أ.د. أحمد محمد وهبان

اتفاقية موينخ

كاتب الموضوع الأصلي: خالد العتيبي 336

وقِّعت اتفاقية ميونيخ في سبتمبر عام 1938م في ميونيخ بألمانيا، ونصت على قبول بريطانيا وفرنسا طلب ألمانيا بضم أحد أقاليم تشيكوسلوفاكيا. كانت الاتفاقية تختص بمنطقة سدتنلاند في تشيكوسلوفاكيا التي كان يقطنها 800 ألف تشيكي و 2,800,000 شخص من أصل ألماني. كانت مساحة هذه المنطقة حوالي 28,500 كم² وتضم أغلب المراكز الصناعية والاتصالات والمراكز العسكرية والدفاعات الطبيعية الحيوية في تشيكوسلوفاكيا. تضمنت المعاهدة وعدًا من ألمانيا بإنهاء توسُّعاتها العدوانية، واعتبرتها بريطانيا وفرنسا محاولة لتجنب الحرب. ولكن ألمانيا نقضت الاتفاقية وجرَّت أوروبا نحو بداية الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م).

خلفية النزاع. ادعى الديكتاتور الألماني أدولف هتلر، أن حكومة تشيكوسلوفاكيا ليست عادلة في معاملاتها مع المقيمين الألمان في إقليم سدتنلاند، وأن أراضيهم يجب أن تكون جزءًا من ألمانيا. وكان قد أعد قواته ليستولي على المنطقة بالقوة العسكرية.

حاول رئيس وزراء بريطانيا نيفيل تشمبرلين التوصل إلى تسوية سلمية، فقابل هتلر مرتين في سبتمبر عام 1938م، ولكن المفاوضات فشلت. اقترح تشمبرلين في نهاية الأمر عقد مؤتمر يضم الزعيم الفرنسي إدوارد دالاديه والإيطالي بنيتو موسوليني. وعُقد المؤتمر في ميونيخ في 29، 30 من سبتمبر عام 1938م ونَتَج عنه توقيع اتفاقية ميونيخ.

سمحت هذه المعاهدة لألمانيا بضم إقليم سدتنلاند، وفي المقابل وعد هتلر بأن تكون سدتنلاند آخر منطقة يطالب بها في أوروبا. كما تضمَّنت الاتفاقية تكوين لجنة دولية للإشراف على الاحتلال وإقامة انتخابات في مناطق النزاع الأخرى، وضمان مشترك لاستقلال تشيكوسلوفاكيا بعد تقليصها وتعديل طلبات كل من بولندا والمجر. لم يُنَفّذ بالفعل إلا البندان الأول والأخير من الاتفاقية وقد وضَح في البداية أن اتفاقية ميونيخ، ستُجنب أوروبا الحرب، وذكر تشمبرلين للجماهير المهللِّة في إنجلترا أنه ¸السلام بشرف· و ¸السلام في عصرنا·.

التبعات. بعد عدة شهور من انعقاد المؤتمر، نكث هتلر وعده وأمر القوات الألمانية بالاستيلاء على تشيكوسلوفاكيا. فقد الاتحاد السوفييتي ثقته في قدرة بريطانيا وفرنسا على حفظ السلام وعقد اتفاقًا مع ألمانيا، لتجنُّب الحرب. اعتقد هتلر أن بريطانيا وفرنسا لن تلتزما بتعهدهما بحماية بولندا، فشنَّ هجومًا عليها في سبتمبر عام 1939م. عندئذ أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا وبدأت الحرب العالمية الثانية.

أصبحت اتفاقية ميونيخ مثالاً لسياسة الاسترضاء والتنازل. وبعد اتفاقية ميونيخ صار إبرام الاتفاقيات مع الدول العدوانية دعوة للحرب وليست سببًا لمنعها. وما زالت بعض هذه الاتفاقيات تسمَّى ميونيخ أخرى.

العلاقات الدولية .. رؤية اسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: خالد العتيبي 336

العلاقات الدولية في الإسلام هي العلاقات والصلات الخارجية التي تقيمها الدولةالإسلامية مع غيرها من الدول والجماعات والأفراد لتحقيق أهداف معينة وفقا للشريعةالإسلامية   .
فقد واجه الإسلام منذ نشأته أوضاعا سياسية وأحوالا اقتصادية بالغة التعقيد، ونجحفي أن يتعامل معها بأسلوب متميز يختلف عن أساليب الدول السابقة؛ فعقد المعاهدات،واستقبل المستأمنين، وأعان الضعفاء، وراسل الملوك، وبعث الوفود، وتحالف مع القبائل،وفاوض وأقام العلاقات الخارجية.. كل ذلك بتصور إسلامي مستمد من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
وحري بالمسلمين في كل عصر وزمان أن يلتزموا تلك الفاعليةالمنتجة المنضبطة بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم.
أهمية العلاقات الدولية في الإسلام :
الإسلام -الرسالة الخاتمة- دين أُنزل للبشرية جمعاء، تبدت عالميته في قدرته علىالتعايش مع كل الجماعات البشرية غير المحاربة؛ من نصارى ويهود.. ملوك وفقراء.. سودوبيض… إلخ، وفق ضوابط معلومة وقواعد محددة،من أهمها:
*الاعتراف أن الاختلاف بين بني البشر في الدين واقع بمشيئة الله تعالى؛ فقد منحالله البشر الحرية والاختيار في أن يفعل ويدع.. أن يؤمن أو يكفر.
*وحدة الأصل الإنساني والكرامة الآدمية، انطلاقا من قوله سبحانه وتعالى {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْشُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)، وقوله -عز وجل- {وَلَقَدْ كَرَّمْنَابَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَالطَّيِّبَاتِ} (الإسراء: 70).
التعارف:لقوله -سبحانه وتعالى- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّاخَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَلِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)، وكماورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دبر كل صلاة: “… أناشهيد أن العباد كلهم إخوة…” (جزء من حديث رواه أبو داود)؛ فالتعارف أساس دعا إليهالقرآن، وضرورة أملَتْها ظروف المشاركة في الدار أو الوطن بالتعبير العصري، وإعمالالروح الأخوة الإنسانية بدلا من إهمالها.
التعايش:إذ إن حياة المتشاركين لا تقوم بغير تعايش سمح: بيعا وشراء..قضاء واقتضاء.. ظعنا وإقامة.
وتاريخ المسلمين حافل بصور التعامل الراقي مع غيرالمسلمين ، وقد حدّد الله سبحانه وتعالى أساس هذا التعايش بقوله {لاَ يَنْهَاكُمُاللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّندِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّالْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8).
التعاون: كثير من القضايا العامة تشكل قاسما مشتركا بين المسلمين وغيرهم،ويمكن التعاون فيها، كما أن الأخطار التي تتهددهم معا ليست قليلة، ويمكن أن تشكلهذه القواسم المشتركة منطلقا للتعايش والتعاون،وأهم هذه القواسم المشتركة مايلي:
1 ـالإعلاء من شأن القيم الإنسانية والأخلاق الأساسية؛ فالعدل والحرية والمساواةوالصدق والعفة كلها قيم حضارية تشترك فيها الأديان والحضارات، وترسيخها فيالمجتمعات هدف مشترك يمكن التعاون عليه.
2 ـ مناصرة المستضعفين في الأرض، وقضايا العدل والحرية ومحاربة الظلم، ومن ذلكاضطهاد السود والملونين في أمريكا، واضطهاد الأقليات الدينية وسائر الشعوب المقهورةفي فلسطين وكوسوفا والشيشان ونحوه؛ فالإسلام يناصر المظلومين من أي جنس ودين.
والرسول – صلى الله عليه وسلم- قال عن “حلف الفضول” الذي تم في الجاهلية: ” لقد شهدتفي دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحبّ أنّ لي به حُمر النّعم، ولو أدعى به فيالإسلام لأجبت” (سيرة ابن هشام، والكلام عن هذا الحلف ذكر في البداية لابن كثيربإسناد صحيح، وفي دلائل البيهقي ورواه الحميدي، وابن سعد عن طريق الواقدي ).
أهداف العلاقات العامة في الإسلام :
إن صياغة أهداف العلاقات الدولية يجب أن تتم في ضوء المنهج الإسلامي للعلاقاتالخارجية الذي حددته الأحكام الشرعية؛ فلا ينبغي أن تضع الدول أهدافها للعلاقاتالخارجية في غيبة من الإسلام، ويمكن تفصيل أهداف العلاقات العامة في الإسلام علىالنحو التالي:
أولا :  أهداف عامة مشتركة:
1 ـحماية الدولة:وهو ما يعرف في واقعنا المعاصر بالأمن القومي، ويتطلبسيادة الدولة على أراضيها، وحفظها لحدودها الجغرافية، وبعدها عن تدخل الدول الأخرىعسكريا أو سياسيا.
2 ـ رعاية المصالح المتبادلة:إذ تسعى كل دولة إلى توفير موارد ذاتيةتغنيها عن الحاجة إلى عون خارجي، لكن هذا في واقع الحال صعب المنال؛ لذلك تلجأالدول إلى أن تكمل نقصها عبر علاقاتها الخارجية، وتبادل المنافع مع الدول الأخرى.
3 ـ الأمن المشترك: فالأمن هو أحد الضروريات التي يحتاجها كل نظام سياسييسعى إلى الاستقرار، وإذا كان الأمن الداخلي مسألة خاصة بكل دولة فهناك أمن خارجيمشترك بين دول العالم، تحكمه اتفاقيات تضمن عدم اعتداء دولة على أخرى، وقد تتحالفدول معينة وتتفق على التصدي لأي عدوان يهدد دولة في الحلف.
4 ـ السلام العالمي: إن الخلافات بين الدول تهدد أمن العالم؛ لذلك اقتضت المصلحةأن يقوم نظام عالمي لرعاية السلام العالمي، ومنع حدوث خلافات بين الدول، وتوفيرآلية لحل الخلافات بينها؛ حفظا للأمن والسلام العالميين، وفي واقعنا المعيش تقوممنظمة الأمم المتحدة وروافدها بهذا الدور.
ثانيا: أهداف خاصة:
1 ـ نشر الدعوة الإسلامية: فالدولة الإسلامية هي دولة دعوة، تحمل رسالةالإسلام وتبشر بها وتدعو إليها، وتحمل لواء خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم فيالدعوة والبلاغ.
2 ـ حماية الأقليات المسلمة: يطلق على المجموعات التي تعيش في دولة أخرىغير التي تقيم بها اسم “الأقليات”، والقانون الدولي يعرف الأقليات القومية، ولاينظر للأقليات الدينية مع إنه حفظ لها حقوقها المتعلقة بشعائرها الشخصية ، أماالإسلام فلا تقف العنصرية أو العرقية حاجزاً أمام الانتماء الأوسع له ،  ومهمة الدولةالإسلامية تقتضي حفظ حقوق الأقليات المسلمة دون النظر إلى أصولها العرقية أوالعنصرية.
3ـ درء الأخطار عن الأمة الإسلامية:إن الأمة الإسلامية مطالبة بنشر هذا الدينوالذود عنه، وحماية معتنقيه والدفاع عن حرماتهم، وإزالة كل العوائق التي تمنعهم منأن يؤدوا فرائض دينهم؛ بل والتي تحول بين غير المسلمين وقبول الإسلام.
مميزات العلاقات الدولية في الإسلام :
1         1 ـالنظام الإسلامي للعلاقات الدولية يتميز بثبات المصادر(القرآن، والسنة،واجتهاد الفقهاء)، وعدم خضوعها للمتغيرات والأحداث، كما يتميز بالمرونة فيالاستجابة لمتغيرات الزمان والمكان والحال.
2      ـ للشريعة الإسلامية أو الدين مكان واضح في مفهوم العلاقات الدولية؛ فالشريعةبمثابة الباعث المحرك لأهداف العلاقات الدولية؛ لذلك لا يتصور فصل الدين عنالعلاقات الدولية كما يحدث فيالديانات الأخرى.
3      ـ العلاقات الدولية في الإسلام ليست انفعالية بل مبدئية تنطلق من قيم العدلوالسلام والتسامح والحرية ومساعدة المظلوم والوفاء بالعهود ونحوه.
4      ـالعلاقات الدولية في الإسلام مفهومها متسع، ولا يقتصر على الدول؛ بل يشملالمؤسسات والأفراد؛ إذ يستطيع فرد أن يعطي الأمان لآخر (ويسعى بذمتهم أدناهم) . 
5            ـ العلاقات الدولية في الإسلام شموليةتخاطب الناس جميعا؛ أفرادا وجماعات،انطلاقا من شمول الإسلام.
6            ـ وسائل العلاقات الدولية في الإسلام نبيلة سامية،ومبدأ (الغاية تبرر الوسيلة ) لا وجود له في التصور الإسلامي.
7ـالمصالح العامة للبشرية (كالسلام العالمي) من الأهداف الرئيسية للدولةالإسلامية، خلافاً لما عليه الحال في كثير من الدول الغربية التي تقدم مصالحهاالذاتية على المصالح العامة للبشرية.
8       ـ الإسلام لا يعرف الازدواجية في العلاقات الدولية كما يلاحظ في المؤسسات الدوليةالعالمية كالأمم المتحدة وروافدها.
9 ـالإسلام سبق كل النظريات المعاصرة في وجوب مواجهة الطغيان بقوة تردعه، وهو مايطلق عليه اليوم “الردع”، أو “القوة الرادعة”.
10      ـالعلاقات الدولية في الإسلام تنبع من الإسلام، ولا يحكمها أي مؤثر خارجي؛ الأمرالذي يوفر لأي دولة استقلالا كاملاً في اتخاذ مواقفها الخارجية والداخلية.

تحرير المرأة المصــرية في عصر (سيداو)

