أ.د. أحمد محمد وهبان

سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 20

سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
اسمه – على الصحيح – :
عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي .

كنيته :
أبو بكر

لقبه :
عتيق ، والصدِّيق .
قيل لُقّب بـ ” عتيق ” لأنه :
كان جميلاً
لعتاقة وجهه
قديم في الخير
وقيل : كانت أم أبي بكر لا يعيش لها ولد ، فلما ولدته استقبلت به البيت ، فقالت : اللهم إن هذا عتيقك من الموت ، فهبه لي .
وقيل غير ذلك
ولُقّب بـ ” الصدّيق ” لأنه صدّق النبي صلى الله عليه وسلم ، وبالغ في تصديقه كما في صبيحة الإسراء وقد قيل له : إن صاحبك يزعم أنه أُسري به ، فقال : إن كان قال فقد صدق !
وقد سماه الله صديقا فقال سبحانه : ( وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )
جاء في تفسيرها : الذي جاء بالصدق هو النبي صلى الله عليه وسلم ، والذي صدّق به هو أبو بكر رضي الله عنه .
ولُقّب بـ ” الصدِّيق ” لأنه أول من صدّق وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من الرجال .

وسماه النبي صلى الله عليه وسلم ” الصدّيق ”
روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أُحداً وأبو بكر وعمر وعثمان ، فرجف بهم فقال : اثبت أُحد ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان .
وكان أبو بكر رضي الله عنه يُسمى ” الأوّاه ” لرأفته

مولده :
ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر

صفته :
كان أبو بكر رضي الله عنه أبيض نحيفاً ، خفيف العارضين ، معروق الوجه ، ناتئ الجبهة ، وكان يخضب بالحناء والكَتَم .
وكان رجلاً اسيفاً أي رقيق القلب رحيماً .

فضائله :
ما حاز الفضائل رجل كما حازها أبو بكر رضي الله عنه

• فهو أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم
قال ابن عمر رضي الله عنهما : كنا نخيّر بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، فنخيّر أبا بكر ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم . رواه البخاري .

وروى البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما صاحبكم فقد غامر . وقال : إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء ، فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ ، فأقبلت إليك فقال : يغفر الله لك يا أبا بكر – ثلاثا – ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل : أثَـمّ أبو بكر ؟ فقالوا : لا ، فأتى إلى النبي فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعّر ، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال : يا رسول الله والله أنا كنت أظلم – مرتين – فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني إليكم فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صَدَق ، وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركو لي صاحبي – مرتين – فما أوذي بعدها .

فقد سبق إلى الإيمان ، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم وصدّقه ، واستمر معه في مكة طول إقامته رغم ما تعرّض له من الأذى ، ورافقه في الهجرة .

• وهو ثاني اثنين في الغار مع نبي الله صلى الله عليه وسلم
قال سبحانه وتعالى : ( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا )
قال السهيلي : ألا ترى كيف قال : لا تحزن ولم يقل لا تخف ؟ لأن حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم شغله عن خوفه على نفسه .
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدّثه قال : نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه . فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما .

ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل الغار دخل قبله لينظر في الغار لئلا يُصيب النبي صلى الله عليه وسلم شيء .
ولما سارا في طريق الهجرة كان يمشي حينا أمام النبي صلى الله عليه وسلم وحينا خلفه وحينا عن يمينه وحينا عن شماله .

ولذا لما ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضّـلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما ، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال : والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر ، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر ، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر ، فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه ، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي ؟ فقال : يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك . فقال :يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني ؟ قال : نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من مُلمّة إلا أن تكون بي دونك ، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر : مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الجحرة ، فدخل واستبرأ ، قم قال : انزل يا رسول الله ، فنزل . فقال عمر : والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر . رواه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة .

• ولما هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ماله كله في سبيل الله .

• وهو أول الخلفاء الراشدين

وقد أُمِرنا أن نقتدي بهم ، كما في قوله عليه الصلاة والسلام : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ . رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما ، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه .

واستقر خليفة للمسلمين دون مُنازع ، ولقبه المسلمون بـ ” خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم “

• وخلافته رضي الله عنه منصوص عليها
فقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مرضه أن يُصلي بالناس
في الصحيحين عن عائشةَ رضي اللّهُ عنها قالت : لما مَرِضَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مرَضَهُ الذي ماتَ فيه أَتاهُ بلالٌ يُؤْذِنهُ بالصلاةِ فقال : مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصَلّ . قلتُ : إنّ أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ [ وفي رواية : رجل رقيق ] إن يَقُمْ مَقامَكَ يبكي فلا يقدِرُ عَلَى القِراءَةِ . قال : مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصلّ . فقلتُ مثلَهُ : فقال في الثالثةِ – أَوِ الرابعةِ – : إِنّكنّ صَواحبُ يوسفَ ! مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصلّ ، فصلّى .
ولذا قال عمر رضي الله عنه : أفلا نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ؟!

وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه : ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى اكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل : أنا أولى ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر .

وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء فأمرها بأمر ، فقالت : أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك ؟ قال : إن لم تجديني فأتي أبا بكر . رواه البخاري ومسلم .

• وقد أُمرنا أن نقتدي به رضي الله عنه
قال عليه الصلاة والسلام : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ، وهو حديث صحيح .

• وكان أبو بكر ممن يُـفتي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
ولذا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على الحج في الحجّة التي قبل حجة الوداع
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر : لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .

وأبو بكر رضي الله عنه حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبوك .

• وأنفق ماله كله لما حث النبي صلى الله عليه وسلم على النفقة
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ، فوافق ذلك مالاً فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما . قال : فجئت بنصف مالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله ، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال : يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك ؟ فقال : أبقيت لهم الله ورسوله ! قال عمر قلت : والله لا أسبقه إلى شيء أبدا . رواه الترمذي .

• ومن فضائله أنه أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال عمرو بن العاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة . قال : قلت : من الرجال ؟ قال : أبوها . رواه مسلم .

• ومن فضائله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذه أخـاً له .
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال : إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله . قال : فبكى أبو بكر ، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن مِن أمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سُـدّ إلا باب أبي بكر .

• ومن فضائله رضي الله عنه أن الله زكّـاه
قال سبحانه وبحمده : ( وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى )
وهذه الآيات نزلت في ابي بكر رضي الله عنه .
وهو من السابقين الأولين بل هو أول السابقين
قال سبحانه : ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

• وقد زكّـاه النبي صلى الله عليه وسلم
فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة . قال أبو بكر : إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لست تصنع ذلك خيلاء . رواه البخاري في فضائل أبي بكر رضي الله عنه .

• ومن فضائله رضي الله عنه أنه يُدعى من أبواب الجنة كلها
قال عليه الصلاة والسلام : من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير ؛ فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام وباب الريان . فقال أبو بكر : ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ، فهل يُدعى منها كلها أحد يا رسول الله ؟ قال : نعم ، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر . رواه البخاري ومسلم .

• ومن فضائله أنه جمع خصال الخير في يوم واحد
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أصبح منكم اليوم صائما ؟
قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا .
قال : فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟
قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا .
قال : فمن أطعم منكم اليوم مسكينا ؟
قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا .
قال : فمن عاد منكم اليوم مريضا ؟
قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة .

• ومن فضائله رضي الله عنه أن وصفه رجل المشركين بمثل ما وصفت خديجة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لما ابتلي المسلمون في مكة واشتد البلاء خرج أبو بكر مهاجراً قِبل الحبشة حتى إذا بلغ بَرْك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارَة ، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي . قال ابن الدغنة : إن مثلك لا يخرج ولا يخرج فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكَلّ وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلادك ، فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يَخرج مثله ولا يُخرج ، أتُخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ؟! فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة : مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به ، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره ، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلاً بكّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا له : إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلاّ أن يعلن ذلك فَسَلْهُ أن يرد إليك ذمتك فإنا كرهنا أن نخفرك ، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان . قالت عائشة فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال : قد علمت الذي عقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له قال أبو بكر : إني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله . رواه البخاري .

• وكان عليّ رضي الله عنه يعرف لأبي بكر فضله
قال محمد بن الحنفية : قلت لأبي – علي بن أبي طالب رضي الله عنه – : أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أبو بكر . قلت : ثم من ؟ قال : ثم عمر ، وخشيت أن يقول عثمان قلت : ثم أنت ؟ قال : ما أنا إلا رجل من المسلمين . رواه البخاري .

وقال عليّ رضي الله عنه : كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله به بما شاء أن ينفعني منه ، وإذا حدثني غيره استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الطهور ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله تعالى إلا غفر الله له ثم تلا : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ) الآية . رواه أحمد وأبو داود .

• ولم يكن هذا الأمر خاص بعلي رضي الله عنه بل كان هذا هو شأن بنِيـه
قال الإمام جعفر لصادق : أولدني أبو بكر مرتين .
وسبب قوله : أولدني أبو بكر مرتين ، أن أمَّه هي فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وجدته هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر .
فهو يفتخر في جّـدِّه ثم يأتي من يدّعي اتِّباعه ويلعن جدَّ إمامه ؟
قال جعفر الصادق لسالم بن أبي حفصة وقد سأله عن أبي بكر وعمر ، فقال : يا سالم تولَّهُما ، وابرأ من عدوهما ، فإنهما كانا إمامي هدى ، ثم قال جعفر : يا سالم أيسُبُّ الرجل جده ؟ أبو بكر جدي ، لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما .
وروى جعفر بن محمد – وهو جعفر الصادق – عن أبيه – وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي – رضي الله عنهم أجمعين ، قال : جاء رجل إلى أبي – يعني علي بن الحسين ، المعروف والمشهور بزين العابدين – فقال : أخبرني عن أبي بكر ؟ قال : عن الصديق تسأل ؟ قال : وتسميه الصديق ؟! قال : ثكلتك أمك ، قد سماه صديقا من هو خير مني ؛ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار ، فمن لم يُسمه صدِّيقا ، فلا صدّق الله قوله ، اذهب فأحب أبا بكر وعمر وتولهما ، فما كان من أمـر ففي عنقي .

ولما قدم قوم من العراق فجلسوا إلى زين العابدين ، فذكروا أبا بكر وعمر فسبوهما ، ثم ابتـركوا في عثمان ابتـراكا ، فشتمهم .
وابتركوا : يعني وقعوا فيه وقوعاً شديداً .
وما ذلك إلا لعلمهم بمكانة وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبمكانة صاحبه في الغار ، ولذا لما جاء رجل فسأل زين العابدين : كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشار بيده إلى القبر ثم قال : لمنزلتهما منه الساعة .

