي التحديات التي أشير إليها في صدر هذا المقال ، استحسنت لتصدي الحركة الإسلامية لهذه المشاكل ، أعرضها في سياقها التاريخي الواقعي أيضا ففي ظني أن الفكر الإسلامي الحديث تكون بالتراكم الحميد عبر عشرات السنين التي مضت من نهايات القرن الماضي ، وهو تكون من جهود عدد غير محصور من المفكرين والقادة والمصلحين 0 وهو فكر شيد وتراصت لبناته تحت خط النار ، وبنيت قلاعه وسط قصف مدافع الخصوم 0

ونذكر هنا في عجلة الملامح العامة لحركة تراكم الفكر السياسي الإسلامي في المرحلة التاريخية المعاصرة0

ونحن إذ نختار هذا “الطريق التاريخي” لعرض مفردات الفكر السياسي الإسلامي في زماننا ، إنما نفعل ذلك وأعيننا على الحاضر ، ولنوضح الظرف التاريخي الذي نبتت فيه أي ثمرة من ثمار هذا الفكر ، وهذا يلقى الضوء على هذا “المفصل” الذي يصل الفكر الواقع من حيث الأعمال والمقاصد ، أي من حيث مدى احتياج جماعة المسلمين لفكرة حركية ملائمة في لحظة بعينها ، ومن حيث توظيف هذه الفكرة لصالح الإسلام وجماعته في مرحلة ما ، وهذا يوضح أيضا أن كثيرا مما نعتبره خلافا في الرأي فنقف إزاءه متواجهين متقابلين ، كان أساسه اختلاف الزمان والمكان ، ولم يكن خلاف حجة وبرهان ، وإيضاح هذا الأمر من شأنه يقرب بين المتخالفين وألا يجعلهم في موقف المواجهة والمقابلة ، أنما يجعلهم أعرف بأن ثمة حقائق إسلامية عليا ومصالح إسلامية عليا ، ونحن ـ كل في زمانه ومكانه ـ نتوسل إلى رعايتها وصيانتها وإعلائها بالعديد من المواقف الفكرية والحركية التي تتباين الظروف والوضاع ، ومن هنا ندرك أن كثير مما نسميه اختلافا هو إلى التنوع اقرب ، وكل ذلك يزيدنا بأذن الله غنى ومرونة في إدراك وجوه الرأي وفي التعامل به مع الواقع إعلاء للصالح الإسلامي العام0

إن لواقعنا التاريخي الحاضر جانبين 0 هما وفقا لتعبيرات مالك بن نبي الاستعمار والقابلية للاستعمار وأنا أقصد بالاستعمار العدوان الآتي إلينا من الخارج ، عسكريا كان أو سياسيا أو اقتصاديا أو فكريا ، أي هو أثر الخارج فينا متى كان هذا الأثر يجري بغير رضانا ولغير صالحنا 0 كما أقصد بالقابلية للاستعمار هذا الوضع الذي نكون عليه والذي يمكن من غلبة الغير لنا ، أو الجهل أو التضارب أو غير ذلك مما يكون سببا في غلبة الطامعين فينا على أمرنا 0

وبهذا تجد أن جمال الدين الأفغاني وضع البنات الأولى في فكرنا الإسلامي الحديث “المقاومة للاستعمار” وإن محمد عبده وضع اللبنات الأولى في هذا الفكر “المقاومة للقابلية للاستعماري” 0

لقد أنشغل جمال الدين بأمر “وحدة المسلمين ” ليمكنهم الوقوف في وجه ما يتهددهم من أطماع الدول الأوربية والغربية ودعا لنبذ الخصومة بين السنة والشيعة ليمكن تأليف السلطتين الإسلاميتين الكبيرتين في وقته وهما سلطتا استانبول وإيران ، بعد أن كانت ذهبت دولة الهند الإسلامية أدراج الرياح ، ومن أهم ما أكد عليه هو طرح ولاية الأجنبي عن المسلمين بحسانه الركن الأعظم للإسلام فوحدة الجماعة الإسلامية وحدة موظفة إلى مقاومة الاحتلال ونبذ الولاية الأجنبية ، واعتبار ذلك هو الركن الأعظم للإسلام في وقتنا ، هذه النقطة تنطوي على جوهر دعوة جمال الدين وجوهر ما أرسى في الفكر السياسي الإسلامي الحديث0

وأهم ما أرسى في الفكر السياسي الإسلامي الحديث0

وأهم ما أريد الإشارة إليه هنا ، ذلك الجدل الذي كان الذي كان يثور كل حين حول موضوع مقاومة الاستعمار وإجلائه ، موضوع الأخذ بأسباب النهوض ومعالجة أسباب الضعف ، بأي هذين الموضوعين نبدأ لأيهما تكون الأولوية في اهتمامنا وتحركاتنا 0

والقائلون بأولوية الاستعداد لمكافحة الاستعمار يستند إلى أن وجود الاستعمار يرتب مجموعة من السياسات التي تتخذ لصالح بقائه ، فوجوده واستمرار بقائه يضعف فينا أسباب مقاومته ويقضي على إمكانيات النهوض ضده أو النهوض لتحقيق أي أمل مرتجى في المستقبل0

والقائلون بأولوية بناء القوة الذاتية وإنضاج أسباب النهوض ومعالجة نواحي الضعف ، إنما يستندون إلى أن ضعفنا الذاتي هو الذي سبب نجاح الاستعمار ضدنا ، ونحن لم نستطيع أن نقاوم غزوة لأننا كنا ضعافا ، ولأننا ضعاف فلن ننجح في إخراجه ، وإذا حدث أن خرج مع بقاء ضعفنا فسيعاود الكرة علينا ، أو يعاودها غيره0

وفي ظني أن هذا الجدل يقوم على خيار خاطيء ، لأنه يجري تمييزا بين أمرين كلاهما لازم ، أو أنه يقيم أولوية بين الواحد مهما تجاه الآخر ، رغم أنها بوصف ذلك كله عملية واحدة ، لأن كلا منهما لازم للآخر ملزم منه ومتى كان الأمر كذلك فليس من الصواب أن نطرح سؤالا مفاده أن أيهما أنفع وبأيهما نبدأ 0 وعلينا أن نتسلح بالنظرة التكاملية التي تنظر إلى العناصر المتنوعة في التكامل وليس في تنافرها وأن الذي يطرح على الناس في وقت معين ، والذي يتعلق بما يبدأ به من هذه العناصر إنما تؤثر فيه ـ وقد تتحكم فيه ـ ظروف اللحظة التي يطرح فيها الأمر ، والاختيار الصائب هو الاختيار الذي يتلاءم مع ما تتطلبه اللحظة التاريخية ذاتها ، ومدى ملاءمة عنصر ما إنما تقاس مدى إمكانية تحققه في ظرف معين ، أو بمدى ما يترتب عليه من أثر مطلوب في هذه اللحظة ، فالملاءمة نجد حديها في الإمكانية والتوظيف لذلك فنحن في الحقيقة لا نختار ـ عندما نختارهما ـ بين بديلين كما لو كانا سلعتين معروضتين في واجهة أحد المحال التجارية ، إنما ننظر في الممكن والمؤثر في اللحظة التاريخية المعنية 0

وجمال الذين عندما كان يهيء المسلمين ويستحمسهم لمقاومة الاستعمار في كل من مصر وفارس والهند وإستانبول ، أنما كان يصنع ذلك في ظروف تدفق موجات الغزو الاستعماري على ديارنا في كل هذه الأقطار ، وفي مثل هذه اللحظات فإن الخيار الوحيد المجدي هو الاحتشاد والتجمع للمقاومة وقد ساهم محمد عبده بقدر في هذا العمل عندما نشط مع أستاذه جمال الدين الأفغاني وقتها0

ولكن لا شك أن جهد الرجلين لم يكن متماثلا ، وكان تركيب كل منهم النفسي والوجداني والفكري متلائما مع المهمة التي قام بها ، جمال الدين في مقاومة الاستعمار ، ومحمد عبده في مقاومة القابلية للاستعمار وقد بدأ محمد عبده نشاطه الذي تميز به بعد إتمام احتلال الإنجليز لمصر في 1882 ، وقد ابعد عن مصر سنوات ثم عاد بعد أن تمكن منها الاحتلال البريطاني ولم يعد من بين الخيارات المطروحة في التسعينات من القرن التاسع عشر ، أن تحشد القوى لطرد الاحتلال ، ولم يعد ثمة خيار غير العمل الدائب لمقاومة القابلية للاستعمار ، ومن هنا جاءت جدوى ما صنع محمد عبده وقد اعتنى ما رآه من ازدواج يفصم الحياة الاجتماعية ، وتبدت أهم ظواهره في مجال القانون والتشريع ومحال التعليم ، وهنا صارت دعوة الاجتهاد والتجديد لصيغة يهدف تفتيق الفكر الإسلامي وفقهه ليستجيب لمطالب النهوض والصحوة وليلتئم الصدع الحادث في مؤسسات المجتمع فيمكن القضاء على الازدواج الحادث في المؤسسات0

وصار محمد رشيد رضا امتدادا لدعوة محمد عبده خلال الثلاثين عاما التي أعقبت وفاة محمد عبده في 1905 إلا أنه امتداد له تميزه وتنوعه واستجابته للأوضاع المتغيرة على مدى هذه السنين ، فقد صارت اجتهاداته أكثر اتصالا بفكر ابن تيمية ، ومن ثم قويت الآصرة من بعد بين حركة التجديد الفقهي وبين التوجه السلفي 0 وكان لهذه الآصرة أثر عميق في تحقيق الملاءمة بين الأصالة الشرعية وبين استشراف أوضاع الواقع المعيشي كما كان السيد محمد رشد رضا أوغل في السياسات العلمية ، سواء العربية أو الإسلامية ، من الأمام محمد عبده واكتمل لديه منهج التفسير المحدد للقرآن مع الربط بين قضايا الفقه وقضايا السياسة ، ذلك لأنه عاصر من الأحداث التالية لمحمد عبده ما كان يحتاج لهذا الانشغال بهذه السياسات الوطنية ، مثل تصفية الدولة العثمانية وتقسيم الشام والعراق بين الإنجليز والفرنسيين وظهور الصهيونية0

في بداية القرن العشرين ، كانت الحركة الوطنية في بلادنا مرتبطة بالإسلام لا تكاد تنفصل وكانت شعوبنا العربية الإسلامية ـ وهي تقاوم الاستعمار ـ إنما تنهض تحت راية الإسلام وتتجمع تحت جناحيه وتكافح به الاحتلال الأجنبي وظلم الاستبداد ومن ذلك حركات الجزائري في الجزائر والخطابي في المغرب والسنوسي في ليبيا والمهدي في السودان وابن عبد الوهاب في الجزيرة ، وحتى حركة مصطفى كامل في مصر تنتمي إلى هذا الاتجاه الذي لا يفرق بين الإسلام وبين حركات مقاومة الاحتلال والاستبداد ولم تكن التكوينات الثقافية والاجتماعية المتأثرة بالفكر الغربي ، لم تكن تتجاوز بعض النخب السياسية من كبار رجالات المجتمع ذوي المناصب الكبيرة ، ولكن ما لبثت هذه التكوينات أن اتسعت وتكاثر ناسها ، بسبب نظام التعليم الحديث الذي لم يكتف بإدخال العلوم الحديثة في الصنائع وفنونها كالفيزياء والكيمياء وغيرهما ، ولم يكتف بإدخال اللغات الأوربية ، ولكنه نظام أسس على نمط علماني بفصل علوم الدين عن علوم الدنيا وهموم على أساس من فلسفات الغرب ، والسبب الثاني يتعلق بانتشار الفكر الأوربي الفلسفي والاجتماعي ونظرياته بين صفوة المثقفين المتخرجين من هذه المدارس أو من المبعوثين إلى الخارج ، ثم هناك سبب ثالث يتعلق بوجود المجلات الشهرية والكتب التي بدأت تظهر لتروج لهذه الأفكار وتقييم قواعد احلال فكري ونظري تعارض أسس الفكر الإسلامي التقليدي0

ولم نكد تنتهي الحرب العالمية الأولى (1814 ـ1818) حتى كانت الدول العثمانية قد صفيت : وحل محلها دولة تركيا الحديثة التي ألغت الخلافة الإسلامية واتخذت إجراءات بالغة الحدة لتصفية كل اثر للإسلام في تلك الديار ، كنظام للحياة وأساس للشريعة الاجتماعية والسياسية فيها ، وكان لذلك وقع الصدمة الشديدة على المسلمين في العالم أجمع ، لا ألما من ذهاب دولة بني عثمان ولكن ألما من تلك الظروف التي نقضت عقد المسلمين وشتت شملهم ، فلم يعودوا يرون جهة أو هيئة يتجهون إليها كجامع لهم ، وفي الوقت نفسه احتلت القوات الأوربية ما كان لم يحتل بعد من أرض العرب والمسلمين ، واقتسموا فيما بينهم ، وخاصة أرض الشام والعراق كما سبقت الاشارة0

وفي هذا الوقت ظهر عديد من الحركات الوطنية في العالم الإسلامي كمصر وفي غيره كالصين والهند ، وكذلك حركات المقاومة في البلاد حديثة العهد بالاحتلال كسوريا والعراق ، كانت القوى الأساسية التي قادت هذه الحركات من أبناء المؤسسات الحديثة في التعليم وممن تربوا على أسس علمانية بعيدة عن المؤسسات الدينية التقليدية0

وقد تكاتفت هذه العوامل لتضع الحركات من أبناء المؤسسات الحديثة في التعليم وممن تربوا على أسس علمانية بعيدة عن المؤسسات الدينية التقليدية وقد تكاتفت هذه العوامل لتضع الحركات الوطنية التي ظهرت في هذه المرحلة الوطنية التي ظهرت في هذه المرحلة ، بصورة علمانية ، فهي تعمل على إجلاء المحتل وتطالب بالاستقلال السياسي ، ولكنها ترسم لمستقبل بلادها صورا مستمدة من أنماط النظم الاجتماعية السائدة في الغرب وتستهدف بناء نظم وضعية بعيدة عن الفكر الديني وعن أصول الشرعية الدينية0

في البداية اندمج التوجه الإسلامي ورجاله في هذه الحركات بحسبان أن مقاومة الناصب الأجنبي أولى في الاعتبار ، وأن إجلاءه يقيد القوى الوطنية كلها ، وإن المتتبع للحركات الوطنية في هذه المرحلة ، من بداية العشرينات من القرن العشرين ، يلحظ إتصالا قويا للعناصر ذات التوجه الإسلامي بهذه الحركات ومشاركة فعالة فيها0

ولكن مع نهاية العشرينات بدأ أن الفكر العلماني يعمل بإصرار على أن يسيطر على أوضاع المجتمع كلها ، وأن يصوغ المؤسسات الاجتماعية والفكرية ومؤسسات الدولة بطابعه ، ويعمل على أن يفصل الإسلام عن أوضاع المجتمع لينشيء نظاما علمانيا صرفا ويكمل النظام العلماني الذي كان بدأ مع نهايات القرن التاسع عشر ، وبدأت دعوة صريحة جهيدة تطالب بتنحية الإسلام عن نظم الحياة كافة0

وفي الوقت نفسه تحررت حركات التبشير المسيحي الأوربية والأمريكية من خوفها إزاء المسلمين ، كانت هذه الحركات قد وفدت إلى أقطارنا منذ منتصف القرن التاسع عشر ، وكانت وقتها تنشط بين المسيحيين الشرقيين من مواطنينا ، سعيا لأن تبني لها قواعد بشرية مواليه لها ، وقد أثار ذلك المسيحيين الشرقيين وحفزهم لمقاومة هذا النشاط ، ولم تكن هذه البعثات في ذلك الوقت تجرؤ على أن تقترب بنشاطها من المسلمين ، هذا البحر الواسع الذي إذا هاج فقد يبتلع تلك البعثات في قراره السحيق ويزيد المسلمين غضبا وحدة في مقاومتهم أي نفوذ غربي0

ولكن تغير هذا الموقف بعد الحرب العالمية الأولى ، إذ انتقص عقد الخلافة الإسلامية ونشأت نظم علمانية في بلادنا وتبنت قيادات دولنا وقيادات حركاتنا الوطنية هذه النظم الوافدة ، وبات الإسلام مجردا من سيفه بعيدا عن سياسة الحكومات وكل ذلك شجع حركات التبشير أن تعمل بين المسلمين وانعكس ذلك في مؤتمر المبشرين بالقدس 1924 الذي ارتفع فيه شعار “تنصير العالم في جيل واحد”

وقد قوبل هذا النشاط بصدود شديد من المسلمين ، وإن الأفراد المعدودين القليلين جدا الذين استجابوا لبعثات التبشير بسبب يتم أو مرض ، سواء في مصر أو في بلاد الشام أو في تركيا ، هذه الحالات المحدودة قد أقامت أعاصير احتجاج بين المسلمين وحفزت روح المقاومة في الجسد الإسلامي الكبير0

