أ.د. أحمد محمد وهبان

الإسلام السياسي والثورات العربية المغدورة

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الحربي313

لقد بدأ الربيع العربي في تونس. انتحر البوعزيزي في بلدة نائية، فكان ذلك الحدث إشارة النهاية بالنسبة لنظام زين العابدين بن علي. في مصر كان هناك خالد سعيد، رمزا آخر لبدء المسيرة الشبابية في اتجاه ميدان التحرير، وهي المسيرة الافتراضية التي ظن نظام حسني مبارك أنها ستكون محصورة بين عالمي فيسبوك وتويتر.
كلا البلدين لم يشهدا في تلك الفترة حراكا متمردا، مادته شباب جماعة الإخوان في مصر أو شباب حركة النهضة في تونس. لم تكن هناك شعارات دينية مرفوعة. لم تكن هناك لحى ولا ثياب رجالية قصيرة ولا سيوف ولا خناجر. كان شباب الثورة معاصرين، بأفكارهم وثيابهم وشعاراتهم.
حين سقط نظاما الحكم في تونس ومصر مالت كفة الميزان إلى جهة دعاة الشريعة. من الطبيعي القول أن ذلك الميل كان ظالما، غير أنه تم عن طريق انتخابات ديمقراطية نزيهة. وهو ما لا يمكن أن ينكره أحد. أين يكمن الخطأ؟ وهل هناك ما يمكن أن يشار إليه باعتباره نوعا من الخيانة؟ مَن خان الآخر؟ الثورة التي لم تنجز أهدافها أم الشعب الذي ذهب إلى الانتخابات بأفئدة كلها هواء؟ هل كانت هناك مسافة تفصل بين الثورة والشعب نجح الاسلامويون في ملئها بأدعيتهم المجانية؟
غربيا ما حدث كان متوقعا. لمَ لم يتوقعه أصحاب الشأن؟ شعوب سلمتها أنظمة الاستبداد إلى الفقر والجهل والأمية والظلم واليأس والإقصاء، ما كان عليها سوى أن تتوجه إلى الله وهو القادر على كل شيء. ولأن الاسلامويين قد احتكروا الله لصالحهم ووظفوا عالم الغيب لحسابهم، فقد كانوا الجهة الأكثر كفاءة في الاستجابة لنداء المقهورين واليائسين والمغلوبين على أمرهم.
هناك الجنات المفتوحة على لذائذها، نساء وخمورا وكسلا ولبنا وعسلا وحقولا خضراء. كان لسان حال الإسلامويين يقول للشعب: «ما تحلمون به لدينا وما من أحد سوانا يمكنه أن يصل بكم إليه»، فكان الاختيار بين الدنيا الزائلة والآخرة الدائمة هو الامتحان الذي لم يفكر فيه شباب مصر وتونس، في الوقت الذي كان فيه ذلك الاختيار هو كلمة السر التي عبأ الإسلامويون رهانهم الانتخابي بها.
الآن وقد تمكن الإسلامويون من الحكم، ألا يزال هناك من أثر للثورة على أرض الواقع؟ الفوضى الهائلة التي يعيشها البلدان الرائدان في ربيعهما لا تبشر بأي نوع من الجنة، لا في الأرض ولا في السماء. لقد أدخل النظامان الإسلامويان البلدين في متاهة خلافات لا مخرج منها.
ولو اقتصر الأمر على اعتراض التيارات المدنية لهان الأمر بالنسبة لشعب سيصدق أنه ذاهب إلى الجنة لا محالة بمعونة الإخوان والنهضة وبعداً للقوم الكافرين، ولكن خرجت تيارات إسلاموية صارت تكفر علنا من يحكمون باسم الإسلام. صار هناك من يرفع لواء الشريعة في وجه الإخوان والنهضة. عاد الشعب مرة أخرى ليتخيل منقذيه. لقد تراجع الحوار الديني- المدني في كلا البلدين ليحل محله حوار ديني- ديني، فهل هذا ما حلمت ثورات الربيع العربي بأن تصل إليه؟
هناك صفحة طويت في تاريخ العالم العربي، هي صفحة الاستبداد العسكري الذي كان مغطى بهالة مدنية، غير أن ما جرى ديمقراطيا بعد ذلك إنما يمهد لفتح صفحة استبداد جديد، سيكون الدين مادته هذه المرة. وهو ما سيؤدي لاحقا إلى فضح الأهداف السياسية التي تخفيها الحركات الدينية، حيث يشكل الاستيلاء على السلطة والتمتع بمنافعها الدنيوية جوهرها. سيكتشف الشعب أن المبشرين بالآخرة هم أكثر دنيوية من مبارك وبن علي، ولكن ندمه على الثورات المغدورة قد يقع متأخرا.

القيم بين الدولة والنظام والمجتمع

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الحربي313

موضوع القيم مجال شاسع للاجتهادات العلمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، بالإضافة إلى تعدد أنساق القيم بحسب الدول والأنظمة السياسية والمجتمعات.

وإذا كان يمكن القول -نتيجة للعولمة من جانب وتحول النظام العالمي إلى مجتمع عالمي من جانب آخر نتيجة الثورة الاتصالية الكبرى- إن هناك تبلوراً لنسق عالمي للقيم، فإن هناك مما لا شك فيه قيماً ثقافية محلية تسود في مجتمعات بعينها، تأثراً بثقافات لها خصوصية تميزها عن باقي الثقافات.

ولنلق نظرة طائرة على موضوع القيم بشكل عام، قبل أن نتحدث بالتفصيل عن القيم الاجتماعية المنهارة في المجتمع المصري، وكيفية تأسيس قيم إيجابية بديلاً عنها تساعد المواطن المصري على أن تزدهر شخصيته الإنسانية.

غني عن البيان أن التحول الأساسي في مجال القيم العالمية حدث أساساً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وبعد تأسيس هيئة الأمم المتحدة لكي تقود النظام العالمي في إطار قيم السلام بعد نبذ الحرب كآلية لحل الصراعات بين الشعوب، وفي ضوء أهمية تحقيق الأمن الإنساني للشعوب وتحريرها من الاستعمار وكل صور الهيمنة الأجنبية، وذلك بتوسيع نطاق البرامج الإنمائية للنهوض بالطبقات الفقيرة وتحقيق الرخاء للبشر.

وأصبحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ذات طابع عالمي، مما أدى إلى ثورات الشعوب على الأنظمة الشمولية والتي بلغت ذراها مع انهيار الاتحاد السوفييتي وغيره من النظم الاستبدادية والانتقال -في إطار الموجة الثالثة للديمقراطية بتعبير المفكر السياسي الأميركى صمويل هنتنجتون- من الشمولية إلى الليبرالية.

وتزعمت الولايات المتحدة الأميركية العالم بعد اختفاء المنافس التاريخي وهو الاتحاد السوفييتي، وتحول النظام العالمي ليصبح نظاماً أحادي القطبية، وعينت هذه الدولة الكبرى نفسها باعتبارها المدافع الأول عن حقوق الإنسان في العالم، لدرجة أن الكونجرس أصدر تشريعاً بموجبه تلتزم وزارة الخارجية الأميركية بإعداد تقرير سنوي عن حالات خرق حقوق الإنسان في شتى دول العالم يرفع إلى الرئيس الأميركي ليفرض ما يراه مناسباً من عقوبات على الدول المخالفة!

غير أن الدولة الأميركية التي نصّبت نفسها باعتبارها السلطة القضائية العالمية والتي تملك حق اتهام الدول بخرق حقوق الإنسان، بل وعقابها، مارست هي نفسها أخطر حالات خرق حقوق الإنسان، سواء في أفغانستان بعد 11 سبتمبر أو في العراق بعد غزوها غير المشروع له، أو في تعاملها مع المتهمين بالإرهاب والمعتقلين في قاعدة جوانتنامو. وتبلغ المهزلة ذراها في كون الكونجرس الأميركى ناقش عدة مرات أدوات تعذيب المتهمين بالإرهاب وأيها يعد مشروعاً وأيها غير مشروع!

وبلغت ظاهرة ازدواجية المعايير الأخلاقية أقصى آمادها في التحيز الأميركي الصارخ للدولة الإسرائيلية العنصرية، والتي تمارس كل يوم خرق حقوق الشعب الفلسطيني.

وهكذا تظهر -من خلال المثال السابق- الفجوة الكبرى في مجال القيم عموماً بين القيم الإيجابية المعلنة والقيم الفعلية المطبقة، مما يجعلنا نشير إلى ظاهرة ازدواجية المعايير الأخلاقية باعتبارها تكاد تكون أخطر مشكلات ترسيخ القيم الإيجابية.

وإذا انتقلنا من مجال سياسات الدول إلى ممارسات الأنظمة السياسية العربية لوجدناها جميعاً وبلا استثناء تعلن أنها تحترم قيم الحرية السياسية وحقوق الإنسان وتسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية. غير أننا لو درسنا ممارسات هذه النظم -ومنها النظام السياسي المصري في عهد الرئيس السابق «مبارك»- لاكتشفنا أنها من خلال ظاهرة ازدواجية المعايير اعتدت اعتداءً صريحاً على الحرية السياسية بممارستها الاستبدادية وقهرها للخصوم السياسيين وإصدار أحكام ملفقة ضدهم، أو حتى اعتقالهم بدون العرض على أي محكمة. ومن ناحية أخرى فإنه من خلال الفساد المنظم الذي مارسته النخب السياسية الحاكمة تم الاعتداء على حقوق الإنسان بشكل خطير من خلال إفقار الغالبية العظمى من الشعب نتيجة ثراء القلة الفاسدة من أهل السلطة على حساب الجماهير، ونتيجة للافتقار إلى خطط تنموية تسعى حقاً إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.

فساد الأنظمة السياسية -كما أشرنا- هو الجذر الحقيقي لفساد الجماعات الاجتماعية وعدد كبير من المواطنين. فهؤلاء المواطنون الذين تركوا نهباً للأمية والفقر والفاقة والبطالة وانعدام آفاق الأمل في مستقبل إنساني حقيقي، من المنطقي أن تتدهور القيم التي تتحكم في سلوكهم ويلجأون إلى تبرير كل أساليب الانحراف التي يمارسونها، سواء في مجال الرشوة لتيسير معاملاتهم حيث أصبحت هي الآلية المثلى للتعامل الاجتماعي اليومي، بالإضافة إلى جرائم الاختلاس والتزوير والسرقة، والتي تتخذ كلها صوراً تقليدية أو صوراً إجرامية مستحدثة حسب الظروف والأحوال.

