أ.د. أحمد محمد وهبان

الحضارة الغربية والمجتمع المسلم

كاتب الموضوع الأصلي: سعود الشبانات

لعل التعصب الديني هو الذي حمل الغرب دائماً على تشويه منجزات المسلمين والعرب، وطمس فضلهم على الحضارة الأوربية، وأن طبيعة العلاقات بين الغرب والإسلام منذ ظهور الإسلام إلى يومنا الحاضر تبين كيف يمكن للعواطف والأهواء أن تملى التاريخ بصورة معينة، أي بصورة مشبوهة، وأبعد ما تكون عن الواقع والحقيقة، وفى هذا الإطار تؤكد الكتابات الدينية والسياسية أيضا على عمق الفجوة الحضارية بين الغرب والشرق في ما يتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة والدور الجوهري والعضوي الذي يلعبه الدين في حياة الفرد والمجتمع في الشرق، ففي الوقت الذي استطاعت فيه المجتمعات الغربية فصل الدين عن الدولة وعلمنة النظرية السياسية وحماية الدين من تداعيات اللعبة السياسية ومنع تسييسه، فشلت المجتمعات العربية والإسلامية في تحييد الدين عن المسرح السياسي ومنع استغلاله وتسييسه.

والأكثر من ذلك أن معظم المجتمعات العربية تشهد حالياً إحياءاً دينياً ليس فقط في حياة الفرد والمجتمع بل أيضا في الحياة الثقافية والسياسية، ففي نظر معظم المهتمين بشؤون المجتمعات العربية، ثمة اختلاف شاسع وتمايز شديد بين الغرب والشرق الإسلامي المتدين، ومن هنا يكمن جوهر الإشكالية الحضارية بين الثقافتين.
فالحضارة ظاهرة إنسانية عامة موجودة ما وجد الإنسان الذي أنعم الله عليه بالعقل والإرادة والبيان، فالإنسان دائماً قادر على تجميع خبراته واحتوائها وتذكرها والاستفادة منها(1) وقبل تناول هذه المرحلة في حياة الشعوب لابد من طرح الثوابت التي تعد من المسلمات وتتمثل في أن أية حضارة لابد أن تتكون من عنصرين أحدهما مادي، والأخر معنوي.
فالعنصر المادي يتضمن الماديات كالزراعة والتجارة والصناعة والطب، والفلك مثلاً وهذا الجانب ليس له وطن، وينتقل من حضارة لأخرى، ومن بلد لأخر بسهوله عن طريق الترجمة واكتساب الخبرات، ولعل الحضارة الأوربية استطاعت أن تجوب كل بلدان العالم، ولكن مع احتفاظ كل شعب بخصائصه الذاتية في المرحلة الراهنة.، أما العنصر المعنوي، فهو يتمثل في الخصائص التي تميز شعباً عن شعب، وبالتالي حضارة عن حضارة، وهذا الجانب المعنوي يتجسد في القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية وعلى رأسها اللغة والقانون حيث ترتبط الثقافة ارتباطا وثيقا بالاعتقاد، بل أنها تبنى على الأساس العقائدي وتنتج عنه، سواء أكان الأساس دينا أو فلسفة، أو أيديولوجية، ففي الغرب ترتبط الثقافة في علاقة وظيفية بفلسفتهم عن الإنسان، فالفلسفة في رأى الغرب هي فلسفة الإنسان.(2) فالإنسانية كلها عبارة عن مجموعة حضارات تتبادل الصدارة وتتكامل فيها بينها. وبعض الشعوب لديها القدرة على متابعة الحضارة وبعضها الأخر عاجز عن ملاحقه هذا التقدم المادي المذهل.