ورغم هذه الصحوة للروح الإسلامية ، سياسات الصهاينة اليهود في أرض فلسطين وفلسطين أرض القدس والمسجد الأقصى ، وهي أن اهاجت الحس العربي فإنها تثير معه وأقوى الحس الإسلامي ، تجاه بلد فيه أولى القبلتين وثالث الحرمين التي يشد إليها الرحال ، وفيها معراج البراق ثم هناك أيضا رد الفعل الإسلامي إزاء ما اتخذته السلطات الفرنسية في المغرب العربي من إجراءات لعزل البربر المغاربة عن الإسلام وإبعادهم عن أحكام الشريعة الإسلامية 0

في هذه الظروف ، واستجابة لها ظهر الشيخ حسن النبا بحركة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 ، لقد سبقت جمعية الشبان المسلمين (1927) ظهور الإخوان ، وقام عديد من رجالات الدعوة الإسلامية بدورهم من قبل ، ولكن حسن البنا وجماعته وجماعته كانا هما الاستجابة الأكثر وضوحا والأكثر تبلورا لمتطلبات الحركة الإسلامية في ذلك الوقت0

والنبا والإخوان ليسوا فكرا فقط ولكنهم حركة وموقف ، وأساسهم فكرا وحركة وموقفا هو “شمولية الإسلام” أي الدعوة للإسلام الشامل لكل أوضاع الكون والمجتمع والفرد ، وللإسلام الجامع لكل أطراف الحياة المهيمن على كل أحوال البشر عقيدة وشريعة وسلوكا ، وبالعقيدة تتحدد للإنسان نظرته إلى الكون وموقعه فيه ، وبالشريعة تتحد له نظرته للمجتمع وموقع الفرد بين الجماعة والتوازن الواجب بين الحقوق والواجبات بين الناس وبالسلوك تتحدد له أسس نظرته إلى غيره من الأفراد والجماعات وأساليب تعامله مع غيره وتكوينه الوجداني0

أن التأكيد على هذا المعنى الشامل هو ما به تمثلت الاستجابة الإسلامية الصحيحة التي تطلبها الواقع ، عندما اتجهت حركة المجتمع إلى إضمار الإسلام وحصره في نطاق العلاقة الباطنية بين الفرد وربه ، وعندما ظهرت العلمانية لتقيد الإسلام في حدود العبادات وتعمل على إقصائه عن أن يكون مهيمنا على نظام المجتمع وحاكما لعلاقاته0

أن ذلك لا يعني أن الدعوة كانت رد فعل الواقع معين فقط ، ولكنه يعني أن أي كيان حي وكبير كالإسلام ، عندما يلقى تحديا لأي من جوانبه أو عناصره وخصائصه الأساسية ، إنما يبرز لهذا الوجه من وجوه التحدي كل طاقته ويحشد كل قوته لمواجهة التحدي في هذه الزاوية أو الجانب الذي وقع فيه الخلل ، كشأن جسم الإنسان عندما يركز كل قوته لمواجهة آثار الإصابة الموجه إليه في الجانب المصاب ، وشبيه لذلك مثلا حركات الاستقلال الوطني التي انتشرت في بلادنا مع الاحتلال الأجنبي لهذه الأوطان ، لم تكن رد فعل بالمعنى السلبي للكلمة ، ولكنها كانت استجابة لوجود التحدي التي تواجهها الجماعة والجوانب الخلل التي تعاني منها ، فشمول الإسلام خاصة أصلية فيه وهي ملاصقة له لا تبارحه ، أولا يمس الإسلام إسلاما بغيرها وهي تتأكد في مواجهة من ينكرها0

وبما يستق مع هذه النظرة لشمول الإسلام ، اندمج فكر الجماعة في عملها ونشاطها الحركي ، والدعوة ليست عرضا لفكرة والدفاع عنها ، ولكنها تنظيم ونشاطها الحركي ، والدعوة ليست عرضا لفكرة والدفاع عنها ، ولكنها تنظيم يجمع الناس وينتظمهم في شعب ويأخذهم بالتعليم والتربية الدينية والسياسية كما أن التكوين الفكري الوجداني للجماعة قام مزيجا من علوم الإسلام التي تدرس بالأزهر ، ومن القدر الموفق من وجدانيات الصوفية في العبارة وربط الفرد بالجماعة كتنظيم ، ومن وطنيات الحركات السياسية التي تنادي بالاستقلال السياسي والنهوض به وخاصة الحزب الوطني 0

لقد أرسى الأفغاني فكرة الإسلام المجاهد ، وأضاف محمد عبده فكرة التجديد في الفقه والتفسير ، وأضاف محمد رشيد رضا الربط بين التجديد والسلفية والتفاعل مع السياسات الوطنية ، وأضاف حسن النبا شمولية الإسلام والترابط الوثيق بين العقيدة والشريعة والسياسة ، وبين الفكر والتنظيم الحركي ، ومزج بين فكريات فقه الأزهر ووجدانيات الصوفية ووطنيات الحزب الوطني 0

وهذا في تقديري هي الأسس العامة التي تكون هيكل الفكر السياسي الإسلامي في تاريخنا المعاصر ، وهي جوانب ذات ثبات نسبي في الفكر الإسلامي المعاصر ، تراكمت عبر مرحلة ممتده من الربع الأخير من القرن التاسع عشر حتى النصف الأول من القرن العشرين ، وقد شارك فيها كثيرون من المفكرين والدعاة والعاملين لنصرة الإسلام ولكننا هنا نحدد ملامح عامة ونتكلم عن أوضح الرموز في بيان تلك الخطوط العامة0

وأهم الدلالات التي يمكن استخراجها من العرض السابق تتعلق بالترابط بين الوضاع التاريخية التي تلابس جماعة الإسلام في وقت ما وبين نوعية الاستجابة الفكرية والسياسية لها من داخل الإسلام وعادته الفقهية ، وهذه الدلالة نستطيع أن نتبعها مع عدد من التكوينات الفكرية الإسلامية الأقل ثباتا في خصائصها وسماتها مما سبق عرضه ، ونحن نعني بذلك أن الخصائص الأكثر ثباتا في الفكر السياسي الإسلامي في هذا العصر الحديث إنما هي خصائص تستجيب للملامح الأكثر عموما التي تتسم بها هذه المرحلة الممتدة من تاريخنا المعاصر ، وهي ما يمكن تسميتها مرحلة “الاستعمار ومقاومته”0

ففي هذا الإطار الفسيح للفكر الإسلامي السياسي ، ظهرت حركات ومجموعات فكرية ذات خصائص ثانوية وأقل ثباتا مما سبق عرضه ، وهي عند التحقيق لا تمثل نقضا ولا معارضة للخصائص العامة السابقة ، ولكنها تمثل استجابات مرحلية أو إقليمية متغيرة لحالات طارئة أو خاصة ، أو لضغوط حادة أو أوضاع غير عادية صادفت المسلمين ، وهناك ما نلحظه في حركات ودعوات مثل ما كان من سعيد النورسي في تركيا أو من جماعات التبليغ حيث ظهرت في الهند أو ما كان من فكر أبي الأعلى المودودي أو سيد قطب حيثما ظهرت وتفاعل 0 ولكل من هذه التنوعات الفكرية والسياسية خصوصيات قامت استجابة لحاجات الجماعة الإسلامية في وضع مخصوص0

ويمكننا أن نلحظ أن هذه الدعوات جميعا ظهرت في أوضاع تاريخية وإقليمية اتسمت بحصر وتضييق على الوجد الإسلامي ، ولكنها تنوعت حسب نوع التضييق الحادث كما يظهر مما يلي أولا ، حيثما كان الحصر والتضييق يشتد ويمتد إلى أصول العقيدة الإسلامية وتنسد المنافذ أمام التعبير عن الموقف الإسلامي في شموله ويخشى على العامة من تآكل جذور العقيدة في نفوسهم بسبب المخالطات الوثنية كما في الهند أو بسبب سياسة طغيان عارم على اقتلاع الإسلام كما في تركيا الكمالية ، حيثما كان الوضع هكذا صرفت الحركة الإسلامية المعنية جهدها لتثبت العقيدة في قلوب البشر وتأكيد دعامات الإسلام في النفوس وتعتني بالأوضاع الاجتماعية المهيئة لاستقرار أوضاع المسلمين المادية والمعنوية0

وهذا ما كان من دعوة محمد الياس الكاندهلوي الذي أنشأ جماعات التبليغ في بنية كان المسلمون فيها أقلية غير معززة ، ضعيفة محاصرة محرومة وهذا ما كان من بديع الزمان سعيد النورسي الذي واجه كل محاولات كمال أتاتورك اقتلاع أسس العقيدة نفسها من صدور الرجال ، وقد قصرت جماعات التبليغ دعواها على التعليم الحض على إقامة الفروض وترك المعاصي سواء في الهند أو حيثما وجدت خطرا يهدد هذه الأصول بسبب انتشار الثقافات الغربية الكاسحة مع الحرص على البعد عن الدعوات السياسية حرصا على حصر الخصوم وتوسيع الأنصار كما قصر النورسي حركته على المطالبة بتطبيق أصول الشريعة ومباديء الإسلام والاستمساك بأركان العقيدة وغير ذلك من الجوانب الإيمانية ، مع الحرص على تجنب ما يتعلق بالنظم الإسلامية وتأجيل الاهتمام بكل ما يتعلق بالقضايا السياسية 0

نحن نلمح في هاتين الحركتين نوعا من الدفاع عن الخطر الأخير للإسلام خطر المحافظة على استبقاء أصل العقيدة والدفاع عن مقوماتها الأساسية0

ثانيا ، وحيثما ارتجت أبواب التعمير عن الموقف الإسلامي من حيث هو نظام شامل ومصدر للشريعة لنظم الحياة والمجتمع ، كانت الاستجابة داعية للمفاصلة مع النظم السائدة وهذا ما نلحظه في فكر المودودي وقطب وبوجه خاص في فكر سيد قطب0

ونحن عندما نتحدث عن فكر سيد قطب إنما نقصد بوجه خاص ما انتج هذا الفكر في الخمسينات والستينات دون ما صدر له من أعمال قبل ذلك فإن ما يميز هذا الفكر في هذا المقام كان له أثر خاص في تاريخ الفكر والحركات السياسية الإسلامية الحاضرة ، هو ما ورد في الصياغة الخيرة لتفسيره “في ظلال القرآن” وفي كتابه الذي شعر بخطره أنصاره وخصومه على السواء “معالم في الطريق” 0

في الخمسينات والستينات كانت الحركة الإسلامية مضروبة في رجالها وتنظيماتها ، وكان الفكر السياسي الإسلامي مستعدا عن المشاركة في تجديد المفاهيم السياسية والاجتماعية ورسم السياسات ، ورغم كل تحفظات قيادة الدولة في مصر وحذرها مما أسمته “استيراد الأفكار” وحرصها وحرص دعاتها على الترويج لما أسمى بالنظم المنبثقة عن واقع المجتمع وتاريخه ، رغم ذلك فقد غلب الطابع العلماني في صياغة مجمل الأفكار والمؤسسات والنظم ورؤى المستقبل ، واكتسب “المثال” الغربي قدرا كبيرا من السيادة في القيم السياسية وفي العادات وأساليب العيش ، وفي هذه الظروف ظهر من تحت الرماد وميض ما عرف بفكر سيد قطب0

كان قطب يؤكد على مقهوم الحاكمية لله وحده ، في جميع مجالات حياة البشر ، ويؤكد أن عقيدة الإسلام لا تتحقق بمجرد القيام بالعبادات ، لأن طاعة الله مطلوبة في شؤون الحياة كافة ، والصلاة لا تؤدي وظيفتها إذا لم تنه عن الفواحش ، والتشريع لا ينفصل عن الإيمان والشريعة لا تنفصل عن ذكر الله0

إن مجمل هذه الأفكار سائد في الفكر الإسلامي بعامة ، ولكن سيد قطب أقام هذا الفكر على نهج فاصل وفارق ، فهو فيما يؤكد عليه لا يتعامل مع الأفكار المغايرة ولا يقيم معها جسورا ولا يتوجه إليها بحوار ، فهو فكر صيغ على وجه يهدف إلى المجانبة وليس إلى الانتشار ، وقطب يبدأ بمقولة صحيحة لا ينكرها مسلم وهي أن الحكم لله وحده ، ولكنه يستخلص من ذلك أن كل تشريع وأي قانون نضعه إنما يتضمن معنى الشرك بالله سبحانه ، ومن ثم فهو مسلك جاهلي واعتبر دعوته إنما تقوم لإنشاء الدين إنشاء أي أنها دعوة لاعتناق عقيدة الإسلام ، حتى لو كانت بين قوم يدعون انهم مسلمون ، واعتبر موضوع التجديد في الفقه الإسلامي موضوعا مرجأ لأن شرط التجديد أن يوجد الإسلام اولا0

لا صعوبة في بيان وجوه المغالاة في هذا الفكر الذي يحصر المسلمين في نطاق “طليعة” محدودة ويحسر هذا الوصف عن جمهور الأمة المطلوب إنشاء الدين فيها إنشاء على أننا لا نريد هنا أن نحاكم فكرا ، ولا يكفينا أن نصف أي فكر أو حركة بالاعتدال أو التطرف ونسكت ، إنما علينا أن نتساءل لماذا يظهر نهج فكري وحركي معين ولماذا ينمو أو يخبو ثم علينا أن نعرف أن الاعتدال والتطرف هما حكمان ينسبان إلى ظروف معين أو وضع خاص ، وأن الفكرة الواحدة يتغير وصفها ومؤداها من حيث التطرف أو الاعتدال بتغير الظروف الذي تعمل فيه ، لأن الحكم يتعلق في صميمه بمدى الملاءمة مع واقع الحال بل أكاد أقول أن وجهي التطرف والاعتدال قد يكونان نافعين في الظرف التاريخي الواحد ، وذلك إذا توجه كل منها إلى ما يسر له ، ونحن هنا بصدد الحديث عن فكر وحركة سياسية ، وفي السياسة يتوقف النجاح على حسن أعمال كل من سلاحي التشدد والتهاون ، كل في مجاله وفي ظرفه 0

نحن لا نحاول أن نجري تلفيقا بين فكرين ، ولكننا نحاول أن نفهم وظيفة كل صيغة فكرية في إطار أوضاعها وما يلابسها وخطأ المدارس الفكرية في علاقاتها مع بعضها البعض أن كلا منها لا يدرك وظيفة الأخريات في جوانب معينة من واقع الحال ، فهي تتضارب بدلا من أن تتعاون ، وهي تضع مقاييس الحكم على أساس من الصواب أو الخطأ المطلقين ، رغم أن المعيار هنا نسبي يقاس بملاءمة الاستجابة للأوضاع القائمة ، وما قد تقتضيه أحيانا من تعدد الأدوار 0

أن سيد قطب صاحب فكر يختلف كثيرا عن فكر حسن البنا رحمهما الله ولكن الأمر لا يقوم بالمقارنة بموازين مطلقة ، إنما يجري وصف كل فكر وظروف إعماله وفكر حسن البنا لمن يطالعه فكر انتشار وذيوع وارتباط بالناس بعامة ، وهو فكر تجميع وتوثيق للعرى ، وفكر سيد قطب فكر مجانبة ومفاصله وفكر امتناع عن الآخرين ، فكر البنا يزرع أرضا وينثر حبا ويسقي شجرا وينتشر مع الشمس والهواء ، وفكر قطب يحفر خندقا ويني قلاعا ممتنعة عالية الأسوار والفرق بينهما هو الفرق بين السلم والحرب0

لقد نشأت جماعة الإخوان كتنظيم علني منشور ، ثم ما لبث أن ظهر بداخلها ما عرف باسم “النظام الخاص” وهو تنظيم أكثر إحكاما وأوثق رباط يمثل كتيبة صدام ، عندما تظهر الحاجة لكتائب الصدام ، سيما أن البلاد كانت محتلة ولكن وجود التنظيمين في بردة واحدة لم يكن له أن يبقى طويلا لأن لكل من التنظيمين تكوينه المتميز والوسط الملائم ، الذي يحيا فيه ، من حيث اختيار الرجال والعلاقات التنظيمية وأدوات العمل ووجوه العطاء المطلوب والمبذول 0

والمفروض أن يكون لكل منهما فكر أو “فقه” يلائم وظيفته ، الانتشار أو الصدام ، والفكر هو ماء الحياة ، وماء الحياة الذي يلزم لجماعة مفتوحة تعمل لنشر دعوة بين العامة ، ليس هو ماء الحياة الذي يلزم لجماعة أعدت نفسها كتيبة صدام وعضلة امتناع ومحاربة وليس الفكر اللازم لبناء مجلس نيابي هو عينة الفكر اللازم لبناء جيش مقاتل ، ولا الرجال هم هم ، ولا علاقات العمل ومستويات النظم هي ، هي لذلك فقد حدث بين نظامي جماعة الإخوان ما عرفنا عن وقائع الحركة الإسلامية في نهايات الأربعينات وبدايات الخمسينات0