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الزومان

تحرير المرأة المصــرية في عصر (سيداو)
مصطلح (تحرير المرأة) له مع العالم الإسلامي موجتان:
الأولى: صُدِّر فيها المصطلح من الغرب إلى الشرق في نهاية القرن التاسع عشر؛ وذلك ضمن منظومة الأفكار التغريبية؛ حيث نُقِلت الأفكار في بدايتها من خلال كتاب: (تحرير المرأة) لقاسم أمين، ثم بُلوِرت الأفكار بصورة أكثر وضوحاً في الكتاب الثاني لقاسم أمين: (المرأة الجديدة)، والذي نُشِر عام 1900م. وكانت الدعوات حينها تدعو إلى تحرير المرأة من الآداب الإسلامية والأحكام الشرعية الخاصة بها، مثل: الحجاب، وتقييد الطلاق، ومنع تعدُّد الزوجات، والمساواة في الميراث، وتقليد المرأة الغربية في كل أمر.
ثم أتت بعد ذلك الموجة الثانية بعد أن أعاد الغرب صياغة مصطلح تحرير المرأة ليدخل حقيبة مصطلحات الأجندة العولمية، مشتملاً على مضامين أكثر تحررية من نسخة القرن التاسع عشر، من خلال مقررات عَلمانية صادرة عن مؤتمرات دولية ترعاها الأمم المتحدة، و يُصوَّر زيفاً أنها تمثل إلزاماً[1].
وقد أخذت تلك الدعوات التحررية في الانتشار من خلال المؤسسات والمنظمات النسوية في العالم العربي، وشهد المجتمع المصري – على وجه الخصوص – نشاطاً مكثفاً من قِبَل نشيطات الحركة النسوية المدعومات من مؤسسات التمويل الدولية؛ لتطبيق مقررات الأمم المتحدة المتعلقة بالمرأة في المجتمع المصري، ويأتي على رأس تلك المقررات اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، والتي تعمل على إلغاء كافة الفوارق – حتى البيولوجية منها – بين الجنسين، وما يترتب عليها من أدوار داخل الأسرة، وكذلك وثيقة المؤتمر الرابع للمرأة الذي عقد في العاصمة الصينية بكين عام 1995، ويُعقَد له كل خمس سنوات في نيويورك مؤتمر تقييمي يُعرَف بـ: ( بكين + 5، بكين + 10، بكين + 15).
وإذا كانت «سيداو» هي دستور الحركة النسوية، فإن «وثيقة بكين» هي اللائحة التنفيذية لهذا الدستور، وكلاهما بمثابة المرجعية الرئيسية والوحيدة للنسويات.
وهي مقررات قامت بصياغتها ورعايتها لجنة المرأة بالأمم المتحدة، والتي تقول عنها البروفيسورة «كاثرين بالم فورث»: «إن لجنة المرأة في الأمم المتحدة شكَّـلتها امرأة إسكندنافية كانت تؤمن بالزواج المفتوح ورَفْض الأسرة، وكانت تعتبر الزواج قيداً، وأن الحرية الشخصية لا بد أن تكون مُطْلقة. وإن المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تخص المرأة والأسرة والسكان تصاغ الآن في وكالات ولجان تسيطر عليها فئات ثلاث: (الأنثوية المتطــرفة) و (أعداء الإنجــاب والسكان) و (الشاذون والشاذات جنسياً)»[2].
وتعني الحرية المطلقة للمرأة أن تقوم كل امرأة برسم مجرى حياتها وَفْق هواها ودون اعتبار لأية معايير وضوابط دينية، ويُعَدُّ هذا أبرز وأهم مكونات الموجة الثانية لتحرير المرأة؛ حيث نصت المادة الثانية عشرة من «إعلان منهاج العمل»[3] الصادر عن مؤتمر بكين على: «تمكين المرأة والنهوض بها، بما في ذلك الحق في حرية الفكر والضمير والدين والمعتقد، وبذلك تكفل لهم إمكانية إطلاق كامل طاقاتهم في المجتمع برسم مجرى حياتهم وَفْقاً لتطلعاتهم هم أنفسهم».
لكن إذا كان هذا هو التنظير؛ فهل هناك أثر عملي له في المجتمعات الإسلامية؟ وهل التغييرات التي حدثت في المجتمعات العربية في الآونة الأخيرة فيما يخص المرأة المسلمة لها علاقة بتلك المقررات الدولية؟
سنحاول من خلال هذا المقال دراسة حالة المجتمع المصري وما طرأ عليه من تغييرات عمدية مرجعيتها «سيداو» و «وثيقة بكين»؛ وذلك كي نتمكن من الإجابة عن هذين السؤالين. ويتضح ذلك من خلال القضايا التالية:
1 – التمكين السياسي للمرأة في مصر:
«التمكين السياسي للمرأة» فسرته وثيقة بكين بأنه: «وصول المرأة إلى مراكز صنع القرار، والمراكز التي تؤثر في صنع القرار ووضع السياسات»، مع إزالة كافة الحواجز والعراقيل؛ حتى ولو كانت دينية، والتي – بنظرهم – تعيق تحقيق المرأة الجديدة لهدف السيطرة على السلطة، ومواقع صنع القرار.
وقد وضعت «وثيقة بكين» هدفاً أولياً تَمثَّل في وصول المرأة لمواقع صنع القرار بنسبة 30 % كخطوة أولى؛ لتحقيق الهدف المرجو؛ وهو الوصول بالنسبة إلى 50 %.
وبعيداً عن الأحكام الشرعية الضابطة لمسألة تولي المرأة للمناصب السيادية، فإن الملاحَظ – في الحالة العربية بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة – أن تعيينات المرأة في مواقع صنع القرار تركِّز على البُعْد الكَمِّي والنوعي فقط بعيداً عن بُعْد الكفاءة التي تكون في كثير من الأحيان ضعيفة للغاية، والخطورة الكامنة في هذا التنصيب السياسي، هي: أن وَضْع بعض النسويات ذوات التوجه الغربي في مواقع صنع القرار، يسمح لهن بسَنِّ تشريعات وصياغة سياسات مرجعيتها اتفاقية سيداو ومقررات مؤتمر بكين.
وعلى كلٍّ فقد أخذ التمكين السياسي للمرأة في مصر الصور التالية:
1 – المناصب الوزارية: حيث يضم مجلس الوزراء المصري ثلاث وزيرات وذلك بنسبة 5.9% من جملة الوزراء، وتُعدُّ وزارة الأسرة والسكان المستحدثة مؤخراً أكثر وزارة تتطابق سياساتها مع مقررات الأمم المتحدة.
2 – القضاء: تم تعيين أول قاضية في عام 2003م، وذلك بالمحكمة الدستورية العليا، ثم توالى بعد ذلك تعيين القاضيات في سلك القضاء المصري؛ حتى بلغن 42 قاضية، وذلك رغم المعارضات الشديدة من قِبَل علماء الشريعة لتلك التعيينات؛ لمخالفتها الأحكام الشرعية، ورَفْض جمهور الفقهاء لتولي المرأة للقضاء.
3 – مجلس الشعب: تمثل المرأة المصرية 2% من جملة أعضاء مجلس الشعب المصري، و 6.7 % في مجلس الشورى وغالبيتهن معيَّنات؛ لأن نجاح المرأة في الانتخابات كان ضئيلاً. وقد جرى مؤخراً سنُّ قانون لنظام الحصة (الكوتا) يخصص 64 مقعداً للنساء في البرلمان المصري لمدة عشر سنوات على دورتين، وخطورة هذا الثقل النسوي في المجلس التشريعي، هي: تمرير التشريعات ذات الصبغة النسوية، أو التشويش على المناقشات النيابية التي لا تأتي على هوى نشيطات الحركة النسوية.
2 – رَفْعُ سنِّ الزواج وتجريم الزواج المبكر:
من أكثر النقاط التي دندنت عليها أجندة تحرير المرأة، هي: محاربة الزواج المبكر باعتباره – في نظرهم – عنفاً ضد الفتيات، وفي هذا الصدد جرى في مصر إقرار قانون يمنع توثيق عقد الزواج لمن لم تبلغ سن الثامنة عشرة، مع تجريم كل من يزوج الفتاة تحت هذا السن بالسجن لسنوات.
ويأتي هذا التضييق على المنفذ الشرعي الحلال ليتوافق مع المادة 274 من وثيقة مؤتمر بكين، والتي نصت على: «ضرورة سَنِّ القوانين المتعلقة بالحد القانوني الأدنى لسن الرشد، والحد الأدنى لسن الزواج وإنفاذ تلك القوانين (بصرامة)، ورفع الحد الأدنى لسِنِّ الزواج عند الاقتضاء».
3 – التهاون مع الزنا وإثبات نَسَب ابن الزنا لأمه:
في الوقت الذي يجري فيه التضييق على الزواج الشرعي، جرى في مصر سَنُّ قانون يسمح للزانية أن تسجل وليدها من الزنا في الوثائق الرسمية للدولة باسمها، وقد اعتبر العلماء المصريون أن في ذلك تيسيراً للزنا في المجتمع المصري، وخاصة أن الأم تعترف رسمياً بأنها زانية، ومع ذلك لا تُوقَع عليها أية عقوبات، والعجيب أن الطفل المولود من الزنا يجري إثباته في الوثائق الرسمية، بينما الآخر المولود من الطريق الشرعي لا يستطيع الأبوان اللذان لم يتجاوزا الثماني عشرة سنة إثباته في الأوراق الرسمية، بل يجري تجريمهما على مخالفتهما للقانون الوضعي وتطبيقهما شرع الله في أمر الزواج، على حين يجري تكريم الزانية الأقل من 18 سنة، والدعوة لالتماس الأعذار لها عندما تمارس الزنا، وفي هذا الصدد تقول وزيرة الأسرة والسكان: «ينبغي عدم اتهام أي فتاة دون سن الـ 18 بممارسة الدعارة، وإن الطفل الذي يجري ضبطه في قضايا دعارة يجب النظر إليه بصفته ضحية وليس كمجرم، ومن واجبنا أن نوفر له الحماية المجتمعية».
إن هذه الفوضى الجنسية الانحلالية وترك النساء يمارسن الفاحشة وقتما شئن ودون أدنى رادع، يتوافق مع المادة 96 من منهاج عمل بكين التي تنص على أن: «للمرأة حقها في أن تتحكم وأن تبت (بحُريَّة) ومسؤولية في المسائل المتصلة بحياتها الجنسية؛ دون (إكراه) أو (تمييز) أو (عنف)».
4 – نَشْر ثقافة الطلاق في المجتمع المصري بديلاً عن المصالحة:
وهذا الأمر يجري تحت عنوان: «التوعية القانونية للمرأة»، وفي سبيل ذلك يجري فتح الخطوط الساخنة، وتنفيذ المنظمات غير الحكومية لجملة من البرامج الميدانية والدورات التثقيفية وعَرْض المساعدات القانونية المجانية؛ لإتمام عملية التفريق بين الزوجين، مع فتح مكاتب لتلقِّي الشكاوى ضد الأزواج باعتبارها شكاوى تدخل تحت بند العنف ضد المرأة، وعلى إثرها يجري تحريض المرأة لتقديم الشكاوى ضد هذا الزوج من أجل تقويم ما يرونه نشوزاً وعنفاً من الزوج.
5 – تعيين المرأة في مصر مأذونة:
المأذون في مصر هو من يوثِّق الزواج رسمياً، وذلك بعد إجراء مراسم العقد والتأكد من موافقة الزوجة وإتمام صيغة النكاح بين الولي والزوج، وعلى مدار التاريخ الحديث كان القائم بتلك المهمة رجل؛ وذلك لاعتبار المأذونية إحدى المهام الفرعية للقضاء الشرعي، لكن مؤخراً تم في مصر السماح للمرأة بتولي تلك المهمة، وقد اعتبرت الحركة النسوية في مصر أن اقتناص هذا المنصب يعد انتصاراً للمرأة المصرية في كسرها حاجز وظيفة عامة كانت حكراً على الرجل.
والجدير بالذكر هنا أنه قد بُحِثَت مسألة تولي المرأة لوظيفة المأذون باستفاضة في رسالة جامعية بجامعة الأزهر أشرف عليها وناقشها مجموعة من كبار أساتذة الفقه في مصر، وقد ذهبت الرسالة إلى عدم جواز تولي المرأة لهذه الوظيفة؛ باعتبارها إحدى مهام القاضي واستدلت في عدم الجواز بالعديد من الأدلة والأحكام الشرعية[4].
وبالعموم؛ فإن تلاعب النسوة في موضوع القضاء والوظائف المرتبطة بها والمحتكة بموضوع «الشهادة» يثير الكثير من المخاوف في ظل دندنة النسوة حول تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في موضوع «شهادة المرأة» المعلوم من الدين بالضرورة، وذلك اقتداءً بما حدث في دولة البحرين.
6 – تجريم ختان الإناث:
ليس معنى أن هناك خلافاً شرعياً في مسألة ختان الإناث أن يجري مصادرة الرأي المخالف، بل تجريم من يقوم بهذه المكرمة بجملة من العقوبات الزجرية، وهذا ما جرى في مصر بصدور قانون يجرِّم ختان الإناث، ويوقع العقوبات على الأطباء الذين يقومون بإجراء عمليات الختان للإناث.
7 – التعليم وإعادة صياغة المناهج وَفْق الأجندة النسوية:
تم في مصر تشكيل لجان لإعادة صياغة الكتب المدرسية في المراحل التعليمية الأولى؛ بغية:
أولاً: تنقيحها مما يتعارض مع الطروحات النسوية؛ حتى لو كان المطلوب تنقيحه نصوصاً دينية.
ثم يجري ثانية: دمج المناهج التعليمية بما يتوافق مع الأجندة النسوية.
وفي هذا الصدد يمكننا رصد ما تم تضمينه في كتاب: (الدراسات الاجتماعية للصف الخامس الابتدائي) المطبَّق على التعليم المدني والتعليم الأزهري في مصر؛ حيث جاء في الصفحة الخامسة عشرة: «ينتشر بين أهل الريف بعض العادات «غير المستحبة»، مثل: الزواج المبكر، وكثرة الإنجاب، وزواج الأقارب، وقد أنشأت الدولة العديد من مراكز تنظيم الأسرة؛ لتوعية الريفيات؛ لتعديل هذه العادات… بينما يتميز سكان البيئة الصناعية ببعض العادات والتقاليد التي تناسبها، ومنها: مشاركة المرأة للرجل في العمل، وتولِّيها بعض المراكز القيادية، وتأخُّر سن الزواج؛ لارتفاع مستوى التعليم بين الفتيات».
وهذا المحتوى التربوي الذي ينشأ عليه أطفال مصر يتفق مع ما جاء في المادة (93) من «وثيقة بكين»، والتي جاء فيها: «الزواج المبكر والأمومة المبكرة للشابات يمكن أن يَحُدَّا بدرجة كبيرة من فرصة التعليم والعمل».
إن من يحاول تحليل محتوى المناهج التعليمية في المجتمع المصري، سيتبين له الكثير من مواضع الحذف والإحلال وَفْق الطرح النسوي الأممي.
8 – الإعلام وتكريس الأجندة النسوية:
يُعَدُّ الإعلام (المرئي والمسموع والمقروء) من أكثر الأدوات التي تستخدمها الحركة النسوية في مصر من أجل خلخلة المجتمع وهزِّ ثوابته القيمية لصالح الأجندة النسوية، وفي سبيل ذلك يجري الدفع بمئات المسلسلات والأفلام والبرامج والإعلانات والمقالات والحوارات والتحقيقات؛ وجميعها تصاغ مادتها الإعلامية وَفْق ما تهدف إليه نشيطات الحركة النسوية.
9 – التضييق على المنتقبات ومحاربة النقاب:
حيث جرى التضييق على المنتقبات في المدارس والجامعات المصرية، وذلك بصدور جملة من القرارات من الوزراء ورؤساء الجامعات؛ لمنع المنتقبات من دخول قاعات الامتحانات المختلطة وهُنَّ يرتدين النقاب، وهو الأمر الذي دفعهن إلى اللجوء للتقاضي؛ لدفع تلك القرارات التعسفية بحقهن، والأمر ذاته حدث من قَبْلُ بقرار وزير الصحة بمنع الطبيبات والممرضات من ارتداء النقاب في المستشفيات.
وتسير تلك القرارات بالتزامن مع تشويه صورة النقاب في الإعلام وفي تصريحات المسؤولين، ضاربين عرض الحائط بمبدأ: «حرية المرأة» في اختيار الزي الذي تريده.
10 – المنظمات غير الحكومية والعمل على المستوى المجتمعي:
تنتشر في مصر المنظمات غير الحكومية المدعومة من مؤسسات التمويل الأجنبية ذات الأصول اليهودية والأدوار المشبوهة؛ وذلك من أجل تنفيذ مقررات مؤتمر بكين في المجتمع المصري، ويجري هذا الدور من خلال استراتيجيات تحرُّك وأدوات تنفيذ تسمح لها بالوصول لأكبر عدد ممكن من المجتمع المصري، ونَشْر الأجندة النسوية في ربوعه[5].
هذا – باختصار – ما يحدث في المجتمع المصري، ويعدُّونه تحريراً للمرأة، وعلى الوتيرة نفسها تسير الخطى في باقي بلدان العالم الإسلامي، وهو ما يجيب على التساؤلين المطروحَين في بداية المقال حول: تطابق التغييرات العمدية الحادثة مع الأجندة الأممية، وهو الأمر الذي يحتاج لمزيد من التحرك الشرعي؛ لإحداث نوع من التوازن قبالة تلك السيطرة النسوية ذات المرجعيات العَلْمانية الانحلالية.

________________________________________
[1] الهيثم زعفان: المصطلحات الوافدة وأثرها على الهوية الإسلامية، فصل مصطلح تحرير المرأة، مركز الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية، القاهرة، 1431هـ.
[2] كاثرين بالم فورث: ندوة حول اتفاقية السيداو، 4 يناير 2000مـ، على هامش مؤتمر المرأة والعولمة الذي عقد بالخرطوم، د.مثنى أمين الكردستاني: حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر (دراسة إسلامية نقدية)، دار القلم للنشر والتوزيع، القاهرة، 2004، ص 292.
[3] منهاج عمل بكين: اعتمده المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة في 15 سبتمبر 1995، وتُعقَد له تقييمات تتبُّعية كل خمس سنوات، ترفع فيها الحكومات والمنظمات غير الحكومية تقاريرها التي توضح فيها حجم تطبيقاتها لهذا المنهاج في مجتمعاتها.
[4] أيمن سامي: حُكْم تولي المرأة الوظائف العامة، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر.
[5] لمزيد من التفاصيل حول هذا الشأن يمكن مراجعة فصل: «المجتمع المصري بين الحركة النسوية والمنظمات غير الحكومية» في كتاب: الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية «المجتمع المصري أنموذجاً»، تحرير الهيثم زعفان، كتاب البيان، 1427هـ.

إعادة توحيد ألمانيا

كاتب الموضوع الأصلي: ريان الهزاني 704

هو الحدث الذي تم في 3 أكتوبر من عام 1990 م حيث ضمت فيه جمهورية ألمانيا الديمقراطية، أو ما كان يعرف بألمانيا الشرقية، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، أو ما يعرف عادة بألمانيا الغربية. فبعد أول انتخابات حرة في ألمانيا الشرقية، والتي جرت في 18 مارس 1990 م، بدأت مفاوضات بين كلتا الدولتين تمخض عنها معاهدة التوحيد، وفي نفس الوقت عقدت معاهدة بين الألمانيتين من جهة وبين ما يسمى بالقوى الأربعة المحتلة (وهي فرنسا المملكة المتحدة وأمريكا والاتحاد السوفياتي) سميت بمعاهدة الإثنين والأربعة وقعت في 12 سبتمبر من عام 1990 في موسكو منحت من خلالها الدولة الجديدة الاستقلال التام. استمرت ألمانيا بعد التوحيد كعضو في المجموعة الأوروبية، وهو ما أصبح يعرف فيما بعد بالاتحاد الأوروبي، وكذلك في حلف شمال الأطلسي، الناتو.
يستخدم مصطلح “إعادة التوحيد” لتمييزه عن حدث توحيد ألمانيا في عام 1871 م. في حين يعتبر البعض أن مصطلح “لم الشمل” (Vereinigung) أكثر ملائمة من مصطلح “إعادة التوحيد” عندما يتعلق الأمر باعتبار ألمانيا الشرقية دولة مستقلة أو على أنها جزء من الرايخ الألماني. ومن الذين كانوا يدعون بحماسة إلى التوحد بدلا من إنشاء ولايتين اتحاديتين كان رئيس الحكومة الألمانية السابق فيلي برانت وصاحب العبارة المشهورة عن إعادة الإتحاد « الآن ينمو معا ما ينتمي معا » والذي بين أنه الدولة المتحدة يجب أن تستبدل ما كان عليه الوضع قبل الحرب.

