أ.د. أحمد محمد وهبان

الفكر السياسي الاسلامي و خصائصه

كاتب الموضوع الأصلي: احمد المالكي1

يعيد التأريخ للفكر السياسي الإسلامي منذ نشأته ليسأله عن مواطن أزمته وليفسر مألاته التي انتهى إليها في الزمن الراهن، معتبراً أن المتغير الرئيسي في مجال الفكر الإسلامي كان ولايزال تزعزع مفهوم الأمة في الفكر الإسلامي الحديث وبالتالي تغير مفهوم الشريعة ووظائفها. ذلك أنه ومنذ زوال الخلافة والمفكرون المسلمون يبحثون عن نموذج سياسي، مما اتجه بهم ليس إلى اعتبار مبدأ سيادة الأمة بديلاً عن مؤسسة الخلافة كما يجب أن يكون ذلك وإنما إلى إزاحة لاهوت الخلافة كما يسميه رضوان السيد لمصلحة لاهوت آخر ينتصر للمقدس كما جسده خطاب حسن البنا في قوله: ((القرآن دستورنا)). والقرآن المتحول إلى دستور هنا كان المقصود به الحلول محل دستور عام 1923، وهكذا أعيد إنتاج الخلافة بخطاب فكري جديد لايتأسس على الأمة التي غابت وإنما يتأسس على الشريعة التي اختصرت في رؤية إيديولوجية محددة هي رؤية الحاكمية كما صكها أبو الأعلى المودودي وتبعه فيها سيد قطب. هذه الرؤية التي أذنت بالافتراق بين الشريعة والجماعة أو بين الدين بوصفه مثالاً وبين الأمة بوصفها جماعة مؤمنة به. وبذلك صارت هذه الأيديولوجيا هي المعيار لإيمان الجماعة أو انعدامه وما عادت توجد حلول وسط. يحدد رضوان السيد أزمة الفكر السياسي الإسلامي بأنها غياب لمفهوم الأمة لحساب حضور مفهوم الشريعة وما تبع ذلك من تأسيس لرؤية الحاكمية القائمة على اختزال محدد للشريعة ينحصر وفقها العمل في النضال من أدل الدولة الإسلامية، وإذا كان هذا العمل انحرف إلى العنف فإن السيد لايرى أن الإسلاميين هم وحدهم من سلك سبيل العنف من أجل التغيير بل هم حاكوا في طريقهم هذه النخب القومية المتحولة إلى اليسار. وما فعله الإسلاميون ليس سوى تقليد تحليلات وحلول تلك النخب مع إعطائها عناوين وشعارات إسلامية، فالجهاد المحول باتجاه الداخل الجاهلي هو نفسه الصراع الطبقي. وحرب الشعب الطويلة الأمد وحتمية الحل الاشتراكي هي نفسها حتمية الحل الإسلامي.

أما عبد الإله بلقزيز فلا يحاول تتبع أزمة الفكر السياسي العربي من تكوينه وحتى زمنه الراهن , وإنما يتتبع الصراع الإيديولوجي بين التيارات، فيرى أن المسألة السياسية كانت حاضرة بقوة في خطاب جميع هذه التيارات منذ النهضويين الأوائل، مع فارق جوهري قائم على أساس أن الفكر الإصلاحي الأول اكتشف الدولة في دياره كاستعمار وجيش وإدارة في حين تعرف الفكر السياسي الحديث عليها كتنظيم اجتماعي واقتصادي ومدني. هكذا تتشكل القطيعة بين الفكر السياسي الإسلامي الوسيط المؤسس على الآداب السلطانية، وترث التيارات العربية الرئيسية الفكر الإصلاحي وتعيد توظيفه في سياقها الخاص، فاللحظة الماركسية تعيد إنتاجه وفق نظرية سياسية حركية لاتهتم كثيراً بتأصيله في التراث العربي الإسلامي، مما جعل خطابها يبدو دائماً غريباً في الأرض العربية الإسلامية وغير متوافق مع أسسها التراثية. أما اللحظة الإسلامية فتنتهي مع البنا وقطب إلى إنتاج خطاب تمايزي مؤسس على النفي. وتحدث قطيعة تاريخية بين الخطاب الإصلاحي وبين الخطاب الإسلامي الحركي. أما اللحظة القومية فترث الفكر الإصلاحي وفق صيغتها الخاصة. . إلى ذلك، قامت هذه التيارات الفكرية جميعها على فكرة الحتمية. وجوهر هذه العقيدة كما يرى بلقزيز هو جوهر فلسفي (مضمر أو معلن) يقوم على الإيمان بالحتمية بوصفها التعبير المطلق عن فعل قانون الموضوعية. ولقد كان هذا الإيمان الأعمى بها هو المسؤول عن سقوط الخطابين الليبرالي والماركسي في نزعة علموية فاضحة. فالدولة الليبرالية على النمط الأوروبي تمثل قدراً محتوماً في رأي الليبراليين العرب. أما الدولة الاشتراكية فهي حتمية تاريخية لا غبار عليها في منطوق الاشتراكيين العرب، وهو لذلك ينتهي إلى عدد من النتائج يشترك فيها الفكر السياسي العربي إذن انتهى إلى أن يصبح فكراً دوغماتياً، محكوماً بقطيعات نهائية وبداهات غير قابلة للنظر، فيمنع نفسه من تجديد نفسه ومن إثراء موضوعاته وفرضيات التفكير لديه، ويفقد مضمونه المعرفي والنظري متحولاً إلى أدبيات سياسية من طبيعة دعوية بحيث لايعود في مكنته غير أداء وظيفة تحشيدية وتعبوية ليست من هواجس الكتابة المعرفية والنظرية.

إذا كان السيد تمكن من كشف الإشكالية والعائق في الفكر السياسي الإسلامي فإن بلقزيز لم يتجاوز مستوى تحليل الخطابات السياسية. فغابت الإشكالية في بحثه وتحول إلى مجرد قراءة في تطور الخطاب السياسي العربي المعاصر. بينما انتهى السيد في وظيفته كمؤرخ إلى اكتشاف الإشكالية من دون أن يغادر وظيفته لبحث مصائر الخطاب السياسي وآليات الخروج من تكويناته الشائهة. فلم يقترح أو يقدم لنا حلولاً بعكس بلقزيز الذي كان سخياً في طرح الحلول والبدائل التي وجدها في قيام خطاب فكري عربي تركيبي جديد.

الفكر السياسي المسيحي

كاتب الموضوع الأصلي: احمد المالكي1

لقد حدد أفلاطون موت سقراط بمعنيين : سقراط انحنى أمام القرار الذي أدانه بالموت، رفض الهرب عندما جاءته الفرصة وذلك بسبب طاعته وواجب احترامه لقوانين المدينة. من هنا إنه يظهر للجميع أن الفيلسوف هو مواطن صالح بامتياز، وأن وفاءه تجاه المدينة يصل إلى حد التضحية بحياته مقابل قرار ظالم. ولكن من خلال موقفه إنه يقول شيئا آخرا: ” إنه يجسد عظمة الحياة الفلسفية، إنه يشهد بالرقي و السمو الأخلاقي”. إن عظمة الموت عند سقراط أعطت للإنسان هيبته التي بقيت واستمرت عبر العصور.
لقد علمنا سقراط أن السياسة فن مُضاء بالفلسفة، منظم و مرتب باتجاه غايات و نهايات عقلية أو أخلاقية، يقاد بواسطة فضيلة التعقل و الحكمة. و يعلمنا أيضا أن الخير في السياسة يعتمد أولا على ناس خيّّرين و أنه لا يوجد أي نظام يمكن أن يسمح بتجاوز الفضيلة بالنسبة للقائمين عليه. بعد هذا المفهوم السقراطي سيأتي المسيحيون و يغيرون هذا الفهم، ثم يأتي المحدثون و يقومون بعكسه.
ولكن،كل التغيرات في فهم السياسة و علومها بعد المسيحية تقودنا لطرح مجموعة من الأسئلة كانت قد طرحت بأشكال متعددة منذ حدوث هذه التغيرات التاريخية: ما هي الطريقة الأفضل للتفكير بالسياسة ؟ هل نستند إلى ” الكلام السماوي” ؟ هل نبحث عن السياسة من باب الفضيلة فقط أم نطبق عليها كل تقنيات العلوم ؟ هل على العقل النظري إدارة و قيادة العملي؟ وهل يمكن أن يكون الله حاضرا دائما في السياسة؟

من أثينا إلى مكة مرورا بالقدس، مصادر ” علم السياسة ” تختلف بطبيعتها : فالمصدر الأساسي ليس أبدا أو دائما داخل العقل ولكنه أيضا داخل الوحي. فالأفكار لا تأتي دائما أو نهائيا من الإنسان الباحث عن اكتشاف العالم، إنها تأتي من الله ” الواحد” وهو صاحب السيادة و الذي يرسل للناس ويبقى محاطا بالغموض و الألغاز. العقل اليوناني ارتفع و ارتقى باتجاه السماوي الإلهي ( من الأرض باتجاه السماء)، أما العقيدة اليهودية، المسيحية و الإسلامية تنتمي ” لكلام” ينزل من الله ( من السماء إلى الأرض ).
يقول سقراط، بداية الفلسفة هي الحيرة و الدهشة والاستغراب التي تعطي الاهتزاز و الحراك للعقل، أما هي في الإنجيل و التوراة Ecritures saints أساس الإيمان أو الاعتقاد و بالتالي هي ابتعاد عما يدركه العقل أو يمكن أن يدركه إذا هي”فعل ثقة”.فالنبي إبراهيم يجسد إنسان الإيمان لأنه يخضع من غير تذمر لأوامر الله، هذا الله الذي لا يفهمه إبراهيم رغم محاولاته.أما التوراة فإنه يعلم و يبشر بمشاعر غريبة بالنسبة لليونان، إنها مشاعر الخضوع: فمن أنت، إنسان، في مواجهة أزلية و أبدية الله !!

هناك تغير أو انقلاب في الرؤى. حيث سان بول في Epitre aux corinthiens يعارض الحكمة داخل هذا العالم و خاصة التأمل أو التفكير اليوناني، فالحكمة الحقيقية، هي الحكمة الغامضة و الخفية لله. حيث سان بول يرتبط و بشكل مبكر بما هو قلب التعليم المسيحي : العمل الخارق لتجسد المسيح Incarnation،أي حكمة الله تجسدت في شخص المسيح المصلوب. مع ذلك المسيحية قامت و بسرعة باستقبال الفلسفة اليونانية و البحث الفلسفي. فالعصر الوسيط المسيحي عرف بحثا مكثفا للفلسفة و لكن تحت الرقابة، رقابة الكنيسة. والعقل احتفظ بمكانة ثانية أو مساعدة ولكنه مع ذلك بدأ يربح أهميته و استقلاليته.

في القرن الثامن عشر سان توماس حاول أن يعيد الكثير إلى الإيمان و العقيدة و إلى التعليم من خلال الوحي، وإلى الجزء الشرعي من العقل. لذلك حاول ” تصحيح” أرسطو وفق الإيمان المسيحي هذا الإيمان الذي رأته المسيحية الممثل بامتياز للحقيقة. ولكن كيف يمكن شرح هذا التغير أو التطور؟ يمكن أن نعيد هذا لسببين رئيسين يعودان إلى المنطق الداخلي في العقيدة المسيحية ( أو على الأقل للمسيحية التي شُرحت داخل الكنيسة الرومانية ). الأول: يتعلق بالوحي Révélation حيث الوحي لا يلغي العقل أو يقصيه، ثانيا: كما أن ما هو فوق طبيعي لا يلغي الطبيعي وحيث أن خالق ما فوق طبيعي هو من خلق الطبيعي. هناك معرفة عقلانية للأشياء ما فوق طبيعية وللحقائق الروحية الداخلية في الوحي. كل هذا ” التقليد” يؤكد إمكانية معرفة أكيدة و طبيعية لله و في نفس الوقت وجود قانون أخلاقي و روحي طبيعي في داخل كل إنسان. إذا يوجد حقائق عقلانية خالصة : و الباب مفتوح أمام الفلسفة. و يوجد أيضا و بالتحديد حقائق منزلة أو موحى بها و التي يسمح للعقل أن يعمقها، لاسيما باستخدام أدوات الفلسفة اليونانية.

هذه الحقوق للعقل تُفهم أو توَّضح من جهة ثانية كما يلي: بالاختلاف عن الديانة اليهودية أو عن الإسلام، المسيحية ليست دين من الأحكام، الشرائع و القوانين. فاليهود و المسلمون هم ملزمون بالخضوع و الالتزام إلى مجموعة من الأحكام المنزلة سماويا أو إلهيا، أو إلى تشريع ديني و الذي له طابع شامل يدير الحياة العامة و الخاصة على حساب المساحة الممنوحة لاستقلالية العقل. ” العهد الجديد” Nouveau Testament أو الإنجيل لا يصدر قانونا مدني، ولا قانونا جزائيا، ولا حتى قانونا دستوريا. في النتيجة، المسيحية التاريخية جوبهت بهذه المشكلة الأساسية: الوحي يسجل ثورة روحية ولكن المؤسسة الكنسية كمؤسسة أو جماعة من المؤمنين تعيش في الزمني، المسيحيون ينتمون إلى مجتمعات تاريخية و سياسية. أي موقف إذا يمكن اتخاذه تجاه النظام الزمني، التاريخ لا يتوقف، كيف يمكن الفصل بين النظام الزمني و بين النظام الروحي ؟

جيَّش العقل اللاهوتي نفسه حتى يفكر بمعنى التاريخ و العلاقات بين الكنيسة و السلطة السياسية، انطلق العقل الفلسفي ليعالج النظام الطبيعي و المستقل عن السياسة. في كل الأحوال، ظهر توتر جوهري داخل المسيحية: بين الروحي و الزمني، بين فكرة العمل من أجل الخلاص وبين فن السياسة.