لم يكن سيد قطب في ذلك الوقت من رجال المغالاة في الفكر السياسي الإسلامي ، ولم يعرف “النظام الخاص” ولكن ظروف الخمسينات والستينات من بعد ، والأوضاع التي خضعت لها تجربته الفكرية ولملكاته الوجدانية والعقلية ، كل ذلك اجتمع ليخرج من يراع هذا الرجل جوهر الفكرة الأساسية التي تقوم عليها كتائب الصدام ، وقدم الرجل حياته ثمنا لهذا الصنيع0

وقد تبلور فكران ، فكر الانتشار وفكر الصدام ، وقام كل على ساقه ليؤدي الوظيفة التي ترشحها له الظروف في كل حال وتنميها الأوضاع في كل آن ، ونحن لا نقول أن الإسلام أفضل ولا أن الحرب أوجب ، هكذا على نحو مطلق ، إنما الأفضلية والأولوية بينهما تكون مسنوبة إلى ظروف الحال وهكذا الحال في الفكر الذي يغذي أيا من النشاطين ، وأن الواقع الحي يعلمنا أنه لا سلام إلا مع القدرة على الحرب ، فكلا العنصرين مطلوب في الوقت عينه ، وكلاهما يغذي الآخر ويتغذى به ، شريطة أن يعرف كل منهما مجاله ومحال غيره وشريطة أن نعرف القدر المناسب من كل منهما لعلاج الأوضاع العينية في كل عصر ومصر 0

قصدت بهذا العرض التاريخي للملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في العصر الحديث ، أن أوضح عددا من الأمور أرجو أن أكون جلوتها بعض الجلاء من ذلك أن هذا الفكر كما يتراءى لنا الآن هو حصيلة استجابات تاريخية لهذه المرحلة من حياة جماعة المسلمين ، وأنه محصلة تراكمت عناصرها لبنة ، لبنة بواسطة عدد غير محصور من رجال الفكر والسياسة الإسلامية في عصرنا ، ومنعا أن الخلافات بين الاتجاهات المختلفة إنما هي خلافات تحسمها الحاجة التاريخية والاجتماعية للأمة الإسلامية في كل حال ، وأن الحاسم في الحكم على الجوانب الإيجابية لكل اتجاه إنما يتعلق بمدى الاستجابة للشكل الأساسي الذي يطبع عصرنا كله ، وهو مشكل التعبئة ومطلب التحرر الإسلامي من هذه التعبئة للأجنبي ، وهذا ما يحدد وجوه التحديد ووجوه المحافظة وأنماط الوحدة والتنوع وأساليب الاعتدال والغلو وملاءمات كل وجه من وجوه النشاط 0

وأن إيجابيات الاتجاهات المختلفة المختبرة وفقا لما سبق يمكن أن يغذي بعضها بعضا لتتراكم في إدراك الأمة كأدوار متنوعة في نسق واحد منتظم وأن التنوع مطلوب والكثرية نافعة متى أمكن نظم وظائفها لتجيب على الوجوه المتباينة للواقع الحال بتعقيداته وتنوعاته فيعين بعضها بعضا ويصوب بعضها بعض بغير تناف 0

وإن الظرف التاريخي وأوضاع التحدي التي تقوم أمام الجماعة هي ما تولد أسلوب المواجهة للدفاع عن الإسلام والنهوض بالأمة الإسلامية بوصفها كيانا حيا وهي التي تحدد وسائل الدفاع وأدواته ، ونحن نحتاج في كل ذلك إلى قدر مقور من الوحدة مع التنوع بدرجة لا يجلوها إلا التفاعل مع المواقع المعين0

التنافس والخلافات الحدودية بين دول مجلس التعاون الخليجي

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

مركز الناطور للدراسات والابحاث

إعداد: يؤال جوزنسكي

مذكرة رقم 116

معهد أبحاث الأمن القومي في أبريل 2012

معظم دول الخليج هي نتاج القرن العشرين، حدودها تم رسمها إلى حد كبير من قبل قوى خارجية والتي بقيت محل خلاف حتى في بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

فبالإضافة إلى العلاقات المعقدة والنزاعات الحدودية والإقليمية مع إيران وإلى حد معين مع العراق واليمن أيضا فإن جزءا من التحديات الأمنية التي تواجهها دول الخليج مرتبطة بالذات بالعلاقات فيما بينها.

على الرغم من أن معظم الخلافات الحدودية بين الدول الست الملكية بين الأسر الحاكمة قد سويت على الورق إلا أنها تعود مرة تلو الأخرى لتذكر بالتأثير السلبي لهذه الخلافات على طبيعة العلاقات فيما بينها.

معظمها تواجه أو أنها واجهت حتى الآونة الأخيرة نزاعا حدوديا بريا أو بحريا فيما بينها وقد نشأ هذا بصفة رئيسية عن الطموح في السيطرة على حقول النفط في مناطق لم ترسم حدودها بشكل جيد ونتيجة لخصومات تاريخية متكررة ومن المشاكل القائمة حول ترسيم الحدود في مناطق صحراوية وقبلية (1)

النزاعات الحدودية بين دول الخليج العربية نابعة أيضا من كون حدودها وعلى الأخص في الجانب الأكبر منها مصطنعة وباستثناء عمان فإن حدود الدول في شبه الجزيرة العربية وعلى الأخص الصغيرة منها تأثرت إلى حد كبير من الموروث الاستعماري.

السعودية الانتقال من إمارة قبلية إلى ملكية كان مختلفا التمدد الإقليمي لابن سعود على حساب العثمانيين تأثر بالوجود البريطاني في أقاليم تقع على ساحل الخليج وفي المناطق الهاشمية ، وفي مرحلة معينة البريطانيون ساعدوا جهود التوسع لدى ابن سعود على حساب الإمبراطورية العثمانية وإن تم في وقت متأخر عندما أحدثت تآكلا في الأقاليم التي تخضع لسيادتهم في الخليج .

السعودية لم تتأثر على الإطلاق وإلى حد كبير نتيجة للتدخل الأجنبي وعلى الأخص الغربي.

أسلوب الانتداب وتطبيقه في الشرق الأوسط جلبت إلى المنطقة مفهوم الحدود الدولية –وهو مفهوم كان غريبا على أبناء الصحراء الذين كانوا رحل ويشنون حملات الغزو والتوسع (2)

في بعض الحالات تم رسم الحدود بشكل ثنائي أي بين بريطانيا التي كانت تدير فعليا السياسة الخارجية لمعظم هذه الدول حتى عام 1971 وبين الدولة التي حظيت بالاستقلال، هكذا على سبيل المثال عندما وقعت كل من بريطانيا والكويت على اتفاق بشأن حدود الإمارة التي حصلت على الاستقلال عام 1961 لم يكن بوسع الدول المجاورة للكويت التفاوض

الاتفاقيات التي أبرمت كانت غامضة ومبهمة في طبيعتها واستندت إلى إشارات وعلامات مؤقتة على غرار المثال البارز على ذلك اتفاق رسم الحدود بين العراق والكويت والذي تحدد وفقا لموقع شجرة نخيل الجنوبية (3)

في الماضي كانت الحدود في شبه الجزيرة العربية أكثر مرونة إذ أنها تحددت وفقا لمناطق رعي القبائل لكن تصاعد التنافس على الموارد والبحث عن هوية وطنية وعلى الأخص في غياب إطار أمني فعال أدى إلى تدهور العلاقات بين الدول، التعتيم الإقليمي والحاجة إلى مفهوم للوصول إلى مصادر الطاقة استمر في زرع بذور التوتر بين الدول والإضرار بقدرتها على تطبيق الاتفاقيات والتفاهمات (4)

بالإضافة إلى الرؤية المختلفة للاحتياجات الأمنية والظروف الجيوإستراتيجية المختلفة، فلقد كان النشاط حول استخراج النفط والذي عزز من المخاوف المتبادلة أدى إلى تصعيد عدم الثقة بين دول المنطقة.

كل قطعة أرض أصبحت فجأة حقل نفط مفترض وأدى الصراع إلى عدة حالات لشل نشاط مجلس التعاون الخليجي وأثقل على قدرة هذه الدول الأعضاء لمجلس التعاون لتطوير التعاون في إطاره وحتى عندما توصل بعضها إلى اتفاق ينظم الحدود فيما بينها مثل حالة النزاع الحدودي بين عمان والإمارات فإنه لم يطبق في الميدان بل أنه خرق عن طريق مواجهة عسكرية كمثل الحالة القطرية مع السعودية .

موضوع الحدود البحرية أكثر تعقيدا نظرا لأنه يتضمن المناطق الاقتصادية الأكثر ثراء وهو النفط في الساحل الخليجي.

معظم الدول التي أقيمت في المنطقة هي كما ذكرنا مصطنعة، حدودها رسمت وتحددت دون أي اعتبار للتاريخ المحلي أو للتقاليد السلطوية القائمة ومنذ ذلك الوقت فلقد كانت مصلحة حاكمها هي الحفاظ عليهم دون أي تغيير يمكن أن يؤدي إلى حروب ونزاعات بالإضافة إلى ذلك فإن تقويض شرعية الحدود كان جزءا من عملية بناء الأمة وبمثابة: ” لدي نزاع حدودي إذن أنا موجود”.

النزاعات الحدودية التي كانت تتدهور في بعض الأحيان إلى أعمال عنف تساعد على بلورة وتكوين الهوية الوطنية القائمة بين أمور أخرى على رفع مستوى النزاعات من الماضي البعيد من أجل إعطاء عمق تاريخي للدولة وتوصيف وتشخيص الآخر.

جهات مختلفة توسطت في النزاعات بين دول الخليج، مصر قامت بدور فعال في الوساطة بسبب وزنها في العالم العربي وعلاقاتها الجيدة مع معظم دول الخليج، كما أن المملكة السعودية حاولت أن تتوسط لكن علاقاتها المعقدة مع جاراتها وكونها متورطة في نزاع حدودي أدى إلى اعتبارها وسيطا غير نزيه وزادت من صعوبة أن تقوم السعودية بدور في جهود الوساطة

قطر والبحرين

قطر والبحرين طالبتا بالسيادة على جزر حوار المسيطر عليها فعليا من قبل البحرين منذ عام 1930 وكذلك على مدينة الزبارة في الطرف الشمالي لشبه جزيرة قطر المسيطر عليها حاليا من قبل قطر وعلى الرغم من أنها مقرا لأسرة آل خليفة قبل السيطرة على البحرين في عام 1783.

بالإضافة إلى كل هذا كان هناك خلاف بين الدولتين حول جزيرة حدجنان وعلى مجموعة من الجزر غير المأهولة والتي تبعد بضعة كيلومترات عن قطر وعلى بعد20 كممن البحرين والتي تم حلها في الآونة الأخيرة فقط(5)

منذ استقلالها التزمت البحرين وقطر وإلى حد كبير وكنتيجة لضغط سعودي بالحفاظ على العلاقات الاعتيادية والطبيعية بينهما قدر الإمكان (ومن ضمن ذلك الكف عن شن الحملات الدعائية والإحجام عن خرق الوضع الراهن، حساسيتها للقضايا الحدودية البحرية تصاعدت وتفاقمت بسبب التقارير عن وجود منابع جديدة للنفط واللتان تحتاج إليهما بسبب نضوب المستودعات الحالية .

في عام 1978 أجرت البحرين مناورة عسكرية بالقرب من الجزيرة المتنازع عليها بهدف التأكيد على سيادتها على هذه الجزر، قطر وردا على ذلك بدأت باعتقال صيادي الأسماك البحرانيين الذين كانوا يصطادون بالقرب من المنطقة.

في مارس 1982 نشب نزاع مرة أخرى بسبب مناورات الأسطول البحريني بالقرب من تلك الجزر وهي المناورات التي فسرت من قبل قطر بأنها استفزازية (6)

النزاع بين البحرين وقطر بقي في معظمه خامدا وقد أدارت الدولتين وبشكل عام منظومات علاقات عادية وطبيعية شملت زيارات متواصلة لزعماء الدولتين بل ومناورات مشتركة.

في المقابل شكل مجلس التعاون الخليجي لجنة للتحقيق في هذا النزاع (7) رغبة منه في إعطائه صفة محلية ومحاولة حله في إطار مؤسسات المجلس.

على الرغم منذ ذلك وفي أبريل 1986احتلت قوة قطرية جزيرة فست الدبل كانت تخضع للبحرين في محاولة لفرض وقائع وحقائق على الأرض وانطلاقا من الادعاء بأن البحرين تقوم بأعمال في الجزيرة تمثل خرقا للوضع الراهن .

ومن الجائز أن قطر حاولت أن تثير بهذه الطريقة الخلاف حول جزر حوار التي كانت أكثر أهمية بالنسبة لها.

البحرين دعت إلى حل النزاع عن طريق الوساطة السعودية لكن وبناء على طلب من قطر فقد وصل النزاع في نهاية الأمر إلى المحكمة الدولية في لاهاي هذا التطور أكد ضعف مجلس التعاون الخليجي وفرض وألقى بظل ثقيل من الشكوك حول عمله (8).

النزاع بين الدولتين بلغ ذروته في عام 1996 بعد أن أعلن عن وجود طبقات من النفط في الجزر أو بالقرب منها، قطر والبحرين اقتربتا عندها من حافة الحرب والتي حيل دونها في اللحظة الأخيرة في أعقاب التدخل السعودي.

البحرين قاطعت في نفس العام ولأول مرة في تاريخ مجلس التعاون المؤتمر السنوي نظرا لأن الاجتماع عقد في قطر، وقطر من جانبها منعت جنودها من المشاركة في المناورة السنوية للقوة العسكرية المشتركة لدول الخليج.

الدولتان اتهمتا بعضهما البعض بمحاولة لإسقاط الأسرة الملكية الحاكمة وفي نفس السابق ادعت البحرين أنه على الرغم من الصلة الجغرافية المنسوبة إلى أراضي قطر فإن حقيقة سيطرتها عمليا على الجزر تمنحها الشرعية في مطالبها السيادية على هذه الجزر.

الدولتان تبنتا في نهاية الأمر قرار المحكمة الدولية الذي صدر في شهر يونيو 2001 بنقل سيادة جزر حوار إلى البحرين وبقية المناطق التي تتواجد فيها طبقات كبيرة من النفط إلى قطر (9)

التوتر بين قطر والبحرين حول المسائل الإقليمية والحدودية لم يتوقف بعد ذلك، أيضا في السنوات الأخيرة ارتفع عدد الحوادث التي تورط فيها صيادون من البحرين اجتازوا الحدود بين الدولتين بل أنهم بعضهم أطلقت النيران عليهم.

هذا الأمر قاد إلى توتر جديد بين الدولتين بل أن قطر رفضت دعم أول مرشح من البحرين لتولي منصب أمانة مجلس التعاون الخليجي في عام 2011 بسبب تصريحاته حول هذا الموضوع (10)

في مايو 2010 أغلقت البحرين مكاتب قناة الجزيرة القطرية في أراضيها احتجاجا على عدم استعداد قطر لدفع رسوم تطوير مناطق داخل البحرين تعتبرها أنها عائدة لها.

استمرار الخلاف حول المناطق البحرية وحول التعويضات لتطوير مناطق مختلفة أرجئ ولعدة سنوات بعد ذلك أعمال تتعلق بالربط البري بين قطر والبحرين في جسر الصداقة على الرغم من المزايا الكبيرة التي يمكن أن يجنيها البلدين من وراء إقامة هذا الجسر.

قطر والمملكة العربية السعودية

قطر والعربية السعودية تتنازعان بالنسبة للمنطقة التي أعطيت للسعودية من قبل دولة الإمارات كجزء من اتفاق تم التوصل إليه عام 1974 والذي يحرم قطر من الانتقال البري إلى دولة الإمارات وهي منطقة خوفوس التي تعتبر غنية افتراضيا بطبقات من النفط مما أدى إلى حدوث حوادث حدودية بينهما في أكتوبر 1992 ومارس 1994 حيث قتل خلالها عدد من القطريين (11)

الجانبان عرضا دعاوى متباينة بالنسبة للحوادث، قطر اتهمت السعودية بالهجوم على موقع حدودي بينما السعودية ادعوا حدوث حوادث بين القبائل البلدية من البلدين في منطقة سعودية.

وفي رد فعل من جانب قطر انسحبت من اتفاق 1965 الذي ينظم الحدود بين السعودية والذي لم يتم المصادقة عليه بشكل كامل وأعادت إلى مناطقها 200 من جنودها في القوة العسكرية المشتركة المرابطة في الكويت بل كانت هناك تقارير تتحدث عن نيتها الانسحاب من مجس التعاون الخليجي (12)

الحوادث دفعت قطر أيضا إلى التعبير عن استيائها من الحراك السعودي داخل مجلس التعاون الخليجي، العربية السعودية من جانبها استغلت الحوادث من أجل أن تثبت لقطر محدوديتها بالقيام بمناورات سياسية وإظهار الاستقلال فيما يتعلق بمواقف مجلس التعاون .

النزاع الحدودي بين قطر والسعودية كان نزاعا واحدا من مجموعة كاملة من النزاعات بين الدولتين فهما تختلفان أيضا بالنسبة للوجود الأمريكي في قطر وكذلك تحسين علاقاتها مع إيران بل اتخاذها خطوات للتطبيع مع إسرائيل (13)

في مجلس التعاون الخليجي 1992 وقعت الدول الأعضاء على بيان أبو ظبي والذي كان في الحقيقة بيان نوايا يؤكد على ضرورة حل النزاعات الحدودية بالطرق السلمية وعدم شرعية السيطرة بالقوة على المناطق.