ويذكر تاريخياً أن لشعب المصري أوجد الحضارة الفرعونية القديمة ثم انتقلت إلى الإغريق الذين أضافوا إليها الكثير من الفكر والثقافة، وانتقلت بعد ذلك إلى الرومان فأضافوا أيضا إليها الكثير، ثم العرب المسلمين ثم إلى أوربا في عصر النهضة، ولكل منهم إضافته، وهكذا فالحضارات المختلفة تبادلت الإنجازات والمخترعات والعلوم الحديثة أي الجانب المادي منها والثابت أن النتاج الحضاري لا يولد بين يوم وليلة، بل أن لذلك مراحل وتطورات وثوابت قامت عليها الحضارة الحالية فقد كانت هناك حضارات ست كانت وراء التحرك الحضاري في القديم هي الحضارتان المصرية – السومرية وحضارتا المايا، والانديز فى العالم الجديد، والحضارتان الصينية والمينوية Minoan والأخيرة قامت في كريت، وتعد أصل للحضارتين الإغريقية – والرومانية، ففي الثقافة الهندية مثلا تحكم المجتمع قيم عنصرية متخلفة في عنصريتها، فطبقا لقانون ( منو) يتم تقسيم المجتمع لخمس طبقات أعلاها البراهمة وأدناها ( جندال) وجاء في التلمود أن اليهود يفضلون الأمميين، كما يفضل الإنسان البهيمة.”(3)
ويبدو بوضوح أن الفارق بين الحضارة الإسلامية والغربية كبير حيث أن تقدم الغرب ارتبط بتخلف جزء كبير من العالم، فنموه كان بالضرورة وليد نهب ثروات القارات الثلاث ونقلها إلى أوربا وأمريكا، وبالمقابل فإن الغرب هو الذي جعل ما نسميه العالم الثالث متخلفا(4) وان شئنا الدقة العالم الإسلامى متخلفاً فالحضارة الإسلامية وبما تملكه من تصورات وقيم وتفاعل ووجود تقبل حوار الحضارات، تتحاور معها بمقاييس ثابتة ، وتجادل بالتي هي أحسن مستهدفه إقرار الحقائق الثابتة في الكون والطبيعة، واستطاعت الحضارة الغربية بعد جولات عديدة ضد المسلمين أن تكون هي الحضارة الغالبة وأن يكون أصحابها هم المسيطرون على بلدان العالم الإسلامي سيطرة متطورة حينا، وغير متطورة حينا أخر(5)
فالمجتمعات الإسلامية في العالم الإسلامي قد انبهرت بمعطيات هذه الحضارة الغربية، ثم انقسمت على نفسها إزاء الأخذ عنها إلى ثلاث أقسام.
الأول: أثر أن يغلق النوافذ والأبواب دون هذه الحضارة الوافدة، واعتبر أن كل ما جاء فيها أوجاء عنها شراً فحاربها وناصبها العداء، وهو في موقف المغلوب على أمره.
الثاني: كان على النقيض، فلم يفتح النوافذ والأبواب أمام حضارة الغرب وإنما اندفع إلى الحضارة الغربية يعب منها دون نظر أو تميز.
الثالث: لم يعجبة أن تهمل الحضارة الغربية كلها، ولا أن تتجاهل وسائلها في ترفيه العيش، وإشباع رغبات الإنسان ونزواته، ووقف ليقيم مزجاً بين الحضارتين.
فالحضارة الغربية حضارة تتميز بالوسائل، ويمكن أن نتطلع إليها على مستوى الوسائل، ونستطيع أن نجمل هذه الوسائل في ثلاث عناصر هي التقدم العلمي، والمعرفة التكنولوجية، والصناعة، فهي حضارة منهج وتنسيق وتنظيم، ومحاولة استئناس للظواهر الطبيعية والتعامل معها، ومع الظواهر الإنسانية بهدف السيطرة عليها خصوصا مابين الحربين العالميتين الأخيرتين وما بعدها، وأن الغرب قد بلغ من التفوق المادي حداً كبيرا وضع قيادة العالم في يده إلى حد بعيد، وربط به مصير البشرية وشكل المناخ الذي يسود العالم المتحضر من شرقه إلى غربة (6) إلا أن الحضارة الغربية فشلت كما هو ثابت بالأدلة والبرهان في توجيه الإنسان أو تحقيق أدنى درجات الأمن والاستقرار، لأنها لم تعتني به مثلما اهتمت بالحيوان والجماد والماديات عموماً، ولم تستطع أن توقف التيار الجارف من الأمراض، وحالات الانتحار للتخلص من الحياة.