وبعبارة أخرى في البدء كانت القيم الأساسية التي ينطلق منها النظام السياسي في أي بلد، إن كانت هذه القيم تركز حقاً على الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية في إطار تفعيل حقيقي لمبدأ المواطنة، حيث لا تمييز بين أي مواطن وآخر على أساس الجنس أو الدين أو العقيدة.

وإذا كان النظام يعتمد على استراتيجية توسيع آفاق الحياة، بمعنى إعطاء المواطنين حقهم المشروع في التعليم والصحة والعمل والارتقاء الوظيفي بغير محسوبية أو واسطة، وفي ضوء تكافؤ الفرص، فإن ذلك لابد أن يترك آثاره الإيجابية الخيرة على مجمل القيم الاجتماعية في الممارسة على وجه الخصوص.

ليس ذلك فقط، بل لابد من أن تكون النخب السياسية الحاكمة نموذجاً رفيعاً للقدوة الطيبة، خصوصاً فيما يتعلق بالقبول الكامل لمبدأ تداول السلطة، وفي التمسك بالأخلاقيات الرفيعة من زاوية إعلاء الصالح العام على الصالح الخاص، والنزاهة… كل هذه القيم تعد داعمة للسلوك الإيجابي الذي ينبغي للجماهير العريضة أن تسلكه إذا ما أرادت حقاً أن تنهض ببلدها في إطار احترام حقوق الإنسان.

ومن هنا نستطيع القول إن العبارة التقليدية التي تذهب إلى أن الفساد يبدأ من القمة ويهبط بالتدريج إلى المستويات الأدنى عبارة صحيحة.

خلاصة ما نريد التركيز عليه هو أهمية تأسيس نظام سياسي ديمقراطي إنساني تنهض قيمه على خدمة الجماهير العريضة وليس القلة الاجتماعية المترفة.

وهنا تبدأ الرحلة الشاقة الخاصة بتأسيس قيم إيجابية جديدة لمجتمع مصري جديد، لتحقيق شعارات ثورة 25 يناير «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».

ولا يمكن لهذه الشعارات أن تتحقق في الواقع بغير توافق سياسي بين السلطة الحاكمة وتيارات المعارضة في ضوء مبدأ أساسي هو أن مصلحة الوطن ينبغي أن تعلو على المصالح الفئوية أو المصالح الفردية.

الدول الكبرى وحق تقرير المصير

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الحربي313

انضمت دول وازنة مثل أميركا وبريطانيا وهولندا وألمانيا إلى دعم موقف باريس في مواجهة توصية غير ملزمة، صدرت عن اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار في الأمم المتحدة، تطالب بتقرير مصير جزر بولينزيا الفرنسية. واعتبرت الأمر تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية للغير.

إلى هنا يبدو الأمر عادياً. فالتوصية صدرت باقتراح من دول صغيرة في المحيط الهادي، هي جزر سليمان ونورو وتوفالو. لكن العواصم التي انزعجت لصدورها تواجه قضايا مماثلة. فبريطانيا مثلاً تعتبر جزر الفوكلاند وكايمان وسانت هيلانة تابعة لها تاريخياً وقانونياً. فيما أميركا لها جزر العذراء وغوام وساموا الأميركية. وتدفع باريس من جهتها في اتجاه أن الخيار الديموقراطي الذي أقصى التيار الانفصالي في بولينزيا في الانتخابات الأخيرة يعزز وضعها القانوني.

غير أن الأهم في هذا الطرح ليس البحث في مستقبل هذه الكيانات والجزر، بقدر ما يطاول حدود تنفيذ مبدأ تقرير المصير الذي يعود إلى مرجعية اعتمدت بعد الحرب الكونية، وتوقفت أمام الملاءمة وفكرة الحدود الموروثة عن الاستعمار. ولا يبدو أن التزام المبادئ الكونية، من قبيل مفهوم تقرير المصير وحدها تحرك الأحداث، فثمة ما هو أكبر، كلما تعلق الأمر بأوضاع الدول المتنفذة التي تعتمد الكيل بأكثر من مكيال، وتترك لباقي العوالم أن تتعارك مع بعضها طالما أن شظايا العراك لا تنفذ إليها. أو في أقل تقدير تصون طروحاتها في ما تعتبره توازنات إقليمية أو دولية، تدفع ببعض الصراعات أن تطفو على السطح. وتحيل أخرى إلى ذاكرة النسيان.

عندما حان وقت انهيار المعسكر الشرقي، لم يجد العالم بداً من الانصياع إلى رغبات كيانات كانت تندرج في إطار الإمبراطورية السوفياتية المترامية الأطراف، إلى درجة أن الترحيب بانضمام دول من أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي كان أسرع من أي قرار. لكن عندما ينسحب الأمر على جزر وكيانات لها ارتباط ما بالدول الكبرى يرتدي السجال طابعاً آخر. ليس أبعده أن تقرير المصير يصاغ وفق المفهوم الديموقراطي للمشاركة الشعبية. وهذا أمر وجيه، إذا أخذنا في الاعتبار أن وحدة الدول تسبق في مرجعية الأمم المتحدة ذاتها أي نزوع إلى تقرير المصير.

كل المبررات التي ترفع في مضمار اللجوء إلى تقرير المصير، أكانت خلافات دينية أو عرقية أو طائفية، تنتفي في الحالات التي تشمل كيانات دول متنفذة، كونها اعتمدت الانصهار في الوحدة، وإقرار أنماط في التدبير السياسي، تدعم صيغة الحكم الذاتي في الولايات والمقاطعات وإقامة حكومات محلية، لكنها في أوضاع العالم العربي مثلاً ترتدي طابعاً آخر. إذ يصار إلى تشجيع نزعات الانفصال وتعميق التناقضات بين دول المركز ومحيطها. حتى إذا تجذرت بوادر تفتيت الكيانات وبلقنتها، يكون اللجوء إلى تقرير المصير مبرراً، مع أنه لا يراد هنا دفاعاً عن المبدأ بل لتمرير خطة التقسيم المستعصية.

الانزعاج الفرنسي من توصية اللجنة الرابعة، لا يمكن أن يمر من دون تأثير. أقله أنه يعاود طرح إشكالات الأمم المتحدة ومسألة العضوية. وإذا كان من حق أي عضو في المنظمة الدولية أن يكون له صوته الذي يعبر عن سيادته، فإن غياب التوازن فيها، ومن ضمنها تركيبة مجلس الأمن الدولي، بات يفرض نفسه، وفي أقل تقدير أن يصبح التزام المبادئ على قدر الحاجة إلى توازن قابل للفعالية والاستمرار. وما من شك في أن طرح توصية بلدان منطقة المحيط الهادي يكشف جانباً من محاولات خلخلة التوازن الهش. لكن ما يعني الكثير من البلدان العربية التي تحيط بها مخاطر التجزئة، هو عدم الانقياد وراء الشعارات البراقة. وأفضل دليل على ذلك أن الدول الوازنة وقفت إلى جانب فرنسا، عندما أدركت أن تقرير المصير يراد استخدامه لمعاودة فصلها عن مراكز نفوذها التقليدي.

لعل أهم خلاصة تفيد بأن الحل الديموقراطي الذي لوحت به باريس لتكريس حضورها في بولينزيا، يصلح وصفة لتجاوز الكثير من الصراعات العرقية والطائفية والدينية. بخاصة تلك التي تستهدف البعد الوحدوي للدول. وما يصلح لحل مشاكل مستعصية بالنسبة للدول المتنفذة، ليس هناك ما يحول دون اقتباسه. شرط أن يكون التزام مبادئ الحرية والعدالة وقيم التعايش والتساكن بين مكونات الدول سقفاً يحدد المسؤوليات ومجالات الحركة والقدرة على الإقناع بأن ما ينطبق على طروحات الدول المتقدمة، لا شيء يحول دون امتداد نفوذه إلى العالم العربي تحديداً. كونه لم يعد يواجه تحديات خارجية فقط، بل رهانات داخلية تفكك أوصاله ومكوناته وتعددياته

هل بدأت المعركة الدولية لإسقاط بشار؟

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الحربي313

الأوضاع تتغيّر، والمواقف تتبدل، وغالبية الشواهد تؤكد حدوث تغيرات في المواقف الدولية تجاه الأزمة السورية، وأن الفشل والعار اللذين ظلا يلاحقان حركة المجتمع الدولي سيتغيران خلال الأيام القليلة المقبلة، عبر طرح آليات جديدة «غير ناعمة» تتناسب مع بشاعة النظام السوري المستمر في القتل والتشريد والتدمير، المساند من إيران، و«حزب الله» اللبناني ميدانياً، ومن روسيا سياسياً.

أول الشواهد الواضحة، الحركة الديبلوماسية السعودية النشطة خلال الأيام الأخيرة بوجود الأميرين سعود الفيصل وبندر بن سلطان في عواصم عدة، وقطع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إجازته الخاصة التي كان يقضيها في المغرب، وعودته إلى بلاده، نظراً إلى تداعيات الأحداث في المنطقة، وتطورات الأزمة السورية وإعلان ذلك رسمياً.

الشواهد الغربية، مراجعة الرئيس الأميركي باراك أوباما حساباته في شأن الثورة السورية، وإعلان موافقة إدارته على تسليح المعارضة، بعد أن ظلت فترة طويلة متذبذبة ومرتبكة ومتحفظة على تسليح الجيش الحر، وذلك بعد إعلان واشنطن وباريس ولندن أن نظام دمشق استخدم السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري.

أيضاً، إفصاح البيت الأبيض أن أوباما وكاميرون والرئيس الفرنسي هولاند والمستشارة الألمانية مركل ورئيس الوزراء الإيطالي انريكو ليتا بحثوا في اتصال عبر الدائرة التلفزيونية لمدة ساعة مساء (الجمعة) الماضي، موضوع سورية، بما فيه قضية استخدام النظام الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، وكيفية دعم انتقال سياسي عاجل لإنهاء هذا النزاع.