وعلى الرغم من ذلك هذا الأمر لم يؤد إلى تحسين العلاقات ين السعودية وقطر والتي تفاقمت نتيجة لتقارب قطر مع إيران وهو ما يخالف موقف دولة الإمارات ومع العراق خلافا لموقف الكويت، مما زاد من مصاعب قيام مجلس التعاون الخليجي بوظيفته وخلال فترة طويلة لم توافق السعودية وقطر على تعيين ممثل من قبلها لمنصب أمين عام مجلس التعاون الخليجي فقد هاجمت كل واحدة على الأخرى عن طريق وسائل الإعلام بل أن قطر أوقفت نشاطها ضمن مجلس التعاون الخليجي لفترة محدودة.

الحوادث بين قطر والسعودية دفعتهما إلى طلب المساعدة من طرف ثالث، في البداية كان هذا الطرف الكويت ثم بعد ذلك دولة الإمارات وأخيرا مصر التي ساعدت الطرفان على التوصل إلى اتفاق يؤدي مؤقتا إلى تخفيف حدة التوتر بينهما وإنهاء المقاطعة المؤقتة لقطر لمجلس التعاون الخليجي.

أنداك أيضا واصلت قطر رفضها التوقيع على اتفاق بين دول مجلس التعاون الخليجي لمكافحة الجريمة، بسبب حقيقة أنها تتطلب القيام بعمليات مطاردة ساخنة واجتياز حدودها لملاحقة المطلوبين.

في عام 1996بدأت المملكة السعودية وقطر بتأشير الحدود بينهما لكن في آذار 2001 فقط توصلتا إلى اتفاق نهائي حوالي 60 كلم من الأراضي البحرية والبرية التي تسكنها بصفة أساسية قبائل بدوية.

في مارس 2008 استأنفت الدولتين العلاقات الدبلوماسية الكاملة بينهما بعد ست سنوات من الخلاف في أعقاب غضب السعودية على نشاط قناة الجزيرة والانتقادات التي وجهتها للأسرة السعودية الحاكمة.

العراق وإيران اعتبرتا الأزمة بين قطر والسعودية فرصة لإضعاف الأخيرة وعبرتا عن دعمها لموقف قطر.

إيران اقترحت أيضا التوقيع على اتفاق للدفاع المشترك كبديل عن مجلس التعاون الخليجي.

اهتزاز العلاقات مع السعودية وغياب الإطار الأمني الفعال في مجلس التعاون دفعا قطر إلى تسخين علاقاتها مع إيران كقوة موازية لقوة السعودية واتضح أن النزاع القطري السعودي هو سياسي أكثر من كونه نزاع حدودي وأنه ناجم عن الخصومة بين الرياض والدوحة في مجالات أخرى.

على سبيل المثال العربية السعودية مهتمة بالتقليل من الشأن والوزن الإقليمي لقطر ولهذا الغرض منعتها من مد خط أنابيب للغاز إلى الكويت بدعوى أنها تخرق السيادة السعودية.

في ديسمبر 2008 أعلنت السعودية وقطر أنهما توصلتا إلى سلسلة من الاتفاقيات حول مواضيع مختلفة على رأسها اتفاق تسوية الحدود البرية والبحرية فيما بينها ووقع ممثلون عن البلدين في مارس 2009 في مقر الأمم المتحدة في نيويورك على هذا الاتفاق وبذلك أعطوه أهلية دولية، آنذاك بالذات طرحت دولة الإمارات ملاحظات على هذا الاتفاق بالادعاء أن حقوقها في منطقة الحدود الواقعة بين قطر والسعودية قد خرقت.

دولة الإمارات والسعودية

بعد الحصول على استقلال دولة الإمارات عام 1971 أيدت بريطانيا إطالة حدودها غربا حتى حدود قطر (14)

العربية السعودية ادعت ملكيتها على تلك الأراضي وتحدثت عن أنها الدولة الوحيدة التي تحاذي قطر.

اتفاق سري منذ عام 1974 الذي وقع بين السعودية والإمارات دون علم قطر لم يمط اللثام عنه إلا عام 1995 فقط، ومنحها قطاع ساحلي شرقي خور العديد في مقابل تنازلها عن واحة البريمي وهي الآن العين في المنطقة المتنازع عليها منذ القرن 19 بين القبائل من العربية السعودية وعمان ودولة الإمارات.

الإمارات التي حصلت على استقلالها قبل ذلك بثلاث سنوات وكانت تبحث عن اعتراف دولي ومخرج بحري في جنوب الخليج اعتبرت الاتفاق بكل تأكيد بأنه ثمن ضروري للعربية السعودية.

يذكر في هذا السياق أنه في بداية عقد الخمسينات صدت بريطانيا التي كانت تخشى محاولة العربية السعودية التوسع الإقليمي على حساب جاراتها الصغيرات بقوة سلاح الحرس الوطني السعودي عن منطقة البريمي وقامت بتقسيم القرى الواقعة في المنطقة وبين عمان والإمارات التي تحولت بعد ذلك إلى دولة الإمارات المتحدة.

الاتفاق السري منذ عام 1974 حول تخصيص عائدات من حقل النفط شيبة في المنطقة الحدودية المتنازع عليها بينها وبين دولة الإمارات والتي تنتج أكثر من مليون برميل في اليوم للملكة السعودية .

في عام 1999 قاطعت الإمارات وبدعم من عمان وكعلامة على الاحتجاج مؤتمر وزراء الخارجية والنفط لدول مجلس التعاون الخليجي في السعودية والذي عقد بالتزامن مع تدشين حقل للنفط في شيبة، بذريعة أن الدولة المضيفة لا تشرك الإمارات في تقاسم عائدات النفط من هذا الحقل على الرغم من اتفاق 1974 .

التوترات في العلاقات بين الدولتين تفاقمت على خلفية التقارب النسبي الذي طرأ في حينه بين السعودية وإيران والتي تحتفظ كما يذكر بثلاث جزء تابعة لدولة الإمارات في الخليج وعززت تدريجيا من سيادتها عليها عبر سلسلة من الخطوات الأحادية.

في عام 2006 أعادت دولة الإمارات طرح قضية الحدود مع العربية السعودية للادعاء أنها لم تصادق مطلقا على اتفاق 1974 ومن الجائز أن السبب لهذا التوتر المتجدد كان التغييرات في دولة الإمارات بعد وفاة الشيخ زايد وكذلك في المملكة السعودية بعد وفاة الملك فهد، وكذلك الرفض السعودي في ذلك العام السماح بمد خط أنابيب للغاز من قطر إلى الإمارات ومن هناك إلى عمان.

خليفة بن زايد الذي ورث والده في عام 2004 لم يعتبر الاتفاق منذ عام 1974 بنفس الأهمية التي أولاها والده للاتفاق وفي أول زيارة له للرياض كحاكم لدولة الإمارات في 2006 طرح مشكلة الحدود من جديد على مضيفيه.

التوتر بين السعودية والإمارات تفاقم بسبب التعاون بين قطر والإمارات في نقل الغاز الطبيعي القطري إلى دولة الإمارات عن طريق أراضي ادعت السعودية أنها ملك لها، التوتر أدى إلى حادثة بحرية على الأقل بين العربية والسعودية والإمارات.

في مارس 2010 أبلغ عن هجوم لقارب سعودي واعتقال اثنان من حرس الحدود البحري السعودي من قبل قارب حراسة تابعة لدولة الإمارات في داخل المناطق المتنازع عليها على الحدود البحرية المشتركة.

هذا الحادث النادر تم التسليط عليها بشكل علني رغم محاولات الطرفين لإسكاته ودلل على أن الخلافات بشأن الحدود المشتركة لم يلفها النسيان (15).

وبالفعل فبالإضافة إلى معارضة السعودية مد خط أنابيب الغاز فلقد عارضت أيضا بناء جسر بين الإمارات وقطر انطلاقا من الادعاء بأنه يمر من فوق المياه الإقليمية السعودية.

في يونيو 2009 أوقفت المملكة السعودية آلاف الشاحنات عند المعبر الحدودي بينها وبين دولة الإمارات كنتيجة من التوترات وأوضحت ذلك على أنه جزء من تعزيز الرقابة على دخول السيارات من الإمارات إلى أراضيها.

النزاعات الحدودية مع السعودية أصبحت حاسمة بالنسبة للإمارات، في أعقاب ذلك أقامت الإمارات في 2009 مجلسا لشؤون الحدود.

تطوير عمل هذا المجلس الذي كان مسؤولا حتى ذلك الوقت عن الموضوع بخرائط رسمية مطبوعة في أبو ظبي خلال السنوات الأخيرة لا تظهر فيها التغييرات التي طرأت على الحدود بمقتضى اتفاق عام 1974 .

ومنذ 2006 تظهر الخرائط الحدود بين دولة الإمارات بأنها تنتهي عند قطر كما أن الخرائط الرسمية للسعودية تظهر منطقة العين وكأنها موجودة داخل أراضي المملكة.

ومن الجائز أن ذلك ينطوي على تعبير حاد متزايد من جانب دولة الإمارات –القوة الاقتصادية والعسكرية الثانية من حيث أهميتها في مجلس التعاون والرغبة في استفزاز الدينامية السعودية.

عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة

حل النزاع حول واحة البريمي بين عمان ودولة الإمارات والسعودية في 1974 منح عمان ثلاث قرى ودولة الإمارات القرى الست المتبقية .

بعد ذلك بثلاثة أعوام في نوفمبر 1977 أعطت عمان النزاع بينها وبين إمارة رأس الخيمة وهي إمارة من سبع إمارات تتشكل منها دولة الإمارات المتحدة والتي تقع بالقرب من شبه جزيرة مسندم بعدا علنيا.

النزاع لامس قطاع بطول 16 كلم بالقرب من مضيق هرمز حيث اكتشفت فيه حقول نفط كبيرة وهامة. عمان أرسلت قوات مشاة وسفينة حربية لمطالبة رأس الخيمة بأن تتوقف عن استخراج النفط من المنطقة.

السعودية والكويت عرضتا حلولا وسط تضمنت الاحتفاظ المشترك بالمنطقة والشراكة في العائدات من النفط.

اتفاق مماثل قائم بين السعودية والكويت (إجراء استفتاء بين سكان المنطقة أو التوجه إلى التحكيم).

زعماء عمان ودولة الإمارات وافقوا في نهاية الأمر في مايو 1995 على ترسيم جزء هام (330 كلم) من حدودهما المشتركة خلافا لموقف السعودية وفي يوليو 2008 تم التوقيع على اتفاق لتأشير الحدود المتبقية بطول 272 كلم.

في السنوات الأخيرة بدأت دولة الإمارات ببناء سور على الحدود مع عمان كمعوق أمني يمنع عمليات التهريب والنزوح غير المشروع (16)

عمان عبرت عن استيائها عندما حظرت في شهر نوفمبر 2007 على السفن التي تغادر دولة الإمارات من دخول مياهها الإقليمي بدون أن تقدم لذلك تفسيرا رسميا لمثل هذه الخطوة.

في بداية 2011 أعلنت عمان وفي مشهد علني نادر عن تصاعد التوتر بين الدولتين وأنها كشفت عن خلية تجسس لدولة الإمارات داخل أراضيها وادعت أن دولة الإمارات كانت تسعى لجمع معلومات عن المؤسسات الحكومية والعسكرية في السلطنة (17).

هناك تقديرات مختلفة حول الدوافع الكامنة خلف هذا الإعلان وليس من المستبعد أن هذه كانت محاولة لمنع دولة الإمارات القلقة من تعاظم العلاقات بين عمان وإيران بل نتيجة لمشكلة الوراثة في عمان وتعميق عملية الرصد والمتابعة لنشاطها.

ويبدو أن الدولتين تغلبتا على الأزمة المؤقتة بمساعدة الكويت وفي يوليو 2011 وصل السلطان قابوس إلى دولة الإمارات في زيارة رسمية.

تحرير الكويت من الاحتلال العراقي شكل إلى حد كبير دافعا لدول الخليج العربية الأخرى لطرح مطالبات إقليمية من الماضي ومن جديد على جدول الأعمال فقد أضيف إلى كل ذلك حقول النفط الجديدة وشيخوخة حقول النفط القائمة ووتيرة التنمية التي تشهدها المنطقة والتي عززت من الشهوة الإقليمية

في المقابل فلقد اعتبرت هذه الفترة بمثابة فترة لرأب الصدع ، في 1995 توصلت السعودية وعمان إلى اتفاق لترسيم الحدود المشتركة بينهما على الرغم من عدم وجود منطقة مرور حدودية برية بين الدولتين (18)

بعد ذلك بعقد عمدت الكويت إلى تسوية مشاكل تأشير الحدود بينها وبين السعودية وفي عام 2011 بدأت الدولتان بترسيمهما عمليا.

النزاعات الحدودية الداخلية في مجلس التعاون والتي قادت إلى عدة حوادث حدودية كما ذكرنا تبدو كأن الدول المتداخلة فيها على استعداد لحلها بوسائل دبلوماسية.

التصريحات التي انطلقت في مجلس التعاون الخليجي عام 1994بأن يتم حل جميع النزاعات الحدودية بين الدول الأعضاء في المجلس حتى انعقاد المؤتمر القادم يشكل تجسيدا وتعبيرا آخر عن القدرة المحدودة لمجلس التعاون الخليجي، هذه المرة كآلية لحل النزاعات بين الأعضاء بالطرق السلمية .

جميع الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها لتسوية الحدود فيما بينها كانت ثنائية. مجلس التعاون الخليجي غاب كآلية مؤسسية فعالة لحل النزاعات، اللجان التي شكلت لهذا الغرض ظهرت بأنها غير فعالة، في الحقيقة تحولت إلى نزل للقاءات التي تغطى إعلاميا.

الحساسية لدى كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي حيال سيادتها زادت من المصاعب أمام قيام تعاون أمني فيما بينها والذي اقتضى تحريك القوات العسكرية من دولة إلى أخرى، وكذلك القيام بعمليات المطاردة الساخنة التي تتطلب اجتياز الحدود بل وإقامة قواعد مشتركة داخل أراضي السيادة لكل دولة .

ونتيجة لذلك جميع المبادرات لتعزيز الترتيبات الأمنية الجماعية في إطار مجلس التعاون الخليجي بقيت بدون حياة فيها.

من يمعن النظر وبشكل حيادي يمكنه أن يتبين أن النزاعات الحدودية بين دول الخليج العربية قد تبدو هامشية وذات تأثير متدني على الأمن الإقليمي والحقيقة أن هذه النزاعات تستخدم بصفة أساسية كأداة تحاول الدول الست من خلالها وعبرها تسوية علاقاتها وتعزز مركزها قبالة جاراتها، لكن لها تأثير سلبي على قدرتها في تعزيز الإطار الأمني الجماعي .الرواسب التي تخلفها تزيد من صعوبة إقامة علاقات جوار حسنة .

النزاعات الحدودية في شبه الجزيرة العربية ليست من مخلفات الماضي فقط وإنما هي تنطوي على دلالات اقتصادية وسياسية وأمنية الكامنة في تثبيت الحدود.

ليس من الواضح المدى الذي يمكن لهذه النزاعات أن تشكل خصومة سياسية بين دول الخليج وعلى الأخص محاولات العربية السعودية لقيادتها وكذلك لاعبين خارجيين مثل إيران في دق إسفين بينها لتصبح ذريعة رئيسية للصراعات السياسية القائمة بين هذه الدول.

في كل الأحوال مسألة ترسيم الحدود ستكون ملازمة للسياسة في دول الخليج في المستقبل أيضا وستزيد من الصعوبة أمام الدول العربية في منطقة الخليج للعمل وبشكل جماعي في مواجهة التحدي الإيراني.

العولمة و مشكلات العالم المعاصر

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

السيد يسين الاتحاد

عندما كنتُ أكتب مقالاً سابقاً لي بعنوان “نحو خريطة معرفية لعصر العولمة” كنت أريد من ورائه أن أرسم بصورة واضحة تضاريس الزمن الحاضر، تمهيداً للمناقشة التفصيلية لكل نقطة من نقاط الخريطة، لم أدرك أنني في الواقع أوقعت نفسي في مأزق! وبيان ذلك أنني أردتُ حين رسمت الملامح الرئيسية للخريطة أن أبدأ من البدايات. ولذلك شئت في حديثي عن نشوء المجتمع الأوروبي أن أركِّز على فكرة “السوق” التي هي ركيزة النظام الرأسمالي. وفي هذا السياق تحدثت عن المؤرخ الاقتصادي المجري الأصل “كارل بولاني” مؤلف كتاب “التحول العظيم”، الذي يعتبر حتى الآن –مع أنه نشر عام 1944- الكتاب العمدة في الموضوع!

