الحكم الاستبدادي
كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الشيباني 1-4
يمر عالمنا العربي والإسلامي في الوقت الحاضر بأزمات خطيرة وداهمة حالت دون وصوله إلى تحقيق الحد الأدنى من تطلعاته في التنمية والوحدة والحرية، وأدت بالتالي إلى الفشل في الارتقاء إلى مستوى الحياة اللائقة أسوة بباقي شعوب وحضارات العالم.
الاستبداد أساس الفساد
”
“الاستبداد والتسلط بمختلف ألوانه وأشكاله هو شيء أعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية، لأنه يقف على طرف نقيض من حرية الإنسان ويجعله أسيرا بيد الجهل والتخلف
”
ويعود السبب الرئيس في هذا الفشل الذريع والتخلف إلى تعرض الشعب العربي، على مدار معظم تاريخه السياسي الطويل، إلى ممارسات أنظمة شمولية مستبدة وصلت إلى الحكم بقوة السلاح و/أو المال، وتسلطت على الشعوب باللاشرعية، وحافظت على طغيانها ووجودها بالعنف والقمع والاستبداد.
إن ركود الحالة السياسية الآن، وصمت الشارع العربي على كل تلك الهزائم السياسية والعسكرية، ما هو إلا نتيجة “طبيعية” و”منطقية” لممارسات تلك الأنظمة المستبدة وللقمع الشديد الذي مورس ضد ذلك الشارع وبخاصة ضد طلائعه المثقفة. وكان من نتائج حكم هذه الأنظمة المستبدة والقمعية أن تحول الشعب العربي إلى شعب مثقل بهمومه السياسية والمعيشية ومخاوفه الأمنية اليومية.
إن الشعوب في ظل مثل هذه الأنظمة لن تكون قادرة على مواجهة مشاكلها التنموية فضلا عن الهيمنة الاستعمارية. فالنظم الاستبدادية تقتل في شعوبها إرادة التفكير والتطوير والإبداع وتخلق مجتمعا متأزما. فأسير الاستبداد كما يقول الكواكبي “يعيش خاملا فاسدا ضائع القصد، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته”(1).
إن إشكالية الاستبداد بالرأي وعدم القدرة على تقبل الرأي الآخر والتشرذم الفكري المؤدي إلى الخلاف والاختلاف أصبحت صورة مألوفة في المجتمع العربي المعاصر، حيث غدت إشكالية واقعية معاصرة وعقبة حقيقية على طريق تحقيق وحدة شاملة للأمة في ظل حرية الرأي والتعبير عنه.
إن امتداد الوطن العربي على هذه الرقعة الجغرافية الكبيرة في قارتين من أكبر قارات العالم، وسيطرته بالتالي على أهم الممرات الإستراتيجية المائية، واحتواءه على ثروات هائلة وطاقات مادية وبشرية كبيرة جعلته عرضة لمختلف أنواع المؤامرات والفتن على مر العصور. كما أن ثرواته أغرت الدول الاستعمارية بتعميق سيطرتها وهيمنتها المباشرة على مقدرات المنطقة وتحقيق منافعها ومصالحها الاقتصادية والإستراتيجية على حساب مصالح الشعب العربي المالك الحقيقي لهذه الثروات.
صحيح أن الموقع الجغرافي الممتد للوطن العربي والثروات الهائلة الكامنة فيه قد جعلته على مر التاريخ عرضة للمؤامرات والغزوات الاستعمارية الطامعة فيه (التي لن يكون آخرها غزو العراق). إلا أنه يتوجب علينا أن لا نغفل العامل الداخلي الذي أوصلنا إلى هذا المستوى الخطير من الضعف والتخلف.
فالوطن العربي، من أقصى شرقه إلى غربه، يعاني من تعمق ظاهرة الاستبداد على كافة مناحي الحياة فيه. إن هذا المرض هو أهم مشكلة تعيشها أمتنا العربية الآن وتمنعها من التطور لتنهض وتتطور وتلحق بالدول المتقدمة. إن هيمنة الاستبداد على مختلف أوجه الحياة في عالمنا العربي المعاصر قد حرمت شعوبنا العربية من الطاقة الحركية التي تدفعها لبناء ذاتها وهي طاقة الحرية المسؤولة والقدرة الإبداعية على الابتكار الصحيح والتفكير العلمي الممنهج والتعبير السليم.
