استراتيجية التوتر الايجابي تجاه ايران
كاتب الموضوع الأصلي: حمد القباني
استراتيجية “التوتر الإيجابي” تجاه إيران : خيار الواقعية السياسية لدول الخليج العربية
* فهم الواقع
برزت عدة تصريحات صحفية في الشهور الماضية لمسؤولين خليجيين مفادها أن دول المنطقة لا تريد اتفاقاً بين ايران والولايات المتحدة يكون على حسابها ودون علمها . ويأتي هذا القلق على الطرف الآخر من ذروة التوتر بين ايران والولايات المتحدة عندما تصاعد الحديث عن ضربة عسكرية في السنة الأخيرة من حكم الرئيس الأمريكي بوش ، حينها سعت دول الخليج الى تهدئة الموقف واحتواء الازمة مع ايران حيث كان من ابرز مشاهدها حضور الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في قمة مجلس التعاون في الدوحة في ديسمبر ٢٠٠٧، والذي أظهرت دعوته وجود اختلافات في وجهات النظر في التعامل مع ايران
إن فرضية دول الخليج ستدفع في الثمن في الحالتين سواء قيام حرب مع ايران أو التوصل الي اتفاق أو صفقة معها ، تستوجب التفكير عن “الطريق الثالث” في التعامل مع ايران .لقد ضاعت فرص ثمينة لإعادة تأسيس العلاقات العربية الإيرانية وفق منطلقات جديدة ، حيث تعتبر دول الخليج هي البوابة العربية الأمثل لهذا الأمر.
توصيف السياسة الخارجية الإيرانية
في عام ١٩٩٧ حبست المنطقة أنفاسها في انتخابات ايران الرئاسية عندما كانت المنطقة تتمنى فوز الإصلاحيين برئاسة خاتمي ، ولم يضاه ذلك الاهتمام الا ربما انتخابات الرئاسة الأمريكية لأوباما وبوش من قبله . فكما تطلعت المنطقة بأن يفتح أوباما صفحة جديدة تخرج المنطقة من الحروب والتوترات ، تطلعت الدول الغربية والمنطقة معها آنذاك ، أن يدشن فوز خاتمي مرحلة جديدة من الانفراج في العلاقات مع ايران ، وصاحب ذلك موجة كبيرة من التفاؤل بطرح خاتمي عنوان (حوار الحضارات (لنهج جديد للتعاطي مع المنطقة والعالم وكبديل لنظرية صدام الحضارات . وتجاوبت المنطقة بشكل إيجابي مع مبادرة خاتمي حيث مهدت العلاقات الحسنة بين كل من دولة قطر وسلطنة عمان من جانب وايران من جانب آخر ، إلى حدوث انفراج في العلاقات السعودية- الإيرانية كان ابرز مشاهدها زيارة خاتمي للملكة العربية السعودية وعدد من الزيارات عالية المستوى من الجانب السعودي أثمرت عن توقيع عدد من الاتفاقيات . وكان من المأمول أن يحدث هذا الإنفراج نقلة نوعية في العلاقات الخليجية -الإيرانية كما حدث في العلاقات الإمريكية- الصينية قبل أكثر من عقدين من الزمان عندما زار نيكسون الصين . ولكن ذلك لم يحدث لأسباب تتعلق بالداخل الإيراني ، حيث جلب النجاح الخارجي لخاتمي سمعة دولية ايجابية ولكن لم يجلب له أصواتا انتخابية في ايران
مما اتاح الفرصة للطرف الآخر في تسلم زمام الأمور الأمر الذي أهدر بدوره فرصة اعادة صياغة العلاقات الخليجية-الإيرانية على أسس جديدة .
المشهد الراهن و الخيارات الدولية في التعامل مع المشروع النووي الإيراني ، يعني أن اعادة ترتيب أمن المنطقة قد تكون على حساب مصالح دول المنطقة ، الأمر الذي يستدعي جهودا خليجية أكبر تستند الى سياسيات و استراتيجيات متفق عليها من قبل دول المنطقة ، ومرتكزة على توصيف مشترك لأساسيات السياسة الخارجية الإيرانية .
