أضواء على نظام الحكم في الإسلام
كاتب الموضوع الأصلي: مهند العامر0
أضواء على نظام الحكم في الإسلام
1
– لابد للناس من حاكم وتشريع:
فمن المعلوم لدى الجميع أن الإنسان اجتاعي بطبعه، ويكاد يكون من المستحيل أن يعيش وحده، فإن له حاجات لا يمكن أن يقوم بها منفرداً، فهو لا يستطيع أن يكون نجاراً وحداداً وخبازاً، ومزارعاً، ومعمارياً، وطبيباً إلى آخره، في آن واحد، هذا إضافة إلى حاجته النفسية والعاطفية إلى الأُنس بالصاحب والرفيق، حتى قيل في المثل الشعبي: “الجنة من غير ناس لا تداس”، ولما خلق الله آدم وأسكنه الجنة شعر بالفراغ والوَحدة، واستوحش فاستلقى وألقى الله عليه النوم، وحينئذ أخذ الله – تعالى – ضِلَعاً من أضلاعه وخلق منها حواء، فلما أفاق آدم رآها أمامه ففرح واستأنس، وعاش مسروراً إلى أن حدث ما حدث.
واجتماع أناس في مجتمع يؤدي حتما إلى أن تنشأ بينهم عَلاقات ومعاملات، ومن ثَم نزاعات وخصومات، ذلك أن لهم إرادات مختلفة ومتعارضة، فكان من مقتضى ذلك أن يكون لهم تشريع ينظم هذه العَلاقات، ويحل تلك الخلافات، على قواعد الحق والعدل والخير، ويلتزم الجميع به.
ولما كان هذا التشريع لا يمكن أن يطبق إلا إذا قام عليه إنسان له قوة وسلطان، ومساعدون وأعوان، يسهرون على تنفيذه، وإلزام الناس به، فلذا كان من البدهي أن يكون لكلِّ مجتمع رئيس أو حاكم، يحقق الأمن، ويمنع الظلم، ويقضي على الفوضى، وينظم الأمور، ويحكم في الخصومات، ويعاقب المذنب، ويوفر الحاجات التي لا يستطيع الفرد توفيرها بنفسه، وخاصة في الحياة المعاصرة المعقدة، ويدافع عن البلاد ضد الأعداء والغزاة.
والخلاصة أن كل مجتمع بشري لابد له من قوانين وتشريعات تنظم أحواله المختلفة، كما أنه لابد له من حاكم وسلطان ينفذ هذه التشريعات، ويدبر الأمور ويسوس الناس على هديها، وهذا الذي أدركه الشاعر الجاهلي القديم وعبَّر عنه بفطرته السليمة فقال:
لا يَصْلُحُ النّاسُ فَوْضَى لا سَراةَ[1] لَهُمْ وَلا سَراةَ إذا جُهّالُهُمْ سادُوا
وعبَّر علماء الاجتماع المعاصِرون كالمفكر الفرنسي جان جاك روسو عن وجود الحكومة بأنه: عقد اجتماعي قام بين الناس وحاكمهم، تعاقدوا فيه معه على أن يقوم بتدبير أمورهم وَفق طريقة معيَّنة، ونظام تعارفوا عليه، مقابل تنازلهم عن صلاحيات يعطُونها له من الطاعة والمال وحرية التصرف وَفق النظام الذي حددوه له، واتفقوا معه عليه.
2- التشريع الوحيد الصالح لكلِّ زمان ومكان هو التشريع الإسلامي المستند إلى العقيدة الإسلامية:
إنه لابد لأي تشريع حتى يتقبله الناس وينفذوه من أن يكون الذي وضعه لهم موضع ثقة عندهم واحترام وقدسية، فلابد أن يكون واسع العلم بحاجاتهم وواقعهم ونفوسهم، وأن يكون على قدر كبير من الكفاءة والكمال، والعدالة والنزاهة، غير منحاز لفريق منهم على فريق آخر.