“فالاستبداد والتسلط بمختلف ألوانه وأشكاله هو شيء أعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية.. لأنه يقف على طرف نقيض من حرية الإنسان ومن قدرته على تحقيق الاختيار السليم، بل إنه يشل طاقة التفكير واستخدام العقل والفطرة الصافية عند الإنسان، ويرهن سعيه للمجهول، ويجعله أسيرا بيد الجهل والتخلف.. وهنا تقع الكارثة الكبرى عندما يفقد هذا الإنسان حريته لأنه يفقد معها كل شيء جميل في الحياة، إنه يفقد العزة والكرامة والأخلاق والعلم، وبالتالي يكون مصيره الموت المحتم أو العيش على هامش الحياة والوجود”(2).
يرى الكواكبي أن الاستبداد (بأشكاله المختلفة: الديني والسياسي والاقتصادي) هو أساس جميع الفساد وأن عاقبته لا تكون إلا الأسوأ، مثلما يرى في الاستبداد أكبر مشكلة يعانيها الشرق. ويعرف الاستبداد بقوله “الاستبداد في اللغة بمعنى اكتفاء الشخص برأيه في موضوع يحتاج إلى الشورى، لكن هذه اللفظة عند ذكرها بالصيغة المطلقة تفهم باستبداد الحكام. أما في اصطلاح أهل السياسة فهي تعني تصرف فرد أو جماعة بحقوق شعب دون الخوف من المؤاخذة والاستجواب”. ويرى أن الاستبداد هو “من صفات الحاكم المنفرد والمطلق العنان، الذي يتصرف في أمور رعيته بإرادته دون خوف من المحاسبة أو العقاب”(3).
ومن جهته يصف أفلاطون المستبد بقوله “المستبد يستولي على السلطة بالقوة ويمارسها بالعنف، بعد ذلك يسعى أولا إلى التخلص من أخطر خصومه، ويكثر من الوعود، ويبدأ بتقسيم الأراضي مما يجعله شعبيا ومحبوبا، وهو ما ينفك يفتعل حروبا ليظل الشعب بحاجة دائمة إلى قائد. وهذه الحروب تنهك كاهل المواطنين من خلال ما يدفعونه من ضرائب باهظة، فيضطرون إلى زيادة ساعات العمل مما لا يبقي لديهم وقتا للتآمر على المستبد. والحرب تساعده على التخلص من معارضي سياسته، حيث يقدمهم إلى الصفوف الأولى في المعركة. إن ذلك كله يدعو إلى استياء الجماهير، حتى أعوانه الذين دفعوه إلى السلطة، وهنا لا يجد أمامه إلا القضاء على المعارضة بما يملكه من وسائل العنف والقوة، فيزيد من تسلحه، ومن حرسه الخاص من المرتزقة، مما يتطلب نفقات طائلة، فيلجأ المستبد إلى مزيد من نهب خزائن الشعب الذي يدرك بعد فوات الأوان أنه وضع في حالة استعباد مسيس. فحكم القوة والإجرام وضيق الحظيرة وقلة الصبر عن الآراء المخالفة طبيعة ملازمة للحكومة المستبدة، ولا تلبث أن تنتشر هذه الطبائع في الدولة كلها وتعم العلاقات الاستبدادية المجتمع بهيئاته جميعها”(4).
الإرهاب والاستبداد
”
الحرب على الإرهاب أعطت الدول العربية المبرر الكافي لتتبنى تعريفا موسعا للإرهاب اعتمد في “الميثاق العربي لمكافحة الإرهاب” الذي واجه انتقادات واسعة من دوائر حقوق الإنسان العربية والعالمية
”
لقد ساهمت أنظمة الاستبداد في تبديد ثروات الأمة العربية، وأنفقت أموالا طائلة في شراء وتكديس أسلحة لن تستخدم قط إلا لقهر شعوبها. كما أنها ساهمت في تجذر التجزئة والفرقة وأفرغت مفهوم الوحدة من مضمونه وجعلت من الوحدة العربية حلما مستحيل التنفيذ.
