أ.د. أحمد محمد وهبان

مُقاربة فرويديّة لزلاّت الّلسان في الحقل السياسي

كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني

الاسم / راشد سعد القحطاني
الرقم الجامعي / 430106599
المادة / فكر غربي 2 (320)

ربّما تبقى زلّة الّلسان الشّهيرة لجورج بوش ،و هو يتحدّث عن “الحرب الصّليبية” بعد هجمات 11 سبتمر 2001 هي الأكثر رسوخًا في الذّاكرة الجمعيّة العربيّة بإعتبارها كانت نقطة التأسيس الأولى لمشروع تدمير العراق الدّامي و مشروع الشّرق الأوسط الجديد بكل تفاصيله السّوداء القائمة اليوم على قواعد نهب الثّروة و تقسيم الأرض و تفتيت الأمّة و بتبريراته السّفيهة من محاربة الإرهاب إلى أسلحة الدّمار الشّامل إلى حماية المدنيين، و تبقى كذلك هي الأكثر تأشيرًا إلى سلامة التفسير العلمي الفرويدي لزلة اللّسان ,رغم كلّ المحاولات اللاحقة لتجاوز هذا التّفسير الذي خلُصَ فيه مؤسّس علم التحليل النّفسي الطبيب النمساوي سيجموند فرويد -1856-1939- إلى إعتبارها “خلالا إجرائيًا” يفصح عن رغبات أو أفكار مدفونة و مترسّبة في اللاوعي أي كانفلات أو كمرآة عاكسة لما هو مرغوب و مدفون و مُستبطنٌ و مكبوت.
فزلّة لسان جورج بوش ليست سوى انعكاس لما يستبطنه الإنسان الغربي عُمومًا و الأمريكي تحديدًا من مجموعة أفكار مسبقة و عدائيّة تجاه الإسلام و المسلمين ، و ليس السّياق هنا هو البحث في العوامل التي شكّلت تلك الصّورة النّمطيّة المنفّرة بل التّأكيد على وجودها و ترسّبها في قاع اللاوعي الجمعي للمجتمع الأمريكي كما عبّر عنها بصراحة الرّئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في كتابه “أمريكا و الفرص التّاريخيّة ”بالقول : “يميل كثير من الأمريكيين إلى تصور المسلمين على أنهم نمط واحد من الناس غير المتمدنين، غير النظيفين، المتوحشين وغير العقلانيين، وعلى الغالب لا يلفت انتباهنا فيهم سوى أن بعض زعمائهم لهم الحظ السعيد في أنهم يحكمون أقاليم تحتوي في باطن أرضها على ثلثي الاحتياطات المؤكدة من النفط في العالم. ليس هنالك من شعب، حتى ولا الصين الشعبية، له صورة سلبية في ضمير الأمريكيين بالقدر الذي للعالم الإسلامي ” و هذه الصّورة السّلبية هي نتيجة لتراكم عقود طويلة من تثبيت المفاهيم المغلوطة في الإعلام و التعليم و المنتَج الثقافي الأمريكي عن المسلم الإرهابي المعادي للغرب ، و الحاقد على منجزه الحضاري باعتباره إنسانًا بدويًا خشنًا و متّسخا و غبيًا كما تصوّره الأفلام الهوليوديّة إلى درجة ذهب فيها هذا الحقد المؤسّس على فكرة مشوّهة و متشرّبة من ذات المستنقع “الصليبي” الذي نضحت منه زلّة لسان بوش المذكورة، إلى القول بأنّ النّفط الموجود في أرض العرب و المسلمين هو “غلطة الرّب”.
و لسنا ننزلق إلى هذا الإستطراد السّريع و المشوَّش إلاّ كإشارة الى أنّ زلّة لسان بوش لم تكن غير إنعكاس لما ترسّب في ذاته الأمريكيّة التي تربّت على إعلام و تعليم مؤسّس لثقافة عدائيّة ضد العرب و المسلمين ,بمعنى أنّها انعكاس منفلت في إطار “خلل إجرائي” نفسي لما يستبطنه من أفكار و قناعات و رغبات مترسّبة في قاع لاوعيه إنزلقت على لسانه داخل الخطاب الذي كان يُبثّ مباشرةً و يراهُ كلّ العالم.
