أ.د. أحمد محمد وهبان

توازنات القرن الأفريقي:

كاتب الموضوع الأصلي: خالد العوهلي 411

توازنات القرن الأفريقي:
تداعيات التعاون الإسرائيلي- الكيني على المصالح العربية
د.نادية عبد الفتاح
تسبب ما تضمنه البيان الذي صدر أخيرا عن مكتب رئيس الوزراء الكيني، رايلا أودينجا، باستعانة كينيا بمساعدة إسرائيل لها في تقوية وإدارة أمنها الداخلي، وكذلك الحصول على وسائل قتالية وتدريب وحدة أمن من أفراد الجيش الكيني بمساعدة إسرائيل، إضافة إلى دعوة كينيا وإسرائيل إلى عقد تحالف استراتيجي مع إثيوبيا وجنوب السودان لمحاربة العناصر المتشددة بالدول الإفريقية المجاورة- في إثارة العديد من التساؤلات، والتفسيرات والنتائج المحتملة من خطورة عودة إسرائيل إلى أحضان شرق إفريقيا، في ظل ما تشهده المنطقة من توترات .

فالأجزاء الجنوبية فى الصومال تشهد صراعا مسلحا بين حركة شباب المجاهدين والقوات الكينية والصومالية، هذا بالإضافة إلى ضربات جوية تشنها الطائرات الكينية الحربية ضد معاقل تابعة لحركة الشباب، فضلاً عن الاستهداف الأمريكي لهذه الـمعاقل، التي تصنفها واشنطن كأحد التنظيمات الإرهابية فى العالم.

وحيث إن صراعها العسكري مع حركة الشباب فى الصومال لم يشهد تقدماً ملحوظاً بسبب عدم قدرة كينيا العسكرية على مواصلة هذا الصدام المسلح، وعليه قام رئيس الوزراء الكيني بزيارة إسرائيل، طالبا مساعدة إسرائيل له فى صراعه مع جماعة الشباب الصومالية، فقد أدى هذا الوجود الإسرائيلي فى القرن الإفريقي عبر كينيا لإثارة تساؤلات حول الأسباب التي دفعت كينيا إلى ذلك، ودلالات ذلك على التوازنات في منطقة القرن الإفريقي، وكذا الآثار المحتملة لهذا التحالف على المصالح العربية والمصرية في المنطقة.

أولا: علاقات كينية – إسرائيلية ممتدة

تعود العلاقات بين كينيا وإسرائيل إلى فترة ما قبل استقلال كينيا، حيث قامت بريطانيا فى عام 1913 بتقديم مشروع للحركة الصهيونية يقضي بإقامة وطن قومي لليهود فى كينيا، وعليه بدأت هجرة بعض الأسر اليهودية إلى المنطقة، بينما عملت الحكومة البريطانية على استقطاع مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية لصالح الأسر اليهودية التي وصلت إلى الأراضي الكينية.

إلا أن فكرة إقامة الوطن القومي اليهودي فى كينيا رفضت- بعد تداولها فى الحركة الصهيونية- كما رفضت مشاريع أخرى لإقامة “الوطن القومي” فى أوغندا وجنوب السودان، حيث تم إرساء مشروع الوطن القومي فى فلسطين.

وبعد استقلال كينيا بشهر واحد، قامت رئيسة وزراء إسرائيل– جولدا مائير- بزيارة كينيا، وكانت تلك بداية للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وترسخت العلاقة بين زعماء إسرائيل والموالين لهم من النخبة السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية فى كينيا ممن كانوا قد تلقوا تعليماً وتدريباً فى إسرائيل. هذا، وقد نشط حاخامات اليهود فى الدعوة لليهودية، مما سبب اعتناق آلاف الكينيين للديانة اليهودية، فكان لهم أثر ونفوذ سياسي قوي فى كينيا، بل وفى الدول الإفريقية المجاورة.

ولم يقتصر الوجود الإسرائيلي فى كينيا على العلاقات الدبلوماسية والسياسية فقط، بل عمدت إسرائيل إلى تشكيل محور استخباراتي- وبمعاونة إثيوبية- يمكن تل أبيب من تطويق الأمن القومي العربي والمصري. وعقب تفجير السفارة الأمريكية فى كينيا عام 1998، نشط جهاز الموساد فى العمل بكينيا تحت مبرر مكافحة الإرهاب.وقد ظلت الاستخبارات الإسرائيلية تدير عملياتها فى إفريقيا انطلاقاً من كينيا، كما يوجد عدد كبير من المستشارين والخبراء الإسرائيليين الذين يعملون فى صفوف القوات الكينية لتدريب عناصرها، ومدهم بالسلاح، خاصة سلاح الطيران .

وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية، فهناك العديد من الشركات الإسرائيلية التي تسيطر على الحياة الاقتصادية، أمثال شركة “سوليل بونيه” التي تعمل فى قطاعات تشييد المباني السكنية والحكومية، وشركة “أجريد أب”، وهي شركة متخصصة فى مجال تطوير الزراعة، وشركة “كور” التي تقوم فى إنتاج المعدات الإلكترونية والأجهزة الكهربائية والمعدنية.