شواهد إقليمية، اعتراف الحكومة الأردنية بطلبها من واشنطن الإبقاء على بعض الأسلحة المشاركة في تمرين «الأسد المتأهب» على الأراضي الأردنية، من بينها صواريخ «باتريوت» وطائرات «إف 16».
أيضاً، رفع الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي سقف التصريحات وإدانتها بشكل قوي التدخل السافر لـ «حزب الله» في الأزمة السورية، واعدة بفرض عقوبات على أعضائه في دول المجلس، سواء في إقاماتهم أم معاملاتهم.
هناك شواهد مؤثرة عدة، مثل دعوات الشعوب العربية إلى مقاطعة البضائع والشركات والمصالح الإيرانية، وأولاها في الكويت. ومسارعة عواصم غربية إلى التحرك بعد بيان مؤتمر علماء الأمة الإسلامية في القاهرة، الذي دعا فيه المجتمعون إلى وجوب الجهاد بكل أنواعه لنصرة إخوانهم في سورية بالنفس والمال والسلاح، واعتبار ما يرتكبه النظام الإيراني وجماعة «حزب الله» في حق السوريين، حرباً مفتوحة تستهدف المسلمين والإسلام. وهو ما دعا الرئيس المصري محمد مرسي (المتأخر في مواقفه)، إلى قطع علاقات بلاده تماماً مع سورية، وإغلاق السفارة السورية في مصر، وسحب القائم بالأعمال المصري من دمشق، كما وجّه رسالة تحذير مباشرة لـ «حزب الله»: «ابتعدوا عن سورية لا مكان لكم فيها».
لا شك في أن نظام مرسي تلوّن كثيراً وتأخر كثيراً، وناور كثيراً، لكنه اضطر مجبراً إلى اتخاذ القرارات الأخيرة تحت ضغط الشارع بغية كسبه، بعد دعوات حركات شبابية وأحزاب معارضة إلى تظاهرات نهاية الشهر الجاري، للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة.

قرارات مرسي ستكون لها تأثيرات محدودة في نظام دمشق، لكنها في حقيقتها للاستهلاك الإعلامي، خصوصاً وهو يتخذها بعد مرور أكثر من عامين على ارتكاب نظام الأسد مذابح ومجازر في حق السوريين، ومقتل 100 ألف سوري، في وقت كان نظامه يتجاهل محنة الشعب السوري ويسعى إلى بناء علاقات قوية مع طهران الداعمة الأولى لنظام بشار بشكل مباشر، وكان الأولى إعلانه عن تجميد العلاقات مع طهران التي فتح لها الأبواب والنوافذ لدخول مصر.

موقف مصر في عهدة مرسي لا يعتمد عليه، ونظامه يمارس «تقية سياسية مفضوحة»، إذ لم يتخذ «الإخوان» تلك القرارات إلا بعد أن تأكدوا من نجاح الرياض في قيادة حشد دولي نحو التدخل في سورية وتسليح الجيش الحر تحت غطاء دولي!

خطاب حسن نصرالله الأخير، بدا فيه مرتبكاً، مرة يقدم المبررات والمسوغات لتدخل عناصر حزبه، ومرة يقدم التحديات الكاذبة على طريقة «صحاف – العراق»، مشيراً إلى أن حزبه سيبقى مشاركاً في الحرب الدائرة في سورية إلى جانب قوات نظام بشار الأسد، وأن ما بعد القصير مثل ما قبلها.

الموقف الروسي أيضاً، ظهرت عليه بعض علامات المرونة، وبدا ذلك من خلال تصريحات بوتين الأخيرة بقوله: لو قام نظام الأسد بإصلاحات لحلت المشكلة، داعياً إلى بذل المزيد من الجهود والاتصالات بالأطراف السورية المعنية لحل الأزمة سياسياً.

الدائرة تضيق على نظام دمشق، والانشقاقات تتزايد بين صفوف ضباط الجيش، وآخرها فرار 71 ضابطاً سورياً إلى تركيا في أكبر عملية انشقاق جماعي لضباط كبار خلال شهور، بينهم ستة عمداء و20 عقيداً، إضافة إلى انشقاق 30 جندياً من الحرس الجمهوري قرب دمشق.

الأكيد أن كل الدلائل الراهنة تشير إلى أن قواعد اللعبة تجاه الأزمة السورية تتغير، وأن الدول المعنية لن تذهب إلى «جنيف 2»، كما حضرت في «جنيف 1»، وأن ملامح التدخل الدولي العسكري لحماية الشعب السوري باتت تحلّق فوق دمشق بحثاً عن رأس الأسد.

أنظمة الحكم العربية والديمقراطية الإلكترونية

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الحربي313

كيف ستتعامل الأنظمة السياسية العربية، والكثير منها تعود، بل وأدمن الاستبداد والفساد، مع الصورة الجديدة لممارسة الديمقراطية: ديمقراطية الشبكة العنكبوتية ؟ فإذا كانت شبكة التواصل الإلكترونية قد لعبت دوراً إبداعياً كبيراً في تفجير ثورات وحراكات الربيع العربي، فهل ستستطيع الوسيلة نفسها، بالإبداع والفاعلية نفسيهما، بناء ديمقراطية عادلة؟

تاريخ أنظمة الحكم العربية في التعامل مع مجتمعاتها وفي ممارسة السياسة يوحي بأن الإجابة عن مثل تلك الأسئلة لن تكون سهلة أو حتى واضحة .

علينا أن نستعيد في ذاكرتنا العربية الجمعية كيف تعاملت أنظمة الحكم العربية المتعاقبة، منذ الاستقلال وحتى أيامنا الصعبة الحالية، مع شتى أنواع وسائل ممارسة الديمقراطية . فعندما كانت الوسيلة لا تزيد على مناشير توزع ومهرجانات جماهيرية تقام، أفسدت الأنظمة تلك الوسيلة بقوانين ومتطلبات مناقضة لحرية التعبير والتجمهر، وأضافت عليها شراء الذمم وإثارة النعرات الطائفية والقبلية والمناطقية، ثم أردفتها بتزوير الانتخابات . فكانت النتيجة ديمقراطية صورية كاذبة تمثلت في برلمانات مصالح، مؤيدة لنظام الحكم ومتآمرة على حقوق العباد .

وعندما أُدخلت وسيلة إلكترونية جديدة في شكل ديمقراطية تلفزيونية هيمنت أنظمة الحكم في الحال على تلك الوسيلة، أولاً باحتكارها احتكاراً كاملاً من قبل وزارات الإعلام الرسمية، ثم من قبل نظام الزبونية الذي يؤسس محطة تلفزيونية مستقلة بالاسم، ولكنها خادمة مطيعة لتوجيهات رجالات الحكم . فكانت النتيجة أن انقلب التلفزيون من ساحة سجال سياسي موضوعي هادئ وشريف بين وجهات نظر وبرامج سياسية مختلفة إلى أن يكون ساحة غمز ولمز وتجريح وتلطيخ لسمعة القوى المعارضة، وساحة مديح كاذب وتجميل مكياجي رخيص للقوى الموالية لنظام الحكم .

اليوم يدخل العالم، ومعه الوطن العربي، مرحلة وسيلة جديدة لممارسة الديمقراطية تتمثل في الشبكة العنكبوتية وبقية شبكات التواصل الجماهيرية الأخرى . فهل سيكون مصير هذه الوسيلة مصير الوسائل الأخرى نفسها؟

الواقع هو أن الوضع والساحة واللاعبين مختلفون، ولكن لن تقف قوى الاستبداد والفساد متفرجة مكتوفة الأيدي . فحتى إخراج الشيطان من رضى ورحمة وجنة ربه لم يوقفه من التآمر على كون الله .

نحن نتعامل مع ساحة عالمية تمتد من زقاق القرية إلى الأجواء العليا، مع وسائل تواصلية تتطور يومياً في إمكاناتها وفي التغلب على سبل منع استعمالها من هذه الجهة وتلك، ومع لاعبين جدد يتمثلون في جيل شاب جديد .

هذا الجيل الجديد لا يخاف من التغييرات التي تأتي بها الحياة، ولا يهاب أية أخطار قد تنتج عنها . إنه جيل يسبح ويطفو على أمواج مياه الحياة، يرحب باختلافات الآراء وتصادمها، يتفاعل مع كل جديد، يعيش اللحظة ويحاول ضبطها بدلاً من العيش في الماضي أو حتى المستقبل .

هذا الوضع المعقد الصعب تدرك أنظمة الحكم إمكاناته الهائلة، وهي تتحرك في كل اتجاه لتقليم أظفاره أو استعماله بانتهازية وخبث أو بملء مساره بالألغام . فمن خلال عملائها ومخبريها ستخلط الحابل بالنابل في الساحة العنكبوتية .

فالسجالات السياسية سيحاول هؤلاء قلبها إلى سجالات انفعالية تجريحية تلاسنية قبيحة بدلاً من تركها لتكون أداة تثقيف سياسي ومصدر معلومات صحيحة ذات دلالات سياسية توعوية .

وإذا كانت حكومة تدعي أنها ديمقراطية، كحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، قد ضغطت وأخافت شركات التواصل العنكبوتي، وحصلت منها على مجمل المعلومات الشخصية عن كل مواطن أمريكي، بل عن ملايين المواطنين في العالم، فإن أنظمة الحكم العربية لن تعدم الوسيلة . إنها ستطور أنظمة رصد ورقابة أكبر للنشطاء الفاعلين من الشباب، وستخلق أنظمة تجسس وقمع من خلال اقتفاء آثار تنقلات وتعبيرات كل مواطن، عن إتصالاته السياسية، عن التجمعات التي ينتمي إليها، عن تصويته في انتخابات نقابية أو حزبه أو جمعيته المهنية، خصوصاً أن الكثير من الأنشطة السياسية تتم عبر الشبكة العنكبوتية، تعبيراً واتصالاً وتصويتاً .

وسائل تشويه وحرف وتحييد وتزوير الوسيلة الجديدة لممارسة الديمقراطية الشعبية العادلة التي ترنو لها ثورات وحراكات الربيع العربي ستكون كثيرة وشيطانية . في مواجهة ذلك سيحتاج شباب الغد العربي المشرق، الذي بهر العالم بإبداعاته، أن يستمر في خلق وسائل جديدة لإبطال سحر الساحر، وألا يتراجع قط عن كسر حاجز الخوف إلى الأبد .

أما أنظمة الحكم ومعها المتشككون الوجلون فعليهم التوقف عن النواح بشأن الأخطار التي قد تأتي بها التغييرات العربية المبهرة الحالية، إذ الادعاء بقبول تغيير بلا أخطار هو تجديف وخرافة .