ومن المعروف أن المسيحية لم توجد أو تؤسس على الأفكار، إنها أُسست على الأحداث. فالمافوق طبيعي surnaturel تم تسجيله في التاريخ، والله ظهر حتى في الحياة الأرضية الدنيوية التي يعيشها الإنسان. هذا التاريخ المقدس سيصل إلى ذروته مع الأحداث التي رافقت حياة السيد المسيح. إذا العقيدة أو الإيمان المسيحي تم تعليقه أو اعتماده كليا على صدق وصحة الأحداث التاريخية. بشكل خاص ما جرى تاريخيا ليلة ” القيامة” Pâques ” عيد القيامة عند المسيحيين”، هذا الحدث الذي يقود كل ما تبقى من المسيحية:”إذا المسيح لم يبعث أو يحيا، كتب سان بول، إذا فإن تبشيرنا بديننا عبث وبلا جدوى، وعقيدتنا هي عبث أيضا ” ( I، Corinthiens،14،15 ).
لكن حياة المسيح ذاتها ليس إلا بلوغ مغامرة طويلة، هي تخليص الإنسانية و الشعب المختار، مغامرة صيغت بفعل الحب ومن عدم الوفاء الذي وجد و استودع في ” العهد القديم” Ancien Testament.و من وجهة نظر المسيحية، إن العهدين القديم و الجديد يعودان لتاريخ واحد متشابه حيث تنتشر عناية و تعاليم الله، الوحي يتقدم، يكتمل ويتحقق مع فعل التجسد Incarnation. ماذا يقول هذا الوحي و الذي تم تجذيره في التاريخ؟ التوراة أو الكتاب المقدس (الكتاب المقدس عند المسيحيين لا يطابق الكتاب المقدس عند اليهود، حيث الكتاب المسيحي يضم زيادة على الآخر سبعة وعشرين جزءا ضمن ” العهد الجديد”. معنى النص ليس بالتأكيد هو ذاته في كلتا الحالتين، إنه أيضا مختلف بالنسبة للمؤمنين أو الأديان الأخرى أو عند الذين لا يؤمنون لا عن طريق قناعة أو عن طريق دراسة. النقد التاريخي ساهم بتقدم المعرفة ولكنه ترك السؤال مفتوحا : هذه الكتابات هل هي موحى بها أم لا؟ من وجهة نظر مسيحية خالصة، قراءة النصوص مرتبطة بإظهار أن العهد القديم و العهد الجديد يشكلان وحدة عضوية. لهذا السبب، الآباء الكنسيون طبقوا شرحا هو بشكل جوهري رمزيا allégorique، المفسرون في العصر الحديث يصرون على التعليم الإلهي وتقدم الوحي..)، أو كما يسمى ” كتاب الكتب” هو الكتاب أو المؤلف المتنازع فيه بامتياز، و الدراسات و الملاحظات التي كرست له تشكل مكتبة ضخمة لوحدها. وفق الكنيسة الكاثوليكية، الأناجيل يجب أن تكون متناولة ضمن نطاق “الرواية” أو الحديث Tradition الذي جاء من الرسل Apôtres. و في الواقع، الكاثوليكية ليس دين في كتاب مقدس Livre ولكنها دين من الكلام المقدس Parole.

صعوبات التفسير والشرح متفق عليها، لكنها أصبحت أقل :” التوراة، يقول الأب Lagrange مؤسس المدرسة التوراتية في القدس،هو بحر من النور و أيضا من الظلام”. هذه الكتابات حيث توضح خبرة دينية تنتقل من جيل إلى آخر خلال ألف وخمسمائة عام، هي شهادة وفق الكاثوليكية على أن : الله أرسل للبشر من خلال كلامه و أفعاله، لقد ذهب للقائهم، دعاهم للارتباط به من جديد. إنه عرض تحالفه وجدد عهده، ولكن ماذا يعني هذا العهد؟ لقد أخذ أشكالا متعاقبة فهو يترجم تطورا روحيا و أخلاقيا، أو بمصطلح مسيحي، هو تقدم للوحي. المسيح يقدَّم كرسول لتحالف جديد. في كلام ساطع ولكن أيضا غامض، إنه يعلن” الخبر الجيد الجديد”: وصول مملكة الله. طبيعة هذه المملكة هي في المعنى التالي: هي ليست مملكة زمنية، بل يجب أن تكتمل في العالم الآخر. بالمقابل، في هذه اللحظة ووفق شكل قدموها، المسيح يقدم خطابين. من جهة، حكم الله هو مملكة ستأتي و إنها ستأتي قريبا ” توبوا لأن مملكة الله هي قريبة” ( إنجيل متى، الرابع، 17) و ستكتمل بالعودة المجيدة للمسيح في نهاية الزمان. ومن جهة أخرى، إنها مملكة موجودة مسبقا داخل هذا العالم ” إنها موجودة بينكم أو في داخلكم” ( إنجيل لوقا،17، 21) على شكل بذرة وضعت في قلب الإنسان.
المسيح لا يتكلم ولا يتصرف كنبي عادي وفق الكاثوليكية. إنه يشيّد بشخصه ملك الله. ووفق الوصف الإنجيلي،المسيح لا يتحدث نهائيا عن نفسه، بل هناك طابع غامض ومستتر للحديث.التفسير الكاثوليكي يراه ظهورا لإرادة تعليمية: المسيح لا يستطيع التحدث بوضوح قبل أن تتم القيامة أو الإعادة.مهما كان، علم اللاهوت الذي جاء به سان بول سيعمل من المسيح نفسه، متحدا مع الله، مخلصا للبشر، إنه مركز الوحي الإنجيلي : المسيح في شخصه هو دعوة إلى الله. في قلب الوحي المسيحي،إذا هناك اقتصاد في الخلاص أو اقتصاد الخلاص،أو يمكن أن نسميه مخطط الله على البشر: الله يدعو جميع البشر إلى الحياة السعيدة،إنها مملكة القدس الإلهية.مرسلا كذلك إلى البشر، الله يكشف عن نفسه ويكشف أعماله.إن شرح جميع هذا الكلام المقدس الموحى تم تثبيته من قبل الكنيسة بعد مناقشات متعددة وتمزقات حوله.هذا التثبيت هو علاقة قطيعة عميقة جدا مع الفكر القديم. الله،العالم،الإنسان، الحياة كلها تتغير في وضعها ومعناها:

الله، العالم، الإنسان، الحياة كلها تتغير في وضعها ومعناها: إله التوراة هو جديد بشكل جذري وفي سموه المطلق.ليس فقط إله واحد،إنه خالق،خارج عن العالم الذي أراده وشكله بنفسه.إنه مطلق أبدي. لا شيء يوجد إلا ويتبع له ويعتمد عليه. هذا الله لا شريك له و لا يشترك بشيء مع آلهة الميثولوجيا القديمة،إنه يختلف عن إله الفلاسفة اليونان الذي هو جزء من الطبيعة أو الكون Cosmos ويُدرَك كأبدي. اليهودية و المسيحية بعد هذا التغير قدمتا العالم و كأنه العمل المجاني لله.الله في الكتاب المقدس التوراتي إنه شيء آخر،إنه فوق البشر و العقل البشري لن نستطيع إدراكه ولا فهمه، إنه إله كله ألغاز وغموض لأنه مختف ولا يمكن الوصول إليه.أما الله في المسيحية هو ” رب يحبنا حبا لا ينتهي، أراد الموت من أجلنا “، أي بعكس الديانات الأخرى وخاصة الإسلام حيث نحن الضحية و نموت في سبيل الله. هنا يبقى الله شيئا آخر لكنه يصبح أكثر قربا من كما تقدمه المسيحية.إنه شيء آخر بهذا القرب نفسه حيث تنتشر قداسة لا يمكن إدراكها، فالله في المسيحية لغز من المحبة.
العالم إذا تغير في حالته.إنه ليس طبيعيا أو سماويا، إنه عمل أو إنجاز لإرادة فوق طبيعية.إنه ليس أبدي،لديه الآن تاريخ.اليونان رأوا في الكون Cosmos نظاما مرتبا،متناغما، حيث الله نفسه هو جزء من هذا التناغم و الإنسان لا يشغل فيه إلا مكانا تابعا. الرؤية المسيحية هي بشكل جذري مختلفة: الترتيب و التناسق الجميل،السمو و الرقي الهندسي لهؤلاء الذين ليسوا إلا أشياء مخلوقة، وسيكون لها بداية ونهاية.العالم هو غير مقدس ويخضع للتاريخ. إذا اليهودية والمسيحية تدخلان مفهوما خطيا للزمن، على النقيض antipode من المفهوم الدائري عند اليونان.فكرة العودة الأبدية هي ” لا يمكن احتمالها” في الفكر المسيحي،وفق كلمة سان أوكستان، لأن “المسيح قد مات مرة واحدة من أجل خطايانا، وسيبعث بين الأموات،ولن يموت نهائيا” ( من كتاب La cité de Dieu، XII،17 ). إذا يوجد قبل وبعد، زمن له معنى، ماض ينطلق من الخلق إلى النهاية، ومن النهاية إلى الخلاص، ومستقبل ينطلق من الخلاص Rédemption إلى نهاية الأزمان. وفق المسيحية كل مخلوق بشري هو كائن محبوب من الله، المسيحية تعطي الإنسان شرفا ومجدا جديدا كان مجهول في العالم القديم، إلى التساوي في الخلق بين الجميع، إنها المساواة بين أطفال الله.الحالة المثالية اليونانية للحياة الفلسفية كانت محفوظة للبعض فقط، بينما الخلاص المسيحي هو مفتوح أمام الجميع. هذه النظرة المسيحية الكونية هي علاقة قطيعة مع الماضي. الحياة الدنيوية هي إذا مرتبة ومنظمة إلى نهاية تتجاوزها. الانجذاب المسيحي إلى مملكة الله يتناقض مع الحالة المثالية الوثنية القديمة، كما يتناقض مع الرؤية المثالية للحياة الفلسفية. ونعود هنا لطرح مسألة الزمني والروحي. فالروحي في المسيحية في جزء منه هو مرتبط مع الزمني.

2ـ بين الله والقيصر

في الإنجيل لا يوجد برنامج سياسي كما أنه لا يوجد في الكتب المقدسة الأخرى ” القرآن مثلا “، ولا يوجد برنامج للإصلاح الاجتماعي و الاقتصادي. فالمسيح يدعو إلى تغيير القلوب، وليس للقوانين أو المؤسسات. كما أنه “نهائيا” لم يتطرق إلى مسألة النظام أو المشاكل الأخلاقية و السياسية للحروب. الإنجيل يعتني بشكل كبير بإزالة الصورة المتعلقة بالمسيح كما عرفت في السابق. فرغم التطور الروحي الذي تشهد به النصوص التوراتية وكل كلام القديسين، الفكرة القديمة عن مسيح منتصر تبقى الأقوى في داخل المجتمع اليهودي: “المسيح سيأتي ليقوم أو يكمل مهمة سياسية ” إقامة المملكة الدنيوية لإسرائيل ” إذا وفق ظروف الزمن، سيضع نهاية للاحتلال الروماني. ولكن هذه المهمة ليست نهائيا في شيء مما حاول المسيح إكماله.
الأناجيل تبين ذلك مع محاولات جاهدة وحذرة لتحاشي عدم الإسراف أو التشتت: المسيح لم يقبل إلا في نهاية حياته أن يحيا ” كمسيح “. لقد أفشل المسيح الفخ الذي وضع له من قبل الفريسيين pharisiens،مميزا مجال عمل القيصر عن عمل الله، لقد ردَّ على الاتهامات السياسية معلنا أن مملكته “ليست من هذا العالم”.إذا المسيح يبتعد عن السياسة و بشكل عام عن جميع الشؤون الزمنية الخالصة. فإذا تحدث عن الفقر، و إذا حذر الأغنياء، هذا لأن الفقر يذهب إلى الأسوأ في مرحلة ” الطفولة الروحية”.

النقد هنا ليس نقدا اجتماعيا، بل يتم النقد لأن العالم أصبح خاضعا لحكم المعلمين المزيفين و الكاذبين و بسبب البؤس الروحي. ولكن هل الإنجيل ضمن هذا المعنى هو مخرَّب أو مدمَّر من الناحية السياسة ؟

الدين في الإنجيل، كتب جان جاك روسو: ” بعيد عن ربط قلوب المواطنين بالدولة (….)، إنه يفصلهم كبقية الأشياء الموجودة على الأرض. لم أعرف شيئا أكثر منه معارضة للروح الاجتماعية “. ( من كتاب ” العقد الاجتماعي”، الفصل الرابع، 8 ). مع ذلك يوجد وجه آخر للتعليم الإنجيلي. المسيح لا يرفض المدينة الدنيوية. بشكل عام، موقفه لم يكن غنوصيا رافضا للعالم: إنه يحاول شفاء المرضى، يتحدث عن جمال الخلق création، إنه يتحدث في كل كلامه عن الحياة و العمل في كل الأيام…،يدعو ويقول إن محبة الله هي محبة لمن حولنا جميعا أيضا. في النهاية إنه لا ينكر السياسة.
التعليم الأكثر خاصية أو الأكثر مباشرة من الناحية السياسية للإنجيل يعود إلى جملة حيث يعترف فيها بالمجال و الحقل الخاص للقيصر. الأناجيل تروي أن الفريسيين الراغبين بتعريض المسيح للخطر أرسلوا له تلامذتهم ليسألوه إذا كان مسموحا بدفع الضرائب أم لا للإمبراطور. أجاب السيد المسيح إجابة طبعت و بعمق كل التاريخ السياسي للغرب: ففي إنجيل ( متى، الجزء 22، 18 ـ 22 ) تدور القصة التالية:

” المسيح يعرف أنهم منافقون، فيرد عليهم قائلا: لماذا تضعون لي هذا الفخ ؟ دعوني أرى أموال الضريبة، ثم قدموا له درهما أو فلسا، فقال لهم: ” لمن هذا النقد الذي عليه صورة ” ؟ فقالوا: ” إنه للقيصر”. وقتها قال لهم: ” إذا أعطوا للقيصر ما هو لقيصر ولله ما هو لله “.
” أعطوا للقيصر…”، بمعنى أولي، هذه الجملة كانت انقلابا أو ثورة. إنها تطرح مبدأ غريبا على العالم اليوناني/الروماني كما أيضا على العالم اليهودي: الدين و السياسة لهما مجالات مختلفة. القاعدة الجديدة تتعارض مع كل النظام السياسي/الديني ومع كل الحكم الثيوقراطي، إنها تكسر الوحدة التقليدية للسلطة. وبمعنى آخر هذه الجملة ليست قطيعة، بل إنها تعترف بالجزء الشرعي للسياسة. هذا الشكل ربما يفتح الباب أمام صعوبات في التفسير و الشرح ولكنه يعني بوضوح أن: المسيح لا يدعو إلى التخلي عن السياسة.وفق التعليم القاسي و المتشدد للإنجيل، يرى سان بول: ” بالنسبة لنا، مدينتنا تتواجد داخل السموات، ولكن منتظرين عودة المسيح، على المسيحيين ألا يتواجدوا على هامش المدينة الزمنية”.
إذا يمكن القول أن السياسة تنتمي إلى عالم الإنسان المسيحي، وأن السلطة هي في خدمة خير لا يستطيع أن يكون هنا إلا خيرا طبيعيا. السلطة لها غايات خاصة، إنها تندرج ضمن نظام طبيعي للسياسة المرادة من قبل الله. اللاهوت السياسي الذي جاء به سان بول سيفتح الطريق أمام الفلسفة السياسية.