وبالعودة للمفاهيم النظرية لعلم السياسة الخارجية ، نجد أن الدول تتبع ثلاث أنماط من السياسية الخارجية والواقع إن تحليل وتوصيف كل نمط من الأنماط والاتفاق عليه هي الخطوة الأساسية والصعبة التي ينبني عليها صياغة استراتيجية لتكون منطلقاً في العلاقات الدولية .
النمط الأول : اتباع سياسة الوضع الراهن ، أي أن الدولة ليست لها طموحات في تغيير علاقات القوة معادلتها القائمة سواء على المستوى الإقليمية أو العالمي ، كما أنها راضية بالدور الذي تقوم به حيث يلبي الوضع الراهن سقف طموحاتها .
النمط الثاني : سياسية المكانة ، أو كما تعرف بـ) البرستيج( ، حيث لاتريد الدولة تغيير المعادلة الرئيسية ولكنها أيضاً غير راضية عن مكانتها والنظرة اليها والدور الذي تقوم فيه في ظل هذه المعادلة ، فهي تتبع مجموعة من السياسات تسعى فيها لتعزيز مكانتها واحترامها لدى العالم ، ولكنها لا تسعى الى تغيير المعادلة الكلية والإكتفاء بتعديلها لتحقيق المكانة لها دون المساس في أساس هذه المعادلة .
النمط الثالث: هو الإمبريالي ، بمعنى التوسعي الذي يريد أن يغير المعادلة القائمة وأن يستبدلها بمعادلة جديدة ، فهو سياسة ضد الوضع الراهن ، ويسعى الى ما هو أبعد من سياسة (المكانة) كما هو في النمط الثاني ، فهو سياسة تريد تحولات جذرية في النظام الإقليمي أو الدولي والتوازنات القائمة بحيث تصبح هي الدولة المهيمنة .
الإشكالية الأساسية التي تكمن في التحليل على المستوى النظري في العلاقات الدولية هو التمييز بين السياسات التي تبحث عن مكانة والسياسات التي تنم عن توجهات توسعية امبريالية . فالتمييز بينهما هو أصعب ما يكون في العلاقات الدولية ، كما أن الخطأ في التقدير له أيضا عواقب وخيمة ، فمقابل كل نمط من أنماط هذه السياسات ، توجد مجموعة من السياسات التي تناسبها ، والخطأ في التحليل سيؤدي الى خطأ في التعامل ، مما سيفضي إلى إما الدخول في حرب كان يمكن تفاديها وما يترتب عليها من عواقب وخيمة ، أو السماح للقوة المقابلة النمو والتقدم في طموحاتها التوسعية وتعزيز هيمنتها .
وهذه تحديداً هي الإشكالية التي لم يتم حسمها في العلاقات الخليجية- ايرانية وتعيق من بلورة استراتيجية واضحة المعالم تجاه ايران . ففي فترة ما بعد الثورة ورفع شعار )تصدير الثورة( كان هناك اتفاق – سواء كان صحيحاً أم لا – أن ايران تريد تغيير المعادلة القائمة ، وبالتالي يجب مواجهتها واحتوائها في مهدها. الفشل في ذلك أدى إلى الدخول في الحرب العراقية الإيرانية لثمان سنوات عجاف، ما كادت المنطقة تلتقط أنفاسها بعدها حتى دخلت في أزمة جديدة مع احتلال العراق للكويت في صيف ١٩٩٠ .
ولم تتحقق أي محاولات تقارب فعلية مع ايران حتي عام ١٩٩٧عندما تم انتخاب خاتمي، حيث اعتبرت فترة رئاسته أول فرصة حقيقية لتحقيق التقارب مع ايران إذ ساعد في ذلك طرحه السياسي وشخصيته الكارزماتية ، إلا أن عدم تحقيق أي نتائج ومكاسب ملموسة لطرحه الجديد ، أفسح المجال لعودة المتشددين للحكم . ولعل فترة خاتمي كانت هي الفترة التي اقتربت فيها ايران لاتباع سياسة تبحث عن مكانة أكثر من كونها تسعى لسياسة امبريالية بالمفهوم الذي أشرت إليه .