مشكلة الشرعية السياسية في الدول النامية

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الحربي313

تبدو أهمية هذه الرسالة من حيث أن أزمة الشرعية هى ناتج كافة أزمات التنمية الأخرى (أزمة التوزيع أزمة المشاكل السياسية أزمة التكامل أزمة التغلغل أزمة الهوية) فضلا عن أن شرعية الحكم من القضايا موضع جدل وخلاف فى دول العالم الثالث عموما والدول العربية على وجه الخصوص وتنقسم الرسالة إلى فصول أربعة تسبقها مقدمة وتعقبها خاتمة وجاء الفصل الأول تحت عنوان (التأصيل لمفهوم الشرعية فى التحليل السياسى) وفيه رصد الباحث ثلاثة اتجاهات للتعريف بمفهوم الشرعية الأول قانونى ومضمونه أن الشرعية هى سيادة القانون، والثانى دينى ومضمونه أن الشرعية هى تنفيذ أحكام الدين والثالث اجتماعى/ سياسى ومضمونه أن الشرعية هى الطاعة السياسية ويرى الباحث أنه لا يمكن فهم الاتجاهات المختلفة فى التعريف بمفهوم الشرعية إلا فى ضوء جذورها وامتداداتها فى الفكر السياسى ويعالج الفصل الثانى المصادر المعنوية والرمزية للشرعية السياسية فى الدول النامية وتنحصر هذه المصادر فى:
التقاليد والدين والكاريزما الأيديولوجية فقد تكون الأصول القبلية لبعض النظم الحاكمة أحد مصادر شرعيتها فى مجتمعات لا تزال تسود فيها الانتماءات والولاءات القبلية الضيقة (دول الخليج مثلا) وقد يلجأ النظام إلى الدين لتبرير مقولاته الفكرية، وممارساته العملية، وهنا يتجه نحو استقطاب علماء الدين والمؤسسات الدينية الرسمية (المغرب باكستان السعودية إيران) رغم أن هذه الأنظمة تعرضت للعديد من الاضطرابات التى كادت أن تعصف بشرعيتها ويؤكد الباحث على أن أى نظام سياسى لا يمكنه الركون إلى الدين والتقاليد للحصول على الشرعية، فالتقاليد والدين جزء من سياق اجتماعى عام يتعرض لعوامل التغيير، نتيجة مؤثرات داخلية وخارجية، ومن هنا قد تنهار بعض التقاليد أو تكتسب مضامين جديدة، وقد يهتز المصدر الدينى للشرعية لذلك لا بد وأن يسعى النظام لتطوير المصدر التقليدى للشرعية، والبحث عن مصادر مكمله وبديله له وليس أمام النظام سوى زيادة فاعليته فى الداخل (تحقيق التنمية)، وفى الخارج (الحفاظ على الاستقلال الوطنى زيادة وتأكيد هيبة الدولة فى المجال الخارجى) وعن العلاقة بين الكاريزما والشرعية يقول الباحث أن القائد الملهم لا يمكنه أن يمثل أساسا قويا ومستمرا لشرعية النظام ما لم يطرح أيديولوجية معينة يلتف حولها المواطنون ويتبنى برامج اقتصادية واجتماعية طموحة لتحقيق التنمية الخ ويضيف الباحث أن الشرعية الكاريزمية شرعية موقوتة ما لم تتجسد فى شكل مؤسسات وسياسات تستمر عقب اختفاء الزعيم وهو ما اخفق فى تحقيقه الكثير من القادة الملهمين وعن العلاقة بين الأيديولوجية والشرعية يقول الباحث أنه كلما كانت الأيديولوجية مرتبطة بتقاليد وتراث المجتمع ومعبرة عن ثقافته كلما زادت فاعليتها فى خلق المساندة الشعبية للنظام (تجربة ماوتسى توغ فى الصين وكاسترو فى كوبا) كما أن نجاح النظام فى الاعتماد على الأيديولوجية كمصدر لشرعيته يتوقف على بعض العوامل الأخرى مثل الوضوح والتناسق الفكرى فى البناء الأيديولوجية بتنظيمات فعالة وقيادة سياسية مؤثرة، علاوة على ارتباط الأيديولوجية بأداء كفئ للنظام السياسى ويتناول الفصل الثالث مصادر الشرعية المتعلقة بأداء وفاعلية النظام السياسى وينقسم إلى مبحثين الأول عن العلاقة بين الفاعلية والشرعية ويلاحظ أن أغلب قيادات العالم الثالث تتسم بقدر محدود من الفاعلية وذلك لتفردها فى معظم الأحوال بالسلطة وتعطيل أى محاولات جادة لتطوير وبناء مؤسسات سياسية إلى جانب ضعف قنوات الاتصال بين القائد والجماهير ويترتب على ذلك عجز النظام على تلبية مطالب الجماهير أو ما يعبر عنه بعدم القدرة على تحويل المدخلات إلى مخرجات الأمر الذى يؤدى فى النهاية إلى اهتزاز شرعية النظم السياسية وفتح الباب أمام احتمالات التحرك العسكرى أما المبحث الثانى فيناقش العلاقة بين السياسة الخارجية والشرعية ويكون اعتماد النظام السياسى على السياسة الخارجية كمصدر للشرعية من خلال مجموعة من المسالك: أهمها:
1- تأكيد هيبة الدولة: وترتبط مكانه الدولة فى المجتمع الدولى ببعض العوامل كشخصية الزعيم والاستقرار الداخلى ومساهمة واستضافة الدولة للمؤتمرات الدولية
2- تعبئة الجماهير خلف قضايا قومية:
حيث أن النظام يستطيع أن يعبئ الجماهير خلفه للتصدى للتهديدات الخارجية، لكن لا يمكن الاعتماد على عملية التعبئة بصفة مستمرة 3- تحويل اهتمامات المواطنين:
لا يضيف المزيد إلى شرعية النظام السياسى، بل يؤجل مشكلة شرعية النظام خاصة عندما تكون هناك ظروف خارجية حرجة لكن سرعان ما تطرح هذه المشكلة بصورة أكثر حدة بعد أن يستيقظ المواطنون على حقيقة أوضاعهم أو تنتهى الظروف الخارجية الاستثنائية وعموما فمتى كانت السياسة الخارجية تعبيرا عن قيم المجتمع وأيديولوجيته السائدة ومتى كانت امتدادا لسياسة داخلية فعالة ونشطة فلاشك أنها ستضيف إلى شرعية النظام السياسى خاصة عندما تحقق بعض النجاحات الملموسة أما الفصل الرابع فهو عن أزمة الشرعية فى الدول النامية وينقسم بدورة إلى ثلاثة مباحث الأول عن مظاهر أزمة الشرعية فى الدول النامية، والثانى عن أسبابها والثالث عن مسالك مواجهة أزمة الشرعية، ويلخص الباحث مظاهر أزمة
1- أزمة الثقافة المتبادلة بين النظام والمواطنين
2- تزايد لجوء المواطنين لاستخدام العنف ضد النظام القائم
3- عدم احترام القواعد الدستورية من جان النظام وعدم فاعليته فى التصدى للمشكلات المجتمعية أما أسبابا أزمة الشرعية فتتمثل فى:
1- أسباب اقتصادية/ اجتماعية (انتكاسة تجارب التنمية فى الدول النامية الحرمان الاقتصادى والاجتماعى التفاوت الطبقى غياب طبقة وسطى عريضة)
2- أسباب سياسة/مؤسسية (ضعف المشاركة السياسية أزمة القيادة السياسية انتشار الفساد السياسى إخفاق النظام فى المجال الخارجى
3- أسباب ثقافية/ قيميه وتتمثل فى مشكلة الهوية
4- أسباب نفسية وهى تدور حول الإحباط المولد للعنف، والإحباط ما هو محصلة للأسباب السابقة لأزمة الشرعية ويؤكد الباحث على أن هذه الأسباب ليست ذات وزن واحد فى كافة المجتمعات بل تختلف أوزانها من مجتمع لأخر طبقا لاختلاف الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والاختلاف طبيعة النظام السياسى والقيادة السياسية، ولاختلاف طبيعة العلاقات الدولية من فترة لأخرى ومن هنا يجب أن تكون هناك نظرة شاملة للأسباب والعوامل التى تؤدى إلى أزمة الشرعية أما مسالك مواجهة أزمة الشرعية فقسمها الباحث إلى أربعة هى المسلك القيادى، والمسلك المؤسس، والمسلك الأيديولوجى والمسلك القانونى ويرى الباحث أن أى استراتيجية قومية للتنمية تكون محصلة للتفاعل بين المسالك المختلفة، فالقائد السياسى الفعال يستطيع أن يجوز على تأييد ومساندة المواطنين وينقلها إلى النظام السياسى والنجاح الحقيقى لأى قائد سياسى يتمثل فى المؤسسات السياسية والصياغات الفكرية وتستطيع الاستمرار عقب غيابه عن السلطة وعن المسلك الأيديولوجى فيتطلب أن يتسم ببعض الخصائص هى:
أصالة الأيديولوجية أى ارتباط بقيم وتقاليد وتراث الجماعة، ومؤسسية الأيديولوجية أى ارتباطها بمؤسسات رسمية وغير رسمية تزيد من فاعليتها فى إضفاء الشرعية على النظام، وصفوة الأيديولوجية أى وجود مثقفين يقومون ببلورة الأيديولوجية وتطويرها وتبسيط وتفسير مفاهيمها للعامة وعموما فإن الأيديولوجية التى تتطلبها الدول النامية هى أيديولوجية للتنمية تتضمن بوضوح ما يؤكد على الهوية الوطنية والاندماج القومى وتقليص قيود التبعية وهناك علاقة ترابط بين المسالك السابقة للأيديولوجية فالقائد السياسى يساهم فى خلق المناخ الملائم لتطوير بناء أيديولوجى ومؤسس متماسك، كما أن الأيديولوجية يمكن أن تمثل تدعيما للقائد السياسى، والمؤسسات السياسية ما هى إلا حلقة الاتصال السياسى بين الحاكم والمحكوم واحترام الهيئة الحاكمة لقواعد اللعبة السياسية لا بد وأن ينعكس فى احترام المحكومين لها وينهى الباحث هذا الفصل بقوله لا يمكن تصور شرعية مستقرة للنظم العربية إلا فى ظل تمسك هذه النظم بالقومية العربية ومكوناتها الإسلامية باعتبارها عقيدة أساسية للنظام الإقليمى العربى، وتحقيق العدل الاقتصادى والاجتماعى علاوة على ذلك ضمان استقلال القضاء حتى لا يكون هناك تدخل فى مؤسسة العدالة من قبل النظام يضاف إلى ذلك تأكيد مبدأ عدم الانحياز على المستوى الدولى بحيث تقلص هذه الدول قيود التبعية وتحد من التدخل الخارجى فى شئونها الداخلية، فهذا كفيل بتدعيم هيبة هذه النظم على المستوى الدولى وتعميق شرعتها على المستوى الداخلى وعموما فإن قيمة هذه الدراسة تكمن فى أنها قدمت إطارا نظريا لمشكلة الشرعية وبذلك تفتح المجال أمام الباحثين للقيام بدراسات حالة عن وضع الشرعية فى دول العالم الثالث، كذلك أثارت العديد من القضايا التى تحتاج إلى مزيد من الأبحاث والدراسات كقضية شرعية الدولة ذاتها ومن هنا نستطيع أن نقول وبحق أن الأطروحة قدمت جديدا فى مجال العلوم السياسية.