وفق رؤية الرسول سان بول، هذه القضايا تبقى رغم كل شيء ثانوية بالنسبة للقضايا الجوهرية: الأمل و الرجاء بما هو فوق طبيعي وعلى الأرض هو تكوين وتطوير تجمع أتباع وتلامذة المسيح كتجمع روحي. ويبقى أن المسيحي في هذا العالم هو جزء يستحوذ في نفس الوقت على المدينة الروحية و على المدينة الزمنية. علم اللاهوت لدى سان بول أظهر تفوقه ونجاحه، ولكن الصعوبات في الشرح و التفسير ازدادت مع متابعة الزمن التاريخي وتغيرات و تحولات السياق و الصيرورة الدينية، أو بمعنى آخر انتصار المسيحية على الوثنية. وهذا ما سيقود إلى طرح أسئلة في غاية الأهمية: كيف نرى هذا الانتماء الثنائي أو هذه المواطنة الثنائية في عالم أصبح رسميا مسيحي ؟ كيف يُنظَّم تاريخ المدينة الزمنية و تاريخها الروحي؟ المدينة الزمنية أو ( مجال عمل القيصر ) لديها استقلاليتها، ولكن تشارك بالنظام الطبيعي الذي أراده الله.فما هو هذا النظام الطبيعي وكيف يمكن ترتيبه وتنظيمه مع النظام ما فوق الطبيعي؟

هل الكنيسة مكلفة بمتطلبات الخلاص، وهل تدافع عن النظام الطبيعي، كيف تُنظَّم السلطة الكنسية والسلطة السياسية ؟ هذه الأسئلة تتقاطع، وتاريخية الإجابة التي أعطيت عليها هي معقدة جدا. ولكن هناك عملان مسيطران، واللذان كان في أصل و أساس تقليدين داخل الكنيسة، عمل سان أوغستان و عمل سان توماس.
فيما يتعلق بالممارسة في الميدان السياسي، هذه الممارسة حصلت على حريات مع مبدأ التمييز بين الأنظمة وهذا ظل حتى ردة الفعل الحديثة.أي منذ صعود Ascension المسيح و بانتظار عودته .هنا كيف تُرجِم مخطط الله في تاريخ البشر؟ المسيحيون الأوائل، على ما يظهر، كانوا في معظمهم مقتنعين يوشك نهاية الزمن. مع ذلك كان هناك أمل عند سان بول، لكنه أمل حذر: لا أحد يعرف تاريخ العودة لا في اليوم ولا في الساعة. لذلك دعا إلى حياة منظمة وبعيدة عن الفوضى، كل فرد فيها يملأ واجباته الاجتماعية. منتظرين عودة المسيح Parousie، التاريخ سيستمر. هذه المتابعة للتاريخ الإنساني تستدعي تفسيرا أو شرحا لاهوتيا. فالتاريخ المقدس هو في حركة سير دائم، ولكن بأي شكل؟

إذا تم تبسيط المسألة، نستطيع أن نميز أو نحدد إجابتين: من جانب، نموذج من التفسير جاء قبل سان أوغستان،يطور هذا التفسير لاهوتا زمنيا للتاريخ. العناية الإلهية تصبح واضحة ومفهومة عبر التاريخ المرئي للبشر، إنها تتجسد أو يجب أن تتجسد في تلك المدينة الدنيوية. ومن جانب آخر،التفسير الذي له تأثير وسلطة داخل الكنيسة الكاثوليكية و الذي أعطي من قبل سان أوغستان في القرن الخامس. حيث التاريخ المقدس هو ذاك المصير أو القدر الروحي للإنسانية، إنه غير مرئي. في النتيجة، الكنيسة ليست مرتبطة بأي شكل تاريخي.

إن علم اللاهوت الزمني للتاريخ أخذ أشكالا متعددة. شكله الأساسي يرتكز على رؤيا القديس يوحنا Apocalypse de Saint Jean، وهي ” الألفية” Millénarisme ( وهي نظرية عند بعض المسيحيين تقول بأن المسيح سيملك الأرض لفترة زمنية قدرها ألف سنة قبل يوم قيامة الأموات ). نص يوحنا في العهد الجديد هو وصف متوقد، متوهج و مليء برموز نهاية الأزمان وهو يدور حول النظرية الألفية. هذه النظرية رفضت من قبل كبار اللاهوتيين المسيحيين، بشكل خاص سان أوغستان و الذي يقول:” إن وصف سان جان أو ” يوحنا ” يجب أن يقرأ كمجاز أو استعارة روحية، انتظار ” الألفية” هو من غير هدف لأن ولادة المسيح هي التي لها علامة البداية”.

تفسير آخر يظهر أنه أكثر ” اعتدالا” فيما يتعلق بعلم اللاهوت الزمني للتاريخ وقد تم تطعيمه بتاريخ المسيحية نفسها. ماذا تقول حقيقة هذا التاريخ المرئي؟ إنها تروي نجاحات التنصيرchristianisation. فالإمبراطورية الرومانية كانت خاضعة للدين الذي اضطهدته. هذا التاريخ ظهر كتيار في الفكر المسيحي، كظهور لإرادة الله. التقليد الشرقي رأى فيما حصل بهذه الإمبراطورية وكأنه عناية إلهية. المسيحية ارتبطت بشكل سياسي ( تحالف دائم في الشرق والذي سيحدث التحالف بين القيصر و أتباع البابوية papisme في الإمبراطورية البيزنطية).

سان أوغستان ( 354 ـ 430) رفض كل هذه التفسيرات لأنها من غير أساس حقيقي في الكتاب المقدس وتخالف تعليماته. إنه يتعارض مع نظرية ” الألفية “، ثم يفصل قدر الإمبراطورية عن قدر ومصير الكنيسة، إنه يرفض الفكرة القائلة بأن الشرور ستختفي مع الزمن. باختصار، المسيحية الأوغستينية تتمرد على كل طوباوية،فالكمال ليس من هذا العالم. ” مدينة الله ” ( 427 ـ 415 ) واحد من أهم المؤلفات التي سيطرت على الفكر في الغرب المسيحي.المؤلَّف أخذ اتساعا كبيرا، عظيم في بلاغته وبيانه، لا يشكل وحدة منظمة كليا. من جانب هو كتاب لظروف وحالات، ومن جانب آخر هو توسط أو وساطة حول قدر الإنسانية على ضوء الوحي. أما الظروف و الحالات فهي: في عام 410،القوطيون Wisigoth استولوا على ” المدينة الخالدة الأبدية” ونهبوها. النتائج كانت كبيرة: إنها نهاية عالم كان يبدو غير قابل للتدمير.

فالمؤمنون بالدين الروماني القديم يتهمون المسيحيين بكونهم مسؤولين عن هذه الكارثة التي حصلت في الإمبراطورية. سان أوغستان يمسك بريشته للرد عليهم: إنه يشير إلى ضعف روما الوثنية،ثم يتحدث عن قيم الفضائل المدنية المسيحية. في الجانب الآخر من هذا الحديث و الاختلاف، إنه يفصل قدر الإمبراطورية التي هي في خطر عن قدر الكنيسة.

بلا شك لقد كان هو أيضا مواطنا وفيا لإمبراطوريته، ولكن كمسيحي أراد أن يقول: الدين الحقيقي لا يخضع أو لا يتضامن مع السياسة بأي شكل أو أي وقت. التعمق في تأمله وتفكيره سيقود إلى علم لاهوت عام للتاريخ. علم اللاهوت الأوغستيني ” للمدينتين “، الدنيوية و الإلهية، يبين العديد من الصعوبات في التفسير ويمكن أن يفهم خطأ. سان أوغستان يستخدم تارة صيغا دقيقة، وتارة أخرى صيغا ليست كذلك، ثم يأخذ أو يعتمد كلمة “المدينة ” في معان متعددة و مختلفة. بشكل جوهري كما يظهر، إنه كمن يستخدم لوحتي مفاتيح. اللوحة الرئيسة هي القدر الروحي للإنسانية:” هناك نوعين من الحب، يكتب الأسقف Hippone في فقرة مشهورة جدا، الحبان يبنيان مدينتين. حب الذات حتى أو لدرجة ازدراء الله في المدينة الدنيوية. وحب الله لدرجة ازدراء الذات في المدنية السماوية”. الحد الذي يفصل بين المدينتين هو حد غير مرئي، هو من نظام و ترتيب الوحي. المدينة الدنيوية أو الأرضية لا تختلط مع الحقيقة الزمنية للمدينة الإنسانية، إنها الجزء الفاسد من الإنسانية. ” مدينة الله ” ليست الكنيسة المرئية، إنها تضم هؤلاء الذين اختاروا الجزء الأفضل، هؤلاء الذين، هم داخل الكنيسة ولكن أيضا من هم خارج الكنيسة يكرَّسون للحقيقة و الفضيلة. هاتان المدينتان مختلطتان بشكل كبير في هذه الحياة، كما هو حال البذرة الجيدة و الأخرى الفاسدة كما تقول الحكمة أنه لا يمكن الفصل بينهما إلا في وقت الحصاد.
أما اللوحة الثانية هي العلاقة بين المدينة الإنسانية و الكنيسة. هنا المدينة الدنيوية الأرضية تختلط مع المجتمع السياسي و المدينة الإلهية ( بشكل أكثر أو أقل ) أيضا مع الكنيسة، أي بمعنى آخر مع مجتمع المسيحيين. بهذه المعاني، المسيحي هو عضو في المدينتين. إذا كيف يمكن تنظيم ثنائية المواطنة هذه ؟
إن موقع مبدأ أوغستان واضح جدا: إنه يميز وبقوة النظام الروحي و النظام الزمني، بين مجال السلطة الكهنوتية الكنسية ومجال السلطة السياسية. لكنه يعالج هذه القضايا بشكل عام ولم يعط أية نظرية دقيقة للعلاقات بين الكنيسة والدولة. بالتأكيد هو يتمنى أن المدينة السياسية تلقَّح بالمسيحية لكنه لا يرى أية ضمانة أن هذا الحل سيطبق أو سيستمر. في النهاية سان أوغستان لا يهتم إلا بشكل بسيط بالسياسة.
يتبع في الأجزاء القادمة.
3 ـ الطبيعة و الإنسان.

في عام 430، عندما مات سان أوغستان، عالم بأكمله كان في حالة تغير، إنه عالم الإمبراطورية الرومانية ومعها عصر الهرطقة الذي لم يكن قد انتهى أيضا. ثمانية قرون فيما بعد، عندما أخذ سان توماس الأكويني ( 1225 ـ 1274 ) ريشته للكتابة ، كانت المسيحية في القرون الوسطى قد وصلت الذروة. بالإضافة لذلك ومن الجانب الآخر للأحداث: النجاح التاريخي للمسيحية الرومانية تم تأكيده وتقويته في الغرب. رغم ذلك، القرن السابع عشر كان مسرحا لأزمة فكرية لم يسبق لها مثيل. حتى هذه اللحظة، الفلسفة كانت قد أصبحت مدجنة في بعضها : فبعد ” آباء الكنيسة “، أفلاطون ومن أتى بعده اعتُبروا روادا أو سباقين وعليهم العقيدة اعتمدت ولهم افتقدت. مصير وقدر الفلسفة كان التنازل عن استقلالها ” داخل معرفة وحيدة مطلقة منظمة و مرتبة بواسطة الوحي Révélation. ترجمة أرسطو و شارحيه و مفسريه العرب في القرن الثاني عشر زعزعت هذا اليقين أو هذا الوهم. هنا انبثقت و انتشرت كرائحة البارود فلسفة جديدة وثنية، هددت بالاستيلاء على العقل و على الفكر المسيحي. حيث يظهر أن العقل تم توجيهه في مقابل أو مواجهة العقيدة.
هل كان من الواجب تقليص العقل في مواجهة أسلحة العقيدة؟ جرأة سان توماس الأكويني قامت باختيار فعل معاكس ومعارض : في خدمة العقيدة، و بالاعتماد أيضا على العقل. الأكويني يميز ما بين الأنظمة. إنه في البداية عالم باللاهوت لكنه يدرك أيضا الفلسفة. القاعدة هي سهلة و أساسية: يجب متابعة العقل و السير وراءه إلى أكبر بعد ممكن. توماس الأكويني سيعيد التفكير بالقضايا اللاهوتية مستعينا بالعقل الفلسفي وبشكل خاص بالأدوات التي حصل عليها من أرسطو. نظرتان أو اتجاهان هما مرتبطان: هذا يعني، مع احترام الاستقلالية، أن يكون هناك عمل على الاثنين، العقل والعقيدة.

الأكويني يتقدم خطوة مريحة : بين عقل يأتي من الله ووحي يأتي أيضا من الله، التوافق لا بد أن يتم بالضرورة. لم يتردد بتعنيف الوعي الديني في زمنه لأجل طيّه أو إخضاعه لمتطلبات الفكر الفلسفي.
الأكوينية، في داخل الفكر الكاثوليكي، هي المحاولة التحديثية الوحيدة التي لم تنجح أبداً كما يقول Etienne Gilson. حجر الزاوية في مشروع الأكويني هي الحكمة التي يعيدها إلى ( somme théologique): “النعمة أو الفضل لا يدمران الطبيعية و لكن يجعلانها أكثر كمالاً، أو يحملانها إلى الكمال”. النعمة، العفو، الفضل لا تتعارض مع الطبيعة لأنه، إذا ” العالم” هو سيئ، فالخلق هو جيد. الحقيقة التي أوجدت بواسطة الله لها استقلاليتها وحقيقتها، ولها أيضا قيمها الخاصة. طبيعة الإنسان، سيطرته على أفعاله، كل هذا يجعل منه شريكا بجزء من الله. التقليل أو التصغير بالمخلوق هو ازدراء للخالق، أو أن الخالق هو مخطئ. كما نرى علم اللاهوت الأكويني حول الخلق يؤسس منذ ذلك التاريخ الطويل ” إنسانية مسيحية” أو نظرية مسيحية في حقوق الإنسان.

ماذا تقول الطبيعة بالنسبة للأكويني؟ من أجل معرفة ذلك، إنه يعود لمدرسة أرسطو و التي هي الممثل بامتياز للعقل الطبيعي. الأرسطية Aristotélisme ظهرت كتهديد، و الأكويني أسكنها ووضعها في داخل الفكر المسيحي. ربما سيكون من الزيادة هنا أن نقول : إن الأكويني قام بتنصير ” أو أدخل إلى المسحية” أرسطو. دون شك توماس الأكويني أخذ الكثير من أرسطو و الذي يدعوه ” الفيلسوف”، ولكن أيضا قام بتصحيحه أو عدَّل بعض الأشياء من أجل أن يدخله في تركيب synthèse مذهبي doctrinal ( ليس بمعنى طائفي ). الأكويني يتفق مع أرسطو من أجل اعتبار كل من ينقطع عن المدينة هو خارج الإنسانية المشتركة. لكن احترامه الكبير لأرسطو لم يمنعه من كتابة : ” لا يوجد أي فيلسوف قبل مجيء المسيح، ورغم كل جهوده، استطاع أن يعرف الكثير عن الله”.
إن الفكر السياسي عند توماس الأكويني هو جزء صغير من عمله الضخم. ونستطيع أن نصنفه كفكر كلاسيكي/ مسيحي لأنه هنا كما في مكان آخر، ” القديس توماس ” ينظر إلى تنظيم و في تركيب واحد: الطبيعي و ما فوق الطبيعي. من جهة إنه يستند بشكل واسع على التقليد الكلاسيكي وبشكل خاص على أرسطو: السياسة فن، ينضم في نظام طبيعي. ومن جهة أخرى إنه ينفصل عنها لأسباب تتعلق بالعقيدة: السياسة تتركز بشكل نهائي في نظام ما فوق طبيعي.