تحولات في ميزان القوة الإقليمي
هناك عاملان جديدان يضافان الى الصورة التي كانت قائمة حتى سنوات قريبة وساهما في الإخلال بمعادلة توازن القوة التقليدي في المنطقة :
العامل الأول ، هو التمدد الإيراني داخل العراق وذلك بفضل السياسة الأمريكية التي أخرجت العراق من المعادلة بعد احتلال العراق عام 2003 .ولعل بذور هذه السياسة تعود للإستراتيجية التي أثبتت فشلها وهي سياسية) الاحتواء المزدوج) التي طرحها مارتن إنديك عام ١٩٩٣ من منبر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ، والذي كان يرأسه قبل أن يصبح مساعدا لوزير الخارجية للشرق الأوسط ، حيث أن هذا الطرح وما نجم عنه من سياسات جعلت إخراج العراق من معادلة توازن القوة في المنطقة منطقياً بل و حتمياً ، وخصوصا أن هذه السياسة جعلت الولايات المتحدة هي التي ستلعب دور الموازن لكل من العراق وإيران بدلاً من لعب دور المحافظ على التوازن بين كل من العراق وإيران كآلية لإستقرار المنطقة . وهذا حتم وجوداً أمريكيا مباشرا ومكثفاً بالإضافة الى الاستغناء عن أي دور وظيفي يمكن ان تقوم به القوتان الرئيسيتان في المنطقة ، كما كان دورايران أيام الشاه ، والعراق أثناء حربه مع ايران . ولعل سياسة الإحتواء المزدوج هي التي مهدت أكثر من غيرها لعملية احتلال العراق عام 2003 وإخراجه كلياً من معادلة التوازن مما جر المنطقة الى تعقيدات جديدة ، أصبحت ايران هي الرابح الأكبر فيها على حساب الجانب العربي ، وأصبحت إيران الجبهة الرئيسية التي تبقى على الدول الغربية التعامل معها ، ولكن تعرقل المشروع الأمريكي في العراق أعاق استكمال النتيجة المنطقية في سياسة الإحتواء المزدوج وهو إنهاء الخطر الإيراني كونه الكفة الثانية في هذه المعادلة .
العامل الثاني الذي يعزز من احتمال تبني ايران لسياسة تتسم بالتوسعية – أي أنها تسعى لإحداث تحولات جذرية في نظام القوة السائد في المنطقة – هو التقدم الذي أحرزته في مشروعها النووي وما يصاحبه ذلك من استعراض لقدراتها الصاروخية والبحرية نامية . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : ما هي حقيقة القدرات النووية والعسكرية الإيرانية ؟؟وهل تؤهلها لتبني سياسات امبرايالية على المدى القريب والمتوسط ؟؟ أم أن كل ذلك يصب في سياسة البحث عن مكانة و عناصر (البرستيج) ؟؟ وهل يمكن التوصل لتفاهم مع الجانب الإيراني يتفادى تحولها لسياسة الهيمنة من خلال تبني سياسات تتناسب مع سياسة (المكانة) والتي تعزز مجالات التفاهم المشترك بعيدا عن الخيارات العسكري ؟؟ أم أن إيران بالفعل اقتربت من إمكانيات تؤهلها لتبني سياسات امبريالية وبالتالي يجب مواجهتها بسياسات أكثر صرامة ؟؟ لا شك أن هناك تقدماً كبيرا في القدرات العسكرية الإيرانية ولكن قبل خمسة عشر عاما كانت هناك الكثير من التقارير تحذرنا من اقتراب ايران في الحصول على القنبلة النووية في غضون خمس سنوات ، وكانت معظمها تقارير امريكية تستند لمعلومات اسرائيلية أثبتت عدم مصداقيتها . وكانت حينها ايران ايضا تتباهى بقدراتها العسكرية مثل إعلانها أن أعماق البحار لم تعد حكراً على الدول الغربية و أنها قامت بانتاج غواصات ديزل زهيدة الثمن ! ومع الفارق بين ذلك المشهد ومشهد اليوم ، الا أن