قال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله :
ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ، ولكن بشيء وَقَـرَ في قلبه .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي = رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسأَلُ
اسمَعْ كَلامَ مُحَقِّقٍ في قَولِه = لا يَنْثَني عَنهُ ولا يَتَبَدَّل
حُبُّ الصَّحابَةِ كُلُّهُمْ لي مَذْهَبٌ = وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسّل
وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ وَفَضْلٌ ساطِعٌ = لكِنَّما الصِّديقُ مِنْهُمْ أَفْضَل

• وجمع بيت أبي بكر وآل أبي بكر من الفضائل الجمة الشيء الكثير الذي لم يجمعه بيت في الإسلام
فقد كان بيت أبي بكر رضي الله عنه في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في الاستعداد للهجرة ، وما فعله عبد الله بن أبي بكر وأخته أسماء في نقل الطعام والأخبار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار
وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم هي بنت أبي بكر رضي الله عنه وعنها

قال ابن الجوزي رحمه الله :
أربعة تناسلوا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أبو قحافة
وابنه أبو بكر
وابنه عبد الرحمن
وابنه محمد

أعماله :
من أعظم أعماله سبقه إلى الإسلام وهجرته مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وثباته يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن أعماله قبل الهجرة أنه أعتق سبعة كلهم يُعذّب في الله ، وهم : بلال بن أبي رباح ، وعامر بن فهيرة ، وزنيرة ، والنهدية وابنتها ، وجارية بني المؤمل ، وأم عُبيس .
ومن أعظم أعماله التي قام بها بعد تولّيه الخلافة حرب المرتدين
فقد كان رجلا رحيما رقيقاً ولكنه في ذلك الموقف ، في موقف حرب المرتدين كان أصلب وأشدّ من عمر رضي الله عنه الذي عُرِف بالصلابة في الرأي والشدّة في ذات الله
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم واستُخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر : يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ؟ قال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . قال عمر : فو الله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق .

لقد سُجِّل هذا الموقف الصلب القوي لأبي بكر رضي الله عنه حتى قيل : نصر الله الإسلام بأبي بكر يوم الردّة ، وبأحمد يوم الفتنة .
فحارب رضي الله عنه المرتدين ومانعي الزكاة ، وقتل الله مسيلمة الكذاب في زمانه .
ومع ذلك الموقف إلا أنه أنفذ جيش أسامة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد إنفاذه نحو الشام .

وفي عهده فُتِحت فتوحات الشام ، وفتوحات العراق

وفي عهده جُمع القرآن ، حيث أمر رضي الله عنه زيد بن ثابت أن يجمع القرآن

وكان عارفاً بالرجال ، ولذا لم يرضَ بعزل خالد بن الوليد ، وقال : والله لا أشيم سيفا سله الله على عدوه حتى يكون الله هو يشيمه . رواه الإمام أحمد وغيره .

وفي عهده وقعت وقعة ذي القَصّة ، وعزم على المسير بنفسه حتى أخذ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بزمام راحلته وقال له : إلى أين يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد : شِـمْ سيفك ولا تفجعنا بنفسك . وارجع إلى المدينة ، فو الله لئن فُجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا ، فرجع أبو بكر رضي الله عنه وأمضى الجيش .

وكان أبو بكر رضي الله عنه أنسب العرب ، أي أعرف العرب بالأنساب .

زهـده :
مات أبو بكر رضي الله عنه وما ترك درهما ولا دينارا

عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال : لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه قال : يا عائشة أنظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها والجفنة التي كنا نصطبح فيها والقطيفة التي كنا نلبسها فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا في أمر المسلمين ، فإذا مت فاردديه إلى عمر ، فلما مات أبو بكر رضي الله عنه أرسلت به إلى عمر رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه : رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك .

ورعـه :
كان أبو بكر رضي الله عنه ورعاً زاهداً في الدنيا حتى لما تولى الخلافة خرج في طلب الرزق فردّه عمر واتفقوا على أن يُجروا له رزقا من بيت المال نظير ما يقوم به من أعباء الخلافة

قالت عائشة رضي الله عنها : كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج ، وكان أبو بكر يأكل من خراجه ، فجاء يوماً بشيء ، فأكل منه أبو بكر ، فقال له الغلام : تدري ما هذا ؟ فقال أبو بكر : وما هو ؟ قال : كنت تكهّنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته ، فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه ، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه . رواه البخاري .

وفاته :
توفي في يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، وه ابن ثلاث وستين سنة .

فرضي الله عنه وأرضاه
وجمعنا به في دار كرامته

أعلم بأنني لم أوفِّ أبا بكر حقّـه

فقد أتعب من بعده حتى من ترجموا له ، فكيف بمن يقتطف مقتطفات من سيرته ؟

تطور مفهوم المواطنة في الفكر السياسي الغربي

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

المواطنة في المعاجم الغربية
في السياق الغربي نجد لمصطلح المواطنة حضور قوي في المعاجم اللغوية، وعلى سبيل المثال في اللغة الإنجليزية يشير المصطلح (Citizenship) إلى المساهمة في حكم دولة ما على نحو مباشر أو غير مباشر، كما يستخدم أحياناً للدلالة على العملية أو الحالة التي يعد الفرد بمقتضاها مواطناً لمجرد أنه يعيش في رحاب دولة معينة، أو ينتمي إليها ويخلص لها؛ ومن ثم يحظى بالحماية. وفي معجم هاراب مثلا: (المواطن هو (أ) ساكن المدينة. (ب) شخص له كل الحقوق كساكن في دولة…أما المواطنة فهي الاسم الذي يدل على حالة State وجود المواطن).

ويتجاوز مفهوم (المواطن Citizen) المعنى المعجمي ليدل على الفرد الذي يتمتع بالحقوق السياسية ويتحمل أيضا واجبات المشاركة، ويشير مفهوم المواطنة (Citizenship) إلى فعل المواطن وعملية المشاركة نفسها. فالمواطن هو عضو في المجتمع السياسي يتمتع بالحقوق ويقوم بواجبات العضوية.
هذا التعريف الواسع يمكن أن يرى مع اختلافات قليلة في أعمال مفكري القرن الثامن عشر، وأيضا في مادة مواطن في موسوعة (Encyclopédie) ديدرو (Diderot ) ودالمبير (1753D’alembert ). فالموسوعة تعرِّف المواطن على أنه عضو في مجتمع حر مكوَّن من عدة أُسر، التي تتشارك في حقوق هذا المجتمع وتتمتع بحصانته. وفي الموسوعة أيضا المواطن (وهو الذكر فقط) والأسرة، هم مجموعة من وحدات بناء المجتمع غير المتنازع عليها.

إن الاهتمام الرئيسي للموسوعة الذي يمكن أن يفهم بالنسبة لأشخاص يعيشون في ظل نظام ملكي (a Monarchy)، كان هو العلاقة بين مفهومي المواطن ( Citizen) والرعية ( Subject). لكن هل الاثنان يحملان المعنى نفسه كما يقرر هوبز (Hobbes)، أم أن بينهما تناقضا كما يُفهم من أرسطو (Aristotle)؟
يشير مفهوم الرعية أو الرعايا في الفكر الغربي(2) إلى أعضاء مملكة أو دولة ليس لهم ذات حقوقية مستقلة. فالذات الحقوقية المستقلة هي شخص الحاكم المتمتع بكل الامتيازات، فهو صاحب السلطان وحده، ولا يملك أحد أن يراجعه، فعلاقته بهم هي علاقة الراعي بقطيعه، وهو يستمد هذا السلطان بالغلبة، بفعل النسب أو العصبية أو القوة، أو ربما بالشرعية الإلهية. ومن ثم فمفهوم الرعية مخالف لمفهوم المواطن بوصفه ذات حقوقية مستقلة.

القيم في الفكر الغربي المعاصر

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

محطات أو مقاييس نحكُم بها على الأفكار والأشخاص، والأشياء والأعمال، والموضوعات والمواقف، الفردية والجماعية، مِن حيث حُسنُها وقيمتها والرغبة فيها، أو مِن حيث سوءُها وعدمُ قيمتِها وكراهِيتها، أو في منزلة مُعينةٍ ما بين الحدين.
إلا أن هذا المفهوم يفتقِر إلى عامل الالتِزام العميق، والرفض القاطِع العملي لكل ما يُنافي القِيم المُثلى
أنواع القيم:
تنوعت وكثُرت فُنونها؛ تبعًا لاختِلاف المُفكرين في نظرتِهم للقِيم [5].
القِيم العقلية “المُتعلقة بالحق”، القِيم الجمالية “المُتعلقة بالجمال”، القِيم الأخلاقية “المُتعلقة بالخير”، وهُناك من زاد القيمة الدينية
أسس القيم:
العقل.
• المنفعة (اللذة والسعادة).
• المادية.
مع اختِلاف في نظرتِهم لتلك الأُسُس، وعدم اجتماعِهم على أُسُس موحدة تجمع الفكر الغربي في بوتقة فكرية واحدة

القيم في الفكر الغربي المعاصر

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

محطات أو مقاييس نحكُم بها على الأفكار والأشخاص، والأشياء والأعمال، والموضوعات والمواقف، الفردية والجماعية، مِن حيث حُسنُها وقيمتها والرغبة فيها، أو مِن حيث سوءُها وعدمُ قيمتِها وكراهِيتها، أو في منزلة مُعينةٍ ما بين الحدين.
إلا أن هذا المفهوم يفتقِر إلى عامل الالتِزام العميق، والرفض القاطِع العملي لكل ما يُنافي القِيم المُثلى
أنواع القيم:
تنوعت وكثُرت فُنونها؛ تبعًا لاختِلاف المُفكرين في نظرتِهم للقِيم [5].
القِيم العقلية “المُتعلقة بالحق”، القِيم الجمالية “المُتعلقة بالجمال”، القِيم الأخلاقية “المُتعلقة بالخير”، وهُناك من زاد القيمة الدينية
أسس القيم:
العقل.
• المنفعة (اللذة والسعادة).
• المادية.
مع اختِلاف في نظرتِهم لتلك الأُسُس، وعدم اجتماعِهم على أُسُس موحدة تجمع الفكر الغربي في بوتقة فكرية واحدة

تطور الفكر الديني الغربي في الاسس والتطبيقات

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

يعني الفكر الديني مجموع إجتهادات الفكر الغربي في تصور الذات الالهية وعلاقتها بالإنسان، أما علاقة الله بالطبيعة فقد تدخل في الفكر الطبيعي وهي في كلتا الحالتين تصور الإنسان لعلاقة الله بالطبيعة. ويتضمن الفكر وحده أي ميدان التصورات وليس ميدان الشعائر والطقوس والممارسات العملية الا من حيث هي تعبير عن فكر. كما يعني الدين المباشر، أي الحديث عن الله، ذاتاً وصفات وأفعالاً، وليس بالمعنى الفلسفي غير المباشر مثل المطلق أو المثال أو اللامتناهي الى آخر هذه المصطلحات التي تعبر عن الدين الفلسفي.

ومع ذلك لا ينفصل الفكر الديني عن الفكر العلمي الطبيعي والفكر الأخلاقي والفكر الإجتماعي السياسي. فللفلاسفة أنساق متكاملة تضم المنطق والطبيعيات والآلهيات. فيوضع الفكر العلمي الطبيعي بين المنطق والطبيعيات، والفكر الأخلاقي الإجتماعي السياسي مع الفكر الديني في الآلهيات. ولا فرق في ذلك بين التراث اليوناني القديم، والتراث الغربي الوسيط، والتراث الغربي الحديث.

