أ.د. أحمد محمد وهبان

أبعاد ظاهرة استهداف الصحفيين في العراق

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

رانيا مكرم
لم يتوقف سيناريو استهداف الصحفيين في العراق منذ عشر سنوات، سواء كانوا أجانب أو مواطنين، غير أن تنامي هذه الظاهرة خلال الفترة الحالية أعاد للأذهان بدايات الحرب علي العراق وما تعرض له الصحفيون أثناء المواجهات العسكرية والصراعات المسلحة، حيث تزايد استهداف الصحفيين سواء بالقتل أو الاعتقال أو التضييق، كما تعددت الجهات التي ترتكب هذه الممارسات، بما ينبئ بوجود أزمة حقيقية تواجهها الجماعة الصحفية في العراق.
وبدون شك، فإنه لا يمكن فصل حالات العنف التي يتعرض لها الصحفيون في العراق عن الواقع الذي تعيشه البلاد، بسبب غياب الأمن وانتشار السلاح واتساع نطاق العمليات التفجيرية، وتصاعد حدة الأزمة السياسية، واحتدام الانفلات الأمني، وحتي في كردستان العراق التي تعتبر أكثر المناطق استقرارًا، لم يستثن الصحفيون من الواقع الصعب الذي تواجهه الجماعة الصحفية في العراق بصفة عامة، حيث يفيد تقرير لمنظمة هيومن رايتس واتش بأن حكومة إقليم كردستان قامت خلال 2012 باعتقال واحتجاز ما لا يقل عن 50 من الصحفيين ونشطاء المعارضة السياسية بشكل تعسفي، ولاحقت سبعة منهم على الأقل قضائيًا بتهم جنائية تتعلق بإهانة شخصيات عامة أو التشهير بها، بحسب معلومات حصلت عليها المنظمة من خلال ست زيارات قامت بها إلى الإقليم، آخرها في نوفمبر 2012.

تقييد واستهداف

بشكل عام يواجه الصحفيون في العراق قيودًا عديدة أهمها تعنت الأجهزة الأمنية في استخدام صلاحياتها الممنوحة لها من قبل الحكومة، بل وتجاوزها في مراقبة المحتوي الإعلامي المقروء والمرئي، من الإصدارات الصحفية والمواقع الالكترونية والبرامج التليفزيونية، إلي جانب عدم توفير الحماية اللازمة للمقرات وللأشخاص العاملين في مجال الإعلام بشكل عام، فضلا عن عدم الاهتمام بتعقب الجناة. وقد نشر “مرصد الحريات الصحفية” المعني برصد حالات الانتهاك ضد الصحافة والصحفيين، علي صفحته الرسمية، وثيقة رسمية حصل عليها في يونيو 2012، بشأن اضطهاد وسائل الإعلام، وقد أشارت تلك الوثيقة إلي وقف عمل 44 وسيلة إعلام بينها محطات تليفزيون وإذاعات بارزة محليًا وأخرى معروفة على نطاق دولي.

كما باتت محاولات القتل وعمليات العنف التي يتعرض لها الصحفيون ظاهرة ملحوظة في الفترة الأخيرة، فعلي سبيل المثال تعرضت ثلاثة مقرات لمؤسسات صحفية في بغداد، مطلع أبريل 2013، إلى هجوم من قبل ما وصف بـ”جماعة دينية متشددة” قامت بتهشيم مكاتب وأجهزة هذه المؤسسات والاعتداء على العاملين بها بالضرب المبرح، فيما تم إلقاء أحدهم من سطح المبنى. وعلي الرغم من مطالبة عدد من النواب، عقب هذا الحادث، بتوفير التأمين المطلوب للمقرات الصحفية والتحذير من إمكانية تكرار هذه الانتهاكات بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، إلا أن الأجهزة الأمنية لم تكتف بتجاهل هذه المطالب، بل إنها أعلنت عدم قدرتها علي توفير الحماية الخاصة للصحفيين أثناء قيامهم بعملهم.