وهذه الصفات لا تحقق ولا تتوفر إلا في التشريع الإسلامي، ذلك لأن واضعه ومشرعه هو الله – جل شأنه وتقدست أسماؤه – ولأنه – سبحانه – -:
أ- العالِم الذي ينتهي العلم كله إليه، والذي أحاط بكل شيء علماً، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، العليم بما في الصدور، العالم بما كان وما يكون، وبالصغير من الأمور والجليل، هو خالق الأشياء جميعاً، وبارئ البشر كافة، بأجناسهم وأنواعهم وأصقاعهم، المطلع على سرائرهم وخفاياهم؛ {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}؛ [الملك: 14].
ب – وهو – سبحانه – المنزه وحده عن الهوى، والميل لبعض خلقه دون بعض وعن المداهنة والمحاباة، فكل البشر عبادُه، هو خلقهم، ومن مادة واحدة أنشأهم، ولا تربطه بأي واحد منهم أو بأي طبقة أو جنس أو عِرق صِلة خاصة، أو قرابة معينة، أو رغبة أو رهبة، أو منفعة أو أي عَلاقة تدفع للخروج بالحكم عما يقتضيه الحق والعدل والصواب، فهو حين يشرع لهم تشريعاً فإنه يراعي فيه مصلحتهم جميعاً، ويراعي الحِكْمة العليا التي تتصف بها أفعاله كلها، ويعدل بينهم جميعاً دون تمييز أو تفريق بينهم.
والمصلحة التي يراعيها في سياسته مع عباده لا تنحصر في حدود الدنيا فقط، بل تشمل المصلحة الدنيوية والأخروية معاً، ولا شك أن المصلحة الأخروية أهم وأعظم، ولذلك فقد يرى الإنسانُ بنظره القاصر أن فيما شرعه الله تفويتاً لبعض منافعه ورغباته الدنيوية، ولكنه لو أمعن النظر لرأى أن ذلك خير له وأنفع بما لا يقاس ذلك أن الأمر كما قال – – سبحانه – -: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}؛ [الأعلى: 17].
ومن أهم الأسباب التي تجعل التشريع الوضعي غير صالح، أن من يقوم بوضعه من البشر لا يمكن أن يخلو من الهوى، والميل لبعض الناس أو الطبقات أو الشرائح الاجتماعية، فتلك طبيعة البشر، مهما سمت منزلتهم، وعلت مكانتهم، فإن كان المشرع غنياً فإنه يراعي مصلحة الأغنياء، وإن كان فقيراً فإنه سيراعي في تشريعه مصلحة الفقراء، وإن كان عاملاً راعى مصلحة العمال، أو فلاحاً راعى مصلحة الفلاحين، أو عسكرياً راعى مصلحة العسكر، وإن كان رجلاً راعى مصلحة الرجال، وإن كانت امرأة راعت مصلحة النساء، وقُلْ مثل ذلك في الشعوب والأمم، فإن كان المشرِّع عربياً فإنه سيميل بتشريعه نحو مصلحة العرب، وهكذا إذا كان تركياً أو فارسياً أو كردياً إلى آخره.
أما الله – سبحانه – فهو بريء من الهوى، والميل إلى بعضهم، وهو منزه عن الحيف على أحد منهم، لأنهم كلهم – كما سبق – عباده، ولا تربطه بأحد منهم أي رابطة.
وقد يظن بعض الناس أن للدين تأثيراً في ذلك، وأن الله يحابي المسلمين على حساب غيرهم، وينحاز في تشريعه إليهم. وهذا خطأ، فإن الله – عز وجل – هو الحق، ودينه الحق، والحق هو العدل، وهو القائل في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}؛ [المائدة: 8]، فهو ينهى المؤمنين عن الظلم، والحيد عن الحق، ولو كان الذي عليه الحق كافراً أو عدواً، ويأمرهم بأن يحكموا بالعدل ويشهدوا بالحق دون أن يتأثروا في ذلك بأي عَلاقة ولو كانت عَلاقة الدين نفسه؛ يقول – سبحانه – في الحديث القدسي: ((يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا))؛ رواه مسلم عن أبي ذر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – عن ربه – تبارك وتعالى.