وقد تم تقسيم الفكر الديني الغربي في هذه المراحل الثلاثة الشهيرة: القديم والوسيط والحديث. فالشرق القديم حضارات مستقلة بذاتها.والحضارة الإسلامية بالرغم من تأثرها بالحضارة اليونانية وأثرها في الحضارة الأوروبية الا أن فتراتها المتميزة وحضارتها المستقلة. وإنقسم الوسيط الى مرحلتين، عصر آباء الكنيسة في القرن الأول حتى القرن السابع والعصر المدرسي في القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر. وإنقسم العصر الحديث الى خمسة مراحل: الإصلاح الديني وعصر النهضة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والعقلانية والتجريبية في القرن السابع عشر والتنوير في القرن الثامن عشر، والمثالية والوضعية في القرن التاسع عشر، والوجودية والبرجماتية في النصف الأول من القرن العشرين، والعلوم الإنسانية خاصة اللسانيات والأنثربولوجيات في النصف الثاني من القرن العشرين.

وبالرغم من هذا التطور التاريخي للفكر الديني في الفلسفة الغربية الا أن هنالك موضوعات واحدة مستمرة عبر المراحل الثلاثة مثل الله، والنفس، والمعرفة والخلاص، والخلود والثواب والعقاب. وهي موضوعات تندرج تحت المباحث العامة للفلسفة: نظرية المعرفة التي تشيد في الفكر الديني الى موضوعات النبوة والوحي والتأويل والرمز، والعقل والتفكر، والفلسفة والدين والمعارف الاشراقية، ونظرية الوجود التي تشير الى الله بإعتبار الوجود المطلق وعلاقته بالوجود النسبي وهو وجود العالم، ومسائل القدم والحديث والجوهر والأعراف والوحدة والكثرة، والعلة والمعلول، والواجب والممكن، ونظرية العبر التي تشير الى الخير والشر، والثواب والعقاب، والفضيلة والرذيلة، والحلال والحرام. فالموضوعات واحدة وإن تغيرت مراحل التاريخ.

وبطبيعة الحال يمكن رصد تطور الفكر الديني الغربي في خط مواز لتطور الظروف الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والتاريخية. وفي هذه الحال يرد الفكر الى التاريخ. ويمكن أيضاً عرض تطور الفكر الديني الغربي من خلال الموضوعات الرئيسية فيه حتى تظهر أنماط الفكر وبنيته وكافة الإحتمالات الممكنة في التفكير حول موضوع واحد. لا يعني ذلك إسقاط التاريخ الإجتماعي إنما يعني فقط أن التاريخ هو تاريخ أفكار من أجل دعوة القارئ الى التفكير مع المفكرين.

ضمن هذه المنهجية يأتي هذا البحث الذي يتناول المؤلف من خلاله تطور الفكر الديني الغربي في الأسس و التطبيقات. مصراً في دراسته هذه على أمهات المذاهب والتيارات مع ذكر لأهم أصحابها ومواضيعهم وأهم مؤلفاتهم وأفكارهم. فالفكر الديني الغربي إرتبط بأصحابه الذين أنتجوه حتى لقد إشتقت المذاهب من أسماء أصحابها قبل الأفلاطونية، والأرسطية، والأدغسطينية، والتومارية، والديكارتيه، والطانطية، والهجيلية، والماركيسية…الخ. وحرصاً على الوعي التاريخي فقد قام المؤلف بوضع تاريخ الميلاد والوفاة لكل مفكر وفيلسوف قدر الإمكان.

ليون تروتسكي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 20

ليون تروتسكي ( اسمه الحقيقي ليف دافيدوفيتش برونشتاين) هو ماركسي بارز واحد زعماء ثورة اكتوبر في روسيا عام 1917 اضافة الى الحركة الشيوعية العالمية في النصف الاول للقرن الماضي ومؤسس التروتسكية بصفتها احدى فصائل الشيوعية التي تدعو الى الثورة العالمية الدائمة وهو أيضا مؤسس الجيش الاحمر وعضو المكتب السياسي في الحزب البلشفي ابان حكم لينين.
ولد ليف برونشتاين في 25 اكتوبر/تشرين الاول عام 1879 في أوكرانيا بالامبراطورية الروسية في عائلة يهودي من أصحاب العقارات. واجاد ليون في طفولته اللغتين الروسية والاوكرانية بالاضافة الى لهجة الاقليم الالماني الشمالي.
ترعرع ليون تروتسكي في ايام شبابه والدراسة (اعوام 1889 – 1895) في عائلة ابن خاله صاحب دار النشر والطباعة في مدينة اوديسا بجنوب اوكرانيا.
عام 1896 شارك ليون تروتسكي في احدى الجمعيات الثورية بمدينة نيكولايف الاوكرانية والتي قامت بالدعاية للافكار الثورية بين العمال. كما شارك عام 1897 بتأسيس اتحاد العمال في جنوب روسيا. وتم اعتقاله عام 1898 ونفيه الى مقاطعة إركوتسك في سيبيريا، فهرب من المنفى الى خارج روسيا حيث التحق بالحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي الذي انضم اثناء انعقاد مؤتمره الثاني عام 1903 الى جناحه اليميني الذي اطلق عليه حركة المناشفة.
في عام 1905 وضع تروتسكي نظرية الثورة الدائمة التي تدعو الى اشعال ثورات متتالية في بلدان مختلفة لتقوم الثورة العالمية.
اشاد فلاديمير لينين بنشاط تروتسكي الثوري وعينه عضوا في هيئة تحرير صحيفة “اسكرا” (الشرارة) التي كانت توزع بطريقة سرية بين عمال روسيا في مدنها الكبرى.
في عام 1905 اندلعت الثورة في روسيا وعاد تروتسكي الى الامبراطورية ليترأس مجلس نواب العمال في مدينة بطرسبورغ. وتم اعتقاله واصدر بحقه حكم تجريده من كافة الحقوق المدنية وابعاده عن المدن الكبيرة الى سيبيريا. الا انه هرب من المنفى مرة اخرى الى الغرب حيث قام في اعوام 1908 – 1912 بتحرير صحيفة “برافدا”.
بعد اندلاع الحرب العالمية الاولى كان تروتسكي احد الدعاة الى عقد مؤتمر زيمروالد عام 1915 الذي أدان الحرب العالمية ووصفها بانها حرب امبريالية موجهة ضد العمال والطبقات الفقيرة في العالم كله.
في عام 1916 قامت السلطات الفرنسية بتهجير تروتسكي الى اسبانيا لاتخاذه الموقف الموالي لألمانيا على حد وصفها. ثم انتقل الى الولايات المتحدة.
بعد قيام ثورة فبراير عام 1917 في روسيا قرر تروتسكي العودة الى الوطن. لكن السلطات العسكرية البريطانية اشتبهت في كونه سياسيا قد يؤثر سلبا على تطور الاحداث في روسيا. لذلك احتجزته وارسلته الى سفينة احتجز فيها البحارة التجاريون الالمان. الا ان الحكومة المؤقتة وجهت برقية الى السلطة الريطانية بطلب الافراج عنه باعتباره مناضلا ضد القيصر. فاطلق سراحه، وعاد تروتسكي الى روسيا في 4 مايو/آيار عام 1917 واصبح يتخذ موقفا معاديا للحكومة المؤقتة فاعتقلته الحكومة واتهمته بالتجسس لصالح ألمانيا، شأنه شأن لينين وأنصاره الذين اضطروا الى الاختفاء وممارسة النشاط السري طول صيف عام 1917 .
شهد المؤتمر السادس للحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي (الحزب البلشفي) الذي عقد في شهر يوليو/تموز عام 1917 التوحيد بين انصار لينين وأنصار تروتسكي الذي ما زال سجينا في سجن بطرسبورغ بتهمة التجسس. وتم انتخاب تروتسكي عضوا في اللجنة المركزية للحزب البلشفي. وبعد فشل محاولة الانقلاب برئاسة الجنرال كورنيلوف تم الافراج عن تروتسكي بكفالة. وفي 20 سبتمبر/ايلول تم انتخابه رئيسا لمجلس نواب العمال والجنود في بتروغراد الذي لعب دورا رئيسيا في الانقلاب على حكومة كيرينسكي.
بعد قيام ثورة اكتوبر في روسيا وتولي البلاشفة السلطة في بتروغراد شغل تروتسكي منصب وزير الحربية ورئيس المجلس العسكري الثوري في الجمهورية الروسية السوفيتية. واتخذ تروتسكي خطوات رامية الى استعادة القدرة القتالية للجيش الذي انهار إثر توقيع اتفاقية السلام الانفصالية مع ألمانيا.
كان تروتسكي منظرا رئيسيا لسياسة الارهاب الاحمر التي رأها بمثابة اداة اساسية لقمع طبقة محكوم عليها بالموت على حد تعبيره. ومارس تروتسكي مبادئ الصراع الطبقي على كافة الاصعدة.
كان تروتسكي يسعى دوما الى تولي زمام السلطة في الحزب والدولة. لكن لينين الذي حظي في مرحلة الثورة والحرب الاهلية بشعبية اكبر منه حال دون وقوع ذلك.
الا انه بعد موت لينين عام 1924 احتدم الصراع من اجل السلطة بينه وبين ستالين الذي تمكن من عزل انصار تروتسكي في الحزب واشعال خلافات بينه من جهة وانصاره من جهة اخرى.
في عام 1926 تم اعفاء تروتسكي عن العضوية في المكتب السياسي في الحزب البلشفي بتهمة النشاط المعادي للحزب وتهجيره عام 1929 الى تركيا. اما انصاره في الحزب الذين اعترفوا باخطائهم مثل زينوفيف وكامينيف وراديك وانتونوف – اوفسينكو وغيرهم فاعدمهم كلهم ستالين في ثلاثينات القرن الماضي.
في عام 1932 تم نزع تروتسكي عن جنسية الاتحاد السوفيتي، فانتقل الى فرنسا ثم الى الدنمارك والنرويج عام 1935 .
اعتقلت حكومة النرويج تروتسكي وصادرت مؤلفاته كلها خشية لتأثيره السلبي على الوضع الداخلي في البلاد . واضطر الى مغادرة البلاد خوفا من تلسيمه الى الحكومة السوفيتية.
في عام 1936 هاجر تروتسكي الى المكسيك حيث اقام في منزل الفنان ديوغو ريفيرا .
أعلن تروتسكي عام 1938 قيام الاممية الرابعة (المنظمة تضم الاحزاب التروتيكية في العالم كله) التي لا تزال قائمة لحد الآن. ويحظى نشطاءها بنوع من الشعبية في بعض الدوائر الشبابية لبعض دول العالم وخاصة في امريكا اللاتينية. وتجدر الاشارة الى دور لعبه التروتسكيون في الاضطرابات الطلابية عام 1968 في باريس.
اقيمت عام 1937 في الاتحاد السوفيتي المحاكمة على تروتسكي التي اصدرت بحقه حكم الاعدام الغيابي.
تعرض تروتسكي في مايو/آيار عام 1940 لمحاولة الاغتيال الفاشلة التي ترأسها المكسيكي سيكيروس الستاليني والفنان المعروف.
في اغسطس/آب عام 1940 قام عنصر المخابرات الستالينية رامون مركادر باغتيال تروتسكي في المكسيك. واصيب تروتسكي بجرح خطير في رأسه على يد مركادر ومات في المستشفى يوم 21 اغسطس/أب عام 1940.