خلفية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا، كانت ألمانيا قد قسمت إلى أربع مناطق محتلة. وكذلك، فقد قسمت العاصمة السابقة برلين، والتي كانت مقر مجلس تحكم الحلفاء، إلى أربعة أقسام هي الأخرى. كانت الخطة في البداية أن تحكم ألمانيا من قبل قوى الاحتلال من عام 1947 م، إلا أن التوتر الذي نتج عن الحرب الباردة جعل المناطق الخاضعة للسيطرة الفرنسية والبريطانية والأمريكية أن تتحد لتكون الجمهورية الألمانية الفيدرالية والتي احتوت أيضا على غرب برلين، وذلك في عام 1949 م. وبالمقابل، فقد تحولت في نفس العام منطقة الاتحاد السوفياتي إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية بما في ذلك شرق برلين. وبالإضافة، وحسب الشروط المتفق عليها في مؤتمر يالطا في فبراير 1945 م، فقد ضمت مقاطعتا بوميرانيا وسيلسيا الشرقيتان وضم النصف الجنوبي من مقاطعة شرق بروسيا، ما يعرف اليوم باسم أوبلاست كاليننغراد، إلى الاتحاد السوفياتي.
أخذت كل من الألمانيتين تزعم بأحقيتها في أن تكون الخليفة الشرعي لدولة ألمانيا السابقة في 1945 م. لكن ألمانيا الشرقية غيرت موقفها فيما بعد وأصبحت تقول بأن تلك الدولة لم يعد لها وجود بعد عام 1945 م، وأن كلا من ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية هما دولتان حديثا التأسيس.
جاءت أول أطروحة لإعادة توحيد ألمانيا في عام 1952 م من قبل جوزيف ستالين بشروط شبيهة بتلك التي طبقت فيما بعد على النمسا في معاهدة الدولة النمساوية. دعت هذه الأطروحة إلى خلق ألمانيا محايدة يحدها شرقا خط أودر-نيس وإلى خروج جميع قوات الحلفاء خلال سنة واحدة. أما في ألمانيا الغربية فقد فضل رئيس الحكومة كونراد أديناور أن اندماجا أكبر مع أوروبا الغربية وطلب أن تجري تدابير عملية إعادة التوحيد تحت إشراف دولي والذي يشرف أيضا على اقتراع يشمل كافة ألمانيا. ولكن السوفيات رفضوا هذا الطلب، وقدم ستالين أطروحة أخرى تدعو إلى إعادة توحيد ألمانيا حسب ما كانت عليه الحدود في عام 1937 م وتحت شرط انضمام ألمانيا إلى حلف وارسو أو الكتلة الشرقية.
بدءا من عام 1949 م أخذت جمهورية ألمانيا الفيدرالية بالتطور لتصبح دولة غربية رأسمالية ذات سوق اقتصاد شعبي وبرلمان ديمقراطي. أدى هذا التحول الذي بدأ من العقد 1950 م إلى نمو اقتصادي كبير استمر لثلاثين عاما، وهو ما أطلق عليه بالمعجزة الاقتصادية (Wirtschaftswunder). وبالمقابل، فقد شكلت ألمانيا الشرقية حكومة سلطوية بنظام اقتصادي مشابه لذلك في الاتحاد السوفياتي. وبالرغم من أن ألمانيا الشرقية أصبحت أكثر الدول غنى وتطورا في الكتلة الشرقية، إلا أن العديد من مواطنيها كان يتطلعون إلى حرية سياسية أكبر وإلى نموهم الاقتصادي. ازداد عدد الراحلين عن ألمانيا الشرقية باتجاه جارتها غير الشيوعية من خلال شرق برلين، الأمر الذي أدى بالحكومة في ألمانيا الشرقية إلى عمل نظام حدودي، كان جدار برلين جزء منه، وذلك في عام 1961 م للحد من الهجرة.
لم تعترف الحكومة في ألمانيا الغربية في بادئ الأمر ولا حلفائها في الناتو بألمانيا الشرقية ولا بجمهورية بولندا الشعبية حسب مبدأ هالشتين السياسي. وبقيت العلاقات بين البلدين جامدة حتى قام الرئيس ويلي براندت في العقد 1970 م ببدأ محاولة إقامة علاقات ودية مع ألمانيا الشرقية، الأوستبوليتك، وهو أمر دار حوله جدل كبير.

نهاية الانقسام

حلول منتصف العقد 1980 م كان الشعور السائد بين الألمانيين الشرقيين والغربيين حول إعادة التوحيد بأنه أمل بعيد صعب التحقيق طالما بقيت الحكومات الشيوعية مسيطرة على أوروبا الشرقية. ولكن هذا الأمل بدا فجأة وكأنه بمتناول الأيدي نتيجة للتغييرات السياسية التي حدتث في الاتحاد السوفيتي. كان ذلك نتيجة قدوم ميخائيل غورباتشوف إلى الحكم والذي أدت سياساته إلى موجة من التغييرات في شتى أرجاء الكتلة الشرقية مما أحيى أمل الاتحاد مرة أخرى في ألمانيا الشرقية.
في شهر أغسطس من عام 1989 م قامت المجر بإزالة القيود على حدودها مع النمسا الأمر الذي نتج عنه هرب ما يزيد عن 13،000 ألماني شرقي إلى ألمانيا الغربية عبر المجر في شهر سبتمبر. وفي أواخر العام نفسه بدأت مظاهرات ضخمة ضد المنطقة الألمانية الشرقية كان أكبرها ما عرف بمظاهرات الإثنين في ليبزغ. أجبرت الاضطرابات الشعبية رئيس ألمانيا الشرقية إيرك هونكر على تقديم استقالته في 18 أكتوبر 1989 م. تبع ذلك عدة استقالات أخرى عندما أعلن كافة أعضاء الحكومة الشرقية استقالتهم في 7 نوفمبر. قامت الحكومة الجديدة برفع قيود السفر عن الألمان الشرقيين في 9 نوفمبر 1989 م مما دفع بالكثير من الناس للذهاب إلى الجدار الفاصل حيث كان حرس الحدود قد فتح عدة معابر وسمحوا للناس بالعبور. جرئ هذا الأمر العديد من الألمان من كلتا الجهتين فبدؤا بهدم أقسام من ذلك الجدار، وهو ما يعتبر من أهم الأحداث في القرن العشرين.
في 18 مارس 1990 م جرت أول وآخر انتخابات حرة في تاريخ ألمانيا الشرقية نتج عنها حكومة كان هدفها الأساسي هو التفاوض لإنهاء نفسها ودولتها. وقد قال أحد المفكرين من ألمانيا الشرقية في عام 1989 م عن وجود ألمانيا الشرقية « إن بولندا سوف تبقى بولندا حتى لو سقطت الشيوعية، أما ألمانيا الشرقية فليس هنالك من داع لوجودها بعد الشيوعية ».
تفاوضت ألمانيا الشرقية أثناء فترة رئيس وزرائها لوثر دي مايزير مع ألمانيا الغربية والمملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بشأن الشروط السابقة لإعادة التوحيد. وبالرغم من تراجعه عن موقفه الأول في معارضة الاتحاد، فقد بقي الاتحاد السوفياتي معارضا لانضمام ألمانيا الشرقية إلى حلف الناتو. غير أنه تم التوصل إلى اتفاقية تجيز لألمانيا الموحدة أن تكون جزءا من الناتو بشرط أن لا يكون لقوات الناتو أية قاعدة في منطقة ألمانيا الشرقية.
كان يجري بمحاذاة تلك المفاوضات المتعددة الجهات مفاوضات ثنائية بين حكومتي الألمانيتين نتج عنها توقيع اتفاقية في 18 مايو كخطوة تمهيدية وحدت الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وكذلك العملة وأخذ بتطبيقها اعتبارا من 1 يوليو. وفي 23 أغسطس أقر برلمان ألمانيا الشرقية، فولكسكامر، على تاريخ الثالث من أكتوبر للانضمام إلى ألمانيا الغربية. وفي 31 أغسطس 1990 م تم توقيع اتفاقية التوحيد (Einigungsvertrag) بين مندوبين من كلا الحكومتين. بعد ذلك، وفي 12 سبتمبر من نفس العام، وقع على اتفاقية الحل النهائي فيما يخص ألمانيا، والتي تسمى أيضا معاهدة الإثنين والأربعة، والتي أعطي رسميا بموجبها الاستقلال لكتا الدولتين.
يعد تاريخ 3 أكتوبر 1990 م التاريخ الرسمي الذي توحدت فيه ألمانيا مرة أخرى وذلك عندما قامت خمس من الولايات الفيدرالية التي أعيد إنشائها في ألمانيا الشرقية، وهي براندينبرغ وميكلينبرغ-شرق بوميرانيا وساكسوني وساكسوني-أنهالت وثيرينغيا، بالانضمام رسميا إلى ألمانيا الغربية. كان هنالك خيارين قائمين في دستور ألمانيا الغربية (Grundgesetz) فيما يتعلق بالدستور الجديد الذي سوف يطبق في الولايات المنضمة. كان الخيار الأول والأسهل، وهو ما تم تطبيقه، يقضي بأن تخضع الولايات المنضمة الجديدة تبعا للمادة 23، التي كانت قائمة آنذاك، للدستور الألماني. كان البديل من ذلك أن تنضم ألمانيا الشرقية بأكملها ضمن خطوة التوحيد بين البلدين مما كان سينتج عنه، فيما سينتج، تشكيل دستور جديد يضم الدولة الحديثة كلها. ومع سهولة القرار الذي وقع الاختيار عليه إلا أنه تولد عنه مشاعر في الشرق بأنه محتل أو ملحق بالجمهورية الفيدرالية السابقة.
ولتسهيل عملية الانضمام وللتطمأن الدول الأخرى، قامت ألمانيا الغربية ببعض التغييرات على دستورها الأساسي. فقد عدلت المادة 146 من الدستور بحيث يمكن استخدام المادة 23 في عملية إعادة التوحيد. وبعد أن أتمت الولايات الخمسة المذكورة انضمامها إلى ألمانيا الغربية تم تعديل الدستور مرة أخرى ليدلل على أنه لا يوجد أي جزء من ألمانيا خارج الحدود التي أعيد توحيدها غير مضمنة. ومع ذلك، فإنه ما زال بالإمكان تعديل الدستور في المستقبل ليسمح بتبني دستور آخر من قبل الشعب الألماني.
وفي 14 نوفمبر 1990 م، وقعت الحكومة الألمانية معاهدة مع بولندا منهية بذلك مسألة الحدود بينهما وجاعلة خط أودر-نيس هو الحد الدائم ومسقطة حقها في سيلسيا وبوميرانيا الشرقية ودانزغ (Gdańsk) وشرق بروسيا. وفي الشهر التالي قامت أول انتخابات حرة ونزيهة شملت كافة الألمان منذ عام 1933 م زادت فيها غلبة حكومة الائتلاف التي رأسها هلمت كول.

آثار إعادة توحيد ألمانيا

شكل إعادة التوحيد عبئا ثقيلا على الاقتصاد الألماني وأبطأ من نموها الاقتصادي في السنوات التالية. وتقدر كلفة إعادة التوحيد بما يزيد عن 1.5 ترليون يورو وهو ما يزيد عن مجمل الديون الوطنية على ألمانيا. يرجع السبب الأساسي في هذا إلى الضعف الشديد الذي كان يعانيه اقتصاد ألمانيا الشرقية خصوصا إذا ما قورن باقتصاد ألمانيا الغربية بالإضافة إلى معدلات التحويل -لأسباب سياسية- من المارك الألماني الشرقي إلى المارك الألماني والذي لم يتأقلم مع هذا الواقع الجديد مما أدى إلى خسارة مفاجأة -غالبا ما تكون مدمرة أيضا- لأية فرصة للصناعات الشرقية في المنافسة مما أدى إلى انهيارها في وقت قصير جدا. وفي الوقت الحاضر فما زال هنالك تمويلات خاصة تزيد عن 100 مليار يورو لإعادة إعمار الجزء الشرقي من ألمانيا. وقد أدى تزويد البضائع والخدمات إلى ألمانيا الشرقية باستنزاف مصادر ألمانيا الغربية. وكذلك فقد توجب خصخصة الصناعات الخاسرة التي كانت تدعمها الحكومة الشرقية في السابق.
ومن نتائج إعادة التوحيد تحول معظم الصناعات عن ألمانيا الشرقية مما أدى بنسب البطالة أن ترتفع إلى 20%. ومنذ ذلك الحين فقد استمر مئات الآلاف من الألمان الشرقيين بالهجرة إلى ألمانيا الغربية للبحث عن فرص عمل مما أفقد الجزء الشرقي نسبة ليست بالقليلة من سكانها وخصوصا أولئك ذوي المهارات العالية.
ما زال حتى اليوم هناك فروقات اجتماعية بين الألمان الشرقيون والألمان الغربيون. فبينما يتمنى بعض الألمان الغربيون عدم حدوثها من الأساس لأنهم يربطون كثير من الضعف الناجم اليوم في اقتصاد ألمانيا كأحد تبعات الوحدة. في الجهة المقابلة، ينتاب كثير من الألمان الشرقيون نفس الشعور، بأن حياتهم تغيرت رأسا على عقب جراء الوحدة، ويتمنون عودة النظام الاشتراكي، حيث كان العمل على الأقل متوفر أكثر مما هو عليه في النظام الرأسمالي الحالي.
كسبت العاصمة برلين كثيرا من الوحدة. نقلت معظم الدوائر الحكومية الفيدرالية الألمانية مقارها الرئيسية لها. كما نقلت الدول الأجنبية سفاراتها من بون إلى برلين. اليوم تستثمر الحكومة الفيدرالية مئات الملايين من اليورو في تنمية البنية التحتية في المدينة. تماما كما حصل مع معظم مدن ألمانيا الشرقية. فعلى سبيل المثال تملك المدن الكبيرة فيها مثل درسدن ولايبزغ أحدث أنواع وسائل النقل، كما أن بنيتها التحتية أصبحت تضاهي مثيلاتها في مدن القسم الغربي من ألمانيا.

العلاقات الدولية قبل الحرب العالمية الثانية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الغامدي

1. سياسة الدول الكبرى:-

تأثرت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الأولى بمواقف الدول فهنالك دول تضررت بعد مؤتمر فرساي وهي

ألمانيا وايطاليا واليابان, وقد أثرت سياسة هذه الدول على سياسة الدول الكبرى: بريطانيا وفرنسا وروسيا وأمريكا

حيث كان التباعد والتناقض واضحا بين هذه الدول.

ألمانيا:- لم توافق على شروط فرساي ولا على حدود عام 1919. وأخذت تستعيد قوتها بالتعاون مع روسيا.

ومع صعود النازية الى الحكم أخذ هتلر في إتباع سياسة توسعية فأعاد إقليم السار ,وحصن منطقة ألراين وانشأ جيشا

كبيرا وتقرب من ايطاليا وبريطانيا وعمل على عزل فرنسا وقطع علاقته مع روسيا ولكن عام 1939 غير موقفه من

روسيا وعقد معها اتفاقية روبنتروب – مولوتوف وكان من أهم بنودها الهجوم على بولندا.

ايطاليا:- شعرت ايطاليا بخيبة أمل كبيرة من قرارات مؤتمر فرساي وفي سنة 1922 وصلت الفاشية بزعامة

موسيليني الى السلطة في ايطاليا وقد اتبع سياسة التوسع والتقرب من ألمانيا بعد احتلال ايطاليا للحبشة, وفي عام

1935 تأزمت العلاقات بين ايطاليا وفرنسا , وفي عام 1936 تدخلت ايطاليا في الحرب الأهلية الاسبانية ( 1936-

1939).

روسيا:- اتبعت سياسة مؤيديه لألمانيا بعد اتفاقية رابالو سنة 1922 واستمرت هذه العلاقة حتى سنة 1934 وحيث

قطع هتلر علاقاته بالتحاد السوفييتي. وقد حدثت تقارب بين روسيا وبعض الدول الأوروبية ( فرنسا وتشيكوسلوفاكيا)

لمنع التوسع الألماني نحو الشرق. كما وازداد قلق روسيا من جراء هجوم اليابان على الصين واحتلال منشوريا.

بريطانيا:- تمحورت سياسة بريطانيا في دعم ألمانيا وذلك للمحافظة على ميزان القوى وكذلك بهدف اضعاف

فرنسا. وقد أظهرت بريطانيا تنازلات لألمانيا منها موافقة بريطانيا على احتلال ألمانيا للنمسا سنة 1938 .

وبلغت سياسة الترضية أوجهها في عهد رئيس حكومة بريطانيا نيفيل تشمبرلن.

فرنسا:- لم تتنازل فرنسا لألمانيا عن قضية التعويضات بسبب تخوفها من هجوم ألمانيا عليها في المستقبل.

ولكن بسبب الضغوط الدولية ومعارضة بريطانيا لفرنسا – أخذت فرنسا تبدي تنازلات لألمانيا.

اهتمت فرنسا بتقوية عصبة الأمم لإعادة التعاون مع بريطانيا.

وبعد صعود هتلر الى الحكم في ألمانيا, عقدت فرنسا حلف عسكري مع روسيا سنة 1935.

الولايات المتحدة:- عادت الى سياسة العزلة بعد الحرب العالمية الأولى حسب مبدأ مونرو ولكنها قامت بدعم ألمانيا

كي لا تقع تحت التأثير الشيوعي.

وبالرغم من عدم اعتراف الولايات المتحدة بالنظام الشيوعي إلا أنها قدمت الدعم لروسيا الشيوعية لكي تقف في وجه

الخطر الياباني. وقد استمر حياد أمريكا حتى عام 1941 حين دخلت الحرب ضد دول المحور.

اليابان:- بعد الحرب العالمية الأولى أخذت اليابان تتوسع في منطقة الشرق الأقصى وذلك لرغبتها في الحصول على

المواد الخام لتقوية صناعتها. وفي عام 1931 قامت اليابان باحتلال منشوريا من الصين وأعلنت انسحابها من عصبة

الامم قامت بالتقارب من ايطاليا وألمانيا, وتشكيل محور روما – برلين – طوكيو ودخلت الحرب العالمية الثانية الى

جانب دول المحور.