ذلك قد يساعد في التفكير في أهمية وضع الأمور في سياقها الصحيح و أهمية إجراء تقديرات موضوعية ومستقلة بعيداً عن التشويش الإعلامي والتضليل المعلوماتي وتطوير الإمكانيات التي تؤهل لإجراء مثل هذه التقديرات الموضوعية ، علماً بأن الولايات المتحدة أجرت ما يعرف بـ (تقدير قومي) بشأن القدرات النووية الإيرانية عام 2007 ، والذي يعتبر أعلى أنواع التقارير الاستراتيجية حيث يشمل تقديرات كافة الأجهزة والمؤسسات الوطنية المعنية ، وكانت المفاجأة فيه الإستنتاج بأن إيران لا تسعى لقدرات نووية عسكرية ، وتريد إدارة الرئيس أوباما إجراء تقدير جديد بشأن المشروع النووي الإيراني.
يضاف لما سبق عامل )التوازنات الإقليمية) والاتفاق على ما هو التصور الأمثل لها ، وهنا يأتي دور ايران محوريا في علاقاتها المتشابكة مع سوريا وحزب الله ، وعلاقات كل ذلك في الحفاظ على توازن القوة في المنطقة بشكل عام بين الجانب العربي الإسلامي ، واسرائيل من جانب آخر، ومساهمة ذلك في تحقيق الحد الأدنى من الحقوق العربية والكرامة ، وخصوصا بعد إتضاح حدود السياسة الأوبامية التي لم تصمد أمام المطلب الأدنى بتجميد المستوطنات الإسرائيلية ، وهو ما يجعل الحفاظ على خيار المقاومة هو “الموازن” الرئيسي الذي يمكن التعويل عليه في تحقيق الحد الأدني من الحقوق العربية والإسلامية ، أو على الأقل تفادي المزيد من الإنزلاق في تنازلات من دون ضمانات سوى الكلام الذي لن يحقق ما عجزت عنه القرارات الأممية ، فضلاً عن اهتراء الموقف الفلسطيني الرسمي الذي وقع في أخطاء استراتيجية فادحة جعلت التعويل عليه صعباً في ضمان أي حقوق عربية تلامس حتى سقف المبادرة العربية للسلام والتي تبنتها الدول العربية عام 2002 .
فهل المطلوب وفق ما تقدم هو مواجهة ايران وما يعني ذلك من اعادة تشكيل توازن القوى القائم في المنطقة والذي سيصب قطعاً لصالح اسرائيل ؟؟ كما أنه سيضعف قوى المقاومة والتي تمثل توازن غير مباشر مقابل الهيمنة الغربية حيث سيؤدي عدم وجود رادع لها زيادة قدرتها على فرض إرادتها و تقليص هامش المناورة لدى دول المنطقة وما يلحق ذلك من ضرر بالمصالح الوطنية.
نحو توازن جديد للمنطقة
وحسب تصريحات المسؤلين الخليجيين فإن أية مواجهة بين الدول الغربية وإيران ستكون عواقبها وخيمة ، وفي نفس الوقت فإن أي اتفاق مع إيران يجب أن لا يكون على حساب مصالح دول المنطقة ، حيث قد يمهد ذلك لإعادة الدور الأمني الإيراني في المنطقة وتصبح هي شرطي الخليج . ولذلك ، فإن الباحث يري في ضوء المعطيات الواقعية سالفة الذكر ضرورة بلورة استراتيجية للسياسة الخارجية تجاه إيران محورها ومضمونها (سياسة التوتر الإيجابي) وتتكون من ثلاثة أبعاد هي :
أولاً ، تفادي أي مواجهة عسكرية بين الدول الغربية وإيران : وهذا يعني ابقاء قنوات سياسية مفتوحة مع الجانب االأمريكي و الدول الغربية ، واستخدامها بشكل فعال في تخفيف حدة التوتر . ولعل تجربة العراق تكون مفيدة حيث أنها توضح أهمية تحديد وتفعيل وسائل الضغط الممكنة وفي سقف امكانيات المنطقة و عدم الاكتفاء بإسداء النصائح للدول الغربية ، علما بأن أي خسائر مؤقتة في العلاقات مع الدول الغربية فلن تكون بحجم الأضرار الدائمة التي قد يسفر عنها نشوب حرب مع ايران .