سيرة المعمم الجديد : هسن روهانىِ أو حسن روحانى

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الحربي313

ولد المعمم فى 12 نوفمبر سنة 1948م فى مدينة سرخة الإيرانية والتى تشتهر بعدها “حسن فريدون” ، يتلقى هذا المعمم دروساً عن المذهب الرافضة الإثنا عشرية فى مدينة قم سنة 1960م ، وخلال فترة حكم الشاه مابين عام 1969 إلى 1972م ، حصل روهانى على شهادة القانون من جامعة تهران “جامعة طهران” ، وكان يعمل ناشطاً سياسياً ضد نظام الشاه المقبور محمد رضا بهلوى ، واضطر روهانى الهروب من ايران سنة 1977م قبل أن يقبض عليه من قبل الاستخبارات العسكرية “سافاك” ، ويتابع دراسته فى جامعة غلاسكو بوليتكنيك بأسكتلندا ، وانظم روهانى إلى الخمينى قبل بدء الثورة الإيرانية ، وخلال عام 1980 إلى 2000م ، حصل هذا المعمم على عضوية البرلمان الإيرانى 5 مرات متتالية ، والمناصب التى شغلها هذا المعمم كانت : قائد القوات الدفاع الجوى ، ونائب رئيس القوات المسلحة ، وخلال عام 1989م ، عين ممثلا للخامنيئى فى المجلس الأعلى للأمن القومى ، وفى عام 1991م عين فى مجمع تشخيص مصلحة النظام ، وقد أعطى سلطة للإشراف على كافة دوائر الدولة ، وفى سنة 2000م انتخب عضوا فى مجلس الخبراء الذى تمتع بسلطة تعيين أو إقالة القائد الأعلى ، مابين عام 2003 و 2005م عمل مفاوضاً رئيسياً فى الملف النووى الإيرانى المثير للشكوك ، وكان يجيد المعمم للغات القومية وهى : الفارسية ، العربية ، الإنجليزية ، الألمانية ، الفرنسية ، الروسية .

جان بودان

كاتب الموضوع الأصلي: عامر العجمي320

ربما يكون جان بودان منسياً بعض الشيء اليوم. وفي الفكر السياسي وتاريخيته، من المؤكد ان من يعتبر عادة منافسه الرئيسيّ فكراً ومنطقاً – أي الإيطالي نيقولو ماكيافيللي (صاحب «الأمير») – يفوقه شهرة بكثير، ما يجعل من الممكن الافتراض، بأن «المعركة» الفكرية التي خاضها بودان ضد فكر ماكيافيللي انتهت لمصلحة هذا الأخير، وحتى على مستوى التلقي الشعبي للفكر السياسي، دخل «الأمير» في الوعي العام، سلباً أو ايجاباً، كجزء اساس من الفكر السلطوي، فيما يبدو بودان (ولا سيما نصّه الأشهر – في زمنه – «كتب الجمهورية الستة») غائباً تماماً، بالكاد يحفل به احد خارج نطاق الجامعات والحلقات الفكرية الضيقة.

> هذا كله يكمن في سطح الأمور فقط، فإذا كان «أمير» ماكيافيللي بقي في الذاكرة الشعبية، بذاته كمرجع يستدلّ به ويستند إليه، فإن فكر بودان بقي أيضاً من خلال مؤثراته ومن خلال كونه مرجعاً اساسياً، لبعض اهم نتاجات الفكر السياسي العالمي، خلال القرون الأربعة الأخيرة. ذلك ان كتاب بودان كان له أثر متراكم وورثة استخدموه وطوّروه، ومن بينهم خصوصاً الإنكليزي هوبس، فيما ظل فكر ماكيافيللي قادراً على الحضور من دون ورثة حقيقيين، ومن دون ان يشكل مرجعاً يستند إليه اي فكر سياسي تالٍ. بل لعلنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا ان «الأمير» يعيش في سلبيته، ومن خلال ما يؤاخذ عليه، فيما بودان يعيش كخطوة انعطافية في مسار الفكر السياسي العالمي الممتد من «جمهورية افلاطون» حتى العصور الحديثة. ولنقل بالأحرى ان الفارق الأساس بين الاثنين يكمن في ان «الأمير» اهتم برسم الواقع انطلاقاً من نظرة سوداوية الى السلطة وممارساتها في زمنه، فيما نصّ «كتب الجمهورية الستة» يكاد يكون تلخيصاً لتطلعات الفكر في المجال السياسي، وأحياناً من موقع «طوباوي» كان يبدو في زمنه غير قابل للتطبيق.

> وقد أصاب المفكرون الذين كانوا يرون ان ماكيافيللي وبودان، على تناقضهما، كانا متكاملين، بمعنى ان واحدهما يرسم الواقع وينطلق منه، فيما يرسم الثاني ما يجب ان يكون عليه الواقع.

> جان بودان كان همه، اصلاً، ان يستعيد للسلطة قوتها ومكانتها وسط مناخ من التسامح الديني، وذلك في زمن كان ابعد ما يكون عن ذلك التسامح. فهو عاش في منتصف القرن السادس عشر وسط عالم ممزق بالصراعات الدينية، تفقد فيه السلطة السياسية، مهما كانت قوية، قوّتها لمصلحة صراعات وتعصّب تمزق المجتمع. من هنا عرف بودان دائماً بكونه «فيلسوف سياسة ذا تطلع طليعي» يسعى الى وضع الأسس لحكم مثالي، يقوم على اساس ملكية ديموقراطية، «تنسف الملكية القائمة والبرلمان، عبر سلطة دستورية مطلقة تتأسس على حق إلهي لا يحدّه سوى القانون الطبيعي». إن هذا الكلام كله قد يبدو في اطارنا الفكري الراهن، حافلاً بالمتناقضات، غير انه في اطاره الزمني والفكري، سيبدو واضحاً انه يقوم على اسس الموازنة الدقيقة بين الاحتمالات الممكنة، انطلاقاً من سمات متعددة لواقع ينبغي تجاوزه.

> إذاً، يركز جان بودان، في كتابه هذا، على نموذج سياسي محوره قيام منظومة مدنية تتمحور حول الطاعة لعاهل، يعرف جيداً احتياجات المواطنين ويسير على هديها (هل نحن بعيدون جداً عن نظرية «المستبد العادل»؟). وفي مثل هذه المنظومة يكون من الضروري، وفق بودان، احترام قرارات السلطة، بغية تفادي الفوضى العارمة التي كانت مستشرية خلال القرن السادس عشر، والتي سيكون بودان نفسه واحداً من ضحاياها، إذ سرعان ما سنجده متّهماً بالهرطقة على رغم الكثير من التنازلات التي عبّر عنها مبدياً خضوعه الكلي لما هو قائم في زمنه!

> وبودان، الذي كان افلاطونياً في روح فكره، ارسطياً في اسلوبه، حرص على ان يختتم كتابه هذا بأنشودة افلاطونية مؤثّرة تحدث فيها الى العدالة الإلهية طالباً عونها، غير ان هذا لم يشفع له. لكن الجوهر ليس هنا، الجوهر في فكر بودان هو انه كان يرى – وعلى عكس ماكيافيللي تماماً – ان الأساس في «فن السياسة، ليس الوصول الى السلطة بكل الوسائل الممكنة، بل الوصول الى الحق، اي الى تطابق ممارسات الحكم مع كل قوانين الكون والإنسان الكبرى». وفي هذا الإطار من المؤكد ان «الحيلة والجرأة اللتين يمارسهما أمير ما، لا تكونان على اهمية اقامة بنية صحيحة للمؤسسات». ما يعني ان بودان يرى روح الدول في تلك القوى التي «اهملها ماكيافيللي تماماً: الدين، الأخلاق والعدالة، والغريزة العائلية». والحال ان «العائلة» ومفهومها يلعبان دوراً اساسياً لدى بودان، ذلك ان «العائلة المسيّرة تسييراً حسناً، هي الصورة الحقيقية للجمهورية». كما ان «القوة داخل البيت تشبه قوة الملك داخل الأمة». وهذه الفكرة التي ترى ان الخلية الاجتماعية الأولية والأساسية توجد في العائلة لا في الفرد، هي التي هيمنت على فكر بودان (وستجد تعبيراً مهمّاً عنها لدى ورثته، في هذا الإطار على الأقل، من بونالد الى أوغست كونت وغيرهما) وكان بودان هو اول من عبر عنها وقنّنها في الفكر الغربي الحديث. بل إنها تشكل المبدأ الأساس لتصوره للدولة، وفق دارسيه. ذلك ان العائلة هي التي تصور افضل تصوير بتماسكها ووظائفيتها، الصورة التي يريدها بودان لـ «الجمهورية» (ولا نعني هنا بالطبع الحكم الجمهوري بالمعنى الحديث للكلمة، بل حكم «الجمهور» من جانب ذلك المستبد العادل). فالعائلة تعبّر عن الوحدة والتماسك والاستقلال، وأكثر من هذا: عن الواقع الملموس للكائن السياسي. وانطلاقاً من الخلية العائلية يرسم بودان إذاً، صورة للسلطة ترتبط بمفهوم السيادة في الشكل الذي كانت تعبّر عنه، من ناحية عملية، تطلعات اصحاب النزعة القومية الصاعدة في القرن السادس عشر. والحال ان بودان من بعد ما حدد هذا الأساس الذي اعتبره جوهرياً، يبدأ باستعراض شتى الأشكال الكلاسيكية للحكم: من الديموقراطية التي، في رأيه، تستند الى «حلم يقف ضد الطبيعة يتحدث عن مساواة مستحيلة بين البشر»، الى الأرستقراطية التي «تتصدى في شكل جيد لتحدي صعوبة الوصول الى اتحاد دائم للبشر النزهاء والمعتدلين في تطلعاتهم الشخصية». وأخيراً الى الملكية، التي من الواضح ان بودان يفضلها على غيرها.