وبالتالي نستطيع القول بأن الحضارة الغربية من صنع الناس للناس، وأنها تنكرت لكل دين وانطلقت تشبع في الإنسان حيوانيته على حساب إنسانيته، فكان ما كان من الحيرة والتخبط والضياع، وإن كانت الحضارة الغربية مرتبطة بشكل واضح بالديانة المسيحية إلا أن الحضارة التي كانت سائدة في أوربا قديماً، وما زالت تحتفظ الحضارة الراهنة ببعض منها اعتمدت على محورين أساسيين هما:
الأول: فصل الدين عن الدولة، لأن المسيحية كدين لا دخل لها بتنظيم الأمور الدنيوية على الإطلاق، إعمالاً بقول المسيح ” ردوا ما لقيصر لقيصر، وردوا ما لله، لله” ولم يكن لدى الغرب تنظيم في الحكم، ولا حتى تنظيم اقتصادي أو قانوني أو شيء من هذا القبيل، لذلك كان المسيح يردد:” مملكتي ليست هنا، إنما في السماء” إذن فهي دعوة للأخلاق الفاضلة والرباط الذي يربط بين الناس وخالقهم ، أما الأمور الدنيوية فليس لها دخل في فترة ما سمي بالعصور الوسطي في أوربا.
وقبل عصر النهضة تجاوز البابا هذا النطاق، وأقام لنفسه سلطة زمنية يعين بها الولاة والحكام ويمنح صكوك الغفران ويدخل الجنة والنار، وبذلك اعتلى على السلطة الزمنية للحكام على خلاف ما تقول به المسيحية، ثم جاءت الثورة الفرنسية وأعادت الأمور إلى نصابها الصحيح، وفصلت الدين عن الدولة كما تنادى المسيحية بذلك، وهذه الدولة هي ما تسمى بالدولة العلمانية في العصر الحديث.
الثاني: يتمثل في التراث الثقافي والحضاري المأخوذ عن الفلسفة الإغريقية والقانون الروماني، وكذلك ما ورد في الإنجيل من قيم أخلاقية كما أخذ الغرب عن الحضارة الإسلامية أشياء كثيرة، فالغرب ظل يعيش في ظلام العصور الوسطي غارقاً في التأخر والتخلف يوم أن كان العالم الإسلامي ينعم بالحضارة الإسلامية، وعبر الأندلس، وصقلية، والحروب الصليبية المتتالية على البلدان الإسلامية تم نقل الحضارة الإسلامية إلى الغرب.
أما الإسلام فقد أتى بأسس جديدة منها الجمع بين الدين والدولة في كيان واحد ولأن الإسلام بطبيعته دين حضارة ودولة، فقد اتخذ لنفسه منهجاً سوياً يوصله إلى ما يريد، فبدأ بإعداد الفرد المسلم وتربيته تربية إسلامية باعتباره الأساس الذي يقوم عليه المجتمع الإسلامي، وتقوم الحضارة الإسلامية على أساس من الكتاب والسنة وما اشتملا عليه من قيم ومبادىء وأحكام وعبادات مفروضة تصدر جميعاً عن مركز الدائرة في الإسلام(7).
كما أن ولاء المسلم وقبل كل شيء هو لعقيدته الدينية التي تضمنها كتاب الله ورسوله (صلى الله علية وسلم)، كما أن تاريخه وأمجاده هو تاريخ الإسلام خلال العصور السابقة، فالإسلام بالنسبة للمسلم عقيدة وعبادة وشريعة وخلق ونظام حياة وثقافة وحضارة وتراث وتمثل اللغة العربية الوعاء لكل هذه المضامين على مدار أربعة عشرة قرناً من الزمان.(8)
فالقيم في الحضارة الإسلامية تستند إلى أساس متين، حيث الإيمان بالله ومن ثم كانت ثابتة راسخة دائمة لا تعصف بها الأهواء، ولا تهزها الأزمات، ولا تؤثر فيها المغريات ولا يغير في جوهرها تطور المجتمعات وتتابع الدول، ولا مرور الأزمان وتعاقب العصور، ومن أهم هذه القيم التي أقامها الإسلام لتكون أساس الحضارة الإسلامية الآتى(9)
العدل: وهو من القيم الأصلية الراسخة في الحضارة الإسلامية، و في تاريخ الأمم والشعوب الإسلامية، شهد بذلك كل من سمع به من سيرة الحكام والقضاة المسلمين، أو اطلع على النصوص القاطعة التي أمرت به أمراً، لا مجال للترخيص أو الاجتهاد فيه فقال تعالى ” إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس لأن تحكموا بالعدل “
وقال أيضا ” ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ” وقال كذلك ” وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى”، وقد ضرب الرسول (صلى الله عليه وسلم) المثل الأعلى في العدل حينما جاء أسامة بن زيد يستشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، وعزم الرسول على تنفيذ شرع الله فيها بقطع يدها فقال له: أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ” رواه البخاري ومسلم.