ثانياً ، تفادي أي اتفاق غربي مع ايران يجعل منها القوة المسيطرة ويوكل اليها مهام الأمن وإعادة ترتيب المنطقة استراتيجيا وأمنيا بحيث تتوافق مع المصالح الغربية ووتيح تفوق الهيمنة الإيرانية . وهذا يعني رفع حدة التوتر مع ايران عندما يميل الميزان لصالح تحقيق تفاهمات جذرية تجعل من وجود صفقة ايرانية مع الدول الغربية واردة بشكل كبير . وهذا يتطلب عدة أمور ، من بينها :
1- وجود معلومات عن ما يتم وراء الستار من تحركات و علاقات تمهد لتخفيف حدة التوتر حول المواضيع الشائكة في العلاقات الإيرانية الغربية.
2- تتطلب اعداد مجموعة من الملفات التي يمكن إثارتها في الوقت المناسب لتحقيق ردود فعل مناسبة بهدف تسويف أي تقارب ايراني غربي قد يخل بنقطة التوازن المرغوبة
3- تحديد أوراق الضغط العربية الممكنة على الجانب الأوربي والأمريكي .
4- تطوير آليات التعامل مع القطاعات التي يمكن أن تعرقل القرارات التنفيذية ، مثل العمل على التأثير على البرلمان الأوربي وبالتالي على تحركات الإتحاد الأوربي .كما أن مثل هذا الإتفاق إيران والدول الغربية لن يأتي دفعة واحدة ولكن عبر خطوات يتم فيها تتطوير الثقة والمصالح المتبادلة بحيث يتم فيها تعديل سلوك الجمهورية الإسلامية تجاه المجتمع الدولي ، ومنها يحبذ إيلاء إهتمام أكبر في هذا الجانب من خلال تقدير مستمر لتطوراته ومساراته المحتملة.
ثالثاً ، الحفاظ على توازن في نطاق) التوتر الإيجابي) في علاقات دول المنطقة مع إيران ، حيث سيساهم ذلك في ابقاء إيران الداعم لقوى وجماعات المقامة ومن غير تحميل دول المنطقة كلفة سياسية كما يعرقل ذلك اعادة ترتيب المنطقة أمنيا لصالح الدول الغربية بشكل كامل والذي من شأنه إخراج دول المنطقة من المعادلة الأمنية لصالح ترتيبات قد تكون خارج نطاق نفوذها وربما على حساب مصالحها .
وتبني مثل هذه السياسية يعني التعايش والإقرار بحالة توتر قائمة بل وجعلها ضمن المعادلة الأمنية والإستراتيجية القائمة ، لحين أن تهيء الظروف التي تسمح بإعادة بناء العلاقات مع الجمهورية الإسلامية على أسس جديدة لا تخل بمصالح المنطقة ككل. أما البديل لذلك فهو اللجوء للخيار العسكري كما حدث عندما نفد صبر بعض الدول الغربية مع العراق من سياسة الإحتواء ، مما جلب مشاكل جديدة لم تكتمل آثارها على المنطقة بعد ، ولكن يكفي القول أنها أخرجت العراق من معادلة التوازن مع إيران . كما أن إضعاف إيران عبر خيار عسكري – مهما كان شكله وفرص نجاحه- هو ليس من صالح المنطقة أمنيا واستراتيجيا وفق هذا التصور .