غير أنني اكتشفت بعد أن شرعت في الكتابة وأنجزت مقالتي الأولى عن فكر “كارل بولاني” والثانية عن نقد خصومه، أنني لو سرت في هذا الطريق الطويل فإنني سأحتاج إلى كتابة مجلدات وليس سلسلة مقالات!
ومن هنا آثرت أن أغيِّر منهج الكتابة ولا أعتمد على المنهج التاريخي المقارن الذي تعودت أن أكتب بحوثي ودراساتي في ظله، وإنما أتحول لأناقش مشكلات العالم المعاصر مناقشة مباشرة، ولا بأس من الإشارة الموجزة إلى بعض جذورها التاريخية.
وإذا كانت هذه هي خطتي الجديدة في الكتابة، فما هي المشكلة الأساسية التي علىَّ أن أبدأ بها؟ ليس هناك شك في أن الإشكالية وليس فقط المشكلة هي العولمة، وذلك لسبب بسيط، لكونها هي الرمز الأساسي لمجتمع المعلومات العالمي الذي انطلق من رحم المجتمع الصناعي، وتجاوزه إلى آفاق بعيدة.
وقد دارت حول العولمة معركة فكرية كبرى بين أنصارها من مدرسة “الليبرالية الجديدة” سواء كانوا مثقفين غربيين أم عرباً، وخصومها من المثقفين الغربيين والعرب أيضاً.
غير أن المعركة لم تقتصر على كونها معركة فكرية، ولكنها تجاوزت ذلك لتكون معركة سياسية أيضاً، دارت في جنبات مؤتمرات منظمة التجارة العالمية، والتي هي الرمز الحقيقي للعولمة الاقتصادية.
هذه المعركة السياسية التي تدور رحاها في كل مؤتمرات المنظمة بين الدول الصناعية المتقدمة المتحكمة في سياسات العولمة وتطبيقاتها، وبين الدول النامية التي تكافح حتى لا تكون مجرد ضحايا للعولمة، لم تقف عند حدود المؤتمرات التي تجمع ممثلي الدول المختلفة، ولكنها تعدت ذلك لتصبح إحدى المعارك الأساسية التي تخوضها مؤسسات المجتمع المدني العالمي، والتي نجحت في تنظيم تظاهرات سياسية ومؤتمرات مضادة وخصوصاً في بورتو أليجيري بالبرازيل وديربان بجنوب أفريقيا.
ويبقى السؤال: ما هو جوهر هذه المعركة المشتعلة بين أنصار العولمة وخصومها؟
جوهر المعركة ببساطة يدور حول احتكار الدول الصناعية الكبرى لمزايا العولمة والسوق الكوني المفتوح، وفي نفس الوقت تحكم نظام سلطوي استبدادي في صنع القرار الاقتصادي والتنموي، حتى لو عارضته غالبية الدول النامية. ويعني ذلك أنه في الوقت الذي تنادى فيه العولمة السياسية بشعارات الديمقراطية واحترام التعددية وحقوق الإنسان، فإن العولمة الاقتصادية تقضي عملياً على كل هذه الشعارات بسياسات الأمر الواقع المفروض على الدول النامية.
ولذلك تشكلت عديد من المنابر الفكرية في الغرب في محاولة منها لصياغة مبادرة تكفل تحقيق الديمقراطية داخل دائرة صنع القرار الاقتصادي والتنموي. بعبارة أخرى السؤال المطروح كيف يمكن “مقرطة” العولمة الاقتصادية.
وهذا السؤال يطرح مشكلة أخرى لصيقة بسلبيات العولمة وهي التي تتعلق بالجشع الشديد للشركات العابرة للقارات في مجال جني الأرباح على حساب المستهلكين عموماً، وعلى حساب الدول النامية خصوصاً.
وفي هذا المجال يمكن رصد السياسة المنهجية التي تتبعها هذه الشركات في الغزو الاقتصادي المنظم لأسواق البلاد النامية، محمية في ذلك بالنصوص المجحفة الواردة في نصوص معاهدة منظمة التجارة العالمية، والتي وضعت في الحقيقة تحت ضغوط واضحة من الدول الصناعية المتقدمة وضد مصالح الدول النامية. وإذا نظرنا للعولمة من زاوية التعريف الإجرائي لها والذي مبناه أنها “سرعة تدفق السلع والخدمات ورؤوس الأموال والأفكار والبشر بغير حدود أو قيود”. فإن مخاطرها على اقتصادات الدول النامية وخصوصاً الضعيفة اقتصادياً تصبح بادية للعيان.

فالسلع تتدفق من الدول الصناعية المتقدمة إلى الدول النامية بصورة لا تتيح لسلع هذه الدول أن تنافس بشكل متكافئ معها. بل إن هذه الدول الصناعية المتقدمة ومنها دول الاتحاد الأوروبي أحياناً ما تأخذ موقفاً تمييزياً صريحاً ضد استيراد السلع من الدول النامية، من خلال تعلاّت شتى من بينها نقص الجودة، أو عيوب التصنيع. بل إن بعض الدول الأوروبية ترفض بعض السلع على أساس أنها تتضمن “عمالة الأطفال”، وهذا يعد خرقاً لحقوق الإنسان.
أما تدفق الخدمات، فإنه يمكن أن يمثل خطورة خاصة بالنسبة لضعف مستوى المؤسسات الخدمية الوطنية في عديد من البلاد، إذا ما قورنت بارتفاع مستوى هذه المؤسسات في البلاد المتقدمة.
وفيما يتعلق برؤوس الأموال الأجنبية واستثماراتها في الدول النامية، فإن أصحاب هذه الأموال لا تعنيهم على وجه الإطلاق مسألة المسؤولية الاجتماعية لرأس المال، لأن كل ما يشغلهم هو جني أكبر قدر من الأرباح وتحويله إلى الخارج، وبغض النظر عن نقل الخبرة التكنولوجية المتقدمة إلى هذه البلاد.
أما تدفق الأفكار بغير حدود فهو يثير قضايا في منتهى الخطورة، أبرزها أنه يتم في مرحلة تاريخية يعاد فيها “إنتاج المركزية الغربية” التي كانت تدعي أن القيم الغربية أسمى من غيرها من القيم، وهي بالتالي التي ينبغي أن تكون لها المرجعية في موضوعات التخلف والتقدم. بعبارة أخرى ما تراه هذه المركزية الغربية أنها ظواهر متخلفة تصبح كذلك حتى لو كانت هذه الظواهر تمثل نوعاً من أنواع التقدم بالنسبة لبلادنا ووفقاً لثقافتنا، التي لا تقل كفاءة أو جدارة حضارية عن غيرها من الثقافات. وكذلك ما تعتبر الثقافة الغربية أنه تقدم تريد أن تفرضه علينا باعتباره كذلك، بالرغم من أن ثقافتنا قد تعتبره قمة في التخلف الحضاري. فعلى سبيل المثال تعتبر الثقافة الغربية المعاصرة أن تقنين الزواج المثلي نوع من أنواع التقدم، مع أن ذلك مرفوض لدينا ثقافياً. والأخطر من ذلك أن تحاول بعض الدول الغربية أن تفرض في هذا الموضوع وما شابهه مثل تقنين وضع أصحاب السلوك الجنسي الشاذ، قيمها الخاصة باعتبارها من حقوق الإنسان.
ومن هنا يمكن القول إن رفض العولمة له أسباب اقتصادية تتمثل في عدم تحقيق العدالة بين الدول الداخلة في فلكها، وله أسباب سياسية في محاولة فرض النظام السياسي الليبرالي بالقوة بغض النظر عن بعض التمايزات، وله أسباب ثقافية ترد إلى محاولة فرض القيم الثقافية الغربية وتجاهل الخصوصيات الثقافية.
وإذا كانت المعركة مازالت دائرة بين أنصار العولمة وخصومها سواء على المستوى العالمي أو على صعيد الدول النامية بين السياسيين والنخب الثقافية، فقد ينشأ سؤال مؤداه: وهل هناك بديل للعولمة؟ سؤال يستحق أن نحاول الإجابة عليه في المستقبل، من خلال استعراضنا لبعض النظريات البديلة التي تحاول تغيير الرأسمالية المتوحشة الراهنة إلى تنمية مستدامة لها وجه إنساني.

كيفيت الحفاظ على صحة الجسم

كاتب الموضوع الأصلي: عمر العتيبي 20

الوقاية

خير من العلاج ، والمعلومات الطبية الحديثة خصوصا فى مجال الصحية الوقائية
تعلمناكيف تنجب الاصابة بأمراض كثيرة ،واذا طبقنا هذة المعلومات فى حياتنا
اليومية فسوف تتحسن صحتناوصحةالمجتمع كله الى حد كبير.وللحظ السئ أن طرق الحياة الحديثة لا تتناسب مع الحياة الصحية المثالية ولكن بالرغم من ذلك ، فهناك الكثير الممكن عمله لنساعد أجسادنالكى تكون فى صحة جيدة فنعطيها كل الفرص الممكنة لمحاربةالأمراض فى جسم الانسان عبارة عن ماكينة قوية جدا ولكنها رقيقة جدا،ولكى تعمل هذةالماكينة بطريقة سليمة ومنتظمة وقوية فهى
تحتاج الى وقود مستمر يجب ضبطه على احتياجات الجسم ، وكذلك يحتاج الجسم الى فترات منتظمة من الراحة ، كما أن هذة الماكينة معرضة لمؤثرات خارجية كثيرةمنهاالهجوم عليهابأنواع الجراثيم من بكترياوفيروسات والتعرض للحرارة
الشديدة البرودة الشديدة والعنف والجو الغير ملائم وعوامل أخرى كثيرة .

وقبل مناقشة الأمراض التى تصيب الجسم فسوف نذكر أولا القواعد التى تحافظ على صحة الجسم،وهذةالقواعد فى منتهى السهولة.فكطبيب أشعركثيرابأن الاهمال فى أحد العوامل الهامة فى اصابة الجسم بالأمراض . فصحة الانسان هى أغلى ما يمكن الحفاظ عليها والاهمال فى الوقايةأوالعلاج ممكن أن يكون سبب رئيسى فى أن يتمكن المرض من الانسان ويصبح الشفاء صعب فيجب ملاحظة ذلك .

الطعام

الطعام هو الوقود الطبيعى للجسم ويجب أن يكون هناك توازن سليم بين جميع أنواع الأطعمة لكى يكون الجسم سليما ، والطعام الذى نتناوله ممكن أن يصنف الى خمسة أجزاء :
المواد الكربوهيدراتية : وهى المواد السكرية أو النشوية فائدتها الرئيسية
تموين الجسم بالطاقة.ومن أمثلة هذة المواد فى طعامنااليومى الخبزوالبطاطس
والسكر .

المواد الدهنية:هى أيضا مصدر من مصادر الطاقة . ومن أمثال المواد الدهنية
دهون حيوانية زبد ، سمن ، زيوت .

المواد البروتينية : وهى التى تختص ببناء الجسم لذلك فهى مهمة جدا أثناء
عملية نموالجسم وهى عامل هام لمناعةالجسم ضد الأمراض . ومن أمثالها اللحوم
والأسماك والدواجن والبيض والجبن والفول .

أملاح غير عضوية:ويعنى هذاالأملاح التى لا يستطيع الجسم الاستغناءعنهامثل ملح الطعام أما الكلسيوم والفسفور لازمين جدا لصحة العظام والأسنان .

الفيتامينات:يعتقد الناس أنهامواد سوبر لهاخاصية شفاء معظم الأمراض ولكنها
على العكس فهى مطلوبة بكمية صغيرة جدا . ولا يستطيع الجسم العمل بدونها .
وهذة هى أهم أنواع الفيتامينات :

فيتامين أ : وهو هام بالنسبة للنمو والدفاع ضد الجراثيم ولحدة البصر وهو يوجد
فى الزبد والبيض واللبن وبعض الخضراوات الفاكهة والجزر .

فيتامين ب : يحتاجه الجسم فى سلامة عمل المخ والجهاز العصبى والقلب .
يوجد فى القمح والخميرة .

فيتامين ج : هذاالفيتامين هام جدا لصحةالأوعيةالدمويةوهو يوجد فى الفاكهة
الطازجة والخضراوات ويتلف هذا الفيتامين بالحرارة .

فيتامين د : مهم لعملية امتصاص الكالسيوم المطلوب لصحة العظام والأسنان .
وهو يوجد فى اللبن والزبد وزيوت الأسماك وزيت كبد الحوت .

فيتامين ه : مهم فى عملية التمثيل الغذائى للأحماض الدهنية وهو موجود فى زيوت الخضراوات .

فيتامين ك : ضرورى جدا فى تصنيع أحدعناصر تكوين الجلطةالدموية ويعطى على هيئة حقن .

ولاختصار كل ذلك ننصح باستعمال كمية معقولة من المواد البروتينية واستخدام
متغيرات كثيرة من أنواع الطعام فى وجباتك واستعمال كمية جيدة من الفاكهة
والخضراوات وبهذة الطريقة أنت تمشى فى الطريق السليم .

مشكلات سياسية وقانونية تواجهها الدولة الحديثة

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

سباب ضعف الدول النامية خاصة العريية والإسلامية

عمان: «الشرق الأوسط»
شكلت ظاهرة الدولة بمفهومها السياسي والقانوني منذ قرون موضوع اهتمام الباحثين، لكن معظم الدراسات حاولت حصر الأسس السياسية لقوة الدولة ولم تحظ الأسس القانونية لهذه القوة بنفس المقدار.
وقد اختار الدكتور محمد بن عيد حمود العتيبي موضوع الأسس القانونية لقوة الدولة في دراسة نشرها مؤخراً تناول فيها ماهية هذه الأسس على ضوء مبادئ القوانين الوضعية بمذاهبها المختلفة من جهة، ثم على ضوء الشريعة الإسلامية من جهة أخرى.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب إنه حرص على تضمين بحثه أهم ما يقوي الدولة من الناحية الإدارية والقانونية والدستورية وحتى الأخلاقية نظراً لاستناد القانون الى الأخلاق.

وقد حدد لذلك الفرضيات التالية كأسس انطلاق للبحث وهي:

أ ـ الفرضية الأولى: أن التأمل في القوانين الوضعية قد بيّن مدى ارتباطها بالتطور التاريخي مما أعطاه صفة النسبية، الأمر الذي لم يسمح بتحقيق استقرار الدول وهو شرط أساسي لتحقيق قوتها.

ب ـ الفرضية الثانية: أن التناقض الذي ساد هذه القواعد أينما وجدت (التصور الغربي الرأسمالي، والتصور الشيوعي، وبينهما التصور الاشتراكي) قد جعل من هذه القوانين الوضعية مصدر نزاع وصراع (حتى داخل الدولة الواحدة)، وهو وضع يؤدي الى إضعاف قوة الدولة.

ج ـ الفرضية الثالثة: أن القوانين الوضعية جعلت بعض القيم الإنسانية والأخلاقية تتناقض في ما بينها وهذا حدث نتيجة تركيز المذهب الشيوعي وحتى الاشتراكي على قيمة المساواة على حساب الحريات والعكس في المذهب الراسمالي.

د ـ الفرضية الرابعة: أن الشريعة الإسلامية بإدارتها شؤون الدولة، وتحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وتركيزها على العدل كقيمة رئيسية، تجعل من العلاقة بين الحريات والمساواة علاقة توفيقية تساعد على انسجام المجتمع (الشعب السياسي والشعب الاجتماعي) وبالتالي تعمل على تعزيز قوة الدولة.

وللتأكد من هذه الفرضيات لجأ الباحث الى منهجين نظراً لطبيعة الدراسة وتشابك مواضيعها وهما المنهج التاريخي والنهج المقارن، حيث يهدف المنهج الأول الى تتبع تطور القوانين الوضعية عبر التاريخ وبذلك يساعد على تحديد الثابت والمتغير. أما المنهج الثاني فقد سمح للباحث بتحديد ما يميز مذهباً عن مذهب آخر في ما يخص القوانين الوضعية وآخر ما يميز الشريعة الإسلامية عن كليهما.

وتبرز الأهمية العلمية للبحث في طبيعة الموضوع ذاته والمتمثل في دراسة الدولة وقوتها في إطار القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية، وهذا أثار جدلاً فكرياً واسعاً حول مساهمة هذه القوانين في حل المشكلات التي تواجهها الدولة الحديثة، كما أن اهمية هذا البحث تظهر أيضاً في الحاجة العلمية إليه نظراً لندرة الدراسات حوله.

وتبدو أهمية البحث العملية في أنه يعالج أسباب ضعف الدول النامية خاصة العربية والإسلامية منها والتي لم تستطع التوفيق بين الأصالة (التراث الديني) وبين العصرنة، أي التنظيم المؤسساتي، إذ يرى الباحث ان الدول التي تتميز بتراث ديني ومنها قسم كبير من الدول العربية والإسلامية فشلت في تحقيق مهامها، فلا هي دول دنيوية ناجحة ولا هي دول دينية موفقة.