نضرية مونتسكيو في فصل السلطات

كاتب الموضوع الأصلي: رياض الغامدي

الشبكة العربية العالمية – فيلسوف فرنسي من ابرز المنادين بفصل السلطات ,وقد عرض نظريته في كتابه الشهير “روح القوانين” de l’esprit des lois الصادر سنة:1748 بجنيف في 31 جزءا ,وهي من ابرز المراجع في العلوم السياسية .

وقد حدد مونتسكيو نظم الحكم في مايلي:

– النظام الملكي: ينتقل فيه الحكم عن طريق الوراثة.

– النظام الجمهوري: نظام يحكم فيه الشعب اوممثلوه, ويرتكز الحكم على الوطنية.

– النظام الديكتاتوري : يقوم على اساس الحكم المطلق ,بنهج اسلوب التخويف والارهاب في حق المدنيين.

يرى مونتسكيو بان مبرر كل نظام حكم هوضمان حرية الانسان وصيانة حقوقه , من اجل ذلك يجب الفصل بين السلطات والحفاظ على التوازن بينها.

-السلطة التشريعية : مهمتها وضع القوانين وتعديلها والغاؤها ,ثم مراقبة تنفيذها ,وتتكون من مجلسين .

المجلس الاول : مجلس ديموقراطي يضم النواب الممثلين للشعب ,وينتخب اعضاؤه عن طريق الاقتراع العام .

المجلس الثاني : مجلس ارستقراطي يتكون من النبلاء ,وهو مجلس وراثي .

يرى مونتسكيو بان اختصاصات المجلسين متساوية ,الا انه في حالة التعارض بينهما يقتصر اختصاص المجلس الثاني على حق الاعتراض فقط.

-السلطة التنفيذية :تناط بها مهمة تنفيذ القانون ,وتدخل في اختصاصاتها كذلك العلاقات الديبلوماسية مع الدول ,وحماية الامن الداخلي و الخارجي ,وتوضع هذه السلطة بيد الملك.

السلطة القضائية : ينحصر اختصاصها في المنازعات وتوقيع العقوبات على المجرمين ,وتتكون من قضاة منتخبين من لدن الشعب مهمتهم الاساسية هي تطبيق احكام القانون .

فصل السلطات الثلاث –حسب مونتسكيو- ضروري للاعتبارات الاتية :

-السلطة لا تحدها الا السلطة , عن طريق المراقبة المتبادلة على اساس التعاون والتوازن والمرونة.

-الاعتراف للملك بما يسمى الفيتو التشريعي .

– حق السلطة التشريعية في مراقبة كيفية تطبيق القوانين ,ومراقبة اعمال السلطة التنفيذية .

– مسئولية الوزراء امام الهيئة التشريعية .

-الملك غير مسئول امام البرلمان.

-استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية ,الا ان مونتسكيو يشرك السلطة التشريعية في ممارسة الوظيفة القضائية في ثلاثة حالات هي:

1)محاكمة النبلاء امام مجلسهم .

2) يتحول المجلس التشريعي الشعبي الى محكمة عندما يتبين بان قانونا ما يعد قاسيا ,ويحق لهذا المجلس تعديله ,وهوما يسمى بحق العفو في المسائل الجنائية.

3) يباشر المجلس الشعبي سلطة الاتهام امام مجلس النبلاء في الجرائم التي تشكل عدوانا على حق الشعب خاصة في الجرائم السياسية .

رغم ان مونتسكيو استلهم نظريته من تجربة النظام السياسي الانجليزي , فقد كان لها العديد من المؤيدين في اروبا ,كما اثرت هذه المبادئ في دستور الولايات المتحدة الامريكية ,وفي اعلان حقوق الانسان و المواطن ,وعلى دساتير عدد من الانظمة في العصر الراهن .ومع ذلك تجدرالاشارة الى ان مونتسكيو كان يعتقد بعدم جواز انتقال الحكم بين طبقات المجتمع المختلفة ,ولم ير احقية عامة الشعب في الحكم .وكان من مؤيدي الملكية المقيدة وليس المطلقة لان هذه الاخيرة رمزا للدكتاتورية حسب رايه .

مراحل تطور و خصائص النظام الدولي الجديد

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله المخلف13

برز على الساحة الدولية مصطلح النظام الدولي الجديد ليعبر عن حقبة جديدة في العلاقات الدولية لها سماتها وخصائصها المميزة والتي بشر بها البعض على أنها نهاية التاريخ بينما يراها الأكثرية مجرد مرحلة من مراحل تطور العلاقات الدولية التي مرت عبر تاريخها بالعديد من الدورات والنظم وستأتي وتنتهي كغيرها ليحل محلها نظام دولي جديد ومرحلة لاحقة من مراحل العلاقات بين الدول.

لذلك سوف نسلط الضوء على هذا الموضوع من خلال تناول تعريف النظام الدولي ، ومراحل تطوره، والمقصود بمصطلح النظام الدولي الجديد ثم ننتقل لعرض أبرز خصائص هذه المرحلة.

أولا: تعريف النظام الدولي:

يقصد بالنظام الدولي مجموعة الوحدات السياسية -سواء على مستوى الدولة أو ما هو أصغر أو أكبر- التي تتفاعل فيما بينها بصورة منتظمة ومتكررة لتصل إلى مرحلة الاعتماد المتبادل مما يجعل هذه الوحدات تعمل كأجزاء متكاملة في نسق معين.وبالتالي فإن النظام الدولي يمثل حجم التفاعلات التي تقوم بها الدول والمنظمات الدولية والعوامل دون القومية مثل حركات التحرير والعوامل عبر القومية مثل الشركات المتعددة الجنسية وغيرها.

ثانيا: تطور النظام الدولي:

المرحلة الأولى 1648 – 1914

تبدأ هذه المرحلة من معاهدة وستفاليا سنة 1648 والتي أنهت الحروب الدينية وأقامت النظام الدولي الحديث المبني على تعدد الدول القومية واستقلالها، كما أخذت بفكرة توازن القوى كوسيلة لتحقيق السلام وأعطت أهمية للبعثات الدبلوماسية، وتنتهي هذه المرحلة بنهاية الحرب العالمية الأولى.

وكانت قوة الدولة مرادفة لقوتها العسكرية، وكانت أوروبا تمثل مركز الثقل في هذا النظام. أما الولايات المتحدة الأميركية فكانت على أطراف هذا النظام ولم يكن لها دور فعال نتيجة سياسة العزلة التي اتبعتها.

كانت الفكرة القومية هي الظاهرة الأساسية في النظام الدولي فهي أساس قيام الدول وأساس الصراع بين المصالح القومية للدول، ولم تكن الظواهر الأيدولوجية الأخرى قد ظهرت بعد مثل الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية وغيرها.

المرحلة الثانية 1914 –1945 Multi-polarity

تبدأ هذه المرحلة من الحرب العالمية الأولى وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، وقد تميزت هذه المرحلة بزوال أربع امبراطوريات ،كما اقتحمت أوروبا موجة جديدة من الجمهوريات ،وتحول عدد كبير من الدول الأوربية لديكتاتوريات ، وشجع حق تقرير المصير على ظهور قوميات جديدة طالبت بالاستقلال، وظهرت الولايات المتحدة كدولة ذات نفوذ وأخيرا ظهرت اليابان وروسيا كدولتتي عظميين، ومن أجل ذلك اتسمت هذه المرحلة بالأزمات التي أدت إلى عدم التفاهم بين الدول ومن ثم نشوب الحرب العالمية الثانية.

المرحلة الثالثة 1945- 1989
نشأت مع الحرب العالمية الثانية وامتدت حتى عام 1989م والتي وصفت بأنها مرحلة (الحرب الباردة) واتسمت بالثنائية القطبية Bipolarity حيث شهدت هذه المرحلة صعوداً سريعاً لقوتين كبيرتين متنافستين هما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية. وكانت القنبلتان النوويتان اللتان ألقتهما الولايات المتحدة الأمريكية على “هيروشيما ونجازاكي” في شهر أغسطس عام 1945م إيذاناً ببدء عصر تكون لأمريكا فيه اليد الطولى، سواء كان ذلك على الصعيد العسكري أم السياسي أم الإقتصادي، إذ تم تدعيم الموقف العسكري بموقف سياسي من خلال مبدأ ترومان المعلن في مارس 1947م، واقتصادياً ببرنامج (مارشال) للمساعدات المعلن في يونيو 1947م والذي ساعد على إعادة إعمار أوروبا الغربية واليابان، كما ساعد في تدعيم الاقتصاد الأمريكي.
وخلال هذه المرحلة ظهرت الأيدولوجية كإحدى أهم الظواهر في المجتمع الدولي وأخذ الانقسام داخل النظام الدولي يأخذ طابع الصراع الأيدولوجي بين المعسكر الشرقي الاشتراكي والمعسكر الغربي الرأسمالي، وتبع ذلك ظهور عدد من الظواهر مثل الحرب الباردة والتعايش السلمي والوفاق الدولي وغيرها.

المرحلة الرابعة 1989 حتى الآن

تبدأ هذه المرحلة من نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي بانهيار الاتحاد السوفيتي وحتى الآن، ويطلق عليها النظام الدولي الجديد وأخيراً العولمة، وتعود بدايات شيوع هذا المفهوم إلى حرب الخليج الثانية (1990) حيث بدأت الدعاية الأميركية بالترويج لهذا المفهوم ،حيث ظهر لأول مرة عند إعلان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب من على منصة قاعة اجتماع الهيئة التشريعية لمجلس النواب الأمريكي في 17 يناير 1991 بداية النظام العالمي الجديد New World ويلاحظ استخدام كلمة Order ولم يستخدم كلمة System مثلاً وذلك لأن في كلمة Order من القسر والتوجيه والأمر ما ليس في غيره.ونتناول فيما يلي أهم خصائص النظام الدولي الجديد.