اليهود: سؤال الهوية ومأزق الانتماء

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الزومان

اليهود: سؤال الهوية ومأزق الانتماء
على الرغم من وَصْف الدراسات السياسية والاجتماعية لجماعة اليهود – بوصفهم مجموعة بشرية لها حضورها في التاريخ الإنساني، والذي قد يكون «فاعلاً» و «مؤثراً»، في كثير من الأحيان، في بعض المجتمعات الأوروبية – بأنهم مجموعة «ممزقة» الانتماء ومتصارعة الهوية، فإن الأثر العلمي الذي تركه كثير من العلماء والمفكرين «اليهود» في التاريخ الإنساني يضعنا أمام تساؤل حول مدى تأثير الاضطراب النفسي والاجتماعي الذي عانوه في آثارهم العلمية التي خلَّفوها. يشير الكاتب «رافائيل باتاي» في دراسته (العقل اليهودي) إلى أن هناك ست قوى أثَّرت في تاريخ اليهود، اتخذت طابع المواجهات في معظمها: أُولاً: تبنِّي لغة ذات جذور كنعانية: وهي العبرية التي جاءت بها التوراة عوضاً عن لغتهم الأصلية الآرامية. ثانياً: مواجهة الحضارة الهلينية. ثالثاً: مواجهة العرب في أرضهم التاريخية (فلسطين). رابعاً: مواجهة عصر النهضة الإيطالية وتجارة جمهورياتها السياسية المتناحرة. خامساً: مواجهة الحركات المذهبية المسيحية في شرق أوروبا ودَوْرِهم في هذا النشاط، وتطوُّر الحسيدية واللغة اليديشية. وأخيراً: التأقلم مع الثقافة الغربية الحديثة إبان عصر النهضة الأوروبي، وما نتج عنها من خروج اليهود من حياة مجتمع الغيتو ودخولهم فترة تنويرية على صعيد المبادئ والأفكار. هذه المواجهات – كما يشير «باتاي» – تُبيِّن اختلافاً بين اليهود وغيرهم؛ فلم تكن هناك يوماً – حسب تعبيره – جماعة يتألف تاريخها من سلسلة من المؤثرات الخارجية. وكان من آثار ذلك تفرُّق اليهود وتعدُّد مشاربهم وتشعُّب انتماءاتهم، وما تمخَّض عن ذلك التعدد؛ فالثقافة التي نتجت عن ذلك التاريخ – بما فيه من تعدُّد وعوامل خارجية – هي ثقافة تُعرَف بمؤثراتها؛ بحيث يمكن الحديث عن ثقافة يهودية هلينية، وأخرى عربية إسلامية، وغيرها ألمانية أو أمريكية، إلى آخر ما هنالك من ثقافات امتزجت بثقافة المجتمعات التي عاش فيها اليهود وانتموا إليها سياسياً. فمنذ دخول النصرانية إلى الإمبراطورية الرومانية وحتى نهاية العصور الوسطى، قام اليهود بنقل كثير من المعارف اليونانية والعربية إلى اللغات الأوروبية في مختلف المجالات: كالفلسفة والعلوم والأدب والطب، ويُعَد (موسى بن ميمون) أحد أهم الأسماء اليهودية في تلك الفترة، حيث نجح في تمثُّل التراث الفلسـفي اليوناني – الأرسطي على وجه التحديد – والتوفيق بينه وبين الموروث الديني اليهودي. وفي عصر التنوير تركت «الهاسكالاه» (وهي حركة عَلمانية) أثراً عميقاً على اليهودية يوازي تأثيرها على النصرانية، كما يرى ذلك الدكتور سعد اليازعي في كتابه: (المكوِّن اليهودي في الحضارة الغربية)؛ فقد أدت بوصفها نوعاً من الإصلاح الديني إلى شكل من اليهودية خالٍ من سماته الخاصة، يقوم على التركيز على المضمون السلوكي بدلاً من الالتزام بالتعاليم اليهودية التقليدية؛ حتى إن بعض مفكري أوروبا رأوا في اليهود النموذج الأكثر تمثُّلاً للعَلمانية، وهذا ما أدى إلى ضعف التمسك بالدين وشجع اليهود على الاندماج في المجتمعات المحيطة، وهو ما أنذر بخطر الذوبان الكلي في تلك المجتمعات، وامِّحاء اليهود واليهودية، وهو أيضاً ما سبب مأزقاً بالنسبة للحريصين على الحفاظ على الهوية اليهودية، ومأزقاً بالنسبة لبعض المجتمعات الغربية التي لم تكن راغبة في حصول ذلك الاندماج على النحو الذي جعل اليهود – رغم العقلانية والتنوير والازدهار – حاضرين في المجتمعات الأوروبية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، لم يخلُ الوجود اليهودي من بعض المنغصات، كمعاداة السامية، لكن اليهود الأمريكيين حققوا ما لم يحققه نظراؤهم ممن آثروا البقاء في أوروبا، سواء على المستويات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية. وهو ما ساعدهم على ترسيخ أبرز الحركات الأيديولوجية السياسية في التاريخ اليهودي الحديث، وهي الحركة الصهيونية، لا سيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ حيث أنشأت دولة «إسرائيل» في فلسطين التي لها مكانة خاصة بالنسبة لليهود في العالم، معتبرين ذلك أبرز إنجازات اليهود وأكبر عوامل توحيدهم. حقيقةً أن التاريخ يشهد على كون اليهود أكثر شعوب الأرض تعدُّداً في الانتماءات، ومعاناة من مأزق الهوية، يعزز ذلك الشعور اليهودي الدائم بالاختلاف، والموقف الثقافي والفكري تجاه ثقافة الآخر (الغربي – المسيحي)، وهو شعور لم يخلُ من شعور بالتأزم حيال الهوية، وإن أفضى حيناً إلى الدونية، فإنه في أحيان كثيرة أدى إلى مزيد من الشعور بالتفوق. ويمكن القول: إن أزمة الجماعة اليهودية (التي نرفض اعتبارها جماعة سياسية مهما كانت الظروف أو الادعاء بوجود كيان سياسي، هو: «إسرائيل») لا يمكن لها أن تتجاوز معضلة هويتها وانتمائها في ظل تعزيز هذه الأزمة بتعدُّد المشارب الفكرية والثقافية لأفرادها، وهو الأمر الذي يصعب تجاوزه أو التغلب عليه.

الحضارة الفلسطينية القديمة في عهد الفرنجة

كاتب الموضوع الأصلي: خالد العتيبي 336

الفرنجة :

لقد امتدت فترة الحروب الصليبية ما بين سنتي 1095-1291م في الشرق عبر حملات متعددة ولأهداف متعددة في كل حملة ، وقد بدأت جملة هذه الحروب عندما أطلق البابا “اوربان الثاني ” في مؤتمر كلير مون سنة 1095 م صيحة الحرب الصليبية “هكذا أراد الله” ، فقد قامت أول الحروب الصليبية على أساس ديني تحت شعار الأيديولوجية الدينية لمحاولة السيطرة على الاماكن المقدسة في الشرق مهد المسيحية ، ورأى البابا أن تصدر الكنيسة الكاثوليكية الغربية بالدور المركزي في الحملات الصليبية يمكنها من احتلال الموقع القيادي المرغوب دينياً وسياسياً في الشرق كما في الغرب . وشهد القرن الحادي عشر في اوروبا حركة أحياء ديني واسعة النطاق ، وخصوصاً بين الطبقات الشعبية التي تنامت فيها الافكار الصليبية ، فعندما جاءت الدعوة إلى القيام بحملات عسكرية تحت راية الصليب ، كانت الاستجابة الشعبية واسعة أيضاً ، أما الباباوات فقد شعروا بقوتهم في القرن الحادي عشر وخصوصاً أيام غريغوريوس السابع وجاء بعده أربان الثاني ليدفع مسيرة تعزيز موقع الكنيسة إلى الأمام، فكانت الحملات الصليبية السبيل إلى ذلك في رأيه، وكذلك استجابة لطلب امبراطور بيزنطة بالنجدة والذي شعر بالخطر على عاصمته وعدم مقدرته على درء الخطر عن الأماكن المقدسة .

 

فكانت أوروبا في القرن الحادي عشر مهيأة مادياً ومعنوياً لقبول فكرة الحروب الصليبية ، فالأوضاع الاجتماعية الصعبة وزيادة عدد السكان وطبيعة رقعة الأراضي الزراعية وتوالي الكوارث الطبيعية والأوبئة والطمع في خيرات الشرق كل هذه العوامل ساعدت على تجسيد الفكرة وممارستها .

 

الحملة الأولى :

لقد كانت الحملة الأولى عندما طلب إمبراطور بيزنطة مساعدة عسكرية تتمثل في جيش من المرتزقة للدفاع عن عاصمته ، فجاء الرد الأوروبي غير المتوقع وهو عبارة عن حملة صليبية ، الأمر الذي اربك إمبراطور بيزنطة ووضعه في موقف حرج ، ففي كليرمونت (وسط فرنسا) عقد المجمع الشهير في تشرين الثاني /نوفمبر 1095م حيث ألقى البابا ” أربان الثاني ” خطابا حماسيا ألهب المشاعر الدينية لجماهير غفيرة اجتاحتها العواطف الدينية ودعا إلى حمل السلاح لحماية المسيحيين في الشرق من الاضطهاد ، وتحرير كنيسة القيامة والمسيحية الشرقية عامة ، وتعالت الصرخات العفوية “هذه إرادة الله” واندفع الناس نحو البابا مؤيدين دعوته ، ووعد هؤلاء بأن يمحو الخطايا والاعفاء من الديون ورعاية الأسر أثناء الغياب والمرتدون سيحرمون من الكنيسة ، وقد انتشرت هذه الحماسة من فرنسا إلى أن بلغت سائر أوروبا ، وكانت فكرة الحملة الصليبية غريبة على بيزنطة على مستوى القمة والقاعدة الشعبية، فقد كان همهم مواجهة خطر السلاجقة ، ونظرت بيزنطة إلى الصليبيين بارتياب ، ورأت فيهم برابرة شأنهم في ذلك شأن السلاجقة الذين يهددونهم من الشرق ، فعندما اقتربت الحملة الصليبية الأولى من القسطنطينية التي قادها الراهب “بيتر ” حيث سبقتها سمعتها السيئة على طول طريقها من فرنسا إلى القسطنطينية ، سارع الإمبراطور والذي عرف بدهائه الشديد إلى نقلها عبر المضيق إلى شاطئ آسيا الصغرى ، حيث تركها طعمآ لسيوف السلاجقة في سلطة الروم .

 

وبعد فناء حملة بيتر الراهب في صيف 1096م بدأت قوات الحملة الصليبية الأولى تتجمع في غرب أوروبا وجيشها هو الأكبر في هذه الحملة متعددة القادة ، وكان على هذه الجيوش أن تتجمع في القسطنطينية قبل الدخول إلى أراضي السلطنة السلجوقية وكانت فرنسا تشكل الثقل الرئيسي في الحملة .

 

لقد بدأت الحرب بمشاركة شكلية من جيش الامبراطور البيزنطي ، مع السلاجقة في سلطنة روم ، وبدأ محاصرتهم واحتلال الامارات الواحدة تلو الاخرى، وواصلوا تقدماً في الجنوب نحو فلسطين فأخذوا (مغرة النعمان ) وقاموا بمذبحة كبيرة فيها وأخذوا بعض المناطق الأخرى متوجهين إلى الساحل وحصنوا مواقعهم في صور وعكا والقدس وتقدموا إلى القدس لاستكمال الحج إلى الاماكن المقدسة، وتابعوا طريقهم إليها في أيار /مايو 1099 م وسار الجيش الصليبي أمام عكا وحيفا وأرسوف وقيساريا، ومن هناك انعطفت إلى الرملة عاصمة فلسطين وتابعوا إلى القدس وامتنعت عليهم المدينة فحاصروها من 7 حزيران /يونيو إلى 15 تموز /يوليو 1099 م وسقطت في أيديهم وقاموا بمذبحة رهيبة ضد السكان المحليين .

 

وبعد تأسيس مملكة أورشليم اللاتينية توجه قادتها إلى استكمال احتلال ساحل البلاد وداخلها.

 

لقد أفاق الفاطميون على حقيقة احتلال الصليبيين للبلاد العربية وكان ذلك متأخراً ، فحاولوا مواجهة الصليبيين وهزموا في معركة برية بالقرب من عسقلان في آب / أغسطس 1099 م وانتقل بعدها الصليبيون لاستكمال احتلال مدن الساحل ، أما عسقلان الفاطمية فقد ظلت تشكل خطراً على المملكة الصليبية حتى سنة 1153 م وعندما سقطت أصبح الساحل بأكمله تحت سيطرة الصليبيين وخلال أكثر من خمسين عاماً ، ظلت المناوشات مستمرة بين الفاطميين ومملكة أورشليم اللاتينية .

 

الحملة الثانية 1146-1149م:

لقد احتدمت الصراعات الصليبية الداخلية وكذلك الصراع مع بيزنطة مما هيأ الفرصة للسلاجقة إستعادة الأراضي التي خسروها ، ولاحت فرصة قوية للامبراطور “ألكسيوس” لانتزاع أنطاكيا من ” بوهيمند” الذي وقع أسيراً في يد القائد التركي “أمير مالك غازي” ، وتم التفاوض على افتداء “بوهيمند” وبعد أن تم ذلك رفض تسليم انطاكيا للامبراطور . ألحق به السلاجقة هزيمة نكراء في حران عام 1104 م وخسر معظم الأراضي التي احتلها في سوريا .

 

وفي المقابل كانت مملكة أورشليم اللاتينية تتوسع في جميع الاتجاهات والتي ولدت حالة من النهوض في الموصل ، ففي الموصل بدأت حركة عام 1113 لتوحيد الإمارات الإسلامية في العراق وسوريا من أجل عمل مشترك ضد الفرنجة ، ووصلت هذه الحركة ذروتها أيام عماد الدين زنكي الذي برز (1127-1146) واستطاع فرض سلطته على حكام المقاطعات في العراق وسوريا ماعدا دمشق، وبذلك فتح عماد الدين زنكي مرحلة جديدة من الاشتباك مع الفرنجة ، وامتدت إلى أيام ابنه نور الدين زنكي ، ومن بعده صلاح الدين الأيوبي وصولاً إلى المماليك الذين تمت على أيديهم تصفية مملكة أورشليم اللاتينية