وهو يتساءل عن أسباب هذا الوضع وارتباطها بطريقة تنظيم هذه الدول لشؤونها والعلاقات بين أفرادها حكاماً ومحكومين كما يعرض بشكل مفصل لأشكال الحكم في العالم، مقارناً بين النظام الديمقراطي والشورى حيث يرى أن النظام الديمقراطي شبه المباشر أقرب الأنظمة الى تحقيق الديمقراطية السليمة بالمفهوم الغربي وخاصة بعد ازدياد السكان في أغلب الدول، اذ يقلل من سيطرة الأحزاب على الناخبين، ويحول دون استبداد المجالس النيابية وتحقيق الانسجام بين البرلمان والشعب، ويعتبره أقرب أنظمة الحكم الى الشورى في الشريعة الإسلامية.

ويشرح المؤلف معنى الديمقراطية شبه المباشرة بأنها قيام الشعب بممارسة السلطة عن طريق وسيط، أي يقوم بانتخاب برلمان لينوب عنه في تعزيز القوانين وممارسة السلطة، ولكن لا يترك له جميع مقاليد الأمور في الدولة، بل يحتفظ الشعب لنفسه بحق المشاركة في بعض المسائل المهمة وخاصة التشريعية، ولهذا النوع من الديمقراطية مظاهر متعددة منها الاقتراع الشعبي حيث يتم اعداد مشروع القانون بمساهمة الشعب ليقدم للبرلمان للمناقشة وتشترط بعض الدساتير ان يوقع على هذا المشروع عدد كبير من أفراد الشعب، ويتم كذلك وبنفس الطريقة الاعتراض الشعبي على القوانين ، إضافة الى إجراء الاستفتاء الشعبي الذي نصت عليه العديد من الدساتير الحديثة، ومنح الناخبين حق إقالة ممثليهم في البرلمان وحتى حل البرلمان، بل حق عزل رئيس الجمهورية كما هو متبع في النمسا.

وبعد مقارنتة للأنظمة الديمقراطية المباشرة منها والنيابية والأنظمة الرئاسية وغيرها يخلص الى نتائج تبين الفروق بين هذه الأنظمة وسلبياتها وإيجابياتها، موضحاً بعد إيراد أمثلة واقعية وتاريخية على أن نظام الحكم في الإسلام يتضمن كافة الإيجابيات في القوانين والأنظمة الوضعية متجنباً السلبيات ، ولكن العبرة في التطبيق الدقيق والأمين لهذا النظام الذي يميزه الحرص على العدالة والمساواة والشورى والتوزيع العادل للثروات.

الأسس القانونية لقوة الدولة المؤلف: محمد بن عيد العتيبي اصدار خاص

فوائد زيت الزيتون

كاتب الموضوع الأصلي: عمر العتيبي 20

فوائد زيت الزيتون للصحة……

أقسم الله تعالى في قرآنه العظيم بالزيتون فقال : (والتين والزيتون . وطور سينين ) .
وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم باستعمال زيت الزيتون فقال : ” كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ” .

دهش الباحثون حديثا حينما اكتشفوا أن سكان جزيرة كريت في البحر المتوسط هم أقل الناس إصابة بأمراض القلب والسرطان في العالم أجمع . ودهشوا أكثر حينما عرفوا أن أهالي جزيرة كريت يستهلكون زيت الزيتون أكثر من أي شعب آخر ، فحوالي 33 % من السعرات الحرارية التي يتناولونها يوميا تأتي من زيت الزيتون .فما علاقة زيت الزيتون بذلك ؟ وهل للطب الحديث رأي في هذه العلاقة ؟ وما تأثيراته على القلب والكولسترول ؟

ماذا يقول أطباء الغرب عن زيت الزيتون ؟
يقول الدكتور ” ويليام كاستللي ” مدير دراسة فارمنجهام الشهيرة :
” إن هناك زيتا واحدا يتمتع بأطول سجل من سلامة الاستعمال في التاريخ هو زيت الزيتون . فلقد تناول زيت الزيتون أجيال وأجيال ، وامتاز هؤلاء بصحة الأبدان وندرة جلطة القلب عندهم . وهذا السجل الحافل بمآثر زيت الزيتون يجعلنا نطمئن لاستعماله ، ونقبل عليه بشغف كبير ” .
ويقول الدكتور ” أهرنس ” من جامعة كوفلر بنيويورك : ”
إننا ندرك تماما أن استعمال سكان حوض البحر المتوسط لزيت الزيتون كمصدر أساسي للدهون في الغذاء هو السبب وراء ندرة مرض شرايين القلب التاجية عندهم ” .

وينبه الدكتور كاستللي إلى فوائد استعمال زيت الزيتون في حوض البحر المتوسط فيقول :
” رغم أن الناس في حوض البحر المتوسط يتناولون بعض الدهون المشبعة ( السيئة ) المتوافرة في لحم الخروف والقشدة والسمن والجبن ، إلا أنهم يستعملون زيت الزيتون بشكل رئيسي في طهي الطعام . وهذا ما يجعل أمراض شرايين القلب التاجية قليلة الحدوث عندهم ” . ويقول أيضا : ” إن أفضل طريقة لطهي الطعام وتحضير المأكولات هي باستعمال زيت الزيتون بشكل أساسي ، واستعمال كميات قليلة من زيت الذرة أو دوار القمر دوار الشمس . فالجسم لا يحتاج إلا إلى كميات قليلة من النوعين الأخيرين ” . ويمتاز زيت الزيتون بغناه بالدهون اللامشبعة .

أما الدكتور تريفيسان من جامعة نيويورك فقد لخص فوائد زيت الزيتون في بحث نشر في مجلة ( جاما ) عام 1990 فقال:
: ” لقد أكدت الدراسات الحديثة التأثيرات المفيدة لزيت الزيتون في أمراض شرايين القلب ، ورغم أن البحث قد تركز أساسا على دهون الدم ، إلا أن عددا من الدراسات العلمية قد أشارت إلى فوائد زيت الزيتون عند مرضى السكري والمصابين بارتفاع ضغط الدم ” .

الأبحاث العلمية الحديثة :
حتى عام 1986 كانت الكتب الطبية تقول بأن زيت الزيتون لا يؤثر على كولسترول الدم ، فلا يزيده ولا ينقصه . ولكن الأبحاث العلمية الحديثة جدا قد أظهرت أن زيت الزيتون ينقص مستوى كولسترول الدم . وليس هذا فحسب بل إنه لا ينقص من مستوى الكولسترول المفيد في الدم . ومن الثابت علميا أنه كلما ارتفع مستوى هذا النوع من الكولسترول ، قلت نسبة الإصابة بجلطة القلب .

وقد أظهرت دراسة نشرت عام 1990 في مجلة جاما الأمريكية الشهيرة أن مستوى ضغط الدم ، وسكر الدم ، والكولسترول كان أقل عند الذين كانوا يكثرون من تناول زيت الزيتون . وقد أجريت تلك الدراسة على أكثر من مئة ألف شخص .

زيت الزيتون وارتفاع ضغط الدم :
أجرى الدكتور ” ويليامز ” من جامعة ستانفورد الأمريكية دراسة على 76 شخصا غير مصاب بأية أمراض قلبية لمعرفة تأثير زيت الزيتون على ضغط الدم . فوجد الباحثون أن ضغط الدم قد انخفض بشكل واضح عند الذين تناولوا زيت الزيتون في غذائهم اليومي . وكان انخفاض ضغط الدم أشد وضوحا عند الذين تناولوا 40 جراما من زيت الزيتون يوميا .

زيت الزيتون ومرض السكر :
ينجم مرض السكر عن نقص أو غياب في إفراز الأنسولين من البنكرياس ، مما يؤدي إلى زيادة مستوى السكر في الدم وقد أوصى الاتحاد الأمريكي لمرضى السكر ، المصابين بمرض السكر بتناول حمية تعطى فيه الدهون بنسبة 30 % من الحريرات على ألا تتجاوز نسبة الدهون المشبعة ( كالدهون الحيوانية ) عن 10 % . وأن تكون باقي الدهون على شكل زيت زيتون وزيت ذرة ، أو زيت دوار الشمس .

فوائد أخرى لزيت الزيتون :
ذكرت دائرة المعارف الصيدلانية الشهيرة ” مارتندل ” أن زيت الزيتون مادة ذات فعل ملين لطيف ، ويعمل كمضاد للإمساك . كما أن زيت الزيتون يلطف السطوح الملتهبة في الجلد ، ويستعمل في تطرية القشور الجلدية الناجمة عن الأكزيما وداء الصدف .
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ائتدموا بالزيت ..وادهنوا به ” صحيح الجامع الصغير 18
وقد وصف الله تعالى هذه الشجرة بأنها مباركة ، فقال : ( يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ) النور : 35
فالشجرة مباركة .. والزيت مبارك .. وهنيئا لمن نال من تلك البركات ….

مشكلات النظام الدولي المعاصر وانعكاساتها على حاضر العالم الإ

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

تقديم:

بدأ تشكل العالم المعاصر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وإن كانت هذه الحرب هي نفسها نتيجة صراعات وتنافسات محمومة على الموارد البشرية والطبيعية للبلدان الضعيفة.

وبعد الحرب، دخل العالم مرحلة جديدة قامت على رسم الدول المنتصرة للخريطة الدولية، مع التحكم المباشر في توجهات السياسة الدولية وتوجيه بوصلة النظام الدولي، وفق ما تمليه مصلحة اللاعبين الكبار، وقد أثر هذا النظام بقوانينه وبسياساته القائمة على رعاية مصلحة الدول الكبرى في واقع الدول الإسلامية وسياساتها وتطلعاتها، فكيف ذلك؟

أولا – مشكلات النظام الدولي المعاصر:

بمجرد نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت تظهر بوادر الأزمة في النظام الدولي، ويمكن النظر إليها من زاويتين؛ لكل زاوية مرحلتها ومشاكلها:

أ/ مرحلة الحرب الباردة: ومن أبرز مشاكلها:

* التقسيم الدولي للعمل: هذا التقسيم أعطى الحق للدول المنتصرة في الانفراد بالصناعات العسكرية والحيوية واحتكار البحث العلمي الدقيق في العلوم الفيزيائية والبيولوجية والنووية والكيماوية والفضائية والتكنولوجيا الرقمية في حين تختص الدول الضعيفة بالإنتاج الزراعي والصناعات التقليدية والاستهلاكية؛ مما أفرز مع المدة مزيدا من اختلالات في ميزان العلاقات الدولية بين الشمال والجنوب.

* الحرب الباردة وما رافقها من سباق غير مسبوق نحو التسلح النووي بين قطبي العالم آنذاك الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أدى إلى تقسيم العالم بين معسكرين رأسمالي وآخر اشتراكي، وقد كان هذا الاهتمام بالتسلح النووي على حساب القضايا الإنسانية كالفقر والأمية والصحة والتنمية.

* التحكم في الدول الضعيفة وصنع أنظمة موالية لأحد القطبين: كان كل من القطبين يسعى إلى إيجاد أنظمة سياسية موالية له، وهكذا وجدت في العالم الإسلامي أنظمة سياسية اشتراكية وليبرالية كل منها يوالي أحد المعسكرين، وقد كلف ذلك العالم الإسلامي كثيرا بسبب الانقلابات والتغييرات المفاجئة والمتابعات والاغتيالات …ذهب ضحيتها أبناء البلد الواحد وضاعت فيها جهود ثمينة وفرص تاريخية لا تعوض في البناء الذاتي والتنمية البشرية الحقيقية.

* صنع الكيان الصهيوني ومساعدته على قيام دولته على أرض فلسطين المسلمة، وتمكينه من التسلح النووي: هذا الكيان تمكن بسبب الدعم الغربي من تكوين ترسانة عسكرية ونووية رادعة، وكانت لتجربته في الحرب مع الدول العربية فرصة لتقوية مكانته في المقابل ازدادت الدول العربية ضعفا، بسبب الحصار المضروب عليها لامتلاك قوة الردع.

* تأسيس منظمات دولية سياسية واقتصادية وقضائية مساعدة، للتحكم في البلدان الضعيفة وصنع سياساتها على المقاس المناسب للدول الكبرى مثل مجلس الأمن وهيأة المم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتعمل بقوانين الدول الكبرى وتتحكم فيها المنظمات الصهيونية واللوبيات اليهودية، مما يجعل عملها مشوبا بعدم العدل ويفتقد للمصداقية الحقيقية ..

ب/ مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي:

وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتلاشي المعسكر الشرقي الاشتراكي وانضمامه إلى السوق الحرة (المنظومة الرأسمالية) بدأت تتشكل معالم نظام عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلته الراهنة، وإلا فإن هذا النظام لا يزال في بدايات تشكله، وما زالت معالمه النهائية لم تتحدد بعد بشكل مستقر، وخلال هذه المرحلة من بداية التسعينات عرف العالم المعاصر مجموعة من المشاكل من أبرزها:

* خروج الولايات المتحدة عن الشرعية الدولية وقيادتها المبادرة للتدخل العسكري لتغيير أنظمة الدول، مثل (بنما وتشيليي وأفغانستان والعراق وفلسطين)، وتوليها قيادة حملة الدفاع عن منع انتشار الأسلحة النووية وتحريض دول مجلس الأمن ودول الاتحاد الأوروبي واليابان على المشاركة في فرض العقوبات التأديبية في حق الدول التي ترغب في امتلاك الطاقة النووية .

* المساندة الواسعة للكيان الصهيوني والتغاضي عن انتهاكاته لحقوق الشعب الفلسطيني والسماح له بامتلاك السلاح النووي واتخاذه كقوة للردع لصالحها ولصالح الصهيونية لفرض مزيد من الضغوط المذلة على الدول العربية والإسلامية، فمنذ تأسيس الكيان الصهيوني، وهو يمارس أبشع المظالم السياسية والإنسانية والمجموعة الدولية تكتفي في أحسن الأحوال بالتنديد المحتشم في حين لا تتورع الولايات المتحدة الأمريكية من استعمال حق الفيتو لحماية هذه الكيان من العقوبات.

* الحرب على الإرهاب: وقد تولت الولايات المتحدة بنفسها الحرب على الإرهاب واتخاذه ذريعة في أكثر المناطق لإشعال الحرب عليها والتدخل في دول أخرى لتغيير سياساتها وبرامجها التعليمية ودعم توجهات سياسية وثقافية معينة دون أخرى، كما اتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها مفهوم الإرهاب وسيلة لضرب المقاومة المشروعة في فلسطين والعراق والشيشان والبوسنة والهرسك والصومال وغير ذلك.

* منظومة العولمة: فالعولمة صيغة جديدة للتحكم في الدول الضعيفة وإدخالها في دورة التبعية الذليلة للدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة. والعولمة ليست اقتصادية فقط، وإنما هي منظومة متكاملة فكريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا ودينيا.

وأصبحت هذه العولمة جهازا مفاهيميا وتصوريا للعالم وفق الرؤية الأمريكية الصهيونية، مدعما بترسانة قانونية تجبر الدول الضعيفة على التوقيع عليها كما تسندها قوة عسكرية للردع والإكراه في حق كل من تسول له طموحاته السياسية البقاء خارج هذه المنظومة التي تشكل أحد أبرز مظاهر القوة في النظام العالمي الجديد.

ثانيا:انعكاسات ذلك على واقع العالم الإسلامي ومستقبله:

نتج عن هذا الواقع الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية ولما بعد سقوط الأنظمة الاشتراكية مجموعة من المشاكل عرقلت مسيرة النمو في العالم الإسلامي من جملتها:

* تفتيت كيان الوحدة الإسلامية بتوزيع العالم الإسلامي إلى دول موالية أنظمتها السياسية إما إلى المعسكر الشرقي وإما إلى المعسكر الغربي، إضافة إلى زرع إيديولوجيات علمانية وإلحادية ودعمها وتشجيعها لتأسيس أحزاب سياسية وجمعيات ثقافية وتوجهات اجتماعية مناهضة للفكر الإسلامي وللصحوة الإسلامية عمقت الفرقة وأذكت جذوة الخلاف والصراع وفوتت فرصا كثيرة في البناء والنمو.

* ضعف وتيرة النمو الاقتصادي والاجتماعي بحكم تبعية الأنظمة الحاكمة لمراكز القرار الغربي بشقيه الرأسمالي والاشتراكي، وبسبب تحكم المراكز الدولية وتوجيهها للسياسات الرسمية والاقتصادية، وبسبب غياب سياسات حكيمة واستراتيجيات مستقبلية صادقة، وتزداد هذه الوتيرة ضعفا مع دخول الدول العربية والإسلامية عصر العولمة المفترسة التي تحد كثيرا من تكوين القدرات الذاتية وبناء اقتصاديات وطنية قوية وقادرة على المنافسة.

* وجود الكيان الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، جعل التوجهات السياسية لدول العالم الإسلامي تتجه نحو التسلح والإنفاق العسكري وتقوية هذه الجوانب على حساب قضايا التنمية البشرية والاقتصادية.

