لعمل التبريري للماوردي:
كاتب الموضوع الأصلي: طلال الحربي 1
ا
1- الملاحظة الأولى أن أبا الحسن كان يحرص على الوحدة السياسبية، وحدة الدولة، بكل وجه وطريق. فالإمامة لا تكون إلا واحدة في الزمان الواحد، والإمام لا يكون واحدا بالتالي ، وإمامة من عداه ساقطة شرعا. وتلك الوحدة تنسحب على المؤسسات التشريعية الكبرى ( وهذا هو الشأن في وزارة التفويض : فهي واحدة بالضرورة )، وهي تسري على كل مظاهر الحياة الدينية والاجتماعية كما هو الشأن في الصلاة الجامعة: ” لا يجوز أن يقام في المساجد السلطانية جماعتان في الصلاة واحدة” – بل وإن الماوردي ليحرص على تحقق تلك الوحدة حتى في المظاهر والرموز التي تعبر عنها : ” ولبس السواد مختص بالأئمة في الصلوات التي تقام فيها دعوة السلطان اتباعا لشعاره الآن، وتكره مخالفته فيه وإن لم يرد به شرع تحرزا من مباينته”(21) ). ولكن الماوردي، الفقيه الممارس لشؤون الحياة العملية والمفكر السياسي الراجح الرأي، كان يرى. ويعلم أن ” الوحدة” لم تكن كذلك إلا في علياء النظر والتأمل، فأما في حقيقة الواقع فقد كانت فرقة وتعددا، تزاحم بها سلطةالخليفة بل وتطرد وتقصي في أحوال عديدة. وما يعلمنا تاريخ الفكر السياسي أن المفكر يلتجأ إليه فيفلح أن يخطئ في القيام به فهو التبرير: تبرير الواقع وتفسيره على نحو يحفظ للفكرة الحد الضروري من الاتساق والانسجام، وتفريع النظرية إلى نقتضيات وأحوال تنفيذ ” الوحدة ” من شر ” التعدد ” ولهيبه.
-2 الملاحظة الثانية إذن هي أن التشريع السياسي، في عمل الفقيه الماوردي، يخضع لضرورة التبرير ويعمل بما يمليه منطقه وضرورته معا. فما تقتضيه أحكام الإمامة، على النحو الذي تكون السلطة فيه واحدة ووحيدة، هو أن الولايات أو النيابات عن الخليفة تكون أربعة أقسام : فإما ولابة عامة في أعمال عامة، كما هو الشأن في الوزراء. وإما ولاية عامة في أمور خاصة، وذلك شأن أمراء الأقاليم والبلدان . أو ولاية عامة خاصة في أعمال عامة ” وهم كقاضي القضاة ونقيب الجيوش…”. والقسم الرابع والأخير هو الولاية الخاصة في الأعمال الخاصة ” كقاضي بلد أو إقليم أو مستوفى خراجه…”. ولكن الواقع الفعلي هو أن الولاة كانوا يستبدون بالأمر حينا ، بل وإن الاستبداد ليصل درجة الاستقلال بالسلطة والحكم أو أنه يبلغ مرتبة من القوة يصبح فيها الوالي هو الحاكم الفعلي الحقيقي الذي لم يتحرج، في أوقات من تاريخ الإسلام، من الحجر على الخليفة والتضييق عليه. وإذن فإن الولاية كانت ” ولاية قوة واستيلاء” لا تنعقد عن اختيار الخليفة ورضاه فهي تتمايز، جملة وتفصبلا، عن الشكل الآخر الذي يشبه أحد الشكلين، الأول أو الثاني، من الوليات المذكورةأعلاه.. وبالتالي فقد وجب أن يشرع لها من الأحكام ما يحفظ على الخلافة ماء الوجه، وأن يضفي عليها من أشكال التبرير ما يحيل التعدد والتشتت في الدولة إلى الحدة والاجتماع. والماوردي يبلغ في أحكام ” ولاية الاستيلاء” مبلغا عظيما من التشريع التبريري وأول ما يقوله، في أحكام هذه الإمارة، هوأن الأمر فيها “وإن خرجعن عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلا مدخولا ولا فاسدا معلولا فجاز فيه، مع الاستيلاء والاضطرار، ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار لوقوع الفرق بين شروط المكنة والعجز” (22) – فالتبرير يجد في المبدأالأصولي الذي يقضي بأن الضرورات تبيح المحظورات يجد متنفسا ومجالا للتشريع لأحكام هذه ” الولاية” الغريبة من وقوعها فعلا. والتشريع، في هذا المجال، يقتضي النظر إلى المستولى من حيث استيفاؤه أو عدم استيفائه لشروط تراعى بها قوانين الشرع وتحفظ حرمته. فأما إن كملت في المسنولى ” شروط الاختيار” فإن تقليده يكون ” حتما استدعاء لطاعنه ودفعا لمشاقته ومخالفته وصار، بالإذن له ، نافذ التصرف فب حقوق الملة وأحكام الأمة (…) وجاز له أن يستوزر وزير تفويض ووزير تنفيذ”. وأما إن لم تكمل تلك الشروط في المستولى فإنه يجوز ” الخلافة إظهار تقليده استدعاء لطاعته وحسما لمخالفته ومعاندته” وبالجملة فإنه، بالنظر إلى ما تقتضيه المصلحة العامة وما يستوجبه الإقرار الضمني بالمبدأ الأصولي الآخر الذي يقضي بأن درأ المفاسد مقدم على جلب المنافع، أمام ” التبربر” باب فسيح لا ينسد أبدا.