النفس المتسامحة.. عطــــاء بلا حدود

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الزومان

النفس المتسامحة.. عطــــاء بلا حدود

النفس المؤمنة المتسامحة من أصفى النفوس وأسعدها، تحمل روحاً محبة للخير، تبذل الإحسان للخلق، بين جوانحها قلبٌ يحب السعادة للآخرين، ويرجو الخير لكل المسلمين، يتألم لآلام إخوانه، ويسعد بفرحهم، ويرجو التوفيق للجميع، يتبسم في وجوه الخلق، لا يبخل عليهم بماله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، يحنو على اليتيم، ويخاف الله في الأرملة والمسكين، وعد الله جلَّ وعلا صاحب هذه النفس أن يكون من أهل الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة جلَّ شأنه في الحديث القدسي، عن عياض ابن حمار المجاشعي – رضي الله عنه – قال: “وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ” [مسلم 2865].
فما أعظمها نفس تسعى في منافع الناس، يفرح عندما يوسع الله على إخوانه، ويسعد عندما تمتد يده بالعطاء، ويهنأ عندما يطعم مسكيناً، أو يكسو فقيراً، يبذل الإحسان لا يرجو بذلك إلا وجه الله، مستحضراً قوله تعالى: {إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً} [الإنسان: 9]. وهذه النفس هي التي يُقابَل صاحبها بالإحسان يوم القيامة، فـ {هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ} [الرحمن: 60]، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِراً، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» [متفق عليه].
أعظم مثال للتسامح البشري:
يحلو لكثير من المنهزمين نفسيّاً أن ينظر لبعض الحكم المنقولة عن النصارى ويذكر مواعظهم في العفو، رغبةً في وجود تلك النفسية المتسامحة، التي يظنون أنهم تفردوا بها، وتميزوا عن غيرهم، وهذا ليس بصحيح؛ فهم لم يقرؤوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعرفوه، ولو عرفوه لعلموا عظيم تسامحه، وصفاء نفسه صلى الله عليه وسلم.
فها هو عبد الله بن أبي رأس النفاق، يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فينخذل عنه بثلث الجيش يوم أحد ويرجع بهم إلى المدينة، ويرمي أم المؤمنين عائشة بالفاحشة، حتى قال: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]، ومع كل هذا الإيذاء والعداء الظاهر والخفي، رفض قتله، وقال صلى الله عليه وسلم: (دَعْهُ! لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) [متفق عليه].
بل العجب في تسامح النبي صلى الله عليه وسلم عند موته، فقد بذل ثوبه ليكون كفناً له، وصلى عليه، واستغفر له، ونزل قبره وهو من ناصبه العداء، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَمِيصَهُ، فَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ قَالَ {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] [البخاري 1269].
وإن الإنسان ليتملكه العجب، وتأخذه الدهشة من هذا التسامح العجيب، ونسيان الإساءة، وبذل الخير، عند من لا يستحقون إلا الجفاء والمقاطعة، بل وما هو أشد من ذلك!!
وشيء آخر من تسامحه صلى الله عليه وسلم، ونفسه المحبة للناس وهدايتهم، فقد كان الصحابي مخرمة رجلاً في خُلقه شدة، ولا يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغضبه، بل يعامله بشيء فيه عطف وحنو بالغ، وكان رجلاً كفيف البصر، سمع بقدوم أثواب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف عامله النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أرضاه، وهذا ليس بواجب عليه، بل يعلمنا كيف تكون النفس المتسامحة وكيف تعطي الجميع وبلا حدود، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِداً لِمَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَجَاءَ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَامَ عَلَى الْبَاب فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَوْتَهُ، فَأَخَذَ قَبَاءً فَتَلَقَّاهُ بِهِ، وَاسْتَقْبَلَهُ بِأَزْرَارِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْمِسْوَرِ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ! يَا أَبَا الْمِسْوَرِ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ. [البخاري 3127] وفي بعض الروايات صار يعرض عليه محاسن هذا الثوب، حتى رضي مخرمة، وكل هذا ليس بفرض ولا واجب، ولكنها النفس العظيمة، المحبة لهداية الخلق، الرحيمة بهم صلى الله عليه وسلم.
وعن سَهْل بْن سَعْدٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ، -قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا، وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْسُنِيهَا. فَقَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ! سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلاً، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ” [البخاري 2093] فهذا مثال رائع للنفس الكريمة المحبة للآخرين، تعطي الثوب للغير وهي محتاجة إليه، وفي هذا الحديث منهجه أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً، نفس عظيمة ما أروعها!.
موقف الإمام أحمد ممن آذوه:
وعلى خطى النبي صلى الله عليه وسلم مضى الصحابة والتابعون يسامحون ويعفون ويحسنون، وممَّن سار على هديهم في التسامح: الإمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل – رحمه الله – فقد سامح مَنْ آذوه في المحنة، قال الإمام الذهبي – رحمه الله – في مناقب الإمام أحمد: (وعن عبد الله بن أحمد قال: وسمعت أبي يقول: لقد جعلت الميتَ في حلٍّ مِنْ ضربه إياي.. ثم قال: وما على رجل ألَّا يُعذب الله بسببه أحداً). [سير أعلام النبلاء 11/257].
وكان يقول: (كل من ذكرني ففي حلٍّ إلا مبتدعاً –يعني ابن أبي دواد-، وقد جعلت أبا إسحاق – يعني: المعتصم – في حلٍّ.. ثم قال أبو عبد الله: وما ينفعك أن يُعذب الله أخاك المسلم في سببك). [سير أعلام النبلاء 11/261].
وقال له إسحاق بن إبراهيم: اجعلني في حلٍّ من حضوري ضربك. فقلت: قد جعلت كل من حضرني في حلٍّ. [سير أعلام النبلاء 11/266].
ولما أمر الواثق بقطع قيود الإمام أحمد، فلما قطع، ضرب بيده إلى القيد ليأخذه، فجاذبه الحداد عليه، فقال الواثق: لمَ أخذته ؟ قال: لأني نويت أن أوصي أن يُجعل في كفني حتى أخاصم به هذا الظالم غداً. وبكى، فبكى الواثق وبكينا. ثم سأله الواثق أن يجعله في حلّ، فقال: لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراماً لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ لكونك من أهله.
فقال له: أقم قبلنا فننتفع بك، وتنتفع بنا، قال: إن ردك إياي إلى موضعي أنفع لك، أصير إلى أهلي وولدي، فأكفّ دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك، قال: فتقبل منا صلة؟ قال: لا تحل لي، أنا عنها غني. [سير أعلام النبلاء 11/ 315]. رحم الله هذا الإمام الكبير، فما أعظم نفسه المتسامحة!
موقف ابن تيمية مع خصومه:
عاش ابن تيمية –رحمه الله- يحمل النفس المتسامحة، ولذلك كان يشعر بالطمأنينة والسعادة، مع ما كان يعيش فيه من صعوبات كثيرة، يقول تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: «وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدهما، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها».
ويضيف ابن القيم – رحمه الله -: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع بي أعدائي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه الأخير في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكري هذه النعمة. أو قال ما جزيتهم عني ما تسببوا لي فيه من الخير، ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» ما شاء الله، وقال لي مرة: «المحبوس من حُبس قلبه من ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه». ولما أُدخل إلى سجن القلعة، وصار داخل السور نظر إليه، وقال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 31].
قال ابن القيم – رحمه الله -: وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام – رحمه الله – قال: كان في بداية أمره يخرج أحياناً إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه، فتبعته يوماً فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر، وهو لمجنون ليلى في قصيدته الطويلة:
وأَخْرُجُ مِن بينِ البيوتِ لَعَلَّنِي
أُحَدِّثُ عَنْك النفسَ بالسرِّ خالياً
[الوابل الصيب ص 93 و94].
وقد وضع ابن تيمية قاعدة للتسامح في حياته السلوكية والعملية، تتلخص هذه القاعدة في قوله: (أحللت كل مسلم عن إيذائه لي) وتفصيلها ما جاء في مجموع الفتاوى قال: (فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُنْتَصَرَ مِنْ أَحَدٍ بِسَبَبِ كَذِبِهِ عَلَيَّ أَوْ ظُلْمِهِ وَعُدْوَانِهِ؛ فَإِنِّي قَدْ أَحْلَلْت كُلَّ مُسْلِمٍ، وَأَنَا أُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ، وَأُرِيدُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ الْخَيْرِ مَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي، وَاَلَّذِينَ كَذَبُوا وَظَلَمُوا فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ جِهَتِي) [مجموع الفتاوى 28/ 55].
أمثلة من تسامح شيخ الإسلام ابن تيمية:
1- كان الشيخ الصوفي البكري من أشد الصوفية على شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي محنة الشيخ مع الصوفية سنة 707هـ حول قضية الاستغاثة طالب بعضهم بتعزير شيخ الإسلام، إلا أن الشيخ البكري طالب بقتله وسفك دمه!
وفي سنة 711هـ تجمهر بعض الغوغاء من الصوفية بزعامة الشيخ البكري وتابعوا شيخ الإسلام ابن تيمية حتى تفردوا به وضربوه، وفي حادثة أخرى تفرد البكري بابن تيمية ووثب عليه ونتش أطواقه وطيلسانه، وبالغ في إيذاء ابن تيمية!
وحينما تجمع الجند والناس على ابن تيمية يطالبون بنصرته، وأن يشير عليهم بما يراه مناسباً للانتقام من خصمه البكري الصوفي؛ أجابهم شيخ الإسلام بما يلي: (أنا لا أنتصر لنفسي)!!
ولما اشتد طلب الدولة للبكري وضاقت عليه الأرض بما رحبت هرب واختفى في بيت ابن تيمية وعند شيخ الإسلام لما كان مقيماً في مصر، حتى شفع فيه ابن تيمية عند السلطان وعفا عنه!! [العقود الدرية 1/305].
فهذا مثال من تسامح هذا الإنسان العظيم، فالبكري قابله بالظلم والتكفير والاعتداء والعدوان والبهتان، وابن تيمية قابله بالعفو والإحسان والكرم، إن في ذلك آية عظيمة لكل منصف سليم القلب.
2- ومرة أخرى يجتمع على شيخ الإسلام بعض الفقهاء والقضاة بمصر والشام، وحملوا عليه حملة سيئة، فأفحم الجميع بالحق، وألزمهم الحجج، فلما أفلسوا وشوا به إلى الحكام. وبعد أن وشى به بعض العلماء وكذبوا عليه وألّبوا الحكام والأمراء عليه وتزلفوا لدى الكبراء في ابن تيمية؛ سُجن وعذب، وتولى كِبر ذلك الجُرم الشيخ الصوفي نصر المنبجي، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير تلميذ المنبجي، وجماعة من الفقهاء والعلماء، الذين ناصروا الحاكم بيبرس في انقلابه ضد السلطان ناصر ابن قلاوون.
ولكن شاء الله أن تزول إمارة بيبرس ويضم السلطان ناصر ابن قلاوون دمشق ومصر إلى حكمه، ولم يكن همّ السلطان إلا الإفراج عن شيخ الإسلام المسجون ظلماً وزوراً. فأخرجه معززاً مكرماً مبجلاً، ويصل الشيخ إلى البلاط الملكي فيقوم له السلطان تكريماً واحتراماً ويضع يده بيد ابن تيمية ويدخلان على كبار علماء مصر والشام…!
ويختلي السلطان ناصر قلاوون بشيخ الإسلام ابن تيمية ويحدثه عن رغبته في قتل بعض العلماء والقضاة بسبب ما عملوه ضد السلطان، وما أخرجه بعضهم من فتاوى بعزل السلطان ومبايعة بيبرس، وأخذ السلطان يحث ابن تيمية على إصدار فتوى بجواز قتل هؤلاء العلماء، ويذكره بأن هؤلاء العلماء هم الذين سجنوه وظلموه واضطهدوه، وأنها حانت الساعة للانتقام منهم! وأصرَّ السلطان ناصر بن قلاوون على طلبه من شيخ الإسلام كي يخرج فتاوى في جواز قتلهم!
فقام ابن تيمية بتعظيم هؤلاء العلماء والقضاة، وأنكر أن يُنال أحد منهم بسوء، وأخذ يمدحهم ويثني عليهم أمام السلطان وشفع لهم بالعفو والصفح عنهم ومنعه من قتلهم، فقال للسلطان : (إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء الأفاضل!) فيرد عليه السلطان متعجبا متحيراً: لكنهم آذوك وأرادوا قتلك مراراً ؟! فقال ابن تيمية: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي! وما زال ابن تيمية بالسلطان يقنعه أن يعفو عنهم ويصفح، حتى استجاب له السلطان فأصدر عفوه عنهم وخلَّى سبيلهم!! [موقف ابن تيمية من الأشاعرة: 1/160].
3- لقد شهد له كبير خصومه ومن الذين هاجموه وآذوه، شهد له بعد عمله التسامحي الفريد الذي عمله معهم في أثناء غضب السلطان ناصر بن قلاوون عليهم، لقد كان قاضي المالكية القاضي ابن مخلوف أحدهم ولما أفرج عنه قال عن ابن تيمية: (ما رأيت كريماً واسع الصدر مثل ابن تيمية، فقد أثرنا الدولة ضده، ولكنه عفا عنا بعد المقدرة، حتى دافع عن أنفسنا وقام بحمايتنا، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا)… هذا هو ابن تيمية، هذه هي أخلاقه مع خصومه! [شيخ الإسلام ابن تيمية لأحمد فريد 1/17].
4- ولم يكتف شيخ الإسلام بالإحسان إلى خصومه في حياتهم بل بعد مماتهم، يقول ابن القيم: (وما رأيت أحداً قط أجمع لهذه الخصال –يعني خصال الفتوة- من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا الكلام فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه – رحمه الله -) [مدارج السالكين جـ2/345].
وسبحان الله، من هذا التسامح وهذا العطاء والإحسان، يقول ابن تيمية معبراً عن نفسيته المتسامحة: (وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها، وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله له، ولا أعين عليه عدوه قط، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه نيتي وعزيمتي، مع علمي بجميع الأمور فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عوناً للشيطان على إخواني المسلمين) [مجموع الفتاوى 3/271].
إن التسامح عندما يستحكم في النفس تعتاد الإحسان في كل الأمور، في العبادات والمعاملات، في صغائر الأمور وعظائمها، فيحسن المرء في عبادة ربه، ومعاملة خلق الله، فيحسن إلى الوالدين، والزوجة والبنات، والإخوة والأخوات، والجيران والأصدقاء، بل قد يصل به الإحسان إلى من يبغضه، فيقابل إساءته بالإحسان، ويمتد الإحسان ليشمــل الحـــيوان والنبات فـ (في كل ذي كبد رطبة أجر) [متفق عليه]، وهذه مرتبة عظيمة في دين الله. نسأل الله أن يرزقنا التسامح والإحسان في أعمالنا وأخلاقنا، والإخلاصَ في الأقوال والأعمال، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.

القوات الجوية المصرية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الزومان

القوات الجوية المصرية
القوات الجوية المصرية هي فرع الطيران العسكري في القوات المسلحة المصرية.[2] ساهمت القوات الجوية المصرية منذ إنشائها في العديد من المعارك والنزاعات التي دارت أحداثها في الشرق الأوسط، معظمها إن لم يكن كلها كان في إطار الصراع العربي الإسرائيلي. شعارها: “إلى العلا… في سبيل المجد”.
أنشأت القوات الجوية المصرية بطلب مقدم من البرلمان المصري إلى الحكومة عام 1928، وفي ذلك الحين كانت لا تزال جزءًا من الجيش المصري، قبل أن يَصدر قرار ملكي بتحويلها إلى فرع مستقل، ومنذ ذلك الحين شاركت في معظم نزاعات المنطقة مثل حرب سنة 1948، حرب اليمن، حرب سنة 1967، حرب الاستنزاف، حرب أكتوبر في سنة 1973، والمناوشات المصرية الليبية.
القائد الحالي للقوات الجوية هو الفريق يونس السيد حامد المصري قائدا للقوات الجوية وهو يشغل هذا المنصب منذ أغسطس 2012.[3][4] تملك القوات الجوية المصرية حاليًا ما يقارب من 569 طائرة ما بين مقاتلة وقاذفة وحوالي 149 مروحية مما يجعل القوات الجوية المصرية الأكبر حجما في كل من أفريقيا والشرق الأوسط، أما بالنسبة للقدرات القتالية فتعتبر القوات الجوية المصرية الأقوى في أفريقيا وأقوى أسلحة الجو في المنطقة بعد إسرائيل وبعد تركيا.[5]
للقوات الجوية المصرية 17 قاعدة جوية رئيسية من أصل 40 منشأة جوية رئيسية، بالإضافة إلى قواعد الاحتياط والخدمة المنتشرة في أرجاء مصر،[6] وأكثر من 30,000 موظف منهم 10,000 مجند.[7] العمود الفقري للقوات الجوية المصرية هو 220 مقاتلة من نوع إف-16 فالكون الأمريكية الصنع، وبذلك تكون رابع أكبر مستخدم لتلك الطائرات في العالم.[8]
ظهرت القوات الجوية المصرية في الثقافة العامة عن طريق الأفلام السينمائية بشكل خاص، كما ظهرت بعض الأحداث التي شاركت فيها في أفلام أخرى مثل أيام السادات الذي تحدث في جزء بسيط منه عن استخدام جميع الطائرات الحربية وطائرات التدريب في قصف المواقع الإسرائيلية.
الإنشاء
طلب البرلمان المصري من الحكومة في عام 1928 إنشاء قوات جوية مصرية، وقامت وزارة الحربية بإعلان احتياجها لمتطوعين لهذا السلاح الجديد وقام حينها مئتا ضابط بالتطوع لهذا السلاح الجديد. بعد اختبارات طبية وفنية متعددة صارمة نجح ثلاثة منهم، هم: عبد المنعم ميجاويتي، أحمد عبد الرازق، وفؤاد عبد الحميد حجاج.[9] ثم أرسلوا إلى مدرسة الطيران الملكية البريطانية في أبو صوير قرب قناة السويس لتدريبهم على الطيران وبعد التخرج من مدرسة الطيران سافروا إلى بريطانيا للتدريب المتخصص. في 30 نوفمبر قام الملك فؤاد الأول باتخاذ قرار إنشاء سلاح الجو المصري تحت اسم “القوات الجوية للجيش المصري”. قامت شركة دي هافلاند البريطانية في 30 سبتمبر بالفوز بعقد توريد 10 طائرات دي إتش – 60 تايجر موث. أرادت الشركة البريطانية شحن الطائرات في سفن إلى الإسكندرية ولكن الإصرار المصري أدى إلى عودة الطائرات إلى بريطانيا. في 23 مايو 1932 أقلعت 5 طائرات تايجر موث مصرية من أصل عشرة من قاعدة هاتفيلد الجوية شمال لندن. حلق الطيارون المصريون الثلاثة، واثنان بريطانيان بالطائرات وهبطوا في قاعدة ألماظة الجوية شمال شرق القاهرة في يوم 2 يونيو وسط احتفال شعبي كبير بحضور الملك.[10] كان تلك هي بداية سلاح الجو المصري الذي كان يُشكل جزءًا غير مستقل من الجيش المصري، أما أول قائد لسلاح الجو المصري فكان فيكتور هيربيرت تايت الكندي الجنسية، الذي بدأ في انتقاء الأفراد وتدريبهم وبناء القواعد الجوية واختيار الأسلحة بنفسه،[11][12] حيث كانت المهام الأساسية للقوات الجوية في الجيش المصري في ذاك الوقت وحتى عام 1937 هي مكافحة تجارة المخدرات والتصوير الجغرافي.
وافقت بريطانيا في عام 1934 على توريد 10 طائرات أفرو 626 التي تعتبر أول طائرة عسكرية مصرية.[10] اشترت مصر بعد ذلك 17 طائرة أخرى من نوع أفرو 626 وبذلك أصبح عدد الطائرات أفرو 626 سبعة عشر، استمرت بالخدمة حتى عام 1944، حيث استبدلتها الحكومة المصرية بعدّة قاذفات قنابل خفيفة من نوع هوكر هارت وطائرات أفرو أنسون.[10][13] شملت طائرات القوات الجوية في تاريخ 26 أبريل 1937[14] ما يلي:16 طائرة أفرو 626، 6 طائرات دي هافلاند 6، 6 طائرات هوكر أودكس، طائرة أفرو 642، طائرة أفرو 652، وطائرة ويستلاند أفرو.