المؤسسة السياسية و النظام السياسي

كاتب الموضوع الأصلي: احمد المالكي1

يؤكد العلاّمة ابن خلدون “1332-1406” أن أهم خصائص المجتمع البشري وهو التضامن الاجتماعيSocial Solidarity والذي ينشأ نتيجة للضرورة necessity ، إذ لا يستطيع الفرد في الطبيعة أن يحيا بمفرده ما لم يكن في رفقة الآخرين لعدم قدرته على صنع أو إنتاج كل ما يحتاجه من الأدوات والسلع، ولكي يضمن الفرد إدامة نوعه وحصوله على السلاح والغذاء لابد أن يتعاون مع أبناء جنسه، غير أن التعاون هذا يؤدي أيضاً إلى اتساع حاجة المجتمع إلى استحداث الضوابط التي تحول دون قيام النزاع بين الأفراد بحكم وجود الطبيعة العدوانيةNatural Aggressiveللإنسان، فالأسلحة التي تصبح في متناول أفراد المجتمع تؤمن حمايتهم من أخطار الحيوانات الوحشية، لكنها لا تكفل حمايتهم من اعتداء بعضهم على بعض، كما لا تصلح أن تكون ضابطاً لسيطرة الزعامة عليهم مادامت في حوزتهم جميعاً، وإلى جانب ذلك فإن الضبط الاجتماعي لا يمكن توفيره عن طريق الحيوانات لقصورها من الناحية العقلية، وعلى هذا فليس أمام المجتمع إلاّ أن يحصر سلطة الضبط بيَد شخص واحد ليتولى حماية الأفراد من بطش بعضهم ببعض.

وتأسيساً على ذلك فإن السلطةAuthority هي خاصّة من خصائص الإنسان لملاءمتها لطبيعته ولأنه لا يستطيع أن يستغني عنها لإدامة بقائه. وإن الدولةState بالنسبة للمجتمع هي كالشكل بالنسبة للمادة، فكما يحفظ الشكل وجود المادة تحفظ الدولة وجود المجتمع، من هنا جاء ظهور النظم السياسية Politicil Institution التي تعد جزء من التنظيم العام للمجتمع والتي تهتم بإقامة وإدامة سيادة النظام في المجتمع عن طريق الممارسة المنظمة لسلطة رادعة من خلال استخدام القوة المادية، والقوة المادية تعني القدرة على إحداث أمر معيّن أو تأثير فرد أو جماعة على سلوك الآخرين بأساليب مقصودة، وقد يقُصد بها أيضاً السيطرة على الآخرين والتحكّم فيهم والتدخل في حرياتهم وإجبارهم على العمل بطريقة معينّة. وذلك لن يتم بطريقة عقلانية إلاّ من خلال السلطة التي تعني القدرة القانونية على ممارسة نفوذ فرد أو جماعة، ومن وسائلها إصدار الأوامر والنواهي مِمّن يملكها إلى الخاضعين لها ومراجعة أعمالهم وإثابتهم أو معاقبتهم.

متى ظهرت الدولة؟

وهناك اتفاق عام على أن السلطة السياسية بوصفها ظاهرة اجتماعية حديثة النشوء نسبياً إذ إنها ظهرت بنشوء المدنية.

لقد كان الإنسان في العصور البدائية يخضع لنظم قبَلية تستند على صلات القرابة، وكانت العلاقة بين الجماعة ورئيسها علاقة طوعية مبنية على الاحترام والثقة والمصالح المشتركة والولاء الطوعي، وتشد هذه العلاقة روابط القرابة والعصبية القبلية.

إن ظهور الدولة جاء مع زيادة حجم المجتمع وتعقّد الحياة فيه، وقد تعدّدت الآراء حول أسباب نشوء الدولة. فهناك من يشير إلى أنها نشأت نتيجة للحروب والنزاعات وتغلّب فئة على فئةٍ أخرى فيسيطر الغالب على المغلوب فتتكون بذلك الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة فيستغل الحاكم المحكوم. ونتيجة لهذا الوضع ينشأ الصراع الذي لابد أن يقترن بوجود سلطة عليا تقوم بالتنسيق والتجانس والتعاون بين الأفراد وبين الجماعات المختلفة، ففي البداية تكون السلطة مزيجاً من التنظيم الديني والاقتصادي والعسكري ثم تنتهي بالسلطة السياسية التي وصفت بأنها تجسيدٌ لممارسة السلطة نيابةً عن المجتمع.

وهناك رأي آخر يقول إن الدولة جاءت نتيجة لاجتماع الأفراد وتعاقدهم على إيجاد سلطة تعمل على تنظيم حياتهم وسد حاجاتهم نتيجة للفوضى التي كانت سائدة في ظل الحركة المطلقة للأفراد، وإذا ما أخلَّ صاحب السلطة بهذا العقد فالأفراد لهم الحق في عزله واختيار غيره، وهناك من يعزو نشوء الدولة إلى النزاع والصراع الطبقي واستغلال الطبقة القوية للطبقة الضعيفة وهو ما يسمى بالتفسير الماركسي للدولة.

إن الدولة بمفهومها الحديث عدد كبير من الناس يعيشون في إقليم معين بصورة دائمة ويتمتعون بالشخصية المعنوية والنظام والاستقلال. وهذا يعني أن الدولة تتكون من العنصر البشري المتمثل بالشعب، ومن وجود منطقة جغرافية محددة “الأرض” يسكنها الشعب بصورة دائمة، حيث لا يمكن أن تكون جماعة متنقلة دولة معينة، إذ لابد من وجود أرض ذات حدود معينة. أمّا الركن الآخر للدولة فهو السلطة، إذ لابد أن يكون لهؤلاء الناس الذين يقيمون في أرض معينة تنظيمٌ اجتماعيٌ من سلطة تمارس الإدارة والتوجيه فيه. وتعد السيادة أو الاستقلال من العناصر المكملة لكيان الدولة، وأضاف القانون الدولي عنصر الاعتراف بالدولة من قبل دول العالم، لكن هذا الاعتراف في الواقع لا ينشئ الدولة من العدم وإنما يقرر وجودها. أمّا الحكومة فهي عبارة عن جهاز سياسي منظم له إجراءاته ووسائله وعناصره البشرية التي تتعاون لتطبيق القواعد والتنظيمات المقنّنة في تلك الدولة، بمعنى أن الدولة لا يمكنها فرض سلطتها على أفرادها دون وجود حكومة تملك الحق الكامل لتنظيم السلطة.
وظائف الدولة

يمكن الوقوف على أهم وظائف الدولة من خلال النقاط التالية:

1- المحافظة على النظام:

تقوم كثير من المؤسسات الاجتماعية بدورها في المحافظة على النظام فالأسر والمدارس تتولى تنشئة الأبناء، كما أن المنظمات تغرس المبادئ الخلقية في نفوس الناس إلاّ أن المسوؤلية النهائية في المحافظة على النظام تقع على كاهل الحكومة والقانون الوضعي حيث يتوليان هذه المهمة في حالة فشل عملية التنشئة الاجتماعيةSocialization والضغوط الاجتماعية Social Pressures غير الرسمية في أداء مهامها، وتتضّمن المحافظة على النظام جانبين هما:

أ‌- فرض المعايير الاجتماعية:

إنَّ كافة الحكومات تعمل على تعزيز معايير السلوك الحيوية التي تحقق الاستقرار والتماسك الاجتماعي- بطريقة أو أخرى- ففي المجتمعات التقليدية يتم ذلك عن طريق العادات والتقاليد والدين، أمّا في المجتمعات الحديثة فيلعب القانون دوراً مهماً في ذلك الشأن.

ب- فض النزاعات والخصومات التي تنشأ بين الأفراد لاسيما في ظل المجتمعات الحديثة المختلفة التي نجد فيها جماعات قومية ودينية وعرقية وطبقية تتطلب ضرورة التدخل الواسع من قبل الدولة للحد من الصراعات بين المصالح المختلفة، وتنظيم المنافسة والقضاء على الانحرافات وتوجيه المجتمع للعمل بتناسق وانسجام.

2- المحافظة على الأمن الداخلي والخارجي

تقوم الدولة بأهم الوظائف الضبطية وهي حماية نفسها ضد الاعتداءات الخارجية عن طريق الحرب الاقتصادية والعسكرية. فالسياسة الاقتصادية تهدف إلى الحد من المنافسة الدولية حيث تتصارع الدول من أجل الأسواق الدولية للموارد الأولية والمنتجات الوطنية، وكذلك تضع الحواجز الكمركية وتعتمد أحياناً على المقاطعة الاقتصادية من أجل الوصول إلى أهدافها الاقتصادية الدولية، ويمكن أن تحمي الدولة نفسها ومجتمعها عن طريق الحرب أو التهديد بالحرب واللجوء إلى الاتحادات الدولية، هذا على الصعيد الخارجي.

أمّا على صعيد الأمن الداخلي فالدولة لها القابلية على إيجاد القواعد وفرضها في أعقد الظروف التي يمر بها المجتمع، ففي حالة الحرب مثلاً تفرض الدولة نوعاً معيناً من قواعد الضبط مثل وجوب الانخراط في الجيش والمشاركة في الحرب كذلك تستطيع السيطرة على الاقتصاد الوطني والسيطرة على وسائل الدعاية والنشر، كذلك الحال في حالة الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات وتفشي الأوبئة أو حدوث الأزمات الاقتصادية، فإن الدولة تصدر الأوامر المؤقتة وتفرض على المجتمع الانضباط بما تقتضيه هذه الأوامر، وكذلك الأمر في حالة الثورات، فالدولة تفرض قواعد جديدة في الأوقات الحاسمة للتحول الثوري وبعد أن تستقر الثورة ويصبح النظام الجديد أكثر رسوخاً تضع الدولة تشريعات جديدة لضبط النظام.

3- تمتلك الدولة سلطة القهر والإلزام والإشراف على تطبيق القواعد الاجتماعية والمناهج التربوية ودعم القواعد الاجتماعية من خلال سنّ القوانين التي تمنع تحدّي تلك القواعد حتى العرفية منها والقوانين التي تؤمن تطبيق القواعد الدينية مثل قوانين الأحوال الشخصية أو المدنية وغيرها من القوانين الأخرى ومراقبة تنفيذها ومعاقبة المخالفين لها، وتُقيم لهذا الغرض هيئات معينّة مثل الشرطة والمحاكم وهيئات التفتيش والمراقبة… الخ.

س: هناك من يرى أنَّ الدولة تمثل العبودية! وضح تلك العبارة؟

يعتقد بعض العلماء أن الدولة تمثل العبودية وهي شيء غير ضروري يقيّد الفقراء ويرضي الأغنياء، كما أنها لا تخدم أي هدف ولا وظيفة لها أبداً، كما يعتقدون أن الإنسان بطبيعته طيّب وعادل، وأن فساده جاء نتيجة لنظام الملكيةProperty وحماية الدولة له. فإذا ما ألغيت الملكية وترك الناس أحراراً فإن طبيعتهم الأساسية تدفعهم إلى التصرف بعقلانية وعدالة ومساواة وبذلك تتحقق المصلحة العامة للمجتمع.

إنَّ الواقع لا يؤيد مثل هذا الرأي، لأن الصراع موجود أينما وجد الإنسان وذلك بسبب اختلاف القيم والأهداف وأساليب تحقيقها، والصراعConflict والمنافسة Competion على القوة واتخاذ القرارات والتنظيم وغيرها من الأمور الموجودة دائماً وأبداً وفي كل المجتمعات البدائية والمتحضرة. كما أن هناك أفراداً- في كل مجتمع- لا يلتزمون بالقواعد والأساليب السائدة لقواعد السلوك الصحيح المحدّد لوحدة الجماعة وبقائها. فهم يهدّدون الحياة والأمن والاستقرار والملكية…الخ.

بالإضافة إلى ذلك هناك التهديدات الخارجية للمجتمع من قبل الدول الأخرى، كل هذا يجعل من الضروري وجود الدولة وحكومتها للعمل على تحقيق الضبط والحفاظ على وحدة المجتمع وبقائه.

الدولة القومية

كاتب الموضوع الأصلي: احمد المالكي1

ظهرت الدولة القومية مع بداية عصر النهضة في أوربا وكذلك الحمائية كعقيدتان مسيطرتان حالتا دون ظهور مساحة اقتصادية عالمية موحدة. وفقط كان يوجد ائتلاف بين ميادين اقتصادية تعبر عن التفاوت واللامساواة التي تحكم العلاقات الدولية. وكانت نتائج الحرب العالمية الأولى قد دفعت بالولايات المتحدة لتتقدم بخطى حثيثة إلى مصاف الدول العظمى بعد أن أصبحت ألمانيا المهزومة غارقة في التضخم وإعادة الاعمار، وفرنسا مشغولة بتضميد جراحها، وبريطانيا في تخبطها النقدي الذي قضى على عصر البرجوازية الريعية. بدأت الرأسمالية الأمريكية بالانفتاح على آفاق رحبة و جديدة دون أن تحل محل اللاعبين الأوربيين تماما.

وكان لثورة أكتوبر العظمى في روسيا الأثر الأكبر في زعزعة إمكانية وجود مساحة اقتصادية دولية متضافرة، أضف إلى ذلك التداعيات والانتكاسات التي حصلت للدولة العثمانية وهنغاريا والنمسا، وكلها جاءت كمقدمة للركود العالمي الخطير بإسقاطاته وتداعياته على العالم عام 1929م.

وأخيرا فإن أشياء جديدة ذات أهمية قد طرأت على ظاهرة العولمة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين منها:

1. انهيار أسوار عالية كانت تحتمي بها أمم ومجتمعات من تيار العولمة، ومن ثم اكتسح تيار العولمة مناطق مهمة من العالم كانت معزولة بدرجة أو بأخرى عنها. وبانسحاب المعسكر الاشتراكي من المنافسة بعد أن تم تحطيم سور برلين واشتعل فتيل الثورات الشعبية في دول المنظومة الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفيتي قد جعل الولايات المتحدة تعتنق رأسمالية هجومية تبدو صاحبة الرؤية المنتصرة لعالم يعاني من أزمة هوية ولنظام دولي لا توجد له ملامح واضحة.

إن ما يسمى بالنظام العالمي الجديد قد بدأ هجمته الجديدة باستعمال القوة العسكرية لردع كل من تخول له نفسه من الدول الكبيرة والصغيرة معارضة الهيمنة الأمريكية العسكرية والاقتصادية.

