أ.د. أحمد محمد وهبان

الثورة المصرية والتحديات الراهنة

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

ككل الثورات‏,‏ طريق الثورة المصرية ليس بالضرورة ممهدا‏,‏ أو مفروشا بالورد‏,‏ ولكنه طريق متعرج يصعد حينا ويهبط حينا آخر‏,‏ يزخر بالتحديات تارة‏,‏
وبإمكانات التجاوز تارة أخري, وفق درجة وعي الثوار وتنظيمهم وتطور الواقع وآلية النقد والمراجعة والتقويم.
الفارق بين الزمن العادي والمألوف والزمن الثوري الاستثنائي, يكمن في أن المواطنين في هذا الأخير, يستوعبون ويتعلمون بدرجة تفوق كثيرا, ما يمكنهم أن يستوعبوه ويتعلمونه في الزمن المألوف والعادي, ما يتعلمه المواطنون في الزمن الثوري في عام قد يفوق بعقود ما يمكن أن يتعلموه في الزمن العادي, وذلك بسبب اختلاف طبيعة اللحظة الثورية وقدرتها علي استدعاء الطاقات واليقظة والتغير النوعي في الوعي والاستجابة.
لقد فهم المصريون ــ أو أغلبهم علي الأقل ــ طبيعة وأبعاد التوجهات الإخوانية داخليا وخارجيا, وبسرعة تفوق التخيل, عرفوا واستوعبوا طبيعة الإخوان وسياساتهم وتحيزاتهم, في عام واحد بأكثر بكثير مما عرفوه واستوعبوه عن حركة الإخوان المسلمين طيلة خمسة وثمانين عاما.
ومع ذلك فإن سقوط حكم الإخوان ليس نهاية المطاف, كما أنه ليس نهاية الثورة, هو خطوة في ذلك الطريق المتعرج, الذي يكفل السير فيه مواجهة التحديات التي تواجه الثورة ومآلها.
أول هذه التحديات هو بناء وتأسيس دولة القانون, التي تكفل المواطنة والمساواة واحترام أحكام ومبادئ القانون والقضاء, ويعني ذلك في السياق الحالي في مصر وعقب فض اعتصامات رابعة والنهضة وانطلاق العنف الإخواني والإرهابي ضد الدولة ومؤسساتها وضد المواطنين, أن دولة القانون لا تمارس الانتقام أو التشفي في الخصوم السياسيين, أيا كانت أخطاؤهم, كما أنه لا يجوز لدولة القانون أن تحاكي خصومها في ممارسة العنف فهي تحتكر العنف الشرعي والقانوني في مواجهة من تبني العنف والإرهاب وارتكب جرائم تقع تحت طائلة القانون, كما أنه لا ينبغي للدولة والإعلام التابع لها أو الخاص التدخل في التحقيق بعد القبض علي المتهمين, وإذاعة اعترافاتهم وأجوبتهم علي أسئلة التحري والبحث والتحقيق, فثمة شبهة للتأثير علي القضاء والأحكام والاغتيال المعنوي للمتهمين الذين لم تثبت بعد إدانتهم.
أما ثاني هذه التحديات التي تواجه الثورة فتتعلق بالنظام الاقتصادي والاجتماعي القائم, تشابكات ومصالح النخب المختلفة من رجال الأعمال وبيروقراطية الدولة والرأسماليين ذوي الدخول الريعية والطفيلية, فهذا التشابك لايزال قائما رغم موجات الثورة المتعاقبة, وقد عزز بقاء واستمرار هذا النظام أن الشعارات التي رفعتها الثورة لم تكن معرفة بدقة وكان من السهل علي هذه الفئات المتنفذة, أن تتأقلم مع شعارات الثورة وأن تتكيف معها وتجاري تطلعات الثوار والمواطنين التي لم تترجم في برامج اقتصادية واجتماعية واقعية وملزمة.
غموض وعمومية الشعارات التي طالب بها الثوار والمواطنون والثورة وعدم ترجمتها في الواقع إلي برامج اقتصادية واجتماعية ثورية ومحددة هو الذي فتح الباب لنخبة النظام السابق علي ثورة25 يناير عام2011 خاصة نخبة رجال الأعمال والمال لاستعادة نفوذها القديم في بنية الاقتصاد, كما أنه أيضا سهل انخراط نخبة رجال الأعمال المنتمين للإخوان في مرحلة ما بعد الثورة.