كارل ماركس

كاتب الموضوع الأصلي: عامر العجمي320

كارل ماركس فيلسوف القرن العشرين
الفيلسوف الألماني كارل ماركس رحل عن عالمنا وبقيت فلسفته وأفكاره تهيمن على تفكير كثير من السياسيين والمفكرين وعامة الناس. ويشهد لماركس بأنه غير مجرى التاريخ وأغنى البشرية بأفكاره.

من هي الشخصية التي كان لها عظيم الأثر في الفكر العالمي خلال القرن العشرين؟ سؤال طرحته هيئة الإذاعة البريطانية BBC على عدد من المثقفين من مختلف دول العالم قبل أشهر. وكانت إجابة غالبية هؤلاء هي: كارل ماركس. إنه ذلك الفيلسوف والمفكر والإيديولوجي الألماني الذي جال كثيراً باحثاً عن الحرية والعدالة الاجتماعية. وقد ذاع صيته وحمل أفكاره الكثيرون، منهم من سعد بها ومنهم من انتهى به الأمر إلى القبر أو النفي أو إلى غياهب السجون. علاوة على ذلك تسببت أفكار ماركس في تقسيم العالم إلى معسكرين معاديين لبعضمهما البعض فترة طويلة من الزمان.

ماركس السياسي

البيت الذي ولد ماركس فيه بمدينة ترير
ربما كان من سخرية القدر أن يولد كارل ماركس الثوري في مدينة محافظة جداً هي ترير، وذلك في عام 1818. ترعرع ماركس في أسرة يهودية اضطرت إلى اعتناق المذهب البروتستانتي بسبب الاضطهاد الذي تعرض اليهود له آنذاك. وقد منع والده حينها من الاستمرار في السلك القضائي. التحق الصبي كارل بالمدرسة الثانوية في سن الثانية عشر وحصل على شهادة إتمام الدراسة الثانوية بتقدير امتياز في سن السابع عشر. عاش كارل ماركس حياة تنقل فيها كثيرا باحثاً عن مكان آمن وهرباً من المطاردة. ومن المعروف عنه أنه أينما حل فتحت له المدينة ذراعيها، لكن غالباً سرعان ما انقلبت عليه سطوة الحاكم، فكان عليه أن يذهب باحثاً عن أفق جديد. وبعد حصوله على شهادة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة يينا سنة 1841 التحق كأستاذ بجامعة بون. كانت فترة اقامه ماركس في برلين فرصة للتعرف على عدد من المدارس الفكرية مع العلم أن فلسفة هيغل كانت هي الرائجة في تلك الحقبة. وبعد انتقاله إلى مدينة بون بدأ شغب ماركس الفكري ينتقل إلى السياسة حيث أنشأ صحيفة تنتقد أسس الحكم في بروسيا، مما أدى إلى مصادرة الصحيفة وتجريده من الجنسية البروسية، فهاجر ماركس إلى باريس بصحبة زوجته. وهناك بدأ فكره ينضج ويتجه نحو رفض الهيغلية. وخلال فترة إقامته في باريس توطدت علاقته برفيق العمر والإيديولوجيا فريدريك انغيلس. وفيها نشرا سوياً الكتيب الشهير “بيان الحزب الشيوعي”.

ماركس الإنسان والمفكر الفذ

الصفحة الأولى من البيان الشيوعي
تعتبر الفترة من عام 1842 حتى عام 1849 مرحلة هامة جداً من حياة ماركس، فهي فترة المنفي، التي قضاها في بريطانيا بعد أن طرد من فرنسا وبلجيكا، بسبب كتاباته ونشاطاته الصحفية التي اعتبرت تحريضا للطبقة العاملة والفقراء على التمرد ضد سطوة السلطة وقهر الاقتصاد. عانى ماركس في تلك الفترة من حياته من ضنك العيش، ولولا وجود رفيقه انغيلس الذي كان ينحدر من أسرة غنية لكان مسار حياته تغير على الأرجح. وفي منفاه الاختياري لندن ألّف ماركس كتبه التي مهدت الطريق للاتجاه الفلسفي والفكري، الذي يحمل اليوم اسم الماركسية. من بين مؤلفاته الهامة: “الصراعات الطبقية في فرنسا من سنة 1848 حتى 1850″ و”نقد الاقتصاد السياسي” الذي قام بنشره عام 1859. وفي سنة 1867 ظهر الجزء الأول من مؤلفه الضخم “رأس الـمال”، أما الجزء الثاني فنشره انغيلس بعد وفاة رفيق عمره ماركس. وبجانب الكتابة حاول الاثنان تنظيم الحركة العمالية، حيث أسسا “الجمعية الدولية للعمال”، التي كان لها شعبية في عدد من دول العالم كأمريكا وألمانيا. وشكلت هذه الجمعية الانطلاقة الأولى لتأسيس عدد من الأحزاب اليسارية منها الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني. وفي عام 1883 توفى كارل ماركس في منفاه بلندن عن عمر يناهز الخامسة والستين.

السلطان عبدالحميد الثاني

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 20

نبذة عن سيرته

عبد الحميد بن عبد المجيد الأول السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، وآخر من أمتلك السلطة الفعلية للخلافة العثمانية. ولد في 21 سبتمبر 1842 م، وتولى الحكم عام 1876 م. أبعد عن العرش عام 1909م بتهمة الرجعية، وأقام تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته في 10 فبراير 1918م. لقد تلقى السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد تعليمه بالقصر السلطاني واتقن من اللغات: الفارسية والعربية وكذلك درس التاريخ والأدب. ووالدة عبد الحميد هي واحدة من زوجات أبيه العديدات واسمها “تيرمشكان” الشركسية الأصل توفيت عن 33 عامًا، ولم يتجاوز ابنها عشر سنوات، فعهد بعبد الحميد إلى زوجة أبيه “بيرستو قادين” التي اعتنت بتربيته، وأولته محبتها؛ لذا منحها عند صعوده للعرش لقب “السلطانة الوالدة”.

توفي والده وعمره 18 عامًا، وصار ولي عهد ثان لعمه “عبد العزيز الأول”، الذي تابع نهج أخيه في مسيرة التغريب والتحديث، واستمر في الخلافة 15 عاما. قبل توليه العرش بتسع سنوات رافق عمه سلطان عبد العزيز الأول في زيارته إلى النمسا وفرنسا وإنجلترا في 1867. وفي بعض سياحاته ورحلاته إلى أوروبا ومصر. التقى عبد الحميد في خلافة عمه بعدد من ملوك العالم الذين زاروا إستانبول. وعُرف عنه مزاولة الرياضة وركوب الخيل والمحافظة على العبادات والشعائر الإسلامية والبعد عن المسكرات والميل إلى العزلة، وكان والده يصفه بالشكاك الصامت. كان عبد الحميد نجارًا ماهرًا، وكان يملك مشغلا صغيرًا في حديقة قصره في إستانبول. وكانت له اهتمامات مختلفة من بينها هواية التصوير وكان مهتما بالأوبرا وكتب شخصيا لأول مرة على الإطلاق العديد من الترجمات التركية للأوبرا الكلاسيكية. كما أنه ألف عدة قطع موسيقى لأوبرا واستضاف المؤدين الشهيرين من أوروبا في دار الأوبرا في قصر يلدز. وكان لديه هواية التصوير وقام بتصوير كل أنحاء إستانبول وجمعها في ألبوم يتكون من 12 مجلد، والألبوم محفوط حاليا في مكتبة الكونغرس في واشنطن في القسم التركي. وكان يملك مكتبا للترجمة يعمل فيه 6 مترجمين وكان يعطي أجرًا إضافيًّا لترجمة الروايات البوليسية. وقد كان معجبا بروايات شارلوك هولمز.

أظهر السلطان عبد الحميد روحًا إصلاحية وعهد بمنصب الصدر الأعظم إلى مدحت باشا أحد زعماء الإصلاح فأمر بإعلان الدستور وبداية العمل به، وقد كان الدستور مقتبسًا عن دساتير دول أوربية مثل: (بلجيكا وفرنسا وغيرها). وضم الدستور 119 مادة تضمنت حقوق يتمتع بها السلطان كأي ملك دستوري، كما نصب الدستور على تشكيل مجلس نواب منتخب دعي بهيئة المبعوثان. يعرفه البعض، بـ(اولو خاقان) أي (“الملك العظيم”) وعرف في الغرب باسم “السلطان الأحمر”، أو “القاتل الكبير” بسبب إدّعات باطلة حول مذابح الأرمن عند وقوع الحرب بينهم في فترة توليه منصبه.

يعتبره كثير من المسلمين أنه أخر خلفاء المسلمين الفعليين لما كان له من علو الهمة للقضايا الإسلامية وما قام به من مشروع سكة حديد الحجاز التي كانت تربط المدينة المنورة بدمشق و كان ينوي أن يمد هذا الخط الحديدي إلى كل من استانبول وبغداد . أما الخلفاء الذين جاؤا من بعده خلفاء ضعفاء جاؤا عن طريق جمعية الإتحاد والترقي، وهي جمعية اسلامية في الظاهر تديرها أيادي ماسونية ودول استعمارية غربية.