الشورى: والشورى في الإسلام مقدسة لأنها أمر رباني، لا يجوز لحاكم أن يعطلها ليبسط سلطان طغيانه على الناس، فقال تعالى “وأمرهم شورى بينهم “ وقال أيضا”وشاورهم في الأمر”
فالحاكم في الدول ذات الدساتير الوضيعة له أن يعطل الدستور، ويفرض الأحكام العرفية كما شاء باسم الضرورات، والأمن الداخلي، لذلك كان من سماحة الشورى في الإسلام أن سمح الحكام المسلمين بالرأي الأخر، فقال عمر بن الخطاب للمرأة التي ردت عليه بشأن المهور، أخطأ عمر وأصابت امرأة، وكما قال أيضاً إذ إعترضه أحد المعترضين ” لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها “
والشورى في الإسلام تستمد قيمتها من هدى الإسلام الحنيف الذي لم يجعلها شورى الغوغاء كما هو الحال في البرلمانات والمجالس في كل بلاد العالم، وإنما جعلها شورى قاصرة على عليه القوم من ذوى العقول الراجحة والكفاءات العلمية النادرة “
المساواة: وهى القيمة الكبرى في المجتمع الإسلامي، وهى ليست وليدة اجتهاد فردى أو نتاج تفكير فلسفي، وإنما مبدأ أصيل فى التكوين الاسلامى. ، قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أنقاكم “، ومن ثم لا فضل لعربي على أوربي مسلم ولا لأبيض على أسود، الناس كلهم في ميزان الإسلام سواء، وقال الرسول صلى الله علية وسلم “ لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى “وقال أيضا” الناس سواسية كأسنان المشط ” الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ”
وإذا ما علمنا أن الإسلام قرر هذه القيمة في المجتمع الإسلامي منذ ظهوره وأن الإنسانية التي لم تهتد بهدى الإسلام لا تزال تعانى إلى اليوم من مشكلة الطبقات ومن معضلة الملونين والتفاوت الرهيب بينهم وبين البيض.
تكافؤ الفرص: وقد تضافرت على إنشاء الحضارة الإسلامية كنوز الفكر الإنساني من جميع الأجناس والألوان واللغات وانصبت في حياضها ثمرات قرائحه على مدى العصور والأزمان، فكانت حضارية إنسانية عامة، لا تختص بجنس دون جنس ولا لغة دون لغة، ولولا هذه النظرة الإنسانية الشاملة للمواهب البشرية ما وصلت الحضارة الإسلامية إلى هذا الشأن الرفيع الذي وصلت إليه فى السابق.
المحبة والتآخي: الرابطة التي تربط المسلم بأخيه مهما كان حبه ولونه ولغته هي رابطة الإيمان بالله، إنما المؤمنون أخوه، وأخوة الإيمان أوثق روابط النفوس وأمتن عرى القلوب، وأسمى صلات العقول والأرواح
فقال الرسول صلى الله علية وسلم: ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ” وقال: فى حديث السبعة الذين يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله “ رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه “ وقال: والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم ” وقال ” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ” رواة مسلم “وقال مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ” رواة مسلم .