إن العالم ككل ومن ضمنه الوطن العربي بالطبع قد دفعته هجمته ما يسمى بالنظام الدولي الدولي الجديد إلى النوع من الخوف والذهول. ولا شك أن سرعة الأحداث التي عرفتها أوربا الشرقية وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بسلطة القرار أدت إلى تهميش المنظمات الجهوية و الدبلوماسية الأوربية، وجاءت سلوكيات الغطرسة واستعمال الأسلحة الفتاكة المتطورة أثناء حرب الخليج الثانية لنذهل وترعب الجميع، ولتخلق مناخا ملائما للحماية والانطواء على الذات في الدول الكولونيالية، وحذت حذوها الدول التوتاليتارية الناشئة بالانكفاء الاقتصادي استعدادا لحرب باتت أكثر من ممكنة.

وبعد انقطاع في مسار عولمة ما بين الحربين العالميتين فإنه عاد ليلتقط أنفاسه بعد الحرب العالمية الثانية رغم انقسام العالم إلى منظومتين أيديولوجيتين متناحرتين يجعل قيام اقتصاديات عالمية موحدة من أكبر المستحيلات، إلا أن المعسكر الغربي ذهب ليفصل اقتصاديات عالمية عالمي على قياسه، وكان أن بدأ في عام 1944م في برتين وودز Breton Woods بإنشاء النظام النقدي العالمي المتمثل في البنك وصندوق النقد الدوليين SUI واتفاقات التعريفة الجمركية والتجارة GATT التي تلعب دورا مهما في الاقتصاد العالمي تحت النفوذ الأمريكي صاحب الدعوة إلى إنشاء هاتين المؤسستين النقديتين الدوليتين.

وظهرت فيما بعد مطالب الدول النامية ونشوء المجموعة الإقتصادية الأوربية إضافة إلى بروز ألمانيا واليابان ومن بعدهما بلدان آسيا وآسيا الجنوبية الشرقية لتصبح عامل مضاف إلى المعسكر الشيوعي لتمنع سيطرة الرؤية والمفهوم الأمريكي أحادي الجانب الذي نشهده اليوم، بعد أن أصبح مبدأ السيادة يقدم من طرف الإدارة الأمريكية والدول الغربية التابعة لها خصوصا فرنسا وبريطانيا الأمر الذي جعل الحديث الآن ينصب على استكشاف فرص بقاء أو زوال النظام العلمي الجديد بوصفه الإطار السياسي لدعوة العولمة (11).

2. الزيادة الكبيرة في درجة تنوع السلع والخدمات التي يجري تبادلها على مستوى العالم، وتنوع مجالات الاستثمار التي تتجه إليها رؤوس الأموال المتنقلة من بلد إلى آخر، فلم تعد صادرات دولة أقل نموا تنحصر في مادة أولية واحدة ولا وارداتها في عدد محدد من السلع كما كانت الحال في ظل الاستعمار التقليدي، يبل تعددت هذه الصادرات وتنوعت الواردات وكذلك المجالات التي ينتقل إليها رأس المال الأجنبي بحثا عن فرص الربح.

3. تبادل المعلومات والأفكار بحيث أصبحت هي العنصر الغالب مع بقاء تبادل السلع ورؤوس الأموال عنصر مسيطر على العلاقات بين الدول والتي أصبحت فيها الشركات متعددة الجنسيات هي الوسيلة الأكثر فعالية ونشاطا في تحقيق هذا الانتقال للسلع ورأس المال والمعلومات والأفكار، بل وهي المهيمن على هذا الانتقال. وكما حلت الدولة محل الإقطاعية تدريجيا منذ خمسة قرون، تحل اليوم الشركات متعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة، والسبب في الحالين واحد: هو التقدم التقاني وزيادة الانتاجية والحاجة إلى أسواق أكثر رحابة فحدود الدولة القومية لم تعد هي حدود السوق الجديدة، بل أصبح العالم كله مجالا للتسوق والتسويق سواء كان تسويقا لسلع تامة الصنع، أو تسويقا لمعلومات وأفكار.

لقد أصبحت الشركات المنتجة تقفز فوق أسوار الدولة المنيعة والتي أصبحت من وقت إلى آخر أسواق شكلية سواء تمثلت في حواجز جمركية، أو حدود ممارسة السياسات النقدية والمالية، أو حدود السلطة السياسية أو حدود ممارسة السياسات النقدية والمالية، أو حدود السلطة السياسية أو حدود بث المعلومات والأفكار، أو حدود الولاء والخضوع.

أما كيف تتم هذه القفزات فوق ما كان يعتبر محرمات فيتم بالآتي:

الحواجز الجمركية

تتخطاها هذه الشركات، إما بالاستثمار المباشر داخل البلد المطلوب غزوه أو عن طريق اتفاقيات من نوع اتفاقية الجات وجولة أورجواي، وحدود ممارسة السياسة النقدية والمالية: وتتخطاها هذه الشركات بقدرتها على التهرب مما تفرضه الدولة من سياسات نقدية ومالية، أو بقدرتها على فرض ما تشاء ن سياسات على الدولة نفسها عن طريق ما يسمى ببرامج التثبيت الاقتصادي والتصحيح الهيكلي.

حدود السلطة السياسية

و يتم تخطيها باستبدال الرئيس أو ذلك (الزعيم) بآخر، أو بقاء هذا الزعيم نفسه وإجباره بطرق شتى على إتباع المسلك المطلوب.

بث المعلومات والأفكار

و قد تكفلت بتحطيمها أطباق التلفزيون وشاشات الكمبيوتر.

حدود الولاء والخضوع

ويتم بنشر أفكار تساعد على تحطيم موضوع الولاء القديم، وهو الوطن والأمة، وإحلال ولاءات جديدة محله، وأفكار من نوع (نهاية الأيديولوجيا) و (نهاية التاريخ) و (القرية العالمية)…الخ مما يصلح استخدامه مع جميع الأمم، أو من نوع (الشرق أوسطية) والقول بأننا لسنا عربا فقط بل أيضا شرق أوسطيين.

ولا تقوم الشركات متعددة الجنسية بأحداث هذه التغيرات بمفردها بل تعاونها مؤسسات أخرى، منها المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد والبنك الدوليين ووكالات الأمم المتحدة المختلفة العاملة في ميادين التنمية الثقافية ومنها أجهزة المخابرات في الدول الكبرى ومنها وسائل الإعلام والمؤسسات المانحة للجوائز الدولية المهمة، وكل هذه المؤسسات لا تدخر وسعا في تجنيد مفكرين وكتاب يرجون للعولمة والكونية، ويؤكدون أن الشعور بالولاء لأمة أو وطن قد أصبح من مخلفات الماضي التي يجب إهمالها ونسيانها (12).

هذه هي الصورة العامة لتراجع دور الدولة وانحسار نفوذها، وتخليها عن مكانتها شيئا فشيئا لمؤسسات أخرى تتعاظم قوتها يوما بعد يوم وتصبح الشركات متعددة الجنسية والعملاقة هي مصدر السلطة الحقيقية

الفكر السياسي الماركسي

كاتب الموضوع الأصلي: احمد المالكي1

ان القومية بمضمونها الحديث هي انتماء وليست فكرا فلسفيا او سياسيا او اقتصاديا، هي انتماء مجموعة بشرية تشترك بخصائص ومقومات مشتركة وتكون مكون اجتماعي له لغة واحدة ويعيش على ارض محددة وتجمعه مصالح مشتركة.

اما الدين أي دين هو فكر عقائدي وجداني وروحي ينظم علاقة الانسان بخالقه، قائم على ثوابت ايديولوجية تحكم تلك العلاقة ولا يجوز تغييرها من زمان ومكان الى آخر.

بينما الماركسية هي فكر فلسفي واقتصادي واجتماعي وسياسي متكامل يتناول مختلف جوانب حياة الانسان والمجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر مختلف مراحل تطور الحياة والمجتمع والانسان، وهو فكر يتطور مع تطور الحياة وحاجات الانسان.

ويحلل تطور التاريخ الاجتماعي للانسان تحليلا علميا ويستنتج ويستخلص من خلال ذلك ما هو ملائم ومنسجم مع الحياة المتجددة وقد صاغ ذلك بمنطلقاته النظرية المتمثلة في “المادية التاريخية” و”المادية الدايلكتيكية” و”الاقتصاد السياسي”.

فالماركسية منذ ظهورها وقفت بالضد من استغلال الانسان للانسان بكل اشكاله ووقفت ضد الظلم وعدم المساواة بين الناس داخل المجتمع الواحد المتعدد القوميات والاديان والمذاهب والطبقات.
وكذلك بين المجتمعات المختلفة ضمن اطارها الجغرافي كدول في مراحل الغزو والاحتلال والاستعمار عبر مراحل التأريخ دون ان تميز بين الظالمين والمظلومين بسبب الانتماء القومي او الديني او الطائفي او الطبقي، بل وقفت مع المظلوم ضد الظالم باعتبارها فكرا ينادي ويدعو الى الغاء الفوارق القومية والدينية والاجتماعية والجنسية واللونية والطبقية او غيرها بين البشر.

وبالتالي الماركسية فكر انساني مساواتي يبغي خلق المساواة ونشر العدالة بين الناس، وهو فكر يدعو الى السلام وينبذ الحروب، ويدعو الى بناء مجتمع تتساوى فيه الاقليات مع الاكثريات في كل شيء.
وكذلك يدعو الى توزيع ثروة المجتمع وفق الجهد المبذول في مرحلة بناء المجتمع الاشتراكي وفق المبدأ “من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله” وان يكون توزيع الثروة وفق “الحاجة” في مرحلة بناء المجتمع الشيوعي وفق المبدأ “من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته”.

من خلال هذا الاستعراض المبسط لتاريخ الفكر الماركسي وتطوره مع تطور حاجات الانسان كفرد وكمجتمعات عبر مراحل التاريخ وبرامج الاحزاب الماركسية والشيوعية وتلك التي تسترشد بالماركسية لا نجد اطلاقا اية طروحات فكرية تدعو الى رفض ومحاربة القومية وتدميرها.
كما لا نجد ما يدعو الى محاربة الدين كما يروج لذلك اعداء الماركسية.

فالماركسية لا تحارب ولا تعادي القومية كانتماء وانما تدعو الى نبذ ومحاربة فكر “شوفينية القومية” اي الفكر القائم على اساس التعصب والتعنصر القومي الذي يرفض وجود القوميات الاخرى ويدعو الى صهر القوميات الصغيرة في بوتقة القوميات الكبيرة السائدة والقضاء على تراثها وثقافتها وتقاليدها القومية وبالتالي الغائها من الوجود الوطني والاجتماعي كمكون قومي قائم بذاته، وتكون الضحية الاولى للفكر الشوفيني القومي الاقليات القومية كما كان الحال وما زال في بلداننا.

وبالعكس يكون المستفيد الاكبر من القضاء على الافكار الشوفينية وسيادة الثقافة الماركسية هي الاقليات القومية وحركاتها القومية الديمقراطية التحررية بدلاً من ان تعمل على محاربة الافكار الماركسية بحجة انها افكار معادية للقومية، بل على العكس من ذلك فان الاحزاب والحركات التي تسترشد بالمنطلقات النظرية والفكرية للماركسية هي تنظيمات صديقة ومساندة لحقوق الاقليات القومية التي تعيش في كنف المجتمعات المعبأة بالافكار الشوفينية القومية والدينية.

فالماركسية بالضد من الافكار الشوفينية والعنصرية والتعصبية التي تأخذ من القومية والدين ستارا لها لمحاربة ومعاداة الآخرين وليست بالضد من القومية كانتماء أو بالضد من الدين كعقيدة روحية وفكر سمح مسالم يعمل لخير وحرية الانسان.

ان اشاعة افكار وثقافة معاداة الماركسية كونها معادية للقومية والدين قد ظهرت مع بداية ظهور الفكر الماركسي في اوربا بدعوته الى تحرير المظلومين من الطبقات المسحوقة من ظلم الاقطاعيين وحلفائهم من رجال الكنيسة والبرجوازية الوطنية التي ظهرت مع ظهور عصر الدولة القومية والوطنية التي كانت مهيمنة على كافة وسائل الانتاج من الارض ووسائل الانتاج الصناعي واستغلالها للقوى العاملة بكل طبقاتها بغية زيادة فائض القيمة لصالح ارباب العمل في الزراعة والصناعة مع زيادة فقر وبؤس الطبقات العاملة.

لذلك اطلقت الطبقات الحاكمة التي اصبحت مصالحها مهددة حملة شعواء معادية للماركسية وكونها تحارب الدين لانها رفضت ظلم رجال الكنيسة كمؤسسة لها دورها في ادارة شؤون الدولة، وانها تحارب القومية لانها رفضت ظلم رجال الدولة القومية الوطنية والاقطاعيين في اضطهاد ابناء الاقليات القومية التي تعيش في كنفها وتحت رعايتها.

هكذا اصبحت الماركسية في ظل قوة سيطرة رجال الكنيسة والبرجوازية الوطنية والاقطاعيين على الدولة ووسائل الاعلام متهمة بمعاداة القومية والدين ومع الأسف الشديد ان مثل هذه الأفكار المشوهة انتشرت بين ابناء الأقليات القومية والدينية التي عانت وتعاني من ظلم الشوفينية القومية والتعصب القومي والديني وتبشر بأفكار هتلر وموسليني ونيتشه وغيرهم من المغالين في التعصب القومي والعرقي باعتبارها أفكار تنتشلهم من واقعهم المرير القائم على القهر القومي والديني والعرقي.