زلاّت لسان السّاسة و المشاهير كثيرة، و كلّها تقريبًا يُمكن أن تفسّر على أساس هذا التحليل الفرويدي باعتبارها مرآةً عاكسة لرغبات و افكار مكبوتة و مقموعة داخل “العقل الباطن” للشخصية .
فالمعلّق التلفزي المغربي الذي وصف “حفل الولاء” الذي تُعقد فيه البيعة للملك بأنّه “حفل البلاء” ، لم يكن يقدر في لحظة لاوعي شعوري أن يكبت ذلك الهمس الذي يقال في الزوايا و في الجلسات الخاصة و حتّى في قرارة النفس عن استهجان مشهد يركع فيه المواطن/الإنسان للملك الذي يستمد شرعيته أصلاً-كأمير للمؤمنين- من ثقافة دينية/إسلامية تستنكر الرّكوع لغير الله.
و لا يُمكن وضع التّصريح الشّهير لمهدي عاكف المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في مصر الذي نشرته روز اليوسف بتاريخ 9 أفريل 2006 حين قال :”طز في مصر” ,في غير خانة الإنعكاس الصّادق للعقيدة الإخوانية المُتجاوزة لمفهوم الدّولة القُطريّة إلى كيان أوسع متمثّل في “الأمة الإسلاميّة” الموحّدة بتعبيرتها السياسيّة المتمثّلة في مشروع الخلافة ، وهو ما يؤكّد قوله في نفس السّياق أنّه لا يمانع أن يحكم مصر “مسلم ماليزي”.
قايد السّبسي “نُحكم وحدي”:
التصريح الشّهير لرئيس جكومة ما بعد الثّورة السيّد الباجي قايد السّبسي حين قال :”نُحكم وحدي”، و في نقطة الذّروة من لحظة ثوريّة جماهيريّة فائرة بالحقد على كلّ نفس سياسي قمعي مستأثر بالسّلطة و على أسماع شعب لا زال مثقلاً بغبار معركة اسقاط نظام كان قائما على نفس هذا المعنى الاحتكاري للحكم، هذا التّصريح لم يكن سوى تعبير لاواع عن ترسّبات ما تربّى عليه الباجي قايد السّبسي في مدرسة الزّعيم الرّاحل بورقيبة، و التي يفتخر دوما أنّه أحد تلاميذها، و هي مدرسة سياسية تقوم على سيادة الحزب الواحد و الزّعيم الأوحد المحتكر لكل شيء بما فيها الألقاب و التشريفات باعتباره “المجاهد الأكبر” و “سيّد الأسياد” الى غير ذلك من المؤشّرات الدّالة عن هذا النّفس الإحتكاري و الاستعلائي في فلسفة الحكم البورقيبي، و التي تربّى فيها و تخرّج منها السيّد الباجي قايد السّبسي، و التي رأينا قبسًا منها في تعامل هذا الأخير مع الإعلاميين إبّان حكمه و توصيفاته المهينة للأمنيين، و منذ مدّة قريبة تصريحه في وجه المتململين و المنتقدين و المطالبين بالإصلاح داخل حزبه بأنّ “إلّي موش عاجبو يمشي على روحو”، و غير بعيد كذلك تعيينه لابنه السيّد حافظ قايد السّبسي مكلفًا بالهياكل داخل حزب “نداء تونس”.
الدّيكتاتوريّة النّاشئة، و الالتزام بالنّفاق:
التصريح الشّهير للسيد حمّادي الجبالي الرئيس لأوّل لحكومة ما بعد 23 أكتوبر ، في المؤتمر التاسع لحركة النّهضة حين قال :” ديكتاتوريتنا النّاشئة” بدل الكلمة المفترضة داخل السّياق الذي كان بصدده و هي “ديمقراطيتنا النّاشئة”، يجعل التحليل الفرويدي لزلّة اللسان في هذا المثال يؤشّر الى شيء ما مستراب في حقيقة المشروع المُراد تأسيسه فعلا من طرف الفصيل السيياسي الذي يمثّله السيّد حمّادي الجبالي. فترهيب المعارضين بالميليلشيات، و تشويش اجتماعات الأحزاب، و التّعيينات الكثيفة في كلّ مفاصل الدّولة، و المحاولات المتكرّرة و المتواصلة و الجادة لتركيع الإعلام بالتعيينات و هرسلة الصحافيين و الخطاب المعادي للإعلاميين بل الدّاعي الى ضربهم، و فقء عيون الفقراء بالرشّ و التقصير الأمني في التعامل مع إشعارات بالاغتيال السياسي، و المعاداة المجانية للعمل النّقابي و التشويه المتواصل لاتحاد الشّغل و استعداء كل منظمات المجتمع المدني ، و الكثير من المؤشّرات الأخرى، لا يُمكن أن تكون إلاّ دليلاً على صحّة ماذهب إليه فرويد، و أنّ زلّة لسان السيّد حمّادي الجبالي ليست سوى كشف لاواع عن حقيقة المشروع النّاشئ الذي تُشيّده حركة النّهضة .
و قد يكون من آليات تنفيذ هذا المشروع النّاشئ هو “الالتزام بالنّفاق” على حدّ تعبير السيّد راشد الغنّوشي في زلّة لسان خرجت بديلاً عن القول المفترض:”ملتزمون بالوفاق” ، وهي مؤشّر –بالمنظور الفرويدي- إلى حقيقة ما يُمارسه الجسم السياسي النّهضاوي من مخاتلة و ربح للوقت و “نفاق” سياسي علاماته إخلاف الوعد و النكث بالعهد ، لعلّ دليله الأصدق هو تعهّد السيّد راشد الغنّوشي نفسه في مقابلة تلفزيّة قبل انتخابات 23 أكتوبر بأنّهم لن يبقوا في السّلطة أكثر من عام ، و أشهدَ على نفسه الشّعبَ و “الفايسبوك”، و لعلّ “الالتزام بالنّفاق” يتمظهر أيصضا في الوعود الانتخابيّة ذات الـــ300 نقطة التي لم ينفّذ منها شيء، أو من من خلال انقلاب المواقف من قضيّة مركزّية كانت شعارًا للحملة الانتخابيّة و هي تجريم التّطبيع و التي تحقّقت عمليًا فيما بعد بمحاضرات في معهد واشنطن للشرق الأدنى و تطمينات للوبي الصهيوني بعدم الاشارة الى اي موقف من اسرائيل في الدّستور ، و ارتماء عاطفي حار في أحضان ماكين، و لأنّ المتقبّل النّهضاوي يستطيب ذلك المزج بين الدّيني و السّياسي فإنّنا لن نجد تعريفًا للنفاق و المنافق أبلغ من تعريف من أوتي “مفاتيح الكلم” –صلى الله عليه و سلّم- حيت قال :”آيات المنافق ثلاث :إذا حدث كذب، و إذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”.
الحمار الوطني:
و تبقى أطرف الزّلات التي حدثت في المشهد السياسي التّونسي هي تلك التي صدرت عن السيّد عبد الستّار بن موسى في افتتاح أعمال “الحوار الوطني” الذي صار على لسانه “حمارًا وطنيًا” ،ألهب القاعة ضحكًا و فجّر الكثير من التعاليق السّاخرة و المتندّرة على وسائل التّواصل الاجتماعي ، و إنّ كان تحليل أبعاد هذه الزلّة ومدلولاتها صعبًا نظرًا لغموض شخصيّة السيّد عبد الستّار بن موسى و الجهل بالدّوافع النّفسية العميقة التي انفلتت منها العبارة ، فإنّنا نرجو أن لا يكون ذلك يأسًا مُستبطنًا من جدوى هذا الحوار الذي تمنّى في محاولة تبريرية مضحكة أن يكون موصلاً لشيء ما كما هو الشّأن بالنسبة للحمار، و نرجو فعلاً أن يكون الحوار مخرجًا حقيقيًا للأزمة السياسيّة الخانقة التي تتخبّط فيها البلاد.

Leave a Comment