ثالثا:خصائص النظام الدولي الجديد:

1- القطبية الأحادية Uni-polarity:
فالسمة الأساسية هي هيمنة hegemony الولايات المتحدة على النظام الدولي من الناحية السياسية والعسكرية ، وانفرادها بقيادة العالم والتصرف بصورة فردية دون حاجة للحلفاء بدلاً من القطبية الثنائية السابقة.
· فعلى المستوى السياسي قامت أمريكا بدور المنظم للمجتمع الدولي، وراود الكثيرين في العالم الأمل بانتهاء الحرب والاتجاه بخطوات ثابتة نحو السلام العالمي، ومنذ أحداث 11 سبتمبر ظهرت نوعية جديدة من الاستقطاب وحلت ثنائية جديدة تتمثل في مواجهة بين الولايات المتحدة وقوى الإرهاب ودول وصفتها أميركا بالدول المارقة والتي تشكل ملاذاً للإرهاب. وفي هذا الصدد كشف التحرك الفردي للولايات المتحدة تجاه الحرب على أفغانستان واحتلال العراق عن عجز أوروبا عن أن تشكل قوى سياسة تتبوأ مكاناً يليق بقوتها إلى درجة وصفها بأنها عملاق اقتصادي لكنها ليست سوى قزم سياسي.
· وعلى المستوى العسكري استندت الولايات المتحدة في فرض زعامتها على العالم، إلى قوتها العسكرية والنووية الكبيرة،مما أدى إلى انفرادها بالقرارات العسكرية دون الالتزام بالشرعية الدولية،بحكم قوتها الاقتصادية والعلمية والعسكرية في مجال الاستخبارات والتجسس الالكتروني والمراقبة بواسطة الأقمار الاصطناعية والعدة الحربية المتطورة من السفن والطائرات والمدفعيات والصواريخ الرشاشات… ،كما يتسم النظام الدولي الجديد بحل الأحلاف العسكرية الاشتراكية السابقة كحلف وارسو، إقامة القواعد العسكرية الأمريكية في مناطق مختلفة من العالم وخاصة في الشرق الأوسط- كالكويت والسعودية وقطر والضغط على الدول المنتجة للسلاح وخاصة النووي كإيران وكوريا الشمالية.
· وعلى المستوى الثقافي نجد هيمنة العولمة الثقافية الغربية والأمريكية تحديدا، وتسخيرها لآليات إعلامية وفنية ولغوية لفرض نفوذها وتهديد وجود الهويات الثقافية المحلية على الصعيد العالمي ويطلق عليها البعض ثقافة الكاوبوي.
· أما على المستوى الاقتصادي فيمكن القول أن النظام الحالي هو نظام متعدد الأقطاب تبرز فيه قوى اقتصادية كبرى سواء في أوروبا أو في دول شرق آسيا ،خاصة مع تصاعد حدة الأزمة المالية العالمية التي أظهرت هشاشة الاقتصاد الأمريكي.
2- تعدد الفاعلين الدوليين:

بتعدد وتوزع مصادر السلطة على مستوى العالم نتيجة تصاعد قوة الشركات المتعددة الجنسية والمنظمات عبر القومية والمنظمات غير الحكومية التي أصبحت تشكل تحدياً لسيادة الدولة وسلطتها،كما يمكن القول إن النظام الدولي قد عرف فاعلا جديدا كعنصر من عناصر المجتمع الدولي يتمثل في عولمة الإرهاب، فقد خرج الإرهاب من رحم العولمة الأمريكية ليمثل نوعاً من العولمة المضادة، وهو فاعل ليس قطرياً ولا إقليمياً ولا يمر عبر مؤسسات الدول وله مقوماته الذاتية واستقلاليته وكثير من الجماهير المتعاطفة معه ، وهناك أيضا تزايد دور منظمات ولجان حقوق الإنسان والدفاع عن البيئة.

3- تعدد الدول:

يتسم النظام الدولي الجديد بزيادة عدد الدول الداخلة فيه فبعد أن كانت الدول الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة 51 دولة من بينهم مصر أصبح اليوم عدد الدول الأعضاء 203 دولة تشمل جميع القارات، ومن ثم سقط مفهوم الاجماع حول الأولويات الدولية.

ويطلق البعض على هذه المرحلة مرحلة الإستقطاب Polarization ،حيث يرى بعض المحللين أن السنوات القادمة وتحديدا خلال العقد الثاني من القرن الحادي ‏والعشرين ستعيد الى الواجهة عدد من المتنافسين العالميين المتنمرين الصغار كالهند واليابان الى ‏الساحة الدولية وعودة بعض القوى الكبرى كالصين وروسيا الى رقعة الشطرنج الدولية كذلك ‏كدول متحدية ومنافسه للولايات المتحدة الاميركية ، وهو ما سيحول النظام الى نظام تعددي أكثر ‏من ميوله الى نظام ثنائي القطب ، ولكن سيكون أقرب الى التعددية القطبية الفضفاضة منه الى ‏المحكمة ، حيث سيبدو نظام التعددية القطبية فيه على شكل تحالفات بدلا من تكتلات.

وفي مقال للكاتب “دانيال دريزنر” تحت عنوان “ما بعد النظام العالمي الجديد” أو “جديد النظام العالمي الجديد” The New New World Order والذي نشرته مجلة Foreign affairs 2006، حيث يوضح أن المعطيات التي فرضها الواقع الدولي من تصاعد قوى ذات ثقل اقتصادي وسياسي متنام أصبحت محددات لا يمكن لأمريكا غض الطرف عنها. وفي سبيل بحث الولايات المتحدة عن مصالحها ربما تجد من الأفضل أن تتلاقى مصالحها مع مصالح هذه القوى المتنامية؛ لتعيد تشكيل النظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب ، غير أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تأسيس جديد لنظام متعدد الأقطاب بقدر ما تسعى إلى احتواء هذه القوى الصاعدة، وخاصة العملاقين الصيني والهندي.

4- وجود السلاح النووي وسيادة مبدأ توازن الرعب النووي:

كانت إستراتيجية الولايات المتحدة العسكرية تتبنى سياسة الردع والاحتواء مع الاتحاد السوفياتي والدول المعادية الأخرى، وتقوم هذه السياسة على إقناع العدو بضرورة الابتعاد عن تهديد الأمن والمصالح الأميركية خوفاً من اللجوء إلى الأسلحة النووية والتدمير الشامل، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي اتجهت السياسة الأمنية الأميركية نحو تقليل تدخل الولايات المتحدة عسكرياً في الخارج وظهر هناك نوع من التوافق الدولي نحو تجنب الحرب والعمل على تسوية المنازعات بالطرق السلمية.

إلا أنه بعد أحداث 11 سبتمبر تحولت هذه الإستراتيجية نحو إعطاء أولوية للحرب على الإرهاب وتبني سياسة الضربات الوقائية ، وفي الوقت نفسه احتفظت السياسة الأميركية لنفسها بحق استخدام الأسلحة النووية بشكل محدود ضد الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة دول مارقة ترعى الإرهاب وتهدد السلم العالمي بامتلاكها لأسلحة الدمار الشامل مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية، وقد قادت هذه السياسة إلى وجود مفهوم جديد للأمن .

أما على صعيد الأسلحة الإستراتيجية، فإن التوجه الدولي العام هو ضبط مثل هذه الأسلحة، خصوصاً وأن اتفاقية [ستارت2] START2 بين الولايات المتحدة وروسيا في العام 1993 قضت بتخفيض الترسانتين النوويتين بنسبة عالية. وهناك تعاون روسي – أميركي لضبط الأسلحة النووية الموجودة في أوكرانيا وروسيا البيضاء وكازاخستان. على أن التفجيرات النووية المتلاحقة في الهند وباكستان، وامتلاك إسرائيل لمئات الرؤوس النووية، من العلامات البارزة على انتشار السلاح النووي وبقاء المخاطر المهدّدة للإنسانية.

وفي نفس الوقت عقد مؤتمر الانتشار النووي بنيويورك في الفترة من 3مايو إلى 28 مايو الجاري لضبط المخزون النووي وتقنيات استعمالاته الحربية والغرض المباشر من هذا المؤتمر هو طبعاً ضبط المخزون النووي في دول الاتحاد السوفياتي السابق لمنع تسربه إلى الشبكات المعادية، وفي الوقت نفسه التضييق على الدولتين غير الخاضعتين لهذه المنظومة (إيران وكوريا الشمالية) لمنع تسريبهما التقنية والمواد لأطراف ما.

5- اضمحلال دور القانون الدولي وازدواجية المعايير:

ثمة مشاهد عن تجاهل القانون الدولي العام، أو عن التناقض في تطبيق قواعده في غير منطقة من العالم، سواء بالنسبة لحقوق الإنسان، أو حفظ السلام، أو حماية البيئة الطبيعية من التلوث والتدمير… ، حيث نجد ازدواجية في المعايير وتجاوزات عديدة في مفهوم حقوق الإنسان ، فحصار العراق على مدى سبع سنوات سبّب أضراراً بالغة في أوساط الشعب العراقي، من وفيات الأطفال إلى التهديد البيولوجي لحياة الملايين من المدنيين. هذا رغم احتجاجات الصليب الأحمر الدولي ومنظمة الصحة العالمية على الإبادة الجماعية، المنافية للقانون الدولي،
كما سبّب حظر التجارة الأميركية المضروب على كوبا زيادة معدل الوفيات، وانتشار الأمراض التي تحملها المياه، وفي فلسطين تستمر انتهاكات القواعد الدولية من خلال الأوضاع المأساوية للمساجين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

6- تآكل سيادة الدول :

في الوقت نفسه تدهورت سلطة الدولة القومية ومن ثم سيادة الدولة وتضاءل دور المنظمات الدولية في تسوية الصراعات الدولية وحل المشكلات الدولية ليحل محلها دور الولايات المتحدة قائدة العالم ،ويعود تراجع مكانة الدولة في العلاقات لعدة عوامل أهمها:

· بروز فاعلين أقوياء في شبكة التفاعلات الدولية: الشركات المتعددة الجنسية، المنظمات الإقليمية والدولية، المنظمات غير الحكومية، رجال الأعمال، الأسواق التجارية..الخ.

· التحول في سلوك المنظمات الدولية، فقد كانت المنظمات الدوليــة في السابق عبارة عن مؤسسات تابعة للدولة القومية، أما الآن فقد غدا للمنظمات الدولية وجود متميز ومستقل عن إرادات الدول المنشئة لها. وليس أدل على ذلك من إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1991م الذي أيد التدخل الإنساني من دون طلب أو حتى موافقة الدولة المعنية كما حدث من استخدام القوة لمصلحة “السكان المدنيين” في الصومال.

· التحول الكبير الذي طرأ على مفهوم السيادة للـدولة القومية، حيــث أنهت الاختراقات الثقافية والإعلامية الوظيفة الاتصالية للدولة، ما جعل من نظرية سيادة الدولة نظرية خالية من المضمون. وليست عملية التشابك الاقتصادي الدولي التي جعلت من سيطرة الدول على عملها أمراً غير واقعي، إلا إحدى تجليات انتهاء السيادة بمفهومها السابق.

7- استمرار عدم التوازن في القوى:

نلاحظ أن مجلس الأمن الدولي لا يزال يعكس موازين القوى السائدة منذ مؤتمر يالطا عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد الحرب الباردة، فما زالت الدول تستخدم حق الفيتو إلا أنه برز النفوذ الأميركي في قرارات هذا المجلس، انعكاساً لموازين القوى الجديدة بعد انهيار الإتحاد السوفياتي. فالقرارات المتعلقة بالغزو العراقي للكويت جاءت من دون اعتراض دولة من الدول الدائمة العضوية خاصة بعد غياب “الفيتو السوفييتي” .

8- تغير مفهوم القوة وظهور المنظمات الاقليمية:

في السابق كانت القوة العسكرية تتمتع بمزايا لا مثيل لها في تحقيق الفائدة السياسية والاقتصادية للدولة. لكن تحولات العصر وتطوراته قد جعلت الأداة الاقتصادية في سلم أدوات السياسة الخارجية وأصبحت القوة الاقتصادية المقياس الفعلي لقوة الدولة، وقد ترتب على هذا الأمر ما يأتي:

· ‌أصبحت هناك دول تمتلك قدرات عسكرية فائقة، ومع ذلك فإن أمنها مهدد مثل روسيا.

