أ.د. أحمد محمد وهبان

الحرب والسياسة ومنطق الصراع في لعبة الأمم

كاتب الموضوع الأصلي: فلاح السهلي 1

لعل مسألة الحرب من الإشكاليات الهامة التي نالت اهتمام الفلاسفة والمفكرين، وكذلك الزعماء والقادة في جميع العصور التي شهدتها البشرية…

وتعود هذه الأهمية لعدة اعتبارات، من ضمنها أن الحرب تعد العامل الرئيس، أو الحاسم، في إعادة تشكيل العلاقات بين الشعوب أو الدول أو الحضارات..

ذلك أن الحرب، كما يصفها الفيلسوف الإغريقي “هراقليط” (Héraclite)، هي أم جميع الأشياء، “فهي تجعل من بعضهم آلهة، ومن آخرين عبيدا أو رجالا أحرارا”.

ومن ثمة سوف يكون من الصعب، فهم طبيعة الصراعات بين الأمم، سواء في الحقب الموغلة في القدم أو في العصور الحديثة، إذا لم نفهم الأسباب الكامنة وراء قيام الحروب ودوافعها …

ولا ريب أن الطبيعة المعقدة للمجتمعات البشرية، جعلت ظاهرة الحرب من مظاهر الاجتماع والعمران الجديرة بالتأمل والدراسة، لأنه بالحرب، تثبت الحضارات أو تزول.

ونظرا للدور المحوري للمعارك، في تشكل أبرز المعالم التاريخية، وكذلك لكون جل الصراعات بين المجتمعات عبر العصور، تقوم على الحروب، من أجل التحكم والسيطرة والاستحواذ على مقدرات العالم وثرواته .. حيث أكد الفيلسوف أرسطو في كتابه السياسة (Les politiques)، بأن فن الحرب مهارة طبيعية للسيطرة والتملك…، فإن التاريخ تصنعه المعارك الكبرى، فالحرب إذن ثقافة ومهارة قتالية، لهذا لابد من إدراك أبعادها العميقة، حيث حظيت بالاهتمام من جانب المؤرخ وعالم الاقتصاد وعالم الاجتماع.

وقد اهتم عالم الاجتماع الفرنسي (جاستون بوتول) (Gaston Bouthoul) بالموضوع من زاوية التأسيس لعلم اجتماع الحرب (Polémologie)، وهو علم يتناول الحرب كظاهرة اجتماعية، سواء من حيث أشكالها، وآثارها ووظائفها ..، ولابد من أن نميزه عن علم الحرب الذي يدرس في المدارس العسكرية ..

فعلم الحرب الاجتماعي، يدرس الحرب باعتبارها ظاهرة اجتماعية، لتحديد أسبابها ووظائفها، وبالتالي فإن الدراسات الخاصة بالحرب (War Studies)، وكذلك المباحث الاجتماعية للحرب (Etudes Polémologiques)، تسعى إلى الإحاطة بالموضوع من كل جوانبه وزواياه المتعددة، بغية فهم تأثيراته وتحديد أبعاده ..، ولكن لابد من التأكيد على أن الحرب صراع سياسي بالدرجة الأولى، بحيث تتداخل في هذا الصراع السيناريوهات العسكرية والأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أو القومية (Scénarios socio-politico-nationnalo-militaries).

ويكشف لنا الدكتور إسماعيل صبري مقلد في كتابه (الإستراتيجية الدولية: المفاهيم والحقائق الأساسية)، عن بعض خصائص الفكر الإستراتيجي، فيرى “أن النظريات الإستراتيجية تعددت وتعقدت إلى الحد الذي أصبحت معه مزيجا متداخلا من الآراء والتصورات لكل منها مقوماته ومبرراته، ومن أمثلة هذه النظريات نظرية الحروب الإستراتيجية العامة، والحروب التكتيكية الصغيرة ونظرية الردع، ونظرية التصعيد ونظرية الحروب الوقائية وحروب الاستنزاف ونظرية الحروب الدعائية والحروب النفسية ونظرية الصراع الممتد، ونظرية الاحتواء ونظرية توازن الرعب النووي”.

إن أهم ما يميز هذه المفاهيم، أنها تعبر عن حقيقة العلاقات الدولية السائدة..