ظاهرة معقدة

تعتبر العراق واحدة من أخطر الدول في ممارسة العمل الصحفي على مستوى العالم، حيث تشير الأرقام إلى أن الأحداث العنيفة التي وقعت منذ عام 2003، قد أدت إلى مقتل 261 صحفيًا عراقيًا وأجنبيًا، منهم 147 صحفيًا قتلوا بسبب عملهم الصحفي، إلي جانب 52 فنيًا ومساعدًا إعلاميًا، فضلا عن اختطاف 64 صحفيًا ومساعدًا إعلاميًا قتل أغلبهم، وما زال 14 منهم في عداد المفقودين، فيما هيمن الغموض علي العمليات الإجرامية الأخرى التي استهدفت صحفيين وفنيين بطريقة غير مباشرة، وذلك بحسب إحصائيات نشرها مرصد الحريات الصحفية علي صفحته الرسمية في مايو 2013، في حين أعلنت لجنة حماية الصحفيين في نيويورك، في يونيو 2013، أن العراق يتصدر للعام الرابع على التوالي لائحة الدول التي تنتهي قضايا قتل الإعلاميين فيها من دون عقاب.

وتتسم ظاهرة استهداف الصحفيين في العراق بقدر كبير من التشابك والتعقيد، الذي يعود إلى اعتبارين رئيسيين هما:

– تنوع الجهات المنفذة لعمليات الاستهداف، وعلى الرغم من أنه يصعب حصرها بشكل دقيق، إلا أنها تتركز في ثلاث فئات أساسية، هي: الأجهزة الأمنية الحكومية، والجماعات المسلحة المجهولة، والتنظيمات المتطرفة، التي تنشط بشكل واسع في ظل حالة الانفلات الأمني التي يعاني منها العراق. ففي هذا الإطار اتهم مرصد الحريات الصحفية في العراق الحكومة بعدم الاكتراث بحياة العاملين في مجال الإعلام، والسعي للضغط على البرلمان لإصدار مزيد من القوانين التي تهدف إلى تقييد حرية التعبير، في الوقت الذي تعلن فيه بعض الجماعات المسلحة مسئوليتها عن مقتل وإصابة صحفيين. كما اتهمت منظمة “مراسلون بلا حدود”، في بيان لها صدر في 26 أكتوبر الفائت، قوات الأمن العراقية بارتكاب اعتداءات متكررة على الإعلاميين، لا سيما فرق عمل قنوات التليفزيون، وذكر البيان أن القوات العراقية تعتدي جسديًا على الإعلاميين وتصادر معداتهم وتمنعهم من أداء عملهم.

– الاتساع الجغرافي للظاهرة، إذ أنها لم تعد تتركز بشكل كبير في العاصمة العراقية بغداد، حيث انتشرت خلال الفترة الأخيرة في مختلف أرجاء الدولة، خاصة في محافظات نينوي وصلاح الدين والأنبار. فخلال شهر أكتوبر الفائت، قتل أربعة صحفيين في محافظة نينوي، كما اغتيل في الشهر نفسه مراسل ومصور يعملان في قناة “الشرقية” بعد إطلاق النار عليهما بينما كانا يقومان بإعداد تقرير عن التحضيرات لعيد الأضحى في سوق السرج خانة في وسط مدينة الموصل، ولقي الإعلامي سعد زغلول، المتحدث الرسمي باسم محافظة نينوى، مصرعه برصاص مسلحين مجهولين أمام منزله في حي القادسية، كما قتل مصور في قناة “الموصلية” برصاص أطلقه مسلحون مجهولون بالقرب من منزله في منطقة النبي شيت وسط الموصل.

وفي النهاية، يمكن القول إنه في إطار تدهور الوضع الأمني وغياب خطوات فاعلة من جانب الحكومة العراقية للسيطرة علي العنف المنتشر في البلاد والقضاء علي أسبابه السياسية والاجتماعية، فإنه من غير المتوقع تحسن أوضاع الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي بشكل عام خلال المرحلة القادمة.

(*) باحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

Leave a Comment