الفكر السياسي لإبن خلدون و الفارابي

كاتب الموضوع الأصلي: احمد المالكي1

يرى ابن خلدون أن الاجتماع الإنساني ضروري وأن الحكماء قد عبروا عن هذا بقولهم: “الإنسان مدني بالطبع”(12)، فلقد اتفق في هذا الرأي مع أفلاطون(13) وأرسطو(14)، وردد بعض حججهم، بل واتفق أيضاً مع الفارابي(15)، وابن الربيع(16) اللذين سارا على المنهج اليوناني مبيّناً: “… أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء غير موفية لـه بمادة حياته منه ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلاً، فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري. هب أنه يأكله حباً من غير علاج، فهو أيضاً يحتاج في تحصيله حباً إلى أعمال أخرى أكثر من هذه، الزراعة والحصادة والدارس الذي يخرج الحبّ من غلاف السنبل، ويحتاج كل واحد من هذه إلى آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير، ويستحيل أن توفي بذلك كله أو بعضه قدرة واحدة فلابد من اجتماع القدرة الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت لـه ولهم فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم لأضعاف.‏
وهذا التعاون عنده ليس فقط لتسهيل الحياة بل لاستمرارها وبقاء الجنس البشري و”ما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل لـه قوت ولا غذاء ولا تتم حياته، لما ركّبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته ولا يحصل لـه أيضاً دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة للحيوانات ويعاجله الهلاك عن مدى حياته، ويبطل نوع البشر”(18).‏
غير أن ابن خلدون اختص وتميّز عن حكماء اليونان ومن تابعهم بأنه رأى أن هذا التعاون والتجمع بين الناس، لا يحصل إلا بالإكراه الذي يأتي من الدولة التي تقوم على الصالح العام لإدراكها لـه ومعرفتها به، وإلا سيصبح سلوك الإنسان حيوانياً، يأكل القوي الضعيف. يقول ابن خلدون موضحاً ذلك “… فلابدّ من وازع يدفع بعضهم عن بعض، لِمَا في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم… فلابدّ من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض… ويكون الوازع واحداً منهم يكون لـه عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان، وهذا هو الملك”(19). كما يقول أيضاً في فصل “إن السعادة والكسب إنما تحصل غالباً لأهل الخضوع والتملق وأن هذا الخلق من أسباب السعادة”، “… ثم إن هذا التعاون لا يحصل إلا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع، ولما جعل أهم من الاختيار… وقد يمتنع من المعاونة فيتعين حمله عليها، فلابدّ من حامل يكره أبناء النوّع على مصالحهم، لتتم الحكمة الإلهية في بقاء هذا النوع”(20)
يبدو أن نظرية إكراه الدولة على التعاون قد تشابهت كثيراً مع نظرية هيجل (1770/ 1831م) القائلة إن الدولة وحدها هي المُدركة للصالح الحقيقي للشعب، ومن ثمَّ فإرادتها هي الواجب فرضها من فوق إلى تحت(21).‏
وعلى الرغم من أن ابن خلدون رأى أن الدولة لها خاصية الإكراه، فإن هذا الإكراه ـ الذي رآه ـ يعدّ إيجابياً، إذ يحمل الناس على التعاون وعلى الاستمرار، ولم يفته أبداً التركيز على الأخلاق، بل إنه ربط بين السياسة والأخلاق، فالأخلاق تكسب الدولة القوة، وزوالها سبب للضعف والانهيار. “… اعلم أن الدنيا وأحوالها كلها عند الشارع مطية للآخرة ومن فقد المطية، فقد الوصول، وليس مراده فيما ينتهي عنه أو يضمّه من أفعال البشر أو يندب إلى تركه إهماله بالكلية، أو إقلاعه من أصله وتعطيل القوى التي نشأ عليها بالكلية إنما قصده تصريفها في أغراض الحق جهد استطاعه حتى تصير المقاصد كلّها حقاً، وتتحد الوجهة…”(22). كما ربط ابن خلدون بين حسن الملكة والرفق وبين الظلم وخراب الدول الحتمي”… فإن الملك إذا كان قاهراً باطشاً بالعقوبات، منقباً عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم شملهم الخوف والذل ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلقوا بما فسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن الحرب والمدافعات وفسدت الحماية بفساد النيّات، وربما اجتمعوا على قتله لذلك فسدت الدولة ويخرب السياج”(23)، ثم إن الرفق عنده يتطلب من السلطان “النعمة” على الرعية، التي يفسرها تفسيراً اقتصادياً إذ تقوم بـ”النظر لهم في معاشهم” فالرعاية هي النسيج الذي يربط بين السلطان والرعية وتنشر بينهم المحبة(24) وفي هذا يقول: “… أما توابع حسن الملكة فهي النعمة عليهم والمدافعة عنهم، فالمدافعة بها تتم حقيقة الملك، وأما النعمة عليهم، والإحسان لهم فمن جملة الرفق بهم، والنّظر لهم في معاشهم، وهي أصل كبير في التحبّب إلى الرعية(25).‏
يرى ابن خلدون أن هناك تلازماً بين الدولة والمجتمع فالمجتمع لا شكل لـه دون دولة إذ هي التي تعطيه شكله فهماً كالصورة والمادّة اللتين يتلازمان في فلسفة أرسطو تلازماً لا يمكن معه اكتشاف أي مادة دون صورة أو أي صورة دون مادة ما عدا حالة مستثناة وهي صورة الله(26) وهذا التصور الميتافيزيقي أخذ به هيجل الذي ذكر أن الشعب مجرد من السلطة لا شكل لـه وإنما الدولة هي التي تضفي عليه الشكل(27). يقول ابن خلدون “… والسبب الطبيعي الأول في ذلك على الجملة أن الدولة والملك للعمران، كالصورة للمادة، وهو الشكل الحافز بنوعه لوجودها، وقد تقرر في علوم الحكمة أنه لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر، فالدولة دون العمران لا تتصور والعمران دون دولة والملك متعذر”(28).‏
لقد رفض ابن خلدون أن يكون الحاكم مفرط الذكاء أو مفرط الغباء أو فيلسوفاً أو عالماً فقيهاً. وهذا ـ كما يبدو ـ “… إفراط في الفكر، كما أن البلادة إفراط في الجمود، والطّرفان مذمومان من كل صفة إنسانية والمحمود هو التّوسط”(29) فالحاكم الذكي يكلف الناس فوق طاقتهم”… اعلم أنه قلّما تكون ملكة الرفق في من يكون يقظاً شديد الذكاء… وأقل ما يكون في اليقظ أنه يكلف الرعية فوق طوقهم لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم واطّلاعه على عواقب الأمور في مباديها بألمعيته فيهلكون”(30). واتخذ من قصة زياد بن أبي سفيان مثالاً، لما عزله عمر عن العراق فقال له: “لم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ ألعجز أو لخيانة، فقال عمر: “لم أعزلك لواحدة منهما، ولكنني كرهت أن أحمل فضل عقلك على النّاس”(31). ولا شك أيضاً أن ابن خلدون اعتمد في هذا على الوسطية التي نادى بها الإسلام.‏
أما الفلسفة فقد أبطلها ابن خلدون وجعلها مفسدة للملك ومخالفة للدين(32). وهو بهذا الرأي خالف تماماً ما ذهب إليه أفلاطون في جمهوريته، في أن أحق الناس بالحكم هم الفلاسفة وحدهم(33). أما العلماء الفقهاء فهم “يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس الفقهي، فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذّهن، ولا تصير إلى المطابقة إلا بعد الفراغ من البحث والنّظر، أو لا تصير بالجملة إلى مطابقة…”(34).‏ يعارض ابن خلدون الفكرة القائلة أن النّبوة ضرورية لتأسيس الحكومة إذ لا يتأتّى قيام دولة ما دون إرشاد من الله، فالله يبدي إرادته بواسطة نبي يرسله إلى الناس، وأولئك الرسل هم الذين يؤسسون الحكومات ويسنّون الشرائع(35). والتاريخ يؤيد ما ذهب إليه ابن خلدون، إذ كثير من الشعوب عاشت دون أن تُسن شرائعها على أيدي رسل(36)، وقد قدم مثالاً عن المجوس يقول فيه: “… فأهل الكتاب والمتبعون للأنبياء قليلون بالنسبة إلى المجوس الذين ليس لهم كتاب فإنهم أكثر أهل العالم ومع ذلك فقد كانت لهم الدول والآثار، فضلاً عن الحياة”(37).‏
إذن، المهم أن تحكم الدولة قوانين سياسية، وإلا سوف لن تستمر، وقد وضح ذلك في قوله: “… فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة’ وينقضون إلى أحكامها… وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة، لم يستتب أمرها ولا تتم استيلائها(38).‏
ويصنّف هذه السياسات إلى أربعة أنواع:‏
ـ سياسة دينية مستمدة من الشّرع منزلة من عند الله وهي نافعة في الدنيا والآخرة.‏
ـ سياسة عقلية تتمثل في القوانين المفروضة من “العقلاء وأكابر الدولة وبصائرها” وهي حمل الكفة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار(39).‏
ـ سياسة طبيعية، وهي حمل الكفّة على مقتضى الغرض والشهوة.‏
ـ سياسة مدينة “وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع، وإنما يتكلمون عنها على جهة الفرض والتقدير، ويسمّون المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمّى من ذلك بالمدينة الفاضلة والقوانين المراعاة في ذلك بسياسة المدينة(40).‏
أما الحكم الذي يفضله ابن خلدون، فهو الخلافة الشرعية، وهي “حمل الكفة على مقتضى النّظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية، وهي في الحقيقة نيابة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا”(41)، وذلك لأن أحكام الملك “في الغالب جائرة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم، لحمله إيّاهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته”(42).‏
يقرن ابن خلدون لفظ إمامة بلفظ خليفة أمّا تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصّلاة في اتباعه والاقتداء به، وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي( في أمته، فيقال خليفة بإطلاق وخليفة رسول الله((43) وهو على الرغم من أنه ذَكَر أن الخليفة والملك، خلفاء الله في عباده، إلا أنه لم يكن يقصد بذلك الحق الإلهي أو التيوقراطية في الحكم، كغيره من المفكرين الإسلاميين، فالقرآن ينص على أن جميع النّاس خلفاء الله في الأرض وليس أناساً بعينهم وقد تنبه ابن خلدون لذلك وذكر قول أبي بكر القائل: “لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله(“.‏
ولخّص ابن خلدون شروط الخلافة في الإجماع، وهذا راجع إلى اختيار أهل العقد والحل، علاوة على شروط أربعة وهي العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل، أما النسب القرشي فقد ذكر أنه قد اختلف عليه.‏
وللخليفة مسؤولية حفظ الدين وسياسة الدّنيا، أما حفظ الدين فعن طريق الخطط الدينية المتمثلة في إمامة الصلاة، وإعطاء حق الفتوى إلى أهل العلم وإعانتهم على ذلك وإبعاد من ليس أهلاً لها، ومباشرة القضاء والإشراف على العدالة والحسبة والسكّة(44).‏
أمّا الخطط السلطانية التي تُدرج في مهام سياسة الدنيا فأولها الوزارة وهي أم الخطط السلطانية والرّتب الملوكيّة لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة وهي مأخوذة من المؤازرة وهي المعاونة، أو من الوزر وهو الثقل وقد يصبح الوزير مستبداً بالحكم، ويكون هو القائم بالحكم، وهنا تسمى الوزارة وزارة تفويض، وحينما يكون السلطان قائماً على نفسه تكون الوزارة وزارة تنفيذ، وهذا ما عبر عنه، أيضاً، الماوردي(45) في الأحكام السلطانية. ثم الحجابة، والحاجب هو من يحجب السلطان عن العامة ويغلق بابه دونهم، ويفتحه لهم على قدره في مواقيته، وديوان أعمال الجبايات وهو القيام على أعمال الجبايات وحفظ الدولة في الدخل والخرج وإحصاء العساكر بأسمائهم وتقدير أرزاقهم وصرف أعطياتهم ثم ديوان الرسائل والكتابة والشرطة وقيادة الأسطول.‏
وأعطى ابن خلدون مقاماً كبيراً للجغرافية في صنع الظواهر الاجتماعية ثم السياسية، فإلى اختلاف الأقاليم الطبيعية يعود ما يميز المجتمعات بعضها من بعض، في ألوانها ونشاطها وشجاعتها وكثرة عددها أو قلته وما فطرت عليه من طبائع باختلاف مساكنها على سطح الأرض من جبل أو سهل أو صحراء ومن منطقة باردة أو حارة أو معتدلة، ومن منزل خصب إلى واد ليس ذي زرع(46) بل وذهب إلى أن النظام الغذائي أيضاً يؤثر على البناء الفيزيولوجي والبناء النفسي وما يترتب على هذه وتلك من الأبعاد السياسية(47).‏
يقسم ابن خلدون الكرة الأرضية إلى سبعة أقاليم، أعدلها الإقليم الرابع وما يحيط به من الإقليم الثالث والخامس،والثاني والسادس بعيدان عن الاعتدال، أما الأول والسابع فهما أبعد بكثير. ولهذا كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات والفواكه وجميع ما يتكوّن في هذه الأقاليم الثلاثة المتوسطة مخصوصة بالاعتدال وسكانها من البشر أعدل أجساماً وألواناً وأخلاقاً وأدياناً، حتى النبوّات فإنما توجد ـ في الأكثر ـ فيها ولم نقف على خبر بعثة في الأقاليم الجنوبية ولا الشمالية… وأهل هذه الأقاليم أكمل لوجود الاعتدال لهم، فتجدهم على غاية من التوسّط في مساكنهم وملابسهم وأقواتهم وصنائعهم،… وهؤلاء أهل المغرب والشّام والحجاز واليمن والعراقين والهند والسند والصين وكذلك الأندلس ومن قرب منهما من الفرنجة والجلالقة والروم واليونانيين(48).‏
يؤيد تاريخ الحضارة فعلاً ما ذهب إليه ابن خلدون، فالحضارات الكبرى، كالحضارة الإسلامية والساسانية واليونانية، والرومانية لم تكن إلا في المناطق المعتدلة.‏
يخصص ابن خلدون بعد ذلك جزءاً للحديث عن أثر الهواء في اختلاف البشر ويذكر أن الحَرّ يُولّد الخفة والطيش وكثرة الطّرب والولع بالرقص والغفلة عن العواقب، على عكس المناطق الباردة التي ترى أهلها يميلون إلى الحزن ومفرطين في النّظر إلى العواقب(49)، ثمّ يتحدث عن اختلاف أحوال العمران في الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر وأخلاقهم ويذكر أن المتقشفين من أهل البادية والحضر ممن يأخذ نفسه بالجوع والتّجافي عن الملاذ أحسن ديناً وإقبالاً على العبادة من أهل التّرف والخصب “ألوانهم أصفى، وأبدانهم أنقى، وأشكالهم أتم وأحسن، وأخلاقهم أبعد من الانحراف وآذانهم أثقب في المعارف والإدراكات”. كما ذهب إلى أن التحمّل والجلد والصّبر هي من سمات أهل الجوع(50)، ولاشك أنه هنا تأثر بالحديث النّبوي القائل: [المعدة بيت الداء]، ولا يخفى أن ابن خلدون سبق الدراسات الطبيّة الحديثة التي تقوم على الغذاء وتجعله سبباً لكل داء.‏
لقد كان ابن خلدون رائداً لعلماء الغرب في الربط بين الظواهر الجغرافية والظواهر الاجتماعية والسياسية، لقد تأثر به منتيسكيو (1689-1755م) وأعلن أن مجتمعات الطّقس الحر تميل إلى الخمول والكسل، ومجتمعات الطقس البارد تميل إلى النشاط والحيوية، ففي نظره كلّما كان الطقس حاراً ساد الحكم الاستبدادي، وكلّما كان بارداً كان ملائماً لظهور الديمقراطيات، فالاسترخاء والكسل يساعدان الناس على الخضوع للحاكم المستبد والبرودة تساعد الشعوب على الوصول إلى الحرية السياسية، كما أن الأرض السهلة التي لا تمنح مانعاً طبيعياً للمقاومة والدّفاع ينشأ فيها نظام استبدادي طغياني، أما الأرض الجبلية فتمنح النّاس الشجاعة والبطولة، وتساعدهم على المقاومة الطويلة وبدهي أن الديمقراطيات تقوم فيها، بينما تكون السهول مكاناً ملائماً لقيام الحكومات الاستبدادية(51).‏
في الواقع، أن منتسكيو غالى كثيراً في رأيه، وفاته أن ابن خلدون قد أعطى قيمة للمناخ والطبيعة، لكنه أدخل في حسابه عوامل أخرى لتكوين الظاهرة السياسية كالدين والعصبية والظروف الاقتصادية والتربية والتعليم حيث نراه يقول: “إن الإنسان ابن عوائده ومألوفه”(52).‏