إن العمل في نطاق “التوتر الإيجابي” لا يخرج عن مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعلاقات حسن الجوار واحترام الخيارات السلمية لكل الأطراف ، بل إنه يعمل في إطار هامش المناورة الممكن وداخل هذه الحدود.
معالجة الملفات الشائكة
وفي نطاق هذه الاستراتيجية المقترحة هناك عدد من الملفات الشائكة التي يمكن التحرك من أجل معالجتها لتحقيق مصالح المنطقة بشكل عام :
– 1 معالجة الملف الطائفي : يوجد إستعداد كامن في المنطقة للإنخراط في فتنة طائفية إستفادت منها الولايات المتحدة التي وضعت الآليات الكفيلة بتأجيجها ومأسستها عبر آليات المحاصصة ، فضلاً عن غزو العراق الذي جعل الصراع على العراق قضية مشروعة لكل الأطراف لكونها الهدف التالي ما بعد غزو العراق وفق نظرية الدومينو التي روجتها الولايات المتحدة لإحتلال العراق ، و ماسبق ذلك من تقسيمات طائفية عبر سنوات طويلة في الدراسات الغربية حول العراق وجدت مكانها في الآلية الإعلامية والسياسية لقوى الاحتلال. ولذلك فإنه من الأهمية القصوى لمستقبل المنطقة أن تتم معالجة هذا الموضوع في إطار مجموعة من التفاهمات التي من شأنها نزع فتيل الطائفية سواء على المستوى الإعلامي أو على مستوى السياسات التي يمكن أن تستغل بهدف التأجيج الطائفي و التأكيد على مفهوم (المواطنة ( نظرياً وعمليا في العراق وداخل دول المنطقة . و هناك تجربة مفيدة، يمكن الاستفادة منها لوضع ضوابط إعلامية وسياسية كجزء من معالجة هذه القضية حيث كان الخطاب الطائفي في أوجه في الثمانينات وما تلاه من إنحسار في التسعينيات قبل أن يعود بقوة مع احتلال العراق .
2- العراق ما بعد الإنسحاب الأمريكي : سيظل العراق وما يجري بشأنه من ترتيبات أمنية وسياسية محط إهتمام دول المنطقة بشكل عام ، ومن هذه المصالح هي : الحد من تحويل العراق لساحة تصفية حسابات إقليمية وتجاذب نفوذ مستمر يهدد استقرار المنطقة ، بناء العراق على أسس سليمة بعيد عن الطائفية والمحاصصة والولاءات الخارجية أوالتحالفات التي تهدد المصالح الوطنية والتأكيد على سيادة الدولة العراقية . وتفاصيل كل ذلك يهم دول المنطقة وإيران ، وإيجاد قنوات حوار دورية حول العراق تضم دول المنطقة وإيران وتركيا حول أجندة لتحقيق المصالح الإقليمية يساهم في بناء الثقة بين الجانبين ويعزز من المصالح المشتركة بحيث تكون دول المنطقة أكثر قرباً من التطورات التي تتعلق بمستقبل العراق .
3- الملف النووي : وفي اطار الحوافز التي يمكن أن يقدمها الجانب الخليجي هي العمل عل حلحلة العلاقات الإيرانية مع المجتمع الدولي عبر العلاقات الثنائية بين دول المنطقة و خاصة الدول المؤثرة في الملف النووي الإيراني ، وكذلك العمل على تشجيع حيادية المنظمات الدولية وخصوصا الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، والتفاعل مع بعض المقترحات الإيرانية وحتى لو لم تؤد لنتائج ملموسة ولكن لتكون منطلقاً للحوار حول قضايا ذات صلة بالأمن والاستقرار وإبقاء الحوار مفتوحاً مع الجانب الإيراني حول مجمل قضايا المنطقة .
