-أزمة العقلانية في الفكر الغربي الحديث-
كاتب الموضوع الأصلي: فهد صالح ابو مهيد 5
بدأ (العقل) بالتحول إلى مفهوم مستقل، عبر عملية تحرر الفكر الغربي من الإرث الأفلاطوني (وطبعته المحدثة مع أفلوطين ونظريته عن الفيض) لصالح الأرسطية، حيث أخذ ذلك شكلاً من الانتقال في فكر الكنيسة من محطة (القديس أوغسطين) إلى اتجاه (القديس توما الإكويني): كان ذلك يعني تحريراً للعقل من اختلاطاته، التي حصلت مع التراث الأفلاطوني، مع مفاهيم (النفس) و (الروح) و(الجسد)، وقطعاً للتداخل، البادئ مع نظرية (المُثُلْ) الأفلاطونية، بين ما أصبح ما يُسّمى، في مصطلحات الصوفيتين الغربية والشرقية، بـ (الأسماء) و(العيان)، أو (الماوراء) و (المحسوس).
أوصل ديكارت ذلك إلى نهاياته الفلسفية، عبر استقلال (الكوجيتو) [=الأنا أفكر] عن المحيطين الطبيعي والكوني، وتحول الاثنين إلى ميدانين للأول، مما عنى وصول (الفرد)، كذات عارفة، إلى وضعية من المركزية العارفة تجاه المحيط الامتدادي، الشيء الذي ترافق مع بداية استقلال الفرد عن مؤسستي الكنيسة والدولة، وبداية النشاط الفردي الكثيف في التجارة وبدايات الصناعة، إضافة إلى محاولة اقتحام المجاهل الجغرافية في القارة الجديدة وفي الممرات البحرية.
في القرن الثامن عشر تتوّج ذلك، كتحول مفاهيمي-فلسفي، وامتزج مع الثورتين العلمية –التقنية، والصناعية، وبشكل جعل (العقل) مرادفاً للتقدم على أصعدة (العلم) و (التقنية) و (الصناعة)، مما جعل مفهوم (التقدم)، على الأصعدة الاجتماعية والفردية وأيضاً على صعيد مؤسسات المجتمع والدولة، يقاس عبر تلك الأقانيم الأربعة.
ظهر ذلك في فكر (عصر الأنوار) الفرنسي، عندما جرت “محاكمة” الدين، مفهومياً وفكرياً، عبر مفاهيم (العقل) و(العلم) و(المحسوس)، وقد توبع هذا الاتجاه مع وضعية أوغست كونت، وأيضاً عبر الماركسية، ولم يخرج عن ذلك فيورباخ في كتابه “جوهر المسيحية” (1842)، ولا الهيجليين الشباب، مثل (برونوباور).
تغذّت “تفاؤلية” القرن التاسع عشر وقامت على الرافدين الوضعي والماركسي، وقد عزّز هذان الاتجاهان الفكريان الميل إلى ربط التقدم بالجانبين العلمي، والاقتصادي- الاجتماعي، وإلى ربط القضايا الروحية والشعورية والنفسية والجمالية بالجانبين المذكورين، إن لم يكونوا حالة انعكاسية للبنية الاقتصادية- الاجتماعية، التي اعتبرها مفسروا الماركسية بمثابة (البنية التحتية) التي تتوّلد عنها ومنها (البنية الفوقية) الشاملة لتلك القضايا، مع إضافة (الفكر) إليها.
منذ الإكويني (ت1274)، وحتى ماركس (ت1883)، ارتبط مفهوم (العقلانية) مع فعالية (الذات)، معرفياً وعلى صعيد الممارسة أيضاً، أمام (الامتداد)، الذي أخذ أشكالاً متعددة: (النص-الكون-الطبيعة- المدى الجغرافي-الاقتصاد- المجتمع)، وقد أدى ذلك إلى ارتباط (العقلانية) مع (موضوعية) الامتداد تجاه (الذات)، وتخارجه عن الأخيرة، فيما أسّس الاتجاه، الذي حاول-عبر بيركلي وهيوم وكانط- إقامة التداخل بين(الموضوع) و(الذات) في عملية المعرفة من خلال اعتباره أن وجود الأخيرة يؤدي إلى انوجاد الأول، لنوع من البذرة الفلسفية صبّت في تدشين اتجاه ابتعد عن (العقلانية) لصالح تذويت (الموضوع) و(الذات) في مفهوم (الحياة)، كما فعل مؤسس (فلسفة الحياة)، أي فيلهلم ديلتاي (ت1912)، أو كما حصل ذلك عبر نوع من (الصوفية الجديدة) المستعيدة للتداخل الأفلاطوني القائم في نظرية (المُثُلْ) بين (الماوراء) و(المحسوس)، والتي وُجدت، مثلاً، عند أوستن تشمبرلين (ت1927)، الذي اعتبره الحزب النازي بمثابة الملهم الروحي والفكري.
عبر الحرب العالمية الأولى، دخلت تفاؤلية القرن التاسع عشر في الطريق المسدود، بعدأن أوضحت تلك الحرب كيف أن (العلم) و(التقنية) و(الصناعة) يمكن أن تُستخدم، جميعاً، لتطوير وسائل وحشية من أجل التدمير والإفناء [وخاصة عبر السلاح الكيماوي الذي استخدم بكثافة في تلك الحرب]، إضافة إلى ما أظهرته تلك الحرب من انفلات لغرائز التدمير عند البشر، مما جعل الارتباط الذي أقامه القرن السابق بين (الترقي) و(التقنية) متكسراً ومتداعياً أمام الوقائع.
كان فرويد أول من وعى ذلك، كما تظهر رسائله حول (الحرب) التي تبادلها مع اينشتاين، فيما أعطت نظريته حول (مافوق مبدأ اللذة)، التي وضعها قبل الحرب بقليل وتجاوز فيها اعتبار (الليبيدو) كمفهوم ذي طابع جنسي محض، أساساً فلسفياً لذلك، حيث بيّن عبر ثنائية (ايروس) [=الحياة] و(تاناتوس) [=التدمير والموت] أن البنية الشعورية-النفسية للإنسان لم تتجاوز كثيراً مرحلة الكهف، بخلاف البنية الذهنية، وبغض النظر عن تطور الأدوات والأشياء والمحيط، والذي تمّ عبر تفاعل الإنسان مع الطبيعة ومن خلال البنية الأخيرة بالذات.
كان هذا تحطيماً فلسفياً، يتجاوز إطار علم النفس، للارتباط الذي أقامته الوضعية والماركسية بين (التقدم) و(التطور) على الصعيد الاقتصادي-الاجتماعي- والذي كان يعتبر أن تجاوز الإنسان للتخلف، على مختلف الأصعدة، يتم عبر التطور على الصعيد الأخير، فيما ظهر اتجاه ضمن الماركسيين مثّله غرامشي ولوكاتش- لم يستطع أن يكون قوياً بينهم- قال بـ (حياد التقنية)، معتبراً أن الأخيرة لا يمكن أن تكون مقياساً للتقدم إلا حسب طبيعة الموقع الاجتماعي للفئة أو للطبقة التي تستخدمها، وأنها محايدة بين المَوقعين أو بين مستخدميها، وبالتالي فإنها قابلة للاستخدام في هذا الاتجاه أو ذالك، مما يجعلها ليست، بحد ذاتها، مقياساً للتقدم، كما كان يُظّن من قبل أغلب مفكري القرنين الثامن والتاسع عشر.