ولكن لفهم مضامين هذه المفاهيم الإستراتيجية، وما تنطوي عليه من خطط وأهداف، نتعامل مع حقائق القوة في المقام الأول، وما يترتب عنها من قوى ومصالح وحقائق وأوضاع تدول، ما دامت موازين القوى صلبة ومتماسكة ..

عندما تختل الموازين، وتتغير العلاقات، فإن موازين قوى جديدة تنتصب وأوضاع جديدة تتشكل ومصالح تتوزع … ولفهم هذه السيرورة، لابد من العودة لمفهوم الحرب لمعرفة مدى مساهمة عامل “القوة” في حسم الصراعات بين مختلف الجماعات البشرية عبر العصور المتطاولة ..، ثم لابد كذلك من أن ندرك ونعي أن مفهوم الحرب، عرف تطورا كبيرا ودخل في منظومة المعرفة الإستراتيجية أو الفكر الإستراتيجي الذي يحدد الطريقة التي تصاغ بها السياسة الرشيدة، وأيضا كيف تستخدم الدولة قوتها العسكرية لتحقيق أهدافها ..، وفي هذا الصدد يرى أكبر فلاسفة الحرب في العصر الحديث “كارل فون كلاوزفتز” (Von Karld Clausewitz)، بأن الإستراتيجية هي فن إعداد المعارك ووضع الخطط العامة للحرب، لأن الحرب هي فن استخدام القوة للوصول إلى أهداف سياسية…

لقد عرف العالم القديم حروبا فظيعة ومهولة يتم فيها استعباد الشعوب المهزومة.. وقد وصفها المؤرخ “توسيديد” (Thucydides)، بأنها هم لا يزول وغم لا نهاية له.

وقال “هيرودوت” عن الحرب الفارسية اليونانية، بأنها أحلت ببلاد اليونان مصائب أكثر مما حل بها خلال العشرين جيلا ..

وترجع أسباب قيام الحروب في العالم القديم إلى اضطراب النظام السياسي، وكذلك إلى الفوضى التي كانت تعم العالم ..

– في الألف الثالث (ق.م)، كان هناك عدد من الدول الصغيرة المتحضرة، وفي نفس الوقت عدد كبير من الإمبراطوريات.

– أما في الألف الثاني (ق.م)، فكانت هناك العديد من الإمبراطوريات.

– في الألف الأخيرة (ق.م)، نجد العديد من المدن الإغريقية الصغيرة، بينما في الشرق الأوسط إمبراطوريات واسعة الانتشار ..

وفي جميع الحالات، لابد من القوة العسكرية لحماية استقرارها السياسي، وعندما يغيب التوازن تنشب الحروب وتسود الفوضى..

وقد ظلت المدن اليونانية (City State) حريصة على حريتها واستقلالها وممارسة سيادتها على أراضيها، كما أنها حاولت أن تكون مكتفية اكتفاء ذاتيا وقد أدت غيرة الدويلات اليونانية وشدة تمسكها بهذه المبادئ إلى وجود نوع من الفوضى السياسية، ذلك أن بلاد اليونان كانت مكتظة بالدويلات المتجاورة وكان أقل احتكاك بينها يؤدي إلى اندلاع الحرب، وكان سبب الخلاف دائما هو أما النزاع على الحدود، أو على بعض الأراضي الزراعية …

وغالبا ما كانت تتدخل “قوة أجنبية” متحالفة مع مدينة إغريقية ضد أخرى ..، ومن هنا فإن الدويلة القديمة، تحولت إلى آلة حرب دائمة، لأنها ترفض التنازل عن أي شرط من الشروط المتمثلة في (الحرية والسيادة والاكتفاء الذاتي) فالشعوب كانت تتمسك بالحكم الذاتي لأن التجارب تظهر أن المدن، ما كانت تستطيع أن توسع من ممتلكاتها، أو تزيد من ثرائها إلا إذا كانت مستقلة.

وقد أدى اندلاع الحروب واتساع رحاها، إلى سقوط الدول وزوالها.

وكان أسلوب الإمبراطوريات، أشد قسوة وأكثر تخريبا ..، فالإمبراطوريات كانت تقوم بضم الدول المغلوبة، ومن ثم إزالتها من الخريطة، وتحطيم هويتها. وتعليقا على هذا الأسلوب الشرس الذي يعتبر السمة البارزة لجميع الإمبراطوريات عبر التاريخ يرى المؤرخ البريطاني الشهير “أرنولد توينبي” صاحب كتاب (تاريخ البشرية)، بأن وحشية العسكرية الأشورية حكمت على الإمبراطورية الأشورية بالموت المبكر ..، وقد نشب نزاع حاد بين البابليين والمصريين على إسلاب الإمبراطورية الأشورية ..