علم القوات الجوية الملكية المصرية.
ووصل تعداد الأفراد التابعين للقوات الجوية آنذاك إلى 27 ضابط مصري، 3 ضباط إنجليز، وبلغ إجمالي الفنيين 415 فنيًا. أما القاعدة الجوية الرئيسية فكانت قاعدة ألماظة الجوية، وفي وقت لاحق تم بناء قاعدة جديدة في منطقة قناة السويس، ومطار الدخيلة في الصحراء الغربية.
في عام 1937 فصل الملك فاروق سلاح الجو من الجيش المصري وجعله سلاحًا مستقلًا بذاته وأسماه “القوات الجوية الملكية المصرية”. في عام 1938 اشترت القوات الجوية الملكية المصرية سربين من طائرات المقاتلة “جلوستر جلادياتور” وسرب من الطائرات المقاتلة “ويست لاند لاي ساندر” (بالإنجليزية: Westland Lysander). كانت القوات الجوية الملكية المصرية آخر سلاح جو يستخدم تلك المقاتلات، وكان ذلك في حرب فلسطين عام 1948. في نهاية عام 1938 كان لدى القوات الجوية الملكية المصرية الأسراب التالية:[10][15]
السـرب الـدور
السرب الأول مستخدم المقاتلات ويست لاند لاي ساندر. مساند البحرية والجيش المصري.
السرب الثاني مستخدم المقاتلات جلوستر جلادياتور. الدفاع الجوي.
السرب الثالث مستخدم طائرات أفرو أنسون الم -ة. النقل الملكي.
السرب الرابع مستخدم طائرات أفرو أنسون. النقل.
السرب الخامس مستخدم المقاتلات جلوستر جلادياتور. الدفاع الجوي.
الحرب العالمية الثانية[ -]

مع زيادة تهديد القوات النازية والإيطالية للحدود المصرية اضطرت القوات الجوية لبناء المزيد من القواعد، بما أن الدول الأخرى كانت تنظر للقوات الجوية الملكية المصرية بأنها جزء من سلاح الجو الملكي ينصاع للسياسة البريطانية.[16] خلال الحرب قامت القوات الجوية الملكية المصرية بعمليات مراقبة على طول ساحل البحر الأحمر لمتابعة تحركات البحرية النازية وذلك بناءًا على طلب من بريطانيا.[17] وصدت طائراتها غارات الطائرات الألمانية والإيطالية وأسقطت طائرة ألمانية هينكل هي الثالثة.[10] زودت بريطانيا مصر بطائرات إضافية جديدة من الأنواع التالية:
• 4 طائرات هوكر هيريكانز (بالإنجليزية: Hawker Hurricanes).
• 6 طائرات توماهوك بيه-40 (بالإنجليزية: Curtiss P-40 Tomahawks).[10]
وبعد هذا أجرت الحكومة المصرية مفاوضات مع بريطانيا لشراء المزيد من طائرات توماهوك بي 40 لاستبدال جلوستر جلادياتور إم كيه-1، ولكن بريطانيا لم توافق على ذلك، وبدلاً من هذا وافقت على تطوير جلوستر جلادياتور إلى إم كيه-2.[10] بعد الحرب منحت بريطانيا لمصر 30 طائرة سوبر مارين سبت فاير (بالإنجليزية: Supermarine Spitfire) زائدة عن حاجتها. ثم اشترت القوات الجوية الملكية المصرية طائرات مقاتلة وتدريبية إيطالية من نوع ماتشي كاستولدي الرابعة (بالإنجليزية: Macchi Castoldi V).
حرب سنة 1948[ -]
•  مقالة مفصلة: حرب 1948

طائرة ميج 15 مصرية، وعليها شعار سلاح الجو الملكي المصري.

طائرة جلوستر ميتور إف – 4.
بعدما قامت قوات الاحتلال البريطاني بالانسحاب من فلسطين واحتلال القوات الإسرائيلية لها في 14 مايو 1948، أعلنت الدول العربية الحرب على الدخيل الجديد في المنطقة. ساهمت القوات الجوية المصرية في هذا النزاع بطائراتها المقاتلة سوبر مارين سبت فاير وسي 47 سكاي تران (بالإنجليزية: Douglas C-47 Skytrain) التي أسقطت طائرتين إسرائيليتين لكنها تعرضت إلى الكثير من الخسائر الفادحة نتيجة لقلة التدريب بسبب عدم سماح بريطانيا بتطوير كفاءة الطيارين المصريين. ففي 22 مايو سنة 1948 قامت خمسة طائرات سوبر مارين سبت فاير المصرية بالهجوم على نفس النوع من الطائرات التابعة للقوات الجوية الملكية البريطانية في قاعدة رامات ديفيد شمال حيفا اعتقادا منها بأن بريطانيا أعطتها إلى إسرائيل.[18] كان الهجوم على غارتان: كانت الغارة الأولى مفاجأة للقوات الجوية الملكية البريطانية حيث تم تدمير العديد من طائراتها على الأرض وتدمير تلك القاعدة ومقتل العديد من الطيارين والعاملين بها، وقد أعلنت بريطانيا أنها لم تكن متأكدة مما إذا صدر الهجوم من مصر أم من إسرائيل؛ أما الغارة الثانية فوقعت مباشرة بعد الغارة الأولى، وقامت بها خمس طائرات سوبر مارين سبت فاير مصرية، لكنها لاقت دفاعًا جيدًا، فأسقطتها جميعا طائرات سوبر مارين سبت فاير بريطانية. كان تلك المرة الوحيدة التي قاتلت الطائرات سوبر مارين سبت فاير طائرات من نفس النوع.[19] عادت العلاقات المصرية البريطانية سريعًا إلى ما كانت عليه، لكنها استمرت في حالة حرب مع إسرائيل، مما حدا بمصر أن تجلب المزيد من السلاح.
بسبب الحرب المستمرة بين مصر وإسرائيل، اشترت القوات الجوية المصرية الطراز الجديد من سوبر مارين سبت فير [19] وهو إم كي 22 (Mk22). في أواخر عام 1949 حصلت مصر على أول طائرة نفاثة وكانت جلوستر ميتور إف – 4 (بالإنجليزية: Gloster Meteor F4) بريطانية الصنع ثم على مواطنتها دي هافيلاند فامبير (بالإنجليزية: de Havilland Vampire)، والمقاتلات ماتشي إم سي 205 في (بالإيطالية: Macchi MC205V) من إيطاليا.
في أواخر عام 1951، جرت مفاوضات بين الطرفين المصري والبريطاني على تجميع المقاتلات فامبير في مصر، ولكنها انتهت إلى لا شيء، وذلك بسبب هجوم القوات المصرية على القواعد البريطانية خلال ثورة يوليو.[10] في 23 يوليو سنة 1952 قام جمال عبد الناصر بثورة يوليو 1952 على ملك مصر، وكانت القوات الجوية الملكية المصرية على طرف الحياد غير مشتركة فيها، ثم حول اسمها إلى القوات الجوية المصرية وهو الاسم الحالي.[10]
خلال الفترة الممتدة بين عاميّ 1953 و1954 حصل تعاون بسيط بين القوات الجوية وبريطانيا، وانحصر كل هذا التعاون في التدريب، وعلى الرغم من ذلك فإن سياسة الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر جعلت مصر تشتري طائرات من الكتلة الشرقية.

الطائرة المصرية بيست مان بي يو 181 “الجمهورية”.
وصلت أول طائرة سوفيتية مصر عام 1955، وتكونت الشحنات الأولى مما يلي:
• المقاتلات ميج 15.
• قاذفات القنابل إليوشن إل 28.
• ناقلات إليوشن إل 14.
• طائرات التدريب ياكوفليف ياك-11.
بالإضافة إلى طيارين مدربين من تشيكوسلوفاكيا.
بدأت مصر في تلك الفترة تصنيع طائرات التدريب بيست مان بي يو 181 ذات تصميم تشيكي، وسُميت باسم “الجمهورية”.[20]
أزمة السويس[ -]
•  مقالة مفصلة: العدوان الثلاثي على مصر

طائرة حلوان 300.
بعدما قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس في عام 1956، تعرضت مصر لهجوم من قبل كل من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا فيما عرف بالعدوان الثلاثي على مصر،[21][22] فخسرت مصر في تلك الحرب الكثير، ولكنها بالمقابل انتصرت سياسيًا، وقد أدى ذلك العدوان إلى إعادة بناء القوات الجوية بدون مساعدة من بريطانيا.
مع نهاية العدوان، أسست مصر تحالف سياسي مع كل من سوريا واليمن فيما عرف باسم الجمهورية العربية المتحدة، وتحول اسم القوات الجوية المصرية إلى القوات الجوية العربية المتحدة.
في منتصف الستينيات، بدلت مصر جميع الطائرات البريطانية بأخرى سوفيتية. فقد كان الاتحاد السوفيتي آنذاك المورد الرئيسي للقوات الجوية العربية المتحدة وبعض الدول العربية، وقد منح ذلك القوات الجوية المصرية فرصة كبيرة لتطور نفسها مما أثر كثيرا في النزاعات والحروب التالية. فقد اشترت مصر من الاتحاد السوفيتي عدد من مقاتلات ميج 21 استمرت بصفتها الطائرة المقاتلة الرئيسية في سلاح الجو المصري طيلة العقدين التاليين. في منتصف الستينيات حصلت القوات الجوية المصرية على قاذفة القنابل سوخوي سو – 7، وفي عام 1967 امتلكت مصر 200 طائرة مقاتلة من نوع ميغ-21،[23][24][25][26] كذلك أنتجت مصر أول طائراتها واسمها حلوان 300، وهي طائرة خفيفة أسرع من الصوت.[27]
ثورة 26 سبتمبر اليمنية[ -]
•  مقالة مفصلة: ثورة 26 سبتمبر اليمنية
قامت ثورة 26 سبتمبر اليمنية ضد الحكم الملكي واندلعت حرب أهلية سنة 1962 بين الملكيين والجمهوريين، وحصل الجانب الملكي على الدعم من المملكة العربية السعودية وحصل الجانب الجمهوري على الدعم من مصر والإتحاد السوفيتي. بدأ القتال العنيف في المناطق الصحراوية والريفية بين الجانبين بقوات نظامية وغير نظامية. كانت الحرب فرصة كبيرة لإسرائيل، فقد قللت تلك الحرب وصول الإمدادات المصرية إلى سيناء (الجبهة الشرقية المصرية) وجعل أولوية وصولها إلى جبهة اليمن، بالإضافة إلى أن كل التركيز المصري كان على تلك الحرب.[28]
بدأت عمليات القوات الجوية المصرية بطائرات تدريب قامت بعمليات تمشيط وبحمل القذائف وانتهت بثلاثة أسراب من القاذفات المقاتلة، تمركزت بالقرب من الحدود اليمنية السعودية. وقام المصريون بطلعات جوية على طول ساحل تهامة وفي مدن نجران وجازان السعوديتين. وكان هدف هذه الطلعات قصف تشكيلات الملكيين الأرضية وتعويض قلة التشكيلات المصرية على الأرض بالقوة الجوية.
في يناير 1964، قام الملكيون بحصار العاصمة اليمنية صنعاء. فقامت ناقلات الأنتونوف إيه إن – 12 المصرية بعمل جسر جوي لنقل أطنان من الطعام والوقود إلى العاصمة المحاصرة. ثم بدأت القوات الجوية والبحرية المصرية في قذف وعمل الغارات على المدينتان السعوديتان نجران وجازان اللتان كانتا مركز انطلاق القوات الملكية اليمنية.[29][30] وكرد على هذا، اشترت السعودية نظام ثاندر بيرد للدفاع الجوي من بريطانيا وأقامته في خميس مشيط. أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا سربًا من الطائرات المقاتلة النفاثة وقاذفات القنابل لقاعدة الظهران لحماية مصالحها في السعودية. سببت تلك الحرب خسائر كبيرة لمصر بالجنود والعتاد. وقد منح ما حدث في حرب اليمن إسرائيل الفرصة لدراسة التكتيكات المصرية وأساليب حربها والتكيف معها. كتب محمد حسنين هيكل يقول: «أن إسرائيل قامت بإعطاء شحنات من الأسلحة كما أرسلت المئات من المرتزقة الأوروبيين ليقاتلوا بجانب الملكيين في اليمن»، [31] كذلك أنشأت إسرائيل جسرًا جويا من جيبوتي إلى شمال اليمن.
وبمقارنة الأداء المصري في هذه الحرب مع بقية الحروب التي خاضتها، فإن المصريين أظهروا مستوى عالي من المبادرة والابتكار العسكري. وعلى سبيل المثال، قام المصريون بتعديل طائرات التدريب والناقلات السوفيتية للعمل كطائرات تمشيط وقاذفات. وقاموا بتطوير تكتيكاتهم ولكنها تعثرت في حرب عصابات الفصائل الملكية. وقد أدرك مخططو الحرب المصريون بعد هذه الحرب أن مضيق باب المندب يعطي عمقًا إستراتيجيًا كبيرًا يمكنهم من منع وصول إمدادات النفط لإسرائيل، وهو ما حدث في حرب أكتوبر عام 1973.
حرب سنة 1967[ -]
•  مقالة مفصلة: حرب 1967

جنود إسرائيليون يتفقدون حطام طائرة مصرية.
في عام 1967 وقعت النكسة، ودُمرَت معظم طائرات القوات الجوية المصرية على الأرض في هجوم مفاجئ من قبل القوات الإسرائيلية دام قرابة ثلاث ساعات.[32] أسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 100 طيار مصري ودُمِرت أكثر من 300 طائرة،[33] من ضمنها:30 قاذفة قنابل توبوليف تو 16، 27 قاذفة قنابل إليوشن إل 28، 12 مقاتلة قاذفة سوخوى سو 7، أكثر من 90 مقاتلة ميج 21، أكثر من 20 مقاتلة ميج 19، 25 مقاتلة ميج 17، وحوالي 32 طائرة نقل ومروحية. وقُدِّرت خسائر إسرائيل بأربعين طائرة تعترف بها إسرائيل وغالبية هذه الطائرات دمرَت بسبب أخطاء ميدانية (حوادث اصطدام، أعطال ميكانيكية، إلخ) وتم إسقاط بعض الطائرات في معارك جوية منفردة لبعض الطيارين المصريين الذين استطاعوا الإقلاع من المطارات أثناء الغارة الإسرائيلية على المطارات المصرية وحققوا بعض الإصابات في الطائرات الإسرائيلية المُغِيرة وأسقطوا عددًا منها من نوع ميراج. أرسل الاتحاد السوفيتي على الفور عدد كبير من طائرات الميج-21 وطائرات تدريب جديدة لمساندة مصر،[34] وحصلت مصر أيضا على طائرات من ليبيا والقوات الجوية الجزائرية والقوات الجوية الملكية المغربية.[35] وبعدها لم تقم القوات الجوية المصرية بأي ظهور في الحرب بسبب التدمير الكامل للمطارات وممرات الإقلاع والهبوط. ومن الجدير بالذكر أن الطيار المصري محمد عباس حلمي قام بعد تلك الهزيمة بالإقلاع بطائرته التدريبية ياكوفليف ياك-11 من مطار العريش والاصطدام عن عمد بمطار هاتزور محققا بعض الخسائر بالمطار.[36][37]
حرب الاستنزاف[ -]
•  مقالة مفصلة: حرب الاستنزاف
بعد نكسة عام 1967 بدأت مصر حرب طويلة في استنزاف القوات الإسرائيلي. حيث كانت أهدافها تتمحور حول 3 نقاط وهي:
1. المشاركة في توفير المعلومات حول القوات الإسرائيلية في سيناء والبحر المتوسط والأحمر.
2. المشاركة في استنزاف القوات الإسرائيلية.
3. تأمين القوات البرية والمواقع الحيوية في العمق المصري.
يمكن تقسيم حرب الاستنزاف علي صعيد القوات الجوية المصرية إلى قسمين: من بداية الحرب حتي يوليو 1969، ومن يوليو 1969 حتى نهاية الحرب.
من بداية الحرب حتي 20 يوليو 1969[ -]

طائرة ميج 17 مصرية.
كانت المرحلة الأولى من حرب الاستنزاف، والتي استمرت حتى 20 يوليو 1969، فترة إعداد وتدريب وتنظيم للقوات الجوية المصرية بكافة التخصصات. حيث كانت القيادة العسكرية لا تريد الزج بالقوات الجوية في تلك الحرب حتى تكمل استعداتها. خصوصا أن في تلك المرحلة اقتصرت عمليات الجانب الإسرائيلي على أعمال الاستطلاع وعمل كمائن لاصطياد الطائرات وعدم الدخول في معارك جوية كبيرة. دارت بعض المعارك والاشتباكات علي الوجه التالي:
في أعقاب معركة رأس العش (1 يوليو 1967) تطورت الاشتباكات مع تنفيذ مهام القصف الجوي يوم 14 و15 يوليو على أهداف إسرائيلية بالجانب الشرقي من قناة السويس والتي أسفرت عن سقوط 3 طائرات ميراج إسرائيلية مقابل 3 أخرى مصرية دون إصابة الطيارين المصريين. ونتيجة لذلك القصف انسحبت إسرائيل لفترة قصيرة إلى خطوطها الأولى. ثم توقف اشتباك الطيران المصري مرحليًا واقتصر على اشتباكات فردية أو معارك جوية متباعدة.[38]
كانت معارك يوم 23 أكتوبر و10 نوفمبر و10 ديسمبر 1968 من أهم تلك المعارك الجوية والتي نتج عنها سقوط طائرتي ميراج إسرائليتين وطائرتين ميج 17 مصريتين.[38]
من 20 يوليو 1969 حتي نهاية الحرب[ -]
بدأت المرحلة الثانية من حرب الاستنزاف على صعيد القوات الجوية المصرية في 20 يوليو 1969، حيث بدأ استخدامها كعنصر تفوق لاستنزاف المضاد ومجارات الجانب السياسي علي عدم توقيف الحرب. وقد أجبر هذا التطور القوات الجوية البدء في القتال والدفاع عن القوات البرية وأعمال الدفاع الجوي رغم عدم استعدادها الكامل لكل تلك المهام.
صدرت الأوامر في يوم 20 يوليو للواء طيار مصطفى الحناوي قائد لقوات الجوية المصرية آنذاك للرد على القصف الجوي الإسرائيلي المُعادي. فحلقت 50 طائرة مصرية معظمها من النوع ميج 17 من قاعدة المنصورة الجوية لقصف أهداف إسرائيلية علي الجانب الشرقي من قناة السويس، كانت عبارة عن مواقع صواريخ الهوك في الرمانة، ومحطة رادار شرق الإسماعيلية، وتجمعات تابعة للجيش الإسرائيلي مححقة بجميعها خسائر جسيمة. توالت بعدها الهجمات حتى بلغ عدد الطلعات الجوية المصرية من 20 يوليو حتى 31 ديسمبر 1969 حوالي 3200 طلعة جوية من أعمال هجوم وتأمين واستطلاع جوي.[39]
تصاعدت الهجمات الجوية المصرية بعد ذلك كرد شبه يومي علي خطة “بريما” الإسرائيلية التي من خلالها يتم قصف عمق الأراضي المصرية بطائرات إف-4 فانتوم الثانية.
من البطولات التي حققها الطيارون المصريون في حرب الاستنزاف بطولة الطيار أحمد عاطف الذي أسقط 7 طائرات فانتوم إسرائيلية بطائرته الميج 21 في عصر يوم 9 ديسمبر سنة 1969، حيث اعتبر أول مصري وعربي يسقط طائرة إف-4 فانتوم الثانية.[40]
في ليلة 23 و24 يناير 1970 اشتركت الطائرات أليوشن-28 المصرية في قصف جزيرة شيدوان عند احتلالها وكان ذلك أول استخدام لها في حرب الاستنزاف. وفي شهر أبريل ومايو من سنة 1970 وصلت طائرات الدعم السوفيتي التي استخدمت في حماية العمق المصري وتوجيه الأسراب المسؤولة عن ذلك للجبهة الغربية من القناة لدعم القوات بها مما أدي إلى زيادة الهجمات على الجانب الشرقي. وقد بلغ عدد الطلعات الجوية في المرحلة الأخيرة من حرب الاستنزاف حوالي 4000 طلعة، الأمر الذي جعل إجمالي عدد طلعات القوات الجوية المصرية في حرب الاستنزاف حوالي 7200 طلعة جوية.[41]
حرب أكتوبر سنة 1973[ -]
•  مقالة مفصلة: حرب أكتوبر 1973
في الثانية إلا خمس دقائق (بتوقيت القاهرة) أقلعت ما بين 212 و227 مقاتلة من 20 مطار وقاعدة جوية تطير علي ارتفاع منخفض تحت مستوى الرادار متفادية جميع الدفاعات. سبقت مجموعات قاذفات القنابل مجموعات المقاتلات بثوان قليلة حتى تشتبك مع المقاتلات الإسرائيلية قبل أن تضع مجموعة من تشكيلات المقاتلات المصرية بجوار القاذفات لحمايتها عند تنفيذ مهامها. عبرت جميع المقاتلات المصرية قناة السويس فيما لا يزيد عن دقيقتان ونصف حتى تكتسب عنصر مفاجأة القوات الإسرائيلية متجه إلى 35 هدف. استمرت الضربة الجوية الأولى 15 دقيقة تم فيها تدمير مركز القيادة الإسرائيلي في أمرهم ومركز الإعاقة والشوشرة في جبل أم خشيب، و3 ممرات رئيسية وأخرى فرعية في مطار المليز وبيرنمادا في سيناء. تم أيضًا تدمير 10 مواقع بطريات صواريخ هوك إسرائيلية وموقعي مدفعية ميدان وعدة مراكز إرسال إسرائيلية.[42]