يَقسم ابن خلدون سكان الدولة إلى بدو وحضر وسكان الصحارى المتوغلين فيها البعيدين عن الحضارة، وهو يدعوهم بالمتوحشين. غير أنه أشاد كثيراً بسكان البدو، “فهم أصل للمدن والحضر وسابق عليها”، وعرفهم قائلاً: “فهم المنتحلون للمعاش الطّبيعي من الفلاحة والغراسة والزراعة والقيام على الأنعام، وأنهم مقتصرون على الضروري في الأقوات والملابس والمساكن، وهم يعيشون في القرى والأرياف، لأنها متّسع لما لا تتسع لـه الحواضر من المزارع والمسارح للحيوانات، فأهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيّئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر”. “وأهل البدو إن كانوا مقبلين على الدنيا، إلا أنهم في المقدار الضروري لا في التّرف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها، وهم أقرب إلى الشجاعة من الحضر وأكثر تلاحماً “لأنهم عصبية وأهل نسب واحد” وأكثر حياء ووقاراً يحترمون مشايخهم وكبراءهم الذين يشرفون عليهم ويكونون وازعاً لهم(53).‏

أما أهل الحضر فـ”لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدّنيا والعكوف على شهواتهم منها، قد تلوثت أنفسهم بكثير من الشّرور، وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه “كما أنهم يتخاذلون ويتقاعسون” ووكلوا أمرهم والمدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم الحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولّت حراستهم” على المبدأ القائل “إن قوماً يلبسون السراويل المطرزة بالورود الجميلة لن يستطيعوا الدفاع عن مفاخرهم الوطنية في ميدان القتال”(54) ثم إن أهل الحضر ساءت أخلاقهم وابتعد عنهم الحياء ” حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم، ولا يصدّهم عنه وازع الحشمة، لما أخذتهم به عوائد السوء والتظاهر بالفواحش قولاً وعملاً… إن الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير”.‏

إن هذه الموازنة بين البدو والحضر هي التي انتهى منها ابن خلدون إلى نظرية العصبية التي هي صلب نظرياته السياسية، وأساس وجهة نظره في الحكم والقوة والدولة، لقد ابتكرها ابتكاراً وأيدها بما شاهده من أحوال الأمم التي عاشها وسمع عنها.‏

يعرف ابن خلدون العصبية بـ”نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته… وما جعل الله في قلوب عباده من الشّفعة والنّعرة على ذوي أرحامهم وقرباهم موجودة في أتباع البشرية، وبها يكون التعاضد والتناصر “ويقول في موضع آخر”… إن صلة الرحم طبيعية في البشر إلا في الأقل، ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة… فإذا كان النّسب الواصل بين المتناصرين قريباً جداً بحيث حصل به الاتحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها وضواحيها… وهذا الباب، الولاء والحلف، إذ نعرة كل أحد على أهل ولائه وخلفه للأنفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسبها بوجهة من وجوه النسب، وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النّسب أو قريب منها…”(55).‏

إذن، العصبية عند ابن خلدون هي “النعرة والتناصر”(56) بين الجماعة، عن طريق الدّم الواحد وعن طريق الجيرة أو الحلف أو الولاء أو طلب الحماية “أو الفرار من قومه بجناية أصابها”(57) بل إنه أدرج موالي الجماعة وعبيدها وصنّاعها ضمن عصبيتها”، فإذا اصطنع أهل العصبية قوماً من غير نسبهم أو استرقّوا العبيد والموالي والتحموا بهم… ضرب معهم أولئك الموالي والمصطنعون بنسبهم في تلك العصبية ولبسوا جلدتها كأنها عصبيتهم”(58).‏ فابن خلدون لم يكن ضيق الأفق بطرحه لنظرية العصبية، ولم يكن يقصد بها الدّم وحده، بل كل ما يؤدي إلى الالتحام والمناصرة عن طريق “العشرة والمدافعة، وطول الممارسة، والصحبة بالمربى والرضاع وسائر أحوال الموت والحياة”، بل إنه أوضح أن العصبية بالدم أقل قيمة من كل هذه الرّوابط “لأن أمر النّسب وإن كان طبيعياً فإنما هو وهمي”(59).‏

وذكر ابن خلدون كل الرّوابط التي تؤدي إلى العصبية التي عرفت في زمانه، وهذا لا يعني أن هذه النّظرية ليست صالحة لهذا الزّمان، ذلك أن رابطة الحزب السياسي، والجمعيات والأحلاف والاتحادات والمبادئ السياسية والقوميات كلّها تندرج في مفهوم العصبية التي جاء بها، والدّول الحديثة لا زالت تبنى على العصبيات. وإذا كان ابن خلدون لم يذكر هذه الروابط فذلك لأنها لم تكن معروفة في عهده.‏

العصبية عند ابن خلدون هي أساس القوة، ثم هي أساس التّغلب الذي هو أساس الرّئاسة، وعنها يقول: “ولما كانت الرياسة إنما تكون في الغلب، وجب أن تكون العصبية ذلك النّصاب أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب بها وتتم الرياسة لأهلها “فلا يمكن أبداً الامتزاج والاجتماع والدّول بعصبيّات متكافئة القوى، “فالعصبيات لابدّ أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل، حتى تجمعها وتؤلفها وتصيّرها عصبية واحدة شاملة لجميع العصائب وهي موجودة في ضمنها”(60)، ثم يستطرد ويذكر أن هناك نوعين من العصبية، عصبية خاصة وأخرى عامة، فكل حي أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام، فبينهم أيضاً عصبيات أخرى لأنساب خاصة هي أشد التحاماً من النّسب العام لهم، والنّعرة تقع من أهل النّسب الخاص، أو من أهل النّسب العام، إلا أنها في النّسب الخاص أشد لقرب اللحمة، لذا تكون أكثر قوة، ويجب عليها الرّياسة.‏

يذهب ابن خلدون إلى أن أهل البدو أقدر على التغلّب وصنع الدّول لشجاعتهم وإقدامهم وبسالتهم وخصوصية نسبهم وصراحته وقوة عصبيتهم “ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد، لأنهم بذلك تشتدّ شوكتهم ويخشى جانبهم”(61) فكلّما كان الجيل وحشياً كان أشد شجاعة، وكلّما تحضّر نقصت الشّجاعة وضاعت الغلبة، ومثلهم في ذلك مثل بعض الحيوانات التي تفقد وحشّيتها حينما تدجّن وتخالط الآدميين، ويبين أن أهمية العصبية ليست فقط للوصول إلى الغلبة والرياسة بل “في كل أمر يحمل الناس عليه من نبوّة أو إقامة ملك أو دعوة، إذ بلوغ الغرض من ذلك كلّه إنما يتم بالقتال عليه لما في البشر من الاستعصاء(62).‏

وكما تحتاج الدّعوة الدّينيّة إلى عصبية تقوم بها على مبدأ ما جاء في الحديث النّبوي “ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه”(63)، فإن العصبية تحتاج إلى دعامة الدين حتى تقضي على التّنافس والتّحاسد اللذين ينبعان من أهل العصائب الأخرى ومن أهل العصبية الحاكمة أيضاً “فالصبغة الدّينية تذهب بالتنافس والتّحاسد الذي في أهل العصبية، وتفرد الوجهة إلى الحق…”، كما أنها تؤلف بين جميع القلوب “وسرّه أن القول إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التّنافس وفشا الخلاف وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله واتّحدت وجهتها، فذهب التنافس، وقلّ الخلاف، وحسن التّعاون والتّعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة”(64) كما يذكر أيضاً: “واعتبر ذلك إذا حالت صبغة الدّين، وفسدت كيف ينتقد الأمر ويصير الغلب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدّين. فيغلب الدّولة من كانت تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوة عليها الذين غلبتهم بمضاعفة الدين بقوتها، وكانوا أكثر عصبية منها وأشد بداوة”(65).‏

إنّ السياسة ليست منفصلة عن الدّين ومثاله عن العرب الذين “نبذوا الدين فنسوا السّياسة” وبُعد عهدهم عن السياسة لما نسوا الدين(66). كما تحتاج العصبية ـ للتغلب أيضاً ـ إلى الأخلاق الحميدة وإلا ستصبح كشخص مقطوع الأعضاء”، إذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية لفروعها ومتمماتها، وهي الخلال، لأن وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ظهوره عرياناً بين النّاس”(67) ثم إن الفضائل السياسية ليست ضرورية للحاكم وحده بل ضرورية لبقاء عصبيته وقبيلته على الرّياسة”… وبالعكس من ذلك إذا تأذّن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرّذائل، وسلوك طرقها، فتفقد الفضائل السّياسية، منهم جملة ولا تزال في انقراض إلى أن يخرج الملك من أيديهم”.‏

والواقع أن أهميّة الدّين في تغلب العصبية ثم الدّول لم تكن خاصّة بالعصبيات العربية والدول الإسلامية التي عرفها ابن خلدون، فانظر كيف استعمل التّبشير بالمسيحية لدى الدّول الأوروبية حينما بدأ الاستعمار الحديث، لقد ذكر شنكال رئيس غرفة التجارة في همبرغ “إن نموّ ثورة الاستعمار متوقف على أهمية الرجال الذين يذهبون إلى المستعمرات، وأهم وسيلة للحصول على هذه الأمنية إدخال الدين المسيحي في البلاد المستعمرة، لأن هذا هو الشّرط الجوهري للحصول على الأمنية المنشودة حتى من الوجهة الاقتصادية”(68). ثم ألم تقم وتقوى إسرائيل بالدّين؟ ألم تجمع اليهود شتاتاً من كل العالم ليكوّنوا دولة حملت شعار الدين اليهودي؟.‏

لم يفت ابن خلدون أن يتحدّث عن أهمية عدد أهل العصبية فإن قوة واستمرار العصبية مرتبطان بكثرة عددها(69) “والسبب في ذلك أن الملك إنما يكون بالعصبية وأهل العصبية. لهم الحامية الذين ينزلون بممالك الدولة وأقطارها وينقسمون عليها، فما كان من الدولة العامة قابلها وأهل عصابتها أكثر، كانت أقوى وأكثر ممالك وأوطاناً وكان ملكها أوسع لذلك”(70).‏

فأهل العصبية يتوزعون حصصاً على الممالك والثغور، ويقومون بالحماية والجباية، “إن كانت العصابة موفورة، ولم ينفذ عددها في توزيع الحصص على الثغور والنّواحي، بقي في الدولة قوّة على تناول ما وراء الغاية، حتى ينفسح نطاقها إلى غايته”، فغاية العصبية الغالبة هي التغلّب على عصبيات أخرى بعيدة عنها، فسوف لن تكتفي بالتّغلب على العصبيات التي تحيط بها فقط، فالهدف أكبر من ذلك” وإن غلبتها واستتبعتها التحمت بها أيضاً، وزادت قوة في التّغلب إلى قوتها. طلبت غاية من التّغلب والتحكّم أعلى من الغاية الأولى وأبعد. وهكذا دائماً حتى تكافئ بقوتها قوة الدولة”(71) ولذلك تقوم قوتها في كثرة عددها كما أنه أوضح أنه إذا حصل الملك والتّرف كثر التّناسل والعمومية فكثرت العصابة(72).‏

تحدث ابن خلدون أيضاً عن النسب الشريف وأهميته في القوة المعنوية للعصبية مبيّناً “أن ثمرة الأنساب وفائدتها إنما هي العصبية، للنعرة والتّناصر، فحيث تكون العصبية مرهوبة ومخشية والمنبت فيها زكي محمي تكون فائدتها” لكنه مع ذلك يعترف أن الحسب والنسب كائن فاسد لا يدوم على وتيرة واحدة من قوة ومنعة، بل إنه لا يعطي قيمة للحسب الطّبيعي “إلا ما كان من ذلك للنبي( كرامة به وحياطة على السّر فيه” فالشّرف والحسب عنده إنما هما الخلال ويذكر أن لهما دورة واضحة محددة حيث إن نهايتهما في أربعة أجيال، الأول باني المجد عالم بما عانه في بنائه ومحافظ على الخلال التي هي أسباب كونه وبقائه، وابنه من بعده مباشر لأبيه فقد سمع منه ذلك وأخذه عنه إلا أنه مقصر في ذلك تقصير السّامع بالشيء عن المُعاني له، أما الثالث فكان حظه الاقتفاء والتقليد خاصة فقصر عن الثّاني تقصير المقلد عن المجتهد، أما الرابع فقصّر عن طريقتهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم، وتوهّم أن ذلك البنيان وجب لهم بمجرد انتسابهم، فيربأ بنفسه عن أهل عصبيته. ويستدرك ابن خلدون ويذكر أنه قد يتصل أمر الشرف بالخامس والسادس لكن في الغالب أربعة أجيال(73).‏

هكذا الدولة أيضاً، تولد، وتبلغ أشدها، وتموت، فهي عنده كائن حي تعيش وتتقدم وتتلوها فترة من الضعف ثم الانقراض، والذي يتحكم في ذلك نمط الإنتاج والانتقال الاقتصادي من البداوة إلى الحضارة، وليس من العناية الإلهية كما رأى أوغستين (354-430م) حيث قال: “إن الدولة تقوم بأمر الله وتستمد قوتها منه”(74). فحياة الحضر شرط عند ابن خلدون للتقدم الثقافي والاقتصادي لكنها أيضاً مصدر للفساد والتّدهور والنّهاية والانحطاط فحياة الشعوب الماديّة هي التي تصنع السياسات وهو بهذا الفكر المادي التاريخي (المادية التاريخية) سلف سابق لماركس. ولهذا فإن الدولة عنده لها أعمار طبيعية، لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال في الغالب، والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط، وهو بلوغ سن الأربعين الذي هو انتهاء النّمو والنّشوء إلى غايته متأثر هنا بقول الله: (حتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ الأَرْبَعينَ سَنَة(، فعمر الدولة إذن، في الغالب، مائة وعشرون سنة. أما الجيل الأول فيتغلب ويقيم دعائم السلطان، لأنه ما زال على خلق البداوة، والعصبية محفوظة فيه ولذلك يكون “جانبهم مرهوباً والناس لهم مغلوبين(75). أما الثاني فيتحول بالدولة من حال البداوة إلى حال التّرف والحضارة فتنكسر قليلاً ثورة العصبية، بعض الشيء، وتؤنس منهم المهانة والخضوع. أما الثالث فينسى عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن “ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ التّرف فيهم غايته بما تفنّقوه من النعيم وغضارة العيش فيصيرون عيالاً على الدولة ومن جملة النسّاء والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم”. وهنا يحتاج صاحب الدولة إلى من يدافع عنها وعنه فيستعين بالموالي لأن من فيها لن يسعفوه وتضل هكذا الأمور حتى يأذن الله بالنّهاية(76).‏