كما عجزت عن وضع خطط عملية لمواجهة المشروع التفتيتي الأميركي الصهيوني الذي يستهدف هذه الأمة رغم ثرواتها وإمكانياتها الضخمة. ولا يبدو حتى الآن أن من أولويات هذه الأنظمة العمل على تنفيذ إصلاحات جذرية أو تحقيق انفراجات سياسية واجتماعية حقيقية والانفتاح على شعوبها والعمل على تحسين مستوى معيشتها أو فتح المجال أمامها لمزيد من حرية التعبير والرأي.
ولكن على العكس تماما من ذلك تستغل الأنظمة الخطر الصهيوني المتزايد كي تزيد من سطوتها وجبروتها وتعسفها. لقد استغلت أنظمة الاستبداد العربية أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول مبررا واهيا وإضافيا للغلو في كبح الحريات.
إن الحرب على الإرهاب التي أعقبت تلك الأحداث المأساوية قد أعطت الدول العربية المبرر الكافي -وإن كانت ليست بحاجة إليه- لتتبنى تعريفا موسعا للإرهاب اعتمد في “الميثاق العربي لمكافحة الإرهاب”(5). وقد سمح هذا الميثاق الذي واجه انتقادات واسعة من دوائر حقوق الإنسان العربية والعالمية، بالرقابة على الصحافة ومختلف المنشورات من مطبوعات وكتب وغيرها.
كما سمح بتقييد الوصول إلى الإنترنت وتقييد الطباعة والنشر لأي مادة قد تفسر على أنها تشجع الإرهاب. كذلك، فإن هذا الميثاق لا يحرم –صراحة- الاحتجاز أو التعذيب ولا يتيح السبيل للاعتراض على قانونية الاعتقال وفق ما جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003(6).
إن الحكومات العربية تتذرع باعتبارات الأمن والاستقرار وتتخذ منها مبررا لخوفها الدائم من مخاطر الحرية. إن مخاطر الاحتلال الإسرائيلي كانت دائما الذريعة المثلى لهذه الأنظمة لتأخير عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلدان العربية بدعوى المحافظة على الأمن القومي لمواجهة العدوان الخارجي.
عمدت الأنظمة العربية المختلفة في سعيها لقمع شعوبها وحرياتها الأساسية إلى سن قوانين استثنائية أوقفت العمل بعدد من تلك الحقوق والحريات الدستورية والضمانات القانونية. وهذه الأخيرة وإن كانت محدودة، إلا أنها مكتسبات لم تحصل عليها الشعوب العربية إلا بالنضال الطويل والتضحيات الكبيرة.
وقد صدرت تلك القوانين الاستثنائية بالاستناد إلى حالات الطوارئ أو الأحكام العرفية المعلنة نتيجة حالة الحرب مع إسرائيل أو تعرض الأمن الداخلي والخارجي إلى الخطر!! ودائما باسم المحافظة على أمن المواطنين ومصالحهم. لقد فرضت هذه القوانين في عدد كبير من الأقطار العربية وخاصة تلك المحاذية لإسرائيل على فترات متقطعة وأحيانا شبه دائمة بحيث أصبحت القوانين العادية هي الاستثناء والقوانين الاستثنائية هي الأصل والقاعدة.
من نتائج الاستبداد في الوطن العربي
”
إذا كان موقف أنظمة الاستبداد العربية مفهوما من كل هذه الكوارث التي حلت، فإن الأمر غير المفهوم هو هذا الصمت المطبق الذي خيم على الجماهير من المحيط إلى الخليج
”
ويرسم تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 صورة قاتمة للوضع العربي الراهن من النواحي الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. فمن الناحية الاقتصادية، وخلافا للوهم الشائع حول ثراء البلدان العربية بفضل النفط وعائداته، فإن مجمل الناتج الاقتصادي المحلي العربي في نهاية القرن العشرين الذي وصل بالكاد إلى 604 مليار دولار، لا يزيد إلا قليلا عن الناتج الإجمالي لأفقر دولة أوروبية وهي إسبانيا (559 مليار دولار).
أما الناتج القومي الإجمالي للفرد في قوة العمل فإنه يقل في مجمل البلدان العربية عن نصف مستواه في دولتين ناهضتين من دول العالم الثالث وهما كوريا الجنوبية والأرجنتين.