حطام طائرة إيه-4 سكاي هوك إسرائيلية أسقطتها القوات المصرية في حرب أكتوبر سنة 1973.
بعد ذلك الهجوم تحول تركيز الطائرات المصرية إلى مساندة الدفاع الجوي لمنع الطائرات الإسرائيلية من العبور إلى الجانب المصري من قناة السويس والتي تطير تحت مستوى الرادار.
بالرغم من كل تلك المتطلبات، قامت المقاتلات المصرية بعدة هجمات أخرى من حين إلى حين بالمشاركة مع قاذفة القنابل الإستراتيجية توبوليف تي يو – 16 والتي أحدثت زعزعة كبيرة في الخطوط الخلفية للقوات الإسرائيلية. قامت المقاتلات المصرية سوخوي إس يو – 7 [43] طراز “Su-7BM” بالاشتراك مع المقاتلات ميراج الثالثة أي، التي تبرعت بها ليبيا، بهجمات عميقة في العمق الإسرائيلي بسيناء.[44] حصلت مصر أيضًا على مساعدات (متعلقة بالطيران فقط) من الجزائر والتي كانت عبارة عن سرب طائرات ميج 17، وسرب طائرات ميج 21 وسرب طائرات سوخوي، وسرب طائرات هوكر هانتر من العراق.[45] وحصلت أيضًا على 16 طيار من باكستان، وقوة عسكرية كوبيّة تعدادها 1500 قطعة عسكرية شاملة طائراتهم المروحية.[46] مع ذلك فقد عبرت القوات الإسرائيلية إلى الضفة الشرقية بنقطة تسمى ثغرة الدفرسوار بين الجيشين المصريين الثاني والثالث الميدانيان ودمرت قواعد صواريخ سام التابعة لقوات الدفاع الجوي، [47] لكنها اضطرت إلى التراجع نتيجة تهديد الاتحاد السوفييتي بالتدخل، فعملت اتفاقية وقف إطلاق النار مع مصر.
كانت معظم اشتباكات طائرات الميج المصرية (بجميع أنواعها) مع طائرات نيشر ولم يكن للطائرات الإسرائيلية حرية الحركة كما كان في حرب عام 1967 فقد تطورت القوات الجوية المصرية كثيرا وتعلمت تكتيكات كثيرة في حرب الاستنزاف. حاولت القوات الجوية الإسرائيلية تدمير قواعد الطائرات الكبيرة بدلتا النيل في كل من طنطا والمنصورة والصالحية لكي تحصل على الأغلبية في المجال الجوي فتستطيع التغلب على القوات الأرضية المصرية، ولكن الطائرات المصرية تصدت لها، وكان أكبر تصدى لها في مدينة المنصورة في أكبر معركة جوية بعد الحرب العالمية الثانية في يوم 14 أكتوبر الذي أصبح بعد ذلك عيد القوات الجوية المصرية السنوي. أطلقت إسرائيل في معركة المنصورة الجوية غارة كبيرة الحجم تتكون من مائة طائرة مقاتلة من نوع إف – 4 فانتوم الثانية وإيه – 4 سكاي هوك لتدمير قاعدة المنصورة الجوية. استمرت المعركة طوال 53 دقيقة. طبقا لمصر فقد اشتبكت في تلك المعركة 180 طائرة مقاتلة في نفس اللحظة والأغلبية تعود لإسرائيل.[48] في الساعة العاشرة مساء (توقيت القاهرة المحلي) أذاع راديو القاهرة البلاغ رقم 39،[49] والذي جاء فيه:

دارت اليوم عدة معارك جوية بين قواتنا الجوية وطائرات العدو التي حاولت مهاجمة قواتنا ومطاراتنا وكان أعنفها المعركة التي دارت بعد ظهر اليوم فوق شمال الدلتا. وقد دمرت خلالها للعدو 15 طائرة وأصيب لنا 3 طائرات. كما تمكنت وسائل دفاعنا الجوي من إسقاط 29 طائرة للعدو منها طائراتا هيليكوبتر. وبذلك يكون إجمالي خسائر العدو من الطائرات في المعارك اليوم 44 طائرة منها طائرتا هيليكوبتر.

على نفس الصعيد ادعى الراديو الإسرائيلي في اليوم التالي أن القوات الجوية الإسرائيلية أسقطت 15 طائرة مقاتلة مصرية وتضائل هذا الرقم إلى سبعة مع مضي الوقت. بعد الحرب والتدقيق والدراسة تبين أن نتائج معركة المنصورة الجوية الحقيقية كالتالي:
• أسقطت 17 طائرة مقاتلة إسرائيلية بما فيها 7 طائرات ميج.
• أسقطت 3 طائرات مقاتلة مصرية بالإضافة إلى تدمير طائرتان بسبب نفاذ الوقود منهما وعدم مقدرة طيارهما الرجوع للقاعدة الجوية، وأخرى ثالثة دمرت بعد مرورها وسط حطام طائرة فانتوم متطاير والتي أسقطت بواسطة تلك الطائرة.[48][50]
المناوشات المصرية الليبية[ -]
•  مقالة مفصلة: المناوشات المصرية الليبية

مقاتلة ميج 21 مصرية في مناورات النجم الساطع 82.
بعد اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، قاطعت الدول العربية مصر احتجاجًا على المعاهدة، فقامت بعض المناوشات بين مصر وليبيا.[51]
في 21 يونيو 1977، كرد على القصف الليبي لمدينة السلوم المصرية، قام سربان مصريان من طائرات سوخوي سو – 20 وميج 21 بمهاجمة قواعد عسكرية في شرق ليبيا، مما أدى إلى تدميرها. كما هاجم الطيران المصري أيضًا قاعدة جوية رئيسية بالقرب من بنغازي ثاني أكبر مدن ليبيا وموقع صاروخي ليبي.
في 22 يونيو هاجمت طائرات سوخوي سو – 20 وميج 21 المصرية القواعد الليبية الجوية جنوب طبرق ونجحت الدفاعات الجوية الليبية من طراز سام-7 في إسقاط طائرة ميج 21 مصرية. لاحقًا في ذلك اليوم هاجمت الطائرات المصرية المواقع العسكرية الليبية بواحة الكفرة، ونقلاً عن مصدر عسكري مصري قد فوجئت المدافع الليبية الخاصة بالدفاع الجوي باستخدام المروحيات المصرية لتكنولوجيا “ECM” وطبقًا لنفس المصدر العسكري فقد تم إسقاط مظليين مصريين خلف الحدود الليبية.[52]
في 23 يونيو هاجمت الطائرات المصرية قاعدة العدم الجوية الليبية جنوب طبرق، وتم استدعاء جميع المقاتلات الليبية إلى طبرق مما أدى إلى معارك جوية عنيفة بين الطائرات المصرية والليبية. تم إسقاط بضع طائرات ليبية حسب تقديرات الاذاعة الليبية، ثم نجحت الطائرات المصرية من الانسلال إلى داخل ليبيا وتدمير قاعدة طبرق تدميرًا كاملاً. نجحت طائرات ليبية في قصف قاعدة مرسى مطروح الجوية المصرية لكنها لم تدمرها.
في 24 يونيو حاولت قوات جوية ليبية مهاجمة قواعد عسكرية مصرية بالصحراء الغربية المصرية، لكن أغلبها أسقط ونقلاً عن وكالات الأنباء المصرية نجحت القوات الجوية المصرية في تدمير ثكنات جنود ليبيين على بعد 35 كيلومتر من الحدود المصرية الليبية.
وفي إحدى هذه المناوشات اشتبكت طائرتا ميج تابعتان للقوات الجوية الليبية مع اثنتان أخرتان تابعتان للقوات الجوية المصرية. قامت إحدى الطائرات الليبية بالمناورة مع طائرة مصرية، فأسقطت أرضا وانسحبت الطائرة الليبية الأخرى.[53]
مناورات النجم الساطع[ -]
•  مقالة مفصلة: النجم الساطع

طائرة مقاتلة إف 16 مصرية خلال مناورات النجم الساطع.
تعتبر مناورات النجم الساطع أكبر تدريب متعدد الجنسيات في العالم، ويقام في مصر كل عامين، ويُشارك فيها كل عام قرابة 43 ألف جندي مصري. بدأت تلك المناورات عام 1980 كعملية تدريب ثنائية بين القوات المسلحة الأمريكية والجيش المصري بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد في سنة 1979، ثم توسعت وشملت عدة دول بالإضافة إلى مصر والولايات المتحدة. وشاركت ثلاث دول عربية بقوات الأمن، وست من دول حلف شمالي الأطلسي بما فيها ألمانيا. ولقد دعيت ثلاث وثلاثون دولة بما فيها الصين وأوزبكستان وكازاخستان وروسيا والهند وباكستان وفرنسا وبريطانيا واليونان وتركيا وألمانيا وإيطاليا والكويت واليمن والأردن وسورية، وتسعى دول أفريقية لإرسال مراقبين.
التطوير[ -]

مروحية مصرية سي إتش – 47 شينوك.
مع بداية عام 1982 بدأت القوات الجوية المصرية الحصول على المقاتلات إف 16 طبقًا لمعاهدة كامب ديفيد من الولايات المتحدة الأمريكية، وفي عام 1986 حصلت على المقاتلات ميراج 2000 ورُخّص لها بتصنيعها في مصر. كان الإنتاج الأول منها يتكون من 20 طائرة مقاتلة وفقدت واحدة منها في إحدى عمليات التدريب. ثم حصلت مصر أيضًا على رخصة تصنيع الطائرات ألفا جت، والطائرات التدريبية إيه إم بي 312 توكانو.
كانت معاهدة كامب ديفيد السبب في تطوير القوات الجوية المصرية. فبدأت القوات الجوية المصرية الاعتماد على الطائرات الأمريكية والفرنسية وبعض الطائرات الصينية. بإضافة تلك الطائرات الجديدة إلى مخزونها أضحت القوات الجوية المصرية متمتعة بتكوين مثير للاهتمام.
في عام 1987 دخلت الخدمة طائرات الإنذار المبكر إي – 2 هوك آي،[54] ذات التحدثات المتقدمة من رادارات “AN/APS-145”. طورت القوات الجوية المصرية أيضًا الطائرات إف 16 لتسمح لها بإطلاق صاروخ حربون مضاد للسفن.[55]
حصلت مصر أيضا على المروحية المقاتلة أباتشي والتي طورت لاحقًا إلى طرازات أحدث،[56] كذلك طورت طائراتها المروحية من نوع سى إتش – 47 شينوك. استبدلت البحرية المصرية مؤخرًا مروحياتها “إس إتش 3″ و”إس إيه 342″ و”غزال” بالمروحية إس إتش 2 الأحدث طرازًا، كذلك طلبت 68 طائرة تدريبية من نوع جي 115، و120 من نوع جاي إل 8 (بالإنجليزية: Hongdu JL-8) لا يزال توريدها مستمرًا حتى الآن.[57]

طائرة إف – 16 فالكون مصرية.
في أواخر التسعينات، أعرب الفريقأحمد شفيق عن طموحات القوات الجوية المصرية للقرن الحادي والعشرين. تأمل القوات الجوية المصرية أن تحصل على التكنولوجيا الحديثة التي تحتاجها لردع أي عدوان، ومساعدة حلفائها، وحماية الأمن القومي المصري. وتشتمل هذة التكنولوجيا على نظم الاستطلاع الجوي الفضائي، ونظم القيادة والسيطرة المحمولة جوًا، بالإضافة إلى الجيل القادم من الطائرات المقاتلة المتطورة، وإمكانيات إعادة ملأ الوقود بالجو، وطائرات النقل الحديث وطائرات جاي إف -17.
في عام 2002، طلبت مصر طائرات إف-15 إيه من الولايات المتحدة، فتحركت إسرائيل فورًا لقطع الطريق على تلك الصفقة، مشيرة إلى أن في جميع التدريبات العسكرية الحديثة المصرية كانت إسرائيل العدو فيها. في البداية لم توافق الولايات المتحدة على طلب إسرائيل لفرض حظر هذة الطائرات على مصر، ولكن في النهاية وافقت على فرض الحظر لأن إسرائيل قدمت بعض الأدلة على أنها العدو الأساسي للتدريبات العسكرية المصرية.[58][59] في 6 نوفمبر عام 2006، بدأت مصر محادثات مع شركة ميكويان لإمكانية بيع طائرات ميج 29 لمصر. وفي عام 2007، قامت مصر بدراسات أكثر لشراء دفعة كبيرة من ذلك الطراز، وتمت الموافقة على تلك الصفقة سعيًا من روسيا لإستعادة مصر كحليفة لها في المنطقة,[60][61][62] تعتزم الولايات المتحدة تسليم مصر دفعة من 20 طائرة طراز إف – 16 تأتي الصفقة في إطار حزمة مساعدات أجنبية بقيمة مليار دولار.تم التعاقد علي هذة الصفقة في إطار المساعدات الاجنبية الأمريكية للقاهرة لعام 2010، عندما كان الرئيس السابق حسني مبارك في الحكم على أن يتم تسليمها عام 2013، لافتة إلى أن التسليم سيتم وفقًا لما كان مقررًا رغم الإطاحة بمبارك وتولي محمد مرسي المنتمي للإخوان المسلمين مقاليدالحكم.[63][64]

طيارون مصريون في جولة على متن حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس إنتربرايز

طائرة F16D مصرية
الحرب الإلكترونية[ -]
عام 1982 بعد رصد القوات الجوية المصرية أداء القوات الجوية الإسرائيلية في حرب لبنان لاحظت أهمية الحرب الإلكترونية والطائرات بدون طيار، لذلك بدأت برنامج كبير لإدخال أسلحة الحرب الإلكترونية المتقدمة في كيانها.
البداية كانت بشراء طائرتين سي 130 هيركوليز مصممتين خصيصًا لعمليات جمع المعلومات الاستخبارية. ثم أدخلت الطائرات بدون طيار من نوع تيليدين ريان سكراب طراز 324 المصصمة خصيصا لها.[65] امتلكت القوات الجوية 56 طائرة من ذلك النوع، واستخدمت أيضًا الطائرات بدون طيار المصغرة محلية التطوير نوع سكاي آي،[66] وتمتلك القوات الجوية المصرية 48 طائرة منها.[67] كذلك تمّ استقدام نظامين للطائرات بدون طيار من نوع كامكوبتر لكي تستخدمهما البحرية المصرية في صفقة قيمتها 4.5 مليون دولار أمريكي، كل نظام منها يحتوي على طائرتين بدون طيار.[68],و في عام 2012,وقعت مصر مع تركيا، اتفاقية اشترت بموجبها 10 طائرات من دون طيار من طراز أنكا، لتصبح بذلك أول دولة أجنبية تشتري هذا النوع من الطائرات من أنقرة.وتتميز طائرات الأنكا التركية بمواصفات أفضل من الطائرات من دون طيار الإسرائيلية، حيث يمكنها أن تحمل ما يزيد على 200 كلغ، بينما الـهيرون الإسرائيلية تستوعب حمولة أقصاها 185 كلغ.ويبلغ عرض الطائرة 17 متراً وطولها 9 أمتار،، وهي قادرة على القيام برحلات استطلاعية في الليل والنهار.[69]
تستخدم القوات الجوية المصرية الطائرات بدون طيار في عمليات الاستطلاع ومراقبة الحدود والحرب الإلكترونية. والجدير بالذكر أنه في أبريل 2007 أطلقت مصر القمر الصناعي إجيبت سات – 1 للاستشعار عن بعد، [70] والذي تدور حوله الشكوك في أنه يستخدم لعمليات التجسس والحرب الإلكترونية.[71]
القوات الجوية المصرية اليوم[ -]