* تأثر العالم الإسلامي بشكل كبير جدا بالحملة العالمية والأمريكية على الإرهاب، بل اعتبرت دول العالم الإسلامي والدين الإسلامي المسئول المباشر والأكبر في ذلك، مما جعله ضحية اتهامات دولية تحالفت على ذلك وتواطأت، ففرضت على الدول العربية والإسلامية الرضوخ للإكراهات الدولية، بتغيير السياسات والمناهج التعليمية والإصلاحات الاجتماعية، والتعامل المزدوج مع قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث تمنح للتوجهات العلمانية والطوائف الدينية غير المسلمة، وتُحرم منها الشعوب المسلمة وأحزابها وتياراتها بتهمة التطرف والإرهاب؛ فأغرق ذلك المجتمعات الإسلامية في بحر من الاحتقانات السياسية، وفرض على الدول انتهاج المعالجات الأمنية والإقصائية دون محاولة اعتماد المعالجة الشمولية للظاهرة، مما زاد على الدول الإسلامية تكاليف مالية ومخصصات إضافية تنفق في السياسات الأمنية بدل أن تنفق في معالجة القضايا الاجتماعية.

* احتلال أجزاء ودول من العالم الإسلامي كالعراق وأفغانستان والصومال بتهمة تهديد العالم الغربي ومصالحه، مع مواصلة تهديد دول أخرى كإيران وسوريا والسودان وباكستان، الأمر الذي يجعل المنطقة الإسلامية ـ وهي الأغنى عالميا بثرواتها ـ على حافة حرب حقيقة؛ وما عسكرة البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي، إلا دليل قوي على مخاطر التهديد باشتعال حرب في المنطقة، لا أحد يتوقع حجم مخاطرها وآفاقها.

وأخيرا، يمكن القول إن كثيرا من مشاكل العالم الإسلامي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تدخلت في صنعها المنظومة الدولية في عهد الحرب الباردة أو ما بعدها، ولا يمكن النظر لهذه المشاكل بمعزل عن سياقها الدولي.

تهويد القدس من المنظور الإسرائيلي

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

نبيل السهلي

المشاريع الإسرائيلية قبل عملية الضم
حول قرار الضم
القدس والثوابت الإسرائيلية بعد أوسلو

مع احتلال إسرائيل للضفة الغربية بما فيها الجزء الشرقي من مدينة القدس قبل ستة وأربعين عامًا (1967-2013)، بدأت تظهر مشاريع وأفكار إسرائيلية حول الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتركزت الرؤى على إبقاء القدس الموحدة تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة.

ويمكن الاستدلال على الرؤى الإسرائيلية لحل قضية القدس من خلال الأفكار التي طرحها بعض القادة والأكاديميين الإسرائيليين، فضلا عن أفكار وتوصيات تمّ تسجيلها في نهاية ندوات عقدت في مراكز البحث الإسرائيلية، وفي هذا السياق عبر بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي في 24 يونيو/حزيران من عام 1948 بوضوح عن النوايا الإسرائيلية في القدس.

وفي نقاش دار حينها في مجلس الشعب المؤقت (الكنيست لاحقا) قال بن غوريون إن المسألة لم تكن إلحاق القدس بإسرائيل، بل كيفية تحقيق هذا الهدف في ضوء العقبات والظروف العسكرية والاقتصادية التي تواجه تحقيقه، ومنذ العام المذكور اتسم موقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه قضية القدس بالتصلب شأنها في ذلك شأن قضية اللاجئين وحق عودتهم حسب القرار 194 لعام 1948.

ومع احتلال إسرائيل للضفة بما فيها الجزء الشرقي من مدينة القدس وقطاع غزة في يونيو/حزيران 1967، بدأت تظهر مشاريع وأفكار إسرائيلية عدة حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة. وتركزت الرؤى على إبقاء القدس الموحدة تحت السيادة الإسرائيلية باعتبارها حسب الخطاب السياسي الإسرائيلي العاصمة الأبدية لإسرائيل.

“
لم يستبعد دايان التوصل إلى تسوية حول القدس تمنح معها الأماكن المقدسة ما سماه الوضع الخاص ولكن المدينة -حسب زعمه- يجب أن تظل موحدة من الناحيتين السياسية والقانونية
“
المشاريع الإسرائيلية قبل عملية الضم
من أهم المشاريع المطروحة التي تضمنت إبقاء السيطرة الكاملة على القدس:
أولا: مشروع بن غوريون 1967: وقد كان أول من طرح أفكارا حول منح السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة حكما ذاتيا يديرون شؤون حياتهم في إطاره هو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق دايفيد بن غوريون، وذلك بعد أن وضعت حرب حزيران أوزارها بأسبوعين تقريبا.

فقد وزع بن غوريون على الصحف مشروعا يتضمن بعض الأفكار ميّز فيها بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والفلسطينيين في الخارج، وفي الوقت نفسه ميّز أيضا بين سكان قطاع غزة وإخوانهم في الضفة الفلسطينية، إضافة إلى إخراجه القدس من المشروع مقترحا ضمها إلى حدود دولة إسرائيل.

ثانيا: مشروع آلون في يوليو/تموز 1967: أي بعد شهر من عدوان يونيو/حزيران، حيث طرح وزير الخارجية آنذاك يغال آلون على حكومته مشروعا يتعلق بسيناء والجولان، استند فيه إلى أفكار بن غوريون، غير أن مشروع آلون كان أكثر تفصيلا وتحديدا ووضوحا.

وقد حظي المشروع بشهرة كبيرة رغم أنه لم يناقش في إطار حكومي أو حزبي. وكان آلون أحد أبرز شخصيات حزب العمل وزعيم كتلة في الحزب وأحد قادة البالماخ البارزين سابقا وقد صمم مشروعه على أساس التخلص من المناطق ذات الكثافة بالسكان الفلسطينيين، وضم المناطق الأخرى التي تتسم بقلة ومحدودية السكان أي التخلص من المدن والمراكز الحضرية السكانية، وإعادتها إلى الأردن والتمسك ومواصلة السيطرة على الأراضي الواسعة الخصبة في الأغوار وشمال الضفة الفلسطينية ومناطق واسعة من أرياف المدن الفلسطينية تمهيدا لضمها إلى إسرائيل.

وتطرق آلون في مشروعه إلى القدس من جانب الاحتواء الكامل والقسري لهذه المدينة وهذا ما نلمسه في البند الوارد في المشروع المتعلق بالمدينة، “العمل على إقامة ضواح بلدية، مأهولة بالسكان اليهود شرق القدس، علاوة على إعادة تعمير وإسكان سريعين للحي اليهودي بالبلدة القديمة من القدس”، وهذا الأمر ترجم عمليا في السنوات الماضية حيث أصبحت المستوطنات اليهودية تحيط بمدينة القدس من كافة الاتجاهات عبر أطواق استيطانية محكمة.

ثالثا: مشروع أبا إيبان 1968: طرح المشروع في 9 أكتوبر/تشرين الأول 1968 وقد تضمن البند الخاص بالقدس أن إسرائيل مستعدة لمناقشة التوصل إلى اتفاقيات مناسبة مع هؤلاء الذين يعنيهم الأمر بشأن القدس، وقد عارض أبا إيبان فكرة إيجاد حل تعرضه الدول الكبرى ووصفها بأنها أبعد الأفكار عن الواقعية على الإطلاق.

رابعا: مشروع غولدا مائير 1971: طرح المشروع في 9 فبراير/شباط 1971 وجاء في البند المتعلق بالقدس من المشروع “تبقى القدس موحدة وجزءا من إسرائيل”.

خامسا: مشروع مابام للسلام 1972: وتضمن مشروع حزب مابام (27 ديسمبر/كانون الأول 1972) بندا خاصا عالج فيه وضع القدس على النحو التالي “إن القدس الموحدة عاصمة دولة إسرائيل وتضمن في تسوية السلام الخاصة الإدارة الذاتية للأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين ويعترف في كل مفاوضات حول السلام مع الدول العربية المجاورة بحقوق السكان العرب كأقلية قومية، ويتم ضمان أوضاع بلدية خاصة بالسكان العرب في القدس في إطار المدينة الموحدة”.

“
تسعى حكومة بنيامين نتنياهو الحالية -في سباق مع الزمن- إلى تهويد القدس مستغلة الانقسام الفلسطيني وعدم ارتقاء العرب والمسلمين في دعمهم السياسي والمالي للمقدسيين إلى مستوى التحدي الذي تواجهه المدينة
“
سادسا: مشروع بن غوريون 1972: ذكر بن غوريون في 8 سبتمبر/أيلول 1972 أن هناك احتمالا نظريا لتوقيع معاهدة سلام بين إسرائيل والدول العربية في غضون السنوات الخمس القادمة، ويعتقد أنه في حال توقيع الدول العربية معاهدة سلام فإنه من الصواب أن تعيد لهم إسرائيل جميع الأراضي، عدا القدس والجولان والمناطق التي نشأت فيها مستوطنات بما في ذلك المستوطنات في الضفة الفلسطينية.

سابعا: مشروع دايان 1972: ذكرت إسرائيل في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1972 أن موشي دايان وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك يفضل أن لا يحل السلام بين مصر وإسرائيل، على أن تنسحب القوات الإسرائيلية إلى الحدود السابقة. وقد أدلى دايان بهذه الأقوال في مقابلة صحفية أجرتها معه صحيفة لوفيغارو الفرنسية.

وختم حديثه مؤكدا أن الحدود مع هضبة الجولان ستبقى كما هي عليه اليوم تقريبا، على بعد 45 كيلومترًا من الحدود القديمة، ولم يستبعد دايان التوصل إلى تسوية حول مدينة القدس تمنح معها الأماكن المقدسة ما سماه الوضع الخاص ولكن المدينة -حسب زعمه- يجب أن تظل موحدة من الناحيتين السياسية والقانونية، مع تأكيده على أنه لا مجال لإقامة دولة جديدة في الضفة الفلسطينية.

حول قرار الضم
أعلنت المؤسسة الإسرائيلية ضم القدس الشرقية في الثلاثين من يوليو/تموز 1980. وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على ضم الجزء الشرقي من القدس، لم يتوقف النشاط الاستيطاني في جنباتها، حيث تسعى حكومة بنيامين نتنياهو الحالية -في سباق مع الزمن- إلى تهويد مدينة القدس مستغلة الانقسام الفلسطيني وعدم ارتقاء العرب والمسلمين في دعمهم السياسي والمالي للمقدسيين إلى مستوى التحدي الذي تواجهه المدينة.

فبعد قطع شوط كبير من بناء الجدار العازل حول القدس، تبنت الحكومة “الإسرائيلية” مؤخرا قرارا صادرا منذ أكثر من ستة عقود للشروع في تطبيق قانون أملاك الغائبين الذي يشمل الممتلكات المحجوزة من قبل المؤسسات “الإسرائيلية” في القدس الشرقية المحتلة.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه تم استصدار قانون أملاك الغائب عام 1950، وكان محاولة لإضفاء الصفة القانونية على سيطرة “إسرائيل” على الأراضي الفلسطينية تدريجيا، حيث يمنح القانون “الوصي الإسرائيلي” على أملاك الغائب “الحق” في الاستيلاء عليها وإدارتها والسيطرة على الأرض التي يملكها أشخاص يعرَّفون بالـ”غائبين”.

ويمكن القول إن الإصرار “الإسرائيلي” على تطبيق قانون الغائب في مدينة القدس يندرج في سياق منهجية حكومة نتنياهو للإطباق على المدينة وتهويد كل مناحي الحياة فيها، وصولا إلى الإخلال بالتوازن الديموغرافي لصالح اليهود في المدينة، وبالتالي نسف الحلم الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس. وسيشهد المتابع استصدار قرارات “إسرائيلية” وإحياء أخرى لفرض الأمر الإسرائيلي الواقع على المدينة.

“
يلحظ المتابع أن النشاط الاستيطاني المحموم في مدينة القدس ما هو إلا إجراءات لترسيخ التصورات والرؤى الإسرائيلية على الأرض
“
القدس والثوابت الإسرائيلية بعد أوسلو
لم تتغير التصورات الإسرائيلية حول مستقبل قضية القدس بعد عقد اتفاقات أوسلو في سبتمبر/أيلول من عام 1993 لإبقاء القدس الموحدة بشقيها المحتل عام 1948، والمحتل عام 1967، عاصمة أبدية لإسرائيل.

وفي عام 1996 أكد حزبا العمل والليكود في وثيقة مشتركة وجهة نظريهما من قضايا الوضع النهائي بما فيها قضية القدس، حيث أكدا أن القدس الموحدة بشقيها الشرقي والغربي يجب أن تبقى العاصمة الأبدية إسرائيل.

ويلاحظ المتتبع للشأن الإسرائيلي الداخلي والخطاب السياسي للأحزاب الإسرائيلية منذ عام 1967 وحتى عام 2013 أن كافة المشاريع والتصورات الإسرائيلية التي طرحت إزاء القدس من قبل سياسيين أو أحزاب أو أكاديميين إسرائيليين في ندوات عقدت في الجامعات الإسرائيلية أو مؤتمرات هرتسيليا تمحورت حول الثوابت المشتركة بين الأطياف السياسية الإسرائيلية إزاء مستقبل قضية القدس.

ويلحظ المتابع أيضا أن النشاط الاستيطاني المحموم في مدينة القدس ما هو إلا إجراءات لترسيخ التصورات والرؤى الإسرائيلية على الأرض.

وتبقى الإشارة إلى أنه رغم وضوح التصورات الإسرائيلية إزاء مستقبل قضية القدس، لم يفلح العرب والمسلمون في وضع تصورات ومخططات محددة لمواجهة عاصفة التهويد التي تجتاح المعالم الجغرافية والتاريخية في مدينة القدس على مدار الساعة.