صحيح أن إخوان الصفا أدركوا أن الدولة تبتدئ وترقى وتنتهي حيث قالوا: “إن كل دولة لها وقت منه تبتدئ، ولها غاية إليها ترتقي، وحد إليه تنتهي. وإذا بلغت إلى أقصى مدى غاياتها. ومنتهى نهاياتها، أخذت في الانحطاط والنقصان وبدا في أهلها الشؤم والخذلان، واستأنف في الأخرى القوة والنشاط، والظّهور والانبساط، وجعل كل يوم يقوى هذا ويزيد، ويضعف ذلك وينقص، إلى أن يضمحل الأول المتقدم، ويتمكن الحادث المتأخر…”(77).‏
لكنهم لم يحددوا هذا بعمر مثلما حدده ابن خلدون بمائة وعشرين سنة ولا بأجيال. فقد قالوا كلاماً عاماً يدركه الكل ولا يختلف عن “قانون الدورة” الذي جاء به بوليبيوس (201-120ق.م) الذي قال: “عندما تتوصل دولة ما، بعد أن تكون قد أبعدت الكثير من الأخطار الشديدة لسموّ وقوة لا جدال فيهما، يحدث بالتّأكيد، إذا أقامت الرّفاهية فيها طويلاً، أن يصبح العيش فيها يتم بطريقة باذخة جداً، ويأخذ النّاس فيها بالتّشاجر بشكل مفرط من أجل كل ما يتعلّق بالحصول على مناصب الحكم وكلّ ما تبقى من مشاريع، حينئذ يبدأ الانحطاط”(78).‏
يؤكد ابن خلدون نظريته في أعمار الدولة بنظرية أخرى مشابهة لها وإن اختلفت عنها قليلاً وهي نظرية أطوار الدّولة التي لا تعدو خمسة “يكتسب القائمون بها في كل طور خلقاً من أحوال ذلك الطّور لا يكون مثله في الطّور الآخر لأن الخلق تابع بالطّبع لمزاج الحال الذي هو فيه”(79). أمّا الطّور الأول فهو طور الاستيلاء على الملك، تكون العصبية في أوجها، ولا ينفرد صاحب الدّولة دونها في الحكم، فيكون أسوة قومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة، أما الطور الثاني فهو طور الانفراد بالسلطة والاستبداد وهنا يتحول الملك إلى التنكّر لأهل عصبيته، ويلجأ إلى تكوين عصبية بديلة باصطناع الرّجال واتخاذ الموالى والصنّاع، أما الثالث، فهو طور الفراغ والدّعة، وينصرف فيها الملك إلى تحصيل ثمرات الملك، ويأتي هذا الطّور حين يُشبع الحاكم المستبد شهوته في الحكم، فأول ما تتجه إليه شهوة المستبد هي تنظيم ماليّة الدّولة، وزيادة دخله، فيزداد الصرف على مظاهر المدينة والترف والرخاء، فيزدهر الحكم بازدياد الصّناعات والفنون والعلوم، ويبلغ الرّخاء المادي الذّروة، فيبث الحاكم المعروف على أهله، هذا مع زيادة الأرزاق لصناعه وحاشيته وجنوده، “حتى يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم وزيّهم وشكلهم، وهذا الطّور آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة، لأنهم في هذه الأطوار ـ التي ذكرت ـ كلّها مستقلّون بآرائهم بانون لعزّتهم موضّحون الطّرق لمن بعدهم‏
(80). أما الطور الرابع، فهو طور المسالمة والقناعة، وفيه يقنع صاحب الدولة بما ورثه عن آبائه، يكتفي باقتفاء آثارهم وسيرتهم، “فيقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنه أبصر بما بنوا من مجده”(81). أما الطور الخامس فهو طور الإسراف والتبذير يكون صاحب الدولة فيه مبذّراً مسرفاً متلفاً لما جمع أولوه، فتصاب الدّولة بالهرم ويستولي عليها المرض المزمن فتبدأ بالانحلال ثم الفناء والانقراض.‏ إذن، حينما تضعف العصبية ويزداد البذخ، تضعف الدولة وتغيب قوتها على العصبيات الأخرى التي تبدأ في الانقراض والخروج بدءاً من أطراف الدولة البعيدة عن مركزها “فتأخذ ـ الدولة ـ في التّناقص من جهة الأطراف، ولا زال المركز محفوظاً إلى أن يتأذّن الله بانقراض الأمر جملة، فحينئذ يكون انقراض المركز”(82) فالدولة قَلّ أن تستحكم في رقعة واسعة ومع قبائل وعصبيات كثيرة وهذا ما عبّر عنه أرسطو في أن المركبات السياسية المترامية الأطراف، غير متجانسة ويستحيل عليها تحقيق الغاية من الاجتماع السياسي وهو توفير السّعادة للمواطنين(83).‏
إذن، الدولة عند ابن خلدون تقوم على أربع دعائم وهي: العصبية، والفضيلة، والدين، وضعف دولة سابقة لتقوم الدّولة الجديدة على أنقاضها.‏
هكذا أسهم ابن خلدون في إعطاء الأمثلة الواقعية والحية لكنّها كانت خاصة بالعرب والبربر مما سبب لـه بعض النّقد، مع أنها هي الطّريقة المثلى في دراسة المجتمعات، فيجب أن يقطع مجتمعاً بعينه وتحصر الدّراسة فيه لتخرج بنتائج دقيقة، ثم إن الطريقة نفسها كان قد اتبعها أرسطو في منطقة جغرافية أصغر ومع أناس أقل، حينما أخذ دساتير (158) مدينة يونانية ودرسها وحللها وعلّق عليها(84)، ونال على ذلك كامل الاستحسان والشّرف والتّبجيل، وسمي منهجه بالمنهج العلمي الاستقرائي. ثم صحيح أن ابن خلدون أخذ في استقرائه مجتمعاً معيناً وخاصاً لكن النتائج التي وصل إليها تعمم على كل المجتمعات في كل الأزمنة فـ(فون فسيندنك) ـ الباحث الألماني ـ يذكر أنه “طبق ما كان يشعر به أو يدعو إليه ابن خلدون على أوروبا في القرن التاسع عشر أصح تطبيق وأتمّه”(85)، وذكر ـ متسائلاً ـ أنّ الإمبراطورية الألمانية لم تعمّر طويلاً، فهل يجب أن نبحث لتلك المأساة عن أسباب غير تلك التي أوردها الكاتب العربي ـ ابن خلدون ـ عن سقوط المرابطين والموحّدين؟… كما أن كريمر ـ المستشرق النمساوي ـ ذكر في الرسالة التي قدّمها لأكاديمية العلوم بفيينا سنة (1879م) تحت عنوان “ابن خلدون وتاريخه لحضارة الدّول الإسلامية” أنّه حاول أن يطبق نظريات ابن خلدون على المجتمعات الأوروبية فرأى أن فرنسا التي استعبدها الرّومان فقدت جرأتها وعصبيتها، أما ألمانيا التي لم تغلب قط فقد حافظت عليها، وأن ذلك هو السبب في أن الحرية الحقيقية لا توجد عند الفرنسيين وتوجد عند الألمان(86).‏

النمور الاسيويه الاربعه

كاتب الموضوع الأصلي: حمد القباني

النمور الآسيوية أو نمور شرقي آسيا هو لقب يطلق على اقتصاد دول؛ تايوان، سنغافورة، هونغ كونغ وكوريا الجنوبية. سميت بهذا الاسم لتحقيقها معدل نمو اقتصادي كبير وتصنيع سريع خلال الفترة ما بين الستينيات والتسعينيات, وفي بداية القرن الواحد والعشرين تحولت هذه البلدان إلى بلدان متقدمة، وساعدت في نمو اقتصادات بعض الدول الآسيوية. تمتلك النمور الآسيوية توجه مشاركة خاصة مع بعض الدول الآسيوية ذات الاقتصاد الجيد، مثل الصين واليابان.

المصدر وكيبيديا

الديماغوجيه

كاتب الموضوع الأصلي: حمد القباني

ديماغوجيا
الديماغوجيا (من اليونانية ديما من ديموس δῆμος “شعب”، وغوجيا من “أگين ἄγειν “قيادة”) وهي إستراتيجية لإقناع الآخرين بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة. ويشير إلى إستراتيجية سياسية للحصول على السلطة والكسب للقوة السياسية من خلال مناشدة التحيزات الشعبية معتمدين على مخاوف وتوقعات الجمهور المسبقة، عادة عن طريق الخطابات والدعاية الحماسية مستخدمين المواضيع القومية والشعبية محاولين استثارة عواطف الجماهير.

أما اليوم فهي تدل على مجموعة الأساليب والخطابات والمناورات والحيل السياسية التي يلجأ إليها السياسيون لإغراء الشعب أو الجماهير بوعود كاذبة أو خداعه وذلك ظاهريا من أجل مصلحة الشعب، وعمليا من أجل الوصول إلى الحكم. قد اعتاد الكثير من السياسيين اللجوء لاستخدام أساليب السفسطة واللعب على مشاعر ومخاوف الشعوب، ويعتبر بعض السياسيين أفضل من غيرهم وربما محترفون في ذلك. وعليه فهي خداع الجماهير وتضليلها بالشعارات والوعود الكاذبة. والديماجوجية هي أحد الأساليب الأساسية في سياسة الأحزاب البرجوازية. وهي موقف شخص أو جماعة يقوم على إطراء وتملق الطموحات والعواطف الشعبية بهدف الحصول على تأييد الرأي العام استنادا على مصداقيته. والديماغوجي هو الشخص الذي يسعى لاجتذاب الناس إلى جانبه عن طريق الوعود الكاذبة والتملق وتشويه الحقائق ويؤكد كلامه مستندا إلى شتى فنون الكلام وضروبه وكذلك الأحداث، ولكنه لا يلجأ إلى البرهان أو المنطق البرهاني لأن من حق البرهان أن يبعث على التفكير وأن يوقظ الحذر، والكلام الديماغوجي مبسط ومتزندق، يعتمد على جهل سامعيه وسذاجتهم واللعب على عواطفهم، مثل قول البعض مخاطبا العامة “إني أحبكم”، “صدقونى إني أحبكم”.

وتطلق أحيانا على المتمدينين أي سكان الأرياف الذين سكنوا المدن.

المصدر»وكيبيديا

الصراع العربي الإسرائيلي

كاتب الموضوع الأصلي: إبراهيم العريفي5

حرب الاستنزاف (بالعبرية: מלחמת ההתשה) أو حرب الألف يوم كما أطلق عليها بعض الإسرائيليون. والاستنزاف هو مصطلح أطلقه الرئيس المصري الراحلجمال عبد الناصر على الحرب التي اندلعت بين مصروإسرائيل على ضفتي قناة السويس. بدأت أحداثها عندما تقدمت المدرعات الإسرائيلية صوب مدينة بور فؤاد بهدف احتلالها يوم 1 يوليو، 1967، فتصدت لهل قوة منالصاعقة المصرية بنجاح فيما عرف بمعركة رأس العش. تصاعدت العمليات العسكرية خلال الأشهر التالية خاصة بعد مساندة العرب لدول المواجهة أثناء مؤتمر القمة العربية في الخرطوم، ورفض إسرائيل لقرار مجلس الأمن 242 الداعي لانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلها عقب انتصارها الخاطف على العرب خلال حرب يونيو.استمرت الحرب لنحو ثلاث سنوات، وخلالها استهدفت غاراتسلاح الجو الإسرائيلي المدنيين المصريين أملا في إخضاع القيادة السياسية المصرية، مستخدمين في ذلك مقاتلاتالفانتوم الأميركية الحديثة. كما استعان المصريون بالخبراء السوفييت وصواريخ الدفاع الجوي السوفياتية لتأمين العمق المصري. وشهدت الحرب أيضًا معارك محدودة بين إسرائيل وكل من سوريا والأردن والفدائيين الفلسطينيين. وفي 7 أغسطس، 1970 انتهت المواجهات بقرار الرئيس عبد الناصر والملك حسين قبول مبادرة روجرز لوقف إطلاق النار. ولم تؤد الحرب إلى أي تغييرات في خطوط وقف إطلاق النار، ولم تنجح كذلك المساعي الهادفة للتوصل إلى تسوية سلمية بسبب التعنت الإسرائيلي، وانما سادت حالة من اللا سلم واللا حرب، والتي أدت بدورها إلى نشوب حرب أكتوبربعد ثلاث سنوات.

حرب الخليح الاولى

كاتب الموضوع الأصلي: إبراهيم العريفي5

حرب الخليج الأولى أو الحرب العراقية الإيرانية، أطلق عليها من قبل الحكومة العراقية آنذاك اسم قادسية صدام بينما عرفت في إيران باسم الدفاع المقدس (بالفارسية: دفاع مقدس)، هي حرب نشبت بين العراق وإيران من سبتمبر1980 حتى أغسطس 1988، خلفت الحرب نحو مليون قتيل[4] وخسائر مالية بلغت 400 مليار دولار أمريكي[4]، دامت الحرب ثماني سنوات لتكون بذلك أطول نزاع عسكريفي القرن العشرين[4] وواحده من أكثر الصراعات العسكرية دموية[4]، أثرت الحرب على المعادلات السياسية لمنطقةالشرق الأوسط وكان لنتائجها بالغ الأثر في العوامل التي أدت إلى حرب الخليج الثانية والثالثة.في عام 1979 شهدت الأحداث السياسية في كل من العراق وإيران تطورات بارزة حيث أعلن في إبريل عن قيام الجمهورية الإسلامية في إيران ليتولى بعدها الخميني منصبالمرشد الأعلى للثورة الإسلامية وهو المنصب الأعلى في النظام السياسي الإيراني في حين أصبح صدام حسين رئيسا للجمهورية العراقية في يوليو 1979 خلفا للرئيس أحمد حسن البكر الذي أعلن أنه استقال من منصبه لأسباب صحية، كما أعلن عن اكتشاف مؤامرة في بغداد اتهم بتدبيرها مجموعة من الاعضاء القياديين في حزب البعث الحاكم ومجلس قيادة الثورة العراقية، اعدم على إثر ذلك مجموعة من أعضاء المجلس وقيادات حزب البعث