وعليه، فالعلاقات بين إسرائيل وكينيا متعددة الأطر والمجالات، ويمكن فهمها فى ضوء سعي إسرائيل لخلق وإعادة توازنات جديدة فى المنطقة، عبر إيجاد قنوات للتأثير فى مواقف دول القرن الإفريقي السياسية، وربما الأمنية، من الدول العربية.

والدليل على ذلك قيام إسرائيل باستخدام صراعات المنطقة كمدخل لتفعيل نفوذها السياسي والأمني، حيث لم تكن إسرائيل بمنأى عن الصراع فى دارفور، كما لم يغب الدور الإسرائيلي عن الصراع المسلح بين جنوب السودان وشماله، والصراع بين كينيا وحركة الشباب الصومالية.

علاوة على ذلك، تعمل إسرائيل على موازنة -وأحيانا مواجهة- الأدوار الدولية الأخرى فى المنطقة كالدور الإيراني وتطوره، فى ضوء التحولات التي تشهدها دول شمال إفريقيا، خاصة بعد اندلاع الثورات العربية.

ثانيا: التهديدات المحتملة للمصالح العربية والمصرية

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الوجود الإسرائيلي فى القرن الإفريقي عبر كينيا سيؤثر حتماً فى أمن المنطقة ككل، هذا بالإضافة إلى أنه سيشكل تهديدا للمصالح الاستراتيجية للعرب- أمنياً واقتصادياً- حيث إن العلاقات الإسرائيلية بكل من كينيا وإثيوبيا معا ستجعل المنطقة ساحة للصراع بين هذه القوى الثلاث.

فالوجود “الإسرائيلي” فى كينيا – الذي يرى المحللون أنه يهدف بالأساس إلى تشكيل محور ثلاثي كيني- إثيوبي- إسرائيلي- هدفه ضرب المصالح الاستراتيجية للدول العربية، خاصة فى المجالين الأمني والمائي. ويتم التدليل على ذلك من خلال محاولة إسرائيل تهديد الأمن المائي المصري، وممارسة الضغط علي مصر، وذلك عبر اختراق ما يسمى بدول (تجمع الاندوجو) تارة، وإثارة الخلافات بين دول حوض النيل بشأن الاتفاقية الإطارية لحوض نهر النيل المعروفة باتفاقية عنتيبي تارة أخري.

وهنا، ينبغي التساؤل حول جدوى تهديد الدور الإسرائيلي فى كينيا للمصالح المصرية المائية منها وغير المائية فى منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل.وقبل محاولة الإجابة على هذا السؤال، ينبغي تأكيد أن الاتفاقيات الاستعمارية بشأن نهر النيل تنظم وتضمن مسألة توزيع حصص الموارد المائية بين دول الحوض، وكذا الالتزام بالتفاوض والتشاور بين الدول المختلفة، وحتمية موافقة مصر بشأن ما يقام من مشروعات فى دول حوض النيل بما لا يؤثر فى حصص الدول الأخرى .

وقد ظل هذا الإطار القانوني والسياسي معضدا من قبل القوى الكبرى والمؤسسات الدولية، وطريقا أمثل للتعامل بين دول حوض نهر النيل. فالمؤسسات الدولية، ومنها البنك الدولي، قد رفضت جميعاً طلبات إثيوبيا المتكررة لتمويل مشروعات سدود، من شأنها التناقض مع الاتفاقيات الموقعة بين دول حوض النيل.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه فى هذا المقام هو: لماذا تتم إثارة أمر إنشاء السدود التي تعد مخالفة للاتفاقيات الدولية؟ وهل هناك مؤشرات تشير إلى قوى خارجية تحاول إثارة أو افتعال أزمات لمصر؟. للإجابة على هذا، ينبغي تأكيد حقيقة – كثيرا ما أكدها عدد من خبراء الجيولوجيا والمياه- أن دول المنابع ليست فى حاجة إلى المياه بالشكل الذي قد يؤدي للتأثير الملحوظ فى حصة مصر من المياه، أو أن حصة مصر والسودان من مياه النيل قد تؤثر سلبا فى هذه الدول. فمياه نهر النيل لا تتسم فى كميتها بالندرة، وإنما تعاني دول المنابع وفرة تحتاج إلى مشروعات لإدارتها وضبطها.

علاوة على ذلك، فإن دول المنابع لا تحتاج المياه للزراعة، حيث إنها تعتمد فى زراعتها على مياه الأمطار بصفة أساسية، وحاجتها للمياه هي لتوليد الكهرباء وليس للزراعة، وعليه فالمياه المطلوبة لهذا الغرض لن تؤثر فى الحصة المصرية.

كما أن المواقف المعلنة من قبل دول حوض النيل الداعية إلى عدم الالتزام، ورفض كافة الاتفاقيات المتعلقة بتنظيم مسألة المياه فى العلاقات بين دول حوض النيل، لا سند لها فى القانون الدولي، وذلك لأن هذه الاتفاقيات التي أبرمت طوال الفترة الاستعمارية كانت جزءا من اتفاقيات الحدود التي لا يجوز التنصل منها بموجب أحكام القانون الدولي.