أما الإمبراطورية الفارسية، فقد وقعت بكاملها تحت سيطرة (إسكندر المقدوني)، وبعد وفاته سنة 323 ق.م شبت صراعات وحروب ضارية بين خلفائه لتقطيع ملكه، وقد استمرت حروب خلافة الإسكندر أربعين سنة، سادت فيها فوضى سياسية عارمة، .. مما أدى إلى دخول العالم القديم من الهند غربا إلى حوض البحر المتوسط الغربي في حقبة الصراعات المدمرة …

ومن خلال الصراعات على ضفاف البحر المتوسط، سوف تبرز روما كقوة صاعدة سيكون لها شأن تاريخي عظيم …

لقد ظهرت “روما” كقوة عظمى في الحرب الرومانية القرطاجنية بين (264 و241 ق.م)، حيث جندت الأساطيل والجيوش على نحو لم يسبق له مثيل في تاريخ الحرب في حوض البحر المتوسط ..، وانتهت هذه الحرب الكبرى باستيلاء روما على صقلية، وكامل شبه الجزيرة الإيطالية، وكان من نتائج هذه الحرب أن أصبحت “روما” القوة البحرية النافذة، في الحوض الغربي للبحر المتوسط ..

لقد عمدت “روما” إلى تمزيق عالم البحر المتوسط، ثم أعادت بنائه ووفقا لشروطها ومصالحها ..، الأمر الذي مهد (ليوليوس قيصر) بتأسيس الإمبراطورية الرومانية التي قامت ببسط سيطرتها على أرجاء واسعة من العالم القديم شرقا وغربا، وذلك بالاعتماد على قوتها العسكرية ..، وحول الطريقة التي اتبعها الرومان في حروبهم يرى “نيقولا مكيافيلي” (Nicolas Machiavel) في كتابه “المطارحات” (Discours)، أن الرومان لم يشتبكوا قط في حربين كبيرتين في آن واحد وأن حروبهم تميزت بطابع الإمتزاج بين الحظ والشجاعة والروية، وذلك في أوسع الحدود، وأعلاها، ولو لم تكن شجاعتهم من طراز رفيع للغاية لما تمكنوا من التغلب على الأوضاع التي واجهتهم في جميع أنحاء العالم.

ويرى (مكيافيلي) أيضا، أن الرومان اتبعوا في حروبهم طريقة مخالفة للأساليب المعروفة والمعهودة بحيث كانت الطريقة الجديدة في شن الحروب تستهدف الفتح أو المجد فإما الحصول على شيء ما، أو الحفاظ على ما كسبوه، وكانت حربهم قصيرة ساحقة تجنبا للخسارات الكبيرة والإنفاق الكثير، الأمر الذي يؤدي إلى إنهاء الحرب، وإقامة الصلح حسب شروط المنتصر.

كانت روما تخوض الحروب من أجل حماية مصالحها أو حماية حلفائها وقد جعلوا من السيف وسيلتهم لقهر خصومهم ويقول المؤرخ تيت ليف (Tite Live)، إن هناك ثلاثة أمور ضرورية للحرب، وهي وفرة الجنود البواسل وحكمة القادة وحسن الطالع.

ذلك أن الحرب تنشب إما من أجل قيام الإمبراطورية وإما عن طريق الاجتياح، بهدف الاستعمار ونهب خيرات الشعوب أو طرد أصحاب الأرض أو إبادتهم.

ومن هذا المنطلق، فإن “تيت ليف” يضفي الشرعية على ظاهرة الحرب، بقوله: “إذا كانت الحرب ضرورية فهي عادلة ..”.

إلا أن الحرب في الحقيقة وسائل وأهداف، وبالتالي في الحالة التي تكون الأهداف دفاعية تصبح الحرب وسيلة بين وسائل عدة، وهي أيضا وسيلة لتحقيق الأهداف الموضوعية للسياسات المقررة ثم إن المسألة في جوهرها يمكن تحديدها في العلاقة الجدلية بين السياسة والحرب، وهذا ما يقودنا إلى التطرق إلى الرؤية المستقبلية للحرب كظاهرة اجتماعية بحثا عن فهم أدق للظاهرة من خلال التركيز على الأساليب، والأدوات، والإمكانيات.