· ‌وكذلك أصبحت هناك دول لا تمتلك قدرات عسكرية جبارة ومثالها اليابان، ومع ذلك فإن أمنها غير مهدد.

· ‌تغيرت طبيعة التحالفات من تحالفات عسكرية إلى تحالفات ذات طبيعة اقتصادية ومثالها: النافتا، الاتحاد الأوروبي، آسيان، وابيك…الخ.

9- الميل نحو التكتلات الدولية الكبيرة:

من أبرز ملامح النظام الدولي الجديد هو اتجاهه نحو التعامل «الكتلي» أي إلى الكتل والمجموعات الكبرى ، إن لم تعد الدولة مرتكزاً أساسياً في رسم تصورات المستقبل مهما كان من حجم لهذه الدولة على المستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو السكاني ، ولذا فإن أنظمة الدول المستقلة لن تجد لها مكاناً بارزاً إلاّ من خلال تكتلات كبرى بدت ملامحها من المجموعة الأوربية التي تشكل أقوى قوة اقتصادية إلاّ أن هذه التكتلات لا تتوقف عند نقطة المصالح الاقتصادية بل تمد نظرها إلى أفق بعيد أرحب وأشمل للتحول بعد ذلك إلى كتل سياسية كبرى . ولعل نموذج الوحدة الأوربية واضح في هذا الأمر فالعصر القادم هو عصر التكتلات أو المجموعات السياسية الكبرى الذي تحتفظ فيه الدول القطرية بشخصيتها القانونية ومكانتها وسيادتها ، إلاّ أنها تدور في فلك واسع هو الكتلة التي تنتمي إليها .
10-الثورة التكنولوجية:

من السمات المميزة لهذه المرحلة الثورة الهائلة في وسائل الاتصال ونقل المعلومات وسرعة تداولها عبر الدول، والتي انعكست بشكل كبير على سرعة التواصل وفي معدل التغير. فإذا كانت البشرية قد احتاجت ما يقرب من 1800 عام حتى تبدأ الثورة الصناعية الأولى واحتاجت كذلك إلى مائة عام تقريباً حتى تدخل الثورة الصناعية الثانية، فقد احتاجت إلى ما لا يزيد على ربع قرن لتدخل الثورة الصناعية الثالثة التي نعيشها الآن عبر التطور الكبير في مجالات الفضاء والمعلومات، والعقول الالكترونية، والهندسة الفضائية.

ونتج عن ذلك عولمة المشكلات والقضايا التي تواجهها الجموع البشرية مثل الفقر والتخلف والتلوث البيئي والانفجارات السكانية وغيرها الكثير، حيث لم تعد تقتصر نتائج هذه المشكلات على دولة محددة أو مجموعة دول، وإنما تعدى ذلك إلى دول أخرى بعيدة جغرافيا.

11-خاصية اللاتجانس:

فالنظام السياسي الدولي يشكل نظاماً غير متجانس، حيث تتجلى مظاهر عدم التجانس في:

· حالة التباين الشديد بين وحدات النظام الدولي من حيث الحجم والقوة رغم تمتعها نظرياً بالسيادة والمساواة أمام القانون.

· العلاقة غير المتوازنة بين دول الشمال ودول الجنوب، فعلى صعيد التجارة الدولية تستحوذ الدول الصناعية النصيب الأعظم من النشاط التجاري العالمي في حين لا يمثل نصيب الدول النامية إلا قدراً ضئيلاً.

· وتظهر حالة انعدام التجانس في ازدياد الهوة التكنولوجية بين الشمال والجنوب، ما خلق حالة من التبعية التكنولوجية نتيجة سيطرة الشمال على أدوات الثورة العلمية والتكنولوجية.

12-تصاعد التوترات والصراعات:

فقد تزايدت التهديدات الإرهابية على الصعيد العالمي للمصالح الغربية والأمريكية تحديدا ، كما تزايدت التحديات البيئية التي تواجه العالم كالاحتباس الحراري والتصحر والتغيرات المناخية والأعاصير والفيضانات والتلوث،مع تزايد الحروب الأهلية والإقليمية بأسباب دينية أوعرقية أو اقتصادية مثل باكستان،الصومال،رواندا بروندي،رواندا وحاليا العراق وأفغانستان…ثم تنامي الهجرة القسرية بسبب الحروب والفقر والكوارث الطبيعية…وتزايد التوتر السياسي في الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان وإفريقياالوسطى.

كما تزايدت حملات الولايات المتحدة الأمريكية في العالم بعد نهاية الحرب الباردة فقد شنت حملة عسكرية شنيعة على العراق سنة 1991 أعقبها حصار اقتصادي ساحق إلى غاية سنة 2003،لتعود الولايات المتحدة وحلفائها إلى احتلال العراق دون موافقة الأمم المتحدة.كماتدخلت عسكريا بشكل منفرد في الصومال خلال سنتي 1992-1994.وفي سنة 1999 أقحمت حلف شمال الأطلسي في حملتها العسكرية على يوغوسلافيا،كما شنت غزوا عسكريا بغطاء أممي على أفغانستان في سنة 2001 وفي الفترة الحالية يتخوف المجتمع الدولي من تداعيات التهديدات والضغوط التي تشنها ضد إيران وكوريا الشمالية وسوريا .

ومن أجل ذلك قامت الولايات المتحدة بتقسيم العالم إلى مناطق إقليمية وتسهيل قيادة هذه المناطق الإقليمية للدول التي تقبل بالزعامة الأمريكية وتقبل أن تكون حليفة للولايات المتحدة الأمريكية؛ بحيث تتولى هذه الدول ضبط الأوضاع في هذه المناطق مما لا يضطر الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في كل صغيرة وكبيرة في العالم ما سيترتب على ذلك من تكاليف مالية وبشرية لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية تحملها.

ختاما ومن خلال استعراض أهم خصائص النظام الدولي الجديد في مرحلته المعاصرة يتبين أننا على أعتاب مرحلة جديدة تبدو فيها الولايات المتحدة بيدها خيوط التأثير الدولي إلا أنها في الوقت نفسه تؤمن بضرورة إفساح المجال للقوى الصاعدة إقتصاديا لا لتزاحمها في مجال الصدارة بل لاحتوائها وطيها في ركابها والأيام القادمة ربما تكشف عن ملامح مرحلة جديدة من النظام الدولي تشهد نوع من القطبية المتعددة ولكن من طراز مختلف.

مراحل تطور و خصائص النظام الدولي الجديد

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله المخلف13

برز على الساحة الدولية مصطلح النظام الدولي الجديد ليعبر عن حقبة جديدة في العلاقات الدولية لها سماتها وخصائصها المميزة والتي بشر بها البعض على أنها نهاية التاريخ بينما يراها الأكثرية مجرد مرحلة من مراحل تطور العلاقات الدولية التي مرت عبر تاريخها بالعديد من الدورات والنظم وستأتي وتنتهي كغيرها ليحل محلها نظام دولي جديد ومرحلة لاحقة من مراحل العلاقات بين الدول.

لذلك سوف نسلط الضوء على هذا الموضوع من خلال تناول تعريف النظام الدولي ، ومراحل تطوره، والمقصود بمصطلح النظام الدولي الجديد ثم ننتقل لعرض أبرز خصائص هذه المرحلة.

أولا: تعريف النظام الدولي:

يقصد بالنظام الدولي مجموعة الوحدات السياسية -سواء على مستوى الدولة أو ما هو أصغر أو أكبر- التي تتفاعل فيما بينها بصورة منتظمة ومتكررة لتصل إلى مرحلة الاعتماد المتبادل مما يجعل هذه الوحدات تعمل كأجزاء متكاملة في نسق معين.وبالتالي فإن النظام الدولي يمثل حجم التفاعلات التي تقوم بها الدول والمنظمات الدولية والعوامل دون القومية مثل حركات التحرير والعوامل عبر القومية مثل الشركات المتعددة الجنسية وغيرها.

ثانيا: تطور النظام الدولي:

المرحلة الأولى 1648 – 1914

تبدأ هذه المرحلة من معاهدة وستفاليا سنة 1648 والتي أنهت الحروب الدينية وأقامت النظام الدولي الحديث المبني على تعدد الدول القومية واستقلالها، كما أخذت بفكرة توازن القوى كوسيلة لتحقيق السلام وأعطت أهمية للبعثات الدبلوماسية، وتنتهي هذه المرحلة بنهاية الحرب العالمية الأولى.

وكانت قوة الدولة مرادفة لقوتها العسكرية، وكانت أوروبا تمثل مركز الثقل في هذا النظام. أما الولايات المتحدة الأميركية فكانت على أطراف هذا النظام ولم يكن لها دور فعال نتيجة سياسة العزلة التي اتبعتها.

كانت الفكرة القومية هي الظاهرة الأساسية في النظام الدولي فهي أساس قيام الدول وأساس الصراع بين المصالح القومية للدول، ولم تكن الظواهر الأيدولوجية الأخرى قد ظهرت بعد مثل الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية وغيرها.

المرحلة الثانية 1914 –1945 Multi-polarity

تبدأ هذه المرحلة من الحرب العالمية الأولى وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، وقد تميزت هذه المرحلة بزوال أربع امبراطوريات ،كما اقتحمت أوروبا موجة جديدة من الجمهوريات ،وتحول عدد كبير من الدول الأوربية لديكتاتوريات ، وشجع حق تقرير المصير على ظهور قوميات جديدة طالبت بالاستقلال، وظهرت الولايات المتحدة كدولة ذات نفوذ وأخيرا ظهرت اليابان وروسيا كدولتتي عظميين، ومن أجل ذلك اتسمت هذه المرحلة بالأزمات التي أدت إلى عدم التفاهم بين الدول ومن ثم نشوب الحرب العالمية الثانية.

المرحلة الثالثة 1945- 1989
نشأت مع الحرب العالمية الثانية وامتدت حتى عام 1989م والتي وصفت بأنها مرحلة (الحرب الباردة) واتسمت بالثنائية القطبية Bipolarity حيث شهدت هذه المرحلة صعوداً سريعاً لقوتين كبيرتين متنافستين هما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية. وكانت القنبلتان النوويتان اللتان ألقتهما الولايات المتحدة الأمريكية على “هيروشيما ونجازاكي” في شهر أغسطس عام 1945م إيذاناً ببدء عصر تكون لأمريكا فيه اليد الطولى، سواء كان ذلك على الصعيد العسكري أم السياسي أم الإقتصادي، إذ تم تدعيم الموقف العسكري بموقف سياسي من خلال مبدأ ترومان المعلن في مارس 1947م، واقتصادياً ببرنامج (مارشال) للمساعدات المعلن في يونيو 1947م والذي ساعد على إعادة إعمار أوروبا الغربية واليابان، كما ساعد في تدعيم الاقتصاد الأمريكي.
وخلال هذه المرحلة ظهرت الأيدولوجية كإحدى أهم الظواهر في المجتمع الدولي وأخذ الانقسام داخل النظام الدولي يأخذ طابع الصراع الأيدولوجي بين المعسكر الشرقي الاشتراكي والمعسكر الغربي الرأسمالي، وتبع ذلك ظهور عدد من الظواهر مثل الحرب الباردة والتعايش السلمي والوفاق الدولي وغيرها.