فالعدل هو شرع الله في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فواضح في نصوص الكتاب والسنة، كما هو واضح في تاريخ الإسلام حينما كان الإسلام الحاكم في حياة المسلمين، وأخبار العدالة المثالية في عهود السلف الصالح تعطر صفحات التاريخ، وقد اعترف بها العدو والصديق، وضربت بعدالة العمرَين: عمر الفاروق، وعمر بن عبد العزيز وأمثالهما الأمثال، وكان ذلك مما دفع الشعوب المختلِفة إلى الدخول في دين الله أفواجاً.
وأما العدالة في الآخرة فتتمثل في مجازاة كل إنسان بعمله {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}؛ [الزلزلة: 7، 8].
ويلاقي كل إنسان المصير الذي يستحقه فيدخل المؤمنون جنات النعيم، ويصلى الكافرون نار الجحيم، ويحاسب الجميع على أعمالهم، ولا يكون لأحد حجة عند الله، وهو – سبحانه – لا يظلم أحداً مثقال ذرة، بل إنه يقول له: {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }؛ [الإسراء: 14]، وأي عدل أسمى من أن يقال للمتهم الذي يحاكم: احكم أنت بنفسك على نفسك، فإنا راضون بذلك؟! وفي ختام: الحديث القدسي السابق يقول الله – تعالى -: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)).
ولبيان الحق نقول: إن في الشريعة الإسلامية بعض الأحكام التي يتميز بها المسلمون على الكافرين في المعاملات الدنيوية، مثل منع غير المسلمين من تولي رئاسة الدولة الإسلامية، أو بعض الإدارات المهمة، ومثل عدم قتل المسلم بالكافر، وجعل دية الكافر على النصف من دية المسلم، ومثل تحريم زواج الكافر بالمسلمة، وغيرها مما هو مذكور في مَحَله، فهذه الأمور إنما هي استثناءات قليلة، ولها حِكَم وأسباب؛ منها: أن الدولة المسلمة وظيفتها تطبيق أحكام الإسلام ونشر عقيدته، وحمايته ودعوة الناس إليه، والجهاد في سبيله، فمن غير المقبول ولا المناسب أن يُعهَد إلى من لا يؤمن بالإسلام القيام بذلك. إن هذا ضد طباع الأشياء، ومناقض للنظر السليم.
ومن الحِكَم الأخرى أن تولية غير المسلم المناصب الكبرى في الدولة المسلمة يؤدي إلى فتنة الناس عن دينهم، ذلك أن الناس مولعون بالتشبه كبرائهم ووجهائهم، وتقليدهم في أخلاقهم وأعمالهم ومظاهرهم، فإذا تولى غير المسلمين تلك المناصب فإن ذلك يؤدي إلى محبتهم والاقتداء بهم، وهذا مناقض للرسالة التي جاء بها الإسلام، إذ يَعُدُّ الأديان الأخرى باطلة، وإنما جاء الإسلام بالهدى والحق وحده. ومطلوب من المسلم أن يكون قدوة للناس وأسوة برشدهم ويهديهم إلى السبيل القويم، لا أن يكون ذيلاً لهم ومقلداً، ومن غير المقبول أن يكون المبصر السميع متبعاً للأعمى الأصم.
وللأحكام الاستثنائية الأخرى في معاملة غير المسلمين أسباب وجيهة، وحِكَم مهمة، ومصالح كبرى، ليس هذا مجال تفصيلها، وقد يعلم الإنسان بعضها ويجهل بعضها الآخر، ولكن علينا أن نؤمن بما قرره ربنا – سبحانه – وهو القائل: {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}؛ [البقرة: 216].