وعليه، فإذا كانت دول حوض النيل ليست فى حاجة ملحة لمياه النيل أو التأثير فى حصة مصر والسودان التي لا تسبب ضررا لهذه الدول، كما سبق الذكر، وكذا اعتبار أن مشروعات بناء السدود دون موافقة مصر تعد مخالفة لتعهدات دولية بين دول حوض النيل. بمعنى آخر، إذا كان حق مصر فى مياه النيل حقا تاريخيا مكتسباومحصنا بأحكام القانون الدولي والأعراف الدولية، ومحصنا أيضا بموانع طبيعية جغرافيةوهندسية، فلماذا تتم إثارة أمر بناء السدود من آن لآخر؟

هنا، يمكن القول إنه ولعقود طويلة، ظلت منابع النيل الإثيوبية اليد التي توجع مصر، وكثيرا ما تسابق البعض على ليها وإيلامها لصالحهم أو لصالح غيرهم أو للتأثير في مواقف مصر في بعض القضايا السياسية. فعندما شرعت مصر فى إنشاء السد العالي، بمعاونة روسية- سارعت الولايات المتحدة الأمريكية فى الرد على هذا الأمر بدراسة مشروعات لإنشاء عدة سدود على منابع نهر النيل، حيث قام المكتب الأمريكي لاستصلاح الأراضي سنة 1964 بدراسة لهيدرولوجية حوض النيل الأزرق، وانتهت الدراسة بالتوصية بإنشاء أربعة سدود على النيل الأزرق، إلا أن هذه المشروعات لم تنفذ.

ومن حين لآخر، تظهر هذه المشروعات، تارة حينما رفضت مصر والسودان توقيع اتفاقية عنتيبي، التي وقعتها دول حوض النيل – بدون موافقتهما- حيث ظهر الإعلان الإثيوبي بإنشاء سد الألفية العظيم، وتارة أخرى بالإعلان الإسرائيلي -على لسان وزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي- بتقديم مساعدات لكينيا فى مجال إدارة مياه النيل، وبناء السدود، ومجال تكنولوجيا الري والتقطير وتطهير مياه المجارى. الأمر الذي يشير إلى خطة إسرائيلية لافتعال هذا الأمر لتحقيق الطموح الإسرائيلي بالتوسع فى منطقة القرن الإفريقي ومنطقة حوض النيل، والحصول على مياه النيل لري صحراء النقب، وإعطاء إسرائيل الوقت لبسط النفوذ فى هاتين المنطقتين المهمتين، خاصة مع بدء عودة الدور المصري فى إفريقيا بعد التغييرات السياسية التي شهدها النظام السياسي المصري.

ومن ثم، يمكن تفسير ما يحدث فى إطار محاولة الضغط على صانع القرار المصري، نظرا لحساسية وخطورة ورقة المياه فى الاستراتيجية المصرية. وعليه، تظهر دلائل وجود الدور الإسرائيلي ليس فقط فى محاولة الإسهام غير المباشر فى إقامة مشروعات على نهر النيل دون إخطار مصر، بل واستمالة دول المنابع فى مفاوضات الاتفاقية الإطارية للقيام بتعديلات بشأن استغلال المياه، تضر بمصلحة مصر المائية، وكذلك فى تأجيج الصراع حول المياه بين دول حوض النيل، عبر الاستفادة من نفوذها الكبير فى دول مثل إثيوبيا وكينيا ورواندا، والاستفادة من دعم الولايات المتحدة فى المنطقة.

وأخيرا، يمكن القول إن إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية- منخلال مشاركة إسرائيل فى تنفيذ الأهداف الأمريكية- تعمل على تعزيز تحركاتها في منابع نهر النيل وشرق إفريقيا، لاسيما المتعلقةبمواجهة الحركات الإسلامية فى إفريقيا، واحتواء السودان والنفوذ الإيراني.

ولذلك، تحاول إسرائيل الإسهام فى إعادة ترتيب الأوضاع فى هذه المناطق الحيوية للسياسة الأمريكية فى القارة تحت المظلة الأمريكية فى مواجهةالنفوذ الفرنسي، مع العمل على دعم السياسة الأمريكية التى تعطى أولوية قصوى لدولمنابع النيل، مع التركيز على ما يعرف بمجموعة القادة الجدد الذين ترعاهم السياسة الأمريكية، وهم زعماء أوغندا، ورواندا، وإثيوبيا، وإريتريا، والكونغو الديمقراطية،وكينيا، وتنزانيا، والجيش الشعبى لتحرير السودان.وقد نجحت السياسة الإسرائيلية فىتحقيق نجاح جزئى فى الحصول على تأييد الدول الإفريقية لمواقفها فى المحافل الدولية، لاسيما تلك المتعلقة بقضايا الصراع العربى- الإسرائيلي.

Leave a Comment