ومما يؤكد مرونة الإسلام وعدالته وتآخيه مع الشعوب التي فتحها أنه في عهد عمر بن عبد العزيز اجتاحت جيوش المسلمين أراضى ما وراء النهر (جيحون ) في بلاد أوزباكستان اليوم، وأراضى التركستان، ثم أن الإسلام لم يتأصل في تلك الأمصار النائية في قلب العالم الإسلامي، إلا بعد حادثة فريدة لم تكن لتقع لولا الحرية التي أتاحها الإسلام للناس سواء المسلمين، أم غير المسلمين ”
فقد خرج أهل سمرقند من أراضى التركستان ووفدوا إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فرفعوا إليه مظلمتهم بأن قتيبة بن مسلم – قائد جيوش المسلمين – دخل مدينتهم واستولى عليها على غدر، فكتب عمر إلى قتيبة بطالبة بأن ينصب لهولاء قاضيا ينظر في شكواهم، فنصب قتيبة الصحابي جميع بن عامر فحكم بخروج المسلمين من المدينة وبالفعل تحركت الجيوش المسلمة وخرجت من سمرقند، وتعجب أهل المدينة من أمر هذا الدين، وأعلنوا الدخول في الإسلام. إحساسا بأن هذا الدين والعدل والرحمة والإنصاف الذي يحمله لم يعهدوها في أي عقيدة أو مذهب اعتنقوه فيما سبق إيمانهم بالإسلام.(10)
أما عندما طرد المسلمون من صقلية 464هـ على أيدي فرسان النورمان النصارى، أمعن هؤلاء الفرسان في العدوان على أهلها وقتلوا كل من وجدوه من المسلمين، ولم يلبث أهالي الجزيرة أن اعترفوا بأن صداقة فرسان النورمان لهم أشد عبئاً عليهم من عداوة العرب، حتى اضطر البابا ليون التاسع إلى حرب النورمان، فأسره وصاروا يدخلون الأديرة ويذبحون رهبانها ويسلبون ما فيها من الأموال والغلال.(11)
ولعل التضارب وعدم وضوح الرؤية كانت وراء التعقيد الذي أصاب مفهوم الديانة النصرانية مثلها في هذا الشأن مثل اليهودية، حيث كانت هناك صعوبة في مخاطبة العقل والمنطق وانعدام الأساس المتين الذي يقوم عليه الدين، فالنصراني حتى يكون مؤمناً حقاً أو متديناً عليه أن يؤمن بعقيدة التثليث الأب والابن والروح القدس(12) وهو اعتقاد يعترف الكثيرين من المفكرين حتى في الغرب بأنه محير وصعب الفهم ولا يمكن إثباته أو تحقيقة، فقط على الفرد أن يؤمن به، فالخالق قد يكون أباً، وقد يكون ابنا أيضاً وقد يكون روح القدس تارة ثالثة.
فالمسيحية في حقيقتها لفظ أطلقة اليهود على أتباع عيسى من مريم واعتبروه الماسيا المكتوب عندهم في التوراة، والمعنى الأغريقى لكلمة الماسيا هي كريست أو كريستوس، وهى كلمة مبهمة جاءت بعد وفاة المسيح علية السلام. وبالتالي فقد خلعت أوربا روح الحضارة والمدنية، وخلفتها وراء ظهرها وسارت على نهجها كذلك دول العالم الجديد، فى الوقت ذاتة لم تمنع القيم الدينية أوربا من ذبح سبعين ألفاً من المسلمين في بيت المقدس في شهر شعبان (492هـ –1099) وكتبوا إلى البابا يهنئونه بقولهم(13)
” ثق أنه في إيوان سليمان ومعبده كانت خيولنا تخوض في بحر من دماء الشرقيين”، كما لم تحول روح الحضارة كذلك بين أسبانيا وبين قتل وتشريد أكثر من ثلاثة ملايين من المسلمين بعد نكبة الأندلس، وهذا تقدير الأوربيين أنفسهم، ويمكن القول بأن عدد القتلى والمتشردين أضعاف ذلك بكثير وبأمر رئيس الأساقفة الأسباني آنذاك “اكزيمنيس” أحرق ثمانون ألف مخطوط عربي واسلامى، وبهذه الصورة كان يتعامل الغرب مع حضارة المسلمين، في حين تشمل عدالة الإسلام غير المسلمين ما داموا سالمين فاختلاف الأديان يحكم فيه الخالق سبحانه، وليس مبرراً للتظالم والعدوان ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين “
والثابت أن الصراع بين الإسلام والغرب القائم في أكثر من مكان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لن يتوقف ما دام الفكر والعقيدة قائمان, أو بعبارة أخرى صراعا ثقافيا حضاريا، فالصراع في أسيا على سبيل المثال هو صراع فكرى سياسي حضاري حيث أن التبشير الصليبي تحركه العقيدة في هذه البقعة من العالم وهو في نفس الوقت يمهد للسياسة التي هي الاستيلاء على مقدرات الشعوب المسلمة – عقيدة – و شعبا – ونظاما – ومن ثم بسط النفوذ الاستعماري عليها.