المصدر:الجزيرة

رؤية جديدة للعلاقات الهندية الإسرائيلية

كاتب الموضوع الأصلي: فارس الحسين 2013

المصدر: السياسة الدولية بقلم: مصطفى الفقى

تولد شعور عم على امتداد دول العالم العربى مؤاده أن الهند دولة مؤيدة على طول الخط للقضية العربية والحقوق الفلسطينية فى مواجهة دولة إسرائيل وسياستها العدوانية التوسعية الاستيطانية وحقيقة الأمر أن ذلك المفهوم نسبى ولا ينبغى قوله على إطلاقه فالعلاقات الهندية الإسرائيلية تمثل بعدا يمارس تأثيره ولو بطريق غير مباشر على سياسات الهند تجاه منطقة غرب آسيا وسنحاول فى هذا التقرير أن نقدم الإجابة عن بعض الأسئلة على نحو يمكن أن يقدم فى النهاية تصورا لاحتمالات مستقبل العلاقات الهندية الإسرائيلية على ضوء التطورات فى الجانب الأخر ونعنى به العلاقات الهندية العربية، ولعله من ابرز تلك الأسئلة المطروحة هو أن نتساءل ما هو حجم الوجود اليهودى فى الهند وما مدى عمقه تاريخيا؟ وما هو موقف الهند من قيام دولة إسرائيل منذ إعلانه؟ وما هى العوامل التى تمارس تأثيرا على العلاقات الهندية الإسرائيلية؟ وهل هناك إيماءات ذات دلالة خاصة تنذر بتحول فى مستقبل تلك العلاقات؟ حجم الجود ليهودى فى الهند وتاريخه: يذكر TV PARASURAM فى كتابه INDIA S GEWISH HERITAGE أن تاريخ المجموعات الثلاث الرئيسية المكونة للوجود اليهودى السكانى فى الهند وهى يهود كوشين فى كيرالا وبنى إسرائيل فى بومباى أو مهار اشترا واليهود البغداديين فى كلكتا؟ يقول أن تاريخ هذه المجموعات بالإضافة إلى أهميته فى التاريخ اليهودى كجزء من الياسبورا إلا انه يرتبط أيضا بتاريخ الهند وشعبها القديم ويرجع تاريخ الوجود اليهودى فى الهند إلى الهجرة اليهودية الأولى التى وفدت إلى الشواطئ الغربية مع أسطول الملك سليمان منذ اكثر من ثلاثة آلاف عام واستقرت فى كوشين على ساحل كيرالا وخضعت لضغوط دينية بعد ميلاد المسيح دفعت بعضهم إلى اعتناق المسيحية فى الظاهر وغالبيتهم من أصول سوداء حيث يميل لونهم إلى السمرة التى تقترب بهم من ملامح الأحباش وبعض سلالات الساحل الشمالى الشرقى لأفريقيا كما أن هناك أيضا هجرة أخرى وفدت من العراق ووجدت فى كلكتا بديلا تجاريا لما كانت عليه بغداد فى ذلك الوقت إلى جانب الهجرات اليهودية الحديثة عبر القرون الخمس الأخيرة والتى استوطنت ولاية مهاراشترا المعروفون وعلى أخص مدينة بومباى وهم المعروفون ببنى إسرائيل وترجع أصولهم إلى بعض أقاليم غرب آسيا وهم اكثر المجموعات اليهودية الهندية نشاط وتأثيرا بالإضافة إلى نسبة ضئيلة من اليهود المهاجرين من أوروبا وعلى الأخص من ألمانيا والنمسا نتيجة الاضطهاد الدينى ولسياسى ويقدر مجموع عدد اليهود ويتوزع الباقى بين كلكتا وكوشين مدراس نيودلهى، وقد تناقص عددهم فى العقود الثلاثة الأخيرة نتيجة هجرة مجموعات منهم إلى إسرائيل، ويتمتع اليهود فى الهند بكافة الحقوق والضمانات المكفوفة للمواطنين فى الدولة العلمانية بغض النظر عن ديانتهم وقد شاركت مسز غاندى فى حضور بعض مناسبتهم الدينية وافتتاح معابدهم فى بومباى وكوشين ووصل أحدهم وهو الليثنتانت جنرال G F R JACOB إلى وقع مرموق فى الجيش وهو الذى رأس الجانب الهندى عند استسلام الجيش الباكستانى عام 1971 موقف الهند من قيام دولة إسرائيل: إذا انتقلنا إلى الجانب الأخر من تاريخ الوجود اليهودى فى الهند وعلاقاتهما بدولة إسرائيل، فسوف نجد أن الهند قد اعترضت بدولة إسرائيل فى 18 سبتمبر 1950 وتأخرت عامين فى اعترافها انتظارا لاعتراف بعض الدول الإسلامية قبلها كمبرر قوى أمام المسلمين الهنود فسبقتها فى الاعتراف كل من تركيا وإيران وقد نهرو قرار الهند بالاعتراف بإسرائيل فى برقية إلى موسى شريات وزير خارجية إسرائيل حينذاك وتردد الكتابات اليهودية التى صدرت فى السنوات الأخيرة أن المهاتما غاندى كان صديقا لليهود ومتعاطفا مع قضيتهم رغم تحفظه أمام المسألة الصهيونية وتشير تلك الكتابات أيضا إلى أن المهاتما غاندى قد قال لعضو يهودى فى البرلمان البريطانى وهو سندى سلفر مان أن الادعاء العربى فى فلسطين يأتى فى المرتبة الثانية فاليهود هم أصحاب المطالبة الأولى لأنهم خرجوا من هناك كما أن المسيح يهودى أيضا والثابت أيضا أن اليهود الهنود قد عبروا عن أسفهم الشديد عند اغتيال المهاتما غاندى وكتبت صحيفتهم فى كلكتا غداة مصرعه أن عرفان اليهود الهنود بما فعله لهم غاندى أمر لا شك فيه، وانه قد أعطاهم الشعور بالتعاطف وكان يكن احتراما وإعجابا شديدين بالشعب اليهودى فإذا انتقلنا إلى البانديت نهرو الذى يمثل اكبر زعامة سياسية فى تاريخ الهند الحديث بعد غاندى فسوف نلاحظ تعاطفه فى بداية الخمسينات مع إسرائيل واتجاهاته لودية نحوها ولم يكن العامل الحاسم فى تحول موقفه العلن فيما بعد إلا دور مثر فى مؤتمر باندونج وحركة عدم الانحياز وتوفيق العلاقات المصرية الهندية وتأثير جمال عبد الناصر على تفكير نهرو تجاه نوايا إسرائيل العدوانية خاصة بعد حرب 1956 بل أن هناك تصريحا من نهرو لبعض الصحفيين أثناء مؤتمر باندونج عام 1955 يبدى فيه اسفه لان المؤتمر لم يتمكن من دعوة إسرائيل لحضوره وهى جزء من القارة الآسيوية يبل انه يقال أن مولانا أبو الكلام أزاد الزعيم الهندى المسلم ورفيق كفاح غاندى وأول إيفاد سفير للهند إلى إسرائيل بعد جولة له فى الدول العربية واكتفت الهند بفتح وكالة قنصلية لإسرائيل فى بومباى وتم رفع درجة التمثيل إلى قنصلية عامة فى يناير 1953 وحالت الضغوط العربية أو المصرية بالتحديد دون سماح الهند بتجاوز درجة التمثيل القنصلى لإسرائيل فى الهند كما كان احتمال انسحاب الوفد المصرى ووراءه وفود عربية أخرى عاملا حاسما أمام الدبلوماسية الهندية دون دعوة آيه وفود إسرائيلية إلى المؤتمرات التى تدعو إليها أو تشارك فيها الهند اتصالات غير المعلنة بين الهند وإسرائيل: من الأمور التى كثر تداولها فى السنوات الأخيرة ومنع تزايد التأييد المعلن للعرب والفلسطينيين ما تردد عن اتصالات غير معلنة وزيارات سرية لمسئولين إسرائيليين للهند وقد اكن اكثر هذه المعلومات أثرة للضجة ما أعلنته السيدة انديرا غاندى فى مؤتمر شعبى عام فى باجيور يوم 11 مايو 1980 عن زيارة موشى ديان للهند أثناء حكم الجاجنتا وقد نفى فاجباى وزير الخارجية وقت الزيارة الخبر فى البداية إلا ن موراجى ديساى رئيس الوزراء وقت زيارة ديان اعترف بالواقعة فى مؤتمر صحفى عقده يوم 16 مايو 1980، وقد نشرت مجلة الارجانايزر المتحدثة باسم منظمة R S S الهندوكية اليمنية المتعصبة مقالا فى عددها الصادر فى 6 يوليو 1980 انتقدت فيه بشدة ديساى وفاجباى لتحدثهما عن زيارة ديان بلهجة اعتذارية ووصفت ديان انه بطل عظيم وانه والجنرال جياب الفيتنامى يعتبران ابرز قائدين عسكريين فى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتردد أوساط المعارضة الهندية بين حين وأخر قصصا عن اتصالات منظمة كانت تم بين الزعيم الهندى جوار لال نهرو وبعض كبار المسئولين الإسرائيليين خصوصا موشى شاريت كما تشير الأوساط ذاتها إلى وفد عسكرى إسرائيلى زر الهند غادة هزيمتها أما الصين فى حرب 1962، وعلى الرغم انه لا يوجد لدينا ما ينفى أو يؤكد هذه المعلومات إلا انه من المحتمل أن تكون تلك هى مجرد روايات مختلفة لتسميم العلاقات بين حكومة مسز غاندى والعرب، وجدير بالذكر أن أحد الصحفيين قد سأل موراجى ديساى عن السبب فى عدم إجرائه لمقابلة معلنة مع ديان فأجاب أن ذلك كان حفاظا على أصوات المسلمين الهنود فى أية انتخابات قادمة لحزبه العوامل المؤثرة فى شكل العلاقات الهندية الإسرائيلية: لاشك أن العلاقات الهندية مع اكثر من عشرين دولة عربية تمارس تأثير قويا فى تحجيم العلاقات الهندية الإسرائيلية وتعطيلها ذلك الطابع الذى يتميز بالاتصالات غير المعلنة والتزيد فى تدعيم الجانب العربى والحقوق الفلسطينية ولقد لعبت مصر الدور السياسى الرئيسى تاريخيا فى تحديد مسار العلاقات الهندية الإسرائيلية، وحين تقلص دور مصر السياسى نسبيا بعد هزيمة 1967 مرة وبعد كامب ديفيد مرة ثانية وتعرضت العلاقات المصرية الهندية لقدر كبير من الفتور فان الهند قد وجدت فى مصالحها المتزايدة اقتصاديا مع دول البترول العربى بديلا للفراغ السياسى الذى نشأ عن تناقص دور مصر إقليميا ودوليا إذ أن حجم العمالة الهندية فى دول الخليج والسعودية والعراق يزيد على ثلاثة ملايين لهم دورهم فى إدخال قدر كبير من العملة الصعبة إلى جانب حاجة الهند الملحة إلى النفط إذ أن الهند تنتج ما يقرب من نصف احتياجاتها من البترول فقط كذلك فان حجم الاستثمارات العربية الهندية المشتركة سواء فى العراق أو الخليج والى حد ما فى السعودية يمثل عاملا ثالثا يؤثر فى التوجهات السياسية الهندية تجاه إسرائيل كما أن الهند التى تضم (ما يقرب من مائة مليون مسلم) تحرص أيضا على المزايدة أمام باكستان فى حجم تأييد كل منها للقضية العربية وحقوق الفلسطينيين وقد منحت الهند منظمة التحرير الفلسطينية درجة التمثيل الدبلوماسى الكامل منذ عام 1980 بحيث تحول مكتب المنظمة إلى سفارة وهو قرار ادخرته مسز غاندى منذ فترة وجودها خارج لحم ووعدت بعض الدول العربية به كسبا لأصوات المسلمين فى الهند وطلبا لدعم الحكومات العربية اقتصاديا لحكومتها فيما بعد وقد زار السيد/ ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الهند مرتين منذ حصول المنظمة على الاعتراف الهندى الكامل واستقبلته الهند استقبال رؤساء الحومات كما أن زيارة مسز غاندى للسعودية فى النصف الأول من هذا العام كانت بمثابة فتح مبين فى العلاقات العربية الهندية ومشاركة لباكستان فى احتكارها للعلاقات الوثيقة مع السعودية مستخدمة ما يمكن أن نطلق عليه لفظ الدبلوماسية الإسلامية على امتداد العقدين الأخيرين وجدير بالذكر أن الهند قد استفادت ولو بشكل غير مباشر من القطيعة المصري العربية نتيجة إحلال قدر من الطلب على العمالة الهندية محل الطلب على العمالة المصرية إلى جان اتخاذ الهند تجاه مؤيد فى العلن لدول الرفض العربى وشجبت سياسات كامب ديفيد والمزايدة فى تأييد الفلسطينيين إيماءات جديدة على صعيد العلاقات الهندية الإسرائيلية: أدلى القنصل الإسرائيلى فى بومباى السيد/ يوسف هاسين بحديث صحفى لمجلة صنداى ابزرفر الهندية يوم 3 يونيو 1982 وقد اتخذت الحكومة الهندية بعد وقوع الغزو الإسرائيلى للبنان من حديث القنصل الإسرائيلى وما اتهمته به من تدخل فى الشئون الداخلية للهند حيث ذكر أن السفراء المسلمين يستخدمون المسلمين الهنود للدعاية ضد بلاده وان الهندوس على العكس يؤيدون إسرائيل، اتخذت من ذلك زريعه لطرده باعتباره شخصا ير مرغوب فيه على أن يغار البلاد خلال 48 ساعة دون المساس بوضع القنصلية العامة لإسرائيل كشكل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو أمر حرصت الحكومات الهندية دائما على الإبقاء عليه برغم الضغوط العربية والإسلامية لإغلاق تلك القنصلية الإسرائيلية وقد أدانت الهند على المستويين الرسمى والشعبى أحداث لبنان والعدوان على الفلسطينيين فى الشهور الأخيرة وكان الغيب فى هذا الجو المؤيد للعرب والفلسطينيين ووسط موجة من الإدانة العالمية لإسرائيل أن يعلن سياسى هندى هو الدكتور سوبرا ما ينم سامى نائب رئيس حزب الجانتا المعارض والحاصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد عن عزمه على زيارة إسرائيل ولقاء رئيس ووزرائها السيد مناحم بيجين، وقد أعلنت مسز غاندى فى رد على سؤال غير مباشر عن زيارة سوامى لإسرائيل أن أى عضو فى البرلمان الهندى يزور إسرائيل لا يمثل إلا نفسه أو حزبه على الأكثر وطالبت زعماء أحزاب المعارضة بإعادة النظر فى احتمال إيفاد أحد أعضائها لزيارة إسرائيل فى ذلك التوقيت الحساس، ومع ذلك فقد صرح جاكار رئيس اللوك صابها (مجلس النواب الهندى) فى إجابة على سؤال لأحد الأعضاء حول زيارة سوامى لإسرائيل بان من حق أى عضو فى البرلمان الهندى بان يزور أى بلد يريده فى العالم وانه ليس هناك حظر على المواطنين الهنود فى زيارة إسرائيل التى هى بلد مثل باقى غيرها من دول العالم، والطريف هنا أن سوامى وهو أحد نواب بومباى قد حصل على مقعده فى البرلمان اعتمادا على أصوات المسلمين أساسا وهو ما ذكره لى دبلوماسى عربى يعمل فى قنصلية بلاده هناك، وقد أدلى سوامى الذى قضى يوما فى القاهرة فى طريق عودته من إسرائيل بتصريحات فى القدس بعد اجتماعه بمناحم بيجين جاء فيها:
1- أن الضغط علام على مسز غاندى سوف يفرض على حكومتها إقامة علاقات دبلوماسية بين الهند وإسرائيل وأن قوة الرأى العام سوف تفرض على الحكومة الهندية تغيير موقفها الحالى فى المستقبل القريب، ولنا أن نتساءل أى ضغط ذلك يتحدث عنه سوامى
2- انه قد اتفق مع مناح بيجين فى الرأى على أن إقامة علاقات دبلوماسية بين الهند وإسرائيل لا يعنى بالضرورة اتفاق وجهات نظرهما فى السياسة الخارجية وأن بيجين قد ضرب مثالا لذلك: وجود علاقات دبلوماسية بين نيودلهى وسلام أباد رغم الخلاف بين الدولتين والحروب التى نشبت بينهما
3- أن الحكومة الهندية تدرس حاليا الموافقة على تعيين قنصل إسرائيلى جديد فى بومباى وأن ذلك سوف يعلن عنه فى اقرب وقت
4- انه قد استجوب بيجين حول سياسة تسليح إسرائيل ذريا وعن احتمال قيام إسرائيل بغارة مماثلة التى قامت بها على المفاعل العراقى فى يونيو ضد أى دولة إسلامية تنتج سلاحا ذريا (فى إشارة غير مباشرة لباكستان) وأن بيجين أجاب بأن ذلك يتوقف على بعد أو قرب تلك الدولة من إسرائيل
5- أن إسرائيل قلقة لما يتردد عن التعاون الذرى بين باكستان وليبيا وأن بيجين قد رفض التعليق على موقف بمجوعة أخرى من التصريحات عقب عودته إلى الهند لصحيفة تايمز اوف انديا يوم 31 أكتوبر 1982 ولم يشر فيها إلى مروره بالقاهرة وقد تضمنت النقاط التالية:
1- أن الجيش الإسرائيلى قد اسر 55 هنديا يعملون مع منظمة التحرير الفلسطينية وذلك خلال غزو لبنان الأخير، وانه يحمل قائمة من الحكومات الإسرائيلية بأسمائهم وانهم كانوا يقاتلون فى صفوف المنظمة وذلك بسبب استياء للإسرائيليين الذين ابلغوا الحكومة الهندية بذلك ولمنها لم تعره اهتماما، وقد تضمنت القائمة التى نشرتها الصحيفة أسماء عدد كبير من الهنود المسلمين وغير المسلمين
2- انه قد جمع معلومات كافية من إسرائيل عن الطائرة التى تبيعها الولايات المتحدة لباكستان وكذلك الطائرات السوفيتية التى تستخدمها سوريا والمقارنة بينهما فى العمليات العسكرية الأخيرة وانه سيقدم هذه المعلومات فى الاجتماع القادم للجنة الاستشارية للبرلمان الهندى وأضاف أن إسرائيل تتوق لتقديم خبرتها للهند فى مجالات عديدة مثل صناعة المقاتلات والدبابات وتكنولوجيا الرى لحديث بالرش وطاقة السولار
3- انه لا يعير الانتقادات التى يواجهها بسبب زيارته إسرائيل أى اهتمام وأن السيد/ براميلا داندفانى عضو البرلمان عن حزب الجانتا قد زارت إسرائيل فى أوائل السبعينات وأجرت محادثات مع المسئولين الإسرائيليين ولم تتعرض لأى انتقاد يذكر وأضاف أن فى إسرائيل اثر من 25 أف مواطن إسرائيلى من اصل هندى يمثلون عاملا إضافيا يعزز العلاقات بين البلدين يمكن إيجاز التعليق على لتطورات الراهنة فى العلاقات الهندية الإسرائيلية فيما يلى:
1- أن د سوامى بحاسة المؤيد للسياسة الإسرائيلية عموما قد سلك نهجا خبيثا باقتحام باكستان طرفا فى مباحثاته وكأنه يضع الهند وإسرائيل فى سلة واحدة حيث تواجهان معا الخطر العربى والإسلامى الذى يسعى لامتك أسلحة ذرية وكأنه يردد العبارة الشهيرة التى ذكرها أحد زعماء R S S من التعاون الذرى العربى الباكستانى يسعى لإنتاج قنبلة يتم تجريبها بضرب نيودلهى قبل توجيهها إلى إسرائيل، وهى محاولة تنطوى على اتجاه دعائى خطير يقع فى شباكه المواطن الهندى العادى
2- تؤكد الهند دائما أنها وهى الدولة العلمانية تدعم القضية الفلسطينية من منطلق سياسى يرتكز على مبادئ ثابتة وليس أبدا خضوعا لتيار إسلامى يحيط بها ويعادى إسرائيل كما انه ليس استجابة لضغوط من المسلمين الهنود أو محاولة استرضائهم، فالهند تشعر دائما بالقلق من أى تفسير دينى للاتجاهات السياسية
3- أن كثير من المثقفين الهنود الذين يؤدون العرب والفلسطينيين بحماس فى العلن يتحدثون بأسلوب مختلف وراء كواليس المرح السياسى ويبدون إعجابا متزايدا لحل النزاع المصرى الإسرائيلى ويرون أن فلسفة السادات كانت شديدة القرب من طبيعة العقلية الهندية وطريقة معالجتها للقضايا ومواجهتها للمشكلات .