أما من الناحية الثقافية فقد أنتجت البلدان العربية مجتمعة 5600 كتاب في العام 1991 مقابل 102 ألف كتاب في أميركا الشمالية و42 ألفا في أميركا اللاتينية، كما أن الإنتاج العربي للكتاب متدن إلى حدوده الدنيا بالنسبة لحجم السكان بالمقارنة مع الدول الأخرى(7). ويعامل الكتاب في الكثير من البلدان العربية باعتباره سلعة محظورة تخضع للرقابة وللإجراءات البيرقراطية الكثيرة التي تثقل كاهل الناشرين وتعيق نشر الكتب وتوزيعها.
إن ضعف القوة الشرائية للقارئ العربي وتدني حجم القراء يعودان إلى الانتشار الواسع للأمية، حيث يعيش في هذه المنطقة من العالم 280 مليون نسمة أي 5% من سكان العالم، منهم 65 مليونا أميون وغالبية الأميين هم من النساء. كما تعاني هذه المجموعة البشرية الكبيرة الفقر والحرية المسلوبة، إضافة إلى كون المكتبات العامة فقيرة جدا في أغلب البلدان العربية.
أما نسبة الذين يتعاملون مع الإنترنت من الشباب العربي فهي بين النسب الأدنى في العالم، والدول العربية تعاني من نقص فاضح في عدد الحواسيب بالنسبة للسكان، فهناك أقل من 18 حاسوبا لكل 1000 شخص، علما بأن المتوسط العالمي يزيد عن 78 حاسوبا لكل ألف شخص، أي أكثر من أربعة أضعاف المتوسط في العالم العربي.
وهناك مشكلة أخرى يعاني منها الوطن العربي لا تقل خطورة عن سابقاتها، ألا وهي هجرة الأدمغة العربية. فبين عامي 1998 و2000 هاجر إلى أوروبا وحدها أكثر من 15 ألف طبيب. وهذا الاستنزاف الكبير والمستمر للأدمغة العربية يساهم في تعميق حالة التخلف الاقتصادي والمعرفي في الوطن العربي.
لقد سببت أنظمة الاستبداد العربية كوارث لا حصر لها للأمة بدءا من هزيمة 1948 إلى إجهاض تجربة الوحدة العربية الأولى في العام 1961، مرورا بكارثة عام 1967، وانتهاء بتوقيع معاهدة الصلح العربية – الإسرائيلية الانفرادية الأولى 1979 ثم كارثة غزو لبنان 1982 ودخول الجيش الإسرائيلي إلى أول عاصمة عربية.
وإذا كان موقف أنظمة الاستبداد العربية مفهوما من كل هذه الكوارث التي حلت بمنطقتنا، فإن الأمر غير المفهوم هو هذا الصمت المطبق الذي خيم على الجماهير من المحيط إلى الخليج إزاء هذه الكوارث، وحالة اللامبالاة بل البلادة تجاهها، وانعدام أي مظهر شعبي عفوي ضدها.
إن ما حصل كان نتيجة طبيعية لاستمرار حرمان المواطن العربي من حقوقه وحرياته الأساسية بأساليب جديدة ومتطورة قامت على سياسة “الإلهاء”، والترغيب والترهيب أو العصا والجزرة التي اتبعتها الأنظمة العربية الرسمية واستهدفت بواسطتها تدجين المواطن العربي وتطويعه وصولا إلى تعطيل اهتماماته العامة ومن ثم تقزيم أهدافه الوطنية والقومية.
فقد نجحت هذا الأنظمة في تقزيم هدف الأمة الإستراتيجي وهو الوحدة العربية الكبرى من المحيط إلى الخليج، وأصبح تحقيق هذا الهدف ضربا من الخيال. وأصبح كل أملنا الآن أن ننجح في المحافظة على رمز هذه الوحدة وهو الجامعة العربية بعدما أوشكت على الاضمحلال هي أيضا تحت وطأة الصعوبات والمشاكل الهيكلية والانتقادات العنيفة التي واجهتها.
لقد نجحت أنظمة الاستبداد السياسي في منطقتنا في تحويل مجتمعاتنا إلى مجتمعات ميتة سياسيا وفقيرة اجتماعيا واقتصاديا، ولذا فقد غدت قليلة الفاعلية والأثر ليس فقط في أحداث العالم بل في قضايا العرب المصيرية إلا على نحو سلبي وعقيم. كما نجحت هذه الأنظمة على امتداد كل هذه السنوات الطويلة منذ عهود الاستقلال حتى الآن في سحق إرادة شعوبنا العربية وإفشال وقتل معظم القيم الإيجابية فيها.