فترة حكمه

تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة، في 11 شعبان 1293هـ، الموافق 31 آب (أغسطس) 1876م، وتبوَّأ عرش السلطنة يومئذٍ على أسوأ حال، حيث كانت الدولة في منتهى السوء والاضطراب، سواء في ذلك الأوضاع الداخلية والخارجية. وفي نفس السنة دخلت الدولة العثمانية في أزمة مالية خانقة في فترة السلطان عبد العزيز المبذر ونجح العثمانيون الجدد من الاطاحة بحكمه سنة 1876م، في مؤامرة دبرها بعض رجال القصر، واعتلى العرش من بعده مراد الخامس شقيق عبد الحميد، ليكون السلطان الجديد، إلا انه عُزل بعد مدة قصيرة قوامها حوالي ثلاثة أشهر، فتولى عبد الحميد الحكم من بعده الذي وافق مع العثمانيين الجدد على إتباع سياسة عثمانية متحررة. رحب جزء من الشعب العثماني بالعوده إلى الحكم الدستوري بعد إبعاد السلطان عبد الحميد عن العرش في اعقاب ثورة الفتى التركي. غير أن الكثير من المسلمين ما زالوا يقدّرون قيمة هذا السلطان الذي خسر عرشه في سبيل أرض فلسطين التي رفض بيعها لزعماء الحركة الصهيونية.

سوء الأوضاع الخارجية

اتفقت الدول الغربية على الإجهاز على الدولة العثمانية التي أسموها “تركة الرجل المريض”، ومن ثم تقاسم أجزائها، هذا بالإضافة إلى تمرد البوسنة والهرسك، الذين هزموا الجيش العثماني وحاصروه في الجبل الأسود، وإعلان الصرب الحرب على الدولة بقوات منظمة وخطرة، وانفجار الحرب الروسية الفظيعة التي قامت سنة 1294هـ، الموافق سنة 1877م، وضغط دول الغرب المسيحية على الدولة لإعلان الدستور وتحقيق الإصلاحات في البلاد، بالإضافة إلى قيام الثورات في بلغاريا بتحريض ومساعدة من روسيا والنمسا.

سوء الأوضاع الداخلية

أفلست خزينة الدولة وتراكمت الديون عليها، حيث بلغت الديون ما يقرب من ثلاثمائة مليون ليرة، كما ظهر التعصب القومي والدعوات القومية والجمعيات ذات الأهداف السياسية، بإيحاء من الدول الغربية المعادية، ولا سيما إنجلترا، وكانت أهم مراكز هذه الجمعيات في بيروت واستانبول، وقد كان للمسيحية دورها الكبير في إذكاء تلك الجمعيات التي أنشئت في بيروت والتي كان من مؤسسيها بطرس البستاني (1819م-1883م) وناصيف اليازجي (1800-1817م). وأما الجمعيات التي أنشئت في استانبول فقد ضمت مختلف العناصر والفئات، وكان لليهود فيها دور كبير، خاصة يهود الدَوْنَمة، ومن أشهر هذه الجمعيات “جمعية تركيا الفتاة” التي أُسست في باريس، وكان لها فروع في برلين وسلانيك واستانبول، وكانت برئاسة أحمد رضا بك، الذي فتن بأوروبا وبأفكار الثورة الفرنسية. وقد كانت هذه الجمعيات تُدار بأيدي الماسونية العالمية. ومن الأمور السيئة في الأوضاع الداخلية أيضًا، وجود رجال كان لهم دور خطير في الدولة قد فُتنوا بالتطور الحاصل في أوروبا وبأفكارها، وكانوا بعيدين عن معرفة الإسلام، ويتهمون الخلفاء بالحكم المطلق، الدكتاتوري ويطالبون بوضع دستور للدولة على نمط الدول الأوروبية المسيحية، ويرفضون العمل بالشريعة الإسلامية.

تعطيل الدستور

شعر السلطان عبد الحميد بأنه أجبر على قرار الحرب بسبب ضغوط مدحت باشا -الصدر الأعظم – الذي حرّض طلبة العلوم الدينية العليا للقيام بمظاهرات تجبر السلطان على الحرب. تصاعد الرأي العام على إثر هذه المظاهرات داعيا إلى الحرب. رأى السلطان أن هناك قصورًا في الرأي العام ممثلا في المجلس الذي دفع بالأمة إلى الحرب في غير وقتها وبدون استعداد لها أو حاجة إليها؛ لذلك قام بتعطيل الحياة النيابية إلى أجل غير مسمى في (9 صفر 1295 هـ = 13 فبراير 1878م)، واستمر هذا التعطيل مدة ثلاثين عاما ونصف، بعد حياة نيابية استمرت عاما واحدا.

والملاحظ أن السلطان لم يلغِ الدستور أو ينحيه، بل استمر نشر الدستور في النشرة السنوية للدولة طيلة 31 عاما متوالية دون انقطاع، وإن كانت أحكامه لم تطبق. ولم يجتمع مجلس الأعيان، ولكنهم استمروا في تقاضي مرتباتهم بصورة رسمية مدى الحياة.. وعلى هذا الأساس فإن السلطان أدار دولته بصورة شخصية دون مجلس، في ظل دستور يمنع تدخل السلطان في شئون الحكومة؛ لهذا وسم السلطان بصفة المستبد والديكتاتور. وقد استصوب السياسي الألماني بسمارك ما فعله السلطان عبد الحميد من حل مجلس المبعوثان (النواب)، وعلَّق عليه بقوله: “إن لم يكن قوام الدولة شعبًا واحدًا، فإن ضرر مجلسها يكون أكبر من نفعه”.

إصلاحات دستورية

في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، دعا سعيد النورسي وهو كردي من قرية نورشين وأحد قادة الطرق الدينية البارزين وغيره إلى إصلاحات دستورية وتعليمية من بينها تقيد سلطات السلطان عبد الحميد الثاني وهو ما سمى بـ«المشروطية»، وإنشاء جامعة في مدينة «فان» التركية للنهضة العلمية، ولما رفض السلطان عبد الحميد هذه الطلبات، دعم قادة الطرق الدينية التركية جمعية «الاتحاد والترقي» التي كانت تريد إصلاحات سياسية واجتماعية وكانت تعارض السلطان عبد الحميد. دبرت جمعية «الاتحاد والترقي» عام 1908 انقلابا على السلطان عبد الحميد تحت شعار (حرية، عدالة، مساواة). وتعهد الانقلابيون بوضع حد للتمييز في الحقوق والواجبات بين السكان على أساس الدين والعرق. 1111. وقبلها كما ذكرنا أعلاه معارضة جمعية تركيا الفتاة أيضًا في عرقلة طريق الاصلاح الدستوري.

سياسته وأهم منجزاته

كان عبد الحميد الثاني يرى ضرورة العمل على توحيد القوى الإسلامية لمجابهة الروح الاستعمارية الطامعة في الدولة العثمانية؛ لذلك سعى إلى طرح شعار الجامعة الإسلامية، وجعلها سياسة عليا لدولة الخلافة، فعمل على تدعيم أواصر الأخوة بين مسلمي الصين والهند وإفريقيا، ورأى في ذلك الشعار وسيلة لتوحيد الصفوف حوله وحول دولته في الداخل والخارج؛ فاستعان بمختلف الرجال والدعاة والوسائل لتحقيق غرضه، فأقام الكليات والمدارس، وربط أجزاء الدولة بـ30 ألف كيلومتر من البرق والهاتف، وبنى غواصة وعني بتسليح الجيش. إلا أن أعظم مشروعاته الحضارية هو سكة حديد الحجاز لتيسير الحج على المسلمين، بحيث يستعاض بهذا المشروع عن طريق القوافل الذي كان يستغرق السفر به أربعين يومًا، وانخفضت المدة بالخط الحديدي إلى أربعة أيام. وقد خلق هذا المشروع العملاق حماسة دينية بالغة بعدما نشر عبد الحميد الثاني بيانًا على المسلمين يدعوهم فيه للتبرع، وافتتح القائمة بمبلغ كبير؛ فتهافت المسلمون من الهند والصين وبقية العالم على التبرع، باعتبار أن هذا المشروع هو مشروع المسلمين أجمعين. ووصل أول قطار إلى المدينة المنورة في (رجب 1326 هـ = أغسطس 1908م)، بعد ثمانية أعوام من الحماسة والعمل الدائبين. وفي وسط هذه التيارات والأمواج المتلاطمة تقلد السلطان عبد الحميد الحكم، وبدأ في العمل وفق السياسة الآتية:

1ـ حاول كسب بعض المناوئين له واستمالتهم إلى صفه بكل ما يستطيع.

2ـ دعا جميع مسلمي العالم في آسيا الوسطى وفي الهند والصين وأواسط أفريقيا وغيرها إلى الوحدة الإسلامية والانضواء تحت لواء الجامعة الإسلامية، ونشر شعاره المعروف “يا مسلمي العالم اتحدوا“، 3ـ أنشأ مدرسة للدعاة المسلمين سرعان ما أنتشر خريجوها في كل أطراف العالم الإسلامي الذي لقي منه السلطان كل القبول والتعاطف والتأييد لتلك الدعوة، ولكن قوى الغرب قامت لمناهضة تلك الدعوة ومهاجمتها.

4ـ قرَّب إليه الكثير من رجال العلم والسياسة المسلمين واستمع إلى نصائحهم وتوجيهاتهم.

5ـ عمل على تنظيم المحاكم والعمل في “مجلة الأحكام العدلية” وفق الشريعة الإسلامية.

6ـ قام ببعض الإصلاحات العظيمة مثل القضاء على معظم الإقطاعات الكبيرة المنتشرة في كثير من أجزاء الدولة، والعمل على القضاء على الرشوة وفساد الإدارة.

7ـ عامل الأقليات والأجناس غير التركية معاملة خاصة، كي تضعف فكرة العصبية، وغض طرفه عن بعض إساءاتهم، مثل الرعب الذي نشرته عصابات الأرمن، ومثل محاولة الأرمن مع اليهود اغتياله أثناء خروجه لصلاة الجمعة، وذلك لكي لا يترك أي ثغرة تنفذ منها الدول الأجنبية للتدخل في شؤون الدولة.

8ـ عمل على سياسة الإيقاع بين القوى العالمية آنذاك لكي تشتبك فيما بينها، وتسلم الدولة من شرورها، ولهذا حبس الأسطول العثماني في الخليج ولم يخرجه حتى للتدريب.

9ـ اهتم بتدريب الجيش وتقوية مركز الخلافة.

10ـ حرص على إتمام مشروع خط السكة الحديدية التي تربط بين دمشق والمدينة المنورة لِمَا كان يراه من أن هذا المشروع فيه تقوية للرابطة بين المسلمين، تلك الرابطة التي تمثل صخرة صلبة تتحطم عليها كل الخيانات والخدع الإنجليزية، على حد تعبير السلطان نفسه.