وفي هذا المجال، نعرض لوجهة نظر الباحث الأمريكي في الدراسات المستقبلية (الفين توفلز ALVIN TOFFLER)، التي ضمنها كتابه الحرب ونقيض الحرب (War And Anti War)، والذي شاركت معه زوجته “هايدي Heidi” في تأليفه ..

يرى المؤلفان أننا مندفعون نحو عصر مظلم، تملؤه أحقاد قبلية، وأحزان عالمية، وحروب تلد حروبا ..، ومن ثمة لابد من خلق الظروف التي تعرقل الحرب أو تحد من قيامها، وقد تكون الحرب ذاتها، أداة لمنع حرب أكبر، أو دمارا أما نقيض الحرب فيتضمن الاستخدام الإستراتيجي، للقوى العسكرية والاقتصادية والمعلوماتية، لتقليل العنف، الذي يرتبط بما يحدث على المسرح العالمي.

ويقول إن هناك اقتصادا جديدا يرتكز على المعرفة يطل علينا الآن .. وهذا التغير في اقتصاد العالم، سيؤدي إلى ثورة موازية، في طبيعة الحروب، الأمر الذي يتطلب أيضا ثورة في أدوات السلام ..

ويستخدم المؤلفان مصطلح “الموجات”، لتفسير الصراعات التي تشهدها مختلف الحضارات ..

ويريان أن الحضارة هي جملة من العوامل تضم التكنولوجيا، الحياة العائلية، الدين، الثقافة، السياسة، شؤون الأعمال، السلطة، القيم، الأخلاقيات الجنسية، المعرفة، وثمة تغيرات سريعة وجذرية تحدث الآن في كل هذه المجالات بلا استثناء، ولابد من التأكيد بأن لكل حضارة متطلباتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية ..

– حضارة الموجة الأولى توفر الموارد الزراعية والمعادن

– حضارة الموجة الثانية توفر العمل الرخيص والإنتاج المكثف.

– حضارة الموجة الثالثة تبيع العالم المعلومات، والأفكار، والإدارة، والثقافة والتكنولوجية المتطورة، وبرامج التعليم، والتدريب والرعاية الصحية والخدمات المالية وأيضا الحماية العسكرية.

إن الثورة المعلوماتية ستؤدي إلى تغير قواعد “اللعبة” ذاتها، وكذلك أدوات تنظيمها ومبادئها وتكتيكاتها ..

لقد بلغت الحرب حدودها القصوى، بمعنى القدرة على القتل، والسرعة التدميرية لأدوات الحرب، وهذا التغير الخطير في طبيعة الحرب مع بداية حضارة الموجة الثالثة (ما بعد الصناعية)، سيؤدي إلى تغيرات كبرى على كافة المستويات: التكنولوجية، والثقافية والإستراتيجية.

والثورة الزراعية أدت تكوين مجتمعات مستقرة، وبدأت تظهر الأفكار الاجتماعية، وأهمها “فكرة الحرب”، لأن الزراعة مكنت المجتمعات من إنتاج فائض اقتصادي يمكن الصراع حوله ..

كانت الحرب قبل الثورة الفرنسية صراعا بين حكام، فأصبحت بعدها صراعا بين شعوب ودول، ثم إن التصنيع أدى إلى تطوير الأسلحة وإلى تحسين الموانئ ومخزون الطاقة والاتصالات، مما وسع دائرة العمليات العسكرية ..، كان هدف الحرب هو تحطيم العدو في ساحة المعركة، فأصبح كل شيء هدفا حربيا ..

وقد أدرك العديد من المفكرين، مع بداية حضارة الموجة الثالثة، أن السباق على التسلح وصل إلى أقصى مداه، من حيث القدرة التدميرية للأسلحة، بما في ذلك السلاح النووي .. وأصبح المطلوب ثورة حقيقية في التفكير العسكري، تستجيب لمتطلبات الموجة الثالثة، باستخدام المعرفة استراتيجيا ..

فتدفق الأفكار الجديدة، وتزايد عدد المنتوجات، وتنوعها يتطلب بالضرورة صورا جديدة من القيادة ونظاما متطورا للتعامل الجهازي، وإنشاء شبكات الكترونية أفضل وأسرع، تكلف بلايين الدولارات …

إن اقتصاد السرعة، يقوم على الأدوات الذكية، وينتج أسلحة ذكية، وكما يتطلب الاقتصاد “الذكي” عمالا أذكياء، فإن السلاح الذكي يحتاج إلى جنود أذكياء ..