أما ثالث هذه التحديات فيتمثل في التشتت التنظيمي للقوي الثورية والوطنية والشعبية وعدم انخراط القوي الثورية والسياسية الجديدة في بناء منظمات ذات قواعد شعبية عريضة راسخة في مختلف المدن والأقاليم المصرية في الريف والحضر وتركز غالبية الفاعليات السياسية والتنظيمية في المراكز الحضرية الكبري القاهرة والجيزة والإسكندرية. ويفاقم من هذا التحدي الوضع الناشئ عقب الموجة الثورية الثانية في30 يونيو وما رافقها وأعقبها من إزاحة الإخوان وتغييبهم من المشهد السياسي, إذ يلقي ذلك مسئولية نوعية علي القوي الوطنية والثورية لملء هذا الفراغ التنظيمي أي بناء منظمات حزبية تكفل الفوز في الانتخابات المقبلة النيابية والرئاسية.
ولا شك أن هذا التشتت التنظيمي للثوار والقوي الثورية والوطنية يعود ضمن أسباب أخري إلي السقوط السريع والمدوي إن للنظام السابق علي الثورة ـ أي ثورة25 يناير عام2011 ـ أو سقوط نظام الإخوان وانهياره في أيام معدودة, ففي الحالتين لم تتح الفرصة للثوار لتنظيم أنفسهم وإيجاد وصناعة منظمات بديلة, هذا بافتراض وجود هذه النية وانعقاد العزم علي ذلك, الانهيار السريع لم يتح الوقت للتفكير في ذلك وهو الأمر الذي يفسر أن الثوار لم يحكموا حتي الآن بل لم يشاركوا بفاعلية في إدارة نظام ما بعد الثورة بموجاتها المتعاقبة حتي لو فوضوا وزكوا آخرين للمشاركة باسمهم.
ولا شك أن التشتت التنظيمي لقوي المعارضة ونخبها وعدم قدرتها علي بناء منظمات حزبية قوية ذات جذور في الواقع السياسي المصري بمحيطه الجغرافي الممتد, كان هو السبب في التطلع إلي استدعاء دور الجيش والقوات المسلحة المصرية بمكانها وتأثيرها في العقل الجمعي للمصريين وعلاقتها التاريخية بمختلف مراحل تطور الحركة الوطنية المصرية, حيث أدركت قيادة المؤسسة العسكرية بحسها وخبرتها ووطنيتها عجز البنية التنظيمية للمعارضة الوطنية والشعبية وقصورها عن إنجاز مهمة إسقاط نظام الإخوان بمفردها.
ولا شك أن استمرار الوضع علي ما هو عليه حتي الآن ـ أي ضعف البنية التنظيمية للمعارضة والقوي الوطنية في النظام ـ يمثل خطرا مزدوجا, بمعني أنه في أي انتخابات مقبلة تشريعية أو رئاسية لا يمكن ضمان فوز القوي الوطنية فيها بالأغلبية دون منظمات قوية وجماهيرية في أعماق الوادي والدلتا, خاصة أن خطر انبعاث قوة الإخوان تحت مسميات حزبية جديدة وفق ما يتم إقراره من قوانين وقواعد للممارسة السياسية الجديدة لا يزال قائما, ذلك أن التوجه الحالي لنظام ما بعد30 يونيو لا يتبني بالضرورة سياسة اقصائية بقدر ما يتبني هذه السياسة في مواجهة مرتكبي جرائم العنف والترويع والمحرضين عليها وهم فئة ليست كبيرة مقارنة بالقاعدة العريضة للإخوان في القري والمدن. من ناحية أخري فإن استمرار ضعف القوي الوطنية والشعبية بمختلف تنويعاتها القومية واليسارية والليبرالية سيعزز نوعا من التواكلية والاعتمادية لاستدعاء القوات المسلحة باعتبارها المنقذ والمخلص, وهذا الأمر وإن كان مطلوبا وبقوة في عهد الإخوان ولإسقاط نظام الإخوان فهو ليس مطلوبا بذات القوة في مرحلة استكمال البناء الديموقراطي وإعادة التأسيس الثانية للجمهورية الثانية التي بدأت منذ30 يونيو الماضي.

Leave a Comment