11ـ أنشأ قصر النجمة بأمره(Yıldız Sarayı) . ويوجد في متحف قصر النجمة في القصر منجرة مخصصة لتأمين الموبيليا للقصر, لأن السلطان عبد الحميد الثاني يحب النجارة ومعروف بالحفر اليدوي وأعطى اهتمام في هذا الموضوع. وكل الأثار المعروضة في المتحف هي أغراض القصر نفسه.

12ـ تم إنشاء مسرح قصر النجمة بأمر السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1889. وبعد الإصلاحات الضرورية تم افتتاح المتحف كمتحف للفنون والمسرح. ويوجد قسم من المتحف خاص بالملابس التي أستخدمت في المسرح نفسه.

وفي قصر ييلذر، حكم السلطان على جميع مؤسسات الإمبراطورية بشخصه، غير أنه لم يستعمل القوة القسرية في حكمه، حيث لم يتدخل الجيش في الشؤون الداخلية، وإن اعتمد السلطان على تحريات الأمن التي قامت بالعديد من التجاوزات. ويلاحظ أن السلطان عبد الحميد كان بعيدًا عن سفك الدماء أو أسلوب الاغتيالات وتصفية معارضيه، وكان لا يلجأ إلى عقوبة السجن إلا في القليل، ثم يغيرها بالنفي. ولم يصدّق خلال سلطته الطويلة إلا على خمس عقوبات إعدام فقط، وهي أقل عدد من عقوبات الإعدام في تاريخ تركيا كلها.

الافتراء على موضوع مذابح الأرمن

بدأت قضية مذابح الأرمن في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، إذ قالت الدولة العثمانية أن روسيا قامت بإثارة الأرمن الروس القاطنين قرب الحدود الروسية العثمانية، فبدأت بتحريضهم وإمدادهم بالمال والسلاح والقيام بتدريبهم في أراضيها وتشكيل الجمعيات المسلحة من أمثال خنجاق وطشناق. وقدمت بريطانيا دعماً قوياً لتلك المنظمات لأنها كانت تريد تفتيت الدولة العثمانية. حتى أن الزعيم المصري مصطفى كامل يقول في كتابه المسألة الشرقية: “فالذين ماتوا من الأرمن في الحوادث الأرمنية إنما ماتوا فريسة الدسائس الإنكليزية”..

وكان قبول الدولة العثمانية إقامة دولة أرمنية في مركزها (في الولايات الستة في شرقي الأناضول) وفي مناطق يشكل المسلمون فيها الأكثرية بمثابة عملية انتحارية للدولة العثمانية. إذ كان عدد الأرمن – حسب الإحصائيات العثمانية والأجنبية كذلك – يتراوح بين مليون ومئتي ألف إلى مليون ونصف مليون في جميع أراضي الدولة العثمانية. لذا لم يعبأ السلطان بالضغوطات الخارجية ولا بتهديد انكلترا وقيامها بإرسال أسطولها إلى جنق قلعة. وحاولت تلك المنظمات المسلحة اغتيال السلطان عام 1905 بتفجير عربة عند خروجه من المسجد. ولكن السلطان نجا، وألقي القبض على الجاني، ولكن السلطان عفا عنه.

علاقاته مع اليهود

لما عقد اليهود مؤتمرهم الصهيوني الأول في (بازل) بسويسرا عام 1315هـ، 1897م، برئاسة ثيودور هرتزل (1860م-1904م) رئيس الجمعية الصهيونية، اتفقوا على تأسيس وطن قومي لهم يكون مقرًا لأبناء عقيدتهم، وأصر هرتزل على أن تكون فلسطين هي الوطن القومي لهم، فنشأت فكرة الصهيونية، وقد اتصل هرتزل بالسلطان عبد الحميد مرارًا ليسمح لليهود بالانتقال إلى فلسطين، ولكن السلطان كان يرفض، ثم قام هرتزل بتوسيط كثير من أصدقائه الأجانب الذين كانت لهم صلة بالسلطان أو ببعض أصحاب النفوذ في الدولة، كما قام بتوسيط بعض الزعماء العثمانيين، لكنه لم يفلح، وأخيرًا زار السلطان عبد الحميد بصحبة الحاخام (موسى ليفي) و(عمانيول قره صو)، رئيس الجالية اليهودية في سلانيك، وبعد مقدمات مفعمة بالرياء والخداع، أفصحوا عن مطالبهم، وقدَّموا له الإغراءات المتمثلة في إقراض الخزينة العثمانية أموالاً طائلة مع تقديم هدية خاصة للسلطان مقدارها خمسة ملايين ليرة ذهبية، وتحالف سياسي يُوقفون بموجبه حملات الدعاية السيئة التي ذاعت ضده في صحف أوروبا وأمريكا. لكن السلطان رفض بشدة وطردهم من مجلسه وقال: (إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكى إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يباع وربما إذا تفتت إمبراطوريتي يوما، يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل)، ثم أصدر أمرًا بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين. عندئذ أدرك خصومه أنهم أمام رجل قوي وعنيد، وأنه ليس من السهولة بمكان استمالته إلى صفها، ولا إغراؤه بالمال، وأنه مادام على عرش الخلافة فإنه لا يمكن للصهيونية العالمية أن تحقق أطماعها في فلسطين، ولن يمكن للدولة الأوروبية أن تحقق أطماعها أيضًا في تقسيم الدولة العثمانية والسيطرة على أملاكها، وإقامة دويلات لليهود والأرمن واليونان.

لذا قرروا أن يقتلوا الأمير خضر العموري من سكان شعفاط ومن ثم الإطاحة به وإبعاده عن الحكم، فاستعانوا بالقوى المختلفة التي نذرت نفسها لتمزيق ديار الإسلام، أهمها الماسونية، والدونمة، والجمعيات السرية (الاتحاد والترقي)، والدعوة للقومية التركية (الطورانية)، ولعب يهود الدونمة دورًا رئيسًا في إشعال نار الفتن ضد السلطان.

الديون العثمانية

بلغت الديون العثمانية الخارجية عند تولي السلطان عبد الحميد الثاني حوالي 252 مليون قطعة ذهبية، وهو مبلغ كبير بمقياس ذلك العصر، فأقنع السلطان الدول الدائنة بإسقاط 146 مليونًا. ولتسديد المبلغ الباقي وُضعت بعض مؤسسات الدولة تحت تصرف مؤسسة الديون العمومية، وتمكن بهذه الوسيلة من تسديد هذه الديون، وكان حريصًا طوال عهده على عدم الاستدانة من الخارج إلا في أضيق الحدود.

موضوع عزل السلطان

بعد دخول الزّوجات الأجنبيات إلى القصر وتنافس أولادهن على العرش، جاء إلى الحكم سلاطين غير أهلين وفاسقين إلى الحكم فضعفت الدولة العثمانية وتفشى الفساد والظلم في أكثر المؤسسات، وكثرت العملاء حول السلطان، وسبّب ذلك الضّعف إلى نفوذ العملاء إلى القصر وعمل مؤمرات من أجل عزله وخلعه من منصبه ففي عام 1909، يتّخذ شيخ الإسلام بتأثير من الأوساط السياسية قرارًا غير عادل من أجل عزله، ولكن بعد إعطاء القرار علم الشيخ بالمؤمرات ولكنه النّدم والرّجوع من القرار لم يفده بعد ذلك. وتم تنصيب شقيقه محمد رشاد خلفاً له.

«سبب خلع السلطان عبدالحميد» للكاتب سعيد الافغاني من سوريا

وكما بين المقال فإن السيد راغب رضا الذي كان يعمل ناظرا للقصر السلطاني في استانبول ، كان مرتبطا بالشيخ محمود ابو الشامات، وكلما زار الشيخ استانبول ينزل عند مريده، واطلع السلطان عبدالحميد الذي لا تخفى عليه خافية وعن طريق استخباراته على امر الشيخ، فسأل مدير القصر عمن يكون ضيفه؟ فأخبره بأنه شيخه بالطريقة الشاذلية، ووصف له من حاله ما ملأ سمع السلطان ورغبته في مقابلته ، وكان الشيخ حلو الكلام، جميل المنظر، حسن المعشر، ولما قابله السلطان ملأ عينه وقلبه ، فقبل يديه وطلب منه الطريقة فلباه، واصبح السلطان بعدها من تلاميد الشيخ في الشاذلية واورادها واذكارها. وفي 27 نيسان 1909 تم عزل السلطان عن الحكم ونفيه الى سالونيك ، فكتب هذه الرسالة الى شيخه يخبره فيها ان السبب الرئيسي لعزله هو هذه الحادثة وتوفي الشيخ عام 1922، واستطاع بعض اصدقاء عائلة الشيخ اقناعهم ان يخرجوا هذه الرسالة الى الضوء، بعد ان حفظوها سراً لسنوات طويلة، فقام السيد احمد القاسمي القريب من العائلة ومدير اوقاف سوريا بترجمتها الى العربية.

ورغم انني قرأت هذه الوثيقة من زمن طويل ، ولانني اريد ان ابحث وأتأكد من صحتها لم اقم بنشرها من قبل، وفي عطلة الصيف الماضي ذهبت الى تركيا لقضاء العطلة، ووجدت فرصة للتأكد من صحة هذا الموضوع عندما قام رجل الاعمال وصديق العائلة محمد طوسون، وهو الممول الرئيس لكافة الاعمال التي تتعلق بالسلطان عبدالحميد الثاني ، قام بدعوتنا للعشاء في قصر مالطة وكان العشاء على شرف السيد عثمان اوغلو حفيد السلطان عبدالحميد وزوجته فيروزات هانم . وعلى العشاء خاطبت السيد هارون: «سيدي: لقد علمت ان جدكم السلطان عبدالحميد قد قام بكتابة رسالة الى الشيخ الشاذلي في الشام ، فهل حادثة هذا المكتوب صحيحة؟» فأجاب السيد هارون: «ان المكتوب الذي كتبه جدي الى الشيخ الشاذلي صحيح والرسالة موجودة لدى احفاد الشيخ بالشام ، وقد قامت مجلة العربي بنشر ترجمته العربية ، ومنع عدد مجلة العربي حينها من دخول سوريا».

من أقواله السّياسية

“أنصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوما فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة”.

وفاته
توفي السلطان عبد الحميد الثاني في المنفى في 10 فبراير من عام 1918 م.