-3 والملاحظة الثالثة هي، في الواقع، استخلاص طبيعي مما تفيده الملاحظتان السابقتان جملة وما تفيده الأخيرة ومنهما خاصة وهي المتعلقة بما يمليه على الماوردي (الشافعي والأشعري معا ) فهمه الشخص لمعنى ” المصلحة ” وإدراكه لمكامن وجودها . ولعلي أرصد هذا الفهم في مثالين أكتفي بهما وآخذ أولهما من الباب الأول ( في عقد الإمامة ) وثانيهما من الباب العشرين ( في أحكام الحسبة) . فعندما يعرض الفقيسه الشافعي للأحوال التي يتكافأ فيها شخصان اثنان في شروط الإمامة فإن ما يتعين اعتباره في الخلاف حاسما هو ” ما يوجبه حكم الوقت” : ولا شأن لنا إلى التنبيه إلى ما يمكن أن يقود إليه الاجهاد في الوجوب وفي حكم الوقت معا ولربما غدت الإشارة، في ضوء ما سلف من تنبيهات، كافية بذاتها ومغنية عن التوضيح والتفصيل. وعندما يشرع الفقيه لأحكام الحسبة فإنه ينتهي إلى الحديث عن اجتهاد المحتسب فيما كان قد تقرر عن طريق العرف لا الشرع ” والفرق بين الاجتهادين أن الاجتهاد الشرعي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالشرع، والاجتهاد العرفي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالمعرفة”. ولا نظن أننا في حاجة إلى التذكير بأن كل أصل ينتج عنه فرع بل وفروع، ولا نحسب أننا في حاجة إلى عود على بدء نذكر فيه بالعلاقة الوطيدة التي تقوم بين الاجتهاد والقياس من جهة وما يقوم بين الاجتهاد وتوخي المصلحة من جهة أخرى.
وبعد، فنحن في عمل أبي الحسن الماوردي التشريعي في مجال السياسة (أو فقه المعاملات في معناهما الواسع ) أمام مقدرة هائلة على إعمال الفقهي في حل إشكالات الواقع المعقد والسيء معا، ولعل أفضل ترجمان لتلك المقدرة هو ما رأيناه، في الفقرة السابقة فقط، من تمكن من إدراك معنى المصلحة وقدرة على تطويع المفهوم على نحو يتقاطع فيه الأصل الأول الذي يثبت بالشرع، مع الأصل الثاني الذي يتقرر بالعرف . ونحن في عمل الماوردي، الناظر في أحوال الأمم والباحث في قواعد الملك وطبائع السياسة، أمام المفكر السني وقد أمكنه أن يستوعب حظا من ” علوم الأوائل” وجانبا غير يسير من ” كتب الحكمة” وآداب الإنسانية التي تقع خارج دائرة الاعتقاد الإسلامي. وبالجملة، فنحن مع أبي الحسن الماوردي نقف عند لحظة من أشد لحظات النظر السياسي خصوبة في الإسلام، ونقف عند صورة بهية مشرقة من صور الحظارة الإسلامية في بعدها الذكي الخلاق وفي جانبها الأكثر انفتاحا على رحاب الفكر البشري الشمولي.