مقاتلة إف-4 فانتوم الثانية مصرية أثناء عملية تزويد وقود في الجو ضمن مناورات النجم الساطع 83.
إن عصب القوات الجوية المصرية اليوم هو 220 طائرة مقاتلة من طراز إف-16 فالكون وبذلك تكون مصر رابع مستخدم لتلك المقاتلات في العالم.[8]
تستخدم القوات الجوية المصرية أيضًا 19 طائرة ميراج 2000 بالإضافة إلى تطوير 32 طائرة من أنواع إف-4 فانتوم الثانية، ميراج 5، وسي 130 هيركوليز. تستخدم 6+2 طائرة إنذار مبكر وتحكم من نوع إي – 2 هوك آي، والتي يتم تطويرها إلى طراز هوك آي 2000. ولكن لا يزال هناك قيود مفروضة على القوات الجوية المصرية تمنعها من التطور واستخدام الطائرات المتطورة وإمكانيات إعادة ملء الوقود جوًا وتَملك قذائف موجه بدقة عالية. وذلك بسبب رفض الولايات المتحدة الذي أدى إلى إلغاء عقد بقيمة 4.5 مليار دولار أمريكي عام 2005 لشراء عدد يتراوح بين 60 و100 طائرة إف – 16 أخرى، مما جعل مصر تتجه لروسيا لشراء أربعون طائرة ميكويان ميج-29 إس إم تي وأربعة وعشرون طائرة ياك – 130 بالإضافة لعقد بشراء 30 طائرة سوخوي – 35.
من ناحية أخرى وافقت فرنسا على عرض مصري لشراء طائرات مكس رافال وميراج 2000. بدأت القوات الجوية المصرية بإنتاج الطائرات جاي إف – 17 ثاندر محليًا باستخدام خط إنتاج الطائرات كاي – 8 آي، في بداية عام 2010 لاستبدال الطائرات الصينية إف – 7 وإف – 6.
وفي مؤتمر صحفي بمناسبة عيد القوات الجوية عام 2008 قلل الفريق طيار رضا محمود حافظ، قائد القوات الجوية المصرية، من تأثير تدفق الطائرات المتعددة المهام لدى إسرائيل وإمكانية ان تشكل خللاً في الميزان العسكري بالمنطقة، موضحًا إن العبرة ليست بحجم وطبيعة المعدات المتوفرة بقدر ما تحققه القوات من استخدام جيد لها وتدريب مستمر واستحداث تكتيكات جديدة يمكن باستخدامها تحقيق التفوق والمفاجأة والخداع.[72]
الشعار[ -]

الشعار الحالي للقوات الجوية المصرية يتكون من ثلاث دوائر متداخلة من الألون الأساسية في علم مصر: الأحمر، الأبيض، والأسود. منذ عام 1961 حتى عام 1973 كان الشعار مشابه للشعار الحالي عدا أنه كان يحتوى على نجمتان خضراوتان في الدائرة الداخلية. وأول شعار للقوات الجوية المصرية كان يتكون من ثلاثة دوائر الأولى والداخلية خضراء والوسطى بيضاء ويتوسط الدائرة الداخلية شعار المملكة المصرية، أي الهلال والنجمات الثلاث.
القادة[ -]
فيما يلي قائمة بقادة القوات الجوية المصرية منذ إنشاءها وسنوات خدمتهم:[73]
قادة القوات الجوية الملكية المصرية[ -]
• 1932 إلى 1936 قائد الأسراب فيكتور هيربيرت تايت.[74]
• 6 يوليو 1939 إلى 20 أغسطس 1939 علي إسلام باشا.[75]
• 20 أغسطس 1939 إلى 21 أكتوبر 1940 حسان محمد عبد الوهاب باشا.[76]
• 21 أكتوبر 1940 إلى 4 أكتوبر 1942 علي موافي باشا.[77]
• 4 أكتوبر 1942 إلى 4 نوفمبر 1944 حسن حسني طاهر باشا.[78]
• 8 نوفمبر 1944 إلى 11 مارس 1947 محمد متولي باشا[79].
• 11 مارس 1947 إلى 23 يوليو 1952 محمد شعراوي بك[80].

قائد الأسراب فيكتور هيربيرت تايت، أول قائد لسلاح الجو المصري عند إنشائه.
قادة القوات الجوية المصرية[ -]
• 30 يوليو 1952 إلى 22 يونيو 1953 حسن محمود.[81]
• 23 يونيو 1953 إلى 19 سبتمبر 1959 محمد صدقي محمود.[82]
قادة القوات الجوية والدفاع المصري[ -]

محمد حسني مبارك، قائد القوات الجوية المصرية من تاريخ 23 أبريل سنة 1972 إلى 16 أبريل سنة 1975.
• 20 سبتمبر 1959 إلى 11 يونيو 1967 محمد صدقي محمود.[83]
• 11 يونيو 1967 إلى 2 نوفمبر 1967مدكور أحمد.[84]
• 2 نوفمبر 1967 إلى 2 أغسطس 1968 محمد عبد الحميد حلمي.[85]
قادة القوات الجوية المصرية[ -]
• 2 أغسطس 1968 إلى 22 يونيو 1969 محمد عبد الحميد حلمي.
• 22 يونيو 1969 إلى 23 أبريل 1972 علي مصطفى بغدادي.[86]
• 23 أبريل 1972 إلى 16 أبريل 1975 الفريق طيار محمد حسني مبارك.[87]
• 16 أبريل 1975 إلى 6 أبريل 1980الفريق جوي محمود شاكر.[88]
• 6 أبريل 1980 إلى 15 أبريل 1982 محمود شبانة.[89]
• 14 أبريل 1982 إلى 16 أبريل 1987 محمد عبد الحميد.[90]
• 7 أبريل 1990 إلى 7 أبريل 1996 أحمد عبد الرحمن نصر.[91]
• 7 أبريل 1996 إلى 1 مارس 2002 الفريق طيار أحمد محمد شفيق.[92]
• 1 مارس 2002 إلى 20 مارس 2008 الفريق طيار مجدي جلال شعراوي.[93]
• 20 مارس 2008 إلى 14 أغسطس 2012 الفريق طيار رضا محمود حافظ محمد.[3][94]
• 14 أغسطس 2012 إلى الآن الفريق طيار ا ح يونس السيد حامد المصري.
الزي[ -]
منذ الإنشاء حتى سنة 1953[ -]

علي مصطفى بغدادي بزيّه الرسمي.
منذ إنشاء سلاح الجو المصري استخدم أفراده زي عسكري موحد مشابه لزي القوات الجوية الملكية البريطانية وذلك نتيجة للارتباط الوثيق بين القوات الجوية المصرية ونظيرتها البريطانية.[95]
وَكلت القوات الجوية الملكية المصرية “محمود ونيس” أحد صانعي الملابس بحياكة الزي الجديد وكان يتكون من بدلة قطعتين باللون الأزرق الداكن وقميص رمادي اللون ورابطة عنق سوداء. القطعة العلوية من البدلة أو “الجاكت” كانت بأربعة جيوب -الإثنان العلويان من النوع الصدفي المنطوي والاثنان السفليان من النوع المنفوخ- بأربعة أزرار نحاسية منقوش عليها نسر ولي العهد والتاج الملكي المصري.
حول الوسط لف حزام برأس نحاسية مستطيلة. على صدر القطعة العلوية اليمين وضع شعار القوات الملكية البريطانية المُحاك من الصوف الذي يدل على أن ذلك الطيار دُرب ويُرأس من قبل بريطانيا ودول الكومنولث، وعلى اليسار شعار القوات الجوية الملكية المصرية الذي يتكون من دائرة بها الهلال والثلاث نجمات -شعار المملكة المصرية- ويعلوها التاج الملكي المصري، ويخرج من الدائرة جناحان يشبهان أنصاف إسعاف النخيل. حيك على القطعة العلوية من الداخل اسم الصانع “محمود ونيس تاجر وترزي بمصر” باللغة العربية والفرنسية.[96]

العمل التطوعي وأثره في الصحة النفسية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الزومان

العمل التطوعي وأثره في الصحة النفسية
لا يختلف اثنان في أن الصحة النفسية والسعادة القلبية، وما يتبعها من طمأنينة، وسكينة، واستقرار نفسي، هي أهداف منشودة لكل إنسان على هذه المعمورة، مهما كان منصبه أو درجته المهنية، أو حالته المادية، أو طبيعته الاجتماعية؛ فالغني في قمة غناه ينشد الصحة النفسية والطمأنينة القلبية والراحة والاستقرار، والفقير في أدنى درجات فقره، هو كذلك. وينشُد تلك المعاني الرجلُ والمرأة الكبير والصغير، حتى المريض في مرضه، على ما فيه من اعتلال ومرض، ينشد هذا الاستقرار النفسي، ويسعى للتكيُّف والتوافق مع ما ابتلاه الله به. ومن المتفق عليه أنََّ أنجع سبل الصحة النفسية والطمأنينة القلبية عبودية الخالق، سبحانه وتعالى؛ فكلما تقرَّب الإنسان لربه، وتزلَّف إليه بمحبوباته وطاعاته، نال حظه من سعادة القلبِ، وطرَبِ الروح، وصحة النفس. يقول الحق – سبحانه -: {مَنْ عَمِلَ صَالِـحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: ٧٩]. وعلى قَدْر بُعْدِ الإنسان عن خالقه تكون العقوبة؛ فلا تسأل عنه بَعْدُ وقد غُمِر بالهمومِ والغمومِ، والأمراضِ، والمشكلاتِ النفسية. وصدق الحق في علاه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: ٤٢١]. آثار العمل التطوعي في الصحة النفسية: 1 – إشباع بعض الحاجات النفسية: إن مما لا يخفى أهميةَ الاهتمام بالحاجات النفسية، والسعيَ في إشباعها بما يناسبها؛ وذلك لصدِّها عن التوجه لِـمَا لا يناسبها وهذا له تأثير عكسي في التوازن النفسي، ومن أهم تلك الحاجات: أ – إشباع الجانب الديني والروحي: عندما يمارس المتطوع الأعمال التطوعية بمجالاتها المختلفة من منطلق تعبُّدي؛ فإنه بذلك يُشبِع هذا الجانب الديني والروحي في نفسه؛ فهو يمارس عبادةً لا تَقِل أهمية عن العبادات الأخرى، بل هي عبادة متعدية؛ وأجرها وفَضْلها خير من العبادة القاصرة. ب – إشباع الحاجة إلى الإنجاز والنجاح: الحاجة إلى الإنجاز مفهوم فرضيٌّ، يدل على حالة نفسية داخلية، تدفع الشخص إلى النشاط والعمل والإنجاز، وهي تنمو بالإشباع، وتضعف بالحرمان. ج – إشباع الحاجة إلى الاحترام والتقدير الذاتي: توجد لدى الكثيرين الحاجة أو الرغبة في تقدير أنفسهم تقديراً عالياً مع احترام الذات، كما توجد لديهم الرغبة في أن يقدِّرهم الآخرون. وتعطيل هذه الحاجة يؤدي بالفرد إلى الإحساس: بالنقص والضعف والعجز، كما يؤدي إلى تثبيط العزيمة، أو إلى أي اتجاهات تعويضية، أو الشعور بالإخفاق الذي قد يؤدي إلى الصراع النفسي[1]. د – إشباع الحاجة إلى الانتماء والحب: حينما يُشبِع الفرد حاجاتِه الفيزيولوجية وحاجاته الأمنية بصفة أساسية وطبيعية، تظهر له الحاجات الاجتماعية كدافع رئيس يوجِّه سلوكه. وهذه الحاجات الاجتماعية تتعلق برغبة الفرد في أن يشعر بالانتماء للآخرين، وبقبول الآخرين له، وبالصداقة والمودَّة. وفي الوقت نفسه يرغب أيضاً بأن يعطي هو نفسه الصداقة والمودَّة للآخرين»[2]. و – إشباع الحاجة إلى المسؤولية: من الحاجات الملِحَّة للإنسان الحاجة للمسؤولية؛ حيث تُشْعِرُه بأنه بلغَ مصافَّ الرجال الكبار ومنزلتهم، إضافة إلى أنها تصرِفُه عن كثير من مظاهر العبث واللهو، وتُشعِرُه أنه فوق ذلك كلِّه. وقد كان – صلى الله عليه وسلم – يدرِّب أصحابه على حَمْل المسؤولية في شتى المناسبات؛ ليضطلعوا بأعباء القيادة من بعده؛ فكان يستشيرهم في كل مناسبة، وكثيراً ما يعدل عن رأيه إلى رأيهم[3]، وهذا ما تبنيه المؤسسات التطوعية الخيرية في نفوس أبنائها؛ فهي تزيد الثقة بالنفس والقدرة على تحمُّل المسؤولية. 2 – توجيه الانفعالات وضبطها: عرَّف علماء النفس الانفعالات بتعريفات عدة، منها: أنها تغيُّر مفاجئ يشمل الفرد كلَّه (نفساً وجسماً). والممارس للعمل التطوعي، هو مِن أقدر الناس على توجيه انفعالاته وضَبْطها؛ وذلك لأنه تمرَّس من خلال المواقف التي يشارك فيها عبر مجالات التطوع على كيفية التعامل مع تلك الانفعالات. 3 – تفريغ الطاقة: يحمل الإنسان طاقة هائلة في نفسه، وهذه الطاقة طاقة حيوية محايدة تصلح للخير، وتصلح للشر، وتصلح للبناء، وتصلح للهدم، والمهم أن لا يختزنها أكثر مما ينبغي؛ فالاختزان الطويل بلا غاية عملية مَضرة بكيان الإنسان. والعمل التطوعي يُمارِس دوره في تفريغ الطاقات، عبر مجالاته المختلفة والمتنوعة؛ فكل مجال له حاجته من المجهود والطاقة البدنية، فينخرط المتطوع في تلك الأعمال التطوعية، وقد أفرغ طاقته فيها؛ عبر مجهود بدنِيٍّ مناسب. ومِنْ ثَمَّ نجد أن العمل التطوعي قد ساهم بمصرف طبيعي لتفريغ الطاقة؛ وهو ما يجعل المتطوع يعيش سكينة النفس، وطمأنينة القلب، ويتنعم بالصحة النفسية؛ فليس ثَمَّةَ طاقة مختزَنة تعكِّر سعادته[4]. 4 – شَغْل أوقات الفراغ: كثيراً ما يعيش الشباب اهتمامات غير جادة، ويتعلق باللَّهو العابث (وربما المُحرَّم)؛ لذلك فالأَوْلى غرْسُ الاهتمامات والقضايا الجادة لديهم؛ فينصرفون تلقائياً عن التعلق باللَّهـو والعبــث الفـارغ إلى الأمور الجادَّة. ومن ذلك – مثلاً -: أن يمارس الشباب بعض الأعمال التطوعية؛ إذ فيها متَّسع ومساحة واسعة لملء الفراغ الذي يعانيه كثير منهم؛ وذلك باستقطاع أيامٍ وساعاتٍ من برنامجه اليومي؛ ليشارك في هذه الأعمال التطوعية حَسْب تخصصه وميوله. 5 – الرضا والطمأنينة النفسية: يجد المتطوع أثناء قيامه بعمله التطوعي وبَعْده مشاعرَ من الرضا عن النفس، والراحة النفسية بما قدَّمه من مساعدة للآخرين، وهذه السعادة والطمأنينة هي مطلب جميع البشر؛ فهم يبحثون عن كل ما يزيل عنهم الغم والهم، (ومن الأسباب التي تزيل الهم والغم والقلق: الإحسان إلى الخلق، في القول والفعل بأنواع المعروف)[5]. 6 – توجيه العواطف وضَبْطها: إن العاطفة مهمة للإنسان في حياته؛ لأنها تدفعه إلى فِعْل الأشياء التي يتعاطف معها، وتدفعه إلى ترك الأشياء التي يكرهها بدافع داخلي. بشرط: أن تكون العاطفة وراء العقل، وأن يكون العقل قائدها؛ فالنفس لا بد أن تتجه بعواطفها: إما للخير أو للشر، وهذا ما يساهم فيه العمل التطوعي الخيري؛ حيث يساهم في توجيه العواطف الوجهة الصحيحة. 7 – تعالج الأمراض النفسية والجسدية: إن في الأعمال التطوعية تربية ذاتية نفسية للمتطوع؛ حيث يؤدي ذلك إلى الصحة النفسية؛ ففي العمل التطوعي علاج لقسوة القلب. قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «أتحب أن يلين قلبك، وتُدرِك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطْعِمْه من طعامك يَلِنْ قلبُك، وتُدرِك حاجتك»[6]. وفي رواية: «إذا أردت أن يلين قلبك، فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم»[7]. 8 – يساهم في تهذيب الأخلاق: للأخلاق منزلة عظيمة في التصور الإسلامي، والمتأمل في النصوص الكثيرة الواردة في فضل الأخلاق ومكانتها تدلُّه على ذلك. يقول – صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ من خياركم أحسنكم أخلاقاً»[8]، ويقول – صلى الله عليه وسلم -: «ما من شيء أثقل في الميزان من حُسْن الخُلُق»[9]. والعمل التطوُّعي يساهم في تهذيب أخلاق المتطوع وتحسينها؛ وذلك من خلال مخالطة الناس، ومعايشتهم إبان عمله التطوعي. يقول – صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»[10]؛ ففي قوله: (ويصبر على أذاهم) نوعٌ من تحسين المتطوع لذاته، وتهذيبه لخُلُقه وسلوكه.