وقديماً كانت العقيدة هى المحرك الأول للحروب الصليبية مستهدفة السطو على البلدان الإسلامية – وبسط النفوذ السياسي عليها ومتسمه بسمات الدين ومنطلقه من البابوية في روما، كما أن الرئيس الامريكى جورج دبليو بوش وإعلانه انه سوف يخوض حربا صليبيه على العالم الإسلامى ثم الرجوع عن مقولته بعد حاله الاستياء التى سادت كافه البلدان الاسلاميه والعربية وشعور الأقليات المسلمة فى الغرب بنوع من القلق، يؤكد البعض من المفكرين أنها لم تكن فى حقيقتها ذله لسان وإنما كشفت عما يحمله الرئيس الأمريكى من حقد دفين تجاه الإسلام، والرغبة في التخلص من بعض الانظمة الإسلامية وخاصة في إيران – والسودان – والسعودية والعراق، وتحجيم الدور الذي من المفترض أن يلعبه الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن في المرحلة القادمة بعد تصعيده ليكون هو المفاوض الوحيد مع الاداره الأمريكية والقيادة الإسرائيلية في مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم أزمة استقالته وتعيين أحمد قريع أبو علاء خلفاً له، وفوز منظمة حماس فى الإنتخابات التشريعية وتكليفها من قبل الشعب الفلسطينى بتشكيل الحكومة ، والسعي الإسرائيلي نحو تصفية الزعيم الروحي لحركة حماس الشيخ أحمد ياسين ونجاحهم فى ذلك ، وإعلان الاتحاد الأوربي أن منظمة حماس والجهاد الإسلامي من المنظمات الإرهابية والمتطرفة في منطقة الشرق الأوسط، وأنهما السبب المباشر في المماطلة في تنفيذ خارطة الطريق، وإصرار رئيس الوزراء الاسرائيلى على استبعاد منظمة حماس من المفاوضات من ناحية ، والمطالبة بوقف الدعم الدولى للشعب الفلسطينى طالما أن حماس هى التى تتولى رئاسة الحكومة من ناحية أخرى.
لذلك استغلت إسرائيل ما حدث في الولايات المتحدة من تخريب وتدمير وراحت تروج لفكره أن مرتكبي الحادث ينتمون إلى دول عربيه مسلمه وحاولت الزج بالمقاومة الفلسطينية وحزب الله اللبناني ضمن قائمه الجهات التي رتبت لهذه الاعتداءات في الوقت الذي أعلنت فيه الاداره الامريكيه في أعقاب الأزمة أنها لا تمانع من وجود دوله فلسطينية مستقلة ضمن حدود آمنه ومعترف بها وكان ذلك في أعقاب تصريحه عن الحرب الصليبيبه التي يفكر في شنها ضد العالم الاسلامى.
ومن هنا يمكن القول أن الحضارة الغربية وإن كانت خليفتها مسيحية أساسا إلا أنها نتاج اجتهادات بشريه وبالتالي فان الاشاره تصريحياً أو ضمنياً للصراع الحضاري ليس في محلها البتة., والحال أن المسلمين يتحولون يوما بعد أخر الى جزء من المجتمعات الغربية ويشاركون بقيه مكونات هذه المجتمعات أمالها وآلامها ويشتركون معهم في المصير نفسه، ويساهمون بسواعدهم وفكرهم في النهوض بهذه المجتمعات وخدمتها.
ولا شك أن الخيار البديل لصدام الحضارات هو أن تتفاعل الحضارات الإنسانية مع بعضها البعض، بما يعود على الإنسان والبشرية بالرخاء، فالتفاعل عمليه صراعية ولكنها متجه إلى البناء والاستجابة الحضارية لتحديات الراهن, عكس نظرية صدام الحضارات التي هي مقوله صراعية تدفع الغرب بإمكانياتة العلمية والمادية لممارسه الهيمنة والسيطرة ونفى الأخر والاستيلاء على مقدراته وثرواته وان أدى ذلك إلى إعلان الحرب أيا كان دافعها ديني-أم سياسي – أم اقتصادي على الأخر.
وبالطبع فان أشرس حروب الابادة هي التي تتعرض لها الأقليات الاسلامية في عالم ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وهي تلك التي تشن باسم المسيح عليه السلام، وهي في الواقع امتداد لحروب صليبيه تركت بصماتها على الأنظمه الحديثة وليس من العجيب أن يشن النظام الشيوعي حروب الابادة على الأقليات المسلمة في الأراضى الواقعة تحت نفوذه كما كان في الماضي وكما يحدث الآن في الصين، فقد ظهرت هذه السياسة بوضوح منذ عام 1917 م، وقد كشفت عن وجهها في تخليها عن الدين وإعلان الحروب على الإنسان حتى أصبحت الشيوعية والانسانية يسيران في طريقان متوازيان.