ج – وهو – سبحانه – الكامل المبرأ من كل نقص وعيب، والمعصوم من كل خطأ، فما حكَم به فهو الحق، وما قاله فهو الصدق، وما شرعه فهو العدل والخير والهدى، ولهذا فإن التشريع الإلهي المحفوظ من التغيير والتحريف والتبديل الذي أنزله على عبده ورسوله محمد – صلى الله عليه وسلم – هو الكامل وحده، وما سواه إما تشريع إلهي أنزل على بعض الرسل السابقين ولكنه ضاع ولم يحفظ، ولم يسلم من التحريف والتبديل، فلا يوثق به، وإما تشريع بشري، واضعه مهما سما وعلا ففيه كل صفات البشر من الجهل والنقص والخطأ والهوى، فلا يصلح؛ والدليل على ذلك أنه ما إن يوضع تشريع ما: دستور أو قانون في بلد ما وفي زمن ما إلا ويجد الناس عند تطبيقه ثغرات وأخطاء ومفاسد، فيحاولون علاجه بتفسير غريب، أو تأويل متكلَّف، أو تعديل أشبه بالترقيع، وأحياناً كثيرة بالإلغاء والإبطال، ولو فرض أنه وجد صالحاً لمجتمع ما أو زمن ما، فإنه لا يكون صالحاً لكل المجتمعات ولكل الأزمنة، هذا مع العلم أنه لا يتوصل الناس إلى صلاح تشريع ما إذا توصلوا إلا بعد تجارب طويلة وتضحيات جسيمة، وأزمان مديدة، ويكلفهم ذلك من الجهود المضنية والشقاء الطويل، والحياة البائسة التعيسة ما لا يمكن وصفه ولا إدراكه، ولذلك كان أعظم نعم الله على العباد هذا القرآن العظيم وهذه السنة النبوية الشريفة اللذَين أخرج الله بهما الناس من الظلمات إلى النور، ووفر عليهم بهما كل ذلك الشقاء والتجارب والتضحيات.
وما نقوله ليس كلاماً نظرياً وفرضيات خيالية، بل هو واقع ملموس وأمر مجرب، فهذا التاريخ يشهد أن المسلمين حينما آمنوا بهذا الدين العظيم وطبقوه واهتدوا بهداه، وتأدبوا بآدابه، كانوا خير أمة أخرجت للناس، وعاشوا سعداء، أعزاء سادة قادة منعمون في رضا من الله، وطمأنينة في النفس وراحة في الضمير، وبحبوحة في العيش، وأمن وسلام، هذا إضافة إلى ما ينتظرهم في الآخرة من النعيم المقيم، والسعادة العظمى، التي لا توصف في جنات الخلود.
وأما حين أعرضوا عن هدي الله وشرعه فإنهم كما نراهم اليوم في تعاسة وشقاء، وفرقة وشقاق، وتسلط من الأعداء، يستبيحون بلادهم، ويحتلون أوطانهم، وينتهكون أعراضهم، ويغتصبون ثرواتهم – وضعف وهوان، وتأخر وانحطاط، وفقر شديد للكثرة الكاثرة منهم، وغنى مطغى للقلة القليلة جداً منهم، وخلاف في الآراء، وصراع في الاتجاهات، وصدق الله القائل: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}؛ [طه: 123-124].
والخلاصة أنهم لم يجنوا ولن يجنوا من الإعراض عن دين الله إلا شقاء ونكداً وتعاسة في الدنيا، وعذاباً أليماً مهيناً دائماً في الآخرة.
وأما غير المسلمين ممن يتخذ التشريع الوضعي، ويغتصب حق الله في التشريع، ويجعل نفسه إلهاً من دون الله، فحالهم أشد وأنكى، إنهم في حَيرة وضياع، ولا يزالون يجربون ويجربون، ويعانون من ذلك الوَيلات، ويجرُّون على أنفسهم وبلادهم ألوان العذاب والشقاء، وأصناف البؤس والأذى والأخطار.
والأدلة والشواهد على ذلك تملأ صفحات التاريخ البعيد والقريب