الأقمار الصناعية من ضمن الأدوات الذكية التي كثر استخدامها في الحروب من أجل تحريك وتوجيه القوات، والتقاط الصور وتجديد المواقع، وكشف الاتصالات الإلكترونية ..

وباختصار فإن تكنولوجيا الفضاء، أصبح لها دورا رئيسيا، في كل نشاط، مما أدى إلى تغيير موازين القوى العسكرية .. وبالتالي فإن من يحكم القمر يهيمن على الفضاء حول الأرض ويتحكم في النظام الأرض-قمري ..

إن الدراسات المستقبلية تؤكد أن العالم يتجه إلى الاعتماد الكامل على التكنولوجيات الجديدة، الأمر الذي ستترتب عنه ثورة في مجال الإستراتيجيات العسكرية مما سيؤدي إلى قلب موازين القوى العسكرية ويدفع بالصراع إلى دائرة المعرفة التنافسية.

إن العالم بالفعل يتوجه إلى عصر سوف تكون فيه الحرب محدودة وخاطفة، ولكنها في نفس الآن قاسية ومدمرة، وعلى الفكر أن يبحث في ضوابطها الأخلاقية والشرعية والحقوقية من أجل معالجة آثارها ودفع أسبابها..

وحول علاقة الحرب بالأخلاق، يقدم لنا الأستاذ (محمد حسنين هيكل) في كتابه “زيارة جديدة للتاريخ”، وجهة نظر القائد البريطاني الشهير المارشال “برنارد مونتجيمرى”، فهو يرى أن أخلاقية الحرب هي التي تصنع مشروعية الحرب، فلا بد من وجود حقوق مشروعة للدفاع عنها لا تستطيع أن تشن الحرب، لمجرد أنك رفعت العلم وطلبت من الأمة أن تتبعك، فالحماسة بنت لحظتها والحرب ليست حالة نفسية، وإنما هي عبء طويل ممتد لابد أن يتقبله الناس وأن يضحوا في سبيله، ولن يفعلوا إلا إذا آمنوا بوجود حقوق مشروعة .. ويضيف بأن التاريخ مليء بحروب خاسرة ضاعت، لأن الذين شنوها عجزوا عن تقديم أسباب مشروعيتها لشعوبهم، ويقول أيضا إن الصراع على العقول، يبدأ قبل الصراع على الأرض، لأنه إذا اقتنع العقل مشى وراءه الضمير ودخلت الأمة إلى الحرب واثقة من هدفها ..

ولا بد هنا أن نميز بين الغلبة والنصر، فإذا كانت مشروعية الحرب لا تكفي لتأكيد النصر، فإن الغلبة معتمدة على القوة وحدها، لا تصنع سوى أنها تنهي قتالا لكي تفتح الباب لقتال جديد عندما يتمكن الطرف المغلوب من استرداد أسباب قوته ..

وإذا سلمنا بأن الغاية من وراء شن الحروب هو تحقيق أهداف سياسية، فإن المارشال “مونتجمري” يؤكد لنا هذه الحقيقة بقوله، إن الحرب ليست دبابات تتصادم وليست مدافع تهدر وليست جنود مشاة يحتلون مواقع، وإنما هي إرادة تعلو فوق إرادة .. وبالتالي لابد أن تكون لها مشروعيتها التي تحدد أطرها الإستراتيجية، وهي الأمن والمصالح ..

إذن فالهدف السياسي لأي حرب، هو الوصول إلى نظام للسلام يحقق الأمن والمصالح بشكل متوازي ومتوازن …

إن ما توخيناه في هذه المقاربة لمسألة الحرب والسياسة، وما قدمناه من أفكار وشروح أو طروحات، إنما أردنا من خلاله، أن نؤكد على حقيقة أساسية، وهي أن إستراتيجية الصراعات بين الأمم في العالم، تتم ضمن العلاقة المتشابكة بين الحرب والسياسة وفي إطار “لعبة الأمم”، ووفقا لمنطق جدلية الصراع الأزلية بين الدول والحضارات ..

ولعل العلم بأصولها وقواعدها، هو الذي يمكننا من النفاذ إلى لب ما يشهده عالمنا من صراعات وحروب.

Leave a Comment