تمصير الإسلام السياسي هو الحل
كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332
ما إن ظهرت خريطة الطريق عقب الموجة الثانية لثورة الخامس والعشرين من يناير عام2011 في الثلاثين من يونيو عام.2013
حتي ظهر بند المصالحة الوطنية كأحد أهم بنودها الذي يحظي ولايزال بالنقاش والجدل ومع احترامي لكل القائلين بالمصالحة الوطنية من الساسة والمسئولين فإن خطاب المصالحة حتي الآن لم يستوعب بعد بالكامل الرسالة التي حملتها الموجة الثانية للثورة التي تلخصت ودون لبس في رفض حكم جماعة الإخوان المسلمين ورفض إقحام الدين في السياسة باعتبار أن كلا من الدين والسياسة له مجاله الخاص وطبيعته الخاصة, وخلط الأمرين معا يفسد كليهما, ويفضي إلي الانقسام والطائفية ويلحق الضرر بمبدأ المواطنة والمساواة وهما أساس أي ديمقراطية ناشئة أو عريقة.
في تقديري أن العلاج الممكن- إن لم يكن الوحيد- للمصالحة الوطنية في الظروف الحالية والمستقبلية لا يتأتي إلا عبر ما يمكن أن نسميه تمصير حركة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي عموما, وبالتأكيد فإن التمصير الذي نقصده هو عملية ثقافية فكرية سياسية تتوزع أعباؤها بين الدولة والمجتمع وحركة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي تهدف إلي إدماج الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي في إطار الوطنية المصرية وقيمها ومرجعياتها عبر تطورها التاريخي.
لقد ناصب الإسلام السياسي وفي مقدمته حركة الإخوان المسلمين الدولة الوطنية بمؤسساتها الحديثة العداء, لأنها لا تحكم بالإسلام والشريعة, ولأن الإسلام السياسي يتبني نهج الأممية الإسلامية والخلافة ولا يعترف بالحدود الوطنية للدول الحديثة.
وتفسر هذه النظرة سر التوجس من الدولة الوطنية لدي دوائر الإسلام السياسي وتوجس الدولة الوطنية من صعود هذا التيار وقاد هذا التوجس المتبادل إلي استحكام العداء بينهما وتبني العنف من كليهما إزاء الطرف الآخر.
بصعود الإخوان والإسلام السياسي إلي الحكم بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير, وجد هذا العداء والتوجس المحبوس والمكتوم الطريق إلي حيز الواقع, حيث ناصب الإخوان المسلمين مؤسسات الدولة الوطنية المصرية العداء سواء تمثل ذلك في العداء للجيش أو مؤسسة القضاء أو الإعلام أو الأجهزة الأمنية, كان هم الإخوان في المقام الأول إما تفكيك وإضعاف هذه المؤسسات- وذلك في أضعف الأحوال- أو تطويع هذه المؤسسات لسياساتهم وأهدافهم تلك السياسات والأهداف التي تتجاوز المصلحة الوطنية وحدود الدولة لتصب في إطار إقليمي أوسع وفضاء يفترض أنه إسلامي.