المرحلة الرابعة 1989 حتى الآن

تبدأ هذه المرحلة من نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي بانهيار الاتحاد السوفيتي وحتى الآن، ويطلق عليها النظام الدولي الجديد وأخيراً العولمة، وتعود بدايات شيوع هذا المفهوم إلى حرب الخليج الثانية (1990) حيث بدأت الدعاية الأميركية بالترويج لهذا المفهوم ،حيث ظهر لأول مرة عند إعلان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب من على منصة قاعة اجتماع الهيئة التشريعية لمجلس النواب الأمريكي في 17 يناير 1991 بداية النظام العالمي الجديد New World ويلاحظ استخدام كلمة Order ولم يستخدم كلمة System مثلاً وذلك لأن في كلمة Order من القسر والتوجيه والأمر ما ليس في غيره.ونتناول فيما يلي أهم خصائص النظام الدولي الجديد.

ثالثا:خصائص النظام الدولي الجديد:

1- القطبية الأحادية Uni-polarity:
فالسمة الأساسية هي هيمنة hegemony الولايات المتحدة على النظام الدولي من الناحية السياسية والعسكرية ، وانفرادها بقيادة العالم والتصرف بصورة فردية دون حاجة للحلفاء بدلاً من القطبية الثنائية السابقة.
· فعلى المستوى السياسي قامت أمريكا بدور المنظم للمجتمع الدولي، وراود الكثيرين في العالم الأمل بانتهاء الحرب والاتجاه بخطوات ثابتة نحو السلام العالمي، ومنذ أحداث 11 سبتمبر ظهرت نوعية جديدة من الاستقطاب وحلت ثنائية جديدة تتمثل في مواجهة بين الولايات المتحدة وقوى الإرهاب ودول وصفتها أميركا بالدول المارقة والتي تشكل ملاذاً للإرهاب. وفي هذا الصدد كشف التحرك الفردي للولايات المتحدة تجاه الحرب على أفغانستان واحتلال العراق عن عجز أوروبا عن أن تشكل قوى سياسة تتبوأ مكاناً يليق بقوتها إلى درجة وصفها بأنها عملاق اقتصادي لكنها ليست سوى قزم سياسي.
· وعلى المستوى العسكري استندت الولايات المتحدة في فرض زعامتها على العالم، إلى قوتها العسكرية والنووية الكبيرة،مما أدى إلى انفرادها بالقرارات العسكرية دون الالتزام بالشرعية الدولية،بحكم قوتها الاقتصادية والعلمية والعسكرية في مجال الاستخبارات والتجسس الالكتروني والمراقبة بواسطة الأقمار الاصطناعية والعدة الحربية المتطورة من السفن والطائرات والمدفعيات والصواريخ الرشاشات… ،كما يتسم النظام الدولي الجديد بحل الأحلاف العسكرية الاشتراكية السابقة كحلف وارسو، إقامة القواعد العسكرية الأمريكية في مناطق مختلفة من العالم وخاصة في الشرق الأوسط- كالكويت والسعودية وقطر والضغط على الدول المنتجة للسلاح وخاصة النووي كإيران وكوريا الشمالية.
· وعلى المستوى الثقافي نجد هيمنة العولمة الثقافية الغربية والأمريكية تحديدا، وتسخيرها لآليات إعلامية وفنية ولغوية لفرض نفوذها وتهديد وجود الهويات الثقافية المحلية على الصعيد العالمي ويطلق عليها البعض ثقافة الكاوبوي.
· أما على المستوى الاقتصادي فيمكن القول أن النظام الحالي هو نظام متعدد الأقطاب تبرز فيه قوى اقتصادية كبرى سواء في أوروبا أو في دول شرق آسيا ،خاصة مع تصاعد حدة الأزمة المالية العالمية التي أظهرت هشاشة الاقتصاد الأمريكي.
2- تعدد الفاعلين الدوليين:

بتعدد وتوزع مصادر السلطة على مستوى العالم نتيجة تصاعد قوة الشركات المتعددة الجنسية والمنظمات عبر القومية والمنظمات غير الحكومية التي أصبحت تشكل تحدياً لسيادة الدولة وسلطتها،كما يمكن القول إن النظام الدولي قد عرف فاعلا جديدا كعنصر من عناصر المجتمع الدولي يتمثل في عولمة الإرهاب، فقد خرج الإرهاب من رحم العولمة الأمريكية ليمثل نوعاً من العولمة المضادة، وهو فاعل ليس قطرياً ولا إقليمياً ولا يمر عبر مؤسسات الدول وله مقوماته الذاتية واستقلاليته وكثير من الجماهير المتعاطفة معه ، وهناك أيضا تزايد دور منظمات ولجان حقوق الإنسان والدفاع عن البيئة.

3- تعدد الدول:

يتسم النظام الدولي الجديد بزيادة عدد الدول الداخلة فيه فبعد أن كانت الدول الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة 51 دولة من بينهم مصر أصبح اليوم عدد الدول الأعضاء 203 دولة تشمل جميع القارات، ومن ثم سقط مفهوم الاجماع حول الأولويات الدولية.

ويطلق البعض على هذه المرحلة مرحلة الإستقطاب Polarization ،حيث يرى بعض المحللين أن السنوات القادمة وتحديدا خلال العقد الثاني من القرن الحادي ‏والعشرين ستعيد الى الواجهة عدد من المتنافسين العالميين المتنمرين الصغار كالهند واليابان الى ‏الساحة الدولية وعودة بعض القوى الكبرى كالصين وروسيا الى رقعة الشطرنج الدولية كذلك ‏كدول متحدية ومنافسه للولايات المتحدة الاميركية ، وهو ما سيحول النظام الى نظام تعددي أكثر ‏من ميوله الى نظام ثنائي القطب ، ولكن سيكون أقرب الى التعددية القطبية الفضفاضة منه الى ‏المحكمة ، حيث سيبدو نظام التعددية القطبية فيه على شكل تحالفات بدلا من تكتلات.

وفي مقال للكاتب “دانيال دريزنر” تحت عنوان “ما بعد النظام العالمي الجديد” أو “جديد النظام العالمي الجديد” The New New World Order والذي نشرته مجلة Foreign affairs 2006، حيث يوضح أن المعطيات التي فرضها الواقع الدولي من تصاعد قوى ذات ثقل اقتصادي وسياسي متنام أصبحت محددات لا يمكن لأمريكا غض الطرف عنها. وفي سبيل بحث الولايات المتحدة عن مصالحها ربما تجد من الأفضل أن تتلاقى مصالحها مع مصالح هذه القوى المتنامية؛ لتعيد تشكيل النظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب ، غير أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تأسيس جديد لنظام متعدد الأقطاب بقدر ما تسعى إلى احتواء هذه القوى الصاعدة، وخاصة العملاقين الصيني والهندي.

4- وجود السلاح النووي وسيادة مبدأ توازن الرعب النووي:

كانت إستراتيجية الولايات المتحدة العسكرية تتبنى سياسة الردع والاحتواء مع الاتحاد السوفياتي والدول المعادية الأخرى، وتقوم هذه السياسة على إقناع العدو بضرورة الابتعاد عن تهديد الأمن والمصالح الأميركية خوفاً من اللجوء إلى الأسلحة النووية والتدمير الشامل، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي اتجهت السياسة الأمنية الأميركية نحو تقليل تدخل الولايات المتحدة عسكرياً في الخارج وظهر هناك نوع من التوافق الدولي نحو تجنب الحرب والعمل على تسوية المنازعات بالطرق السلمية.

إلا أنه بعد أحداث 11 سبتمبر تحولت هذه الإستراتيجية نحو إعطاء أولوية للحرب على الإرهاب وتبني سياسة الضربات الوقائية ، وفي الوقت نفسه احتفظت السياسة الأميركية لنفسها بحق استخدام الأسلحة النووية بشكل محدود ضد الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة دول مارقة ترعى الإرهاب وتهدد السلم العالمي بامتلاكها لأسلحة الدمار الشامل مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية، وقد قادت هذه السياسة إلى وجود مفهوم جديد للأمن .

أما على صعيد الأسلحة الإستراتيجية، فإن التوجه الدولي العام هو ضبط مثل هذه الأسلحة، خصوصاً وأن اتفاقية [ستارت2] START2 بين الولايات المتحدة وروسيا في العام 1993 قضت بتخفيض الترسانتين النوويتين بنسبة عالية. وهناك تعاون روسي – أميركي لضبط الأسلحة النووية الموجودة في أوكرانيا وروسيا البيضاء وكازاخستان. على أن التفجيرات النووية المتلاحقة في الهند وباكستان، وامتلاك إسرائيل لمئات الرؤوس النووية، من العلامات البارزة على انتشار السلاح النووي وبقاء المخاطر المهدّدة للإنسانية.

وفي نفس الوقت عقد مؤتمر الانتشار النووي بنيويورك في الفترة من 3مايو إلى 28 مايو الجاري لضبط المخزون النووي وتقنيات استعمالاته الحربية والغرض المباشر من هذا المؤتمر هو طبعاً ضبط المخزون النووي في دول الاتحاد السوفياتي السابق لمنع تسربه إلى الشبكات المعادية، وفي الوقت نفسه التضييق على الدولتين غير الخاضعتين لهذه المنظومة (إيران وكوريا الشمالية) لمنع تسريبهما التقنية والمواد لأطراف ما.

5- اضمحلال دور القانون الدولي وازدواجية المعايير:

ثمة مشاهد عن تجاهل القانون الدولي العام، أو عن التناقض في تطبيق قواعده في غير منطقة من العالم، سواء بالنسبة لحقوق الإنسان، أو حفظ السلام، أو حماية البيئة الطبيعية من التلوث والتدمير… ، حيث نجد ازدواجية في المعايير وتجاوزات عديدة في مفهوم حقوق الإنسان ، فحصار العراق على مدى سبع سنوات سبّب أضراراً بالغة في أوساط الشعب العراقي، من وفيات الأطفال إلى التهديد البيولوجي لحياة الملايين من المدنيين. هذا رغم احتجاجات الصليب الأحمر الدولي ومنظمة الصحة العالمية على الإبادة الجماعية، المنافية للقانون الدولي،
كما سبّب حظر التجارة الأميركية المضروب على كوبا زيادة معدل الوفيات، وانتشار الأمراض التي تحملها المياه، وفي فلسطين تستمر انتهاكات القواعد الدولية من خلال الأوضاع المأساوية للمساجين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

6- تآكل سيادة الدول :

في الوقت نفسه تدهورت سلطة الدولة القومية ومن ثم سيادة الدولة وتضاءل دور المنظمات الدولية في تسوية الصراعات الدولية وحل المشكلات الدولية ليحل محلها دور الولايات المتحدة قائدة العالم ،ويعود تراجع مكانة الدولة في العلاقات لعدة عوامل أهمها:

· بروز فاعلين أقوياء في شبكة التفاعلات الدولية: الشركات المتعددة الجنسية، المنظمات الإقليمية والدولية، المنظمات غير الحكومية، رجال الأعمال، الأسواق التجارية..الخ.