4- ملف الجزر الإماراتية الثلاث : تشكل الجزر المتنازع عليها عقبة حقيقية في التقارب بين دول المنطقة وإيران . وهناك طرح عقلاني من جانب دولة الإمارات يدعو إما للتفاوض المباشرة بشأن الجزر أو إحالة الخلاف لمحكمة العدل الدولية. والرفض الإيراني المستمر لمثل هذه الدعوات يعود جزئيا إلى نوع من الإعتزاز الوطني حيث أنها مشكلة موروثة بالنسبة للجمهورية الإسلامية ، و كما يكون هذا عذرا (غير كافيا ) لإبقاء المشكلة دون حل ، فهو أيضا قد يكون مدخلاً للجانب الإيراني لتبرير حل الخلاف ، ولعل الحوافز الحقيقية لإحداث مثل هذا التحول في الموقف الإيراني يمكن أن يأتي في إطار مجموعة من التفاهمات تهدف لتطبيع العلاقات القائمة يكون من ضمنها الاتفاق على “مبدأ” حل الخلاف كنقطة انطلاق مع جدولة الخطوات اللاحقة لمعالجة هذا الملف و تشجيع الحوار حول قضايا وأخرى .
الإستفادة من الفرص الإستثنائية
بالإضافة لما تقدم ، فهناك فرص إستثنائية ومتغيرات إقليمية يجب الإستفادة منها في تدعيم مثل هذه الاستراتيجية المقترحة :
1- العمل على ربط تقرير غولدستون مع الملف النووي الإسرائيلي :
الإدانة للجرائم الإسرائيلية الخارجة على القانون والأعراف الدولية التي تضمنها التقرير يحبذ استخدامها على أكثر من صعيد ، فالعمل على ربط التقرير كمدخل لفتح كامل لملف اسرائيل النووي والعمل على إخضاعه تحت مجهر الجهات الدولية- كما هو الحال مع إيران – وربط ذلك بالدعوة القائمة لإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل يشكل فرصة قائمة لدول المنطقة لممارسة الضغط السياسي على الدول الغربية وإسرائيل ، سواء عبر القنوات الثنائية أو الجماعية في الإتحاد الأوربي والأمم المتحدة.
2-العمل على الاستفادة من تعزيز العلاقات التركية –الإيرانية : والتي بدأت منذ أيام نجم الدين أربكان حينما حرص على التوقيع على اتفاقيات طويلة الأمد مع إيران ، ثم توطدت هذه العلاقات تحت حكومة حزب العدالة والتنمية كما تدلل على ذلك زيارة رئيس الوزراء التركي أردوغان مؤخراً ، ومن جانب آخر توطدت العلاقات الخليجية –التركية على المستوى الجماعي حيث عقد في الصيف الماضي اجتماع على مستوى وزراء خارجية دول مجلس التعاون مع الجانب التركي في إطار حوار استراتيجي مستمر ، و يمكن الاستفادة من هذه العلاقات المتقدمة في إطار مجموعة من التفاهمات حيال الملفات العالقة مع إيران ، ويشجع على ذلك المواقف التركية الغاضبة تجاه اسرائيل وما تلقيه من رفض مستمر في مساعيها للإنضمام للإتحاد الأوربي. فبعد سنوات من العلاقات الفاترة بين تركيا ودول المنطقة أصبحت هناك فرصة حقيقة لبناء نوع من”التفاهم” العربي – التركي-الإيراني ، يمهد لإقامة الأسس التي تتيح للمنطقة تعديل المعادلة الإستراتيجية لصالحها ، ولإدراك أهمية ذلك عبر تاريخ المنطقة فإن قراءة نظرية جمال حمدان في المعادلة الجيوبوليتيكية للمنطقة كفيلة بأن تبين مغزى مثل هذا التوجه لمستقبل المنطقة ، حيث يظل نقل المنطقة من خيار المدرسة الواقعية للعلاقات الدولية إلى بلورة سياسيات مثالية تعيد صياغة المعادلة لاستراتيجية والأمنية القائمة ، تقودها دول المنطقة ، هو المنهج الأمثل للخروج من الإشكاليات المتتابعة التي تعيشها المنطقة والتي هي وليد المعادلة القائمة.