وقد أدى تهميش الدور الإسلامي على الساحة الدولية (منظمات، هيئات، شعوب، أقليات) بعد حالة التمزق التي أصابت العالم العربي والإسلامي على حد سواء في أعقاب حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفيتي ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلى انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، إذ يعيش المسلمون اليوم محنة حقيقية وخصوصاً مجتمع الأقليات منهم، ليس في منطقة البلقان وحدها بل في معظم بلدان العالم تقريباً حيث تعامل العالم الإسلامي مع النظام العالمي الجديد بوجوم شديد، كما تعامل معه بعض الرؤساء والحكام العرب والمسلمين بروح النظام الذي سبقه، أو روح الحرب الباردة والاستقطاب الدولي واللعب على الحبال بين المعسكرين، فكانت هزيمة أقوى بلد عربي عسكرياً وتكنولوجياً في حينه وهو العراق مع مطلع حقبة التسعينيات من القرن العشرين ثم احتلاله من قبل القوات الأمريكية في أبريل 2003.
كما أصبح هاجس أوربا كلها يتمثل في كيفية ضرب وحصار العالم الإسلامي حتى لا يتمكن من امتلاك السلاح النووي أو أسلحة الدمار الشامل، الذي إن تحقق له ذلك – من دولة مثل كازاخستان المسلمة- لأمكن أن يحدث به توازناً عالمياً في ميزان القوى، وبالتالي كان فرض حظر امتلاكه على كل من (العراق، إيران، سوريا، ليبيا، السودان، مصر) في الوقت الذي تمتلك فيه إسرائيل السلاح النووي وتهدد به كل من لا يرغب في التفاوض معها، وهى الأقل حجماً من حيث المساحة، والأقل سكاناً، هذا فضلاً عن اغتصابها للأراضي العربية يقابله عدم اهتمام القادة العرب والمسلمين بهذه النوعية من الأسلحة منذ الخمسينيات وحتى الستينيات، وبدأت الشعوب العربية والإسلامية تسلح نفسها بالسلاح والعتاد الحربي المتطور مع مطلع السبعينيات من القرن العشرين.
ففي الوقت الذي كان فيه “شيمون بيريز” رئيس وزراء إسرائيل الأسبق يقوم برحلات متواصلة بين تل أبيب وباريس لإنشاء مفاعل ” ديمونة ” النووي في صحراء النقب، كان جمال عبد الناصر زعيم أقوى دولة عربية وإسلامية آنذاك وهى “مصر” يقوم بتصفية عناصر منشقة على حكمه من جماعة الإخوان المسلمين والشيوعيين، وتجاهل الصراع الدولي من حوله حتى التهديدات الإسرائيلية والتي ترتبط معه بحدود مشتركة بين البلدين، واكتفى ببعض الشعارات الحماسية وبقدراته العسكرية والتدميرية فتم هزيمته في 1967 في لحظات معدودة دون أن يستوعب ما حدث، وخرج على الشعب بقرار التنحي عن السلطة وتحمله أعباء الهزيمة، الأمر الذي رفضه الشعب وطالبه بالبقاء في السلطة فعاد إلى النغمة القديمة مرة أخرى وأنة سيمحو إسرائيل من الوجود، إلى أن جاءت حرب أكتوبر 1973 واسترد الشعب العربي كرامته المسلوبة وعودة معظم أراضية.(14)
إذن فالغرب يسعى جاهداً للقضاء على كل مظهر من مظاهر الإسلام على المستويين (أغلبيات – وأقليات إسلامية )، بل أن مجرد طرح الإسلام كمصطلح وكدين من شأنه أن يولد الكراهية من جانب مفكري وسياسي الغرب لكل من ينتمون إليه.
ومن هنا فإن العالم الإسلامي يواجه ضغوطاً عديدة، وهوية دينية مهددة بالضياع من تأثير عوامل اختراق سياسى واقتصادي وثقافي أوربي يساندها تآكل داخلي وتراجع في القيم والموروث الحضاري في المجتمعات العربية والإسلامية

Leave a Comment