· التحول في سلوك المنظمات الدولية، فقد كانت المنظمات الدوليــة في السابق عبارة عن مؤسسات تابعة للدولة القومية، أما الآن فقد غدا للمنظمات الدولية وجود متميز ومستقل عن إرادات الدول المنشئة لها. وليس أدل على ذلك من إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1991م الذي أيد التدخل الإنساني من دون طلب أو حتى موافقة الدولة المعنية كما حدث من استخدام القوة لمصلحة “السكان المدنيين” في الصومال.

· التحول الكبير الذي طرأ على مفهوم السيادة للـدولة القومية، حيــث أنهت الاختراقات الثقافية والإعلامية الوظيفة الاتصالية للدولة، ما جعل من نظرية سيادة الدولة نظرية خالية من المضمون. وليست عملية التشابك الاقتصادي الدولي التي جعلت من سيطرة الدول على عملها أمراً غير واقعي، إلا إحدى تجليات انتهاء السيادة بمفهومها السابق.

7- استمرار عدم التوازن في القوى:

نلاحظ أن مجلس الأمن الدولي لا يزال يعكس موازين القوى السائدة منذ مؤتمر يالطا عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد الحرب الباردة، فما زالت الدول تستخدم حق الفيتو إلا أنه برز النفوذ الأميركي في قرارات هذا المجلس، انعكاساً لموازين القوى الجديدة بعد انهيار الإتحاد السوفياتي. فالقرارات المتعلقة بالغزو العراقي للكويت جاءت من دون اعتراض دولة من الدول الدائمة العضوية خاصة بعد غياب “الفيتو السوفييتي” .

8- تغير مفهوم القوة وظهور المنظمات الاقليمية:

في السابق كانت القوة العسكرية تتمتع بمزايا لا مثيل لها في تحقيق الفائدة السياسية والاقتصادية للدولة. لكن تحولات العصر وتطوراته قد جعلت الأداة الاقتصادية في سلم أدوات السياسة الخارجية وأصبحت القوة الاقتصادية المقياس الفعلي لقوة الدولة، وقد ترتب على هذا الأمر ما يأتي:

· ‌أصبحت هناك دول تمتلك قدرات عسكرية فائقة، ومع ذلك فإن أمنها مهدد مثل روسيا.

· ‌وكذلك أصبحت هناك دول لا تمتلك قدرات عسكرية جبارة ومثالها اليابان، ومع ذلك فإن أمنها غير مهدد.

· ‌تغيرت طبيعة التحالفات من تحالفات عسكرية إلى تحالفات ذات طبيعة اقتصادية ومثالها: النافتا، الاتحاد الأوروبي، آسيان، وابيك…الخ.

9- الميل نحو التكتلات الدولية الكبيرة:

من أبرز ملامح النظام الدولي الجديد هو اتجاهه نحو التعامل «الكتلي» أي إلى الكتل والمجموعات الكبرى ، إن لم تعد الدولة مرتكزاً أساسياً في رسم تصورات المستقبل مهما كان من حجم لهذه الدولة على المستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو السكاني ، ولذا فإن أنظمة الدول المستقلة لن تجد لها مكاناً بارزاً إلاّ من خلال تكتلات كبرى بدت ملامحها من المجموعة الأوربية التي تشكل أقوى قوة اقتصادية إلاّ أن هذه التكتلات لا تتوقف عند نقطة المصالح الاقتصادية بل تمد نظرها إلى أفق بعيد أرحب وأشمل للتحول بعد ذلك إلى كتل سياسية كبرى . ولعل نموذج الوحدة الأوربية واضح في هذا الأمر فالعصر القادم هو عصر التكتلات أو المجموعات السياسية الكبرى الذي تحتفظ فيه الدول القطرية بشخصيتها القانونية ومكانتها وسيادتها ، إلاّ أنها تدور في فلك واسع هو الكتلة التي تنتمي إليها .
10-الثورة التكنولوجية:

من السمات المميزة لهذه المرحلة الثورة الهائلة في وسائل الاتصال ونقل المعلومات وسرعة تداولها عبر الدول، والتي انعكست بشكل كبير على سرعة التواصل وفي معدل التغير. فإذا كانت البشرية قد احتاجت ما يقرب من 1800 عام حتى تبدأ الثورة الصناعية الأولى واحتاجت كذلك إلى مائة عام تقريباً حتى تدخل الثورة الصناعية الثانية، فقد احتاجت إلى ما لا يزيد على ربع قرن لتدخل الثورة الصناعية الثالثة التي نعيشها الآن عبر التطور الكبير في مجالات الفضاء والمعلومات، والعقول الالكترونية، والهندسة الفضائية.

ونتج عن ذلك عولمة المشكلات والقضايا التي تواجهها الجموع البشرية مثل الفقر والتخلف والتلوث البيئي والانفجارات السكانية وغيرها الكثير، حيث لم تعد تقتصر نتائج هذه المشكلات على دولة محددة أو مجموعة دول، وإنما تعدى ذلك إلى دول أخرى بعيدة جغرافيا.

11-خاصية اللاتجانس:

فالنظام السياسي الدولي يشكل نظاماً غير متجانس، حيث تتجلى مظاهر عدم التجانس في:

· حالة التباين الشديد بين وحدات النظام الدولي من حيث الحجم والقوة رغم تمتعها نظرياً بالسيادة والمساواة أمام القانون.

· العلاقة غير المتوازنة بين دول الشمال ودول الجنوب، فعلى صعيد التجارة الدولية تستحوذ الدول الصناعية النصيب الأعظم من النشاط التجاري العالمي في حين لا يمثل نصيب الدول النامية إلا قدراً ضئيلاً.

· وتظهر حالة انعدام التجانس في ازدياد الهوة التكنولوجية بين الشمال والجنوب، ما خلق حالة من التبعية التكنولوجية نتيجة سيطرة الشمال على أدوات الثورة العلمية والتكنولوجية.

12-تصاعد التوترات والصراعات:

فقد تزايدت التهديدات الإرهابية على الصعيد العالمي للمصالح الغربية والأمريكية تحديدا ، كما تزايدت التحديات البيئية التي تواجه العالم كالاحتباس الحراري والتصحر والتغيرات المناخية والأعاصير والفيضانات والتلوث،مع تزايد الحروب الأهلية والإقليمية بأسباب دينية أوعرقية أو اقتصادية مثل باكستان،الصومال،رواندا بروندي،رواندا وحاليا العراق وأفغانستان…ثم تنامي الهجرة القسرية بسبب الحروب والفقر والكوارث الطبيعية…وتزايد التوتر السياسي في الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان وإفريقياالوسطى.

كما تزايدت حملات الولايات المتحدة الأمريكية في العالم بعد نهاية الحرب الباردة فقد شنت حملة عسكرية شنيعة على العراق سنة 1991 أعقبها حصار اقتصادي ساحق إلى غاية سنة 2003،لتعود الولايات المتحدة وحلفائها إلى احتلال العراق دون موافقة الأمم المتحدة.كماتدخلت عسكريا بشكل منفرد في الصومال خلال سنتي 1992-1994.وفي سنة 1999 أقحمت حلف شمال الأطلسي في حملتها العسكرية على يوغوسلافيا،كما شنت غزوا عسكريا بغطاء أممي على أفغانستان في سنة 2001 وفي الفترة الحالية يتخوف المجتمع الدولي من تداعيات التهديدات والضغوط التي تشنها ضد إيران وكوريا الشمالية وسوريا .

ومن أجل ذلك قامت الولايات المتحدة بتقسيم العالم إلى مناطق إقليمية وتسهيل قيادة هذه المناطق الإقليمية للدول التي تقبل بالزعامة الأمريكية وتقبل أن تكون حليفة للولايات المتحدة الأمريكية؛ بحيث تتولى هذه الدول ضبط الأوضاع في هذه المناطق مما لا يضطر الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في كل صغيرة وكبيرة في العالم ما سيترتب على ذلك من تكاليف مالية وبشرية لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية تحملها.

ختاما ومن خلال استعراض أهم خصائص النظام الدولي الجديد في مرحلته المعاصرة يتبين أننا على أعتاب مرحلة جديدة تبدو فيها الولايات المتحدة بيدها خيوط التأثير الدولي إلا أنها في الوقت نفسه تؤمن بضرورة إفساح المجال للقوى الصاعدة إقتصاديا لا لتزاحمها في مجال الصدارة بل لاحتوائها وطيها في ركابها والأيام القادمة ربما تكشف عن ملامح مرحلة جديدة من النظام الدولي تشهد نوع من القطبية المتعددة ولكن من طراز مختلف.

أنطونيو سالازار

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف13

أنطونيو دو أوليفيرا سالازار 28 أبريل 1889 – 27 يوليو 1970) شغل منصب رئيس الوزراء وديكتاتور البرتغال في الفترة من 1932 إلى 1968. كان رئيس الجمهورية في عام 1951 ، بصفة مؤقتة. أسس وقاد نوفو استادو ( “الدولة الجديدة”) التي حكمت و سيطرت على البرتغال من 1932 حتي 1974.

كان حاكمًا مستبدًا للبرتغال، أصبح رئيسًا للوزراء عام 1932م. ثم أعلن في العام التالي دستورًا جعله حاكمًا استبداديًا. . قبل أن يدخل سالازار في خدمة الحكومة كان خبيرًا في الشؤون المالية، وأستاذًا في علم الاقتصاد بجامعة مومبرا. في عام 1926 رفض أن يشغل منصب وزير المالية، لأنه كان يرى أنه لا يمتلك السلطة الكافية لحل مشاكل البرتغال المالية. وفي عام 1928 تردت الحالة الاقتصادية في البرتغال لدرجة أن الحكومة أعطت سالازار السلطات التي طالب بها.

أقام سالازار دولة عسكرية، فوضع النقابات تحت إدارة الحكومة. ومنع حرية الصحافة والحريات السياسية، وأقام الاقتصاد على قواعد محكمة، ولكنها كانت على حساب الأجور، ورفاهية كثير من المواطنين. و في وسط الحرب العالمية الثانية احتفظ سالازار بحياد البرتغال. فأصبحت العاصمة لشبونة حلقة الوصل بين الدول الحليفة ودول المحور، حيث كان عملاؤهم يعملون بحرِّية تامة في أنحاء الدولة المختلفة. ومع ذلك استطاع سالازار أن يحافظ على علاقات البرتغال التقليدية بإنجلترا، ومنح الدول الحليفة قواعد جوية وبحرية في جزر الآزور، وهي مجموعة جزر برتغالية.
تزايدت المعارضة السياسية ضده في البرتغال في أواخر الخمسينيات. لفتت سياساته نحو أنجولا وموزمبيق، وبعض المستعمرات البرتغالية الأخرى في إفريقيا أنظار العالم في أواخر الستينيات، حيث عمل سالازار على الاحتفاظ بسيطرة البرتغال على هذه المستعمرات بالرغم من عدم موافقة الأمم المتحدة والأفارقة. منذ عام 1968 بدأ يعاني من شلل في الدماغ عجز معه عن القيام بواجباته. أُبْعد سالازار عن الحكم بطريقة لم يكن يتوقعها، وتولى السلطة مكانه مارسيلو كايتانو، وتوفي سالازار بعد ذلك بسنتين.