ابتعدت حركة الإخوان المسلمين عبر تاريخها عن المجري العام للحركة الوطنية المصرية ونضالاتها ضد الملك والقصر والاحتلال تحت شعار الجلاء والدستور ولم تنظر بعين الارتياح للنضال الوطني المصري لتأسيس الحالة الوطنية المصرية وترسيخ مبادئ الوطنية المصرية الحديثة, وانتهجت في تربية وإعداد أعضائها وقادتها منهجا مغايرا للوطنية المصرية يعتمد علي فهم وتصور حركة الإخوان للإسلام باعتبار الإسلام مناقضا للوطنية والدولة الوطنية وليس إطارا جامعا للحالة الوطنية, في اعتصام رابعة العدوية غير السلمي ظهر موقفان بارزان أحدهما قبل الثلاثين من يونيو والثاني بعد هذا التاريخ أما الأول فقد عبر عنه أحد قياديي الإخوان محمد البلتاجي حيث قال ما معناه مخاطبا خصومه لقد تركناكم60 عاما تحكمون فجئتم بنكسة1967, أما الموقف الثاني فقد عبر عنه أحمد عامر حيث طالب هذا الأخير جمهور المعتصمين باستبدال علم مصر بعلم آخر ويعبر كلا الموقفين عن الموقف العدائي للإخوان من الوطنية المصرية, فالموقف الأول يتبني صيغة خطابية تتمحور حول نحن وهم نحن الإسلاميين ومؤيديهم في مواجهة هم أي أعضاء المعسكر الآخر أي خصوم الإخوان من اليساريين والليبراليين والعلمانيين, وهي صيغة تعني أن ثمة فريقين متعارضين أو إن شئت شعبيين كلاهما في مواجهة الآخر, والأهم من ذلك أن الإسلاميين وهذا ما عناه صاحب هذا الموقف لم يكونوا معنيين بالهزيمة ولم يتأثروا بها لأن من وقعت الهزيمة علي يديه لم يكن منهم, وكأن الهزيمة لم تكن لمصر كلها بمختلف فئاتها وطبقاتها, إن هذه الصيغة أي نحن وهم تطرح عادة في مواجهة الغرباء والأجانب أو الغرب عموما وقد يكون لها ما يبررها أما استخدامها في حالة الحديث عن مصر وبين فريقين من المصريين مختلفان سياسيا, فأمر يجد تفسيره في القطيعة النفسية والفكرية التي يحرص الإخوان علي تأكيدها والتي تميزهم في مواجهة الآخرين.
أما الموقف الثاني فيعبر عن احتقار كافة الرموز الوطنية ومن بينها العلم المصري, الذي ارتبط بالدولة الوطنية الحديثة وخاض المصريون حروبهم في مواجهة عدوهم تحت هذه الراية وبالطبع من يريد تجاهل العلم يريد أيضا ولا يعترف بالنشيد الوطني أو رموز الوطنية المصرية من أحمد عرابي ومصطفي كامل مرورا بمحمد فريد وسعد زغلول ومصطفي النحاس وعبدالناصر, كما يرفض أيضا القيم التي ضحي من أجلها هؤلاء قيم التضحية وحب الوطن والإخلاص له تلك القيم التي تؤسس مرجعية الوطنية المصرية.
وبناء علي ذلك فإن تمصير الإخوان يعني بداية اعتراف الإخوان بالوطنية المصرية بحدودها الرمزية والجغرافية والسياسية والقيم التي تأسست عليها وبدء صفحة جديدة تعيد دمج تاريخ الإسلام السياسي وحركة الإخوان ضمن أفق الوطنية المصرية الحديثة وما يتضمنه ذلك من ضرورة الاتفاق حول معالم الدولة الوطنية المصرية الحديثة وتميز الوطنية المصرية والدولة الوطنية والمصلحة الوطنية عن ماعداها من الدعوات الأممية الدينية وغير الدينية التي تتجاوز حدود الدول والأوطان وذلك لا يعني إنهاء أشكال وأساليب التضامن الدولي المعترف به والمتبادل بين الدول إسلامية أو غير إسلامية في حالة الكوارث والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو ارتكاب جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
ومن الطبيعي أن ذلك لا يتأتي عبر الاعتراف به شكلا أو علي الورق والوثائق ولكن ينبغي أن يترجم هذا الاعتراف في تبني واعتماد نظم جديدة في الثقافة والتربية العقائدية والتنظيمية عبر بلورة اجتهادات وإضافات وإضاءات جديدة تصب في تعزيز الثقافة الوطنية وتحقيق التجانس والتلاحم بين مكوناتها الدينية والوطنية وجسر الهوة التي تفصل بينهما.
ويضاف إلي ذلك ضرورة أن يتوافق تعامل الإخوان والإسلام السياسي مع الدين بطريقة تقترب إن لم تكن تتلاءم مع نمط التدين لدي الغالبية من المصرين.
وكما يتحمل الإخوان المسلمون الجزء الأكبر من مسئولية تمصير توجهاتهم وأهدافهم فإن الدولة والمجتمع بدورهما لهم نصيب من هذه العملية, عبر إرساء قواعد الديمقراطية والانتقال الحقيقي لدولة القانون والمواطنة وإدارة الحوار والمصالحة علي قواعد سياسية ومجتمعية مقبولة وحاسمة ومجردة.
يسلمو ع النقل ..